فعلم أن هذه الأسامي1إنما تنصرف إليها بحق العباد لا في حق الله، وقد أخبر الله عن يوسف عليه السلام أنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه﴾ 2، وسجن يوسف عليه السلام سفه منهم وليس بسفه منه، وإن أحبه وأراد، وأخبر الله عن ابني3آدم أنه قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ 4، فأراد من أخيه قتله ليكون القاتل له من أصحاب النار، ومعلوم أن قتله سفاهة من القاتل.
ولا يقال إن المقتول سفيه لكونه مريداً لقتل نفسه، فثبت بذلك كله أنه ليس كل من أراد الظلم والسفه من غيره يسمى ظالماً وسفيهاً، يؤيد ذلك أن الله يوصف بأنه يريد الطاعة من العباد، ولا يوصف لذلك بأنه مطيع، ويوصف بأنه يخلق الموت في غيره، ولا يوصف بأنه ميت، فلم5 يمتنع لذلك أن6بإرادته المعصية من غيره وبخلقه لأفعال المعصية من العباد والظلم منهم والسفه لا يسمى ظالماً ولا سفيهاً.
وأما قول المخالف: ليس في استدلالنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وما أشبهها من الآيات ما يدل على وجود ضد ذلك من الله، غير صحيح، لأن الزيغ في القلوب وصرفها7وإمالتها عن الهدى منه8، وقد أخبر الله بذلك عن فعله بمن لم يؤمن بقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
الأرْضِ﴾ 1 ومعناه سأمنع قلوبهم وأدفعها عن العلم والتفكر في آياتي.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ﴾ أي الذين يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم ما ليس2لغيرهم وهذه الصفة لا تكون إلا الله، إلى قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ ومثلها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ 3، فأخبر الله سبحانه أنه صرف قلوبهم عن فهم القرآن فلم يفقهوه لذلك، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ 4، فنسب الزيغ5الأول إليهم لكونه كسباً لهم ووقوعه بمشيئتهم، ومشيئتهم متعلقة بمشيئة الله لقوله تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ 6، ونسب الزيغ الثاني إلى نفسه ونسبه إليه لكونه خالقاً له، والزيغ الواحد لا يجوز أن يكون بعضه خلقاً لهم وبعضه خلقاً لله، لأنهم لا يقدرون على تمييز ما خلقوا7من الزيغ عما خلقه الله فيهم منه.
وأما قول المخالف: إن هذا الاستدلال بالعكس وهو غير صحيح، جهل منه بوجوه الاستدلال، والاستدلال8من محاسن الشرع قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ 9، وهذا الاستدلال بالعكس لأنه أخبر أن عدم وجود الاختلاف فيه دليل على صحة أنه من الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ 10 فعدم الفساد فيهما يدل على أن المدبر لهما واحد.
ثم قال المخالف: وأما قول1المستدل إنه لا يسأل من الله إلا ما يجوز وقوع ضده منه، فليس الأمر كذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿قَالَ2رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ 3، فأمر نبيه أن يسأله أن يحكم بالحق وإن كان ضده الحكم بالباطل.
والجواب أن يقال: إن الله أمره أن يسأله تعجيل النصفة منه4بما كذبوه فقال ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَق﴾ أي عجل حكمك بالحق ولا تؤخره، لأن لله أن يقدم ذلك وله أن يؤخره، فقتلوا يوم بدر ويوم الأحزاب ويوم أحد، ولم يسأله وهو شاك أنه يحكم بغير الحق، وإنما أمره الله أن يسأله بتعجيل ذلك منهم5، كما أخبر عن نوح ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ 6 وقد أخبر الله عن نوح أنه قال: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ 7، والزيادة في الضلال عن الدين، فدل على أنه يجوز وقوع ذلك من الله.
