أهل الأثرالأرشيف العلمي

المبحث الثاني: حياته العلمية وآثاره

أولاً: طلبه للعلم ورحلاته فيه: الشيخ العمراني - رحمه الله - أوقف حياته للعلم تعلما وتعليما وتأليفا، لهذا نجده - رحمه الله - قوي العزيمة في تحصيل العلم جاد الرغبة، فيه تنقل بين بلدان اليمن طلبا للعلم.
وله تخصص بالفقه الشافعي مع المشاركة في علوم اللغة والعقيدة، وكان خاله أبو الفتوح بن عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عمران أول من أخذ عنه من الشيوخ، فقد أخذ عنه كتاب (كافي الفرائض في المواريث) للصردفي.
وارتحل - رحمه الله - إلى ذي الحفر1وقرأ كتاب (التنبيه) للشيرازي، وأخذ عن الشيخ الفقيه عبد الله بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله الهمداني (المهذب) وحفظه عنه و (اللمع) كلاهما لأبي إسحاق، و (الملخص) و (إرشاد ابن عبدويه)، و (كافي الفرائض) للصردفي أيضا.
ثم ارتحل إلى أحاظه2فقرأ على الشيخ زيد بن الحسن الفايشي فأعاد عنده (المهذب)، وأخذ عنه تعليق الشيخ أبي إسحاق في أصول الفقه، و (غريب الحديث) لأبي عبيد في اللغة، و (مختصر العين) للخوافي، و (نظام الغريب) للربعي وكتاب (التبصرة في أصول الدين) تصنيف أبي الفتوح على مذهب السلف، وأخذ عن خبيره3عمر بن إسماعيل الجماعي الخولاني كتابي (الكافي) للصفار في النحو و (الجمل) للزجاجي.

ولما وصل الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي سنة (512?) إلى الجند1قادما من مكة جاءه جماعة من الفقهاء ومن ضمنهم الشيخ العمراني فقرأ عليه (النكت) وهو في المسائل المختلف فيها بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة تصنيف أبي إسحاق الشيرازي، كما سمع (المنهاج) للقاضي أبي الطيب الطبري ودرس كتاب (التعليق في الخلاف) للشيخ أبي إسحاق و (التبصرة في أصول الدين) لأبي الفتوح مرة أخرى وكتباً أخرى، وبقي عند الشيخ اليفاعي إلى أن توفي سنة (514?) 2 فانتقل إلى سهفنة3فأخذ عن القاضي مسلم بن أبي بكر بن أحمد الصعبي كتاب (الحروف السبعة في الرد على المعتزلة وغيرهم من أهل الزيغ والبدعة) للشيخ حسين بن جعفر المراغي.4
ثم انتقل إلى ذي أشرق5سنة (517?) فسمع (الجامع للسنن) للترمذي على الشيخ سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم بن عبد الله.
كما طالع بذي أشرق شروح المزني وكتبا أخرى (كالمجموع) للمحاملي و (الشامل) لابن الصباغ وكتاب (الفروع) لسليم و (شرح المولدات) للقاضي أبي الطيب و (العدة) للقاضي حسين بن علي الطبري.
وقد حج - رحمه الله - وزار مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم- وقبر النبي - صلى الله عليه وسلم- في المدينة سنة (521?).
ولقي في مكة الفقيه الواعظ محمد بن أحمد العثماني الديباجي فتناظرا

وتذاكرا في مسائل الفقه والأصول وكان الديباجي أشعريا فنصر العمراني - رحمه الله - مذهب السلف في أن القراءة هي المقروء1واحتج على الديباجي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ 2 وأن الإشارة بهذا إلى المتلو المقروء إلى أن سكب الديباجي العرق عن وجهه.
ثم عاد - رحمه الله - إلى بلده مصنعة سير وبقي فيها يصنف ويدرس إلى سنة (549?) حيث تعذر سكنى سير بسبب حروب وفتن جرت بين أهلها فانتقل إلى ذي السفال، ثم إلى ذي أشرق ومكث فيها سبع سنين وكسرا انشغل خلالها بالتدريس والإقراء والتصنيف كما سمع خلالها عام (555?) (صحيح البخاري) و (سنن أبي داود) من الشيخ الحافظ علي بن أبي بكر الهمداني.
ثم ظهر ابن مهدي الخارجي واستولى على زبيد وتهامة ثم خلفه بعد موته ابنه مهدي بن علي فأغار على الجند وبواديها، فجعل الشيخ العمراني - رحمه الله - خوف ابن مهدي سبيلاً للخروج من ذي أشرق فقد كان كره البقاء فيها بسبب فتن وقعت بين فقهاء ذي أشرق وفقهاء زبيد تسببت بالتباغض والتحاسد والتكفير، فتوجه الشيخ بعد خروجه في شوال سنة (557?) إلى ضراس3ثم إلى ذي السفال واستقر بها إلى أن توفي - رحمه الله - في ربيع الآخر سنة (558?) كما سبق ذكره.4

