المرتجل في شرح الجمل لابن الخشابالحروف تنقسم قسمين: عاملٌ وغير عامل،

الحروف تنقسم قسمين: عاملٌ وغير عامل،

وربما سموا غير العامل هاملاً 1 فالعوامل قد ذكرت، وهي ما ينصب أو يجر أو يجزم أو ما يعمل نصباً ورفعاً.
فالناصب منها قد يقارن عمله النصب عمله الرفع أيضاً، فأما الجار والجازم فلا يعملان إلا عملاً واحداً، إذ كان للناصب الرافع أصلٌ يحمل عليه في ذاك؛ وهو الفعل المتعدي، فإنه يرفع الفاعل وينصب المفعول، فحمل عليه الحرف المشبه به في هذا العمل، فنصب ورفع ولم يكن هناك عامل يعمل مع الجر أو الجزم غيره 2 فيجتمع 3 معهما غيرهما في الحمل عليه.
واعلم أن من شرط العامل أن يختص بأحد القبيلين الاسم أو الفعل فإن 4 اختص الحرف بأحدهما عمل فيه؛ وغير العوامل هي كل حرف اشترك الاسم والفعل في دخوله عليهما، فلا يعمل حينئذٍ في واحد منهما، لأنه ليس بأن يعمل في ذا بأحق من أن يعمل في ذا، فكان غير

عامل؛ وذلك كالحروف العاطفة، وكأدوات الاستفهام مثل هل والهمزة لما لم تختص لم تعمل.
ألا تراك تعطف بالعاطف من الحروف الاسم على الاسم كقولك: جاء زيد وعمرو؛ فقد دخل كما ترى على الاسم، والفعل على الفعل في قولك: قام وقعد زيدٌ؛ فقد دخل على الفعل كما دخل على الاسم، وتقول: هل زيدٌ منطلق كما تقول: هل انطلق زيدٌ؛ فتباشر هل - في دخولها عليهما - هذا تارةً وذاك أخرى، فلم تختص على هذا، فكانت غير عاملة.
وقد ترد حروف مختصة بالاسم، وحروف مختصة بالفعل؛ وكلا القسمين غير عامل، وعلة ما جاء من هذا الضرب في امتناعه من العمل مع أنه مختصٌّ أن يتصل بما اختص به اتصالاً شديداً، حتى يتنزل لشدة اتصاله به منزلة الجزء منه، فيبطل عمله فيه، إذ كان الجزء من الكلمة لا يعمل فيها، وإنما عاملها غيرها.
فمن المختصة التي لم تعمل لام التعريف لما اتصلت بالاسم مع اختصاصها به دون الفعل، فجرت مجرى الجزء منه بأدلة كثيرة؛ منها أنها تغير طبيعة الاسم، فكأنها باتصالها به قد جعلته شيئاً آخر، إذ كانت قد نقلته من العموم إلى الخصوص، لأنه كان قبل دخولها نكرة شائعة، فصار بها معرفة مختصة مقصورةً على شخصٍ بعينه؛ ومنها أنه عدل عنه وهي فيه كما يعدل عن الاسم الذي ليست فيه، فهم يقولون: جاءنا سحر يا هذا، يريدون سحراً بعينه، فيمنعونه الصرف لكونه معرفةً معدولاً عن السحر المستعمل بالألف واللام، فذا يدل على تنزلها منزلة بعض 1 الاسم إذا عدل عنه، وهي فيه إلى غيره مما ليست فيه كما

