لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ 1، فسماه عربياً، وفسره ابن عباس - رضي الله عنه - غير مخلوق.2
وعند الأشعرية أن القرآن العربي مخلوق.3
وقال في آية أخرى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ 4، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ 5. وعند الأشعري أن الله ما أنزل على نبيه القرآن، وإنما عليه مفهوم القرآن ومعنى القرآن.6
والدليل على بطلان قوله قو الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ 7 وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان﴾ 8.
فذكر الله أنه أنزل القرآن والتوراة والإنجيل، ولم يقل أنزل مفهوم القرآن ولا معناه.
ويدل على أن القرآن حروف قول الله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً
لِلْمُتَّقِينَ﴾ 1، ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ 2، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾ 3، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ 4.
فذكر الحروف المتصلة المقطعة في أول السور، وأخبر أنه الكتاب والقرآن وأنها منزلة.
وهذا كله يبطل قول الأشعري ومن قال به.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن الألف حرف واللام حرف واليم حرف" 5.
وهذا نص في موضع الخلاف.
والدليل على إثبات الصوت قول الله لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ 6.
والله سبحانه كلمه من وراء حجاب ولا ترجمان بينهما واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت7، ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه من كان على هذه8البنية إلى دليل.
وقد روى الزهري9عن أبي بكر
بن عبد الرحمن بن الحارث1عن جزء2بن جابر3عن كعب الأحبار4أنه قال: "لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه فطفق موسى يقول والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه ففهمه"5.
وروى وهب بن منبه أنه قال: "لما سمع موسى كلام الله أنس بالصوت فقال: يا رب أسمع ولا أرى مكانك فأين أنت؟، فقال: أنا فوقك وعن يمينك وعن شمالك وأمامك وخلفك ومحيط بكل شيء"6.
وقال: "إن قوم موسى كانوا يحدقون النظر إلى أذن موسى عليه الصلاة والسلام فقال لهم موسى: ما لكم تنظرون إلى أذني، فقالوا ننظر إلى أذن سمعت كلام الله"7.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً8
بهماً1فيناديهم الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان"2.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً لله"3.
وحد الصوت عندنا: هو ما يتحقق سماعه، فكل ما يتحقق سماعه صوت، وما لا يتأتى سماعه فليس بصوت.
ويدل على ما قلناه ما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى4قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لأمة ينزل عليهم، وطوبى لأجواف تحمل هذا،
وطوبى لألسنة تنطق بهذا "1، ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين، وقد ذكره غيره من المصنفين.
وهذا يدل على فساد قول الأشعرية أن كلام الله الحقيقة2ليس بسور3وأنه لا ينطق بالحروف وأن الأجواف لا تحمله ولا تنطق به الألسن.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب" 4.
وهذا يدل على أن القرآن محفوظ بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾ 5.
ويدل على أنه مكتوب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ 6،
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ 2.
وروي أن النبي صلى الله عليه سلم قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر"3.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو"4، وأراد به السفر بالمصاحف.
ويدل على ما قلناه أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت صادقاً لكلمت الله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ 5.
قال مجاهد: "الأنبياء على ثلاثة أصناف: نبي أوحي إليه بقلبه فحفظ عن الله، وداود عليه السلام إنما حفظ الوحي بقلبه ثم زبره بكتبه ومعنى زبره أي أتقنه.
ونبي كلمه الله من وراء حجاب وهو موسى عليه السلام.
ونبي أرسل الله إليه رسولاً وهو جبريل فيوحي بإذنه ما يشاء وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان جبريل يأتي إلى بعض الأنبياء في منامه وكان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة كما يأتي الرجل صاحبه"1.
وموضع الدليل لنا من هذه الآية: لو كان كلام اله لا يؤخذ إلا مخلوقاً لم يكن للنفي في2هذه المعاني معنى.3
ويقال للأشعري إذا قرأ آية من القرآن هذا قول الله أم قول البشر؟ فإن قال: هو قول الله فقد رجع إلى ما عليه السلف وأهل الحق.
وإن قال: بل هو قول البشر4، قلنا عن ذلك أجوبة:
أحدها: أن يقال له: فهذه أقوال الوليد بن المغيرة فيما أخبر الله عنه بقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، فقال الله متوعداً له على قوله هذا ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ 1.