ثانيا: شيوخه ذكرنا فيما تقدم رحلات العمراني - رحمه الله - وطلبه للعلم وقد أخذ في رحلاته تلك عن شيوخ اليمن في وقته، وهم: 1- خاله أبو الفتوح بن عثمان بن أسعد بن عبد الله بن محمد بن موسى ابن عمران.1
2- الشيخ موسى بن علي الصعبي قال عنه الجعدي: سكن ذي الحفر في نعيمه تفقه بمقبل بن زهير وكان مدرسا في ذي الحفر توفي سنة (450?) 2. 3- الشيخ عبد الله بن أحمد بن محمد بن أبي عبد الله الهمداني سكن زبران من بادية الجند وتوفي سنة (518?) تفقه بشيوخ منهم الفقيه أبو بكر بن جعفر بن عبد الرحمن المخائي وزيد بن عبد الله اليفاعي وأكثر أخذه عنه، وقرأ على ابن عبدويه (الإرشاد) في أصول الفقه والجدل له وسمع عليه قراءة المهذب وكان زاهدا ورعاً.3
4- الشيخ الفقيه عبد الله بن عمير العريفي تفقه بزيد بن عبد الله اليفاعي.4
5- الشيخ زيد بن الحسن بن محمد الفايشي ولد سنة (458?) وتوفي سنة (528?) تفقه بشيوخ كثير وكان عالماً بعلوم كثيرة، منها علم القراءت من طريق أبي معشر الطبري حيث قرأ عليه بمكة ومنها التفسير والحديث

واللغة والنحو والفقه والخلاف وأصول الفقه وعلم الكلام في التوحيد وكان كثير الحج وربما جاور في مكة وكان رحالاً في طلب العلم فبذلك كثرت علومه وظهرت فضائله وكان قواماً بالليل يصلي بالسُبُع من القرآن كل ليلة في غالب أحواله وأكثر زمانه، وصنف في مذهب الشافعي مختصراً مليحا سماه كتاب (التهذيب) وتفقه به خلق كثير.1
6- عمرو بن بيشى وهو من ترب الشيخ العمراني أخذ عنه كتاب (كافي النحو) لأبي جعفر الصفار و (الجمل) للزجاجي.2
7- الإمام زيد بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم اليفاعي من أعيان علماء اليمن وأشياخ فقهاء الزمن أستاذ الأستاذين وشيخ المصنفين أخذ عن جلة علماء اليمن ثم ارتحل إلى مكة فقرأ على تلاميذ أبي إسحاق الشيرازي ثم عاد إلى اليمن فاجتمع الناس إليه للتدريس، وخاف الأمير مفضل بن أبي البركات بن الوليد الحميري القرمطي من تجمعهم أن يخرجوا عليه فأمر خاصته بإحداث فتنة بين هذا الشيخ والشيخ أبي بكر بن جعفر بن عبد الرحمن المخائي وبالفعل تمت الفتنة بينهما وتشتت أتباع الشيخين فهاجر الشيخ زيد اليفاعي مرة أخرى إلى مكة وجاور فيها ثنتي عشرة سنة يدرس ويفتي، ثم عاد إلى اليمن بعد هلاك الأمير المفضل بن أبي البركات سنة (513?)، فسكن الفقيه زيد الجند واجتمع عليه جلة فقهاء اليمن يقرؤون عليه ويسمعون منه حتى توفي - رحمه الله - سنة (515?) 3.
8- القاضي مسلم بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الله الصعبي كان عالما بعلم الكلام محجاجا ظريفا ماهرا في الأصول مع تبريزه في الفقه وقد بيض الجعدي تاريخ ولادته ووفاته.4

