بَابُ الْجِرَاحِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- الغرر البهية في شرح البهجة الوردية
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- الناشر
- المطبعة الميمنية
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: كتاب «الغرر البهية في شرح البهجة الوردية» لزكريا الأنصاري- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية الإمام أحمد بن قاسم العبادي (992).- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية العلامة الشربيني
أَوْ اسْتِبْرَاءٍ، أَوْ نَحْوِهَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِيهَا لِعَارِضٍ إذْ هُوَ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لِلْأَذَى،، وَفِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ، وَفِي الِاسْتِبْرَاءِ لِخَوْفِ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَبِقَوْلِهِ: (مُشْتَهًى) أَيْ: طَبْعًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَطْءٌ الْمَيِّتَةِ، وَالْبَهِيمَةِ، وَخَرَجَ بِهِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِعِبَارَةِ الْحَاوِي السَّابِقَةِ تَمْكِينُ الْمَرْأَةِ قِرْدًا، أَوْ نَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْفِرُ مِنْهُ الطَّبْعُ، فَلَا يَفْتَقِرُ لِشَرْعِ الْحَدِّ كَشُرْبِ الْبَوْلِ، وَبِقَوْلِهِ: (بِلَا مِلْكٍ) أَيْ: لَهُ، أَوْ لِفَرْعِهِ الْوَطْءُ بِشُبْهَةِ الْمَحَلِّ كَوَطْءِ مَمْلُوكَتِهِ الْمُحَرَّمَةِ بِنَسَبٍ، أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ الْمُشْتَرَكَةِ، أَوْ الْوَثَنِيَّةِ، أَوْ الْمَجُوسِيَّةِ، أَوْ الْمُزَوَّجَةِ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، وَكَوَطْءِ مَمْلُوكَةِ فَرْعِهِ، وَلَوْ مُسْتَوْلَدَةً كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي خِيَارِ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ لِخَبَرِ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَ، وَقْفَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ، وَسَيُصَرِّحُ النَّاظِمُ بِبَعْضِ الْمُخْرَجَاتِ بِالْقُيُودِ السَّابِقَةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (وَ) لَا (ظَنْ مِلْكٍ) الْوَطْءِ بِشُبْهَةِ الْفَاعِلِ كَوَطْئِهِ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَظُنُّهَا أَمَةً لَهُ فِيهَا شَرَكٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ التَّمِيمِيُّ كَالتَّعْلِيقَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ النِّهَايَةِ الْمَنْقُولِ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مُخْتَصَرِهَا أَنَّهُ أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ مَا لَوْ تَحَقَّقَ دُفِعَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ كَمَا لَوْ سَرَقَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لِأَبِيهِ، أَوْ ابْنِهِ، أَوْ أَنَّ الْحِرْزَ مِلْكُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهَا، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ ظَاهِرُ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ يَشْهَدُ لِذَلِكَ، وَنُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِبَعْضِ نُسَخٍ أَصْلُهَا كَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى، وَجْهٍ لَا يُفْهَمُ تَرْجِيحًا، وَزَادَ الظَّاهِرُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ لُزُومُ الْحَدِّ لِغَلَبَةِ الْحُرْمَةِ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ الِامْتِنَاعُ، وَبِقَوْلِهِ: (وَلَا تَحْلِيلِ بَعْضِ الْعُلَمَا) الْوَطْءَ بِشُبْهَةِ الطَّرِيقِ، وَهِيَ كُلُّ جِهَةٍ أَبَاحَ بِهَا عَالِمٌ الْوَطْءَ وَإِنْ اعْتَقَدَ الْوَاطِئُ التَّحْرِيمَ كَنِكَاحٍ بِلَا، وَلِيٍّ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ بِلَا شُهُودٍ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ كَمَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَعَمْ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِإِبْطَالِ النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَزِمَهُمَا الْحَدُّ لِارْتِفَاعِ الشُّبْهَةِ بِالْحُكْمِ بِالْفُرْقَةِ، وَسَيَأْتِي فِي النَّظْمِ بَعْضُ الْمُخْرَجَاتِ الْمَذْكُورَةِ (وَلَوْ أَبَاحَتْ) لَهُ امْرَأَةٌ (وَطْأَهَا) فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ، وَلِظُهُورِ ضَعْفِهِ، وَزَادَ النَّاظِمُ قَوْلَهُ (الْمُحَرَّمَا) تَكْمِلَةً، وَقَدْ يُقَالُ: زَادَهُ لِإِخْرَاجِ إبَاحَتِهَا، وَطْئًا غَيْرِ مُحَرَّمٍ لَكِنَّ هَذَا مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ (وَلَوْ) كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ
[حاشية العبادي]
وَالْإِيلَاجِ فِيهِ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِعِبَارَةِ الْحَاوِي إلَخْ.) وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَهُوَ لَمْ يَدْخُلْ فِي جِنْسِهَا حَتَّى يَحْتَاجَ لِإِخْرَاجِهِ (قَوْلُهُ: كَمَذْهَبِ مَالِكٍ) أَوْ بِلَا، وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ كَمَذْهَبِ دَاوُد، فَإِنَّ الْحَقَّ أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَبَرٌ كَمَا قَالَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ (قَوْلُهُ: وَكَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ) جَعَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ جُمْلَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ الَّذِي لَا حَدَّ فِيهِ مَا لَوْ كَانَ مُؤَقَّتًا مَعَ انْتِفَاءِ الْوَلِيِّ، وَالشُّهُودِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْحَدِّ بِالْأَوْلَى فِيمَا وَقَعَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَلَا شُهُودٍ مِنْ غَيْرِ تَأْقِيتٍ، فَإِنَّهُ إذَا انْتَفَى مَعَ التَّأْقِيتِ الْمُوجِبِ لِضَعْفِهِ، فَبِدُونِهِ، أَوْلَى وَبِذَلِكَ أَفْتَى شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ دَاوُد بَلْ، وَلِخِلَافِ الْقَائِلِ بِجَوَازِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَإِنَّهُ إذَا أَجَازَهُ مَعَ التَّأْقِيتِ، فَبِدُونِهِ، أَوْلَى (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ)
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَلَا ظَنَّ مِلْكَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ) لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ: مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلْعَيْنِ يَصْدُقُ مَعَ الشُّبْهَةِ إذْ الْفَرْجُ مَعَ الشُّبْهَةِ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ لِعَارِضِ الشُّبْهَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ ثَلَاثٌ شُبْهَةُ الْمَحَلِّ كَمَا فِي، وَطْءِ زَوْجَةٍ صَائِمَةٍ، أَوْ مُحْرِمَةٍ، أَوْ أَمَةٍ لَمْ تُسْتَبْرَأْ، وَشُبْهَةُ الْفَاعِلِ كَمَا فِي، وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ، وَشُبْهَةُ الْجِهَةِ كَمَا فِي وَطْءِ مَنْ تَزَوَّجَتْ بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ بِلَا شُهُودٍ، وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ فِي الْأُولَى، وَالثَّالِثَةِ بِشَرْطِهِ، وَالتَّحْرِيمُ فِي الثَّالِثَةِ لِلْعَيْنِ ثَابِتٌ بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِ الْوَاطِئِ، وَكَذَا فِي الثَّانِيَةِ فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عَدَمَ الْوَصْفِ فِيهَا بِالْحُرْمَةِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مَعَ التَّقْيِيدِ بِالْعَيْنِ فَيُوصَفُ بِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا يَخْرُجَانِ بِقَوْلِهِ: وَلَا ظَنَّ مِلْكَ إلَخْ، أَمَّا الْأُولَى فَالتَّحْرِيمُ فِيهَا لَيْسَ لِلْعَيْنِ فَهِيَ خَارِجَةٌ بِقَوْلِهِ: لِعَيْنِهِ كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كُلَّ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
اهـ. سم عَلَى التُّحْفَةِ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِي كَمَا صَنَعَ إلَخْ.
وَحَذْفُ يَسِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ يَظُنُّهَا أَمَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُحَدُّ؛ لِأَنَّ ظَنَّ مِلْكَ الْبَعْضِ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ فَلَيْسَ شُبْهَةً، وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي فِي السَّرِقَةِ لِأَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي الشُّبْهَةِ فِيهَا مَا لَمْ يَتَوَسَّعُوا هُنَا، وَقَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ إلَخْ.
لَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَظُنَّ الْحِلَّ فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ.
اهـ.
شَرْحُ م ر عَلَى الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: لِغَلَبَةِ الْحُرْمَةِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَيَقِّنٌ لِلْحُرْمَةِ إذْ لَا يَحِلُّ وَطْءُ الْمُشْتَرَكَةِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ كُلُّ جِهَةٍ أَبَاحَ بِهَا عَالِمٌ الْوَطْءَ) قَالَ ع ش عَلَى م ر فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِهَا، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ.
اهـ. وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْعِقَابِ، وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْهُ فَإِنَّهُ لَا حَدَّ حِينَئِذٍ أَيْضًا كَمَا فِي م ر وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ مَعَ اعْتِقَادِ الْحُرْمَةِ فَلَعَلَّ انْتِفَاءَ الْعِقَابِ عِنْدَ التَّقْلِيدِ (قَوْلُهُ: إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ إلَخْ.) ، وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِحُكْمِهِ إذْ لَا تَنْدَفِعُ
(صَغِيرَةً) لَا تُشْتَهَى، فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ كَمَا لَوْ مَكَّنَتْ الْمُكَلَّفَةُ مَجْنُونًا، أَوْ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا انْتِفَاؤُهُ عَنْ الْآخَرِ، وَلَوْ قَالَ: زَنَيْت بِفُلَانَةَ فَجَحَدَتْ لَزِمَهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُهُ (أَوْ اكْتَرَى لَهُ) أَيْ: لِلْوَاطِئِ امْرَأَةً فَوَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَاطِلٌ لَا يُورِثُ شُبْهَةً كَمَا لَوْ اشْتَرَى حُرَّةً فَوَطِئَهَا، أَوْ خَمْرًا فَشَرِبَهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شُبْهَةً لَثَبَتَ بِهِ النَّسَبُ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ (أَوْ نَكَحَ الْأُمَّ) ، أَوْ غَيْرَهَا مِنْ مَحَارِمِهِ بِنَسَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَوَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ، وَطْءٌ صَادَفَ مَحَلًّا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ زَنَى بِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا قَوَدٌ، أَوْ بِحَرْبِيَّةٍ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقَهْرَ، وَالِاسْتِيلَاءَ، وَإِلَّا، فَيَمْلِكُهَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ فِي بَابِ السَّرِقَةِ، وَأَقَرَّهُ
وَالْفَرْجُ الَّذِي يَجِبُ الْحَدُّ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ (كَدُبْرٍ) بِإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ مُخَفَّفًا مَنْ ضَمِنَهَا (نَالَهُ) أَيْ: أَوْلَجَ فِيهِ، وَالْمَعْنَى كَإِيلَاجِهِ فِي دُبُرٍ (مِنْ عَبْدِهِ) إذْ الْإِيلَاجُ فِيهِ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ بِخِلَافِ وَطْءِ الْأُخْتِ الْمَمْلُوكَةِ كَمَا سَيَأْتِي (لَا) دُبُرِ (الْعِرْسِ) أَيْ: زَوْجَتِهِ، فَلَا حَدَّ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ بِكَوْنِهِ مَحَلَّ تَمَتُّعِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمِثْلُهَا أَمَتُهُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ بِخِلَافِ الْمَحْرَمِ يَجِبُ بِوَطْئِهِ فِي دُبُرِهَا الْحَدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَحْرِ، وَأَقَرَّهُ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ (وَ) لَا فَرْجِ (الْمُسْتَمْلَكَهْ) أَيْ: مَمْلُوكَتِهِ (إنْ حَرُمَتْ) عَلَيْهِ (بِنَسَبٍ) ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ مُصَاهَرَةٍ (وَشَرِكَهْ، وَالْحَيْضِ) ، وَالنِّفَاسِ (وَالتَّزْوِيجِ وَ) لَا فَرْجِ (الْبَهَائِمِ، وَمَيِّتٍ وَ) مَنْكُوحَةٍ إمَّا بِنِكَاحِ (مُتْعَةٍ وَ) إمَّا بِنِكَاحِ (عَادِمِ عَدْلَيْنِ، وَالْوَلِيِّ) أَيْ: أَوْ الْوَلِيِّ إذْ لَوْ عَدِمَهُمَا مَعًا وَجَبَ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِيهِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحِلِّهِ (أَوْ مَا) أَيْ: وَلَا إيلَاجَ (أَوْقَعَهْ) بِفَرْجٍ (بِالْكُرْهِ) أَيْ: مَعَ إكْرَاهِهِ عَلَيْهِ لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاه، وَمِثْلُهَا شُبْهَةُ الْجَهْلِ كَإِيلَاجِ مَنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ فَلَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ فَفِي الرَّوْضَةِ الصَّحِيحُ الْجَزْمُ بِوُجُوبِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي نَظِيرِهِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الزَّانِي مُلْتَزِمَ الْأَحْكَامِ لِيَخْرُجَ الْحَرْبِيُّ، وَالْمُعَاهَدُ كَمَا يَلُوحُ بِهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ، وَيُرْجَمُ الذِّمِّيُّ، وَإِنَّمَا يَرْجُمُهُ الْإِمَامُ، أَوْ يَجْلِدُهُ
(أَنْ يَشْهَدَ بِذَاكَ) الْإِيلَاجِ (أَرْبَعَهْ) مِنْ الرِّجَالِ لِآيَةِ ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] (لَا) إنْ شَهِدُوا بِهِ (مَعَ نِسَاءٍ أَرْبَعٍ شَهِدْنَ) بِأَنَّهَا (بِكْرٌ) ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا لِشُبْهَةِ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ غَوْرَاءَ يُمْكِنُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِيهَا مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ فَالْأَشْبَهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهَا تُحَدُّ لِثُبُوتِ زِنَاهَا قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ حُصُولِ التَّحْلِيلِ بِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ أَنَّ التَّحْلِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْمِيلِ اللَّذَّةِ انْتَهَى، وَذِكْرُ النِّسَاءِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَوْ شَهِدَ بِأَنَّهَا بِكْرٌ رَجُلَانِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ (وَعَنْ حَدِّ الشُّهُودِ) بِزِنَاهَا حَدُّ الْقَذْفِ (حِدْنَا) أَيْ: مِلْنَا، فَلَا نُوجِبُهُ عَلَيْهِمْ لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الْبَكَارَةِ بَعْدَ زَوَالِهَا لِتَرْكِ الْمُبَالَغَةِ فِي الِافْتِضَاضِ (كَقَاذِفٍ) لَهَا، فَلَا نَحُدُّهُ لِقِيَامِ الشَّهَادَةِ بِزِنَاهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا، وَأَرْبَعٌ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ لِأَنَّهُمْ رَمَوْا مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الزِّنَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ كَلَامِ النَّاظِمِ
(وَأَنْ تَجِي) امْرَأَةٌ ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ
[حاشية العبادي]
ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: أَوْ صَغِيرًا) قَدْ يَشْمَلُ مَنْ لَا يَحْصُلُ بِوَطْئِهِ التَّحْلِيلُ كَابْنِ يَوْمٍ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهَا فِي مَحَارِمِهِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ: عَطْفًا عَلَى مَنْ يَحِلُّ بِوَطْئِهَا، أَوْ تَزَوَّجَ مَنْ لَا تَحِلُّ كَمَحْرَمٍ، وَوَثَنِيَّةٍ، وَخَامِسَةٍ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَمُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا، وَمُلَاعِنَةٍ، وَمُعْتَدَّةٍ، وَمُرْتَدَّةٍ، وَذَاتِ زَوْجٍ، ثُمَّ قَالَ: وَخَرَجَ بِالْوَثَنِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةُ، فَفِيهَا فِي الْأَصْلِ عَنْ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَنْ الرُّويَانِيِّ لَا يَجِبُ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا، وَهَذَا نَقْلُ الرُّويَانِيِّ فِي التَّجْرِبَةِ عَنْ النَّصِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ، فَهُوَ الْمَذْهَبُ.
اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الرَّوْضِ: وَمَنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا بِنَسَبٍ لَمْ يُصَدَّقْ، أَوْ بِرَضَاعٍ، فَقَوْلَانِ، أَوْ بِكَوْنِهَا مُزَوَّجَةً، أَوْ مُعْتَدَّةً، وَأَمْكَنَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَحُدَّتْ دُونَهُ إنْ عَلِمَتْ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ، فَقَوْلَانِ قَالَ فِي شَرْحِهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ أَظْهَرُهُمَا تَصْدِيقُهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَسَكَتَ عَنْ الْجَهْلِ بِالتَّحْرِيمِ بِالْمُصَاهَرَةِ (قَوْلُهُ: فَيَمْلِكُهَا) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِمِلْكِهَا، وَلَوْ بَعْضَهَا بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَحْرَمِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ قَبْلَ نَقْلِ مَا هُنَا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ، وَطْأَهَا فِي دُبُرِهَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ (قَوْلُهُ: إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِحِلِّهِ) تَقَدَّمَ فِي الْهَامِشِ عَنْ الْإِمَامِ دَاوُد الْقَوْلُ بِحِلِّهِ، وَأَنَّ الْحَقَّ اعْتِبَارُ خِلَافِهِ، وَأَنَّ شَيْخَنَا الشِّهَابَ الرَّمْلِيَّ قَائِلٌ بِعَدَمِ الْحَدِّ
(قَوْلُهُ: لِشُبْهَةِ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الزَّانِي أَيْضًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: الْآتِي، وَحُدَّ إنْ دَفَعَ عَنْ الْمَجَامِعِ (قَوْلُهُ: رَجُلَانِ) أَوْ رَجُلٌ، وَامْرَأَتَانِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَعَنْ حَدِّ الشُّهُودِ حِدْنَا)
[حاشية الشربيني]
الشُّبْهَةُ الْمُوجِبَةُ لِعَدَمِ حَدِّهِ إلَّا إذَا عَلِمَ بِالْحُكْمِ.
اهـ. شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شُبْهَةً لَثَبَتَ بِهِ النَّسَبُ إلَخْ.) فِيهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ شُبْهَةٌ دَافِعَةٌ لِلْحَدِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْوَسِيطِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ.
اهـ. سم عَلَى التُّحْفَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ فِي الْأَكْثَرِ اتِّفَاقًا كَمَا فِي س ل عَلَى الْمَنْهَجِ، أَمَّا فِي الْإِكْرَاهِ فَيَثْبُتُ عَلَى الضَّعِيفِ كَذَا قِيلَ: وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلَّ شُبْهَةٍ عِنْدَ الْمُخَالِفِ تُثْبِتُ النَّسَبَ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ.) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا حَدَّ بِوَطْئِهِ فِي دُبُرِهَا؛ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَةَ مَحَلُّ التَّمَتُّعِ فِي الْجُمْلَةِ فَانْتَهَضَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ.
اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ
(قَوْلُهُ: لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الْبَكَارَةِ إلَخْ.) قَالَ الْقَاضِي لَوْ قَصُرَ الزَّمَنُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ عَوْدُ الْبَكَارَةِ فِيهِ حُدَّ قَاذِفُهَا.
اهـ. تُحْفَةٌ وم ر عَلَى الْمِنْهَاجِ
(قَوْلُهُ: وَأَنْ تَجِيءَ بِأَرْبَعَةٍ إلَخْ.) قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَوْ أَقَامَتْ دُونَ أَرْبَعَةٍ لَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ ثُبُوتِ
أَنَّهُ أَكْرَهَهَا عَلَى الْمُجَامَعَةِ (بِأَرْبَعَهْ) مِنْ الرِّجَالِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ (بِأَنَّهُ أَكْرَهَ فِي) أَيْ: أَكْرَهَهَا عَلَى (الْمُجَامَعَهْ، وَتَطْلُبُ الْمَهْرَ، فَيَشْهَدُ أَرْبَعُ) مِنْ النِّسَاءِ، أَوْ اثْنَانِ مِنْ الرِّجَالِ أَنَّهَا (بِكْرٌ يَجِبْ) لَهَا عَلَيْهِ (مَهْرٌ) لِثُبُوتِهِ مَعَ الشُّبْهَةِ (وَحَدٌّ انْدَفَعْ) عَنْ الْمُجَامِعِ، وَالشُّهُودِ لِلشُّبْهَةِ
(أَوْ يَعْتَرِفْ) أَيْ: يُحَدُّ الزَّانِي إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ كَمَا مَرَّ، أَوْ يَعْتَرِفُ بِهِ وَ (لَوْ) كَانَ اعْتِرَافُهُ بِهِ (مَرَّةً) ؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارِهِمَا» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ، وَرَوَى هُوَ، وَالْبُخَارِيُّ خَبَرَ «، وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» عَلَّقَ الرَّجْمَ عَلَى مُجَرَّدِ الِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ عَلَى مَاعِزٍ فِي خَبَرِهِ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَقْلِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ» ، وَالْأَقْوَى فِي الرَّوْضَةِ هُنَا اعْتِبَارُ التَّفْصِيلِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ كَالشَّهَادَةِ، وَصَحَّحَهُ فِيهَا كَأَصْلِهَا فِي بَابِ السَّرِقَةِ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً تُوجِبُ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يُقِرَّ بِهَا لِخَبَرِ «مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَ، أَوْ قَذَفَ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ لِمَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ التَّضْيِيقِ (وَإِنْ هَرَبْ) مَنْ لَزِمَهُ الْحَدُّ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ لِوُجُودِ مُثْبِتِهِ مِنْ بَيِّنَةٍ، أَوْ اعْتِرَافٍ لَكِنْ يُخَلَّى الْمُعْتَرِفُ فِي الْحَالِ، وَلَا يُتْبَعُ لِمَا فِي خَبَرِ مَاعِزٍ «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَدَ الرُّجُوعَ فَيُعْرِضُ عَنْهُ احْتِيَاطًا، فَإِنْ رَجَعَ فَذَاكَ، وَإِلَّا حُدَّ فَلَوْ اُتُّبِعَ فَحُدَّ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ شَيْئًا (وَ) إنْ (مَنَعَ الْحَدَّ، وَتَرْكَهُ طَلَبْ) أَيْ: أَوْ طَلَبَ تَرْكَهُ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ لِعَدَمِ تَصْرِيحِهِ بِالرُّجُوعِ نَعَمْ يُخَلَّى الْمُعْتَرِفُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ رَجَعَ، وَإِلَّا حُدَّ (لَا إنْ يَعُدْ) أَيْ: يَرْجِعُ الْمُعْتَرِفُ عَنْ اعْتِرَافِهِ، فَلَا يُحَدُّ لِتَعْرِيضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَاعِزٍ بِالرُّجُوعِ بِقَوْلِهِ: «لَعَلَّك قَبَّلْت لَعَلَّك لَمَسْت» بِخِلَافِ مَنْ لَزِمَهُ الْحَدُّ بِالْبَيِّنَةِ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِزِنَاهُ بَيْنَ اعْتِرَافِهِ، وَرُجُوعِهِ فَهَلْ يُحَدُّ، وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا بِلَا تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا نَعَمْ لِبَقَاءِ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَمَانِيَةٌ فَرَدَّ أَرْبَعَةٌ، وَثَانِيهِمَا لَا إذْ لَا أَثَرَ لِلْبَيِّنَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ، وَقَدْ بَطَلَ، وَنَقَلَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ، وَفِي عَكْسِهِ، وَقَالَ: الْأَصَحُّ عِنْدِي اعْتِبَارُ أَسْبَقِهِمَا.