فلو كان قوله بذلك صحيحاً لما توعد2الله عليه. الجواب الثاني: أن يقال له: فمن البشر الذي هذا قوله، فليس أحد يدعي أن هذا قوله بل الكل منهم يقولون هذا قول الله، وإذا سمعوا القارئ بهذا الكلام قالوا صدق الله، من البشر الذي يقول ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾. والجواب الثالث: أن يقال له: إذا كان هذا من قول البشر فأت بسورة من مثله، وإن قال: بل هو كلام البشر عبارة عن كلام الله والمفهوم منه كلام الله قيل له: فمن البشر الذي سمع كلام الله القديم القائم بنفس الله فعبر عنه بهذا الكلام، فيضاف هذا الكلام إليه، ويقال هذا عبارة فلان فإن أحداً لا يدعي أنه عبارته. فإن قال هو عبارتي عن كلام الله.3
قلنا له فحقيقة المعبر أن يسمع كلاماً فيعبر عنه، وأنت لم تسمع كلام الله حقيقة، وإنما سمعت قول معلمك فعبرت عن قول معلمك ومعلمك سمع قول معلمهن فصرت معبراً عن عبارة معلمك إلى أن يتناهى4إلى الصحابة - رضي الله عنهم - وهو لم يسمعوا قول الله حقيقة، وإنما سمعوا عبارة النبي صلى الله عليه وسلم عن عبارة جبريل ولا أدري عما عبر عنه جبريل.5
فقول الأشعري هذا لا يستقيم أنه عبارة عن كلام الله.
وقول الأشعري: إن المفهوم من هذا الكلام كلام الله فغير صحيح لأن مفهوم كل إنسان معه ولا سبيل للخلق1إلى العلم بفهم ما في نفس الباري سبحانه، قال الله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك﴾ 2. ولأن ما في النفس لا يسمى كلاماً حقيقة وإنما يسمى حديث نفس.3
بدليل: أن رجلاً لو حلف بطلاق امرأته أن لا يتكلم فحدث نفسه بشيء أو نظم في نفسه كلاماً لم تطلق امرأته بإجماع الفقهاء، فدل ذلك على أن حقيقة الكلام هو المسموع المفهوم، ولا يكون ذلك إلا بحروف وصوت.
ويقال الأشعري إذا قرأ آية ن كتاب الله أهذا كلام أم كلامان4فإن قال بل
كلام، قيل له: أهو كلام الله أم كلامك؟ فإن قال: كلام الله رجع إلى ما عليه أهل الحق، وإن قال بل كلامي بان كفره لأنه خلاف المسلمين، وإن قال: كلامي أعبر به عن كلام الله.
قلنا له: فكلام الله قديم1وكلامك محدث، فميزنا لنا كلامك لنوقع عيه الحدث2عن كلام الله لنسميه قديماً، ولا سبيل له إلى ذلك بالجملة.
ويقال للأشعري: ما القرآن الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وادعى أنه كلام ربه، فقال: "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي"3، وجعله الله معجزة لنبي صلى الله عليه وسلم ودليلاً على صحة نبوته، أهو كلام الله القائم بذاته أم هو هذه السور والآيات؟.
فإن قال هو هذه السور والآيات رجع إلى الحق وإلى ما عليه كافة المسلمين، وإن قال: بل هو المعنى القائم بذات الله، قيل له: فإن هذا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ولا سمعه عندك4، فكيف يكون معجزة له وكان للعرب أن يقولوا: إن هذا الكلام القائم بذات الله لم نسمعه فكيف تأتي بسورة من مثله، وإنما نأتي بمثل ما سمعناه.5
ويقال للأشعري: قد أقررت بأن لله سمعاً وبصراً وعلماً وقدرة وحياة وكلاماً لتنفي عنه ضد هذه الصفات، فلما كان السمع الذي أثبته لله هو السمع المعهود في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات وكذلك ضجه المنفي عنه هو المعهود في كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبته لله هو المعهود في كلام العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك
المعلومات، وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي وهو الخرس المعهود عندهم، فأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال. ولا يلزم على ما قلنا إذا أثبتنا لله كلاماً بحرف وصوت أن يثبت له آلة الكلام، لأنه لا يتأتى الكلام بذلك إلا من له آلة الكلام، لأنا قد أثبتنا نحن والأشعري لله السمع والبصر والقدرة وإن لم نصفه بأن له آلة ذلك، وعلى أن الله سبحانه قد أخبر أن السموات والأرض قالتا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ 1، وأخبر أن جهنم تقول ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ 2 وأخبر أن الجوارح تنطق يوم القيامة بالشهادة.3
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذراع المشوية أخبرته أنها مسمومة.4
وشيء من هذا كله لا يوصف بأن له آلة الكلام فبطل قوله بذلك.
وهذه أخبار رويت عن السلف: قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي - رحمه الله - يقول: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي"1.
وقال أحمد بن حنبل: "اللفظية جهمية قال الله ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه﴾ ممن يسمع"2.