# 9- الشيخ سالم بن عبد الله بن محمد بن سالم ولد في رمضان سنة (451?)، وتوفي في ذي الحجة سنة (532?) في ذي أشرق، وكان إمام جامعها تفقه بأبيه وأخذ عن أبيه كتاب جامع الترمذي وعنه أخذه العمراني - رحمه الله -1. 10- الشيخ سراج الدين شيخ المحدثين الحافظ أبو الحسن علي بن أبي بكر ابن حمير بن الهمداني العرشاني، روى عنه الشيخ العمراني (صحيح البخاري) و (سنن أبي داود)، وقال الجعدي: كان إماما في الحديث متقنا للرواة عالما بصحيحه ومعلوله وله تصنيف مليح محقق يعرف بكتاب (الزلازل والأشراط) وتوفي سنة (557?) 2.
ثالثا: تلاميذه: قال ابن سمرة الجعدي عن العمراني: "وانتشر علمه في الأجانب والقرباء، وأجاب عن المعضلات، وأوضح المشكلات وقسم الأوصاف والاحترازات وطبق الأرض بالأصحاب فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجودا ومناظرا مجتهدا إلا من أصحابه أو أصحاب أصحابه"3.
وقد أقام - رحمه الله - كما سبق ذكره في بلده مصنعة سير بعد عودته من الحج سنة (521?) يدرس إلى سنة (549?) ثم انتقل إلى ذي أشرق واستمر في التصنيف والتدريس إلى سنة (557?) قبل وفاته ببضعة أشهر وكان - رحمه الله - كما ذكر عنه ابن سمرة الجعدي والسبكي: من أحسن العلماء تعليما وتدريسا وطريقته كما ذكرها الجعدي بقوله: "وكان - رحمه الله - إذا درس من يعلم فهمه فإنه بعد فراغ القارئ من الفصل يعيده هو بنفسه

عليه حفظا مع تنبيهه له على خلاف الإمام مالك وأبي حنيفة خاصة، وقد يذكر معهما غيرهما في بعض المسائل، ثم يذاكره باحتراز الأقيسة والوجوه في أصولها. لم خصت بجعلها أصولاً؟ وذلك إما من جهة النص عليها في الكتاب والسنة، أو تسليم المخالف في حكم المسألة المقيسة، وإن كان في عبارة الكتاب استغلاق أو قصر فهم القارئ أبدلها له بعبارة أخرى إلى أن يتصور القارئ الفصل ويفهمه، ومن كان من الطلبة غير فاهم لم يسلك به هذا المسلك بل يجيبه عما سأل عنه لا غير مع رده عليه التصحيف"1. فلا غرو بعد هذا أن يكون الشيخ - رحمه الله - إمام الشافعية باليمن وجميع من جاءوا بعده ممن ترجم لهم ابن سمرة الجعدي هم تلاميذه أو من المستفيدين من علمه والغارفين من بحره، ونقتصر في الترجمة لبعضهم وهم: 1- ابن عمه محمد بن موسى بن الحسين بن أسعد العمراني وهو أقدم أصحابه قراءة عليه وأعلاهم رتبة وأرفعهم درجة، كان حافظا مجودا جمع بين الفقه والزهد والعبادة والورع، ومع ذلك حسن الخلق توفي سنة (568?) في مصنعة سير أفتى ودرس في حياة شيخه العمراني وكان يثني عليه ويمدحه.2
2- ابنه طاهر بن يحيى بن أبي الخير أبو الطيب العمراني ولد في ذي الحجة سنة (518?) تفقه بأبيه وخلفه في حلقته ومجلسه وأجاب على المشكلات في حياته، جالس العلماء وروى عنهم، وأخذ عن غير واحد وجاور في مكة وهاجر إليها بأولاده الرجال والنساء لعموم فتنة ابن