(فَرْعٌ) لَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَالنَّصُّ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ، أَوْ يَمِينٍ، أَوْ قَتْلٍ فَالْأَصَحُّ بَقَاؤُهَا كَالدَّيْنِ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ آخِرَ السِّيَرِ
(يَرْجُمُهُ) أَيْ: مَنْ أَوْلَجَ كَمَا مَرَّ يَرْجُمُهُ (الْإِمَامُ) ، وَلَوْ بِنَائِبِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ لَمْ يَقُمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ، أَمَّا الْمُولَجُ فِيهِ فَإِنَّمَا يُرْجَمُ إذَا أُولِجَ فِي قُبُلِهِ، فَإِنْ أُولِجَ فِي دُبُرِهِ فَلَا، بَلْ يُجْلَدُ، وَيُغَرَّبُ، وَلَوْ مُحْصَنًا رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ إدْخَالُ
[حاشية العبادي]
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ الْقَاضِي وَتَبْطُلُ حَصَانَتُهَا بِلَا خِلَافٍ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ) لَعَلَّ هَذَا الْإِضْرَابَ إبْطَالِيٌّ لَا انْتِقَالِيٌّ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ، وَحِينَئِذٍ، فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ ثُمَّ إبْطَالِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُبَالَغَةُ فِي رَدِّهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُخَلَّى) أَيْ: وُجُوبًا حَجَرٌ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُخَلَّى) أَيْ: وُجُوبًا حَجَرٌ (قَوْلُهُ: إذْ لَا أَثَرَ لِلْبَيِّنَةِ إلَخْ.) الْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ الْبَيِّنَةِ فِي ذَلِكَ، وَفِي عَكْسِهِ لِأَنَّهَا أَقْوَى فِي حُقُوقِ اللَّهِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ فِيهَا أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ م ر (قَوْلُهُ: فَالنَّصُّ سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ) الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ السُّقُوطِ، وَهَذَا النَّصُّ مُفَرَّعٌ عَلَى مَرْجُوحٍ، وَهُوَ سُقُوطُ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ م ر
[حاشية الشربيني]
سَبَبِهِ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَلَمْ يَثْبُتْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ، وَامْرَأَتَانِ بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إيضَاحٌ لَمْ يَثْبُتْ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ؛ لِأَنَّ الْإِيضَاحَ الَّذِي هُوَ طَرِيقُهَا لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر، وَقَوْلُهُ: مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ إلَخْ.
أَيْ: شَهِدَا بِهِمَا مَعًا، وَهُمَا مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَا مِنْ شَخْصَيْنِ، أَوْ فِي مَرَّتَيْنِ مِنْ شَخْصٍ ثَبَتَ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ بِذَلِكَ.
اهـ.
ق ل
(قَوْلُهُ: عَلَّقَ الرَّجْمَ إلَخْ.) ، فَلَا يَلْزَمُ تَكْرَارُ الِاعْتِرَافِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي عَقْلِهِ) هَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّك قَبَّلْت إلَخْ.؛ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَلَوْ أَقَرَّ فَلَهُ أَنْ يُعَرِّضَ بِالرُّجُوعِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
اهـ. لَكِنْ قَالَ فِي التُّحْفَةِ: فِي بَابِ السَّرِقَةِ أَشَارَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَدْبِهِ.
اهـ.، وَاعْتَمَدَ زي مَا فِي الْأَنْوَارِ (قَوْلُهُ: وَالْأَقْوَى) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: اعْتِبَارُ التَّفْصِيلِ) كَأَنْ يَقُولَ أَدْخَلْت حَشَفَتِي فَرْجَ فُلَانَةَ عَلَى وَجْهِ الزِّنَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْإِحْصَانَ، أَوْ عَدَمَهُ.
اهـ. حَاشِيَةُ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: أَيْ: يَرْجِعُ) ، وَيُقْبَلُ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِ الزِّنَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ كَالشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ مِنْ حَيْثُ سُقُوطُ الْحَدِّ، وَالْقَطْعِ، وَلَا يُقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْبُلُوغِ، أَوْ الْإِحْصَانِ.
اهـ. م ر، وق ل (قَوْلُهُ: وَجْهَانِ إلَخْ.) الْمُعْتَبَرُ الْبَيِّنَةُ سَوَاءٌ سَبَقَتْ، أَوْ تَأَخَّرَتْ مَا لَمْ يُحْكَمْ بِالْإِقْرَارِ، وَحْدَهُ أَيْ: يُسْنَدُ الْحُكْمُ إلَيْهِ، وَحْدَهُ.
اهـ. م ر سم عَلَى التُّحْفَةِ، وَكَتَبَ أَيْضًا الْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَسْنَدَ الْحُكْمَ إلَى الْبَيِّنَةِ، أَوْ الْإِقْرَارِ اُعْتُبِرَ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَتْ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ أَقْوَى مِنْ الْإِقْرَارِ، وَالْإِقْرَارُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَقْوَى مِنْهَا.
اهـ. م ر سم عَلَى التُّحْفَةِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر عَمَلٌ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْإِقْرَارِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ أَمْ تَأَخَّرَتْ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي اعْتِبَارِ أَسْبَقِهِمَا لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ إلَخْ.
اهـ
(قَوْلُهُ:
الذَّكَرِ فِي دُبُرِهِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ حَتَّى يَصِيرَ بِهِ مُحْصَنًا، وَالرَّجْمُ خَاصٌّ بِالْمُحْصَنِ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا كَانَ مُحْصَنًا، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا نَبِيًّا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَتَلَوْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا، وَهِيَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قَالَ: وَقَدْ رَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَالْإِحْصَانُ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا جَاءَ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْعَقْلِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْعِفَّةِ، وَالتَّزْوِيجِ، وَإِصَابَةِ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا قَالَ (حُرْ) بِالْوَقْفِ بِلُغَةِ رَبِيعَةَ أَيْ: يَرْجُمُ الْإِمَامُ مَنْ زَنَى فِي حَالَةِ كَوْنِهِ حُرًّا (مُكَلَّفًا أَصَابَ) فِي الْقُبُلِ، وَلَوْ فِي حَيْضٍ، وَإِحْرَامٍ، وَبِغَيْرِ إنْزَالٍ (بَعْدَمَا ذِكْرَ) مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَالتَّكْلِيفِ (بِصِحَّةِ النِّكَاحِ) أَيْ: فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَلَا رَجْمَ عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَغَلَّظُ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَمْنَعُ الْفَوَاحِشَ؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ كَمَالٍ، وَشَرَفٍ، وَالشَّرِيفُ يَصُونَ نَفْسَهُ عَمَّا يُدَنِّسُ عِرْضَهُ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُوَسِّعُ طُرُقَ الْحِلِّ إذْ لِلْحُرِّ نِكَاحُ أَرْبَعٍ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنٍ غَالِبًا بِخِلَافِ مَنْ فِيهِ رِقٌّ فِيهِمَا، وَلَا عَلَى مَنْ زَنَى، وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ كَمَا مَرَّ لَكِنَّ اعْتِبَارَ التَّكْلِيفِ لَا يَخْتَصُّ بِالرَّجْمِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي أَصْلِ الْحَدِّ كَمَا عُلِمَ مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ
وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ إصَابَتُهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ بِهَا قَضَى الشَّهْوَةَ، وَاسْتَوْفَى اللَّذَّةَ فَحَقُّهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ الْحَرَامِ، وَلِأَنَّهَا تُكْمِلُ طَرِيقَ الْحِلِّ بِدَفْعِ الْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ، أَوْ رِدَّةٍ، فَلَا يَكْتَفِي بِهَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، وَالشُّبْهَةِ، وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَمَا فِي التَّحْلِيلِ، وَاعْتُبِرَ وُقُوعُهَا فِي حَالِ كَمَالِهِ حُرِّيَّةً، وَتَكْلِيفًا؛ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِأَكْمَلِ الْجِهَاتِ، وَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ فَاعْتُبِرَ حُصُولُهَا مِنْ كَامِلٍ حَتَّى لَا يُرْجَمَ مَنْ أَصَابَ، وَهُوَ نَاقِصٌ، ثُمَّ زَنَى، وَهُوَ كَامِلٌ، وَيُرْجَمُ مَنْ كَانَ كَامِلًا فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا نَقْصٌ كَجُنُونٍ، وَرِقٍّ فَالْعِبْرَةُ بِالْكَمَالِ فِي الْحَالَيْنِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ إصَابَتُهُ مَعَ كَامِلٍ، وَلَا عِصْمَتُهُ حَتَّى لَوْ أَصَابَ، وَهُوَ حَرْبِيٌّ، ثُمَّ زَنَى بَعْدَ أَنْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ رُجِمَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَسَكَتُوا عَنْ شَرْطِ الِاخْتِيَارِ فَلَوْ أَصَابَ مُكْرَهًا هَلْ يَحْصُلُ التَّحْصِينُ وَالتَّحْلِيلُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لَا يَبْعُدُ حُصُولُ التَّحْلِيلِ، وَفِي التَّحْصِينِ نَظَرٌ، وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي حُصُولَهُ، وَأَفْهَمَ قَوْلُ النَّظْمِ يَرْجُمُهُ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ، وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا إذْ الْقَصْدُ التَّنْكِيلُ بِهِ بِالرَّجْمِ بِأَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ النَّاسَ لِيُحِيطُوا بِهِ، فَيَرْمُونَهُ مِنْ الْجَوَانِبِ (بِالْأَحْجَارِ) ، وَالْمَدَرِ، وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ حَالَةَ كَوْنِ الرَّامِي (مُجْتَنِبَ الْكِبَارِ) الْمُذَفِّفَةِ (وَالصِّغَارِ) الْمُعَذِّبَةِ مِنْهَا، وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْفَرَ لِلْمَرْأَةِ إلَى صَدْرِهَا لِئَلَّا تَنْكَشِفَ إذَا ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ، أَمَّا بِالْإِقْرَارِ، فَلَا لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إنْ رَجَعَتْ (وَإِنْ هُوَ اعْتَلَّ، وَحُدَّ، وَقُطِعْ وَفِي اشْتِدَادِ الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ صَنَعْ) أَيْ: يَرْجُمُهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ مِنْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ، أَوْ حُدَّ بِشُرْبٍ، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ قُطِعَ بِقَوَدٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ حِرَابَةٌ، أَوْ وَقَعَ الرَّجْمُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ بِالِاعْتِرَافِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَخَّرْ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ، وَتَعْبِيرُهُ بِاعْتَلَّ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِمَرَضٍ.
(وَالْجَلْدَ لَا الْقِصَاصَ لَنْ نُقَدِّمَهْ) أَيْ: وَلَا نُقَدِّمُ الْجَلْدَ بِالزِّنَا، وَالشُّرْبِ عَلَى زَوَالِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، بَلْ نُؤَخِّرُهُ إلَى زَوَالِهَا لِئَلَّا يَهْلِكَ الْمَجْلُودُ فَلَوْ جَلَدَهُ فِيهَا فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِوَاجِبٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ: فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي الرَّوْضَةِ الْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ، أَمَّا الْقِصَاصُ، وَلَوْ فِي طَرَفٍ، فَلَا يُؤَخَّرُ لِبِنَاءِ حَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَقَطْعُ السَّرِقَةِ، وَالْمُحَارَبَةِ كَالْجَلْدِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ كَالْقِصَاصِ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْءُ الْعِلَّةِ، أَوْ كَانَ نِضْوَ الْخَلْقِ قُطِعَ فِي السَّرِقَةِ، وَالْمُحَارَبَةِ، وَجُلِدَ فِي غَيْرِهِمَا لَا بِسَوْطٍ، بَلْ بِعِثْكَالَ، أَوْ نِعَالٍ، أَوْ أَطْرَافِ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: غَالِبًا) كَأَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ السَّفِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا نَقْصٌ إلَخْ.) أَيْ: أَوْ وُجِدَ بَعْدَهُمَا نَقْصٌ، فَلَوْ رَقَّ ذِمِّيٌّ بَعْدَ إصَابَتِهِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ زَنَى، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْوُجُوبِ م ر (قَوْلُهُ: وَحُدَّ، وَقُطِعَ، وَصُنِعَ) مَعْطُوفَاتٌ عَلَى اعْتَلَّ هَكَذَا ضُبِّبَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْءُ الْعِلَّةِ) يَنْبَغِي، أَوْ زَوَالُ الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِزَوَالِهِمَا، وَتَغَيُّرِ الْحَالِ
[حاشية الشربيني]
وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ) أَيْ: فِي أَصْلِ النِّكَاحِ لَا فِي نِكَاحِ الْأَرْبَعِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ مَنْ فِيهِ رِقٌّ فِيهِمَا بِدُبُرٍ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ أَصَابَ، وَهُوَ حَرْبِيٌّ) أَيْ: فِي نِكَاحٍ لِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ (قَوْلُهُ: وَفِي التَّحْصِينِ نَظَرٌ) قَالَ حَجَرٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّحْصِينُ خِلَافًا لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ (قَوْلُهُ: لَا يَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ) أَيْ: يَحْرُمُ ذَلِكَ لِتَفْوِيتِ الْوَاجِبِ لَكِنْ يُعْتَدُّ بِهِ.
اهـ. م ر (قَوْلُهُ: وَالْمَدَرِ) هُوَ الطِّينُ الْمُتَحَجِّرُ.
اهـ. شَرْحُ الْمِنْهَاجِ لمر (قَوْلُهُ: وَفِي الرَّوْضَةِ إلَخْ.) ، وَعَلَيْهِ لَا ضَمَانَ أَيْضًا.
اهـ. حَجَرٌ وم ر، وَفَارَقَ الضَّمَانَ فِي التَّعْزِيرِ، وَالْخَتْنِ لِأَنَّهُمَا بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ قَدْ يُخْطِئُ، وَلَا كَذَلِكَ الْحُدُودُ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ.
اهـ. ق ل، وَكَتَبَ الْبُجَيْرِمِيُّ عَلَى قَوْلِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَالْخِتَانُ قُدِّرَ بِالِاجْتِهَادِ أَيْ فَإِذَا فَعَلَهُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، أَوْ الْبَرْدِ ضَمِنَهُ، وَيَضْمَنُ النِّصْفَ لَا الْجَمِيعَ عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلشَّارِحِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْخِتَانِ
ثِيَابٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْعِثْكَالِ مِائَةُ غُصْنٍ ضَرَبَهُ مَرَّةً، أَوْ خَمْسِينَ فَمَرَّتَيْنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَمَسَّهُ الْأَغْصَانُ، أَوْ يَنْبَسُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِيَنَالَهُ الْأَلَمُ فَلَوْ بَرِئَ بَعْدَ الضَّرْبِ بِالْعُثْكَالِ لَا يُعَادُ بِخِلَافِ الْمَعْضُوبِ إذَا حُجَّ عَنْهُ، ثُمَّ بَرِئَ لِبِنَاءِ الْحُدُودِ عَلَى الدَّرْءِ
(وَيُرْجَمُ الذِّمِّيُّ) قَهْرًا إذَا (زَانَى مُسْلِمَهْ) أَيْ: زَنَى بِهَا، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمَةِ زَادَهُ النَّاظِمُ لِإِخْرَاجِ الْكَافِرَةِ، فَلَا يُرْجَمُ الذِّمِّيُّ الزَّانِي بِهَا إلَّا إذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي، وَخَرَجَ بِالذِّمِّيِّ الْحَرْبِيُّ، وَالْمُعَاهَدُ، فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِمَا بَلْ، وَلَا جَلْدَ كَمَا مَرَّ (وَلَيْسَ) الذِّمِّيُّ (مَجْلُودًا) أَيْ: لَا يُجْلَدُ (بِشُرْبِ الْخَمْرِ) لِإِقْرَارِنَا لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الزِّنَا، وَهَذِهِ لَيْسَتْ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْحَاوِي هُنَا لِكَوْنِهَا مَذْكُورَةً فِيهِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ
(وَدَاخِلٌ فِي الرَّجْمِ) الَّذِي هُوَ حَدُّ الْمُحْصَنِ (حَدُّ الْبِكْرِ) فِيمَا لَوْ زَنَى، وَهُوَ بِكْرٌ، ثُمَّ زَنَى، وَهُوَ مُحْصَنٌ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ لِأَنَّهُمَا عُقُوبَةُ جَرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ زَنَى مِرَارًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَالْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ كَالشَّرْحَيْنِ مَا مَرَّ فِي آخِرِ اللِّعَانِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا عُقُوبَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ كَحَدِّ الشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَيَدْخُلُ التَّغْرِيبُ تَحْتَ الرَّجْمِ
ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ حَدِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ فَقَالَ: (وَمِائَةً يَجْلِدُ) الْإِمَامُ الزَّانِي الْحُرَّ الْمُكَلَّفَ إنْ لَمْ يُصِبْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْجَمْعَ أَعَادَ عَلَيْهِ ضَمِيرَهُ فِي قَوْلِهِ: (وَلْيَنْفِهِمْ) مَعَ ذَلِكَ (عَامًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] مَعَ إخْبَارِ الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا بِذَلِكَ الْمَزِيدِ فِيهَا النَّفْيُ عَلَى الْآيَةِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِنَفْيِ الزَّانِي نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْكِيلُ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِنَفْيِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْجَلْدِ، وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ ابْتِدَاءُ السَّفَرِ لَا وَقْتُ وُصُولِهِ إلَى مَا غُرِّبَ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ (وَلَا) بِالْقَصْرِ لِلْوَزْنِ قَيْدٌ لِلْمِائَةِ، وَالْعَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُمَا، وَلَوْ فِي حَقِّ نِضْوِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْكِيلُ، وَالْإِيحَاشُ نَعَمْ لَوْ جُلِدَ الزَّانِي فِي يَوْمٍ خَمْسِينَ مُتَوَالِيَةً، وَفِي ثَانِيَةٍ خَمْسِينَ كَذَلِكَ كَفَى جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا فِي بَابِ حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْخَمْسِينَ قَدْرُ حَدِّ الرَّقِيقِ (وَ) لِيَنْفِ (امْرَأَةً بِمَحْرَمِ) أَيْ: مَعَ مَحْرَمٍ لَهَا (قُلْتُ، وَزَوْجٍ، وَنِسَاءٍ) ثِقَاتٍ (قَاصِدَهْ ثَمَّ) أَيْ: قَاصِدَاتٌ الْمَكَانَ الْمَنْفِيَّ إلَيْهِ لِخَبَرِ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ» ، وَقِيسَ بِهِمَا النِّسَاءُ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَعَبْدِهَا حُكْمُهُ حُكْمُ هَؤُلَاءِ، وَالْوَاوُ فِيمَا زَادَهُ النَّاظِمُ بِمَعْنَى أَوْ، فَيَكْتَفِي بِمَحْرَمٍ، أَوْ زَوْجٍ، أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ ثِقَتَيْنِ (وَقِيلَ يَكْتَفِي بِوَاحِدَهْ) ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَرُبَّمَا اكْتَفَى بَعْضُهُمْ بِوَاحِدَةٍ انْتَهَى، وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا هُوَ مَا فِي الشَّامِلِ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْحَجِّ مَعَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَهَذَا، أَوْلَى (وَلَوْ بِأَمْنِ الدَّرْبِ) أَيْ: يُعْتَبَرُ خُرُوجُ مَنْ ذُكِرَ مَعَ الْمَرْأَةِ، وَلَوْ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ الزَّانِيَةِ الْهَتْكُ حِينَئِذٍ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ فِي مَوْضِعَيْنِ عَلَى نَفْيِهَا، وَحَدِّهَا، وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ سَفَرِهَا وَحْدَهَا مَحَلُّهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْحَجِّ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا امْتَنَعُوا مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا، وَبِهِ يَتَأَيَّدُ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ الْآتِي، وَكَلَامُ النَّظْمِ، وَأَصْلِهِ يَقْتَضِي أَنَّهَا تُغَرَّبُ، وَلَوْ بِدُونِ أَمْنِ الطَّرِيقِ لَكِنْ قَيَّدَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَا إذَا خَرَجَ مَعَهَا النِّسَاءُ بِالْأَمْنِ، وَالْقِيَاسُ جَرَيَانُهُ فِي غَيْرِهِنَّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِصُحْبَةِ الْمَرْأَةِ، وَالنِّسْوَةِ فِي الطَّرِيقِ دُونَ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ، بَلْ الْمُرَادُ مُدَّةُ التَّغْرِيبِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الْهَتْكُ فِي الْغُرْبَةِ، وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ الْمَحْرَمِ، وَالزَّوْجِ لِأَنَّهُمَا لَا يُفَارِقَانِهَا غَالِبًا، وَإِلَّا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ هَذَا، وَالظَّاهِرُ خِلَافُ مَا قَالَهُ (أَمَّا جَبْرُهُ) أَيْ: مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْمَحْرَمِ، وَغَيْرِهِ عَلَى خُرُوجِهِ مَعَهَا (فَلَا يَجُوزُ) كَمَا فِي الْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ تَعْذِيبُ مَنْ لَمْ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَلْيَنْفِهِمْ عَامًا) وَيَعْتَبِرُ بِالْأَهِلَّةِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ حَجَرٌ قَالَ فِي الرَّوْضِ:، وَمُؤْنَتُهُ أَيْ: الْمُغَرَّبِ فِي مُدَّةِ تَغْرِيبِهِ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ فِي شَرْحِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، وَعَلَى السَّيِّدِ إنْ كَانَ رَقِيقًا.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْجَلْدِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لَكِنَّ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الْجَلْدِ (قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ ابْتِدَاءُ السَّفَرِ) هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: الْآتِي قُلْت، فَإِنْ زَادَ اُتُّبِعَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ بَلَدًا تَنْقَضِي الْمُدَّةُ فِي الذَّهَابِ إلَيْهَا كَانَ جَائِزًا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِيحَاشُ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي السَّفَرِ، وَلِهَذَا اكْتَفَى بِمُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ فِي السَّفَرِ قَطْعًا كَمَا هُوَ لَازِمٌ فِي كُلِّ تَغْرِيبٍ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَفَى) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ أَلَمٌ الْخَمْسِينَ الْأُولَى إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِأَمْنِ الدَّرْبِ) وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَهَلْ يُشْرَعُ التَّغْرِيبُ عِنْدَ الْخَوْفِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ قَوْلٌ بِشَرْعِيَّتِهِ، وَفِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ، وَقَضِيَّتُهُ تَصْحِيحُ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ حَتَّى لَا يُغَرَّبَ الرَّجُلُ، وَلَا الْمَرْأَةُ الْمُسْتَصْحِبَةُ لِلزَّوْجِ، أَوْ نَحْوِهِ حِينَئِذٍ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ يُغَرَّبُ، وَحْدَهُ، وَلَوْ أَمْرَدَ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَغَيْرُهُ أَنَّ الْأَمْرَدَ الْحَسَنَ الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ يَحْتَاجُ إلَى مَحْرَمٍ، أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ إلَخْ.) تَغْرِيبُهَا
[حاشية الشربيني]
وَاجِبٌ، وَالْهَلَاكُ حَصَلَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ، وَغَيْرِهِ، وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي الْحَرِّ، أَوْ الْبَرْدِ.
اهـ. س ل
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) تَقَرَّرَ جَوَازُ سَفَرِهَا، وَحْدَهَا مَعَ الْأَمْنِ لِلْحَجِّ الْوَاجِبِ، وَقِيَاسُهُ جَوَازُ تَغْرِيبِهَا، وَحْدَهَا مَعَ الْأَمْنِ سم عَلَى تح (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ إلَخْ.)
هُوَ بَعِيدٌ مَعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْحَجِّ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ قَيَّدَهُ إلَخْ.) مُعْتَمَدٌ م ر وَحَجَرٌ (وَقَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُ مَا قَالَهُ) فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ الْمُرَادُ صُحْبَةُ مَنْ ذُكِرَ لَهَا ذَهَابًا، وَإِيَابًا لَا إقَامَةً قَالَهُ شَيْخُنَا أَيْ: زي، وَنُوزِعَ فِيهِ.
اهـ.
