والأخبار في الشفاعة كثيرة وإن اختلفت ألفاظها، إلا أنها متفقة المعنى وأطبق سلف هذه الأمة على تصحيح هذه الروايات، لم ينكرها أحد من الصحابة والتابعين، ولو كانت غير صحيحة لكان الصحابة والتابعون1أشد إنكاراً لها من المعتزلة، ولو كان ذلك لنقل عنهم كما نقل عنهم الاختلاف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه2بعيني رأسه، وكما نقل عنهم الخلاف في المسائل الفقهية.
وقد احتجت المعتزلة بخبر يروونه عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تنال الشفاعة أهل الكبائر من أمتي".
قلنا: هذا خبر لم يذكره أحد من أئمة الحديث، ولا ذكر في شيء من الأصول المشهورة في الأمصار كمسلم، والبخاري، وسنن أبي داود والترمذي والآجري، وإنما ذكرته المعتزلة ليرو أتباعهم أن معهم رواية يعارضون بها الأخبار المشهورة عند أهل السنة3، مع أنا نحمل هذه الرواية على المرتدين من أمتي لأنهم كانوا من أمته فاستصحب الاسم فيهم.4
فإن قالوا: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من تحسى سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً".
وروي مثله فيمن قتل نفسه بحديدة أو تردى من جبل.5
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق الوالدين"1.
قلنا: هذه الأخبار محمولة على من فعل هذه المعاصي وهو مستحل لها، لأنه يكون كافراً بدليل الأخبار الثابتة في الشفاعة.2
فإن قالوا فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يسرق السارق وهو مؤمن ولا يزني الزاني وهو مؤمن "1. وكيف يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لغير المؤمن.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس منا من بات بطيناً وجاره خميصاً".2 "ومن غشنا فليس منا"3.
والجواب: أن نقول: إن السارق والزاني يفارقهما إيمناهما حين السرقة وحين الزنا، ثم يرجع إليهما لأنه روي أنه قال:"لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
ويحمل أنه عبر ذلك عن نقصان إيانه، ويحتمل أنه أخرجه مخرج التغليظ والمبالغة في الزجر عن هذه المعاصي كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"1، و"ولا إيمان لمن لا أمانة له"2، 3.
وقوله: "ليس منا من بات بطيناً وجاره خميصاً" و"ومن غشنا فليس منا " أي ليس من أخلاقنا.1
مع أنا نعارضه بما روي أبو الدراداء أن البي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" قال، قلت يا رسول الله: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، فرددت عليه ذلك حتى قال في الثالثة: نعم، وإن رغم أنف أبي الدرداء".1 فإن قالوا: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قلنا: معناه لا يشفعون إلا لمن رضي عمله من الموحدين.
فإن قالوا: فما معنى قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ 2.
قلنا: أراد بالظلم هناهنا الكفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ 3.
فإن قالوا: فما أنكرتم أن4تكون الأخبار الواردة في الشفاعة من النبيين والملائكة مستحقة للمؤمنين الذين تابوا من الذنوب على وجه الجزاء على أعمالهم وطاعتهم، لأن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ 5.
فأما أن يشفعوا لأهل الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها فلا يجوز أن يكون المراد بذلك الشفاعة لمؤمنين الذين ماتوا ولا ذنوب لهم، فتكون الشفاعة زيادة لهم1في النعم على ما يستحقونه بأعمالهم، ويجوز أن يكون المراد بالشفاعة لأه الصغائر الذين واقعوها مع اجتنابهم الكبائر.
والجواب: أن هذا تبديل لا تأويل، لأن الأخبار المروية أنه يخرج من النار بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان2، وفي بعض الروايات "من قال لا إله إلا الله"3، وهذا يدل على أنه لم يعمل شيئا من الطاعات المأمور بها مثل الصلاة4والزكاة وغيرهما.5
وأما الآية التي ذكروها فإن المراد بها التوبة من الكفر بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾.
وسبيل الله هو الإسلام بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾.
وأما قولهم إنهم يستغفرون لأهل الصغائر أو لمن لا ذنب له، فعندهم أن الله إن6
عذبهم على الصغائر ظلمهم1، ومن لا تستحق عليه العقوبة على الصغير أو من لا ذنب له لا معنى للشفاعة له، لأن الشافع يقول يا رب لا تظلمه ولا تعذبه على ما لا يستحق العذاب عليه، وهذا لا يليق بالنبيين والملائكة، فثبت أنهم إنما يشفعون لمن استحق العقاب من الموحدين فإن قالوا: فقولوا: إنهم يشفعون للكفار2وإن لله يوصف بأن3يدخل الكفار الجنة.