قال ابن جرير3: "سمعت جماعة يحكون عن أحمد بن حنبل أنه قال: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع"4.
وسئل إسحاق بن راهويه5عن الرجل يقول: "القرآن ليس بمخلوق ولكن قراءتي إياه مخلوقة لأني أحكيه وكلامي مخلوق، فقال إسحاق: "هذه بدعة لا يقر على هذا حتى يرجع عنه"6.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام7: "كلام الله ليس بداخل في شيء من كلام الناس ولا مختلط به ولو كان يشبه8في شيء من الحالات لكان القرآن
يقطع الصلاة لأن كل متكلم في صلاته قاطع لها، ولو قال رجل: والله لا تكلمت اليوم بشيء وقرأ القرآن لم يحنث"1.
وروي أن رجلاً سأل محمد بن إسماعيل البخاري فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟، فقال: "القرآن كلام الله غير مخلوق"، فقال: إن الناس يزعمون أنك تقول ليس في المصحف قرآن ولا في صدور الناس، فقال: "أستغفر الله أن يشهد علي بما لم يسمع مني أني أقول كما قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ أقول في المصاحف قرآن، وفي صدور الناس2قرآن، فمن قال: غير هذا فيستتاب فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر"3.
وروي عن محمد بن جرير أنه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق كيف كتب وتلي وفي أي موضع وجد في اللوح المحفوظ أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسوماً بحجر أو في رق أو في4 القلب حفظ، فمن قال غير هذا أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء غير الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا أو اعتقد ذلك بقلبه فهو بالله كافر حلال الدم برئ من الله والله برئ منه قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فأخبر سبحانه أنه في اللوح المحفوظ وأنه مسموع من لسان محمد صلى الله عليه وسلم وهو قرآن واحد"5.
فهؤلاء الأئمة نقلة الأخبار والاثار، الذين شهروا بالعلم والفضل، ولو تتبعت ذكر من قال بهذا أو صرح بكفر من قال بخلق القرآن وبكفر من
قال بأن هذا المتلو عبارة عن القرآن لطال الكتاب، وفيمن ذكرته منهم مقنع.1
وسئل أحمد بن حنبل عمن قال القرآن كلام الله ووقفوا وقالوا لا نقول إنه مخلوق ولا غير مخلوق، فقال: "هم شر ممن قال القرآن مخلوق لأنهم شكوا في دينهم"1 ثم قال: "لولا ما وقع فيه الناس كان يسعهم السكوت ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون"2.
ومعنى قوله: لما أحدث الناس الكفر بالقول بحلق القرآن لم يسع العلماء إلا الرد عليهم والتصريح بالقول بضد قولهم بأنه غير مخلوق بلا شك ولا توقف3.
فمن وقف كان شاكاً في دينه.
وقال هارون بن أبي علقمة1: سمعت عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون2وغيره من علماء المدينة يقولون: "من وقف في القرآن بالشك فهو كافر وهو مثل من قال بخلق القرآن"3.
وقال محمد بن مسلم4، قال أبو مصعب5: "من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال لا أدري أنه مخلوق أو غير مخلوق فهو مثله وشر منه"، فذكرت له رجلاً كان يظهر مذهب مالك فقلت إنه أظهر الوقف، فقال: "لعنه الله ينتحل مذهبه وهو بريء منه"، فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فسر به وأعجبه.6
# 98- فصل وقد لبست القدرية على من لا يعرف الأصول واستدلوا على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ 1 فقالوا: نقول إن القرآن محدث يفنى ويذهب كما تفنى سائر المحدثات، ولا نقول إنه مخلوق لأن الخلق يقع على الكذب قال الله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ﴾ 2 أي إلا كذب، وقال سبحانه: ﴿إِنْ هَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ 3 أي إلا كذب الأولين.4
وهذا منهم تمويه على من لا خبرة له بمذهبهم ومعنى الحدث معنى الخلق عند المتكلمين، وقد ذكرت قبل هذا أن تحقيق مذهبهم وقولهم فيما سمع منهم5من القرآن أنه خلق لهم كسائر كلامهم.6
وأما استدلالهم بالآية قلنا عن ذلك أجوبة: أحدها: أن نقول: إنه لا يرد بالذكر هاهنا القرآن، لأن كل ذكر في القرآن أراد به القرآن فإنه معروف بالألف واللام أو ممدوح أو موصوف بأنه منزل ليفرق بينه وبين غيره بالذكر، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ 7 وقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ 8.
وقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ 9، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاس﴾ 1، وقال: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ 2، وقال ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ 3، فذكر الذكر في هذه الآية مُنَكَّراً4إلا أنه مدحه بالبركة ووصفه بأنه منزل ليدل على أنه القرآن.