يُذْنِبْ (وَعَلَيْهَا أَجْرُهُ) إذَا لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِهِ كَأَجْرِ الْجَلَّادِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ مُؤَنِ سَفَرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ.
(قُلْتُ) كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا (قِيَاسُ) اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِ، أَوْ نَحْوِهِ عَلَى (قَوْلِ مَنْ لَمْ يُجْبَرْ) مَنْ ذُكِرَ عَلَى خُرُوجِهِ مَعَهَا إذَا امْتَنَعَ مِنْهُ (تَأْخِيرُ تَغْرِيبٍ إلَى التَّيَسُّرِ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ (وَقَدْ رَأَى تَغْرِيبَهَا الرُّويَانِيُّ بِالِاحْتِيَاطَاتِ) أَيْ: مَعَ الِاحْتِيَاطِ فِيهِ (مِنْ السُّلْطَانِ) ، وَإِذَا نَفَى الزَّانِي فَلْيَنْفِ (مَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ: مَسَافَةَ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إيحَاشُهُ بِبُعْدِهِ عَنْ الْأَهْلِ، وَالْوَطَنِ، وَلَا يَتِمُّ بِدُونِهِمَا إذْ الْأَخْبَارُ تَتَوَاصَلُ حِينَئِذٍ (أَيَّ وَجْهٍ) أَيْ: جِهَةٍ (اجْتَهَدْ) أَيْ: شَاءَهَا الْإِمَامُ بِاجْتِهَادِهِ لَا الزَّانِي؛ لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِالزَّجْرِ فَلَوْ زَنَى غَرِيبٌ غُرِّبَ مِنْ أَرْضِ زِنَاهُ تَنْكِيلًا، وَتَبْعِيدًا عَنْ مَحَلِّ الْفَاحِشَةِ فَرُبَّمَا أَلِفَهُ (لَا أَرْضِهِ) أَيْ: يَنْفِيهِ الْإِمَامُ مَرْحَلَتَيْنِ إلَى أَيِّ أَرْضٍ شَاءَ لَا إلَى أَرْضِهِ أَيْ: وَطَنِهِ، وَلَا إلَى أَرْضٍ هِيَ مِنْهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَتَعْبِيرُهُ بِأَرْضِهِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِبَلَدِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا: عَنْ الْبَغَوِيّ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرْسِلَهُ إرْسَالًا، بَلْ يُعَيِّنُ لَهُ مَكَانًا (فَإِنْ يُعَاوِدُهَا) أَيْ: أَرْضَهُ مِمَّا غُرِّبَ إلَيْهِ (يُرَدْ) إلَيْهِ كَمَا يُرَدُّ إلَيْهِ لَوْ عَادَ إلَى أَرْضِ زِنَاهُ، وَتَسْتَأْنِفُ الْمُدَّةَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَفْرِيقُهَا ثَمَّ هَذَا فِي غَرِيبٍ تَوَطَّنَ فَلَوْ لَمْ يَتَوَطَّنْ كَأَنْ هَاجَرَ حَرْبِيٌّ إلَى دَارِنَا، وَلَمْ يَتَوَطَّنْ بَلَدًا قَالَ الْمُتَوَلِّي يَتَوَقَّفُ الْإِمَامُ حَتَّى يَتَوَطَّنَ بَلَدًا، ثُمَّ يُغَرِّبَهُ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَفِيهِمَا لَوْ زَنَى مُسَافِرٌ فِي طَرِيقِهِ غُرِّبَ إلَى غَيْرِ مَقْصِدِهِ (قُلْتُ، فَإِنْ زَادَ) الْإِمَامُ فِي التَّغْرِيبِ (عَلَى) مَسَافَةِ (الْقَصْرِ اُتُّبِعَ، وَمُوهِمٌ إطْلَاقُهُ) أَيْ: الْحَاوِي الْمَرْحَلَتَيْنِ (أَنْ يَمْتَنِعْ) عَلَى الْإِمَامِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ كَانَ ثَمَّ مَحَلٌّ صَالِحٌ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا، وَذَكَرَ الْمَرْحَلَتَيْنِ لِامْتِنَاعِ أَقَلَّ مِنْهُمَا إلَّا لِامْتِنَاعِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا (كَيْفَ) يَمْتَنِعُ (وَقَدْ غَرَّبَ عُثْمَانُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (إلَى مِصْرَ) ، وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الشَّامِ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الْبَصْرَةِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِلَا) أَيْ: الْمُغَرَّبُ فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ، بَلْ يُحْفَظُ بِالْمُرَاقَبَةِ، وَالتَّوْكِيلِ بِهِ (إلَّا لِخَوْفِ عَوْدِهِ) إلَى أَرْضِهِ، أَوْ أَرْضِ زِنَاهُ، فَيَجُوزُ اعْتِقَالُهُ
(وَلَا تُجِبْ) أَنْتَ (طَالِبَ حَمْلِ أَهْلِهِ) ، وَعَشِيرَتِهِ مَعَهُ لِانْتِفَاءِ إيحَاشِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ تَغْرِيبِهِ إلَى بَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ لَكِنْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي فِيهِ بِالْجَوَازِ، وَلَهُ حَمْلُ أَمَةٍ يَتَسَرَّى بِهَا، وَمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ نَفَقَةٍ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمَا يَتَّجِرُ فِيهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي، وَلَوْ خَرَجَ مَعَهُ عَشِيرَتُهُ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَوْ زَنَى ثَانِيًا فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ غُرِّبَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَتَدْخُلُ بَقِيَّةُ مُدَّةِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي لِتَجَانُسِ الْحَدَّيْنِ، وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى، وَطَنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنْ رَجَعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ عُزِّرَ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ حَبْسِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مُدَّةَ الْحَبْسِ مَجْهُولَةٌ لَهُ بِخِلَافِ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ، وَقَوْلُ النَّظْمِ (إنْ لَمْ يُصِبْ) أَيْ: فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ شَرْطٌ لِلْجَلْدِ، وَالنَّفْيِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَفِي نُسْخَةِ شَرْحٍ عَلَيْهَا الشَّارِحُ بَدَلُ هَذَا الْبَيْتِ إلَّا لِخَوْفِ عَوْدِهِ، وَهُوَ لَهُ حَبْسٌ، وَلَا يَحْمِلُ مَعَهُ أَهْلَهُ فَحَذَفَ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا مَرَّ فِي الرَّجْمِ، وَذَكَرَ بَدَلَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ
[حاشية العبادي]
وَحْدَهَا عِنْدَ الْأَمْنِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِجَوَازِ حَجِّهَا حَجَّةَ الْفَرْضِ وَحْدَهَا عِنْدَ الْأَمْنِ، وَقِيَاسُهُ الْجَوَازُ هُنَا دُونَ الْوُجُوبِ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا، وَالْحَجِّ بِأَنَّ امْتِدَادَ أَطْمَاعِ الْفَسَقَةِ إلَى الزَّانِيَةِ أَكْثَرُ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهَا أَجْرُهْ) إلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ، فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَذَا فِي الرَّوْضِ: وَشَرْحِهِ، وَفِيهِمَا أَيْضًا قَبْلَ هَذَا، وَمُؤْنَتُهُ أَيْ: الْمُغَرَّبِ فِي مُدَّةِ تَغْرِيبِهِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، وَعَلَى سَيِّدِهِ إنْ كَانَ رَقِيقًا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى مُؤْنَةِ الْحَضَرِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَّا بِهِ) أَيْ: أَجْرِهِ (قَوْلُهُ: فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ) وَفِي الْكِفَايَةِ فِي الْأَمَةِ إنْ قُلْنَا الْأُجْرَةُ عَلَى الزَّانِي كَانَتْ عَلَى السَّيِّدِ، أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَكَذَلِكَ هُنَا، وَاسْتَبْعَدَ الْأَذْرَعِيُّ كَوْنَهَا عَلَى السَّيِّدِ، وَفِي الْخَادِمِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ السَّيِّدَ إنْ غُرِّبَ، فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ غُرِّبَ الْإِمَامُ، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَقْتَضِيهِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ إنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مُطْلَقًا كَالْحُرَّةِ الْمُعْسِرَةِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ) وَهُوَ الْأَوْجَهُ م ر (قَوْلُهُ: أَيْ: أَرْضِهِ) أَيْ: أَوْ مَا هُوَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: يُرَدُّ إلَيْهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّغْرِيبِ الْبَلَدُ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ رُدَّ إلَى الْغُرْبَةِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْمُهَذَّبِ مَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ، وَأَشَارَ إلَى تَفَرُّدِهِ بِهِ، وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا بِالِاسْتِئْنَافِ لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ الْبَلَدُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ هَاجَرَ حَرْبِيٌّ إلَى دَارِنَا) أَيْ: وَزَنَى بَعْدَمَا أَسْلَمَ، أَوْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، وَإِلَّا، فَالْحَرْبِيُّ لَا حَدَّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ:، وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى الشَّامِ) ، وَأَبُو بَكْرٍ إلَى فَدَكَ (قَوْلُهُ: أَهْلِهِ، وَعَشِيرَتِهِ) هَلْ الْمُرَادُ الْجَمِيعُ، فَيُجَابُ يُحْمَلُ الْبَعْضُ، وَعَلَى هَذَا، فَلَا إشْكَالَ فِي إجَابَتِهِ لِحَمْلِ زَوْجَتِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهَا فِي الْأَهْلِ، وَهَلْ الْمُعْظَمُ كَالْجَمِيعِ فِيهِ نَظَرٌ، فَلْيُرَاجَعْ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ) ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ق ل (قَوْلُهُ: وَقَدَّرَ) أَيْ: تَغْرِيبَهَا إلَخْ.
ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: أَيْ: أَرْضِهِ) مِثْلُهَا أَرْضُ زِنَاهُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ أَرْضِهِ، وَمِثْلُ مُعَاوَدَتِهِمَا مُعَاوَدَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْهُمَا.
اهـ. حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ زَنَى مُسَافِرٌ فِي طَرِيقِهِ إلَخْ.) ، وَلَوْ زَنَى فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ غُرِّبَ لِغَيْرِهِ الْبَعِيدِ عَنْ وَطَنِهِ، وَمَحَلِّ زِنَاهُ، وَدَخَلَ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ.
اهـ. حَجَرٌ (قَوْلُهُ: غُرِّبَ إلَى مَقْصِدِهِ) ؛ لِأَنَّ هَذَا لَهُ، وَطَنٌ فَالْإِيحَاشُ بِتَغْرِيبِهِ إلَى مَقْصِدِهِ حَاصِلٌ بِخِلَافِ مَنْ لَا وَطَنَ لَهُ فَإِنَّ الْأَمَاكِنَ مُسْتَوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَيُوقَفُ التَّغْرِيبُ إلَى تَوَطُّنِهِ (قَوْلُهُ: غُرِّبَ إلَى مَقْصِدِهِ) لَعَلَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ بُعْدُهُ عَنْ مَحَلِّ زِنَاهُ كَوَطَنِهِ لَا عَنْ مَقْصِدِهِ أَيْضًا سم عَلَى حَجَرٍ (قَوْلُهُ: حَمْلِ أَمَةٍ) مِثْلُهَا زَوْجَتُهُ فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْأَهْلِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الزِّنَا.
اهـ. زي، وع ش (قَوْلُهُ: وَمَا يَتَّجِرُ فِيهِ)
إنْ غُرِّبَ إلَيْهِ حُبِسَ لَهُ، فَيَلْزَمُ بِإِقَامَتِهِ بِهِ لِمَا فِي الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ مِنْ النُّزْهَةِ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ تَصْحِيحِ الرُّويَانِيِّ لَكِنَّهُمَا نَقَلَا قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ مُقَابِلُهُ عَنْ قَطْعِ الْمُتَوَلِّي، وَاخْتِيَارِ الْإِمَامِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ
(أَوْ سَيِّدٌ، وَلَوْ مُكَاتَبًا، وَمِنْ ذِي الْفِسْقِ، وَالْأُنْثَى مُدَبَّرًا، وَقِنْ، وَأُمُّ فَرْعٍ) أَيْ: وَيَجْلِدُ، وَيَنْفِي الْإِمَامُ، أَوْ السَّيِّدُ، وَلَوْ مُكَاتَبًا بِفَتْحِ التَّاءِ، أَوْ فَاسِقًا، أَوْ أُنْثَى الْمُدَبَّرِ، وَالْقِنَّ، وَأُمَّ الْوَلَدِ، أَمَّا الْإِمَامُ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا السَّيِّدُ فَلِأَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ لِمِلْكِهِ لَا الْوِلَايَةِ كَالْمُعَالَجَةِ بِالْفَصْدِ، وَالْحِجَامَةِ، وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» بِالْمُثَلَّثَةِ أَيْ: لَا يُوَبِّخُهَا، وَلَا يُعَيِّرُهَا، وَقِيلَ لَا يُبَالِغُ فِي جَلْدِهَا بِحَيْثُ يُدْمِيهَا، وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْ: أَيْمَانُكُمْ» ، وَهَلْ الْأَوْلَى لِلسَّيِّدِ إقَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، أَوْ تَفْوِيضُهُ لِلْإِمَامِ لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجْهَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُرَاعَى خِلَافٌ يُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَحُدُّ رَقِيقَهُ صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ، وَالْمُخْتَصَرِ عَلَى خِلَافِهِ فَقَالَ: وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّبَ عَبْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُدَّهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَى عَبْدٍ نَقَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ، وَقَالَ: وَجَزَمَ بِهِ خَلَائِقُ، وَصَحَّحَهُ كَثِيرُونَ فَعَلَيْهِ لَا يَحُدُّهُ إلَّا الْإِمَامُ، وَالرَّقِيقُ الْمُشْتَرَكُ إذَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ مُلَّاكُهُ وُزِّعَتْ السِّيَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، فَإِنْ حَصَلَ كَسْرٌ فُوِّضَ الْمُنْكَسِرُ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَدَخَلَ فِي الْفَاسِقِ الْكَافِرُ لَكِنَّهُ لَا يُحَدُّ رَقِيقَهُ الْمُسْلِمَ، وَلَيْسَ لِلسَّفِيهِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى رَقِيقِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْإِصْلَاحِ قَالَ الشَّيْخَانِ وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُ السَّيِّدِ جَاهِلًا، وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إصْلَاحٌ، أَوْ وِلَايَةٌ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِقَدْرِ الْحَدِّ، وَكَيْفِيَّتِهِ، وَفِي إقَامَةِ الْأَبِ، وَالْجَدِّ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَلَهُ حَمْلُ أَمَةٍ إلَخْ.) يَنْبَغِي، أَوْ زَوْجَةٍ (قَوْلُهُ: فَيُلْزَمُ بِإِقَامَتِهِ بِهِ) قَالَ فِي الرَّوْضِ:، فَلَوْ انْتَقَلَ بَعْدَهُ أَيْ: التَّغْرِيبِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُمْنَعْ.
اهـ. ثُمَّ قَالَ: وَيُرَاقَبُ الْمُغَرَّبُ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُرَاقَبُ لِئَلَّا يَرْجِعَ إلَى بَلْدَتِهِ، أَوْ إلَى مَا دُونَ الْمَسَافَةِ مِنْهَا لَا لِئَلَّا يَنْتَقِلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُمْنَعْ، وَمَا نَقَلَهُ الْأَصْلُ عَنْ الرُّويَانِيِّ مِنْ تَصْحِيحِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ لِيَكُونَ كَالْحَبْسِ لَهُ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّهُ كَالنُّزْهَةِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ غَيْرُ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ بِلَادُ غُرْبَةٍ، وَبِقَوْلِهِ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، بَلْ فِي غَيْرِ جَانِبِ بَلَدِهِ فَقَطْ عَلَى مَا عُرِفَ، وَكَانَ الْمُصَنِّفُ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْجَمْعُ حَذَفَ كَلَامَ الرُّويَانِيِّ.
اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَقَوْلُهُ، بَلْ فِي غَيْرِ جَانِبِ بَلَدِهِ، أَوْ فِي جَانِبِهَا بِحَيْثُ تَبْقَى مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: لِئَلَّا يَرْجِعَ إلَى بَلْدَتِهِ، أَوْ إلَى دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْهَا، وَلَعَلَّ فِي قَوْلِهِ: عَلَى مَا عُرِفَ إشَارَةً إلَى ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: أَوْ لِسَيِّدٍ، وَلَوْ مُكَاتَبًا) قَالَ فِي الرَّوْضِ:، وَلِلسَّيِّدِ التَّعْزِيرُ أَيْ: لِلَّهِ، أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَإِقَامَةُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَسَائِرِ الْحُدُودِ حَتَّى الْقَطْعِ، وَقَتْلِ الرِّدَّةِ، وَفِي الْقِصَاصِ أَيْ: قَتْلًا، وَقَطْعًا، وَجْهَانِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: كَلَامُ الْأَصْلِ ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْجَوَازِ.
اهـ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَذَفَ سَيِّدَهُ حَدَّهُ، أَوْ عَكْسُهُ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ لِيُعَزِّرَهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَلْ الْأَوْلَى لِلسَّيِّدِ إلَخْ.) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرُ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ إمَامُنَا، أَوْلَى، فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ إلَخْ.) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ وِلَايَةٌ لَا إصْلَاحٌ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُ السَّيِّدِ جَاهِلًا إلَخْ.) فِي الرَّوْضِ:، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ السَّيِّدِ بِأَحْكَامِ الْحَدِّ أَيْ: وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِغَيْرِهَا، فَلَوْ سَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا، أَوْ قَضَى بِمَا شَاهَدَهُ جَازَ.
اهـ. قَالَ فِي شَرْحِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا أَيْ: بِالْبَيِّنَةِ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا، فَلَا يَسْمَعُهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِسَمَاعِهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ، وَالْكَافِرِ، وَالْفَاسِقِ، وَالْمَرْأَةِ سَمَاعُهَا، فَلَا يُحَدُّونَ بِبَيِّنَةٍ، بَلْ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بِمُشَاهَدَةٍ مِنْهُمْ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّرْكَشِيُّ، وَفَرَضَهُ فِي الْفَاسِقِ، وَالْمُكَاتَبُ، وَمِثْلُهُمَا الْبَقِيَّةُ، بَلْ، أَوْلَى.
اهـ. كَلَامُ شَرْحِ الرَّوْضِ: قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْحَدَّ عَلَيْهِ، فَمَلَكَ سَمَاعَ بَيِّنَتِهِ كَالْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنْ لَا فَرْقَ، وَفَارَقُوا الْجَاهِلَ بِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ سَمَاعُهَا، فَلَيْسَ أَهْلًا لَهُ بِوَجْهٍ بِخِلَافِهِمْ.
اهـ.
[حاشية الشربيني]
الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ تَمْكِينِهِ مِنْ مَالٍ زَائِدٍ عَلَى نَفَقَتِهِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ.
اهـ.
م ر (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُمَا نَقَلَا قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ إلَخْ.) عِبَارَتُهُمَا، وَلَوْ عَيَّنَ السُّلْطَانُ جِهَةً لِتَغْرِيبِهِ فَطَلَبَ الزَّانِي جِهَةً غَيْرَهَا فَهَلْ يُجَابُ، أَوْ يَتَعَيَّنُ مَا عَيَّنَهُ الْإِمَامُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، ثُمَّ قَالَا، وَإِذَا غُرِّبَ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ الِانْتِقَالِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ قَالَا فَرْعٌ ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُغَرَّبَ أَنْ يُقِيمَ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ حَتَّى يَكُونَ كَالْحَبْسِ لَهُ.
اهـ. فَلَمْ يَخْتَلِفْ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ فِي تَعْيِينِ الْجِهَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ فِي تَعْيِينِ الْبَلَدِ، وَاعْتَمَدَ ق ل أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ الْجِهَةُ لَا الْبَلَدُ فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى بِقُرْبِهَا، أَوْ أَبْعَدَ مِنْهَا لَكِنْ لَمْ يَرْتَضِهِ م ر، وَكَذَا حَجَرٌ مُعَلِّلًا بِأَنَّ تَجْوِيزَ انْتِقَالِهِ يَجْعَلُهُ كَالْمُتَنَزِّهِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْمَقْصُودِ مِنْ تَغْرِيبِهِ
(قَوْلُهُ: عَلَى سَبِيلِ الْإِصْلَاحِ لَا الْوِلَايَةِ) ، وَلِذَا يَحُدُّ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بِعِلْمِهِ بِخِلَافِ الْقَاضِي.
اهـ.
ق ل أَيْ:؛ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي الْحُدُودِ (قَوْلُهُ: لَا الْوِلَايَةِ) ، فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ رَجُلًا عَدْلًا حُرًّا فَلِذَا حَدَّ الرَّقِيقَ سَيِّدُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُكَاتَبًا، أَوْ فَاسِقًا، أَوْ امْرَأَةً (قَوْلُهُ: صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ، وَالْكَافِرِ فِي عَبْدِهِ الْكَافِرِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالْفَاسِقِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ بِمُوجِبِ الْحَدِّ، وَإِقَامَتَهُ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْحُدُودِ، وَصِفَاتِ الشُّهُودِ إنْ حَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِعِلْمِهِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ مِنْ بَابِ الْإِصْلَاحِ لَا الْوِلَايَةِ.
اهـ. ز ي. اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ وق ل وَحَجَرٌ (قَوْلُهُ: جَاهِلًا) أَيْ: بِغَيْرِ أَحْكَامِ الْحُدُودِ
وَالْوَصِيِّ، وَالْقَيِّمِ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقِ الطِّفْلِ، أَوْ نَحْوِهِ، وَجْهَانِ قَالَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ إنْ جُعِلَ الْحَدُّ إصْلَاحًا حَدُّوهُ، أَوْ وِلَايَةً فَالْخِلَافُ (لَا مُكَاتَبًا) كِتَابَةً صَحِيحَةً (وَلَا مَنْ رَقَّ بَعْضًا) بِنَصْبِهِ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنْ الْفَاعِلِ أَيْ: وَلَا مَنْ رَقَّ بَعْضُهُ، فَلَا يَحُدُّهُمَا السَّيِّدُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِخُرُوجِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى بَعْضِهِ، وَالْحَدُّ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتِهِ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُشْتَرَكِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ ثَمَّةَ بِخِلَافِهِ هُنَا إذْ الْحُرِّيَّةُ أَوْلَى بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْجَرَائِمِ فَكَانَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا أَقْوَى قَالَ الْبُلْقِينِيُّ، وَفِي مَعْنَى الْمُكَاتَبِ، وَالْمُبَعَّضِ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ كُلُّهُ، أَوْ بَعْضُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَعَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمُوصَى بِإِعْتَاقِهِ إذَا زَنَى بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إكْسَابَهُ لَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
اهـ.