والجواب: أنا نقول: أما في العقل فلا يستحل أن الله يدخل الكفار الجنة، لأن ذلك إنعام من الله وتفضل على خلقه، وقد أنعم عليهم في الدنيا والداران مكله، فما لم يستحل منه في الدنيا لم يستحل منه في الآخرة، إلا أن القرآن والسنة قد وردا بخلاف ذلك، فأخبر أنه لا يغفر لمن أشرك به، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخلهم الجنة ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، واجمعت الأمة على قبول هذه الأخبار وموجبها.
فإن قالوا: فإذا كانت الشفاعة تقبل في أهل الكبائر، فمات تقولون فيمن حلف بطلاق امرأته ثلاثاً ليعمل ما تنال به الشفاعة، فما تأمرونه بعمل لئلا تطلق عليه امرأته، أتأمرونه أن يعمل بالمعاصي، فهذا لا يجوز، أم لا تأمرونه بذلك؟ فما المخرج له حتى لا تطلق عليه امرأته؟.
فالجواب: أنا لا نأمره بعمل المعصية وإنما نأمره بالإرزاء4بهذا السائل، لأنه أورد سؤاله هذا على سبيل الشناعة لجهله بالأخبار الواردة في الشفاعة، ونأمره بأن يتعلم الرد على القدرية والإستقامة على الإيمان، لأن ذلك طاعة لله والشفاعة إنما هي للمؤمنين على ما ابتلوا به من المعاصي،
ولا يخلوا أحد من المعاصي.
قال النبي صلى اله عليه وسلم: "ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية إلا يحيى ابن زكريا"1.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا وله ذنب قد اعتاده الفينة بعد لفينه ثم يتوب "2. أي الحين بعد الحين.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المؤمن خلق مفتناً" 1أي ممتحناً يمتحنه بذنب ثم يتوب ثم يعود في الأحاديين ثم يتوب.
وأيضاً فإنا قد روينا أن للنبي2صلى الله عليه وسلم شفاعة في جميع الخلق من النبيين وغيرهم في فصل القضاء يوم القيامة، وهذا المخالف من جملتهم.
فإن قالوا: إذا قلتم إن النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة في أهل الكبائر من أمته فقولوا إنه يشفع لمن نفى شفاعته وأبطلها.
فالجواب: أنا نقول إنه لا يشفع فيمن نفى شفاعته لمعنيين: أحدهمما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب بالشفاعة لم ينلها "3. والثاني: أن من كذب بالشفاعة فقد رد الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فصار كمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم قوله، فصار بذلك كافراً لأنه أبطل شرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي خصه الله به في القيامة.
# 109 - فصل وعند أهل الحديث أن العذاب في القبرحق، وأن مسألة منكر ونكير في القبرحق على ما جاء في الأخبار. وأنكر المعتزلة وأهل الزيغ ذلك كله.1
ودليلنا قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ 2، قال أهل التفسير: تثبيتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا هو قول لا إله إلا الله وفي الآخره عند المسألة في القبر.3
وروى البراء بن عازب قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكت به الرض، ثم رفع رأسه وقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً ثم قال: إن المؤمن إذا
كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يقعدوا منه مد النظر1، ثم يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول: "أيتها النفس المطمئنة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفه عين حتى يأخذوها ويجعلونها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فتخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه الذي كان يسمى بها في الدنيا، حتى يصعد إلى سماء الدنيا فيستفتح له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى تنتهي إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة، واعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان ويقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: ما علمك2؟ فيقول: قرأت كتاب الله، وآمنت به وصدقت.
فينادي مناد في السماء صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من طيبها وروحها ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: ابشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت فوجهك وجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه
ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتتفرق في جسده فيخرجها تتقطع معها العروق والعصب كما ينزع السّفود من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يدها طرفة عين حتى يأخذوها يجعلوها في تلك المسوح فتخرج كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملآ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟، فيقولون: هذا فلان بن فلان بأقبح أسمائه الذي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له فلا يفتح له، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ 1، قال: فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدوهم ومنها نخرجهم تارة أخرى، قال: فتطرح روحه ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ 2 فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ها3لا أدري، فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاها4لا أدري، فينادي مناد من السماء، افرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه في قبره حتى تختلف عليه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب نتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسؤوك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك وجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة"5.
ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾.1 وروى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم تفسير هذه الآية قال: "هو الكافر يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه اضلاعه وذلك المعيشة الضنكا التي قال الله"2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل"3.
وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة أو من أهل النار يقال له هذا مقعدك إلى يوم القيامة "4.
وروى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار على بغلة له فحادت به فكادت تقلبه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: "إن هذه الأمة لتبتلى في قبورها فلولا ألا تدافنوا دعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع منه، ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر قلنا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن، قلنا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من الدجال قلنا: نعوذ بالله من الدجال"1.
وروى أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى أنه يسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمداً صلى الله عليه وسلم، فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقولان: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما كلاهما2، وذكر أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وأما الكافر والمنافق فيقولان له3: ما كنت تقول في هذا الرجل، فيقول: لا أدري كنت أقول كما يقول الناس، قال فيقال له: لا دريت ثم يضرب بطراق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعه من يليه غير الثقلين، فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه"4.
وروى ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان بكبيرة أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر
فكان يمشي بالنميمة، ثم أخرج جريدة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، فقيل: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا"1. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "دخلت علي عجوز من عجائز يهود المدينة، فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم قالت: فكذبتها فخرجت، ودخل عليّ رسول الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن عجوزاً من عجائز يهود المدينة دخلت علي فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: صدقت إنهم يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم كلها، قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر"2. وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في دعائه ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وفتنة القبر ومن عذاب القبر ومن فتنة الغنى والفقر ومن شر فتنة المسيح الدجال، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمغرم والمأثم". أخرجه البخاري ومسلم وأبو عيسى.3
وفي الباب عن أنس4وزيد ابن أرقم.5عن ميمون بن أبي ميسرة6،
قال: كان لأبي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي قال: ذهب النهار وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار"1.
وعن عطاء بن يسار قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:"يا عمر كيف أنت إذا أعد2لك أهلك ثلاثة أذرع وشبراً في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلك فغسلوك وكفنوك وحنطوك ثم حملوك حتى يغيبوك فيه، ثم يهيلوا عليك التراب ثم انصرفوا عنك، وأتاك مسائلا القبر منكر ونكير أصواتها كالرعد القاصف وأبصارها كالبرق الخاطف وقالا: من ربك، وما دينك قال: يا نبي الله ويكون معي قلبي3الذي هو معي اليوم؟ قال: نعم، قال: إذا أكفيكهما بإذن الله"4.
وروي أن رجلا قال لأنس بن مالك - رضي الله عنه -: "إن قوماً يكذبون بالشفاعة، فقال: لا تجالسوهم، فسأله آخر وقال: إن قوماً يكذبون بعذاب القبر فقال: لا تجالسوهم"5.
وروى أو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الحافظ اللالكائي في كتابه عن محمد بن نصر الصائغ6: "كان أبي مولعاً بالصلاة على الجنائز من عرف ومن لم يعرف، فقال: يا بني خرجت يوماً إلى السوق أشتري حاجة فصادفت جنازة رجل معها خلق كثيراً ما أعرف منهم أحداً،
فقلت أمضي مع هذه أصلي عليها وأقف حتى أروايها فتبعها وصلوا عليها وصليت معهم وأدخلوها المقبرة وجاؤا بها إلى قبره محفور، فنزل إلى القبر نفسان وجذبوا الميت1فأخذوه وسرحوا عليه التراب وخرج واحد وبقي واحد وحثى الناس التراب عليه، فقلت: يا قوم يدفن حي مع ميت - لا يكون شبه لي2- ثم رجعت فقلت: ما رأيت إلا اثنين خرج واحد وبقي الآخر، لا أبرح من هاهنا حتى يكشف الله لي ما رأيت، فجئت إلى القبر فقرأت عشرات مرات يس وتبارك وبكيت ورفعت يدي، وقلت: يا رب اكشف لي عما رأيت فإني خائف على عقلي وديني، فانشق القبر وخرج منه شخص فولى مبادرا3، فقمت وراءه وقلت: يا هذا بمعبودك إلا وقفت حتى أسألك فما التفت إلي وولى ومضيت خلفه، فقلت: يا هذا بمعبودك إلا ما وقفت حتى أسألك فما التفت إلي وولى فقلت: أنا رجل شيخ ليس بمكنتي النهوض، فبمعبودك إلا وقفت حتى أسألك فالتفت إلي وقال: نصر الصائغ؟ فقلت: نعم قال: لا تعرفني؟ قلت: لا، قال: فنحن ملكان من ملائكة الرحمة قد وكلنا بأهل السنة إذا وضعوا في قبورهم حتى نقلنهم الحجة، وغاب عني"4.
