القسم الثاني من المبهم
وهو الاسم الموصول
كالذي والتي، ومَنْ ومَا وغيرها من الموصولات شأنها هذا الشأن؛ ألا ترى أن هذه الأسماء لا تخص مسمى دون مسمى، فهذا إبهامها، وأنها معارف بصلاتها بدليل امتناع علامة النكرة من الدخول عليها، وهي «رُبَّ»، ووصفها بالمعارف دون النكرات إذا قلت: مررت بالذي في الدار الظريف، فقد استبان أنها مبهمة وأنها معارف؛ وتعرفها بصلاتها لا غير؛ وليست الألف واللام في الذي والتي وفروعها بمعرفة، بل زائدة زيادة لازمة عندهم وذاك لإصلاح اللفظ، إذ كانت أوصافاً في الأصل للمعارف، ثم غلبت 1 كما غلب العبد والملك؛ أي فصارت تذكر كثيراً من غير ذكر موصوف بها 2 كما يذكر العبد والملك كذلك؛ إذ الأصل: الرجل الملك والرجل العبد، إلا أن هذين الاسمين أقعد في هذا الحكم من الذي وما جرى مجراه من الموصولات التي توصل بها إلى وصف المعارف بالجمل.
ويدلك على أن تعرفه 3 بالصلة لا باللام التي فيها تعرف من وما
الموصولتين، ألا تراهما إذا وصلتا معرفتين ولا لام فيها؛ فثبت وتبين بذلك أن تعرف الجميع بالصلات؛ وإنما لم يحتج في «من» و «ما» إلى إدخال اللام فيها وإلزامها إياها كما ألزمت «الذي» و «التي» لأن «من» و «ما» لا يوصف بهما فلم يحتج إلى إصلاح اللفظ بلحاق لام التعريف بهما، وقد أسلفنا ذكر بناء الموصولات فلا نكرره.
وأعلم أن «من» في مثل قول الشاعر:
(رب من أنضجتُ غيظاً صدره... قد تمنى لي موتاً لم يطع) 1
ليست بموصولة بل نكرةٌ موصوفةٌ، مثل ما في قوله:
(رب ما تكره النفوسُ من الأمر... له فرجةٌ كحل العقال) 2
وقولك مررت بما حسنٍ أي بشيء حسن، إلا أن «مَنْ» لمن يعقل و «ما» لما لا يعقل.
ومن الموصولات «أيُّهُمْ» في قولك: اضرب أيُّهم أفضل، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] 1.
فمذهب سيبويه 2 في هذا الاسم أنه بمعنى الذي، يوصل كما يوصل، وهو مبنيٌ كما أن الذي مبني؛ لكنه مبنيٌ على الضم؛ فالضمة فيه بناء.
وهو مع ذلك يفارق الذي بحكم لا يكون للذي؛ وذلك أنه إذا أتم صلته أعربه، لأن قوله «أيُّهم أفضل» قد حذف منه مبتدأ إذ كانت الصلة لا تكون جزءاً واحداً، فالأصل على هذا «أيُّهُمْ هو أفضل» فإذا قال: أكرم أيهم هو أفضل نصب أيّا لأنها معربةٌ عنده، والصلة تامةٌ، وإذا حذف من صلته الجزء الذي لا يسوغ حذفه مع الذي قال: أكرم أيُّهم أفضل.
فعلة البناء في هذا أنه ساغ معه حذف لا يسوغ مع غيره من الموصولات فخرج عن نظائره فبني، وعليه في هذا أنه إذا خرج عن
نظائره؛ إن أراد بنظائره الموصولات وجب على هذا أن يعرب، لأن النظائر التي هي الموصولات مبنيات كلها، فالخروج عنها يقتضي مفارقتها في حكمها، ومن حكمها البناء؛ ومفارقة البناء إلى الإعراب تكون.
وانتصر أبو علي لمذهب سيبويه في أن «أيّا» في هذا الموضع مبنية بأن قال: الموصول توضحه صلته والصلة إنما هي صلةٌ بالعائد فكان 1 العائد هو الموضح؛ فإذا حذف المضمر -وهو العائد إلى أي- فقد حذف موضحها أو ما هو بمنزلة موضحها فأشبهت بذلك 2 حال «قبل وبعد»، وهما إنما يبنيان إذا حذف مبينهما وهو ما يضافان إليه 3، وإذا أتما بذكره أعربا، فاعرف ذلك.
والخليل يقول: إن «أيُّهم» مأخوذة من كلام فهي محكية، كأنه قال: الذي من أجله يقال «أيُّهم أشد على الرحمن عتيا»، وشبهه بقوله:
(ولقد أبيت من الفتاه بمنولٍ... فأبيت لا حرج ولا محروم) 1
أي الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، فهي معربة عنده، وضمها رفع صحيح.
وفيها أقوال أخر للكوفيين وغيرهم، منها قول يونس بن حبيب 2 وهو بصري: أنها معلق عنها 3 قوله تعالى ﴿لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: 69] وقد عورض في قوله هذا بأن التعليق إنما يقع في أفعال الشك واليقين، لا أفعال العلاج كقوله «لننزعن»، واحتج له بما لا نطول بذكره.
ومنها -أي من المعارف الخمسة التي فصلها- كل اسم أضيف إلى ضرب من هذه الضروب إضافة حقيقية، فإنه يتعرف بما أضيف إليه، إذ كان المضاف يكتسي من المضاف إليه كثيراً من خواصه، من
تعريف وتنكير وإبهام وغير ذلك؛ والمثال في كل ذلك ظاهر.
وما عدا ما ذكرناه مما أضربنا 1 عن ذكره، فهو كما ذكره.