# 77- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا أن يقال لهم: أمر الله إبليس بالسجود لأدم وأمر الكفار بالإيمان، أكان يعلم أنه يكون1منهم ما أمرهم به، أم كان عالماً بأنه لا يكون منهم ذلك مع إرادته لذلك منهم، فإن قالوا: كان غير عالم بأنه لا يكون منهم ذلك نسبوه إلى الجهل، وقد قال بذلك فرقة من القدرية2وقد أكذبهم الله بقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر..﴾ 3 الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ 4، وإن قالوا: بل كان عالماً بأنهم لا يفعلون ما أمروا به، قلنا لهم: فإرادته لوقوع ما يعلم أنه لا يكون تقع موقع تمني الحمقى كمن5يقول: ليت الله يجعلني نبياً وما أشبه ذلك.
فأجاب القدري عن ذلك وقال: هذا يدل على فقد المستدل للتمييز بين الإرادة والتمني، فإن الإرادة من المعاني التي تخص بالقلوب في حق العباد، وليست من جنس الكلام، والتمني جنس من الكلام وهو قول القائل: ليت لي كذا وكذا، فكيف تكون إرادة ما لا يكون تمنياً، وعلمنا بأنه أمرهم بذلك إرادة منه لوقوع ما أمرهم به على ما مضى.
والجواب: أن يقال لهذا المخالف: هذه مغالطة لا يخفى فسادها على من له أدنى بصيرة، نحن قلنا: لو كان هذا6لوقع موقع التمني من الحمقى والتمني مستحيل وقوعه من الله سبحانه.
وأما قول المخالف: التمني بالقول وهو قول القائل: ليت لي كذا وكذا،
فلا ننكر أن هذا من التمني، والتمني يقع على هذا ويقع في اللغة على التلاوة1، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ﴾ 2، ويقع التمني على ما يتمناه الإنسان في نفسه ولا يتكلم به، ومنه يقال: تمنى فلان بنفسه أن يكون له كذا وكذا.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي يوماً بمكة فتمنى بنفسه شيئاً من الدنيا، وكان يقرأ سورة النجم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ 3، فألقى الشيطان على لسانه، فإنهن عند الله لمن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن4لترتجى، والغرانيق الملائكة5.
فوقعت هاتان الكلمتان في آذان المشركين واستبشروا وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دين قومه، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد وسجد معه كل كافر ومسلم إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخاً كبيراً فرفع ملء كفه تراباً وسجد عليه، ففشا ذلك في الناس وأظهرهما6الشيطان حتى بلغتا7إلى أرض الحبشة، فلما سمع عثمان بن مظعون وعبد الله بن مسعود ومن كان معهما هنالك من الصحابة أقبلوا سراعاً، وعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى جبريل فشكى إليه، فقرأ عليه النجم فلما قرأ هاتين الكلمتين قال جبريل: معاذ الله أما هاتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أطعت الشيطان وشركني في أمر الله، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ
رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ 1.
وهذا يدل على1أن لفظة التمني مشتركة، وإنما يتبرأ جبريل من ذلك ونسبها إلى الشيطان دون الله لأن الله ما أمره بذلك ولا أنزله جبريل عليه وإن كان الله قد خلقه على لسان الشيطان.
ويقع التمني على السؤال أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا2تمنى أحدكم فليكثر فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته "3، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يتمنى أحدكم الموت لضيق نزل به فإن كان لا بد متمنياً فليقل اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي"4.
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء يسمى تمنياً، فعلم بذلك جهل هذا المعترض لانصراف لغة التمني إلى معان، فتصور ذلك في مسألتنا إذا أراد الله وقوع أمر يعلم أنه لا يكون وقوعه ألبتة صار من يقول اللهم اجعلني نبياً.
وأما قول المخالف: إذا أمر الله بأمر علم أنه أراد وقوعه فغير صحيح،
لأنا قد بينا أنه أمر بما لم يرد وقوعه وهو ذبح إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولده وغير ذلك1فأغنى عن الإعادة.
# 78- فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ 1، وهذه صيغة الأمر، وليس بأمر إيجاب ولا إباحة ولا ندب، بل هو تسليط (من الله لإبليس على الكفار) 2 كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ 3، ويدل4على أنه تسليط من الله لإبليس على الكافرين والعصاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ 5 فمعنى قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ أي استخف من استطعت منهم بدعائك، ويقال: بالغناء والمزامير6﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك﴾ يعني اجمع عليهم بخيل المشركين، ويقال لكل راكب يسير في معصية الله أجلب.
