أهل الأثرالأرشيف العلمي

تابع: النص المحقق...

صفحات 638-657

وروي عن صهيب أنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فقال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريدون أن ينجزكموه. يقولون: ما هو، ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار، فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فما شيء أعطوا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة "، أخرجه مسلم في صحيحه.1
وكذلك روى أبي بن كعب2وكعب بن عجرة3وأبو موسى الأشعري4عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية.

ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ 1.
فقوله: "ناضرة" أي حسنة مشرقة يعلوها النور كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ 2، قال محمد بن كعب القرظي: "نضر الله تلك الوجوه للنظر إليه"3.
وروى عطية4عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: "يعني حسنة"، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: "نظرت إلى الخالق عزوجل"5.
وقال الحسن البصري: "نظرت إلى ربها فَنَضُرَت لنوره"6.
فهذا قول المفسرين في تفسير هذه الآية.
ويدل على ذلك من المعنى أن النظر إذا قرن بالوجه وَصْفُه بالنضارة علم أنه أراد به الجارحة الذي فيه7العينان وعدى ذلك بحرف جر، فانصرف

ذلك إلى رؤية البصر، وصار كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ1إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ 2 أي انظر بعينك، وصار كقول الشاعر: انظر إلي بوجه لا خفاء به... أريك تاجاً على سادات عدنان3وكل نظر لم يعده بحرف جر ولا قرنه بالوجه فإنه لا يقتضي نظر العين، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ 4، كذلك قوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ 5، فإنه يريد بذلك الانتظار دون نظر العين، ولا يجوز حمل الآية على الانتظار، لأن أهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فلا يجوز أن يحمل أمرهم على الانتظار، لأنهم كلما خطر ببالهم أتاهم من الله.
وأما النظر في قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ 6.
فإنه أراد به الاعتبار، ولا يجوز أن يحمل النظر هاهنا عليه، لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.
وأما النظر في قول الله: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ 7، فإنه أراد به التعطف والرحمة، فلا يحمل النظر في الآية على هذا، لأن المؤمنين في الجنة لا يوصفون بالرحمة لربهم فثبت أنه أراد النظر بالعين.8

ويدل على ما قلناه: أن الله وصف المشركين ثم قال: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ 1، وهذا يبطل قول السالمية.2
ويدل على أن المؤمنين عن ربهم غير محجوبين، إذ لو كانوا عنه محجوبين لما كان لوصف المشركين بذلك معنى.
قال الحسن البصري: "إذا كان يوم القيامة برز ربنا تبارك وتعالى فيراه الخلق ويحجب الكفار فلا يرونه، وهو قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ "3. وقال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: "لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعبر الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ " 4 وكذلك روي عن الشافعي - رحمه الله -5. يدل على ما قلناه ما روى علي بن أبي طالب وأنس بن مالك أنهما فسرا قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ 6، قالا: "يظهر الرب لهم يوم القيامة"7.
ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ 8، وذلك أن موسى عليه السلام لما سمع كلام الله اشتاق

إلى رؤيته فسأل الرؤية، فلو كانت رؤية الله مستحيلة لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام.
فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ في الدنيا ولا تطيق1عليها في الدنيا، وإنما منعه الله إياها في الدنيا لمعان: أحدها: أن النظر الذي في عينه خلقه الله للفناء فلا ينظر به إلى الله الذي هو باق ولا يفنى. والثاني: أن الدنيا دار تكليف فمعرفة الخلق له إنما هي عن غيب ليكون لهم الثواب لا معرفة ضرورية.2
والثالث: أن رؤية الله تعالى من أجل النعم التي ادخرها الله لأهل الجنة في الآخرة فلم يعطها أحداً في الدنيا.
ولا يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ من3رؤيته في الدنيا والآخرة، لأنه لو أراد ذلك لقال: "لا تراني"، ولأنه لو كان سؤال موسى مستحيلاً لأخبره الله بذلك وقال: لا تسألن عما ليس لك به علم، كما قال لنوح عليه السلام: ﴿فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ 4، ولنهى موسى عن ذلك.
ثم قال الله لموسى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ أي اجعل الجبل علماً بيني وبينك لأنه أقوى منك، فإن استقر مكانه فسوف تراني، وإن لم يستقر الجبل مكانه لن تطيق رؤيتي في الدنيا.
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ دليل على جواز رؤية

الله سبحانه لأن الله قادر على أن يقر الجبل مكانه.1
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فقيل: إن الله رفع الجبل الآفة المانعة له من النظر وأحياه وخلق فيه الإدراك2، وتجلى الله للجبل، أي رفع الله الحجاب3﴿جَعَلَهُ دَكّاً﴾ يعني قطعاً ستة أجبل ثلاثة بمكة: ثبير، وغار ثور، وحراء، وثلاثة بالمدينة: رضوى، وورقان، وأحد.4