، وَلَوْ زَنَى رَقِيقٌ، ثُمَّ عَتَقَ حُدَّ حَدَّ الْأَرِقَّاءِ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْوُجُوبِ، وَلَوْ زَنَى فَبَاعَهُ سَيِّدُهُ فَالْحَدُّ لِمُشْتَرِيهِ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ فَاسْتُرِقَّ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ الْإِمَامُ لَا السَّيِّدُ إذْ لَا رِقَّ يَوْمئِذٍ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخَانِ (نِصْفَ هَذَيْنِ) أَيْ: يَجْلِدُ، وَيَنْفِي الْإِمَامُ، أَوْ السَّيِّدُ الرَّقِيقَ كَمَا ذُكِرَ نِصْفَ الْمِائَةِ، وَالْعَامِ قَالَ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] ، وَقِيسَ بِهِنَّ الْعَبِيدُ (وَلَا) لِمَا مَرَّ، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا هُنَا مِنْ زِيَادَته (بِسَمْعِ حُجَّةِ الزِّنَا) أَيْ: يَجْلِدُ، وَيَنْفِي السَّيِّدُ رَقِيقَهُ مَعَ سَمَاعِهِ الْحُجَّةَ عَلَى زِنَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ فَمَلَكَ سَمَاعَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ كَالْإِمَامِ (لَا إنْ فُقِدْ) مِنْهُ (عِلْمُ) حُكْمِ (الْحُدُودِ، وَصِفَاتِ مَنْ شَهِدْ) ، فَلَا يَسْمَعُهَا حِينَئِذٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِسَمَاعِهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ، وَالْكَافِرِ، وَالْفَاسِقِ، وَالْمَرْأَةِ سَمَاعُهَا، فَلَا يُحَدُّونَ بِحُجَّةٍ، بَلْ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بِمُشَاهَدَةٍ مِنْهُمْ لِزِنًا لِرَقِيقٍ، وَذِكْرُ عِلْمِ صِفَاتِ الشُّهُودِ مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ فَقْدَ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا اقْتَضَاهُ تَعْبِيرُهُ، بَلْ فَقْدُ بَعْضِهِ كَافٍ فَلَوْ قَالَ إنْ عَلِمَ حُكْمَ الْحُدُودِ، وَصِفَاتِ مَنْ شَهِدَ كَانَ، أَوْلَى (فَرْعٌ) قَذَفَ رَقِيقٌ زَوْجَتَهُ الرَّقِيقَةَ هَلْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا السَّيِّدُ كَمَا يُقِيمُ الْحَدَّ، وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا وَ (إمَامُنَا، أَوْلَى) مِنْ السَّيِّدِ (بِهِ) أَيْ: بِالْحَدِّ أَيْ: إقَامَتِهِ إذَا تَنَازَعَاهَا لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ (وَإِنْ حَضَرْ، وَشَاهِدٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: وَحُضُورُ الْإِمَامِ، وَالشَّاهِدِ بِالزِّنَا عِنْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ، أَوْلَى مِنْ غَيْبَتِهِمَا (وَبَدْؤُهُ رَمْيَ الْحَجَرْ) أَيْ: وَبَدْءُ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْإِمَامِ، وَالشَّاهِدِ بِرَمْيِ الْحَجَرِ، أَوْلَى مِنْ بَدْءِ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: فَيَرْمِي الشُّهُودُ أَوَّلًا ثُمَّ الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ، وَإِنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْإِقْرَارِ رَمَى الْإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ، وَشَاهِدُ جِنْسٍ يُصَدَّقُ بِالشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ الْمُرَادِينَ هُنَا، فَإِنْ غَابُوا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَحْضُرَ الْحَدَّ جَمَاعَةٌ، وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ عَدَدُ شُهُودِ الزِّنَا، وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ: تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] .
(بَابُ السَّرِقَةِ)
بِفَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ السِّينِ، وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ أَيْضًا: السَّرِقُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَسَرَقَ مِنْهُ مَا لَا يُسْرَقُ سَرَقًا بِالْفَتْحِ، وَرُبَّمَا قَالُوا سَرِقَةً مَالًا، وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ مَسْرُوقٌ، وَسَرِقَةٌ، وَسَارِقٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا، وَالْأَصْلُ فِي الْقَطْعِ بِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، وَغَيْرُهُ مِمَّا يَأْتِي، وَهِيَ لُغَةً أَخْذُ الْمَالِ خُفْيَةً، وَشَرْعًا أَخْذُهُ خُفْيَةً مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ بِشُرُوطٍ تَأْتِي، فَلَا قَطْعَ عَلَى مُخْتَلِسٍ، وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ الْهَرَبَ، وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ الْقُوَّةَ، وَالْغَلَبَةَ، وَلَا خَائِنٍ كَالْمُودِعِ يَجْحَدُ لِخَبَرِ «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ، وَالْمُنْتَهِبِ، وَالْخَائِنِ قَطْعٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَفَرَّقَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّ آخِذَهُ خُفْيَةً لَا يَتَأَتَّى مَنْعُهُ فَشُرِّعَ الْقَطْعُ زَجْرًا لَهُ، وَهَؤُلَاءِ يَقْصِدُونَهُ عِيَانًا فَيُمْكِنُ مَنْعُهُمْ بِالسُّلْطَانِ، وَغَيْرِهِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَفِي كَوْنِ الْخَائِنِ يَقْصِدُ الْأَخْذَ عِيَانًا، وَقْفَةٌ (سَارِقُ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَالْخِلَافُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ:، وَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ الْإِمَامُ لَا السَّيِّدُ) ، وَحَدُّهُ الرَّجْمُ إذَا كَانَ مُحْصَنًا اعْتِبَارًا بِحَالِ الْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ إذْ لَا رِقَّ إلَخْ.
بِهَذَا فَارَقَ مَسْأَلَةَ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: بَلْ بِإِقْرَارٍ إلَخْ.) وَتَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ بِهَامِشِ الصَّفْحَةِ السَّابِقَةِ (قَوْلُهُ: الرَّقِيقَة) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: الْمَمْلُوكَةِ لِسَيِّدِهِ (قَوْلُهُ: وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ.) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: رَجَّحَ هُوَ أَيْ: صَاحِبُ الرَّوْضِ مِنْهُمَا فِي اللِّعَانِ الْجَوَازَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْلِ ثَمَّ حَيْثُ بَنَى الْخِلَافَ فِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي إقَامَتِهِ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ، وَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ غَابُوا إلَخْ.) قَالَ فِي الرَّوْضِ: وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُهُ أَيْ: الْإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ، وَحُضُورُ جَمْعٍ، وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَصَرَّحَ الْأَصْلُ بِاسْتِحْبَابِ حُضُورِ الشُّهُودِ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ حُضُورِ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ حِينَئِذٍ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ إذَا ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْإِقْرَارِ، أَوْ الْبَيِّنَةِ، وَلَمْ يَحْضُرْ.
اهـ. وَقَوْلُهُ، وَالظَّاهِرُ إلَخْ.
نَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ فِي حُضُورِ الْجَمْعِ مَعَ الشُّهُودِ زِيَادَةَ التَّنْكِيلِ
(بَابُ السَّرِقَةِ)
[حاشية الشربيني]
وَصِفَاتِ الشُّهُودِ (قَوْلُهُ: حَدُّوهُ) أَيْ: بِلَا خِلَافٍ (قَوْلُهُ: فَالْخِلَافُ) أَيْ: الْوَجْهَانِ السَّابِقُ ذِكْرُهُمَا (قَوْلُهُ: السَّيِّدُ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا لِقَوْلِهِ: لَا إنْ فُقِدَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ: التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ، وَفِيهِ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْإِصْلَاحِ مَوْجُودَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ أَهْلِيَّةُ الْوِلَايَةِ.
[بَابُ السَّرِقَةِ]
(بَابُ السَّرِقَةِ) (قَوْلُهُ:، وَأَرْكَانُهَا) أَيْ: السَّرِقَةِ الْمُوجِبَةُ لِلْقَطْعِ فَالْمَعْدُودُ رُكْنَا السَّرِقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَهِيَ مُطْلَقُ الْأَخْذِ خُفْيَةً، وَصَاحِبَةُ الْأَرْكَانِ الْأَخْذُ خُفْيَةً مِنْ حِرْزٍ.
اهـ. تُحْفَةٌ
رُبْعٍ، أَوْ مُسَاوٍ) فِي الْقِيمَةِ (رُبْعَا مِنْ مَحْضِ دِينَارٍ بِضَرْبٍ) أَيْ: مِنْ دِينَارٍ خَالِصٍ مَضْرُوبٍ
(قَطْعَا) بِبَقِيَّةِ الْقُيُودِ الْآتِيَةِ تُقْطَعُ يُمْنَاهُ كَمَا سَيَأْتِي لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» ، وَالدِّينَارُ الْمِثْقَالُ، وَقِيسَ بِالرُّبُعِ مَا يُسَاوِيهِ فِي الْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ دَرَاهِمَ أَمْ لَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ بِدُونِ رُبُعٍ، وَلَا بِرُبُعٍ مَغْشُوشٍ، وَلَا بِرُبُعٍ غَيْرِ مَضْرُوبٍ كَسَبِيكَةٍ، أَوْ حُلِيٍّ لَا يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا كَمَا صَحَّحَهُ فِيهَا الشَّيْخَانِ اعْتِبَارًا بِالْقِيمَةِ، وَلَا بِمَا يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا لَا قَطْعًا مِنْ الْمُقَوَّمَيْنِ، بَلْ ظَنًّا بِأَنْ قَالُوا نَظُنُّ أَنَّهُ يُسَاوِي رُبُعًا كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَأَنَّهُ يُقْطَعُ بِحُلِيِّ ذَهَبٍ كَخَاتَمٍ يُسَاوِي رُبُعًا، وَزِنَتُهُ دُونَ رُبُعٍ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَصَاحِبُ الْحَاوِي فِي عُجَابِهِ، وَاقْتَضَى كَلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ تَرْجِيحَهُ اعْتِبَارًا بِالْقِيمَةِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ السَّبِيكَةِ لَكِنْ صَحَّحَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَدَمَ الْقَطْعِ فِيهِ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ:، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوَزْنِ أَمْ بِالْقِيمَةِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَيْسَ بِغَلَطٍ، بَلْ هُوَ فِقْهٌ مُسْتَقِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْوَزْنَ فِي الذَّهَبِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَضْرُوبًا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ مَضْرُوبٍ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي السَّبِيكَةِ، فَأَمَّا إذَا نَقَصَ الْوَزْنُ، وَلَكِنْ قِيمَتُهُ تُسَاوِي رُبُعَ دِينَارٍ مَضْرُوبٍ فَهَذَا يُضْعِفُ فِيهِ الِاكْتِفَاءَ بِالْقِيمَةِ فَاسْتَقَامَ مَا فِي الرَّوْضَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِيهِ الْبَأْسُ، وَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ.
، وَتَقْيِيدُ النَّظْمِ كَأَصْلِهِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ بِالْمَضْرُوبِ إيضَاحٌ لِفَهْمِهِ مِنْ لَفْظِ الدِّينَارِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَضْرُوبِ لَا يَشْمَلُ السَّبِيكَةَ، وَنَحْوَهَا (لِكُلِّ شَخْصٍ) أَيْ: رُبُعُ دِينَارٍ، أَوْ مُسَاوِيهِ لِكُلِّ شَرِيكٍ فِي السَّرِقَةِ فَلَوْ اشْتَرَكَ فِيهَا اثْنَانِ مَثَلًا، وَلَمْ يَبْلُغْ مَسْرُوقُهُمَا نِصَابَيْنِ، فَلَا قَطْعَ نَعَمْ إنْ تَمَيَّزَ فِعْلُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ قُطِعَ مَنْ مَسْرُوقُهُ نِصَابٌ، وَلَوْ تَعَاوَنَا فِي النَّقْبِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْإِخْرَاجِ قُطِعَ الْمُخْرِجُ فَقَطْ، ثُمَّ، وَصَفَ كُلًّا مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَمُسَاوِيهِ بِقَوْلِهِ: (مِلْكِ غَيْرِهِ لَدَى إخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِهِ) ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ الَّذِي بِيَدِ غَيْرِهِ كَمُسْتَأْجَرٍ، وَمَرْهُونٍ، وَلَا بِسَرِقَتِهِ مَالَ غَيْرِهِ إذَا مَلَكَهُ هُوَ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ إخْرَاجِهِ نَعَمْ إنْ مَلَكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ، فَلَا قَطْعَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى طَلَبِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدْ تَعَذَّرَ، وَلَا بِسَرِقَتِهِ مَالَ غَيْرِهِ إذَا نَقَصَ عَنْ الرُّبُعِ، أَوْ مُسَاوِيهِ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ حِرْزِهِ بِأَكْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَصَ عَنْهُ بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ لَدَيَّ إخْرَاجِهِ قَيْدٌ لِقَدْرِ رُبُعِ دِينَارٍ، وَلِمِلْكِ غَيْرِهِ، بَلْ، وَلِلْقُيُودِ الْآتِيَةِ فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ الْجَمِيعِ، أَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ كَانَ، أَوْلَى
، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمَسْرُوقِ مُحْتَرَمًا لِيَخْرُجَ مَالُ الْحَرْبِيِّ (إنْ فَقَدَا) أَيْ: الْمَسْرُوقُ (حَقًّا لِسَارِقٍ) فِيهِ، فَلَا يُقْطَعُ فَقِيرٌ مُسْلِمٌ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَاتِ، أَوْ الْمَصَالِحِ، وَلَا غَنِيٌّ مُسْلِمٌ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ (بِغَيْرِ شِرْكِهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وَإِسْكَانِ الرَّاءِ مَعَ الْإِضَافَةِ إلَى الضَّمِيرِ، وَبِدُونِهَا بِجَعْلِ التَّاءِ لِلتَّأْنِيثِ أَيْ: وَبِغَيْرِ شَرِكَةٍ لَهُ فِي الْمَسْرُوقِ، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ مَا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ إذْ مَا مِنْ قَدْرٍ يَأْخُذُهُ إلَّا وَلَهُ فِيهِ جُزْءٌ فَكَانَ شُبْهَةً كَوَطْئِهِ الْمُشْتَرَكَةَ، وَيُغْنِي عَنْ هَذَا، أَوْ مَا قَبْلَهُ قَوْلُهُ: (وَ) بِغَيْرِ (شُبْهَةٍ) لَهُ فِيهِ، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ، وَبِالْعَكْسِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَا شُبْهَةَ فِي كَوْنِ الْمَسْرُوقِ مُبَاحَ الْأَصْلِ كَحَطَبٍ، وَحَشِيشٍ، وَصَيْدٍ، وَلَا فِي كَوْنِهِ رَطْبًا مُتَعَرِّضًا لِلْفَسَادِ كَالْفَوَاكِهِ، وَالْبُقُولِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا: وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الطَّعَامِ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ إنْ وُجِدَ، وَلَوْ عَزِيزًا بِثَمَنٍ غَالٍ، وَإِلَّا، فَلَا قَطْعَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا قَطْعَ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ، وَلَا يُقْطَعُ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: قُطِعَا) ضَبَّبَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَوْ مُسَاوٍ (قَوْلُهُ: مَغْشُوشٍ) يَنْبَغِي إذَا سَاوَى الْغِشُّ مَا إذَا انْضَمَّ إلَى الذَّهَبِ بَلَغَ نِصَابًا أَنْ يُقْطَعَ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَسْأَلَةِ السَّبِيكَةِ) كَانَ الْمُرَادُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ، وَإِلَّا، فَلَا قَطْعَ أَيْضًا فِي السَّبِيكَةِ عَلَى طَرِيقِ صَاحِبِ الرَّوْضَةِ (قَوْلُهُ: فَاسْتَقَامَ إلَخْ.) فَقَوْلُهُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْوَزْنِ إلَخْ.
مَعْنَاهُ بِالْوَزْنِ، فَقَطْ، أَوْ بِالْقِيمَةِ أَيْضًا أَيْ:، وَالْأَرْجَحُ الثَّانِي، فَإِذَا انْتَفَى الْقَطْعُ فِيهِمَا، فَلْيُتَأَمَّلْ.
، وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ الْبَحْثُ الَّذِي، أَوْرَدَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ عَلَى الْبُلْقِينِيِّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ مَلَكَهُ) يَشْمَلُ مَا لَوْ مَلَكَهُ بِخَلْطِهِ بِمِلْكِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْغَصْبِ، فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ الْأَبِ إلَخْ.)
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَقْفَةٌ) قَدْ تُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَعْتَمِدُ الْهَرَبَ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ فَكَأَنَّهُ قَاصِدٌ لَهَا غَيْرُ مُبَالٍ بِهَا.
اهـ. كَذَا قِيلَ: وَلَا يَظْهَرُ فِي الْخَائِنِ فِي الْوَدِيعَةِ بِإِنْكَارِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لِتَمَكُّنِ الْمُودِعِ مِنْ الْإِشْهَادِ عَلَيْهَا كَأَنْ أَخَذَ الْوَدِيعَ لَهَا عِيَانًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: تُقْطَعُ يُمْنَاهُ) بَيَانٌ لِلْخَبَرِ الْآتِي فِي الْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: اعْتِبَارًا بِالْقِيمَةِ) أَيْ: مَعَ الْوَزْنِ (قَوْلُهُ: يُسَاوِي رُبْعًا) أَيْ: بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ (قَوْلُهُ: عَدَم الْقَطْعِ فِيهِ) أَيْ: نَظَرًا لِلْوَزْنِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ، وَزْنُهُ رُبُعًا قُطِعَ بِهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ قِيمَةِ الصَّنْعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: فِي الذَّهَبِ) أَخْرَجَ الْفِضَّةَ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا الْقِيمَةُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر الْحَاصِلُ أَنَّ الذَّهَبَ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرَانِ الْوَزْنُ، وَبُلُوغُ قِيمَتِهِ رُبُعَ دِينَارٍ مَضْرُوبٍ، وَغَيْرُهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ فَقَطْ.
اهـ. وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ، وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ التَّحْدِيدُ بِرُبُعِ الدِّينَارِ، وَهُوَ ذَهَبٌ فَمَتَى وُجِدَ الذَّهَبُ تَعَيَّنَ الْوَزْنُ لِإِمْكَانِهِ، وَإِلَّا
بِسَرِقَةِ مَا قَبْلَ هِبَتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ بِخِلَافِ سَرِقَةِ مَا، وَصَّى لَهُ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، أَوْ قَبْلَ الْقَبُولِ (وَدُونَ ظَنِّ مِلْكِهِ وَ) مِلْكِ (الْبَعْضِ، وَالسَّيِّدِ) ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَا ظَنَّهُ مِلْكَهُ، أَوْ مِلْكَ بَعْضِهِ أَيْ: أَصْلِهِ، أَوْ فَرْعِهِ، أَوْ مِلْكِ سَيِّدِهِ لِلشُّبْهَةِ سَوَاءٌ فِي الْأَخِيرَةِ الْقِنُّ، وَغَيْرُهُ حَتَّى الْمُبَعَّضَ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ وَالرَّافِعِيُّ كَالْغَزَالِيِّ أَدْرَجَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِي الشُّبْهَةِ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَلَوْ سَرَقَ السَّيِّدَ مِمَّنْ يَمْلِكُ بَعْضَهُ مَا مَلَكَهُ بِالْحُرِّيَّةِ فَفِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا قَالَ الْقَفَّالُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ مَا مَلَكَهُ بِهَا فِي الْحَقِيقَةِ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَصَارَ شُبْهَةً، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ يُقْطَعُ لِتَمَامِ مِلْكِهِ كَمَالِ الشَّرِيكِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَجَزَمَ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي عُجَابِهِ بِالْأَوَّلِ (أَوْ دَعْوَاهُ، وَلِلشَّرِيكِ) أَيْ: وَدُونَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ مِلْكٌ، وَلِبَعْضِهِ، أَوْ لِسَيِّدِهِ، أَوْ لِشَرِيكِهِ (فِي) الْأَمْرِ (الَّذِي عَانَاهُ) مِنْ السَّرِقَةِ، فَلَا يُقْطَعُ إذَا ادَّعَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِخِلَافِهِ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ فَصَارَ شُبْهَةً، وَيُقْطَعُ الشَّرِيكُ الْمُنْكِرُ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ بِلَا شُبْهَةٍ، وَلَوْ ادَّعَى نَقْضَ الْقِيمَةِ، فَلَا قَطْعَ إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِخِلَافِهِ (أَوْ) دُونَ (اعْتِرَافِهِ) أَيْ: الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُ السَّارِقِ، فَلَا قَطْعَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَلِكَ لِسُقُوطِ الْخُصُومَةِ (وَلَوْ إنْ كَذَبَا) أَيْ: وَلَوْ أَنَّ الْبَعْضَ، أَوْ السَّيِّدَ، أَوْ الشَّرِيكَ فِي تِلْكَ، وَالسَّارِقَ فِي هَذِهِ أَنْكَرَ أَنَّهُ مِلْكُهُمَا (أُحْرِزَ) أَيْ: رُبُعٌ، أَوْ مُسَاوٍ لَهُ مُحْرَزٌ، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَا لَيْسَ مُحْرَزًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ إلَّا فِيمَا آوَاهُ الْمَرَاحُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعْظُمُ بِمُخَاطَرَةِ أَخْذِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَحُكِمَ بِالْقَطْعِ زَجْرًا بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَّأَهُ الْمَالِكُ، وَمَكَّنَهُ بِتَضْيِيعِهِ، وَالْمِجَنُّ التُّرْسُ، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ، وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَحْوَالِ، وَلَمْ يَحُدَّهُ الشَّرْعُ، وَلَا اللُّغَةُ فَرَجَعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَالْإِحْيَاءِ، فَلَا قَطْعَ إلَّا بِسَرِقَةِ مَا أَحْرَزَ فِي مَوْضِعٍ يَسْتَحِقُّ الْمُحْرِزُ نَفْعَهُ، وَلَوْ بِالْعَارِيَّةِ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ غَيْرِهِ
(لَا فِي مَوْضِعٍ قَدْ غُصِبَا) ، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَا فِيهِ سَوَاءٌ سَرَقَهُ مَالِكُ الْحِرْزِ أَمْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حِرْزًا لِغَاصِبِهِ، وَلِمَالِكِهِ دُخُولُهُ (وَلَا) بِسَرِقَتِهِ الْمَالَ (الَّذِي أَحْرَزَ مَعَ مَغْصُوبِهِ) بِحِرْزِ الْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ السَّارِقُ مِنْ مَغْصُوبِهِ شَيْئًا إذْ لَهُ دُخُولُهُ لِأَخْذِ مَالِهِ، أَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَيُقْطَعُ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ مَعَ الْمَغْصُوبِ، وَلَا يُقْطَعُ بِالْمَغْصُوبِ إذْ مَالِكُهُ لَمْ يَرْضَ بِإِحْرَازِهِ بِحِرْزِ غَاصِبِهِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِزٍ، وَلَوْ اشْتَرَى حِرْزًا، وَسَرَقَ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مَالَ الْبَائِعِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى ثَمَنَهُ قُطِعَ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ حَقَّ الْحَبْسِ حِينَئِذٍ، وَإِلَّا، فَلَا، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا لَمْ يُقْطَعْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (بِلَحْظِ) أَيْ: أَحْرَزَ بِلَحْظٍ (أَهْلٍ لِلْمُبَالَاةِ بِهِ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِ السَّارِقِ بِقُوَّةٍ، أَوْ اسْتِغَاثَةٍ بِخِلَافِ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ ضَعِيفٍ مَعَ
[حاشية العبادي]
يُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ هَذَا بِمَا إذَا كَانَتْ نَفَقَةُ السَّارِقِ، وَاجِبَةً كَمَا قَدْ يُرْشِدُ إلَيْهِ نَظِيرُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ الْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا سَيَأْتِي كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ سَرِقَةٍ إلَخْ.) قَدْ يُفَرَّقُ بِتَقْصِيرِ الْمُوصَى لَهُ بِعَدَمِ الْقَبُولِ (قَوْلُهُ: أَوْ قَبْلَ الْقَبُولِ) هَذَا، وَإِنْ، أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ لَكِنْ قَالَ الْكَمَالُ الْمَقْدِسِيَّ إنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَبُولِ بِرّ (قَوْلُهُ: أَوْ مَلَكَ سَيِّدُهُ) أَيْ: بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَى بِأَمَةِ سَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِعَدَمِ شُبْهَةِ الْإِعْفَافِ بِرّ (قَوْلُهُ: أَوْ لِبَعْضِهِ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْبَعْضَ بِرّ (قَوْلُهُ: مِنْ السَّرِقَةِ) بَيَانِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَيُقْطَعُ) الشَّرِيكُ فِي السَّرِقَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ إنْ كَذِبًا) هِيَ أَلِفُ التَّثْنِيَةِ
(قَوْلُهُ: بِلَحْظِ أَهْلٍ لِلْمُبَالَاةِ) اعْتَبَرَ الْبُلْقِينِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمُلَاحِظُ بِحَيْثُ يَرَاهُ السَّارِقُ حَتَّى يَمْتَنِعَ مِنْ
[حاشية الشربيني]
فَقِيمَتُهُ، وَلَفْظُ الْخَبَرِ فِي مُسْلِمٍ «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ سَرِقَةِ إلَخْ.) لِوُجُودِ الْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ دُونَ الْوَصِيَّةِ.