وروى اللالكائي أيضا عن إبراهيم بن أدهم5قال: "تبعت جنازة بالساحل فقلت: بارك الله لي في الموت، فقال قائل من السرير: وما بعد
الموت، قال إبراهيم: فدخل على منه رعب حتى ما قدرت أحمل قائمة السرير، فدفن الميت وانصرفوا، وقعدت عند القبر مفكرا في القائل من السرير وما بعد الموت، فغلبتني عيناي على ركبتي، فإذا أنا بشخص من القبر أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا وأنقاه ثيابا وهو يقول: يا إبراهيم، قلت: لبيك فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا لقائل من السرير وما بعد الموت، قلت: فبالذي خلق الحبة وبرأ النسمة وتردى بالعظمة1إلا قلت لي من أنت، فقال: أنا السنة أكون لصاحبي في الدنيا حافظا وعليه رقيبا وفي القبر نورا ومؤنسا وفي القيامة سائقا وقائدا إلى الجنة"2. قلت: وهذا الخبر موافق للخبر الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عمل ابن آدم يأتيه على صورة شخص في القبر على ما مضى.3
وذكر اللالكائي فيما روي عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: "بينما أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من الأرض في عنقه سلسلة يمسك4بطرفها أسود في يده مرزبة فقال: يا عبد الله أسقني، قال ابن عمر: فلا أدري أعرفني أم كما يقول الرجل للرجل يا عبد الله، فقال لي الأسود: يا عبد الله لا تسقه، ثم اجتذبة جذبة ودخلا في الأرض جميعا".
وفي رواية فضربه بمرزبة حتى غيبه في الأرض، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذاك فقال: وقد رأيته ذاك أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة"5.
وروى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أتدرون ما الضنك الذي قال الله؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فقال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده أنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً.
أتدرون ما التنين، قال: حيات كل حية لها تسعة وتسعون رأسا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنينا نفخ في الأرض ما أنبتت خضرا"1.
وروي عن عبد الحميد بن محمود2قال: "كنت عند ابن عباس فأتاه رجل فقال أقبلنا حجاجاً فلما صرنا في الصفاح3توفي صاحب لنا، فحفرنا فإذا أسود قد أخذ اللحد فحضرنا آخر، فإذا الأسود قد أخذ اللحد، قال: فحفرنا قبرا آخر فإذا الأسود قد أخذ اللحد فتركناه وأتيناك فما تأمرنا؟ قال: ذلك عمله الذي كان يعمل اذهبوا فادفنوه في بعضها، فوالله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتم ذلك، قال: فألقيناه في قبر منها فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها عنه فقالت: كان رجل4يبيع الطعام فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم ينظر مثله من قصب الشعير فيقطعه فيخلطه في طعامه مكان ما كان يأخذ"5.
وروى صدقة بن خالد1عن بعض مشايخ دمشق قال: "حججنا مع محمد بن سريد الفهري2فهلك صاحب لنا في بعض الطريق على ماء من تلك المياء قال: فأتينا أهل الماء نطلب شيئا نحفر له، فأخرجوا إلينا فأساً ومجرفة، وقالوا: نحن في هذا الموضع الذي ترون انقطاعه، وإنما وضع هذان لمثل ما طلبتم، فأعطونا عهداً لتردونهما إلينا ففعلنا، فلما وارينا صاحبنا في القبر نسينا الفأس في القبر، فأعظمنا أن ننبشه فقلنا: نرضي القوم من ثمن فأسهم، فأخبرناهم الخبر وعرضنا عليهم ثمن الفاس فأبوا أن يقبلوه، وقالوا: ليس نجد في موضعنا هذا منه عوضاً وقد أعطيتمونا ما علمتم، فرجعنا إلى القبر فنبشناه فوجدنا الرجل قد جمع عنقه ويداه ورجلاه في حلقة الفأس، فسوينا عليه التراب، وعدنا إلى القوم فأخبرناهم أنه ليس إلى الفأس سبيل وأرضيناهم من الثمن، فلما انصرفنا جئنا امرأته فسألناها عنه بما كان يخلو فيما بينه وبين الله عز وجل قالت: قد كان على ما رأيتم من حاله يحج ويغزو فلما أخبرناها الخبر، قالت: صحبه رجل معه مال فقتل الرجل وأخذ المال"3.