وفي هذه الآية التي استدلوا بها ذكر منكر ولم يمدحه إلا وصفه بأنه منزل ليدل على أنه غير القرآن فيحمل على أحد معنيين: إما على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله سماه ذكراً بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُم﴾ 5، ويدل على هذا التأويل أنه قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ فذكر أن الذكر يأتيهم، والذي يأتيهم بنفسه هو النبي صلى الله عليه وسلم في المواعظ والتخويف من كلامه لا من كلام الله6، ويدل على هذا أن قريشاً كانوا إذا سمعوا القرآن
. قسموا آراءهم فيه، ولم يقابلوه بالضحك1واللعب. فدل على أن الذي ضحكوا منه ولعبوا هو ذكر غير القرآن.2
والجواب الثاني أن يقال: لو سمعنا أنه أراد بالذكر هاهنا القرآن لم يجب كونه مخلوقاً لوصفه بالمحدث لأن المحدث ضد القديم، وقد أخبر الله سبحانه عن بعض المخلوقات أنه قديم بقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ 3، فلما جاز في4المخلوقات ما سمى قديماً كان في القديم ما يسمى محدثاً ولا يكون مخلوقاً.
والجواب الثالث: إن المحدث يقع في اللغة على الواضح الجلي، ولهذا تقول العرب: أحدث السَيْقَل5السيف والمرآة إذا جلاهما، وقال جرير6: ضربت عند الأمام فاُرعشت... يداك وقالوا محدث غير صارم7أي جلي غير قاطع.
والجواب الرابع: أن المحدث قد يراد به المظهر ولا يراد به المخلوق بدليل ما أخبر الله عن الخضر أنه قال لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلا1تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ 2 يعني أظهر وأبدي لا أخلق.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحدث من أمره شيئاً وإن مما أحدث الله أن لا تتكلموا في الصلاة "3.
ومن تمويه القدرية في الاستدلال على أن القرآن مخلوق أن قالوا: ق سمى الله القرآن أمراً بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ 1، وقال في آية أخرى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ 2، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ 3. والمفعول والمقدور عبارة عن المخلوق.4
والجواب أنه لم يرد بالأمر هاهنا قوله، وإنما أراد به ما أحدثه الله في الأرض من الأمور، وهو نكاح النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة زيد بن حارثة5، وعقوبته لأهل السبت من اليهود6لأن العرب تسمي الشيء باسم سببه فلا مُكَوَنَ ولا مفعول إلا بأمر الله وهو قوله للشيء (كن فيكون)، والفعل يسمى أمراً.
قال الشاعر: فقلت لها أمري إلى الله كله... وإني إليه في الإياب لراجع7يريد فعلي وشأني، وهذا الأمر يجمع أموراً، والأمر من القول يجمع أوامر.8
وهذا يدل على أن أمر الله الذي هو القول ليس بمخلوق قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ 9 أي بقوله، فلو كان أمره يقوم بأمر غيره لأدى ذلك إلى ما لا يتناهى وذلك محال.
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ 10 والجعل عبارة عن
الخلق لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ 1. والجواب: أن الجعل في القرآن يعبر به عن الخلق، ويعبر به عن التسمية وهو المراد هاهنا قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ 2 أي سموهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ 3 وأراد به سموه كفيلاً. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ 4 ولم يرد ما خلقها، وإنما أراد ما سماها، فبطل أن يكون كل جعل في القرآن عبارة عن الخلق.5
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ 6 والقرآن شيء فوجب أن يكون مخلوقاً.7
والجواب أن نقول: إن القرآن صفة لله سبحانه، وقد سمى الله نفسه شيئاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ 1، فلما لم تكن ذات الله سبحانه داخلة في جملة المخلوقات، لم يكن القرآن الذي هو صفة له داخلاً في المخلوقات.2
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ 3، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ 4، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ 5، فلما سوى الله بين القرآن وبين الحديد والماء في الإنزال دل على أن حكم الجميع في الخلق واحد.6