مهدي1في مخاليف اليمن. وأقام سبع سنين روى عن كبار المحدثين في الحرم، ثم عاد إلى اليمن سنة (566?) وولي قضاء ذي جبلة وأعمالها وله مصنفات منها: (مقاصد اللمع) و (كسر قناة القدرية) وكتاب في (مناقب الإمامين الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله) وكتاب (معونة الطلاب بفقه معاني كلم الشهاب) وجمع بين علم القراءات والحديث والفقه وغلب عليه الكلام وتوفي - رحمه الله - سنة (587?) 2. وذكر الجعدي أن الشيخ العمراني جمع أحبابه وأصحابه وأمر ابنه طاهرا أن يصعد المنبر في ذي أشرق سنة (554?) وسأله أبوه عن اعتقاده وذلك لما شاع أنه على خلاف عقيدة أبيه فأجاب الابن بما كذب كل حاسد وأدحض تلبيس كل بغيض ومعاند، فالتقاه والده عند أسفل المنبر وقال: هل أنكر الإخوان من هذا شيء.3
وهذا يرد على ادعاء يحيى العامري في كتابه غربال الزمان ص (437) أن طاهر بن الشيخ يحيى العمراني كان أشعريا وأنه كان ينكر على والده ويرد عليه عقيدته، لأن الجعدي تلميذ طاهر بن يحيى ونقله عنه أثبت وأدق، ولعل الذي بلغ العامري فحكاه في كتابه هو من الشائعات التي كانت بلغت العمراني - رحمه الله - فطلب من ابنه أن يفصح عن عقيدته على المنبر أمام الناس.
وهي قوة في الحق.
3- الفقيه أحمد بن عبد الله بن مسعود بن أسلم البريهي ثم السكسكي ثم الكندي سيف السنة زين الحنبلية سكن في إب4وأفضت إليه الرئاسة فيها، جمع بين الزهد والورع والعلم والحديث، وارتحل إلى مكة وسمع فيها صحيح مسلم في سنة (580?) ورجع إلى مدينة إب ثم نزل الجند

واجتمع إليه الأصحاب من ظبا1وذي أشرق والشعبانية وأعمال الجند وغير ذلك فأسمعهم إياه في رجب بمدينة الجند سنة (581?) 2.
هؤلاء هم كبار تلاميذ العمراني وله تلاميذ آخرون ذكرهم ابن سمرة الجعدي.
وقال: "وصحب الإمام يحيى بن أبي الخير خلق كثير ممن استحق بالحفظ والنظر درجة الفتوى وممن لم يستحق، وسأذكر عدد من يحضرني معرفته مع من قدمت ذكره من المشهورين بالفتوى والتدريس".
ثم ذكر مجموعة أخرى من التلاميذ نحيل فيها إلى كتاب ابن سمرة من ص (198-210). رابعا: عقيدته: العمراني - رحمه الله - سلفي العقيدة وداعية إلى هذه العقيدة ومنافح عنها وهو في هذا الشأن من علماء اليمن الكبار وكان وقع له - رحمه الله - كتاب الشريعة للآجري عن طريق تلاميذ خير بن يحيى الملامس عن أبي بكر البزار عن الآجري - رحمه الله -. كما أنه اخذ عن القاضي مسلم الصعبي (كتاب الحروف السبعة في الرد على المعتزلة وغيرهم من أهل الضلالة والبدعة) لمصنفه الشيخ الحسين بن جعفر المراغي.
كما استفاد - رحمه الله - فائدة واسعة من كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة للحافظ اللالكائي حيث اعتمد عليه في كتابه الانتصار مع الشريعة للآجري وصحيح البخاري وجامع الترمذي، وكان قد ألف كتابه (الانتصار) انتصارا للعقيدة السلفية لما طعن فيها القاضي جعفر بن عبد السلام الزيدي المعتزلي وذلك حين رد على رسالة سابقة للعمراني في بيان عقيدة