وروى ابن عمر قال: "خرجت في سفر فرفع في الطريق إلي مقبرة، فأويت إلى امرأة فلما جن الليل سمعت صوتاً من القبر وهو يقول: شن وما شن بول وما بول، فجزعت من ذلك فقلت للمرأة: ما هذا؟ فقالت: ولدي، قدم علينا رجل في يوم شديد الحر فاستقانا فقال ولدي: قم إلى الشن فأشرب منه ولم يكن في الشن شيء، فقام ليشرب فلم يجد فيه شيئاً فمات، وكان لا يستبري من البول وكنت أنهاه عن ذلك فلا ينتهي، فلما مات دفنته في هذه فكلما جنّ الليل يصيح شن وما شن بول وما بول4،
فحدثت به النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده.1
فقيل: إنّما نهى عن ذلك عند ذكر هذه الصفة، لن ابن عمر جزع مما2أصابه، وقيل: لأجل الرجل الذي مات من العطش، لأنه لو كان معه رفيق لأعانه على طلب الماء.
وهذه الأخبار كلها وإن اختلفت ألفاظها فهي متفقه في المعنى.
110ـ فصل وعند أهل الحديث أن الحسنات والسيئات للموحدين توزن بميزان يوم القيامة، وأن الصراط حق، وأن حوض النبي صلى الله عليه وسلم حق.
وأنكرت المعتزلة والقدرية وأهل الزيغ ذلك كله.1
والدليل على الميزان قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ 1.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 4.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده" 5.
وروي عن سلمان أنه قال: "يوضع الصراط يوما لقيامة وله حد كحد الموسا، ويوضع الميزان له كفتان لو وضع في أحدهما السموات والأرض وما فيهن لوسعهن، فتقول الملائكة: ربنا لمن تزن بهذا؟ فيقول: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: ما عبدناك حق عبادتك"1.
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ملكا موكل بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان، فإن رجح نادى الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت نادى الملك شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً"2.
وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أثقل شيء يوضع في الميزان الخلق الحسن"3.
وروي عن حذيفة أنه قال: "صاحب الميزان يوم القيامة جبريل يرد بعضهم على بعض، قال فيؤخذ من حسنات الظالم فترد على المظلوم، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فردت على الظالم"4.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يصاح يوم القيامة برجل من أمتي على رؤوس الخلائق، فيؤتى به إلى الميزان فينشر له تسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه، فيقال له: أتنكر من هذا شيئا فيقول: لا
يا رب، فيقول: للك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم اليوم عليك، فتخلاج له بطاقة بقدر أنملة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول الرجل: ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت الطباقة"1.
والبطاقة هي الرقعة الصغيرة.
وروى أبو أمامة قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ 2 جمع النبي صلى الله عليه وسلم بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله وأجلسهم في البيت ثم اطلع وقال: يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من الله لا يغرنكم قرابتكم مني، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، ثم أقبل على أهله فقال: يا عائشة ابنة أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة، يا فاطمة ابنة محمد، يا أم الزبير عمة النبي صلى الله عليه وسلم، يا فلانة يا فلان اشتروا أنفسكم من الله، واسعوا في فكاك رقابكم فإني لا أملك لكم من الله شيئاً فبكت عائشة - رضي الله عنها - ثم قالت: "وهل يكون ذلك يوم لا يغني عني شيئاً؟ قال: نعم، في ثلاثة مواطن يقول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ 3، وقال عز وجل: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ 4 فعند ذلك لا أغني عنكم من الله شيئاً، وعند النور من شاء الله أتم نوره ومن شاء تركه في الظلمة يَعْمَه فيها، ولا أملك لكم من الله شيئاً، وعند الصراط من شاء الله عز وجل سلمه وأجاره ومن شاء كبكبه في النار، قالت عائشة: أي حبيب قد علمنا
أن الميزان هي الكفتان يوضع في هذا الشيء وفي هذا الشيء فيرجح أحدهما وتخف الأخرى وقد علمنا النور والظلمة، فما الصراط؟، قال: طريق بين الجنة والنار يجوز الناس عليها وهي مثل حد الموسا والملائكة صافين يميناً وشمالاً يتخطفونهم بكلاليب مثل شوك السعدان، يقولون: رب سلم رب سلم1وأفئدتهم هواء، فمن شاء سلمه ومن شاء كبكبه"2.
