المبحث السادس: المآخذ على الكتاب
لا يكاد يكتب كاتب أو يؤلف مؤلف إلا ويستدرك عليه وهذا من لوازم النقص البشري، والشيخ العمراني - رحمه الله - يؤخذ عليه في كتابه هذا عدة مآخذ ظهرت من خلال التحقيق.
بعض هذه المآخذ تتعلق بالترتيب وبعضها تتعلق بالناحية العلمية: أولاً: الترتيب سلك المصنف - رحمه الله - في كتابه تقسيمه إلى فصول وقد بلغت فصوله خمسة وعشرين ومائة فصل يفرد لكل معلومة جديدة فصلا مستقلا وهذا جعل الكتاب غير مقسم تقسيما موضوعيا بحيث يكون كل موضوع وحدة كاملة على طريقة الأبواب ثم الفصول.
ومما يؤخذ عليه أيضا أنه لم يجعل لهذه الفصول عناوين يعرف منها مضمون الفصل، ثم إن المصنف أقحم فصلاً في المعرفة بعد الكلام على
الدجال وما ورد فيه وقبل الكلام على مسائل الإمامة، ولم يظهر لي وجه إقحامه ذلك الفصل في ذلك المكان ص (810). ثانيا: النواحي العلمية يلاحظ على المصنف ملاحظات عديدة في النواحي العلمية وهي نوعان: أولا: الناحية العقائدية المصنف - رحمه الله - سلفي العقيدة، ومصادره هي كتب السلف - رحمهم الله - كما سبق ذكره، إلا أنه في بعض المسائل لم يتبين له قول السلف خاصة في المسائل الدقيقة فيأخذ بقول الأشعرية فيها وذلك في المواضع التالية: 1- قوله في الاستطاعة بأنها تكون مع الفعل وعزا ذلك إلى أهل الحديث حيث قال: ص (166) "وأهل الحديث يقولون: إن الاستطاعة لا توجد في الفاعل إلا في حال الفعل ولا يوصف بالقدرة عليه قبل الفعل"، وهذا القول غير صحيح لأن الصواب كما سيأتي بيانه في مكانه أن الاستطاعة تكون قبل الفعل ومعه.
2- قوله بأن الرسل لا يعرف صدقهم إلا بالمعجزات وذلك ص (118) حيث قال: "ولكن لما أرسل الله الرسل لم نعلم صدقهم إلا بالنظر في معجزاتهم" والصواب أنه يمكن معرفة صدق الرسل بغير المعجزات أيضاً كدلالة الحال وما يدعو إليه، إلى غير ذلك من الأمور الأخرى التي بيانها في التعليق على كلامه في مكانه.
3- كلام المصنف عن الحكمة والعدل والظلم المنفي عن الله عزوجل وافق فيه الأشعرية في نفي الحكمة، وأن الله لا يتصور منه الظلم مهما فعل لأنه المالك المتصرف ومن كان كذلك فلا يتصور منه الظلم، وهذا في مواطن عديدة من كتابه منها قوله ص (175) : "ولو جعل ألوانهم سببا أو علما للثواب والعقاب بأن يقول: من خلقته أبيض فهو علم على أنه من
أهل الجنة ومن خلقته أسود فهو علم على أنه من أهل النار لم يخرجه ذلك عن الحكمة" وقوله ص (213) : "ولوخلقهم وعذبهم ابتداءاً من غير عمل منهم لم يكن ظالما لهم ولا مستحقا اسم الجور ولا خارجا عن الحكمة" ثم قال في تعليل ذلك "ولكنه محكم في مماليكه وعبيده ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون".
وقوله ص (251) : "ولو عاقب على الأفعال الضرورية لم يخرج بذلك عن كونه عدلا حكيما..". وقوله ص (0456) : "ولو لم يثب المطيعين وأثاب العاصين لم يكن ظالما".
وقوله ص (459) : "فاستحقاقه الحكمة لذاته لا لفعله الحكمة" وقوله (467) : "ولو كان فعل الله الشيء لعلة لاقتضى وجود تلك العلة علة أخرى إلى ما يتسلسل فبطل أن أفعال الله لعلة مقتضية منه وجود الفعل منه".
وهذا كله غير صحيح بل الحق أن الله موصوف بالحكمة وأنه حكيم في فعله وأمره، ولا معنى لوصفه نفسه بالحكمة إلا أنه لا يصدر عنه إلا ما هو غاية في الحكمة، وكذلك الظلم المنفي عنه عزوجل قد دلت الأدلة من القرآن على خلاف كلام المصنف وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ وغير ذلك من الآيات التي ذكرت بالتفصيل لبيان الحق في مواضعها من تحقيق الكتاب.
4- عزوه لأهل الحديث القول بأن الحسن والقبح لم يعرف إلا بالشرع، حيث قال ص (210) : "فذلك المعنى الذي سماها معاصي وخبائث وقبائح هو الشرع، هذا مذهب أهل التوحيد أن القبيح ما قبحه الشرع والحسن ما حسنه الشرع" وقال ص (267) : "فالشرع هو الذي قبح القبيح وحسن الحسن وليس فوق الله سبحانه من يأمره وينهاه.. ".