وقوله: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ يعني كل راجل يمشي في معصية من الجن والإنس، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ﴾ كل مال حرام، ﴿وَالأوْلاد﴾ كل ولد غير حل.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "وهم المخنثون وأولاد الزنا"7، ﴿وَعِدْهُمْ﴾ ومنِّهم الغرور أن لا بعث.
فأجاب المخالف القدري: إن هذا ليس بتسليط وإنما هو تهديد، هذا نكتة قوله ومعتمده.
والجواب عنه من وجوه: لأحدها: أن النقاش1قال: ليس بتهديد ولا أمر وإنما هو ذكر ما يفعله الشيطان مما لا يضر في الملك كقول القائل لمن قدر عليه: كدني بما قدرت.
والوجه الثاني: مما يدل على أنه ليس بتهديد أن التهديد الذي هو بصيغة الأمر هو ما يتبعه الوعيد من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾ 3 الآية.
والثالث: أنه قال بعدها ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ 4 وهذا صيغته صيغة الخبر، والمراد به منع إبليس من عبادة الصالحين عن أن يستفزهم بصوته، أو يجلب عليهم بخيله ورجله ويشاركهم في الأموال والأولاد، فدل على أنه لم ينفعه من ذلك5غير عباده الصالحين، بل أرسله عليهم ولم يعصمهم منه فيكون كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾.
# 79- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ 1.
فأجاب المخالف القدري وقال: المراد بالشر ههنا ما يصيبهم من مصائب الدنيا كالمرض والموت وذهاب الأموال والأولاد.
والمراد بالخير ما ينالهم من نعم الدنيا، كالخصب وسعة المال وكثرة الأموال والأولاد يدل عليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، والمراد بالفتنة الامتحان.
والجواب: أن الشر اسم جنس يعم جميع الشر في الأعمال وغيرها، والخير اسم جنس يعم جميع الخير في الأعمال وغيرها، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الَّذِي2خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ 3.
وجواب آخر وهو أن يقال للقدرية: عندكم أن الله لا يفعل بالعبد إلا ما فيه صلاح له4، فإذا ثبت أنه ابتلاهم أي اختبرهم في الشر من المرض والمصائب في النفس والولد لينظر صبرهم، ويبتليهم بالخير بالنعم والخصب لينظر شكرهم فأي مصلحة لهم في تعريضهم بأن لا يصبروا أو لا يشكروا فيستوجبوا منه العقوبة، فعلم أن الأمر بخلاف ما ذكرتم وأن الله يفعل بعباده ما شاء سواء كان لهم فيه مصلحة أو مضرة5ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
# 80- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ 1 فأمر الله نبيه بالاستعاذة من الشر فدل على أنه مخلوق.
فأجاب المخالف القدري: بأنه لا حجة بهذا لأنه لم يضف الشر إلى خلقه، وإنما أضافه إلى مخلوق ونحن نقول: إن هذه2الشرور صادرة من المخلوقات.
والجواب: أن الحجة لنا من الآية من وجهين: أحدها: أن ما لما لا يعقل، وما لا يعقل لا يتأتى منه الفعل بالشر ولا بالخير، فإذا أضيف الشر إليه وأخبر لله دل على أن الله خلقه، وما ينسب إليه من الشر يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ 3.
وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وأشار إلى القمر، وقال: " تعوذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" 4، تأويله أن شر القمر المتعوذ منه ما لحق قوماً من الكفر من أجله، فنسب الشر إليه اتساعاً وتجوزاً في الكلام.
والوجه الثاني: أنه لما فسر نبيه صلى الله عليه وسلم ن يتعوذ به من شر ما خلق دل على أنه الخالق لما يتعوذ به عنه كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 5 والله الخالق المتعوذ منه، فكذلك هذا مثله.
وروى الآجري عن يوسف بن سهل الواسطي1أنه قال: حججت فسمعت رجلاً يقول في تلبيته "لبيك لبيك والشر ليس إليك"، فدخلت مكة فلقيت سفيان فأخبرته بالذي سمعت فما زادني على أن قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ 2.