وأما الدليل على الحوض، فما روى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حوضه، فقلت: يا رسول الله من أول الناس وروداًله؟ قال: المهاجرين3 الشعثة رؤوسهم، الدنسة ثيابهم، الذين لا تفتح لهم السدد، اولا ينكحون المنعمات"4.
وروى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن حوضي لأبعد ما بين1أيله2وعدن.
والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد النجوم، ولهو أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، والذي نفسي بيده إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل عن حوضه، قيل: يا رسول الله هل تعرفنا يومئذ؟ قال: نعم تردون عليّ غراً محجلين من أثر الوضوء ليست لأحد غيركم"3.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا فرطكم على الحوض "4. وروي أنه ذكر الحوض عند عبيد الله بن زياد5فأنكره فبلغ أنساً، فقال: "لا جرم والله لأفعلن به، قال فاتاه فقال ما ذكرتم من الحوض ما أنكرتم من الحوض6، قال عبيد الله: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من كذا وكذا مرة يقول: " حوضي ما بين أيلة
ومكة وما بين صنعاء ومكة وأن آنيته أكثر من نجوم السماء"1.
وفي بعض الروايات أنه قال: "إن حوضي من مقامي إلى عمّان"2، قاله أبو منصور3بنصب العين وتشديد الميم وهي بالشام.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لي حوضا ما بين الكعبة إلى بيت المقدس، له ميزابان من الجنة ذهب وميزاب من ورق، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، فيه أباريق عدد نجوم السماء، من يشرب منه لم يظمأ حتى يدخل الجنة، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام من الناس - والفئام الجماعة - ومنهم من يأتيه العصب4، ومنهم من يأتيه النفر، ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإني أكثر الناس تبعا يوم القيامة "5.
111 – فصل: في ذكر فضائح القدرية وذلك أنهم ردوا السنة كلها وأبطلوا وتأولوها على آرائهم الفاسدة فهم كمن رد على النبي صلى الله عليه وسلم قوله في حياته، ولما م يمكنهم رد القرآن قالوا إنه مخلوق لهم إذا قرؤوه ويقدرون على مثله لو جمعوا هممهم، ومن كان هذا قوله فهو كافر1لا تقبل فيه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أن بعض أئمة الحديث قدم ليصلي على بعض دعاة القدرية، فقام عنده ولم يكبر، وقال بأعلى صوته: اللهم إن هذا ما كان يؤمن بعذاب القبر فلا تنجه منه، اللهم إن هذا ما كان يوؤمن بمنكر ونكير فلا تلقنه حجته عند مسألتهما إياه، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بأن الجنة والنار قد خلقا فلا تفتح له باباً من الجنة إلى قبره وافتح له باباً إلى النار وقد سمعك تقول: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ 2 اللهم والباب لذي يفتح له إلى النار فلا تغلقه عنه إلى المحشر، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بالنظر إلى وجهك الكريم فلا تره وجهك، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بالحوض الذي وعدته نبيك فلا تسقه منه يوم العطش الأكبر، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بأن الحسنات والسيئات توزن بميزان له كفتان وقد سمعك تقول: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقّ﴾ 3 اللهم فلا تثقل ميزانه ولا تترك في صحيفة عهمله حسنة يرجح بها الميزان، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بالعقاب الذي مع المساءلة فلا تنجه منها، اللهم إن هذا ما كان يؤمن بالصراط الذي يعبر عليه الخلق إلى الجنة من المحشر فلا يجاوزه عليه، اللهم إن هذا ما كان يزعم أنه كان مستغيثاً عنك في دار الدنيا فيما كان من مقدرواته على زعمه غير مفتقر إليك في شيء من