ثم قال: "وقد وجدنا الزنا قبل ورود الشرع لا يسمى قبيحاً إلا بعد ورود الشرع بتحريمه وتقبيحه وكذلك تزويج الأمهات والأخوات وذاوت المحارم غير قبيح في العقل.. ". وهذا كله كلام باطل وهو قول الأشعرية، والصواب أن الحسن والقبح منه ما يعرف بالعقل ومنه ما يعرف بالشرع وقد دلت الأدلة الشرعية على ذلك، وقد تم التعليق على ذلك في موضعه.
5- عبر المصنف - رحمه الله - في عدة مواطن من كتابه بعبارات المتكلمين التي تحتمل الحق والباطل مثال ذلك قوله في وصف الله عزوجل ص (98) : "ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا بمحل الأعراض والجواهر والأجسام ولا يحلها".
وقوله ص (266) : "والله ليس بمحل للحوادث".
"وهو ليس بمحل للحوادث".
وقوله ص (635) عن الصفات: "فإن العقول تقصر عن معرفة المراد بها".
وهذه كلها عبارات المتكلمين ولم ترد في الشرع فاطراحها ونبذها أولى إلا أن تذكر ويبين المراد بها فإن كانت حقاً قبل، وإن كانت خلاف ذلك رد، وقد تم التعليق عليها في مواضعها.
6- قوله ص (111) : "القرآن الذي هو كلام الله القديم" فَوَصْفُ القرآن بأنه قديم ليس من كلام السلف كما وضح في مكانه.
وكذلك قوله ص (541) : "فإن كلام الله هو القرآن" والعبارة فيها قصور لأن القرآن من كلام الله.
7- تأويله صفة الساق بأنها الشدة ص (471) والصواب أن الساق صفة لله عزوجل بدليل ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - فينظر التعليق على ذلك في موضعه.
# 8- قال المصنف - رحمه الله - ص (346) : "ولا يوصف بالاقتدار على نفسه" يعني بذلك الله عزوجل وهي عبارة لا يليق ذكرها عن الله سبحانه وتعالى وقد بين ذلك في موضعه.
9- كلامه في الفرق بين الإسلام والإيمان فيه ارتباك وعدم وضوح وذلك أنه قال في أول الرسالة ص (99) : "وأن الإيمان أعلى رتبة من الإسلام والإسلام بعض الإيمان".
وهو قول صحيح، إلا أنه في التفصيل قال ص (737) : "والإسلام عام والإيمان خاص، والإيمان بعض الإسلام وهو أشرف أجزائه.. " وهو قول لا يتفق مع الحق في هذه الألفاظ ولا مع ما تقدم من كلامه، وقد تم التعليق على ذلك في موضعه.
ثانياً: الناحية الحديثية: مما يؤخذ على المصنف - رحمه الله - في كتابه الناحية الحديثية حيث أورد فيه عدة أحاديث ضعيفة وموضوعة مستدلا بها، نذكر بعضا منها: حديث: "أصحابي كالنجوم" ص (106). حديث: "لعن الله أربعة على لسان سبعين نبيا أنا آخرهم.." ص (151). حديث: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومنه بدأ وإليه يعود" ص (548). حديث: "يا معاذ العرش والكرسي وحملتهما.." ص (548). حديث: "إن الله تعالى قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام.." ص (598). حديث الطير في فضل علي ص (896).
حديث: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" ص (897) وغير ذلك من الأحاديث التي تم التعليق عليها في موضعها.
ويؤخذ عليه أيضا رفعه أثرا عن علي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو موقوف وذلك قوله ص (92) : "لا يخلو عصر من قائم لله بحجة" وذلك إن ثبت عن علي - رضي الله عنه -. وكذلك رفعه ما ليس بحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وإنما هو من كلام العلماء، وذلك ص (399) حيث قال: وقوله - صلى الله عليه وسلم: "الأخوات مع البنات عصبة" وقد بين في موضعه.
قوله في عدة مواطن: (وهو في الصحاح) "وهو مروي في الصحاح".
انظر: ص (147) و (151) وذلك عن أحاديث ضعيفة أو موضوعة كما بين في موضعه وهو تجوز منه - رحمه الله - وتساهل.
وأنه ذكر بعض الأحاديث الصحيحة بصيغة التمريض (روي) مثل قوله ص (92) : "روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال.." الحديث، وقوله ص (93) : "وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي.." الحديث.
وقوله: ص (95) : "وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عدوى ولا هامة ولا صفر.." الحديث.
كما أنه لا يعزو الأحاديث إلى مصادرها وفي بعض الأحيان لا يذكر راوي الحديث من الصحابة.
وهذا كله يدل على أن بضاعته في الحديث مزجاة مع أن ذلك لا يقلل من قيمة الكتاب فقد اشتمل الكتاب على أكثر من أربعمائة حديث عدا الآثار عن الصحابة وغيرهم.