عُدلت صيغه إلى صيغه في قولك: عمر المعدول عن عامرٍ، فتنزلت الألف واللام لهذا الحكم في قولك: جئت السحر؛ للعدل عما هي فيه، وعنها إلى قولك: جئت سحر منزلة بعض الكلمة من بعضٍ، وهذا الدليل حسن قويٌ في الاستنباط.
وكذا السين وسوف في العمل؛ هما غير عاملتين في الفعل مع اختصاصهما به، لجريهما فيه مجرى لام التعريف من الاسم، إذ كانتا تخصصانه كما تخصص تلك الاسم.
وكذا "قد" في الفعل تفيد في الماضي معنى شبيهاً بالتخصيص لتقريبها إياه من زمن الوجود؛ والماضي مع ذلك غير معرب، فلم تعمل في لفظه ولا 1 موضعه.
وكذا إذا دخلت على المضارع جرت في دخولها عليه في الإهمال مجراها في الدخول على الماضي، ولهذا أجريت مجرى حروف التعويض، وإن كان في تلك العامل وغير العامل إذا قلت: علمت أن سيقوم زيد، وعلمت أن لن يقوم زيد، وعلمت أن لا يقوم وعلمت أن قد قام، ومنه قوله تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ 2 [المزمل: 20]، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ 3 [النجم: 39].
﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ 4 [طه: 89]، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ 5 [المائدة: 71] في قراءة من رفع "تكون".

كل هذه الحروف تعاويض من تخفيف أن وحذف اسمها، وهو ضمير الشأن والحديث مع إحدى نونيها التي وقع التخفيف بحذفها، فاعرفه.
واعلم أن من الحروف ما أصله في كلامهم أن يكون عاملاً، وعلى ذلك استعملوه حين أعملوه، ثم يدخل عليه حرفٌ يسمى عندهم كافاً لكفه ما دخل عليه من العوامل عن عمله.
فمن هذه العوامل المكفوفة "إن" وأخواتها، هي عاملة في المبتدأ وخبره كما قد علمت تنصب المبتدأ بأنه اسمها وترفع الخبر بأنه خبرها إذا قلت: إن زيداً قائمٌ، فإذا دخلت عليها "ما" وهي الحرف الكاف هيأتها بدخولها لوقوع الفعل بعدها، فبطل مع دخولها عملها، لأنها تخرج بدخول "ما" عليها عن وضعها مختصة بالاسم دون الفعل وتصير مشتركة بينهما، ومن شرط العمل الاختصاص ومن شرط إبطاله الاشتراك.
ويدلك على إبطال عملها وقوع الاسمين بعدها، إذا كفتها "ما"، مرفوعين فتقول: إنما زيدٌ قائم، والجملة من الفعل والفاعل، إنما يخرج زيدٌ غداً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ 1 [النساء: 171] و ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ﴾ 2 [النازعات: 45] فهذا ابتداوٌ وخبرٌ، وقال في الفعل والفاعل ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ 3 [الأنبياء: 45] و ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ 4 [فاطر: 28] وقال الشاعر:

(إنما نحن كشيءٍ فاسدٍ... فإذا أصلحه الله صلح) 1 وقال الآخر في وقوع الفعل بعدها: (أنما تقتل النيام ولا تقـ... ـتل يقظان ذا سلاحٍ كميا) 2 وقال تعالى في كأنما ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ 3 [الأنفال: 6].
وقال عنترة 4: (وكأنما أقص الأكام عشيةً... بقريب بين المنمين مصلم)

وقال الآخر في لعلمّا: (أعد نظراً يا عبد قيسٍ لعلما... أضاءت لك النار الحمار المقيدا) وفي "ليتما" بيت النابغة حين أنشدوه بالرفع على أن "ما" فيه كافة معتد بها لمنعها العامل عن عمله؛ والنصب على الوجهين: (قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا... إلى حمامتنا أو نصفه فقد) والوجهان هما رفع الحمام ونصبه، فالرفع على أن "ما" فيه كافةٌ معتدٌ بها لمنعها العامل عمله، والنصب على أنها زائدة مؤكدةٌ ما دخلت عليه، مكثرةٌ لفظه، ملغاةٌ، خولها كخروجها.
وفائدة هذا الكف قد عللوه، فقالوا في "إن"، إذا قلت إنما زيدٌ قائمٌ، معنى الكلام: ما زيدٌ إلا قائمٌ، وحرروا العبارة، فقالوا في "إنما": هي لإثبات الشيء للشيء ونفي ما عداه.
وقد كف بـ"ما" هذه الفعل وحرف الجر، وهما عاملان قويان دخلت عليهما "ما" فأبطلت عملهما وهيأتهما لوقوع شيء بعدهما، لولاها 1 لم يكن ليقع، فخرجا بها عن أصل وضعهما في كونهما عاملين وصلحا بها لما لم يصلحا له قبلها.
فأما الفعل فقولك قل وكثر، تدخل عليهما "ما" كافة، فيبطل عملهما حتى لا يحتاجا إلى فاعل ويقع بعدهما الفعل وكان لا يقع، تقول: قلما يقول زيدٌ كذا.
ويحمل على هذا الفعل نقيضه وهو "كثر"، فيقال: كثر ما يقولن 2 كذا.