ذلك، فكن له في الآخرة كما كان يعتقد في دار الدنيا فيك فكله إلى حوله وقوته، اللهم إن هذا يزعم أنك ساويت بين حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل وسائر الكفار فيما أنعمت عليه من العون على الإيمان، وزعم أنك ساويت بين حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي جهل عدوك، فساو يا رب بينه وبين الشيطان في النار كما كان مساويا له في دار الدنيا على زعمه فإنه قد أعظم الفرية عليك، اللهم إن هذا كان يزعم أنه خالق لعمله وما كان يفعله في دار الدنيا فلا تخلق فيه ما يميز به بين الخير والشر، واختم على سمعه وبصره وقلبه فإنه زعم أنما يدرك بسمعه وبصره الذي ركبت فيه كان خلقاله فأحجبه أن يدرك شيئا من المدركات أو المسموعات والمبصرات، فإنه زعم أن كل ذلك كان من مقدوره ولا يقدر معبوده على شيء من أفعاله لا الخير ولا الشر، وقد سمعك أمرت عبادك أن يسألوك استعانتك1على طاعتك وهو قولك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ 2 فكان يزعم أنه مستغن عنك غير محتاج إليك في حال ما كان يفعل أفعاله من الإيمان والطاعات وغير ذلك، وكله يا رب إلى حوله وقوته كما كان يزعم ولا تعنه في عرصات القيامة، اللهم إن هذا كان يزعم أنه لا علم لك بعد أن3 سمعك تقول: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ 4 قوله: ﴿أََنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ 5 فلا تحطه بشيء من علمك في الآخرة، واجعله اضل سبيلا من الأنعام في الآخرة، اللهم إن هذا كان ينفي يديك وقد سمعك تقول: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ 6 اللهم فاجعل يديه مغولولتين إلى عنقه، اللهم إن هذا كان يزعم أن معبوده لا وجه له وقد سمعك تقول: ﴿إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ 7 و ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ 8، فحول وجهه إلى قفاه مسوداً منكلاً به، اللهم إن هذا كان يزعم أن له مشيئة دون مشيئتك فيما كان يشاء من أفعاله أو بعضها وقد سمعك تقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ
إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 1.
فكله إلى مشيئته، اللهم إن هذا كان يزعم أنك أردت ما لم تعلم وخروج الأشياء عن علمك وعلمت ما لم ترده، وأنك لم ترد شهادة حمزة وغيره وقد سمعك تقول: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ 2 وأنك لم تأمر إبراهيم خليلك بذبح ولده حيث لم ترد ذبحه، وقد سمعك تقول مخبراً عنهما: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ 3 اللهم فلا تحشره في زمرتهما، اللهم إن هذا كان يزعم أن من عبدك ألف سنة وأتى كبيرة غير مستحل لها ولا جاحد لحقك أنك تخلده في النار مع فرعون وقارون والشياطين، فلا تقبل فيه شفاعة4 نبيك وخلده مع فرعون وهامان وقارون، فقد أتاك بهذه المعضلات والكفر الصريح فاحشره مع زمرة من زعم أنه يكون معهم فلقد أعزم الفرية عليك تعاليت يا رب عما يقول الظالمون علوا كبيراً، ثم التفت إلى من خلفه بعد كلامه هذا وقال: إنما فعلت هذا لتعلموا أنها سنة فإن الله تعالى يقول لنبيه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ 5، وكما فعل ابن عباس لما صلى على جنازة فجهر بفاتحة الكتاب وقال: أما أني لم أجهر فيها لأن الجهر مسنون، ولكن جهرت لتعلموا أن فيها قراءة"6.
# 112 - فصل: الدين يتصرف إلى وجوه: أحدهما الجزاء والحساب لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ 1، أي يوم2الحساب والجزاء ومثله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ 3، أي بيوم الحساب ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ 4، أي غير محاسبين ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ 5، أي لمحاسبون، وقوله تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ 6.
ومن هذا يقال: دنت فلانا بما صنع، أي جزيته، ومنه قولهم كما تدين تدان، قال الشاعر: واعلم وايقن أن ملك زائل... واعلم بأن كما تدين تدان7وقد يكون الدين بمعنى الحكم ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ 8، أي في حكم الملك، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ 9، أي في حكم الله.
وقد يكون الدين بمعنى: القهر والإذلال، ومن هذا يقال: دنت القوم أي قهرتهم وأذللتهم، فدانوا قال القطامي10:............... كانت11نوار تدينك الأديان.12
أي تذلك. والدين لله إنما هو هذا، ومنه قولهم: فلان يدين بدين الإسلام، أو بدين اليهود، أي يعتقده وينطوي عليه. وقد يكون الدين بمعنى الإنقياد والاستسلام، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلام﴾ 1، وقد يكون الدين بمعنى الملة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ 2، أي الملة المستقيمة.3
وأما الكفر فأصله: التغطية:، يقال: كفرت الشيء أي غطيته، ومنه يقال: تكفر فلان بالسلام، أي تغطي به.