اهـ.
ق ل (قَوْلُهُ:، وَجَزَمَ صَاحِبُ الْحَاوِي إلَخْ.) اعْتَمَدَهُ م ر
(قَوْلُهُ:
بَعْدَ الْغَوْثِ، وَإِنَّمَا يَكْفِي اللَّحْظُ (إنْ دَامَ) ، وَالْمَالُ (فِي الصَّحْرَاءِ، وَفِي الشَّارِعِ، أَوْ سِكَّةٍ سُدَّتْ) مِنْ أَسْفَلِهَا (وَنَحْوِ) أَيْ: أَوْ فِي نَحْوِ (الْجَامِعِ) مِمَّا لَا حَصَانَةَ لَهُ كَمَسْجِدٍ، وَمَدْرَسَةٍ، وَرِبَاطٍ، وَتَعْبِيرُهُ بِنَحْوِ الْجَامِعِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ الْحَاوِي بِالْمَسْجِدِ، وَالتَّعْبِيرُ بِدَوَامِ اللَّحْظِ قَدْ يُفْهِمُ أَنَّ الْفَتَرَاتِ الْعَارِضَةَ لِلَّاحِظِ فِي الْعَادَةِ تَقْدَحُ فِي اللَّحْظِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِيهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ اللَّحْظُ الْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهِ فَلَوْ تَغَفَّلَهُ سَارِقٌ، وَأَخَذَ فِي فَتْرَةٍ مِنْ تِلْكَ الْفَتَرَاتِ قُطِعَ (بِغَيْرِ نَوْمٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ اللَّاحِظِ (أَوْ دَعْوَاهُ) أَيْ: السَّارِقِ نَوْمَ اللَّاحِظِ، فَإِنْ نَامَ اللَّاحِظُ، أَوْ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ السَّارِقُ، أَوْ ادَّعَى إعْرَاضَهُ عَنْ اللَّحْظِ، فَلَا قَطْعَ كَدَعْوَاهُ الْمِلْكَ، وَقَوْلُهُ بِغَيْرِ نَوْمٍ مِنْهُ إيضَاحٌ لِمَعْنَى الدَّوَامِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَلَا بِأَنْ، وَلَّى) أَيْ: اللَّاحِظُ (لَهُ) أَيْ: لِلْمَالِ (قَفَاهُ، وَزَحْمَةٍ تَشْغَلُ) أَيْ: بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، وَبِغَيْرِ زَحْمَةٍ تَشْغَلُهُ عَنْ دَوَامِ اللَّحْظِ كَكَثْرَةِ الطَّارِقِينَ، وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى الدُّكَّانِ، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا قَطْعَ (أَوْ بِالْجَارِي) أَيْ: أَحْرَزَ بِلَحْظٍ دَائِمٍ بِلَا حَصَانَةٍ لِلْمَوْضِعِ كَمَا تَقَرَّرَ، أَوْ بِلَحْظٍ جَارٍ (فِي الْعُرْفِ) أَيْ: مُعْتَادٍ (مَعَ حَصَانَةٍ) لِلْمَوْضِعِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَهُ حَصَانَةٌ (كَدَارِ) مُتَّصِلَةٍ بِالْعُمْرَانِ.
(تُغْلَقُ) أَيْ: مَغْلُوقَةٌ، وَلَا حَافِظَ فِيهَا فَهِيَ حِرْزٌ (فِي النَّهَارِ) زَمَنَ أَمْنٍ اعْتِمَادًا عَلَى لَحْظِ الْجِيرَانِ بِخِلَافِ زَمَنِ الْخَوْفِ، وَاللَّيْلِ، وَلَوْ فِي زَمَنِ الْأَمْنِ (أَوْ) كَدَارٍ مُتَّصِلَةٍ بِمَا قُلْنَا (بِحَافِظِ) أَيْ: مَعَ حَافِظٍ فِيهَا فَهِيَ فِي النَّهَارِ، وَاللَّيْلِ (إلَّا بِفَتْحٍ) لَهَا (مَعَ مَنَامِ اللَّاحِظِ) فِيهَا، فَلَا تَكُونُ حِينَئِذٍ حِرْزًا لِمَا فِيهَا، وَلَوْ نَهَارًا، وَزَمَنَ أَمْنٍ، وَلَا نَظَرَ لِلَحْظِ الْجِيرَانِ لِتَسَاهُلِهِمْ فِيهِ إذَا عَلِمُوا بِأَنَّ الْحَافِظَ فِيهَا نَعَمْ مَا فِيهَا مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ فَهُوَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي، وَأَمَّا أَبْوَابُهَا بِمَا عَلَيْهَا مِنْ غَلْقٍ، وَحِلَقٍ، وَمَسَامِيرَ فَمُحَرَّزَةٌ بِتَرْكِيبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ أَحَدٌ كَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا، وَمِثْلُهَا كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ سُقُوفُ الدَّارِ، وَرُخَامُهَا، وَجُدُرُهَا، وَشَمِلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ إغْلَاقَ بَابِ الدَّارِ مَعَ تَيَقُّظِ الْحَافِظِ، أَوْ نَوْمِهِ، وَفَتْحِهِ مَعَ تَيَقُّظِهِ نَعَمْ إنْ تَغَفَّلَهُ فِي هَذِهِ سَارِقٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا لِتَقْصِيرِهِ فِي اللَّحْظِ مَعَ فَتْحِهَا، فَإِنْ بَالَغَ فِيهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْرَازُ بِالصَّحْرَاءِ فَانْتَهَزَ السَّارِقُ فُرْصَةً قُطِعَ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ، وَيَلْتَحِقُ بِإِغْلَاقِ الْبَابِ مَا لَوْ كَانَ مَرْدُودًا، وَخَلْفَهُ نَائِمٌ بِحَيْثُ لَوْ فُتِحَ لَأَصَابَهُ، وَانْتَبَهَ، وَقَالَ: إنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الضَّبَّةِ، وَالْمِتْرَاسِ قَالَ: وَكَذَا لَوْ كَانَ نَائِمًا أَمَامَ الْبَابِ بِحَيْثُ لَوْ فُتِحَ لَانْتَبَهَ بِصَرِيرِهِ قَالَ: وَفِي الِاسْتِدْرَاكِ لِلدَّارِمِيِّ، فَإِنْ نَامَ عَلَى بَابٍ مَفْتُوحٍ فَهُوَ مُحْرَزٌ إذَا كَانَ لَهُ صَرِيرٌ.
اهـ.
أَمَّا الدَّارُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْ الْعُمْرَانِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا مُبَالٍ بِهِ يَقْظَانُ فَحِرْزٌ مَعَ فَتْحِهَا، وَإِغْلَاقِهَا، أَوْ نَائِمٌ مَعَ فَتْحِهَا، فَلَا، أَوْ مَعَ إغْلَاقِهَا فَالْأَقْرَبُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أَنَّهَا حِرْزٌ، وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَمَنْ تَبِعَهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَهُوَ أَقْوَى، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ فِي الْفَتْوَى الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ، وَالْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ مُقَابِلُهُ
(وَخَيْمَةٍ) أَيْ:، وَكَخَيْمَةٍ فِي الصَّحْرَاءِ (مُرْسَلَةٍ أَذْيَالَا) بِالنَّصْبِ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ أَيْ: مُرْسَلَةٌ أَذْيَالُهَا (مَشْدُودَةِ الْأَطْنَابِ بِالْمُبَالَى) أَيْ: مَعَ وُجُودِ الْحَافِظِ الْمُبَالِي بِهِ فِيهَا، وَلَوْ نَائِمًا فَإِنَّهَا حِرْزٌ لِمَا فِيهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُرْسِلْ بَابَهَا، بَلْ إذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فِيهَا، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ بِمَوْضِعٍ يَحْصُلُ مِنْهُ اللَّحْطُ بِحَيْثُ يَرَاهُ السَّارِقُ، وَيَنْزَجِرُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ تُشَدَّ أَطْنَابُهَا، وَلَمْ تُرْسَلْ أَذْيَالُهَا فَهِيَ وَمَا فِيهَا كَمَتَاعٍ مَوْضُوعٍ بِالصَّحْرَاءِ، وَلَوْ شُدَّتْ أَطْنَابُهَا، وَلَمْ تُرْسَلْ أَذْيَالُهَا لَمْ يُقْطَعْ بِمَا فِيهَا، وَيُقْطَعُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، أَمَّا الْخَيْمَةُ الْمَضْرُوبَةُ بِالْعُمْرَانِ فَكَمَتَاعٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي السُّوقِ، وَلَوْ نَحَّى السَّارِقُ النَّائِمَ فِيهَا، ثُمَّ سَرَقَ، فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا حِينَ سَرَقَ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَيُوَافِقُهُ مَا فِيهِمَا أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ نَامَ عَلَى ثَوْبٍ فَرَفَعَهُ عَنْهُ السَّارِقُ ثُمَّ أَخَذَهُ، فَلَا قَطْعَ، وَاسْتَشْكَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنَّ
[حاشية العبادي]
السَّرِقَةِ بِرّ (قَوْلُهُ: أَيْ: مُعْتَادٍ) أَيْ: كَلَحْظِ الْجِيرَانِ الْآتِي أَوَّلَ الصَّفْحَةِ (قَوْلُهُ: مَعَ حَصَانَتِهِ) مِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَصَانَةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي وَإِنْ بَلَغَتْ النِّهَايَةَ بِرّ (قَوْلُهُ: مَعَ حَافِظٍ فِيهَا) قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي حَافِظٌ خَارِجٌ عَنْهَا لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ الدَّارِمِيِّ الِاكْتِفَاءُ بِالنَّائِمِ عَلَى بَابٍ مَفْتُوحٍ لَهُ صَرِيرٌ، وَعَنْ الْبُلْقِينِيِّ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنَّائِمِ أَمَامَ الْبَابِ إذَا كَانَ يَنْتَبِهُ بِصَرِيرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ أَحَدٌ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَيْلًا، وَزَمَنَ خَوْفٍ، وَقَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ يَنْبَغِي اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ، وَزَمَنِ الْأَمْنِ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ مَا سَيَأْتِي عَنْ الْعِرَاقِيِّ فِي حِرْزِ الْمَاشِيَةِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يُقْطَعْ بِمَا فِيهَا، وَيُقْطَعُ بِهَا) أَيْ: إذَا كَانَ هُنَاكَ حَافِظٌ يَرَاهَا دُونَ مَا فِيهَا، فَإِنْ انْتَفَى الْحَافِظُ مُطْلَقًا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا قَطْعَ مُطْلَقًا، وَإِنْ وُجِدَ حَافِظٌ يَرَاهَا، وَمَا فِيهَا، فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِمَا
[حاشية الشربيني]
فَهُوَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ) يَنْبَغِي نَهَارًا فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: مَعَ تَيَقُّظِ الْحَافِظِ، أَوْ نَوْمِهِ) أَيْ: سَوَاءٌ النَّهَارُ، وَاللَّيْلُ (قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ إغْلَاقِهَا إلَخْ.) مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ الْبَابُ مَرْدُودًا فَقَطْ، وَنَامَ خَلْفَهُ بِحَيْثُ يَنْتَبِهُ بِصَرِيرِهِ، أَوْ مَفْتُوحًا، وَنَامَ فِي فَتْحَتِهِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُحْرِزًا.
اهـ. شَرْحُ م ر عَلَى ج (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ حَجَرٌ ومَرَّ
(قَوْلُهُ: بَلْ إذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ فِيهَا) يُفِيدُ اشْتِرَاطَ كَوْنِ النَّائِمِ فِيهَا لَكِنْ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، أَوْ نَامَ بِقُرْبِهَا.
اهـ. وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ، وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ الْخَيْمَةَ أَهْيَبُ، وَالنُّفُوسُ مِنْهَا أَرْهَبُ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: فَكَمَتَاعٍ
السَّارِقَ إذَا أَزَالَ الْحِرْزَ بِالنَّقْبِ، وَنَحْوِهِ يُقْطَعُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَذَلِكَ زَادَ الْأَذْرَعِيُّ أَلَا تَرَى قَوْلَ ابْنِ الْقَطَّانِ وَلَوْ سَرَقَ جَمَلًا، وَرَاكِبُهُ نَائِمٌ، فَإِنْ أَلْقَاهُ عَنْهُ، وَهُوَ نَائِمٌ، وَأَخَذَ الْجَمَلَ قُطِعَ، وَخَرَجَ بِالْمُبَالَى بِهِ غَيْرُهُ فَلَيْسَتْ حِرْزًا بِهِ (وَكَالْحَوَانِيتِ بِجَارٍ رَامِقِ) أَيْ: مَعَ رَمْقِ الْجَارِ لَهَا فَإِنَّهَا حِرْزٌ بِهِ بِالنَّهَارِ لِمَا فِيهَا نَعَمْ مَا وُضِعَ عَلَى أَطْرَافِهَا، وَقَدْ نَامَ مَالِكُهُ، أَوْ غَابَ إنَّمَا يَكُونُ مُحْرَزًا بِذَلِكَ إنْ ضَمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَرَبَطَهُ بِحَبْلٍ، أَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ شَبَكَةً، أَوْ، وَضَعَ بِوَجْهِ الْحَانُوتِ لَوْحَيْنِ مُخَالِفَيْنِ، أَمَّا بِاللَّيْلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَارِسٍ (وَ) مِثْلُ (عَرْصَةِ الْخَانِ) فَإِنَّهَا حِرْزٌ (لِبَعْضٍ) مِنْ الْمَالِ (لَائِقِ) ، وَضْعُهُ فِيهَا كَالدَّوَابِّ، وَالْأَحْمَالِ الثَّقِيلَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَضْعُهَا فِيهَا كَأَحْمَالِ الْقُطْنِ، وَالتَّقْيِيدُ بِلَائِقٍ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَكُلٌّ مِنْ الدُّورِ، وَالْخَيْمَةِ، وَالْحَوَانِيتِ، وَالْعَرْصَةِ حِرْزٌ (لَا) فِي حَقِّ (الضَّيْفِ) فِي الدَّارِ، وَالْخَيْمَةِ، وَنَحْوِهِمَا لِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَ) لَا فِي حَقِّ (الْجَارِ) فِي الْحَوَانِيتِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ مَا يَسْرِقُهُ مِنْهَا مُحْرَزٌ بِهِ لَا عَنْهُ (وَ) لَا فِي حَقِّ (مَنْ قَدْ سَكَنَا) فِي عَرْصَةِ الْخَانِ قِيَاسًا عَلَى الضَّيْفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ كُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا أَحْرَزَ عَنْهُ كَأَنْ سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ قُطِعَ
، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا لَهُ حَصَانَةٌ أَخَذَ فِي أَمْثِلَةِ مَا يُحْرَزُ فِيهِ فَقَالَ (كَخَيْلِ الْإِصْطَبْلِ) ، وَبِغَالِهِ، وَحَمِيرِهِ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَفِيسَةً مُحْرَزَةٌ بِالْإِصْطَبْلِ لِلْعَادَةِ، وَلَوْ قَالَ كَالْحَاوِي كَدَابَّةِ الْإِصْطَبْلِ كَانَ، أَوْلَى لِتَنَاوُلِهِ الْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، وَإِنْ كَانَا مَفْهُومَيْنِ بِالْأُولَى، وَخَرَجَ بِالدَّابَّةِ الثِّيَابُ، وَالنُّقُودُ، وَنَحْوُهُمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ إخْرَاجَ الدَّابَّةِ مِمَّا يَظْهَرُ، وَيَبْعُدُ الِاجْتِرَاءُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تِلْكَ فَإِنَّهَا مِمَّا يَخْفَى، وَيَسْهُلُ إخْرَاجُهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَغَيْرُهُ آنِيَةُ الْإِصْطَبْلِ كَالسَّطْلِ، وَثِيَابُ الْغُلَامِ، وَآلَاتُ الدَّوَابِّ مِنْ سُرُوجٍ، وَبَرَاذِعَ، وَلُجُمٍ، وَرِحَالِ جِمَالٍ، وَقِرْبَةِ السِّقَاءِ، وَالرَّاوِيَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِوَضْعِهِ فِي إصْطَبْلَاتِ الدَّوَابِّ، وَأَطْلَقَ النَّاظِمُ كَأَصْلِهِ تَبَعًا لِلشَّيْخَيْنِ كَوْنَ الْإِصْطَبْلِ حِرْزًا لِلدَّوَابِّ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ كَبِنَاءِ الْمَاشِيَةِ فِي الْحُكْمِ، وَسَيَأْتِي، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْوَسِيطِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَغَيْرُهُ (وَفِي الصَّحْنِ الْإِنَا) أَيْ: وَكَالْإِنَاءِ فِي صَحْنِ الدَّارِ فَإِنَّهُ مُحْرَزٌ بِهِ.
(كَثَوْبِ بِذْلَةٍ) بِخِلَافِ الْحُلِيِّ، وَالنُّقُودِ، وَالثِّيَابِ النَّفِيسَةِ إذْ الْعَادَةُ فِيهَا الْإِحْرَازُ فِي الْمَخَازِنِ، وَالصَّنَادِيقِ (وَمِثْلُ الْمَاشِيَهْ فِي مُغْلَقٍ مُتَّصِلٍ) بِالْعِمَارَةِ فَإِنَّهَا مُحْرَزَةٌ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَافِظٌ لِلْعَادَةِ، وَقَوْلُهُ (مِنْ أَبْنِيَهْ.
وَنَحْوِهَا) أَيْ: كَمَرَاحٍ مِنْ حَطَبٍ، أَوْ قَصَبٍ، أَوْ حَشِيشٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ بَيَانٌ لِمُغْلَقٍ، وَقَوْلُهُ، وَنَحْوِهَا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالنَّهَارِ، وَلَا بِزَمَنِ الْأَمْنِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ فِي الدَّارِ قَالَ الشَّارِحُ وَقَدْ يُفَرَّقُ بِالتَّسَامُحِ فِي أَمْرِ الْمَاشِيَةِ دُونَ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَبْنِيَةُ مُغْلَقَةً، أَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَّصِلَةً بِالْعِمَارَةِ، وَالْبَابُ مَفْتُوحٌ اُعْتُبِرَ حَافِظٌ مُسْتَيْقِظٌ، أَوْ، وَهُوَ مُغْلَقٌ فَحَافِظٌ، وَلَوْ نَائِمًا، أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي أَبْنِيَةٍ، وَنَحْوِهَا فَإِنْ كَانَتْ تُرْعَى فَمُحْرَزَةٌ بِنَظَرِ الرَّاعِي، فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْضَهَا فَذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَلَوْ نَامَ عَنْهَا، أَوْ تَشَاغَلَ لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ بَعْضَهَا إذَا زَجَرَهَا
فَفِي الْمُهَذَّبِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَسَكَتَ آخَرُونَ عَنْ اعْتِبَارِ بُلُوغِ الصَّوْتِ، وَاكْتَفَوْا بِالنَّظَرِ لِإِمْكَانِ الْعَدْوِ إلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَعَزَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى الْأَكْثَرِينَ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَارِكَةً، وَهِيَ مَعْقُولَةٌ لَمْ يَضُرَّ نَوْمُ الْحَافِظِ، وَاشْتِغَالُهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ فِي الْحَلِّ مَا يُنَبِّهُهُ، وَإِلَّا اُشْتُرِطَ مُلَاحَظَتُهُ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً، وَهِيَ مَقْطُورَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ تُقَادُ فَحُكْمُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكَقِطَارِ الْإِبِلِ) أَيْ: (تِسْعٍ) فَأَقَلُّ (مَعَ الْقَائِدِ) لَهَا فَإِنَّهَا مُحْرَزَةٌ بِهِ (فِي الْبَرِّ الْخَلِيّ) عَنْ الْمَارَّةِ (وَ) فِي (سِكَّةٍ) كَذَلِكَ
(قَدْ اسْتَوَتْ) مَعَ الْتِفَاتِ قَائِدِهَا إلَيْهَا
[حاشية العبادي]
فِيهَا أَيْضًا م ر (قَوْلُهُ: وَأَخَذَ الْجَمَلَ قُطِعَ) الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْقَطْعِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَطَّانِ م ر
(قَوْلُهُ: وَثِيَاب الْغُلَامِ) شَامِلٌ لِلنَّفِيسَةِ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْمَاشِيَةِ) يُمْكِنُ رَفْعُهُ عَطْفًا عَلَى الْكَافِ إنْ جُعِلَتْ اسْمِيَّةً، وَجَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَدْخُولِ الْكَافِ، وَإِنْ لَزِمَ زِيَادَتُهُ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
[حاشية الشربيني]
إلَخْ.) أَيْ: فَهِيَ مُحْرَزَةٌ (قَوْلُهُ: إذَا زَالَ الْحِرْزُ بِالنَّقْبِ) هَذَا هَتْكٌ لِلْحِرْزِ بِخِلَافِ رَفْعِهِ عَنْ الْمَتَاعِ فَإِنَّهُ رَفْعٌ لِلْحِرْزِ لَا هَتْكٌ لَهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ الْفَرْقُ بَيْنَ هَتْكِ الْحِرْزِ، وَرَفْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ.
اهـ. شَرْحُ الْمِنْهَاجِ لمر
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْضَهَا إلَخْ.) قَالَ م ر نَعَمْ طُرُوقُ الْمَارَّةِ لِلْمَرْعَى كَافٍ (قَوْلُهُ: وَاكْتَفَوْا إلَخْ.) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَكَقِطَارِ الْإِبِلِ إلَخْ.) مَا تَقَدَّمَ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَارَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَبْنِيَةٍ، أَوْ صَحْرَاءَ، وَهَذَا فِي السَّائِرَةِ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي عَنْ أَبِي الْفَرَجِ السَّرَخْسِيِّ قَالَ ق ل، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْقِطَارُ، وَلَا عَدَدُهُ إلَّا فِي الْإِبِلِ، وَالْبِغَالِ حَالَةَ كَوْنِهِمَا فِي الْعُمْرَانِ.
.