أصحاب الحديث في القدر بكتاب سماه (الدامغ للباطل من مذهب الحنابل) 1 فانبرى له الشيخ بهذا الكتاب المطول شرح فيه عقيدة السلف وأظهر فساد مذهب المعتزلة، كما رد فيه على الأشاعرة وأظهر انحرافهم في مسائل في الصفات وغيرها، وقد استفاد العلماء من هذا الكتاب وفرحوا به وانتسخوه ودانوا الله به واعتقدوه. كما ناظر - رحمه الله - في مكة الواعظ محمد بن أحمد العثماني الديباجي الأشعري ونصر مذهب الحنابلة وأهل السنة في أن المقروء هو كلام الله عزوجل الذي تكلم الله به واحتج على الديباجي بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وأن الإشارة بهذا إلى المتلو المقروء إلى أن سكب الديباجي العرق من وجهه.2
وكان - رحمه الله - مع ذلك يكره الخوض في الكلام فقد ذكر عنه الجعدي أنه كان يحب طلبة العلم والفقه واجتماعهم ويكره لهم الخوض في الكلام.3
وكتابه الانتصار يدل على سعة علمه وتمسكه بعقيدة السلف إلا أنه يؤخذ عليه - رحمه الله - استخدامه لبعض تعبيرات المتكلمين وتأثره بهم في المسائل الدقيقة من العقيدة كمسألة الحكمة والتعليل والاستطاعة وغيرها، وسيأتي بيان ذلك عند الحديث عن المآخذ على الكتاب.
خامسا: مذهبه الفقهي العمراني - رحمه الله - إمام من أئمة الشافعية في اليمن وقد ذكر الجعدي أن اليمن كان الغالب فيه مذهب الإمام مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله - إلى نهاية القرن الثالث الهجري4، وأول من أظهر المذهب الشافعي في اليمن الفقيه موسى بن عمران المعافري5، وأول من انتشر عنه المذهب الشافعي

وظهر إمام الشافعية في صنعاء وعدن الشيخ القاسم بن محمد الجمحي القرشي المتوفى سنة (437?) في سهفنة فقد انتشر عنه المذهب في مخلاف الجند وصنعاء وعدن ومنه استفاد فقهاء هذا المذهب في تلك البلاد، وكانت مدرسته في سهفنة فأخذ عنه شافعية المعافر1ولحج2وأبين وأهل الجند والسحول3وأحاظه وعنه4ووادي ظبا.5
وعن تلاميذ القاسم بن محمد انتشر المذهب الشافعي حتى وصل إلى الشيخ أبي الحسين يحيى بن أبي الخير العمراني فانتشر عنه المذهب إلى سائر البلدان وصنف فيه وألف الكتب الكثيرة وأظهرها كتاب (البيان) وهو معدود من كتب الشافعية الكبار ويحيل عليه كثيرا السبكي في طبقاته ويذكر ترجيحاته ومسائله في مواطن كثيرة من كتابه مما يدل على قيمته وقدره عند الشافعية.
وسيأتي ذكر بقية مصنفاته في المذهب في فصل خاص فهو إمام من أئمة الشافعية6وقد قال عنه الجعدي: (فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجودا ومناظرا مجتهدا إلا من أصحابه أو أصحاب أصحابه) 7.
سادسا: مصنفاته أتحف العمراني - رحمه الله - المكتبة الإسلامية وطلاب العلم بمصنفات عديدة جلها في المذهب الشافعي وهي:

أولاً: الزوائد على المهذب للشيرازي الشافعي وقد ابتدأ تصنيفه سنة (517?) حيث استشار شيخه زيد بن عبد الله في جمع ما زاد على المهذب من مسائل فأشار عليه شيخه بذلك واستغرق منه ذلك أربع سنين حيث انتهى منه آخر سنة (520?) وهو يقع في مجلدين.1
ثانيا: مؤلف في الدور استخرجه من كتاب ابن اللبان وغيره. ثالثاً: البيان: وهو من كتب الشافعية الكبار جمع فيه بين الزوائد والمهذب ومسائل الدور ومذاهب المخالفين وشرح فيه ما أشكل من مسائل المهذب ورتبه على ترتيب المهذب قال الجعدي عن البيان: كاسمه بيانا وللعلماء هدى وتبيانا وأنبابه - رحمه الله - البعداء وانتشر علمه في الأجانب والقرباء وأجاب عن المعضلات وأوضح المشكلات وقسم الأوصاف والاحترازات - ثم قال -: لأنه - رحمه الله - انتحل الشروح الكثيرة والدلائل المشهورة والمسائل المفيدة والأقيسة السديدة إلى بيانه وضمنه النكت الحسنة والمعاني المتقنة جمع فيه بين تحقيق البغداديين وتدقيق الخراسانيين، فإذا تأمله الحاذق الناظر وكدَّ في جواهره الخاطر إلى أن يستدر الناظر وسعه كفاه واستغنى به عما سواه.2
وقال الجندي كما نقل عنه صاحب كتاب (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) : "انتفع به الإنس والجان، ولما قدم بغداد جعل في أطباق الذهب وطيف به مرفوعا وقد أجاب فيه عن المعضلات وأوضح فيه المشكلات وقسم به الأوصاف والاحترازات وجمع فيه بين تحقيقات أهل العراق وتدقيقات الخراسانيين"3.