والجواب أن يقال: لا يمتنع أن يتفق الشيئان في الاسم لمعنى ويختلفان في الصفة لمعنى، ألا ترى أن الله سبحانه يوصف بالوجود والإنسان وغيره من الأجسام يوصف بالوجود وإن اختلفا في الخلق والجسمية7وغيرهما، ويوصف الله أنه حي عالم قدير بصير سمين ويوصف الإنسان بذلك وإن اختلفا في الخلق والجسمية، ولم يكن الحديد والماء مخلوقين لكونهما
منزلين1ولو جاز لهم ذلك لجاز لغيرهم أن يدعي أن القرآن جسم كالحديد والماء لاجتماع الجميع بالوصف بالإنزال.2
استدلت القدرية والمعتزلة بقوله: لما كان القرآن حروفاً متغايرة يدخلها التعاقب والترتيب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون من المتكلم ومن له آلة الكلام ومن كان بهذه الصفات لا يجوز أن يكون صفة لله فثبت أنه مخلوق.3
فضاق بالأشعري وابن كلاب النفس عن الجواب عن هذا، فوافقوهم أن هذا القرآن المتلو مخلوق كما قالوا، وادعوا أن هاهنا1قرآناً قديماً يوصف بأنه كلام الله ينتفي عنه ضده2وهو المعنى القائم بنفسه فهم قائلون بخلق القرآن الذي لا يعرف المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين قرآناً غيره. وادعت الأشعرية قرآناً وكلاماً لله لا يعقل ولم يسبقهم إلى هذا القول أحد من أهل الملل والنحل فردهم على المعتزلة بخلق القرآن تمويه وتستر بقول أصحاب الحديث، وهو مذهب مسقف باطنه الاعتزال وظاهره التستر.3
وأما الجواب عما أورده من الاستدلال فمن وجوه: أحدها: أن يقال لهم جميعاً: ما الدليل على أن الكلام إذا كان ذا تأليف وترتيب كان مخلوقاً، فإنهم لا يجدون عليه دليلاً من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من الإجماع ممن قبلهم من أهل العلم، فإن قالوا: لأنه4بصفة كلام المخلوقين، قلنا لهم، فليس اجتماع الشيئين في صفة يدل على اجتماعها في جميع الصفات، فيلزمكم أن لا تصفوا الله بأنه متكلم لهذا المعنى5كما قالت المعتزلة، ويلزم المعتزلة أن لا يصفوا الله بأنه موجود ولا شيء لأن ذلك صفات للمحدثات.6
والجواب الثاني أن يقال لهم: قد ورد الشرع بأن كلام الله مرتب، قوله تعالى ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ 1 وثم للترتيب في كلام العرب، ودليل العقل إذا خالف القرآن وجب تقديم دليل الكتاب على دليل العقل.
والجواب الثالث: أن أزمان المخلوقات مترتبة شيء بعد شيء، وقد أخبر الله سبحانه أنه يقول لكل شيء إرادة منها (كن) فقال سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ 2، فأخبر أنه قال لعيسى بعد خلقه لآدم (كن) فمن قال: إنه لم يقل لكل واحد منهما عند خلقه (كن) فقد رد على الله خبره.
والجواب الرابع: أن يقال لهم إنما وقع الترتيب في القرآن ويسره الله على على ألسنتنا عن النطق بغير هذا الترتيب لقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ 3
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ 1 ولا يقضي بأنه وقع مرتباً على هذا الترتيب من الله2، فلا يجوز لذلك أن نقول إنه مخلوق.
وأما قولهم إن النطق بالحروف والأصوات لا يكون إلا ممن تكون له آلة الكلام، فغير صحيح.
وقد بينا أن الكلام قد3وجد ممن لا يوصف بآلة الكلام وهو السموات
والأرض وأعضاء بني آدم والذراع المشوية1، فبطل بذلك قولهم واستدلالهم. احتجت الأشعرية بأن قالوا: لما كان سمعه بلا انخراق أذن، وبصره بلا انفتاح حدقه، وعلمه بلا فكر وجب أن يكون كلامه بلا صوت ولا حرف.2
والجواب: أن هذا جمع بغير معنى جامع، وعلى مقتضى دليلكم هذا أن يقال لما كان سمعه بلا انخراق أذن، وبصره بلا انفتاح حدقه، وجب أن يكون كلامه بلا جارحة3، وهكذا نقول.4
احتجت الأشعرية بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ 5، وبقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُم﴾ 6، ويقول الرجل في نفسي كلام، فدل على أن ما في نفس الإنسان يسمى قولاً.7
والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنا نعارضه بقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ 1، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ 2، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾ 3، فأخبر في هذه الآيات أنهم قالوا بألسنتهم قولاً لم يقولوه بقلوبهم، ولم يخبر في هذه الآية التي احتجوا بها أنهم لم4 يقولوا بألسنتهم ما قالوه بقلوبهم، فيجوز أن يكون المراد بالآية التي احتجوا بها أنهم زوروا قولاً بأنفسهم وقالوه بألسنتهم فسمى المزور بقلوبهم قولاً لهم لأنه يؤول5إلى القول باللسان كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ 6 فسمى العصير خمراً لأنه يؤول إليه.