# 81- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة على أن، العباد غير ممكنين ولا مخيرين في أفعالهم1لا كما قالت2القدرية3قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ 4.
ومثلهما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ 1.
قلنا: من الآية الأولى دليلان: أحدهما: أن الله أخبر أنه يخلق ما يشاء1ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ 2، والمشيئة والإرادة معنى واحد3، وقد وافقت القدرية على أن الله أراد الطاعة من العباد، وقد أطاعه بعضهم، فيجب على هذا أن يكون الله هو الذي خلق أفعالهم في الطاعة، فإذا سلموا ذلك في أعمال الطاعة لزمهم ذلك في أفعالهم في المعصية لأن أحداً لم يفرق بينهما.
والدليل الثاني: منها ومن الآية بعدها، أنه أثبت الخيرة لنفسه ونفاها عن العباد.
فأجاب القدري المخالف عن هذا وقال: يحتمل أن يكون المراد أن الله متى اختار خلق الإنسان على صورة الذكور أو الإناث أو السواد أو البياض لم يكن الإنسان اختيار شيء في خلقه سوى ذلك.
والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر عام فيما ذكر وفي غيره من أمرهم فلا يجوز حمله على البعض من غير دليل.
والثاني: أنه قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ وهذا ضمير المعرفة1يقع على الخلق في وجودهم على صفة يصلحون للاختيار وحال خلقهم للذكور والإناث والسواد والبياض لا يصلح منهم اختيار ولا يصلحون للاختيار2عنها.3
والثالث: أنه قال: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وحقيقة الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، وأضاف الأمر إليهم لأنهم المأمورون به وأراد به4المأمور به، وكيفية صورهم لا تسمى أمراً حقيقة فلم يصح حمله عليه.5
استدل المخالف على أنهم ممكنون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ..﴾ 6 الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً..﴾ 7 الآية.
والجواب: أنه لم يرد في الآيتين التمكن في الأفعال، بل أراد استخلفناكم بعد الماضيين بدليل قوله تعالى في الآية الأولى: ﴿فِي الأرْضِ﴾، وقال في الآية الأخرى1﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي فيما مكناهم فيه من الأموال و - أن - هاهنا زائدة2ولو أراد به الأعمال لم يمكن أن تكون الأعمال التي مكن بها الأولين هي الأعمال التي مكن بها من بعدهم، لأن أعمالهم أعراض فيهم لا تقوم بغيرها، وإنما يمكن استعمالها في الأفعال بإضمار (مثل أعمالهم).
ومتى أمكن حمل الكلام على الحقيقة من غير إضمار لم يحمل على ما لا يستقيم إلا بإضمار.
# 82- فصل خلق الله للعباد جائز غير واجب عليه، ولو لم يخلقهم أصلاً لم يظلمهم، وبعد أن خلقهم فبعثه الرسل إليهم أمر جائز منه ليس بواجب عليه، ولو لم يبعث إليهم رسلاً لم يظلمهم بذلك، وتكليفهم التكاليف أمر جائز منه ولو لم يكلفهم لم يظلمهم، والثواب على الطاعة أمر جائز غير واجب، ولو لم يثب المطيعين وأثاب العاصين لم يكن بذلك ظالماً.1
وقالت المعتزلة: خلق الله للعباد وبعثه الرسل وتكليفه لهم أمر واجب لما فيه من المصلحة، ويجب عليه أن يثيبهم على الطاعة.1
وقول من قال هذا يشهد على قائله بالشناعة، لأن الواجب إنما يكون واجباً بالأمر والنهي من الأعلى لمن هو دونه وليس فوق الله آمر ولا ناه.