وكان ابتداء تصنيفه - رحمه الله - سنة (528?) وانتهى منه سنة (533?) في مدينته مصنعة سير وقد نقل عنه السبكي في مواطن كثيرة في كتابه (طبقات الشافعية) ويقابل بين أقواله وأقوال الشافعية الأخرى في العديد من المسائل، وذكر الأكوع في كتابه (المدارس الإسلامية في اليمن) ص (9) أن البيان للشيخ العمراني كان من الكتب المعتمد تدريسها في مدارس الشافعية زمن دولة بني رسول وبني طاهر.
وقد ذكر فؤاد سيد في تحقيقه لكتاب (طبقات فقهاء اليمن) أن الكتاب يقع في عشر مجلدات ومنه نسخة بدار الكتب المصرية برقم (25) فقه شافعي، وأخرى في مكتبة أحمد الثالث باستانبول برقم (671). وذكر الحبشي في كتابه (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن) ص (193) أنه يوجد منه نسخة في جامع تريم1في أربعة مجلدات، ونسخة أخرى في جامع صنعاء كتبت سنة (810?) وسنة (707) في ستة مجلدات برقم (479) كما يوجد مجلد منه في جامع المظفر بتعز ومجلد في مكتبة محمد بن يحيى الحداد في بيته في إب.
رابعا: المشكل: وهو عن المسائل المشكلة في كتاب المهذب وقد ألف - رحمه الله - لما طلب منه تلميذه وصاحبه محمد بن مفلح الحضرمي استخراج المسائل المشكلة في المهذب.
خامسا: الانتصار في الرد على القدرية - وهو الكتاب المحقق في هذه الرسالة وسيأتي التعريف به.
سادسا: غرائب الوسيط صنفه بذي أشرق.
سابعا: مختصر إحياء علوم الدين.

ذكر هذه الكتب الجعدي في طبقات فقهاء اليمن والحبشي وغيرهما ولم يشر أحد إلى وجود شيء منها سوى كتاب البيان وكتاب الانتصار.
ثامنا: رسالة في المعتقد على مذهب أهل الحديث، وهي الرسالة التي أنشأها للرد أولا على القاضي جعفر الزيدي وأبان فيها عقيدة السلف في القدر وغيره من المسائل وتعتبر أصلا لكتاب الانتصار لأنه كان ينقل منها المسائل وهي التي يشير إليها بقوله: "ذكرت في الرسالة، واستدللت في الرسالة"، ونحو ذلك.
كما أنه بعد أن يذكر قوله في الرسالة يذكر اعتراض الزيدي ويرد عليه، ولعل هذه الرسالة هي التي وقعت لابن القيم - رحمه الله - ونقل منها في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية ص (710) حيث قال: "قول أبي الحسين العمراني صاحب البيان فقيه الشافعية ببلاد اليمن - رحمه الله تعالى - له كتاب لطيف في السنة على مذهب أهل الحديث صرح فيه بمسألة الفوقية والعلو والاستواء حقيقة وتكلم الله عزوجل بهذا القرآن العربي المسموع بالآذان حقيقة وأن جبرائيل عليه الصلاة والسلام سمعه من الله سبحانه حقيقة وصرح فيه بإثبات الصفات الخبرية واحتج بذلك ونصره وصرح بمخالفة الجهمية والنفاة" انتهى.
تاسعا: كتاب مختصر في الرد على الأشعرية والقدرية في مسألة الكلام، وذكره - رحمه الله - في كتاب الانتصار عند حديثه عن صفة الكلام، والرد على المعتزلة والأشعرية.
عاشرا: الفتاوى ذكره ابن قاضي شهبة في طبقات الشافعية (1/373). الحادي عشر: الأحداث.
الثاني عشر: مناقب الشافعي.
الثالث عشر: مقاصد اللمع.