وأراد الله بهذا إعلام موسى أن أحداً لا يراه في الدنيا إلا لحقه ما لحق الجبل، فلما رأى موسى تدكك الجبل خر صعقاً أي مغشياً عليه1، وقيل ميتاً2، فلما أفاق قيل من غشيته، وقيل: ردت عليه نفسه، قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ كلمة تنزيه لله وإجلال له ﴿تُبْتُ إِلَيْك﴾ أي من سؤالي الرؤية في الدنيا3لهول ما أصابني لا لأنها مستحيلة ولا لأني عاص بسؤالي، كما يقول القائل: تبت إليك من ركوب البحر، ومن تكليم فلان ومعاملته، وإن كان ذلك كله مباحاً، ويحتمل أن يكون سؤاله الرؤية ذكرته ذنوباً قد كان تاب منها فجدد التوبة منها عند ذكرها لهول ما رأى، كما يسارع الناس إلى التوبة عند مشاهدة الأهوال.4
وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أول المصدقين من هذه الأمة أنك لا ترى في الدنيا5، وقال الحسن: "أنا أول المؤمنين بك لأنه أول من آمن في زمانه"6.
ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ 7، أي ما يحيون به سلام، ومثله ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ 8

وموضع الحجة من الآية قوله: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ واللقاء في اللغة لا يكون إلا بالمعاينة يراهم الله ويرونه ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه.1
ويدل على ما قلناه ما روى جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم ستعرضون على ربكم عزوجل فترونه كما ترون هذا القمر لا تضارون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا "2. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن أناساً قالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تضامون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب" قالوا: لا، قال: " فإنكم ترونه كذلك"3.
وروي مثل ذلك عن أبي سعيد الخدري4وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم -5. وعن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا

يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعداً لم تروه قال: فيقولون ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا1عن النار ويدخلنا الجنة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله ما أعطاهم شيئاً هو أحب إليهم مما هم فيه ثم قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ 2.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم ارزقني لذاذة النظر إلى وجهك" 3.
ولا يسأل النبي صلى الله عليه وسلم مستحيلاً.
وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: "من تمام النعمة دخول الجنة والنظر إلى وجه الله تعالى في جنته"4.

وفي هذا من الأخبار الثابتة في الصحاح ما لو ذكرتها لطال الكتاب بذكرها.
ويدل على ذلك من جهة العقل أن الله تعالى موجود، وإنما يخالف الموجود الموجودات في استحالة كونه حادثاً أو موصوفاً بما يدل على الحوادث، فلما صح أنه يوصف بأنه معلوم صح بأن يوصف1بأنه مرئي.2
إن قيل: لو كان مرئياً لرأيناه في الدنيا، قلناك لا يلزم، ألا ترى أن ملك الموت يراه المحتضر ولا يراه من عنده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرى جبريل عليه السلام ولا يراه أحد ممن يحضره من الصحابة - رضي الله عنهم -. فإن قالوا: لو كان مرئياً لكان جسماً أو جوهراً أو عرضاً، لأنه لا ترى إلا الجواهر والأجسام.
قلنا: فقد اتفقنا أنه معلوم وإن كان في الشاهد لا يعلم إلا الجواهر والأجسام والأعراض.
وأما الدليل على إبطال قول الأشعرية فهو: أن الشرع ورد بثبوت الرؤية لله تعالى بالأبصار فَحُمِل ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "كما ترون القمر ليلة البدر "3 ولا يقتضي ذلك تحديداً ولا تجسيماً لله، كما لا يقتضي العلم به تحديداً له4ولا تجسيماً.
وإن قالوا: إن الرؤية لا تختص بالأبصار5، رجعوا إلى قول المعتزلة، في نفي الرؤية، وأن المراد بالرؤية العلم به علماً ضرورياً6، وقد حكي عن

بعض متأخري الأشعرية أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلت إن الرؤية العلم لا غير.1
وهكذا قالوا في سماع موسى لكلام الله أنه لا يختص الأذن، وإذا لم يختص الأذن رجع إلى معنى العلم. وأقوال الأشعرية مثبتة على أصول المعتزلة لأن أبا الحسن كان معتزلياً.2
واستدلت المعتزلة على نفي الرؤية لله سبحانه بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ﴾ 3، فنفى أن تدركه الأبصار وهو عام.4
والجواب: أنه إنما نفى الإدراك، والإدراك الإحاطة بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ 5.
أي أنا لمحاط بنا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ 6، ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة، ويحتمل أنه أراد نفي الرؤية في الدنيا لأن الرؤية، إليه7أفضل اللذات، فلا تكون إلا في أفضل الدارين بدليل ما ذكرنا من الآيات والأخبار لأن الخاص يقدم على العام.8