وسمي الليل كافراً لأنه يستر كل شيء ويغطيه.
قال لبيد4في الشمس: حتى إذا ألقت يداً في كافر... وأجن عورات الثغور ظلامها5وأراد بذلك ألقت الشمس يدها في الليل.
وقال آخر يصف ظليما6ً ونعامة: فتذكرا ثَقَلاً7رثيداً8بعدما... ألقت ذُكَاءُ يمينها في كافر9
وأراد بالثقل النبات، ورثيداً من صفات ارتوائه1، وذكاء هي الشمس ومنه يقال للصبح: ابن ذكاء لأن وضوءه من الشمس.2ومما يدل على أن الكفر التغطية قول الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ 3، والكفار هاهنا الزراع الواحد كافر، لأنه إذا زرع غطى بذره بالتراب، وسمي الكافر بالله كافراً لتغطية نعم الله بالجحود، وقيل: لأنه يستر بكفره الإيمان.4والشرك في اللغة مصدر أشركته في الأمر أشركه شركاً, ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ 5، أي نصيباً، وأراد باسم الولد أنهما سمياه عبد الحارث، فكان الشرك بالله هو أن يجعل له شركاً.6
واليهود سموا يهداً لأنهم انتسبوا ببعض الملوك إلى يهوذا بن يعقوب لأمر خافوه7، وسموا8النصارى باسم القرية التي نزل فيه المسيح وهي ناصرة من أرض الجليل.9
والفسق في اللغة: الخروج ماخوذ من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وسمي الفاسق في الدين فاسقاً لخروجه عن طاعة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ 1 أي عن طاعته.2
والمنافق هو من يدخل في الإسلام باللفظ ويخرج منه بالاعتقاد، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال: أحدها: إنما سمي بذلك لأنه مأخوذ من النفق وهو السرب في الأرض قال الله تعالى: ﴿نَفَقاً فِي الآرْضِ﴾ 3، أي مدخلا تحت الأرض، والمنافق ستر كفره وغيبه فشبه بالذي يدخل وهو السرب.
والقول الثاني: إنما سمي به لأنه مأخوذ من نافقا اليربوع وهو جحره، لأن له جحراً يقال له النافقا وجحراً يقال له القاصعا، فإذا طلب من النافقا فضبح خرج من القعصاء فشبه باليربوع لأنه يخرج من الإيمان عن الوجه الذي يدخل فيه.
والثالث: إنما سمي بذلك لإظهاره غير ما يضمر تشبيهاً باليربوع، وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب رفع ذلك التراب برأسه فخرج فظاهر جحره تراب كالأرض وباطنه حفر، كذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر.4
# 113- فصل والإسلام في اللغة: هو الانقياد والاستسلام ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ 1 أي المقادة2، وقوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ 3 أي ينقادون لحكمك4ويقال سلم واستسلم وأسلم إذا انقاد.5
والإيمان في اللغة هو التصديق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ 6 أي بمصدق لنا7،وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ 8,9 أي تصدقوا ويقال: فلان يؤمن بعذاب القبر والشفاعة، أي يصدق به.10واختلف الناس في الإسلام والإيمان هل هما شيئان أو شيء واحد: فقال بعضهم: هما شيء واحد11.
وقال آخرون: هما شيئان لا تواصل بينهما.1
وقال آخرون: هما شيئان بينهما ارتباط وتواصل.2
واختلف الناس في الإيمان الشرعي أيضاً على ثلاثة مذاهب: فذهب الأشعرية: إلى أن الإيمان الشرعي هو التصديق بالقلب لا غير.1
وذهب المرجئة: إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان بالشهادتين، وإن لم يعرف بقلبه من غير عمل2.
وقيل إن المرجئة يقولون: الإيمان هو القول باللسان والتصديق بالقلب من غير عمل3.
وقالت الجهمية: الإيمان التصديق بالقلب لا غير.1
وذهب أهل الحديث وجماهير العلماء إلى أن الإيمان: هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان بالشهادتين والأعمال بالجوارح2،وأقل ما يقبل من الإيمان هو المعرفة التي لا تخالطها الشكوك3.
والإسلام عام والإيمان خاص4، والإيمان بعض الإسلام وهو أشرف