معنى من المعاني التي تعرض في النفوس، ويكون مما خفي سببه، وخرج عن نظرائه، وربما عبروا عن هذا المعنى بعبارة أخرى، فقالوا 1: التعجب يكون مما ندر من الأحكام، ولم تعرف علته، فإن أخل هذا المعنى بأحد الشرطين بطل التعجب، ولهذا قال القائل-وهو قول مستفيض في الناس "إذا عرف السبب بطل العجب" 2. والمثال في ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوب قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب﴾ [هود: 71 - 72] 3. لما اجتمع الشرطان للمرأة تعجبت، وهو وجود الولد على الكبر الذي يقع اليأس من الولد في مثله، وهو كبرها وكبر بعلها، وذلك حكم نادر، وجهل السبب وهو قدرة الله وخرق العادات للأنبياء، إذ كان زمن تبوة تخرق في مثله العادات، فأبطل الله عز وجل عجبها بأن أعلمها السبب في الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: 73] 4.
ولما كان التعجب معنى من المعاني اقتضى القياس أن يوضع له حرف يدل عليه كحرفي الاستفهام والنفي الدالين عليهما؛ إلا أنهم عدلوا عن هذا القياس إلى غيره من الوضع مما اقتضته حكمة اللغة أيضًا بأن جعلوا 1 للتعجب صيغتين مخصوصتي اللفظ، تدلان عليه من غير احتياج إلى حرف معنى، وتانك الصيغتان ما أفعله به، كقولك: ما أحسنه وأحسن به.
فأما ما أفعله، فإن "ما" فيه اسم مبهم غير موصول ولا موصوف، بمعنى شيء في قول سيبويه 2، وهي مرفوعة بالابتداء، و"أحسن" في قولك ما أحسنه فعل ماض، صيغته صيغة المضي، وهو دال على معنى موجود مستقر في الحال، ولهذا المعنى جمد ولم يتصرف، وعد في جملة الأفعال الجوامد.
وقيل: بل لدلالته على المعنى الذي كان القياس أن يوضع له حرف يدل عليه، وفي الفعل ضمير يرجع إلى "ما" وهو فاعله، والمتعجب منه منصوب على أنه مفعول به، والجملة من الفعل والضمير الذي فيه والمفعول-وهو المتعجب منه-في موضع رفع لكونها خبرًا للمبتدأ 3، وهو ما.
وتمثيل اللفظ شيء أحسن هو زيدًا.
هذا مذهب صاحب الكتاب في هذا اللفظ، وإنما حملها-أعني "ما"-على أنها غير موصولة ولا موصوفة لأن الصلة والصفة توضحان الاسم الذي تجيئان صلة له أو صفة، وتبينانه بيانًا أي بيان، والتعجب باب إبهام وخفاء، ولهذا عدلوا فيه 4 عن لفظة "شيء" إلى لفظة
"ما"، وهي بمعناها في أنهما اسمان مبهمان منكوران، لأن شيئًا تصح تثنيته وجمعه وتصغيره وتعريفه وغير ذلك من خواص الأسماء، و"ما" لا يصح ذلك فيها.
وذهب الأخفش سعيد إلى أنها موصولة وما بعدها صلتها، والخبر محذوف، والتقدير عنده: الذي أحسن زيدًا شيء، وبين هذا القول وقول سيبويه بون يعرفه متأمله النحوي، وإن كان أبو الحسن مع إجازته هذا القول لا يمنع قول سيبويه بل يجيزه، فيوافقه وينفرد عنه بإجازة الثاني، وقد قدمنا علة فرار سيبويه من جعل "ما" في التعجب موصولة أو موصوفة.
والذي يدل 1 على أن "أفعل" في التعجب فعل لا اسم وإن كان رأيًا للكوفيين، بأدلة استدلوا بها على صحة مذهبهم، كالصحة في مثل ما أقوله، وما أسيره، وهذا التصحيح بابه الأسماء لا الأفعال، إلى غير ذلك مما أجاب عنه علماء البصريين أن الضمير المتصل به إذا كان للمتكلم تتقدمه نون الوقاية التي لا تلحق إلا في الأفعال، وذلك إذا قلت: ما أحسنني وما أكرمني.
ولو كان اسمًا كان مضافًا إلى الياء، ياء المتكلم، وهي إذا أضيف إليها اسم لم تحتج إلى نون، فلو أضفت أحمر وأحسن إليك لقلت أحمري وأحسني، فقولك في التعجب: ما أحسنني وأكرمني هو كقولك في غير التعجب: أعجبني وأكرمني، ولأن آخره مبني على الفتح على منهاج الأفعال الماضية، إلى غير ذلك من الأدلة على فعليته.
والصيغة الثانية من صيغتي التعجب، وهي أفعل به، لفظها الأمر، ومعناها الخبر، وذلك في نحو قولك أكرم بزيد وأحسن بعمرو.
ويدلك على أنه ليس بحقيقة أمر احتمال الكلام التصديق والتكذيب كما يحتمله الإخبار، وتعري الفعل من ضمير يحتمله احتماله ضمائر المأمورين، ولهذا خاطبت الاثنين والاثنتين والجماعة من الضربين بما تخاطب به الواحد المذكر، فقلت: يا زيد أحسن بعمرو، ويا زيدان أحسن بعمرو ويا زيدون أحسن بعمرو، ويا هند أحسن بعمرو، ويا هندان أحسن بعمرو ويا هندات أحسن بعمرو، ولم تقل: أحسني ولا أحسنا ولا أحسنوا ولا أحسن، كما تقول ذلك في الأمر على الحقيقة، لأن هذا ليس بأمر في المعنى، وإن كان بلفظ الأمر.