إذا تقرر هذا وأن1الله سبحانه متفضل على العباد بالخلق وبعثة الرسل والتكليف قد تفضل عليهم ولم يكلفهم من الأعمال إلا وسعهم وما لا يثقل عليهم لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ 2، وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ مَا آتَاهَا﴾ 3، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ 4، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ 5،
وللمتفضل أن يترك التفضل بما تفضل به، فلو كلف الله العباد بما يثقل عليهم من العبادات وما لا طاقة لهم به كان ذلك جائزاً منه1ولا يكون ظالماً لهم، وكذلك لو لم يثبهم على عمل الطاعة لم يكن ظالماً لهم، ولو أثاب من عصاه وأدخله الجنة لم يخرج بذلك عن الحكمة2، ولكنه سبحانه قد أخبر أنه ثيب المطيعين بفضل منه ويعذب الجاحدين بعدل منه، فاستحقاقه للحكمة، لذاته لا لفعله الحكمة3، إذ هو موصوف بالحكة قبل أن يفعل الحكمة، وقبل أن يخلق الواصفين له بها، وثبت له أن يتصرف بالعباد كيف شاء لأنهم ملكه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وقالت المعتزلة والقدرية: لا يجوز من الله في الحكمة إلا ما يجوز من الحكيم مِنَّا، ولا يجوز أن يوصف الله بتكليف العبد ما لا يطيقه، وقد خلق الله المكلفين تعريضاً للمنافع لهم ليصيروا إلى أسنى المنازل، ولا يفعل بهم إلا ما فيه لهم المصلحة، وإن فعل بهم غير ذلك فقد ظلمهم.4
مفقودة
مفقودة
ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُم﴾ 1،وقوله تعالى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ 2، فأمر الله الخلق أن يسألوه بأن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، يدل3على أن له أن يحملهم ما لا طاقة لهم به.
فأجاب المخالف القدري عن الآية الأولى وقال: لا حجة لهذا المستدل فيها، لأنه أخبر أنه ما أعنت أحداً، لأن من كان قاعداً في المسجد لا يجوز أن يقول4لو شئت الآن لقعدت في المسجد، وعند المستدل أن الله قد خلق الكفر في أكثر الخلق وهو يسوقهم إلى النار وهو من أعظم العنت.
والجواب أن يقال لهذا المجيب: هرفت قبل أن عرفت5فقلت: أخبر الله أنه ما أعنت أحداً، وهكذا قلنا إنه ما أعنت العباد فيما شرع من الشرائع، وإنما أخبر أنه لو شاء لأعنت جميعهم، أي لو شاء لكلفهم ما يشق عليهم أداؤه لأن العنت المشقة يقال: عنت الفرس، يعنت عنتاً إذا حدث في قوائمه داء لأن العنت المشقة يقال: عنت الفرس يعنت عنتاً إذا حدث في قوائمه داء لا يمكنه الجري معه، وأكمة عنوت شاقة المصعد، وفلان يعنت فلاناً إذا شدد عليه وألزمه المشقة.6
وأما قول المخالف: إذا7 قلنا إن الله قد خلق الكفر في الكافرين فقد أعنتهم.
فالجواب أنا نقول له: إن أرادت أنا قلنا: إن الله خلق فيهم الكفر وألزمهم إياه إلزاماً لا محيص لهم عنه، فقد أعنتهم بذلك، فإنا لا نقول ذلك لأنه لم يجبرهم على ذلك، بل نقول وقع الكفر منهم باكتساب منهم وخلق الله ذلك فيهم ولم يعصمهم من الشيطان ولا خل فيهم اللطف الذي خلقه في المؤمنين.
وإن أردت أنا قلنا: إن الله أراد عنتهم وهلاكهم في الآخرة بما خلق فيهم من الكفر بكسبهم له فكذا نقول: لأن التوفيق والثواب إفضال منه وإنعام وله ترك الإفضال والإنعام.
ثم قال المخالف: وأما استدلاله بأنه أمر الخلق بأن يسالوه ألا1يحملهم ما لا طاقة لهم به، فلا حجة لهم بذلك لأنه يجوز أن يأمر أن يسأله2ما يعلم انه لا يفعل خلافه، وهو قوله ﴿رَبِّ 3 احْكُمْ بِالْحَقّ﴾ 4.