والجواب الثاني: يجوز أن يكون معنى قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ 7 أي قالوه بألسنتهم أسر به بعضهم إلى بعض كقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ 8 أي يسلم بعضكم على بعض9كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 10 أي لا يقتل بعضكم بعضاً 11، والدليل عليه: أن الآية.12
وردت في اليهود،
وذلك أن قوماً منهم قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فنشتمه علامية كما نشتمه في السر لننظر هل يعذبنا الله على ذلك، فجاءوا إليه فقالوا السام عليك يا محمد، يريدون الموت عليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليكم، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: السلام عليكم يا إخوة القردة والخنازير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما وضع في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه أما سمعتني قد قلت: وعليكم، فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ 1.
فسمى الله كلامهم بألسنتهم قولاً لهم وتوعدهم عليه بجهنم، فدل على أنه هو القول حقيقة وما في النفس لا يسمى قولاً ولا كلاماً، وإنما يسمى حديث نفس ولا يتعلق به حكم.
ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به" 2، فنفى أن يكون حديث النفس كلاماً.
والجواب الثالث: أن حديث التفس لا يسمى كلاماً ويدل عليه شيئان: أحدهما: أنه لو حلف رجل أن لا يكلم هذا اليوم فجلس يزور الكلام في نفسه وينظمه لم يحنث في يمينه، ولو نوى طلاق امرأته وعتق عبده لم يحكم عليه بطلاق ولا عتاق. الثاني: أنه لو كان كلاماً لما صح نفيه عن الكلام بان تقول ما تكلمت وإنما وردت ذلك في نفسي. والجواب الرابع: لو كان ما في النفس كلاماً لكان الساكت أو الأخرس إذا زور في نفسه كلاماً سمى متكلماً فيؤدي إلى كونه أخرس متكلماً أو متكلماً ساكتاً في حالة واحدة وهذا محال. والجواب الخامس: أن الله أخبر عن السماء والأرض أنهما قالتا ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وأخبر عن الجوارح أنها تنطق يوم القيامة، وأخبر عن جهنم أنها تقول ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذراع المشوية أنها قالت: (إني مسمومة فلا تأكلني)، وجميع ذلك ليس له نفس فعلم أن الكلام يتصور وجوده ممن لا نفس له.1
ويقال للأشعرية: قد قلتم إن كلام الله شيء واحد لا يتبعض، وقلتم: إن كلام الله ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذه المعاني متغايرة متعددة وكذلك قلتم: إن لله صفات متعددة، وهي العلم والإرادة والحياة والقدرة والسمع والبصر والكلام، فلم نفيتم أن يكون القرآن ذو السور والآيات كلاماً لله حقيقة لكونه متعدداً مترتباً.
فإن قالوا إنما ينقسم الكلام إلى الأمر والنهي والخبر والاستخبار في القرآن الذي هو عبارة وحكاية عن كلام الله القائم بذاته، ولا ينقسم الكلام القائم بالذات إلى هذه المعاني2، قيل لهم: من شرط العبارة والحكاية أن
تؤدي معنى المعبر عنه وإن كان المعنى القائم شيئاً واحداً فمن المعبر عنه بهذه1العبارة المفهومة وكيف تعلقت الأحكام بالعبارة دون المعبر عنه وبالمعنى دون المَعْني.2
وأيضاً فإن في القرآن ما يحتاج في فهم معناه إلى كلام أو ضح منه وهو الحروف في أوائل السور، الم، كهيعص، حم، وما أشبهه فإن كان ذلك عبارة عن كلام الله القائم بذاته1فهلا عبر عنه بكلام أبين منه، وهذا باطل بقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ 2، فوصف (الر) بأنه الكتاب المبين.
ويقال للأشعرية: هل أسمع الله موسى وأفهمه جميع كلامه أو بعض كلامه فإن قالوا: أفهمه وأسمعه جميع كلامه، فقد جعلوا موسى عالماً بما في نفس الله وعالماً بالغيب، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعلم ما في نفسه أحد، ولا يعلم الغيب إلا هو، وأخبر سبحانه أنه لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، ويؤدي قولهم هذا أن موسى عليه السلام قد فهم التوراة والإنجيل والفرقان، وأن المشروع بالقرآن والإنجيل كان مشروعاً على بني إسرائيل وهذا باطل بالإجماع.
وإن قالوا: أسمع عليه السلام وأفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى ما عليه أهل الحق وأن كلام الله ليس بشيء واحد.
وإن قالوا لم يسمع الله موسى كلامه القائم بذاته وإنما أسمعه العبارة عن كلامه وهي التوراة، أدى قولهم هذا إلى معان فاسدة، منها أن الله سبحانه بعض3عن كلامه، ولو جاز هذا لقيل فيجوز أن يكون لعبارته عن كلامه عبارة عنها إلى ما لا يتناهى.