ثم استدلوا بقول الله تعالى: ﴿يسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَة﴾ 1، فلولا أن رؤية الله مستحيلة لما أنكر الله عليهم سؤالهم الرؤية.2
والجواب أن يقال: إن الله لم ينكر عليهم سؤالهم الرؤية لأنها مستحيلة، وإنما أنكر عليهم سؤالهم ذلك على وجه التكذيب له لكونه نبياً، وأنهم لا يؤمنون به حتى يروه ويعاينوه جهرة في الدنيا، ألا ترى أن الله أنكر على من سأل النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب3نزول الكتاب معه، وأنكر على من قال: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ4جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾

إلى قوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ 1.
ومعلون أن نزول الكتاب وتفجير الأنهار وكون الجنة من النخيل والعنب معه وغير ذلك مما سألوه ليس بمستحيل، وإنما سألوا ذلك على وجه التعنت، وأخبر الله سبحانه أنه لو فعل لهم لم يؤمنوا بقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ 2 وذلك لعلم الله وقضائه السابق فيهم.

# 105- فصل وعند أهل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرى به في اليقظة لا في المنام من المسجد الحرام1أي الحرام، وقيل: أسرى به من بيت خديجة بنت خويلد، وقيل: من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، وقيل: من بين زمزم والمقام إلى بيت المقدس وركب البراق، ثم عرج به إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى ورأى ربه.
واختلفت الرواية عن الصحابة - رضي الله عنهم -، فروي عن ابن عباس –رضي الله عنه- أنه قال: "رأى ربه بعيني رأسه".
وروي عن أبي ذر وعائشة - رضي الله عنهما - أنهما قالا رآه بعيني قلبه2، وقد أنكر المعتزلة والقدرية الإسراء، وقالوا إنما كان ذلك رؤية في المنام3، والقرآن والروايات تبطل

قولهم، قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ 1.

وروى حديث الإسراء جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: أبي بن كعب1، وأبو ذر2، وأبو سعيد الخدري3، وأنس4، وصهيب5، وحذيفة6، وعثمان7، ومالك بن صعصعة8، وابن مسعود9، وابن عباس10، وأبو الحمراء11، وعلي12، وعائشة13، وأم هانئ14،

وأبوحنة الأنصاري1، وعمرو بن العاص2، وسمرة بن جندب3، وبريدة الأسلمي4، وجابر بن عبد الله5، وأبو هريرة6، وعبد الله بن الحارث.7
ولا ينكر ذلك إلا من ينكر القرآن والأخبار الواردة فيه.
ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى﴾ 8 -يعني جبريل عليه السلام9- ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ و ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ بتشديد الذال في كذب، وقيل: معناه ما كذب الفؤاد ما رآه بعيني

رأسه، ومن قرأ ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ بالتخفيف قيل معناه ما كذب الفؤاد ما رأى بعيني قلبه.1
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "رأى محمد ربه مرة بقلبه ومرة ببصره".
فسمع ذلك كعب الأحبار، فقال: "أشهد بالله إن هذا لفي التوراة، وأن الله فسم كلامه ورؤيته بين موسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم، موسى سمع كلام الله مرتين، ومحمد صلى الله عليه وسلم رأى ربه مرتين "2. وأما عائشة - رضي الله عنها -، فروي عنها أنها أنكرت ذلك وقالت: "ثلاث من قال واحدة منهم فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إنه يدري ما يكون في غد قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ 3، ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ 4، ومن زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ

رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ 1، فقيل لها يا أم المؤمنين: ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ 2، وقال: ﴿رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ 3، قالت: أنا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: " رأيت جبريل عليه السلام سادا الأفق على خلقته وهيئته التي خلق عليها فيها"4.
فهذا اختلاف الصحابة في جواز الرؤية عليه في الدنيا.5

وأما رؤية أهل الجنة له في الآخرة فلم يختلفوا بل الرواة لذلك لا ينحصر عددهم، ولو كان الإسراء به مناماً لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم فيه فضيلة، ولما أخبر الله أنه أسري به بل كان يقول بروحه.

فصول الكتاب · 21 فصل · 963 صفحة
فصول الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار · 963 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: حياته الشخصية...المبحث الثاني: حياته العلمية وآثارهالمبحث الأول: اسم الكتاب...المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلفالمبحث الثالث: سبب تأليف الكتابالمبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتابالمبحث الخامس: مصادر الكتابالمبحث السادس: المآخذ على الكتابالمبحث السابع: قيمته العلميةالمبحث الثامن: موضوع الكتابالمطلب الأول: تعريف القدر لغة...المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلفالمطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلكالمطلب الرابع: التعريف بالقدريةالمبحث الأول: التعريف بالمخطوط...المبحث الثاني: منهج التحقيق
الباب الثاني: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
مصادر ومراجع...
الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار
تأليف العمراني
الأولى، 1419هـ/1999م
تقدّمك في الكتاب: صفحات 638-657 — 32 من 40
جارٍ التحميل