والجواب: أنا قد بينا أن المراد بهذه الآية أنه أمره أن يسأله تعجيل النصر له عليهم بالحق الذي وعده إياه في الدنيا، ولم يسأله وهو شاك في أنه يحكم بغير الحق وهو الباطل5،.6
استدل المخالف على أنه لايجوز أن يفعل الله بعباده إلا ما فيه المصلحة لهم، لأنه قد ثبت عند كل عاقل أن المالك منا ليس له أن يتصرف في ملكه إلا على الوجه الحسن دون القبيح.
ألا ترى أن أحداً لو بنى داراً فلما تمت
عمارتها أمر بإحراقها1بغير علة موجبة ولا غرض صحيح فإن العقلاء يلومونه، ولو اعتذر إليهم أن ذلك ملكي لم يعذروه ولعد2ذنباً آخر يستوجب عليه الملامة، وكذلك لو أخذ ماله فألقاه في البحر لغير مصلحة يجتلبها ولا مضرة يدفعها، فإن العقلاء يلومونه ولا يقبلون عذره (بأنه ملكي)، فإذا لم يكن للمالك في الشاهد أن يتصرف فيما ملكه كيف شاء إلا بشرط أن يكون هناك غرض صحيح ثبت أن تعليلهم3بالملك تعليل باطل.
والجواب أن يقال لهذا المخالف: جمعت بين حكم ملك الله وبين حكم ملك العباد من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح، ثم يقال له: الله مالك العباد ولجميع ما خلق من غير مُمَلِّك ملكه إياه، فله أن يتصرف به كيف شاء.
والعقلاء مملوكون له وليس للمملوك أن يعترض على مالكه بما صنع، وليس كذلك العباد فإن ملكهم صدر عن مالك لهم مَلَّكَهم أموالهم، وحدّ لهم فيها حدوداً ورسم عليهم فيها رسوماً فإذا فعلوا فيها غير ما أذن لهم فيها مُمَلِّكهم لحقهم الذم والتوبيخ والتعنيف، والحسن والقبح يتصور في أفعالهم لأن لهم محسناً حسنها وهو ما أذن لهم فيه، ومقبحاً قبحها لهم وهو لم يؤذن لهم فيه4فبان الفرق بينهما.
وأيضاً فإن المالك منا به حاجة إلى ما يملكه لاستقامة جسمه وقوام أمره فلذلك لحقه اللوم والتعنيف إذا عمل فيه ما لا مصلحة له، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.5
والله سبحانه لا حاجة به1إلى ما ملك من العباد وأموالهم، فبطل أن يجريا في التصرف مجرى واحداً.
ويقال لهذا المخالف: أجريت الحكم من الله والحكمة من الحكيم منا مجرى واحداً، وجمعت بينهما في الحكم من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح وهذا دأب القدرية في أصولهم الفاسدة، لأنهم شبهوا أفعال المخلوقين وأقوالهم بالله بكونهما غير مخلوقين، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهذا يقتضي أنه لا يشبهه شيء بذاته ولا بصفاته، ثم يقال له: حكمة الحكيم منا تقع2عن تجربة وعن مشاورة وعن تعلم، ولا يسمى حكيماً إلا بعد أن وجدت منه الحكمة، والله سبحانه حكيم لذاته لا عن تجربة ولا عن مشاورة، بل هو موصوف بالحكمة قبل وجود الحكمة منه، وقبل وجود الواصف له بالحكمة.
وأما استدلال المخالف: بمن بنى داراً ثم أمر بإحراقها.
فنقول له: لو كان هذا الوصف جارياً على حكم الله لما حسن منه أن يخلق ابن آدم وصوره بأحسن من تصوير البناء في الدار، حتى إذا استكمل بنيانه خرب بناءه فيه وأماته، وقد يخلق الله ابن آدم في بطن أمه، فقبل أن يكمل خلقه يخرجه من بطن أمه، وقد يخرجه من بطن أمه كامل الخلق ميتاً، وقد يحييه المدة القريبة ثم يميته3، والحكيم منا لو ابتدأ بناء دار فعمر
شيئاً منها ثم خربه لغير غرض1للحقه الذم.
فإن قال المخالف: إنما وقع ذلك من الله تعالى لعلة ومصلحة علمها.