ومنها أن موسى يخرج عن أن يسمى كليم الله، وهذا ترك ورد لما ورد به نص القرآن وأجمع عليه المسلمون، ورجعوا بذلك إلى قول المعتزلة الذين هم حوله يدرون وعليه يعولون، وهو أن الله ما كلم موسى وإنما خلق كلاماً في الشجرة أسمعه موسى عليه السلام.
# 99- فصل وقد ألزم الغزالي في الاقتصاد الأشعرية ونفسه لأهل الحديث إلزامات حسنة صحيحة، وأجاب عنها بأجوبة فاسدة.
منها: إن قال قائل كيف سمع موسى صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى؟.
فإن قلتم سمع صوتاً وحرفاً، فإذا لم يسمع كلام الله، لأن كلامه ليس بصوت ولا حرف، وإن قلتم لم يسمع صوتاً وحرفاً فكيف سمع ما ليس بحرف ولا صوت، وهذا إلزام صحيح.
فأجاب عنه على قوله وقول الأشعرية وقال: سمع موسى كلام الله، وهو صفة قديمة بذات الله ليس بحرف وصوت، فقول من قال: كيف سمع ذلك كقول القائل: كيف أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر، وهذا القول1لا يستند إلى شفاية إلا بأن نسلم سكراً إلى هذا السائل حتى يذوقه فيدرك طعمه وحلاوته، وكذلك نقول لهذا السائل: لا يمكن شفاؤك إلا بأن تسمع كلام الله القديم، وهو متعذر لأن ذلك من خصائص الكليم فنحن لا نقدر على استماعه أو تشبيه2ذلك بشيء من مسموعاته التي ألفها، والأصوات3لا تشبيه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه، فعلم أن هذا السؤال محال، هذا معنى قوله ومعتمده فيما أجاب.4
ولنا عن هذا أجوبة: أحدها أن يقال: ما المعنى الجامع بين فهم حلاوة السكر، وفهم سماع موسى لكلام الله، ومحال أن يكون فهم حلاوة السكر وغيره من الطعوم المعتادة غير معلوم من غير ذوق.
والجواب الثاني: أن يقال لو كان فهم سماع موسى لكلام الله محالاً عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند الخلق، لما أخبر الله بذلك بكتابه لأنه لا يخبر بالمحال ومما لا يعقل، فإن الله أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك ليدل على فضيلة موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان غير معقول ولا معلوم عند الخلق لما علموا فضيلته.
والجواب الثالث: أن يقال قولك إن الله أسمع موسى بغير حرف ولا صوت مخالف لما أخبر الله عن ذلك بكتابه فقال: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ 1، فأمر الله بالاستماع إلى ما يوحى، والاستماع عند العرب لا يكون إلى صوت وحرف، ولا يكون الاستماع إلى الصفة القائمة بالذات لأن ذلك لا يعقل، ألا ترى أنه لو قال استمع إلى بصر الله وسمعه وحياته وقدرته لكان ذلك محالاً من الكلام وهي صفات قائمة بالذات، وأيضاً فإن الله أخبر عما أمره بالاستماع إليه فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ فجمع بالآية بين الإخبار بأنه لا إله إلا هو، وأن الساعة آتية وأنه يخفيها وتجزي كل نفس بما تسعى، وبين أمره له بالعبادة وإقامة الصلاة لذكره، وهذه معان مختلفة.
فإن قال: ليس في هذا كله دليل على أن الله أسمعه هذا الكلام على هذا النظم، قلنا: إذا لم يكن في هذا دليل على أنه أسمعه هذا النظم لم يكن قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ 2 دليلاً على أنه كلمه ولا أنه كليمه.
إلزام واعتراض ذكره الغزالي أيضاً في الاقتصاد.
إن قال قائل: هل كلام الله حال في المصحف أم لا، فإن كان حالاً فكيف حل القديم في المحدث، إن قلتم لا فهو خلاف الإجماع (أن في
المصحف قرآن) بدليل أنه يحرم على المحدث مسه.
فأجاب عن هذا وقال: كلام الله مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب مقروء بالألسنة، فأما الكاغد والحبر والكتابة والحرف والصوت فكلها حادثة.