فأنت في قولك: أحسن بعمرو مخبر لا آمر، كما أنك في قولك: ما أحسنه كذلك؛ والجار والمجرور، وهما قولك: بزيد، في موضع رفع بهذا الفعل، على أنهما فاعل، إذ كان الفعل لابد له من لفظ فاعل يسند إليه كما أن الجار والمجرور في قوله تعالى ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39] 1 وقولك: ما جاءني من أحد، هو الفاعل، هذا هو القول المحقق عند الأكثرين.
وذهب الزجاج 2 إلى أن الجار والمجرور في موضع نصب، كزيد في قولك: ما أحسن زيدًا، لأنه المتعجب منه ها هنا، كما أنه المتعجب منه ثمة، وكما جاء الأمر هاهنا في ظاهر اللفظ والمراد بالكلام الخبر-جاءت صيغة الخبر،
والمراد بها الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: 228] 1 فهذا خبر معناه الأمر، أي ليتربصن المطلقات بأنفسهن ثلاثة قروء.
ولا ينبني فعل التعجب إلا من الثلاثي من الأفعال، بعد أن يقدر أنه قد رد إلى "فعل" على أي مثال كان، لأن "فعل" فعل غريزة ككرم وظرف، ثم تلحقه همزة النقل، فيصير متعديًا إلى المفعول به، وهو المتعجب منه، بعد أن كان لازمًا.
فإن كان التعجب من لون أو عيب محسوس لم يصنع منه فعل التعجب، بل يؤتي بمصدر ذلك الفعل بعد ذكر فعل مصوغ للتعجب، يدل على عظم أو صغر، أو قلة أو كثرة أو شدة أو ضعف، أو غير ذلك، إن كان، بعد، أن يكون فعليه ثلاثيًا، كقولك: ما أشد حمرته وما لأقبح حوله.
فأما الألوان، فلأن أفعالها في الأصل زائدة على ثلاثة أحرف، فجرت مجرى الرباعي كدحرج وسرهف 2؛ فكما تقول: ما أشد دحرجته، وما أحسن سرهفته كذلك تقول ما أشد حمرته وصفرته، ولا تقول: ما أحمره ولا ما أصفره.
وأما العيوب الظاهرة، فاعتلوا فيها بعلتين: إحداهما 3 علة للخليل وهي أنها جرت مجرى الخلق، فكما لا تقول إذا تعجبت من اليد: ما أيداه ومن الرجل: ما أرجله كذلك لا تقول من العمى ما أعماه ولا من الصمم ما أصمه؛
ولكن تقول: ما أقبح عماه وما أشد صممه 1.
والعلة الأخرى أن منها ما أصل فعله أن يكون على أكثر من ثلاثة أحرف؛ وإن كان قد استعمل له صيغة أخرى ثلاثية، كقولك: حَوِلَ وعَوِرَ؛ والأصل في هذا أعور واحول، بدليل تصحيح الواو فيهما؛ وقد تحركت وانفتح ما قبلها، وذلك يوجب قبلها ألفًا، كقولك: خاف والأصل خوف، لكنهم عدلوا عما يوجبه حكم التصريف لفظًا، وصححوا الحرف فدل 2 التصحيح على أن هذه الصيغة في معنى صيغة تصح الواو فيها، وذلك احول واعور.
ثم حملوا بقية العيوب 3 على هذا كعَمِيَ وعَشِيَ، مما لم يستعمل منه فعل زائد على الثلاثة كما كان اعور، فقالوا: ما أشد عماه، وما أقبح عشاه، ولم يقولوا: ما أعماه، ولا ما أعشاه، كما لم يقولوا: ما أعوره، ولا ما أحوله، ليكون الباب واحدًا.
فأما قولهم: ما أشد، وإن كان المستعمل من فعله اشتد، وهو أكثر من ثلاثة أحرف، فإن "اشتد" منقول من فعل ثلاثي مقدر، وإن كانوا لا يكادون ينطقون به، فهو كالمنطوق به، يدل عليه قولهم في الصفة: شديد، وفعيل لا يبنى في مطرد الباب إلا من ثلاثي؛ كظريف وفعله ظرف وشريف وفعله شرف، ومثله قولهم: فقير، والفعل المستعمل منه افتقر، وقياسه: فقر فهو فقير، وإن كان لم ينطق به في فاشي اللغة، ففقير يشهد به ويدل على أنه كالمنطوق به، هكذا عللوا، أو قريبًا من هذا التعليل.
على أنهم قد حكوا في الجيد من الاستعمال: شد ما أنك ذاهب، وشد فعل ثلاثي.
واعلم أن الأمثلة المشتركة في باب التعجب أربعة، أفعال ثلاثة، واسم.
فالأفعال ما أفعله، وأفعل به، ولفعل، وكقولك ما أحسنه وأحسن به ولحسن وجهه، والاسم قولك: هو أحسن القوم؛ فكل ما جاز في قولك: ما أفعله من البناء جاز في الأمثلة الباقية، وكل ما امتنع فيه امتنع فيها.
فصل
قوله (1): وأما النصب فعلى ضربين، ضرب عام لجميعها وضرب خاص.
الفصل:
الأمر كما ذكر في انقسام نصب الأفعال إلى خاص وعام؛ فالخاص ما انفرد به بعض الأفعال دون بعض، والعام ما استوت فيه بأسرها.
والخاص في ثلاثة: المفعول به، و