قلنا: هذا لا يصح أن العلل والأغراض إنما تتصور في أفعال العباد، لأن منتهى العلل في مصالح أفعالهم موافقة إذن المُمَلِّك لهم وهو الله، وهذا لا يوجد في أفعال الله2، ولو كان فعل الله الشيء لعلة لا قتضى وجود تلك العلة علة أخرى إلى ما يتسلل، فبطل أن أفعال الله لعلة مقتضية وجود الفعل منه.3
ويقال1للقدرية: أليس الحكيم منا لو جمع بين عبيده وجواريه في دار وبيت، وعلم أن بعضهم يزني ببعض لا محالة، لخرج بذلك عن الحكمة ولحقه اللوم من العقلاء، فلا بد أن يقولوا نعم.2
قيل لهم: فإن الله سبحانه قد جمع بين عبيده وإمائه في دار الدنيا وعلم لا محالة أن بعضهم يزني ببعض وكان قادراً على أن يفرق بينهم في المكان، فهل يعد بذلك سفيهاً3أو يخرج بذلك عن الحكمة. فإن قالوا: إنما جمع بينهم ليعرضهم لفعل ما أمرهم به في اجتناب ما حرم عليهم من الزنا ويدخلهم بذلك جنته.4
قلنا: فقد علم أن منهم من لا يمتثل ما أمرهم به من ذلك وكان قادراً على
أن يدخلهم جنته بغير تعريضهم لعصيانه ومخالفتهم أمره، فعلمنا بذلك أنه لا يجب عليه مراعاة الأصلح لهم.
ويقال للقدرية: أليس الحكيم منا لو دفع سيفاً إلى عبده فأمره أن يقتل به عدوه وأخبره ثقة لا يشك في صدقه أنه لا يقتل عدوه وإنما يقتل به ولده أو صديقه لا محالة أيخرج عن الحكمة بذلك أم لا؟ فلا بد من قوله نعم.
قلنا لهم: فإن الله سبحانه قد خلق الكفار وخلق فيهم قدرة وخلق سيوفاً ملَّكهم إياها وأمرهم بالإسلام وأن يقتلوا بتلك السيوف أعداءه الذين خالفوا أمره، وهو يعلم أنهم يكفرون به ويقتلون بها أنبياءه وأولياءه.
أفيخرج بذلك عن الحكمة، فبطل بذلك أن حكمة الله جارية1على حكمة المخلوقين.2
# 83- فصل ومن الأدلة لنا أن لله أن يفرض على عباده ما لا طاقة لهم به قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ﴾ 1، ففرض الله على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار على الإطلاق والعموم أي2 عدد كانوا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً﴾ وهذا أمر بلفظ الخبر3، فأمر الواحد بقتال العشرة ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ 4، فخفف الله عنهم وأمر الواحد بقتال الاثنين.
والدليل على أنه أمر أن خبر الله لا يكون بخلاف مخبره، وقد يكون الواحد منهم يغلب العشرة منا5، وأيضاً فإنه قال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ والتخفيف لا يكون إلا فيما فرض وألزم.6
فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: هذا لا حجة فيه للمستدل بل الحجة عليه، لأنه لم يكلفهم إلا ما كانوا يستطيعونه في ذلك الوقت فلما علم ضعفهم فيما بعد خفف عنهم.
والجواب: أن الصحابة الذين نزل فيهم ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ هم الذين نزلت فيهم الآيتان الأوليان وحالتهم واحدة في قوة
أجسامهم وثباتهم على القتال، وما روي أنهم كانوا على حالة قوية في الأجسام والثبات، ثم حدث عليه ضعف، بل كان1ثباتهم يزداد في القوة فيما أمروا، فدل على أن المراد بقوله ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ عن أن يقاتل الواحد أكثر من اثنين وقت افترض عليه أن يقاتل أكثر منهما.2
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الله أخبر بكتابه أن الله يأمر الخلق يوم القيامة بالسجود له، ولا يجعل للكافرين استطاعة على السجود له يومئذ، فقال سبحانه ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ 3، فقوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ يعني عن يوم القيامة لهولها وشدتها، فيستعار الساق عن الشدة ولهذا يقال: كشفت الحرب عن ساق أي عن شدة.4
وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يأمر الخلق له بالسجود فيسجد له كل
مؤمن ومؤمنة ينحنون له حنية رجل واحد، وتقصم1أصلاب المنافقين.