فإذا قلنا: إنه مكتوب في المصاحف أعني صفة القديم لم يلزم أن يكون القديم في المصحف، كما إذا1قلنا النار مكتوبة لم يلزم أن تكون ذات النار حالة فيه فالنار جسم حار، وعليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعاً يحصل منه النون والألف والراء، فالحار المحرق ذات النار لا نفس الدلالة، والحروف أدلة القرآن وللأدلة حرمة إذ جعل2الشرع لها حرمة، لأن ما فيها دال على صفة الله3هذا تحقيق قوله.4
والجواب أن يقال: أما قولك إنه5حال في المصحف عبارة غير مرضية، لأن الحلول صفة الأجسام يقال حل يحل بالمكان بضم الحاء في المستقبل إذا نزل به، وحل الدين يحل بكسر الحاء في المستقل إذا وجب6، وحل
الشيء يحل بكسر الحاء إذا حل1فعله، وإنما يقال القرآن موجود2في المصاحف ومكتوب ومسطور.
وأما قوله إن الكاغد والحبر محدثان فلا ينكر ذلك وليس الحرف هو نفس الحبر ولا نفس الكاغد.
وأما قوله: إن القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ بالقلوب مقروء بالألسنة، فإن أراد بذلك القرآن الذي هو كلام الله حقيقة قلنا هذا صحيح وبطل أن يكون لله كلاماً قائماً بذاته لا يفارقه وكان هذا قول أصحاب الحديث.
وإن أراد بذلك العبارة عن القرآن الذي هو قائم بذات الباري كان قوله هذا قولاً فارغاً لا معنى تحته غير التستر بقول أصحاب الحديث، وعليه يدل قوله إن القرآن مكتوب في المصاحف، لأنه لو صرح وقال ليس القرآن مكتوباً في المصاحف، وإنما المكتوب به أدلة القرآن لكان مخالفاً لما عليه أدلة3المسلمين ولكنه سقّف4قوله.
والأشعرية قدموا رِجلاً إلى الاعتزال ووضعوها حيث وضعت المعتزلة أرجلهم، وأموا بالرجل الأخرى إلى حيث وضع أهل الحديث أرجلهم5، وهذا مثال عقلي يفقهه من فهم قولهم.
ومن إلزامات الغزالي في الاقتصاد قوله: إن قال قائل هل القرآن1كلام الله أم لا، فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع، وإن قلتم نعم فما هو سوى الحروف والأصوات.
فأجاب عن هذا وقال ها هنا ثلاثة ألفاظ قراءة ومقروءة وقرآن.
أما المقروء فهو كلام الله القائم بذاته، وأما القراءة فهي عبارة القارئ، وأما القرآن فهو اسم مشترك يقع على صفة الله وهو الكلام بذاته وهو الذي أراده السلف بقولهم القرآن غير مخلوق، ويقع على القراءة التي هي أفعال القارئ وهي مخلوقة 2، هذا تحرير قوله.
والجواب أن يقال له: قد أقررت أن القرآن هو هذه السور والآيات، ودعواك أن المقروء هو كلام الله القائم بذاته، غير مسلم ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا من سنة ولا إجماع، بل إجماع السلف أن لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو الذي جعله الله معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم أن لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو الذي جعله الله معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم وشاهداً على صدقه وعلق عليه الأحكام فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ 3، والعرب لا تشير بقولهم (هذا) إلا إلى شيء موجود ومدعى قرآن لا لغة فيه جاهل غبي، وأما قراءة القارئ فهو تحريكه آلته وفعله المسموع المفهوم هو القرآن المجمع عليه، وأما القائم بذات الله فلا سبيل لأحد إلى العلم به ولا إلى العبارة عنه.
وأيضاً فإن ذات الله ليست بمحل أن تقوم بها المعاني، والقائل بذلك مشبه4، لأن الله لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به نبيه صلى الله عليه وسلم أو
أجمع المسلمون على التسمية به، وهذه التسمية خارجة عن ذلك كله فكانت باطلة.1
ومن إلزامات الغزالي في الاقتصاد قوله: إن قال قائل أجمعت الأمة على أن القرآن معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كلام الله وأنه سور وآيات ولها مقاطع ومفاتح، وكيف يكون للقديم مقاطع ومفاتح، وكيف يكون القديم معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمعجزة: فعل خارق للعادة، وكل فعل مخلوق.2
فأجاب عن هذا بجواب تحريره ما مضى، أن القرآن اسم مشترك بين المقروء وبين الدال عليه وكلما وصفوه مما لا تحتمله الصفة القائمة، فإن3المراد به العبارات الدالة عليه، وكذلك السماع الذي قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ 4، فالمراد به العبارة الدالة على الصفة القائمة، وسماع موسى هو كان إلى الصفة القائمة بذات الله وإلا لم يكن لموسى فضيلة على المشركين إذا كان مسموعهم واحد.5
والجواب أن نقول: لا نسلم أن المراد بالقرآن وبقول الله وبكلام الله في جميع الإطلاقات إلا6هذا المسموع المفهوم المتلو.
والدليل على ذلك نص