اهـ. (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ: خَلِيَّة كَمَا يُفِيدُهُ بَعْدَ إلَّا (قَوْلُهُ: أَيْ: تِسْعٌ) إشَارَةً إلَى أَنَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ (قَوْلُهُ: مَعَ الْتِفَاتِ إلَخْ.) ، وَيَكْفِي عَنْ الْتِفَاتِهِ مُرُورُهَا بَيْنَ النَّاسِ فِي نَحْوِ الْأَسْوَاقِ
كُلَّ سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَخْلُ الْبَرِّيَّةُ، أَوْ السِّكَّةُ عَنْ الْمَارَّةِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ السِّكَّةُ مُسْتَوِيَةً فَالْمُحْرَزُ مِنْهَا بِالْقَائِدِ (فَرْدٌ) ، وَهُوَ بَعْضُهَا الَّذِي يَنْظُرُهُ، وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَنْظُرُ إلَيْهِ الْمَارَّةُ مُحْرَزٌ بِنَظَرِهِمْ، فَإِنْ زَادَ الْقِطَارُ عَلَى تِسْعَةٍ فَالزَّائِدُ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَيِّدْ الْقِطَارَ بَعْدُ، وَتَوَسَّطَ السَّرَخْسِيُّ فَقَالَ فِي الْبَرِّيَّةِ: لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ، وَفِي الْعُمْرَانِ يُعْتَبَرُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِيهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ سَبْعَةٍ إلَى عَشَرَةٍ، فَإِنْ زَادَ لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ مُحْرَزَةً قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَعَبَّرَ عَنْهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ بِالْأَصَحِّ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَأَتْبَاعُهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالتِّسْعِ، أَوْ السَّبْعِ لَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ، وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ نَحْوَهُ، ثُمَّ قَالَ: وَسَبَبُ اضْطِرَابِهِمْ فِي الْعَدَدِ اضْطِرَابُ الْعُرْفِ فَالْأَشْبَهُ الرُّجُوعُ فِي كُلِّ مَكَان إلَى عُرْفِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْوَافِي (وَ) الْمُحْرَزُ مِنْ الْمَقْطُورَةِ (بِالرَّاكِبِ مَا تَعَلَّا) هـ أَيْ: رَكِبَهُ، وَفِي نُسْخَةٍ مَا أَقَلَّا أَيْ: مَا حَمَلَ الرَّاكِبُ (وَمَا أَمَامَهُ) إلَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ نَظَرُهُ (وَوَاحِدٌ، وَرَا) ، وَهُوَ الْأَوَّلُ هَذَا إذَا لَمْ يُلَاحِظْ مَا، وَرَاءَهُ فَإِنْ لَاحَظَهُ فَكَالْقَائِدِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَقْطُورَةُ تُسَاقُ فَحُكْمُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا أَمَامَ سَائِقٍ) لَهَا (مَا نَظَرَا) أَيْ: السَّائِقُ إلَيْهِ مُحْرَزٌ بِهِ، وَاعْتِبَارُ النَّظَرِ زَادَهُ النَّاظِمُ، أَمَّا غَيْرُ الْمَقْطُورَةِ بِأَنْ كَانَتْ تُسَاقُ، أَوْ تُقَادُ بِلَا قَطْرٍ فَالْأَصَحُّ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ أَنَّهَا غَيْرُ مُحْرَزَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسِيرُ هَكَذَا غَالِبًا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَبِهِ الْفَتْوَى فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا عَنْ جَمَاعَةٍ، وَنَقَلَا عَنْ غَيْرِهِمْ أَنَّهَا كَالْمَقْطُورَةِ، وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَغَيْرِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ بِسَوْقِ إبِلِهِمْ بِلَا تَقْطِيرٍ.
اهـ.
(وَ) مِثْلُ (الْكَفَنِ الشَّرْعِيِّ) ، وَهُوَ مَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ فَإِنَّهُ مُحْرَزٌ بِالْقَبْرِ لِلْعَادَةِ فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَفِي خَبَرِ الْبَيْهَقِيّ «مَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ» (لَا) إنْ كَانَ (بِقَبْرِ قَدْ ضَاعَ) بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي عِمَارَةٍ، وَلَا عَلَى طَرَفِهَا، وَلَا مُتَّصِلًا بِالْمَقَابِرِ، وَلَا لَهُ حَارِسٌ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ حِينَئِذٍ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ، أَمَّا الزَّائِدُ عَلَى الشَّرْعِيِّ مِنْ كَفَنٍ، وَغَيْرِهِ بِأَنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، أَوْ دُفِنَ مَعَهُ غَيْرُ الْكَفَنِ فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ بِالْقَبْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ بِبَيْتٍ فَإِنَّهُ مُحْرَزٌ بِهِ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ، وَلَوْ غَالَى فِي الْكَفَنِ بِحَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ لَا يُخَلَّى مِثْلُهُ بِلَا حَارِسٍ لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهِ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ النَّبَّاشُ إذَا أَخْرَجَ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ فَلَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ اللَّحْدِ إلَى فَضَاءِ الْقَبْرِ، وَتَرَكَهُ هُنَاكَ، فَلَا قَطْعَ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَيَجُوزُ
[حاشية العبادي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية الشربيني]
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَهُوَ مُفَادُ قَوْلِ الشَّارِحِ، وَمَا عَدَاهُ مِمَّا يَنْظُرُ إلَيْهِ الْمَارَّةُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كُلَّ سَاعَةٍ) بِأَنْ لَا يَطُولَ زَمَنٌ عُرْفًا.
اهـ. م ر (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَرَاهَا) أَيْ: جَمِيعَهَا، وَإِلَّا فَمَا يَرَاهُ خَاصَّةً م ر (قَوْلُهُ: أَوْ السِّكَّةِ) لَعَلَّهُ أَخَذَ تَقْيِيدَهَا بِالْخُلُوِّ مِنْ رُجُوعِ الْقَيْدِ الْمُتَوَسِّطِ لِجَمِيعِ الْمُتَعَاطِفَاتِ (قَوْلُهُ: مُحْرَزَةٌ بِنَظَرِهِمْ) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَارَّةٌ، فَلَا إحْرَازَ (قَوْلُهُ: فَالزَّائِدُ غَيْرُ مُحْرَزٍ) أَيْ: بِمَا قِيلَ فِي إحْرَازِ الْقِطَارِ، بَلْ يَكُونُ كَغَيْرِ الْمَقْطُورِ فَيُشْتَرَطُ فِي إحْرَازِهِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَتْ تَرْعَى إلَخْ.
اهـ. مِنْ م ر (قَوْلُهُ: وَتَوَسَّطَ السَّرَخْسِيُّ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ م ر عَلَى ج (قَوْلُهُ: أَمَّا غَيْرُ الْمَقْطُورَةِ إلَخْ.) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا، وَكَقِطَارِ الْإِبِلِ مَعَ الْقَائِدِ، وَقَوْلُهُ: هُنَا، وَمَا أَمَامَ سَائِقٍ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَقْطُورَةِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ هُنَا بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَتْ الْمَقْطُورَةُ تُسَاقُ (قَوْلُهُ: فَالْأَصَحُّ فِي الْمِنْهَاجِ إلَخْ.) قَصَرَ الْمَحَلِّيُّ الْخِلَافَ عَلَى الْمَسُوقَةِ، وَاعْتَمَدَ ق ل عَلَيْهِ أَنَّهَا مُحْرَزَةٌ بِسَائِقِهَا الْمُنْتَهِي نَظَرُهُ إلَيْهَا أَمَامَ الْمَقْطُورَةِ فَاعْتَمَدَ أَنَّهَا لَا بُدَّ فِي كَوْنِهَا مُحْرَزَةً فِي الْعُمْرَانِ مِنْ الْقِطَارِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا تُقَادُ بِلَا قَطْرٍ أَنْ يَقُودَ أَوَّلَهَا، وَيَتْبَعُهُ بَاقِيهَا، أَوْ يَمْشِي أَمَامَهَا فَتَتْبَعُهُ كَمَا قَالَهُ سم عَلَى التُّحْفَةِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اشْتِرَاطُ الْقَطْرِ فِي كُلٍّ مِنْ السَّوْقِ، وَالْقَوَدِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ م ر الِاكْتِفَاءُ بِالسَّوْقِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَطْرِ
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الْكَفَنِ) نَقَلَ خ ط عَلَى الْمِنْهَاجِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مُحْتَرَمًا، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ كَفَنِ الْحَرْبِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُحْرَزٌ) بِالْقَبْرِ قَالَ خ ط عَنْ الزَّرْكَشِيّ إلَّا إنْ خَرَجَ الْمَيِّتُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَنُ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَالْقِيَاسُ عَلَى مَا لَوْ سَرَقَ الْحُرُّ الْعَاقِلُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ بِهِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَا مُتَّصِلًا بِالْمَقَابِرِ) أَيْ: الَّتِي عَلَى طَرَفِ الْعِمَارَةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ غَيْرِهِ تَدَبَّرْ.
فَالْمَقْبَرَةُ عَلَى طَرَفِ الْعِمَارَةِ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ، وَإِنْ اتَّسَعَتْ جِدًّا قَالَ ع ش إلَّا إذَا كَانَتْ السَّرِقَةُ فِي وَقْتٍ يَبْعُدُ شُعُورُ النَّاسِ فِيهِ بِالسَّارِقِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ.
اهـ. فَرَاجِعْ.
(قَوْلُهُ: فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ) أَيْ: لَيْسَ الزَّائِدُ عَلَى الْخَمْسَةِ، وَمَا دُفِنَ مَعَ الْكَفَنِ بِمُحْرَزٍ، أَمَّا
تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ بَيْتٍ إلَى صَحْنِ الدَّارِ قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَجُمِعَتْ الْحِجَارَةُ حَوْلَهُ فَكَالدَّفْنِ خُصُوصًا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْحَفْرُ قَالَ النَّوَوِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ الْحَفْرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَفْنٍ قَالَ الْبَغَوِيّ، وَلَوْ كَانَ فِي الْبَحْرِ فَطُرِحَ فِي الْمَاءِ لَا يُقْطَعُ سَارِقُ كَفَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ، فَإِنْ غَيَّبَهُ الْمَاءُ فَغَاصَ رَجُلٌ فَأَخَذَهُ لَمْ يُقْطَعْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إلْقَاءَهُ فِي الْمَاءِ لَا يُعَدُّ إحْرَازًا كَمَا لَوْ تَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَغَيَّبَتْهُ الرِّيحُ بِالتُّرَابِ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ (وَالْوَارِثُ خَصْمُ) السَّارِقِ فِي هَذَا (الْأَمْرِ) أَيْ: أَخْذِ الْكَفَنِ إنْ كَفَّنَ الْمَيِّتَ مِنْ مَالِهِ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ (وَالْأَجْنَبِيُّ) هُوَ (الْخَصْمُ) فِيهِ (إنْ يُكَفِّنْ مِنْ مَالِهِ) لِذَلِكَ، وَهُوَ عَارِيَّةٌ لَا رُجُوعَ فِيهَا كَإِعَارَةِ الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ، وَالْخَصْمُ فِيهِ إذَا كَفَّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْإِمَامُ، وَلَوْ أَكَلَ السَّبْعُ الْمَيِّتَ، وَبَقِيَ الْكَفَنُ رُدَّ إلَى مَالِكِهِ (فَرْعٌ) قَالَ الرَّافِعِيُّ لَوْ سُرِقَ الْكَفَنُ، وَضَاعَ كَفَنٌ ثَانِيًا مِنْ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ فَكَمَنْ مَاتَ، وَلَا تَرِكَةَ لَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ كَذَا جَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إذَا كُفِّنَ، وَقُسِمَتْ التَّرِكَةُ، ثُمَّ سُرِقَ لَا يَلْزَمُهُمْ تَكْفِينُهُ ثَانِيًا بَلْ يُسْتَحَبُّ قَالَ، وَهَذَا أَقْوَى
(وَلَوْ) أَخْرَجَ النِّصَابَ (بِنَحْوِ مِحْجَنِ) كَكُلَّابٍ بِطَرَفِ حَبْلٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الْحِرْزَ إذْ النَّظَرُ لِلْإِخْرَاجِ لَا لِكَيْفِيَّتِهِ، وَلَفْظَةُ نَحْوِ زَادَهَا النَّاظِمُ، وَالْمِحْجَنُ عَصًا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ (وَ) لَوْ أَخْرَجَهُ (دَفَعَاتٍ) فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً (لَا إذَا تَخَلَّلَا) بَيْنَهَا (عِلْمٌ مِنْ الْمَالِكِ) بِالْهَتْكِ (ثُمَّ أَهْمَلَا) إعَادَةَ الْحِرْزِ، فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُضَيِّعٌ لِمَالِهِ كَذَا قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَتَبِعَهُمَا النَّاظِمُ بِزِيَادَتِهِ، ثُمَّ أَهْمَلَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقْطَعُ إبْقَاءً لِلْحِرْزِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ عِلْمُ الْمَالِكِ، وَإِنْ اشْتَهَرَ هَتْكُ الْحِرْزِ، أَوْ تَخَلَّلَ، وَأَعَادَ الْحِرْزَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَالْمَأْخُوذُ بَعْدَ الْإِعَادَةِ سَرِقَةٌ أُخْرَى فَكَلَامُ الْحَاوِي أَحْسَنُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ مَعَ عِلْمِ الْمَالِكِ إعَادَتَهُ الْحِرْزَ فَيُوَافِقُ الْأَصَحَّ (كَنَقْبِهِ) الْحِرْزِ (فِي لَيْلَةٍ، وَنَقْلِهِ) الْمَالَ (فِيمَا سِوَاهَا عَنْ مَكَان أَهْلِهِ) فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كَمَا لَوْ نَقَبَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَأَخْرَجَ آخِرَهُ إلَّا إذَا تَخَلَّلَ عِلْمُ الْمَالِكِ بِالنَّقْبِ، وَأَهْمَلَ الْإِعَادَةَ، فَلَا قَطْعَ لَانْتِهَاكِ الْحِرْزِ فَزِيَادَةُ الْإِهْمَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ حَسَنَةٌ، وَإِنَّمَا قُطِعَ فِي نَظِيرِهَا مِنْ تِلْكَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ تَمَّمَ السَّرِقَةَ، وَهُنَا ابْتَدَأَهَا، وَفِي مَعْنَى عِلْمِ الْمَالِكِ بِذَلِكَ فِيهَا ظُهُورُهُ لِلطَّارِقِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ (قُلْتُ) مَحَلُّ الْقَطْعِ فِيهَا (إذَا أَخْرَجَهُ النَّقَّابُ) ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ، وَالثَّانِي أَخَذَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِ الْحَاوِي كَالنَّقْبِ، وَالْإِخْرَاجِ، وَإِلَّا فَتَعْبِيرُ النَّظْمِ بِمَا مَرَّ مُغْنٍ عَنْهَا
(أَوْ قَلَّ) أَيْ: وَكَأَنْ قَلَّ الْمَسْرُوقُ عَنْ نِصَابٍ كَثَوْبٍ لَا يُسَاوِي نِصَابًا (وَالْجَيْبُ بِهِ) أَيْ: فِيهِ (نِصَابُ) أَيْ: تَمَامُهُ، وَجَهِلَهُ السَّارِقُ (أَوْ) كَثُرَ بِأَنْ بَلَغَ نِصَابًا كَدِينَارٍ (ظَنَّهُ فَلْسًا) فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إذْ لَا أَثَرَ لِجَهْلِهِ، وَظَنِّهِ (كَفِي كُنْدُوجِ يُنْقَبُ فَانْصِبْ) مِمَّا فِيهِ مِنْ بُرٍّ، أَوْ غَيْرِهِ نِصَابٌ (عَلَى التَّدْرِيجِ)
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُهُمْ) وَيَنْبَغِي أَنَّ هَذَا إذَا كُفِّنَ أَوَّلًا بِمَا يَجِبُ لَهُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ، فَإِنْ كُفِّنَ بِأَقَلَّ اسْتَحَقَّ مَا بَقِيَ، وَإِنْ قُسِمَتْ التَّرِكَةُ
[حاشية الشربيني]
الْكَفَنُ الشَّرْعِيُّ: وَحْدَهُ فَمُحْرَزٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ وشَرْحُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: قَالَ النَّوَوِيُّ إلَخْ.) اعْتَمَدَهُ م ر (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ وَضْعَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَا يُعَدُّ إحْرَازًا (قَوْلُهُ: لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ) أَيْ: مِلْكِ الْوَارِثِ، وَإِنْ قَدِمَ بِهِ الْمَيِّتُ، وَلِذَا لَا يُقْطَعُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، أَوْ، وَلَدُهُ لَوْ سَرَقَهُ.
اهـ. خَطِيبٌ عَلَى الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَارِيَّةٌ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ إذْ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ، وَفِي م ر أَنَّهُ كَالْعَارِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَكَمَنْ مَاتَ إلَخْ.) فَيُؤْخَذُ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ عَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ ع ش عَلَى م ر (قَوْلِهِ: لَا يَلْزَمُهُمْ، بَلْ يُنْدَبُ) ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ كُفِّنَ أَوَّلًا فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَإِلَّا لَزِمَهُمْ تَكْفِينُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا.
اهـ.
شَرْحُ م ر عَلَى الْمِنْهَاجِ
(قَوْلُهُ: تَمَّمَ السَّرِقَةَ) أَيْ: فَوَقَعَ الْأَخْذُ الثَّانِي تَابِعًا فَلَمْ يَقْطَعْهُ عَنْ مَتْبُوعِهِ إلَّا قَاطِعٌ قَوِيٌّ، وَهُوَ الْعِلْمُ، وَالْإِعَادَةُ السَّابِقَانِ دُونَ أَحَدِهِمَا، وَدُونَ مُجَرَّدِ الظُّهُورِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَكِّدُ الْهَتْكَ الْوَاقِعَ، فَلَا يَصْلُحُ قَاطِعًا لَهُ، وَهُنَا مُبْتَدِي سَرِقَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَمْ يَسْبِقْهَا هَتْكُ الْحِرْزِ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ لَكِنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى فِعْلِهِ الْمُرَكَّبِ مِنْ جُزْأَيْنِ مَقْصُودَيْنِ لَا تَبَعِيَّةَ بَيْنَهُمَا نَقْبٌ سَابِقٌ، وَإِخْرَاجٌ لَاحِقٌ، وَإِنَّمَا يَتَرَكَّبُ مِنْهُمَا إنْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا، وَإِنْ ضَعُفَ فَكَفَى تَخَلُّلُ عِلْمِ الْمَالِكِ، أَوْ الْإِعَادَةُ بِالْأُولَى، أَوْ الظُّهُورُ.
اهـ. شَرْحُ م ر عَلَى الْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِلتُّحْفَةِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ تَمَّمَ السَّرِقَةَ إلَخْ.) هَذَا فَرْقٌ صُورِيٌّ لَوْلَا مَا انْطَوَى عَلَيْهِ مِمَّا قَرَّرْته.
اهـ. تُحْفَةٌ (قَوْلُهُ: فَتَعْبِيرُ النَّظْمِ إلَخْ.) بِنَاءً عَلَى أَنَّ ضَمِيرَ
فَإِنَّهُ يُقْطَعُ نَاقِبُهُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ بِيَدِهِ دَفَعَاتٍ فَإِنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا وَاحِدًا فِي الْعُرْفِ، وَالْكُنْدُوجُ بِكَافٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ، ثُمَّ، وَاوٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ جِيمٍ لَفْظٌ عَجَمِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ وِعَاءُ النَّحْلِ، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْخَلِيَّةَ قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ الْجَارْبُرْدِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الْعَجَمِ كَنْدُو بِفَتْحِ الْكَافِ بِلَا جِيمٍ، وَلَا يُعْرَفُ فِي لُغَتِهِمْ كُنْدُوجٍ مَعَ نشونا عِنْدَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكُنْدُوجَ مُعَرَّبُ كندو.
اهـ.
(وَ) كَإِخْرَاجِ (بَذْرِ أَرْضٍ أُحْرِزَتْ) أَيْ: مُحْرَزَةٍ كَأَنْ تَكُونَ بِجَنْبِ الْمَزَارِعِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ، وَلَا يُقَالُ: مَوْضِعُ كُلِّ حَبَّةٍ حِرْزٌ خَاصٌّ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ النِّصَابَ مِنْ حِرْزَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُعَدُّ بُقْعَةً وَاحِدَةً، وَالْبَذْرُ فِيهَا كَأَمْتِعَةٍ فِي أَطْرَافِ الْبَيْتِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ غَيْرَ مُحْرَزَةٍ، فَلَا قَطْعَ (وَ) كَإِخْرَاجِ (وَقْفِ) أَيْ: مَوْقُوفٍ فَيُقْطَعُ بِهِ كَمَا فِي أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلسَّارِقِ شُبْهَةٌ فِيهِ كَمَا مَرَّ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَصْلًا، أَوْ فَرْعًا، أَوْ عَبْدًا لِأَحَدِهِمْ (وَأُمَّ فَرْعٍ) مُتَّصِفَةً بِمَا زَادَهُ بِقَوْلِهِ: (عَتِهَتْ، أَوْ تُغْفِي) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مِنْ أَغْفَى إذَا نَامَ أَيْ:، وَكَإِخْرَاجِ أُمِّ، وَلَدٍ مَجْنُونَةٍ، أَوْ نَائِمَةً، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا، أَوْ سَكْرَانَةَ، أَوْ مُكْرَهَةٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ كَالْقِنَّةِ بِخِلَافِ الْعَاقِلَةِ الْمُسْتَيْقِظَةِ الْمُخْتَارَةِ لِقُدْرَتِهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْعَبْدِ، وَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مُكَاتَبَةٍ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِ نَفْسِهَا كَالْحُرَّةِ، وَكَذَا الْمُبَعَّضَةُ
(وَ) كَإِخْرَاجِ (الزَّوْجِ) الذَّكَرِ، أَوْ الْأُنْثَى مَالِ الْآخَرِ الْمُحْرَزَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي دَرْءِ الْحَدِّ كَالْإِجَارَةِ، وَتُفَارِقُ الزَّوْجَةُ الْعَبْدَ حَيْثُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ سَيِّدِهِ بِأَنَّ مُؤْنَتَهَا عَلَى الزَّوْجِ عِوَضٌ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مُؤْنَةِ الْعَبْدِ
(وَالْمَسْجِدِ) أَيْ:، وَكَإِخْرَاجِ مَا لِلْمَسْجِدِ كَبَابٍ، وَجِذْعٍ فَيُقْطَعُ بِهِ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ (قُلْتُ أَيْ: مَنْ يَسْتَثْنِ) كَالشَّيْخَيْنِ مِنْ ذَلِكَ قِنْدِيلًا (مُسْرَجًا، وَفُرُشًا) لَهُ بِضَمِّ الْفَاءِ، وَنَحْوِهِمَا (فَحَسَنْ) ، فَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ الْمُسْلِمُ بِإِخْرَاجِهَا؛ لِأَنَّهَا أُعِدَّتْ لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِ بِهَا بِالْإِضَاءَةِ، وَالِافْتِرَاشِ، وَغَيْرِهِمَا بِخِلَافِ بَابِهِ، وَجِذْعِهِ، وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا لِتَحْصِينِهِ، وَعِمَارَتِهِ، وَخَرَجَ بِالْمُسْرَجِ قِنْدِيلُ الزِّينَةِ فَيُقْطَعُ بِإِخْرَاجِهِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَيُقْطَعُ بِالْكُلِّ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ
(وَالرَّمْيُ مِنْ مُغْلَقِ بَيْتٍ سَلَكَهْ لِصَحْنِ دَارٍ فُتِحَتْ) أَيْ:، وَكَرَمْيِ السَّارِقِ الْمَسْرُوقَ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ إلَى صَحْنِ الدَّارِ الْمَفْتُوحَةِ (وَتَرَكَهْ) فِيهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ إلَى مَحَلِّ الضَّيَاعِ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مَفْتُوحًا، وَالدَّارُ مُغْلَقَةً، أَوْ كَانَا مَفْتُوحَيْنِ، أَوْ مُغْلَقَيْنِ، فَلَا قَطْعَ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَكَمَا لَوْ نَقَلَهُ مِنْ زَاوِيَةٍ إلَى أُخْرَى مِنْ الْحِرْزِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِعَدَمِ الْإِحْرَازِ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ تَمَامِ حِرْزِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ الصُّنْدُوقِ إلَى الْبَيْتِ، وَمَا فَتَحَهُ السَّارِقُ كَالْمُغْلَقِ فِي حَقِّهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَقْطَعَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ الْمَالَ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَلَوْ كَانَ الَّذِي فَتَحَ الدَّارَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ هُوَ السَّارِقُ، فَلَا قَطْعَ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْإِمَامِ، وَأَقَرَّاهُ، وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ سَلَكَهُ أَيْ: دَخَلَهُ السَّارِقُ تَكْمِلَةً، بَلْ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ إذْ دُخُولُهُ الْبَيْتَ لَيْسَ شَرْطًا (وَ) كَأَنْ (ابْتَلَعَ الدُّرَّ) مَثَلًا فِي الْحِرْزِ (وَمِنْهُ ظَهَرَا) أَيْ: وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ الدُّرُّ خَارِجَ الْحِرْزِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ لِبَقَائِهِ بِحَالِهِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ فِي فِيهِ، أَوْ فِي وِعَاءٍ، أَمَّا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ جَوْفِهِ، فَلَا قَطْعَ لِلِاسْتِهْلَاكِ كَمَا لَوْ أَكَلَ الْمَسْرُوقَ، وَكَذَا لَوْ خَرَجَ لَكِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ حَالَ الْخُرُوجِ عَنْ رُبُعِ دِينَارِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْبَارِزِيُّ
(وَ) كَأَنْ (وَضَعَ الْمَالَ عَلَى مَاءٍ جَرَى) بِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِتَحْرِيكِ السَّارِقِ لَهُ (أَوْ) عَلَى (حَيَوَانٍ سَائِرٍ، أَوْ) ، وَاقِفٍ وَ (هُوَ) أَيْ: السَّارِقُ (قَدْ سَاقَ) الْحَيَوَانَ (فَأَخْرَجَاهُ) أَيْ: فَأَخْرَجَ الْمَاءَ، وَالْحَيَوَانَ الْمَسْرُوقَ مِنْ حِرْزِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ بِزِيَادَةِ الْمَاءِ بِانْفِجَارٍ، أَوْ مَجِيءِ سَيْلٍ، أَوْ سَارَ الْحَيَوَانُ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا فِي السَّيْرِ، وَالْوُقُوفِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقَطْعِ فَلَوْ حَرَّكَ الْمَاءَ غَيْرُ الْوَاضِعِ فَالْقَطْعُ عَلَى
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَمَا، فَتَحَهُ السَّارِقُ كَالْمُغْلَقِ فِي حَقِّهِ) أَيْ: فَلَا قَطْعَ حِينَئِذٍ كَمَا يَأْتِي آنِفًا (قَوْلُهُ: حَالَ الْخُرُوجِ) الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ حَالَ خُرُوجِهِ مِنْ جَوْفِهِ لَا حَالَ خُرُوجِهِ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَلَعَلَّ، وَجْهَهُ أَنَّهُ مَا دَامَ فِي الْجَوْفِ كَالْمَعْدُومِ، فَلَا اعْتِبَارَ حِينَئِذٍ بِقِيمَتِهِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
[حاشية الشربيني]
نَقَلَهُ لِلنَّقَّابِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَإِنْ رَجَعَ إلَى مَعْلُومٍ مِنْ الْمَقَامِ، وَهُوَ الْمَسْرُوقُ، فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمُبَعَّضَةُ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ، وَاتَّفَقَ ذَلِكَ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ لِأَنَّهَا الْآنَ لَا يَدَ لَهَا ع ش
(قَوْلُهُ: وَالدَّارُ مُغْلَقَةً) أَيْ: وَتَسَوَّرَ الْجِدَارَ، وَدَخَلَ فِي هَذِهِ، وَفِيمَا إذَا كَانَا مُغْلَقَيْنِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ إلَخْ.) شَرْحُ م ر أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزٍ، وَلَوْ إلَى حِرْزٍ آخَرَ قُطِعَ، وَهُنَا كَذَلِكَ قَالَ سم ذَاكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحِرْزُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ دَاخِلًا فِي الْحِرْزِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ أَحَدِ الْحِرْزَيْنِ مَعَ الْآخَرِ يَجْعَلُهُمَا كَالْحِرْزِ الْوَاحِدِ.