ذكر الكتب الثلاثة الأخيرة الزركلي في الأعلام (8/146) ومحقق كتاب طبقات الشافعية للأسنوي (1/212) ولم أر من ذكرها غيرهما.
سابعا: مكانته وثناء العلماء عليه العمراني - رحمه الله - تبوأ مكانة عالية بين علماء زمانه، كما كان له جاه كبير في اليمن ويكفي في بيان مكانته العالية أن الشافعية في اليمن بعده معتمدون عليه وعلى تلاميذه وكتبه كما قال ابن سمرة الجعدي: "وطبق الأرض بالأصحاب فما أعلم في أكثر هذا المخلاف فقيها مجوداً ومناظراً مجتهداً إلا من أصحابه أو أصحاب أصحابه"1.
كما أثنى عليه ثناءا بالغا في أول ترجمته حيث قال عنه: "الذي انتشر عنه الفقه في البلدان وجاوز علمه البحر مع السودان وسارت بتصانيفه الركبان في اليمن والشام وهو الفقيه جمال الإسلام شمس الشريعة يحيى بن أبي الخير"، ثم ساق نسبه إلى آدم عليه السلام.
كما أثنى عليه - رحمه الله - شيخه زيد بن الحسن الفايشي2، فقال: "يحيى ابن أبي الخير فقيه يصلح للفتوى" وأمر بعض أصحابه وهو عمرو بن عبد الله بالدرس عليه، وقال الجعدي: "وكان هذا لا شك في أول أمر الإمام يحيى بن أبي الخير فلو عاش إلى تصنيفه البيان لرأى عجبا"3.
وكان شيخه القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله اليافعي إذا تنازعت عنده الخصوم يقول: "ما قال القمران في هذه الحكومة"، وتارة يقول: "هاتوا جواب القمرين يعني الإمامين عبد الله بن يحيى الصعبي ويحيى بن أبي الخير العمراني"4

كما أثنى عليه تلميذ تلاميذه ابن أبي لحب فقال: أجل ما العلا إلا لسيدها الحبر... وما العلم إلا إرث آل أبي الخير نفيل أبي يحيى طاهر في فعاله... وثاني صنوف الخير من معدن الخير1وقال عنه السبكي: "شيخ الشافعيين بإقليم اليمن صاحب البيان وغيره من المصنفات الشهيرة… ثم قال: وكان إماما زاهدا خيراً مشهور الاسم بعيد الصيت عارفا بالفقه والأصول والكلام والنحو أعرف أهل الأرض بتصانيف أبي إسحاق الشيرازي الفقه والأصول والخلاف: يحفظ (المهذب) عن ظهر قلب، وقيل كان يقرؤه في ليلة واحدة"2. وقال النووي: "كان يحفظ المهذب وشرحه بالبيان، نشر العلم ببلاد اليمن ورحل إليه"3. ومثله قال الأسنوي في طبقات الشافعية.4
وذكر ابن سمرة الجعدي شعرا في الثناء على الشيخ العمراني ولم يذكر قائله وهو: لله شيخ من بني عمران... مذ كان شاد العلم لأركان يحيى لقد أحيا الشريعة هاديا... بزوائد وغرائب وبيان هو درة اليمن الذي ما مثله... من أول في عصرنا أو ثان5

فصول الكتاب · 21 فصل · 963 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار · 963 صفحة
مقدمة...المبحث الأول: حياته الشخصية...المبحث الثاني: حياته العلمية وآثارهالمبحث الأول: اسم الكتاب...المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلفالمبحث الثالث: سبب تأليف الكتابالمبحث الرابع: منهج المؤلف في الكتابالمبحث الخامس: مصادر الكتابالمبحث السادس: المآخذ على الكتابالمبحث السابع: قيمته العلميةالمبحث الثامن: موضوع الكتابالمطلب الأول: تعريف القدر لغة...المطلب الثاني: الإيمان بالقدر عند السلفالمطلب الثالث: نشأة الخلاف في القدر وأول من قال بذلكالمطلب الرابع: التعريف بالقدريةالمبحث الأول: التعريف بالمخطوط...المبحث الثاني: منهج التحقيق
الباب الثاني: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
تابع: النص المحقق...
مصادر ومراجع...
جارٍ التحميل