ومثال حرف الجر المكفوف "رب"، تدخل عليها "ما" فتكفها عن العمل ويليها الفعل، وحروف الجر في الأصل لا تدخل إلا على الأسماء، ومثال دخولها على الفعل مكفوفةً بما قوله تعالى ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ 1 [الحجر: 2]، ومن شواهده قول الأبرش 2 (ربما أوفيت في علمٍ... ترفعن ثوبي شمالات) 3 والنحويون 4 يجعلون "ما" كافة لرب في هذا البيت وفي الآية التي قبله، ولكن يجعلون استعمالها في البيت هو الأصل، قالوا: لأنها لما كان معناها لما مضى، وذلك قبل أن تكتف كانت بعد الكف لما مضى أيضاً، وأنشدوا البيت لأن فيه بعد "ربما" قوله: أوفيت؛ وهو فعلٌ ماضٍ، والآية عندهم لوقوع المضارع بعدها على غير قياس بابها في الأصل، بل متأولةٌ على حكاية الحال التي ستكون، قالوا: وهو كما جاء في الأخرى {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ

وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} 1 [القصص: 15] حكى عندهم المستقبل بقوله (ربما يود) كما حكى الماضي في قوله: (هذا من شيعته وهذا من عدوه) ووجه الحكاية أن هذا اسم إشارة، والإشارة إنما تقع إلى الحاضر 2 والقصة حين الإخبار بها ماضية.
وقد كفوا كاف التشبيه بـ"ما" في بعض الوجوه، وذلك في قولهم "كن كما أنت" 3، يجوز أن تكون "ما" بمعنى الذي كأنه قال: كن كالذي أنت.
أي كالذي هو أنت، فحذف العائد وهو المبتدأ للطول ولا يقاس على هذا الحذف.
ويجوز أن تكون "ما" كافةً للكاف، وهي حرف جر فوقع بعدها الضمير المرفوع المنفصل بعد أن كان لو وليته لوقع بعدها الضمير المجرور وهو متصلٌ، لأنها تجر ما دخلت عليه بالإضافة إن كانت اسماً كما تجره "مثل" وبالحرفية إن كانت حرف جر، وتكف بما كف غيرها، كقولك أنت صاحبي كما زيدٌ صاحبي، فيقع بعدها، كما ترى المبتدأ وخبره، وبالجملة يقع بعدها المرفوع؛ ويدلك على أن الكاف حرف جرٍ، وصلهم بها الذي في قولك: الذي كزيدٍ منطلقٌ، فالكاف في صلة الذي متعلقةٌ بمحذوف كما تتعلق به "في" وغيرها من حروف الجر إذا وقعت هذا الموقع، إذا قلت: الذي في الدار؛ والذي من الكرام، وكونها اسماً هو في مثل قوله:

(وصالياتٍ ككما يؤثفين) 1 لأن الحرف لا يدخل على حرف مثله.
وما حروف العطف فمن القسم غير العامل أصلاً لأنها لا تختص بعملٍ دون عمل، ولأنها مشتركةٌ بين القبيلين، والاشتراك يدفع الإعمال.

جارٍ التحميل