قيل يجعل في أصلابهم مثل السفافيد2من الحديد فيبقى ظهره طبقاً واحداً فلا
يقدر على السجود1، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ قيل في التفسير: يدعون إلى السجود في الدنيا مع الجماعة وهم سالمون من السفافيد23، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ 4، والمراد بذلك أعين القلوب لأنه قيل ما من إنسان إلا وله أربع أعين عينان في راسه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر آخرته ودينه.
فإذا أراد الله بالعبد خيراً فتح العينين فأبصر بهما5 وما وعده الله بالغيب، وإذا أراد
به سوءاً أعمى عيني قلبه.1
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ 2 قال الضحاك: (المؤمن له عينان في صدره بصيرتان يؤديان إلى العينين التين في الوجه، والكافر له عينان في صدره مطموستان لا يؤديان إلى عيني رأسه) 3. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ 4 فعندها يصلون.5
ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ 6 فيقال: أمر الله أبا لهب بالإيمان، وأخبر سبحانه أنه لا يؤمن وأنه سيصلى ناراً ذات لهب فقد أمر أبا لهب أن يصدقه بجميع ما أخبر به وكأنه أمره أن يؤمن بأنه لا يؤمن وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، وكأنه قيل له صدق بأنك لا تصدق، وهذا محال، وتحقيقه أن خلاف المعلوم محال وقوعه ولكن ليس محالاً وقوعه لذاته بل محالاً لغيره، والمحال في امتناع الوقوع كالمحال
لذاته، فمن قال إن الكافرين الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالإيمان فقد جحد الشرع، ومن قال: كان الإيمان منهم متصوراً فقد اضطر إلى القول بتصوير1ما لا يتصور امتثاله.2
# 84- فصل ومن الأدلة المذكورة لنا أن الله سبحانه يفعل ما يشاء في العبد وإن لم يكن للعبد فيه مصلحة1قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ 2.
فأخبر سبحانه أنه إنما أملى3لهم ليزدادوا إثماً، ولم يمل لهم لما فيه خير وصلاح.
فأجاب المخالف القدري، وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية، بل الحجة منها، لأنها وردت مورد الذم للكفار والوعيد، بدليل قوله في آخر الآية: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ 4 لا يذمهم ولا يعذبهم إلا على فعلهم، وحذرهم الاغترار بالإملاء.
ولم يكن الإملاء لخير استحقوه عند الله، وإنما أملى لهم ليرجعوا أو يتوبوا في مدة الإملاء5، فأما قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ فإن هذه اللام للعاقبة.
والجواب: أنا لا ننكر أنها وردت مورد الذم والوعيد، ولكن لا يدل أنهم خلقوا وأفعالهم في الإثم، بل أفعالهم خلق لله وكسب لهم6على ما مضى، وأما قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ فلا ننكر أنه أمرهم بالتوبة، ولكن
لو قدر لهم التوبة وتفضل عليهم بالتوفيق لها لتابوا، وأما قوله: إن اللام في قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ أنها1لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ 2 فغير صحيح؛ لأن الله قد علم أنهم لا يتوبون، وإنما علم أنهم يكفرون وليس كذلك التقاط آل فرعون لموسى - عليه السلام -، فإنهم لم يعلموا أنه يكون لهم عدوا وحزنا، وإنما قدروا في أنفسهم التقاطه ليكون لهم قرة أعينهم وقد علم الله أنه لا يكون لهم3إلا عدواً وحزناً. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ 4، وهذه لام كي تقديرها: إنما يريد الله تعذيبهم. وفي الآية تقديم وتقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وهذا قول أكثر المفسرين.5
وقال بعضهم: أراد إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا؛ لأنهم منافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون.6
ويدل على صحة ما قلنا ما أخبر الله عن موسى صلى الله عليه وسلم أن قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