اهـ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِيهِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ إلَى الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ غَيْرُ حِرْزٍ (قَوْلُهُ: فَلَا قَطْعَ) ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ
الْمُحَرِّكِ نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ مُعْتَقِدًا وُجُوبَ طَاعَةِ آمِرِهِ، وَقَدْ أَمَرَهُ الْوَاضِعُ بِذَلِكَ فَالْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ كَنَظِيرِهِ فِيمَا لَوْ ثَقَبَ الْحِرْزَ، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ بِإِخْرَاجِ مَا فِيهِ فَأَخْرَجَهُ، وَلَوْ، وَضَعَ الْمَالَ فِي النَّقْبِ حَالَةَ هُبُوبِ الرِّيحِ فَخَرَجَ بِهَا قُطِعَ، وَإِنْ هَبَّتْ بَعْدَ، وَضْعِهِ فَأَخْرَجَتْهُ، فَلَا قَطْعَ كَمَا فِي زِيَادَةِ الْمَاءِ
(أَوْ عَبْدٍ) أَيْ: أَوْ كَعَبْدٍ (رَقَدْ عَلَى بَعِيرٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْتِعَةٌ تَبْلُغ نِصَابًا (فَالزِّمَامَ قَطَعَهْ) أَيْ: فَقَطَعَ السَّارِقُ زِمَامَ الْبَعِيرِ (عَنْ قَفْلِهِ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَإِسْكَانِ الْفَاءِ أَيْ: قَافِلَتِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (جَاعِلَهُ فِي مَضْيَعَهْ) فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ بِمَا عَلَيْهِ مَسْرُوقٌ، وَخَرَجَ بِالْعَبْدِ الْحُرُّ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ بِمَا عَلَيْهِ فِي يَدِ الْحُرِّ، وَمِثْلُهُ الْمُكَاتَبُ، وَالْمُبَعَّضُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَخَرَجَ بِجَعْلِهِ بِمَضْيَعَةٍ الْمَزِيدُ عَلَى الْحَاوِي مَا لَوْ جَعَلَهُ بِقَافِلَةٍ أُخْرَى، أَوْ بَلَدٍ، أَوْ نَحْوِهَا، وَقَوْلُهُ جَاعِلَهُ حَالُ مُنْتَظِرَة إذْ الْمَعْنَى قَطَعَ زِمَامَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُ بِمَضْيَعَةٍ.
(كَحَمْلِ) عَبْدٍ (طِفْلٍ) بِأَنْ حَمَلَهُ السَّارِقُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، وَلَوْ مِنْ حَرِيمِ دَارِ السَّيِّدِ فَيُقْطَعُ بِهِ (لَا) حَمْلِ عَبْدٍ (قَوِيِّ الْجَلَدِ) بِفَتْحِ اللَّامِ (وَلَوْ بِنَوْمٍ) أَيْ: وَلَوْ مَعَ نَوْمِهِ، فَلَا يُقْطَعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ بِقُوَّتِهِ، وَهِيَ مَعَهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَخْتَصُّ بِحَمْلِ الطِّفْلِ، بَلْ يُجْزِئُ فِي حَمْلِ كُلِّ مَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ كَأَنْ كَانَ مَجْنُونًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ سَكْرَانَ، أَوْ مَرْبُوطًا، وَمَا ذَكَرَهُ فِي النَّائِمِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ جَرَى عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي، وَجِيزِهِ، وَالْمَنْقُولُ الْقَطْعُ بِحَمْلِهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٌ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيِّ وَالشَّاشِيُّ وَالْعِمْرَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَقَوْلُهُ (مِنْ حَرِيمِ السَّيِّدِ) صِلَةُ حَمْلٍ (لَا إنْ دَعَا عَبْدًا بِخَدْعٍ رَوَّجَهْ مُمَيِّزًا) أَيْ: لَا إنْ دَعَا عَبْدًا مُمَيِّزًا بِخِدَاعٍ رَوَّجَهْ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ حَرِيمِ دَارِ سَيِّدِهِ، فَلَا يُقْطَعُ فَإِنَّهُ خِيَانَةٌ لَا سَرِقَةٌ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ وَجَبَ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ كَالْبَهِيمَةِ تُسَاقُ (أَوْ دُونَ طَوْعٍ) أَيْ: كَرْهًا (أَخْرَجَهْ) أَيْ: الْعَبْدَ الْمُمَيِّزَ، فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِفِعْلِهِ، وَهَذَا، وَجْهٌ تَبِعَ فِيهِ الْحَاوِي تَصْحِيحَ الرَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ نُسَخِهِ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي أَكْثَرِهَا، وَالْأَوْلَى فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَالْأَصَحُّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وُجُوبُ الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي هِيَ الْحِرْزُ قَدْ زَالَتْ بِالْقَهْرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّاظِمُ (قُلْتُ الْأَصَحُّ الْقَطْعُ حَيْثُ أَكْرَهَهْ بِالسَّيْفِ كَيْ يَخْرُجَ) فَخَرَجَ (أَوْ مَا أَشْبَهَهْ) أَيْ: السَّيْفَ، وَهَذَا آخِرُ زِيَادَتِهِ
(أَوْ نَقَلَ الشَّيْءَ) أَيْ: الْمَالَ مِنْ زَاوِيَةِ الْحِرْزِ (إلَى زَاوِيَتِهْ) الْأُخْرَى (أَوْ نَقَلَ الْحُرَّ، وَلَوْ بِكِسْوَتِهْ) الَّتِي تَبْلُغُ نِصَابًا فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيهِمَا، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْحُرَّ لَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ، وَلَا يَضْمَنُ بِالْيَدِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ ثِيَابٍ، وَغَيْرِهَا فَهُوَ فِي يَدِهِ، وَمُحْرَزٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا نَائِمًا، أَوْ مُسْتَيْقِظًا (وَ) لَا إنْ (أَخْرَجَ الْغَصْبَ) أَيْ: الْمَغْصُوبَ، فَلَا يُقْطَعُ لِمَا مَرَّ أَوَائِلَ الْبَابِ سَوَاءٌ غَصَبَ مِنْهُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ (وَمِنْ مِنْدِيلِ) أَيْ: وَلَا إنْ أَخْرَجَ (بَعْضًا) مِنْ مِنْدِيلٍ (وَخَلَّاهُ سِوَى) أَيْ: غَيْرَ (مَفْصُولِ) مِنْ الْحِرْزِ، فَلَا يُقْطَعُ، وَإِنْ بَلَغَ الْبَعْضُ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَتِمَّ إخْرَاجُهُ (وَ) لَا إنْ أَخْرَجَ (جَائِزَ الْكَسْرِ) كَصَنَمٍ، وَآنِيَةٍ مُحَرَّمَةٍ (بِقَصْدِ الْكَسْرِ) لَهُ (أَوْ) بِقَصْدِ سَرِقَتِهِ لَكِنْ (الرُّضَاضُ قَلَّ) أَيْ: لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا، فَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ مَا أَخْرَجَهُ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا، وَفِي الْأُولَى غَيْرُ مُحْرَزٍ شَرْعًا إذْ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَ كَسْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَانَهُ لِيَكْسِرَهُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ كَسْرِهِ، وَأَخْرَجَهُ بِقَصْدِ سَرِقَتِهِ لَا يُقْطَعُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ بَلَغَ رُضَاضَةً فِي الثَّانِيَةِ نِصَابًا قُطِعَ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ، وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا عَنْ تَصْحِيحِ الْأَكْثَرِينَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ بِلَا شُبْهَةٍ، وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ عَدَمَ الْقَطْعِ
(أَوْ) أَخْرَجَ (ذُو الْفَقْرِ) أَيْ: الْفَقِيرُ الْمُسْلِمُ نِصَابًا (مِنْ بَيْتِ مَالِ) لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ، فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا نَعَمْ إنْ أُفْرِزَ الْمَسْرُوقُ لِطَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَذَوِي الْقُرْبَى، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَيْسَ السَّارِقُ مِنْهُمْ، وَلَا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ قُطِعَ (وَ) لَا إنْ أَخْرَجَ (امْرُؤٌ) مُسْلِمٌ (ذُو مَالٍ) أَيْ: غَنِيٌّ نِصَابًا (أَيْ:
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَالْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَصْوِيرِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِمَا إذَا أُمِرَ
(قَوْلُهُ: أَوْ نَائِمًا إلَخْ.) قَدْ يَسْتَشْكِلُ قَوْلُهُ: أَوْ نَائِمًا بِأَنَّ صَنِيعَهُ يُشْعِرُ بِأَنَّ النَّوْمَ سَبَبٌ لِعَدَمِ الْقُوَّةِ كَالْجُنُونِ وَغَيْرِهِ مِمَّا مَثَّلَ بِهِ، وَذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ بِنَوْمٍ (قَوْلُهُ: وَالْمَنْقُولُ الْقَطْعُ) لَعَلَّ هَذَا، أَوْفَقَ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ، أَوْ عَنْهُ رَقَدَا إلَخْ.، فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: قُلْتُ الْأَصَحُّ الْقَطْعُ حَيْثُ أَكْرَهَهُ إلَخْ.) قَدْ يَسْتَشْكِلُ الْقَطْعُ هُنَا عَلَى عَدَمِهِ فِي قَوْلِهِ: السَّابِقِ لِأَقْوَى الْجَلْدِ أَيْ: لَا حَمْلَ عَبْدٍ قَوِيٍّ الْجَلْدَ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ حَمْلِهِ وَإِخْرَاجِهِ، وَبَيْنَ إكْرَاهِهِ بِنَحْوِ السَّيْفِ عَلَى الْإِخْرَاجِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى غَيْرِ
[حاشية الشربيني]
نَقَلَ إلَى الصَّحْنِ، وَبَابُ الدَّارِ مُغْلَقٌ.
اهـ. رَوْضَةٌ
(قَوْلُهُ: وَالْمُبَعَّضُ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ نَوْبَةَ السَّيِّدِ لَا تُخْرِجُ بَعْضَهُ عَنْ الْحُرِّيَّةِ (قَوْلُهُ: بِقَافِلَةٍ أُخْرَى) أَيْ: مُتَّصِلَةٍ بِالْأُولَى بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَضْيَعَةٌ.
اهـ.
حَجَرٌ وم ر (قَوْلُهُ: لَا حَمْلِ عَبْدٍ إلَخْ.) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر عَلَى الْمِنْهَاجِ فَإِنْ حَمَلَ عَبْدًا مُمَيِّزًا قَوِيًّا عَلَى الِامْتِنَاعِ نَائِمًا، أَوْ سَكْرَانَ فَفِي الْقَطْعِ نُرَدِّدُ الْأَصَحَّ مِنْهُ نَعَمْ.
اهـ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْمَنْقُولُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: قُطِعَ) أَيْ: إنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَفْرَزَ، وَإِلَّا، فَلَا لِلشُّبْهَةِ.
اهـ. تُحْفَةٌ (قَوْلُهُ: ذُو مَالٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ الْفَقِيرُ أَوْلَى مِنْهُ، وَقَدْ
مِنْ) مَالٍ (مَصَالِحٍ) ، فَلَا يُقْطَعُ فَقَدْ يُصْرَفُ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَالرُّبُطِ، فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْغَنِيُّ، وَالْفَقِيرُ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ سَهْمِ الصَّدَقَاتِ قُطِعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ كَالْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغَازِي، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَيُقْطَعُ بِالْجَمِيعِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِنْفَاقِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِلضَّرُورَةِ، وَبِشَرْطِ الضَّمَانِ كَمَا يُنْفِقُ عَلَى الْمُضْطَرِّ مِنْهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَانْتِفَاعِهِ بِالْقَنَاطِرِ، وَالرِّبَاطَاتِ لِلتَّبَعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَاطِنٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقٍّ فِيهَا
(وَذِي مِطَالِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ بِمَعْنَى مَطْلٍ (وَجَاحِدٍ) أَيْ: وَلَا إنْ أَخْرَجَ رَبُّ الدَّيْنِ مَالَ مُمَاطِلٍ لَهُ بِدَيْنِهِ، أَوْ جَاحِدٍ لَهُ (لِأَجْلِ أَخْذِ الْحَقِّ لَهُ) ، فَلَا يُقْطَعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، أَوْ زَائِدًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْأَخْذِ شَرْعًا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَهُ لَا لِأَجْلِ ذَلِكَ
(أَوْ فِيهِ) أَيْ: الْحِرْزِ (قَدْ أَتْلَفَهُ) أَيْ: الْمَسْرُوقُ بِإِحْرَاقٍ، أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ أَكَلَهْ) ، فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ، وَاسْتِهْلَاكٌ لَا سَرِقَةٌ، وَلَا حَاجَةٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ أَكَلَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ يُغْنِي عَنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ تَطَيَّبَ فِيهِ بِالطِّيبِ، فَلَا يُقْطَعُ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْمَعَ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يُعَدُّ اسْتِهْلَاكًا كَالطَّعَامِ.
(تُقْطَعُ يُمْنَاهُ) أَيْ: سَارِقُ مَا مَرَّ بِصِفَاتِهِ السَّابِقَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ مُلْتَزِمًا لِلْأَحْكَامِ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] ، وَقُرِئَ شَاذًّا فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا كَمَا مَرَّ (مِنْ الْكُوعِ) «لِلْأَمْرِ بِهِ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ فِعْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْبَطْشَ بِالْكَفِّ، وَمَا زَادَ مِنْ الذِّرَاعِ تَابِعٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي الْكَفِّ دِيَةُ الْيَدِ، وَفِيمَا زَادَ حُكُومَةٌ، وَتُمَدُّ الْيَدُ مَدًّا عَنِيفًا لِتَنْخَلِعَ ثُمَّ تُقْطَعُ بِحَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ، وَيُضْبَطُ جَالِسًا حَتَّى لَا يَتَحَرَّكَ (وَلَوْ) كَانَ الْعُضْوُ (زَائِدَ أُصْبُعٍ) فَأَكْثَرَ عَلَى الْخَمْسِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ التَّنْكِيلُ بِخِلَافِ الْقَوَدِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ كَمَا مَرَّ (وَبِالشَّلَّا) أَيْ: بِقَطْعِهَا (اكْتَفَوْا) إذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ يَنْقَطِعُ دَمُهَا، وَإِلَّا فَكَمَنْ لَا يَمِينَ لَهُ (وَ) يُقْطَعُ كَفٌّ (نَاقِصٌ) عَنْ خَمْسِ أَصَابِعَ (وَالْكَفُّ) بِلَا أُصْبُعٍ، وَبَعْضُهَا كَذَلِكَ لِحُصُولِ التَّنْكِيلِ (وَ) يُقْطَعُ (الْكَفَّانِ) إذَا كَانَتَا عَلَى مِعْصَمِهِ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ الْأَصْلِيُّ عَنْ الزَّائِدِ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِيفَاؤُهُ بِدُونِهِ (وَيُقْطَعُ الْأَصْلِيُّ) مِنْهُمَا (لِلْإِمْكَانِ) أَيْ: عِنْدَ إمْكَانِ اسْتِيفَائِهِ بِدُونِ الزَّائِدِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ قَطْعَهُمَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ يَدٍ وَاحِدَةٍ لَكِنْ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ إنَّ تَمَيَّزَتْ الْأَصْلِيَّةُ كَأَنْ كَانَتْ بَاطِشَةً قُطِعَتْ، فَإِنْ عَادَ فَرِجْلُهُ إلَّا أَنْ تَصِيرَ الْأُخْرَى بَاطِشَةً فَتُقْطَعُ دُونَ الرِّجْلِ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الْأَصْلِيَّةُ قُطِعَتْ
[حاشية العبادي]
الْقَوِيِّ، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَمْلِ، وَالْإِخْرَاجِ كَرْهًا بِأَنَّ فِي الثَّانِي انْتَفَى اخْتِيَارُهُ صَرِيحًا، وَلَا كَذَلِكَ ذَاكَ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَبِشَرْطِ الضَّمَانِ) قَالَ ابْنُ شُهْبَةَ هَكَذَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَا، وَقَالَ فِي اللَّقِيطِ: إنَّهُ لَا رُجُوعَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الذِّمِّيِّ قَالَ: وَقَدْ يُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى الْبَالِغِ، وَمَا هُنَاكَ عَلَى غَيْرِهِ أَيْ: الَّذِي لَا مَالَ لَهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُنْفِقُ عَلَى الْمُضْطَرِّ مِنْهُ) إنْ أُرِيدَ مِنْ الذِّمِّيِّينَ، وَإِلَّا، فَمَحِلُّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ، وَاضْطَرَّ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ذَلِكَ إلَخْ.) وَإِنْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً، وَخَرَجَ قُطِعَ إنْ خَرَجَتْ مِنْهُ رَوْضٌ
(قَوْلُهُ: وَبَعْضُهَا) أَيْ: الْكَفِّ، وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ أَيْ: بِلَا أُصْبُعٍ (قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي التَّهْذِيبِ إلَخْ.) عِبَارَةُ الرَّوْضِ، وَشَرْحِهِ (فَرْعٌ) لَوْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ عَلَى مِعْصَمِهِ قُطِعَتْ الْأَصْلِيَّةُ مِنْهُمَا بِأَنْ تَمَيَّزَتْ إنْ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِدُونِ الزَّائِدَةِ، وَإِلَّا، فَيُقْطَعَانِ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا، فَقَطْ، وَمَا ذُكِرَ فِيمَا إذَا تَمَيَّزَتْ هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَصْحَابِ قَطْعَهُمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الزَّائِدَةَ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ هُوَ الرَّاجِحُ، فَلَوْ عَادَ، وَسَرَقَ ثَانِيًا، وَقَدْ صَارَتْ الزَّائِدَةُ أَصْلِيَّةً بِأَنْ صَارَتْ بَاطِشَةً، أَوْ كَانَتَا أَيْ: الْكَفَّانِ أَصْلِيَّتَيْنِ، وَقُطِعَتْ إحْدَاهُمَا فِي سَرِقَةٍ قُطِعَتْ الثَّانِيَةُ، وَلَا يُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ وَاحِدَةٍ إلَخْ.
اهـ. وَحَاصِلُهُ اعْتِمَادُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ اسْتِيفَاءُ الْأَصْلِيَّةِ بِدُونِ الزَّائِدَةِ مِنْ أَنَّهُمَا يُقْطَعَانِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الشَّارِحُ فِيمَا أَسْنَدَهُ إلَى التَّهْذِيبِ، فَيَكُونُ اسْتِدْرَاكُهُ بِكَلَامِ التَّهْذِيبِ عَلَى مَا عَدَاهَا، وَسِيَاقُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ تُشْعِرُ بِمُوَافَقَةِ الْإِمَامِ فِيمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَبِأَنَّ تَرْجِيحَهُ مَا قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عَدَاهَا كَمَا يُدْرِكُ ذَلِكَ الْوَاقِفُ عَلَى عِبَارَتِهَا بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ، وَعِبَارَةُ الْإِرْشَادِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، فَهُمَا أَيْ: فَإِنْ تَعَذَّرَ قَطْعُ الْأَصْلِيَّةِ الْمُتَمَيِّزَةِ، وَحْدَهَا، أَوْ قَطْعُ إحْدَى الْأَصْلِيَّتَيْنِ، فَهُمَا يُقْطَعَانِ مَعًا، فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ نَقَلَ اخْتِيَارَ الْإِمَامِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ تَرْجِيحِ الشَّيْخَيْنِ، وَتَصْوِيبِ الْمَجْمُوعِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
[حاشية الشربيني]
ذَكَرَهُ الشَّارِحُ قَبْلُ بِقَوْلِهِ: أَوْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ
(قَوْلُهُ: فَكَمَنْ لَا يَمِينَ لَهُ) أَيْ: فَتُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ، وَيَمِينُهُ سَلِيمَةٌ، ثُمَّ شُلَّتْ بَعْدُ، وَلَمْ يُؤْمَنْ نَزْفُ الدَّمِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ بِالسَّرِقَةِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا فَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُهَا سَقَطَ بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّ الشَّلَلَ مَوْجُودٌ ابْتِدَاءً فَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْقَطْعُ بِهَا، بَلْ بِمَا بَعْدَهَا.
اهـ. م ر. اهـ. سم عَلَى التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: وَيُقْطَعُ الْكَفَّانِ إلَخْ.) قَالَ سم فِي حَاشِيَةِ التُّحْفَةِ اعْتَمَدَ م ر أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ يَدَانِ مُطْلَقًا بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى إذَا لَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ إحْدَاهُمَا بِدُونِ الْأُخْرَى انْتَقَلَ لِمَا بَعْدَهُمَا.
اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ النَّابِتَتَيْنِ عَلَى مِعْصَمٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ تُقْطَعْ فِي السَّرِقَةِ إلَّا إحْدَاهُمَا لِبِنَاءِ الْحُدُودِ عَلَى الدَّرْءِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا إلَخْ.) الْإِشَارَةُ لِمَا ذُكِرَ فِي حَالِ عَدَمِ
إحْدَاهُمَا فَقَطْ، فَإِنْ عَادَ فَالْأُخْرَى، وَلَا يُقْطَعَانِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ يَدٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ وَالنَّوَوِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ، وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ قَالَ الْأَصْحَابُ: يُقْطَعَانِ جَمِيعًا غَيْرُ مُوَافَقٍ عَلَيْهِ، بَلْ أَنْكَرُوهُ، وَرَدُّوهُ فَالصَّوَابُ الِاكْتِفَاءُ بِإِحْدَاهُمَا، وَالْكَفُّ مُذَكَّرٌ فِي لُغَةٍ جَرَى عَلَيْهَا النَّاظِمُ، وَالْمَشْهُورُ تَأْنِيثُهَا، وَعَلَيْهَا جَرَى فِي نُسْخَةٍ بِقَوْلِهِ:
وَرُبَّةُ النَّقْصِ وَلَوْ كَفَّانِ ... وَفَرْدَةٌ وَالْأَصْلُ لِلْإِمْكَانِ
(بِرَدِّهِ) أَيْ: يُقْطَعُ السَّارِقُ مَعَ وُجُوبِ رَدِّهِ (الْمَالَ) الْمَسْرُوقَ إنْ بَقِيَ.
(وَ) مَعَ (غُرْمِ) بَدَلِ (مَا فَرَطْ) أَيْ: مَا تَلِفَ مِنْهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالضَّمَانَ لِلْآدَمِيِّ، فَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (فَإِنْ يَعُدْ، أَوْ فُقِدَتْ لَا إنْ سَقَطْ.
بِآفَةٍ مِنْ بَعْدِ رِجْلٍ يُسْرَى) أَيْ: فَإِنْ عَادَ لِلسَّرِقَةِ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِ يُمْنَاهُ، أَوْ لَمْ يَعُدْ لَكِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ مَفْقُودَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ الْكَعْبِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَقَطَتْ بَعْدَ السَّرِقَةِ بِآفَةٍ، أَوْ قَوَدٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ فَاتَتْ، وَمِثْلُهُ لَوْ شُلَّتْ، وَتَعَذَّرَ قَطْعُهَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي، وَأَفْهَمَ كَلَامُ النَّظْمِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ حَتَّى سَرَقَ مِرَارًا اكْتَفَى بِقَطْعِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ لِاتِّحَادِ السَّبَبِ كَمَا لَوْ زَنَى مِرَارًا اكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ فِيمَا لَوْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ فِي الْإِحْرَامِ فِي مَجَالِسَ مَعَ اتِّحَادِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِآدَمِيٍّ؛ لِأَنَّهَا تُصْرَفُ إلَيْهِ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ بِخِلَافِ الْحَدِّ (ثُمَّ) إنْ عَادَ ثَالِثًا بَعْدَ قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى قُطِعَتْ (الْيَدُ الْيَسَارُ، ثُمَّ) إنْ عَادَ رَابِعًا بَعْدَ قَطْعِ الْيَدِ الْيَسَارِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ (الْأُخْرَى) أَيْ: الْيَمِينُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «السَّارِقُ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» ، وَقُدِّمَتْ الْيَدُ؛ لِأَنَّهَا الْآخِذَةُ، وَإِنَّمَا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِئَلَّا يَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ، فَتَضْعُفُ حَرَكَتُهُ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ.
(بِالْغَمْسِ) أَيْ: مَعَ غَمْسِ مَحَلِّ الْقَطْعِ (فِي الزَّيْتِ) ، أَوْ الدُّهْنِ (الَّذِي قَدْ أُغْلِي) لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا فِي الْحَضَرِيِّ، أَمَّا الْبَدْوِيُّ فَيُحْسَمُ بِالنَّارِ؛ لِأَنَّهُ عَادَتُهُمْ.
، وَقَالَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَإِذَا قُطِعَ حُسِمَ بِالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ، وَبِالنَّارِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فِيهِمَا انْتَهَى فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ عَادَةِ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَتِمَّةً لِلْحَدِّ، بَلْ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْهُ بِنَزْفِ الدَّمِ، فَلَا يَفْعَلُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَيَفْعَلُ (نَدْبًا) لَا وُجُوبًا؛ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ أَلَمٍ، وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ عَقِبَ الْقَطْعِ «، وَالسُّنَّةُ أَنْ تُعَلَّقَ الْمَقْطُوعَةُ فِي عُنُقِهِ سَاعَةً لِلزَّجْرِ، وَالتَّنْكِيلِ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (مَعَ الْمُنْفَقِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (فِي ذَا الْفِعْلِ) أَيْ: مَعَ مُؤْنَةِ الْغَمْسِ كَثَمَنِ الدُّهْنِ، وَأُجْرَةِ الصَّانِعِ فَإِنَّهَا عَلَى الْمَقْطُوعِ كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَاقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ عَلَى حِكَايَتِهِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْمَعْرُوفُ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ، وَحَكَاهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُنَصِّبْ الْإِمَامُ مَنْ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَيَرْزُقُهُ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَإِلَّا، فَلَا مُؤْنَةَ عَلَى الْمَقْطُوعِ (ثُمَّ لْيُعَزَّرْ) أَيْ: ثُمَّ إنْ عَادَ خَامِسًا عُزِّرَ، وَلَا يُقْتَلُ، وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَهُ مَنْسُوخٌ، أَوْ مُؤَوَّلٌ بِقَتْلِهِ لِاسْتِحْلَالٍ، أَوْ نَحْوِهِ، بَلْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ
(وَ) يُقْطَعُ مَا ذُكِرَ (مِنْ الذِّمِّيِّ أَيْضًا لِمُسْلِمٍ) أَيْ: لِسَرِقَةِ مَالِهِ (وَهُوَ) أَيْ: قَطْعُ الذِّمِّيِّ حِينَئِذٍ (مِنْ الْقَهْرِيِّ) أَيْ: مِنْ الْأُمُورِ الْقَهْرِيَّةِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَاهُ (كَانَ لِبَعْضِ الْمُسْلِمَاتِ، وَاقِعَا زِنًا) أَيْ: كَأَنْ، وَاقَعَ الذِّمِّيُّ مُسْلِمَةً عَلَى، وَجْهِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ قَهْرًا (وَ) يُقْطَعُ، وَيُحَدُّ هُوَ
[حاشية العبادي]
قَوْله بِالْغَمْسِ) إنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ السَّابِقِ تُقْطَعُ يُمْنَاهُ أَشْكَلَ بِأَنْ يَرُدَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَالْبَاءُ فِيهِمَا لِلْمَعِيَّةِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ حَرْفَا جَرٍّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ الْعَطْفِ هُنَا أَيْ: وَبِالْغَمْسِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى يَرُدُّهُ أَيْ: مَعَ رَدِّهِ، وَمَعَ الْغَمْسِ، وَيُمْكِنُ أَيْضًا تَقْدِيرُ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: مَعَ الْمُنْفِقِ (قَوْلُهُ: مَعَ الْمُنْفِقِ إلَخْ.) اُنْظُرْ مِنْ أَيْنَ يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَتْنِ أَنَّهُ عَلَى الْمَقْطُوعِ، وَمَا طَرِيقُ اسْتِفَادَةِ ذَلِكَ، وَانْظُرْ بِمَ يَتَعَلَّقُ مَعَ الْمُنْفِقِ
[حاشية الشربيني]
التَّمَيُّزِ، وَقَدْ جَعَلَهُ الشَّارِحُ مِنْ صُوَرِ عَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَفَرْدَةٌ) أَيْ: مُفْرَدَةٌ عَنْ الْأَصَابِعِ (قَوْلُهُ: فَاقْطَعُوا يَدَهُ) ، وَقُطِعَتْ الْيَمِينُ أَوَّلًا لِقِرَاءَةِ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَقَطْعُ الْبَاقِي مِنْ خِلَافٍ لِمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ.) ضَعِيفٌ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ فِيهِ مَزِيدَ أَلَمٍ) أَيْ: وَالْمُدَاوَاةُ بِمِثْلِ هَذَا لَا تَجِبُ بِحَالٍ.
اهـ. رَوْضَةٌ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ إلَخْ.) الَّذِي فِي الْمِنْهَاجِ، وَشَرْحِ م ر أَنَّ الْمُؤْنَةَ عَلَى الْمَقْطُوعِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ حَقٌّ لَهُ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِّ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
اهـ. فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ (قَوْلُهُ: الطَّرِيقَيْنِ) اُنْظُرْ الْمُرَادَ بِهِمَا
أَيْضًا (لِلذِّمِّيِّ) أَيْ: لِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَلِزِنَاهُ بِالذِّمِّيَّةِ (إنْ تَرَافَعَا) إلَيْنَا، وَلَوْ بِرَفْعِ أَحَدِهِمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَا يَتَوَقَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الرِّضَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَمَا فِي التَّهْذِيبِ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا إذَا أَلْزَمْنَا حَاكِمَنَا الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ لَا يُنَافِي ذَلِكَ.
(لَا لِمُعَاهَدٍ) ، أَوْ مُسْتَأْمَنٍ كَمَا يُفْهَمُ بِالْأُولَى (هُنَاكَ) أَيْ: فِي الزِّنَا (وَهُنَا) أَيْ: فِي السَّرِقَةِ أَيْ: لَا يُحَدُّ، وَلَا يُقْطَعُ لِأَجْلِهِ الْمُسْلِمُ، وَالذِّمِّيُّ كَعَكْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ، وَلَا يُقْطَعُ لِأَجْلِهِمَا، وَإِنْ شُرِطَ قَطْعُهُ بِسَرِقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْأَحْكَامَ كَالْحَرْبِيِّ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُحَدُّ بِالزِّنَا لِلْمُعَاهَدِ يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ، وَطِئَ حَرْبِيَّةً لَا بِقَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ حُدَّ، فَإِنْ قَيَّدَ مَا هُنَا بِالذِّمِّيِّ حَيْثُ لَا تَرَافُعَ، فَلَا مُخَالَفَةَ
، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ السَّارِقُ (بِطَلَبِ الْمَالِكِ) مِنْهُ مَا سَرَقَهُ فَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ، وَمَالِكُهُ غَائِبٌ انْتَظَرَ حُضُورَهُ، وَطَلَبَهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَبَاحَ لَهُ الْمَالَ (إلَّا فِي الزِّنَا) بِأَمَةٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ حَضَرَ، وَقَالَ: أَبَحْتهَا لَهُ، أَوْ قَالَ: بِعْتهَا، أَوْ، وَهَبْتهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَدُّ الزِّنَا (وَسُمِعَتْ شَهَادَةٌ) عَلَى السَّرِقَةِ حِسْبَةً، وَلَوْ (بِغَيْبَتِهْ) أَيْ: الْمَالِكِ تَغْلِيبًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ لَا يُقْطَعُ إلَّا بِطَلَبِهِ مَالَهُ كَمَا مَرَّ (ثُمَّ لْتُعَدْ) أَيْ: الشَّهَادَةُ إذَا حَضَرَ الْمَالِكُ (لِمَالِهِ) أَيْ: لِثُبُوتِهِ لَا لِثُبُوتِ الْقَطْعِ (بِحَضْرَتِهْ) بَعْدَ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ لَا تُقْبَلُ فِي الْمَالِ فَيُقْطَعُ بَعْدَ حُضُورِهِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّا قَدْ سَمِعْنَاهَا أَوَّلًا، وَإِنَّمَا انْتَظَرْنَا لِتَوَقُّعِ ظُهُورِ مُسْقِطٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ (وَمَالُهُ يَثْبُتُ بِاَلَّتِي تُرَدْ) أَيْ: بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ (عَلَيْهِ مِنْ دُونِ ثُبُوتِ قَطْعِ يَدْ) ، أَوْ رِجْلٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالْمَرْدُودَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرَهَ فُلَانٌ أَمَتِي عَلَى الزِّنَا فَأَنْكَرَ، وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْمَهْرُ دُونَ حَدِّ الزِّنَا، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالسَّارِقُ إذَا أَنْكَرَ مَا أَقَرَّ بِهِ لَا يُقْطَعُ، وَهَذَا قَدْ أَنْكَرَ هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا فِي الدَّعَاوَى قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَالْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ قَطْعُ السَّارِقِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ إقْرَارُهُ، وَرَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ كَأَصْلَيْهِمَا هُنَا ثُبُوتَ الْقَطْعِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا كَالْبَيِّنَةِ، أَوْ كَالْإِقْرَارِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُقْطَعُ بِهِ
، وَيَجُوزُ (لِلْحَاكِمِ التَّعْرِيضُ) بِالْجَحْدِ لِمَنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ عُقُوبَةً مِنْ سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا حَيْثُ (يَرْجُو) قَبُولَ جَحْدِهِ (لَوْ نَطَقْ بِجَحْدِهِ) لِخَبَرِ مَاعِزٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الزِّنَا، وَسَتْرًا لِلْقَبِيحِ فَقَوْلُهُ بِجَحْدِهِ تَنَازَعَهُ التَّعْرِيضُ، وَنَطَقَ (كَمَا إخَالُهُ سَرَقْ) أَيْ: وَالتَّعْرِيضُ كَقَوْلِهِ: مَا إخَالُك أَيْ: مَا أَظُنُّك سَرَقْت، أَوْ رُبَّمَا غَصَبْت، أَوْ أَخَذْته بِإِذْنِ الْمَالِكِ (قُلْتُ لِجَاهِلٍ قَرِيبًا أَسْلَمَا، أَوْ نُشُوِّ بَدْوٍ نَازِحٍ عَنْ عُلَمَا) مِنْ نَزَحْت الدَّارَ نُزُوحًا إذَا بَعُدَتْ أَيْ: قُلْتُ إنَّمَا يَعْرِضُ بِذَلِكَ لِجَاهِلٍ بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِأَنْ أَسْلَمَ قَرِيبًا، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مِنْ زِيَادَتِهِ يَرْجُو لَوْ نَطَقَ مَا إذَا لَمْ يَرْجُ قَبُولَ جَحْدِهِ كَأَنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَقَّ آدَمِيٍّ مِنْ عُقُوبَةٍ، وَغَيْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِجَحْدِهِ حَتَّى لَا يُعَرِّضُ فِي السَّرِقَةِ بِمَا يُسْقِطُ الْغُرْمَ، وَإِنَّمَا يَسْعَى فِي دَفْعِ الْقَطْعِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُغْنِي عَنْهَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: (كَذَاك) لَهُ التَّعْرِيضُ (فِي الزِّنَا، وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ) بِجَحْدِهِمَا كَقَوْلِهِ: فِي الزِّنَا لَعَلَّك فَاخَذْتَ، أَوْ لَمَسْت، أَوْ قَبَّلْت، وَفِي الشُّرْبِ لَعَلَّك لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَا شَرِبْته مُسْكِرٌ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: لِلْحَاكِمِ التَّعْرِيضُ بِالْجَحْدِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَأَنَّ التَّعْرِيضَ بِهِ لَيْسَ مَنْدُوبًا؛ لِأَنَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ (وَلَمْ يَجُزْ) لِلْحَاكِمِ (تَعْرِيضُهُ إنْ تَظْهَرْ) أَيْ: الْمَذْكُورَاتُ مِنْ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، وَالشُّرْبِ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ قَيَّدَ مَا هُنَا إلَخْ.) كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّقْيِيدُ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا لِمُعَاهَدٍ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِلذِّمِّيِّ إنْ تَرَافَعَا الْمُفِيدُ أَنَّ الذِّمِّيَّ عِنْدَ عَدَمِ التَّرَافُعِ لَا يُقْطَعُ، فَيَلْزَمُ هَذَا كَمَا تَرَى اتِّحَادَ الْمُخْرَجِ، وَالْمُخْرَجِ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الْبُرُلُّسِيِّ، وَأَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا لِمُعَاهَدٍ لَيْسَ مُخْرَجًا مِنْ قَوْلِهِ: لِلذِّمِّيِّ، بَلْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ يُقْطَعُ، وَيُحَدُّ الذِّمِّيُّ لِلذِّمِّيِّ إنْ تَرَافَعَا لَا لِلْمُعَاهَدِ إنْ لَمْ يَتَرَافَعَا، وَلَيْسَ فِي هَذَا الِاتِّحَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ
(قَوْلُهُ: فَأَنْكَرَ) يَنْبَغِي رُجُوعُهُ لِصُورَةِ الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، فَقَطْ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِإِعَادَةِ قَالَ: إذْ لَا فَرْقَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ السُّقُوطِ فِي صُورَةِ الْإِبَاحَةِ بَيْنَ الْإِنْكَارِ، وَعَدَمِهِ إذْ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ إلَّا أَنْ يُصَوَّرَ بِالْإِبَاحَةِ مَعَ جَهْلِ التَّحْرِيمِ مَعَهَا، وَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ رُجُوعُ التَّقْيِيدِ بِالْإِنْكَارِ لَهَا أَيْضًا، فَلْيُرَاجَعْ، ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ الرَّوْضِ:، وَهِيَ، وَكَذَا أَيْ: لَا تَسْقُطُ إنْ قَالَ: أَبَحْتهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الشَّهَادَةِ) لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِهِ مَالَهُ كَمَا تَقَرَّرَ
(قَوْلُهُ: أَسْلَمَا) ضَبَّبَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: قَرِيبًا، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ صِفَةُ جَاهِلٍ، وَقَوْلُهُ، أَوْ نُشُوِّ بَدْوٍ صِفَةٌ أُخْرَى لِجَاهِلٍ، ثُمَّ إنْ كَانَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، فَوَاضِحٌ، أَوْ مَصْدَرًا، فَعَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: ذُو نُشُوٍّ (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ) أَيْ: قَوْلُهُ:
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: إنْ تَرَافَعَا) هَذَا قَيْدٌ فِي قَطْعِ الذِّمِّيِّ، أَوْ حَدِّهِ لِلذِّمِّيِّ، أَمَّا لِلْمُسْلِمِ، فَلَا حَاجَةَ فِيهَا إلَى التَّرَافُعِ كَمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ (قَوْلُهُ: عَلَى الرِّضَا) أَيْ: بِحُكْمِنَا فَالْمَدَارُ عَلَى التَّرَافُعِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: فَيُقْطَعُ بَعْدَ حُضُورِهِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: لَا لِثُبُوتِ الْقَطْعِ أَيْ: يُقْطَعُ بَعْدَ حُضُورِهِ، وَطَلَبِهِ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الشَّهَادَةِ، وَثُبُوتِ الْمَالِ عَمَلًا بِالشَّهَادَةِ الْأُولَى
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ) ، وَلَا يُنْدَبُ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ واعْتَمَدَهُ زي، وَقَدْ مَرَّ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ) ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الرُّجُوعُ فِيهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا حَرُمَ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا عَلَى مُحَرَّمٍ فَهُوَ كَتَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ اهـ شَرْحُ م ر (قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ التَّصْرِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالْكَذِبِ.
اهـ. شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ، وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَالَ اُغْتُفِرَ تَضَمُّنُ التَّعْرِيضِ لِذَلِكَ الْأَمْرِ لِلتَّشَوُّفِ لِدَرْءِ الْحَدِّ تَأَمَّلْ.
بِالْبَيِّنَةِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ لِلشُّهُودِ بِالتَّوَقُّفِ فِي الشَّهَادَةِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الْبَحْرِ لَا فَإِنَّ فِيهِ قَدْحًا فِي الشُّهُودِ، وَأَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ نَعَمْ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي السَّتْرِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ إلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى التَّوَقُّفِ حَدٌّ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا يَجُوزُ التَّوَقُّفُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يُضَيِّعُ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ عَلَى مَالِكِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ لَهُ خَطَرٌ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، ثُمَّ رَجَعَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ كَانَ بِالْإِقْرَارِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الزَّانِي عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ
(بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ)
هُوَ الْبُرُوزُ لِأَخْذِ مَالٍ، أَوْ لِقَتْلٍ، أَوْ إرْعَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الشَّوْكَةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةَ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا فِي الْكُفَّارِ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ إذْ الْمُرَادُ التَّوْبَةُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ لَكَانَتْ تَوْبَتُهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهُوَ دَافِعٌ لِلْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ، وَبَعْدَهَا (قَاطِعُ طُرُقٍ مُسْلِمٌ غَيْرُ صَبِيّ) ، وَنَحْوِهِ (مُعْتَمِدُ الْقُوَّةِ) أَيْ: مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا (فِي التَّغَلُّبِ) ، وَالْقِتَالِ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا رَجُلًا، أَوْ امْرَأَةً (بِالْبُعْدِ) أَيْ: مَعَ بُعْدِهِ (عَنْ غَوْثٍ) لِبُعْدِ السُّلْطَانِ، وَأَعْوَانِهِ، أَوْ لِضَعْفِهِ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى كَمَا سَيَأْتِي فَخَرَجَ الْكَافِرُ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ قَالَهُ الشَّيْخَانِ، وَالْوَجْهُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي السَّرِقَةِ لِالْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ، وَصَوَّبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الزَّرْكَشِيُّ قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْأُمِّ، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَإِذَا قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُدُّوا حَدَّ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، وَلَا يُعْرَفُ التَّعْبِيرُ بِالْإِسْلَامِ لِغَيْرِ الرَّافِعِيِّ فَالصَّوَابُ أَنْ يُعَبِّرَ بَدَلَ بِمُلْتَزَمِ الْأَحْكَامِ لِيَدْخُلَ الذِّمِّيُّ، وَالْمُرْتَدُّ، وَيَخْرُجَ الْحَرْبِيُّ، وَالْمُعَاهَدُ، وَالْمُسْتَأْمَنُ، وَخَرَجَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ، وَمُعْتَمِدُ الْهَرَبِ، وَيُسَمَّى بِالْمُخْتَلِسِ كَمَا مَرَّ، وَالْمُتَعَرِّضُ لِلْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ لِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَقُرْبِهِ، أَوْ قُرْبِ أَعْوَانِهِ فَلَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَإِنْ ضَمِنُوا الْأَنْفُسَ، وَالْأَمْوَالَ، وَلَزِمَهُمْ التَّعْزِيرُ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ بُعْدُهُ عَنْ الْغَوْثِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ، وَالْقَهْرِ مُجَاهَرَةً قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا ، وَلَا يُشْتَرَطُ شَهْرُ السِّلَاحِ، بَلْ الْقَاصِدُونَ بِالْعَصَا، وَالْحِجَارَةِ قُطَّاعٌ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْوَكْزِ، وَالضَّرْبِ بِجُمَعِ الْكَفِّ، وَفِي التَّهْذِيبِ نَحْوُهُ، وَكَلَامُ جَمَاعَةٍ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْآلَةِ، وَقَوْلُ النَّظْمِ مُسْلِمٍ غَيْرِ صَبِيٍّ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ مُعْتَمِدَ الْقُوَّةِ (فِي الْبَلَدِ) كَأَنْ خَرَجَ أَهْلُ أَحَدِ طَرَفَيْهَا عَلَى أَهْلِ الطَّرَفِ الْآخَرِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ فَإِنَّهُ قَاطِعُ طَرِيقٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ تَعَرُّضَهُ فِي الْبَلَدِ أَعْظَمُ جَرَاءَةً، وَأَكْثَرُ فَسَادًا فَكَانَ بِالْعُقُوبَةِ، أَوْلَى (وَ) لَوْ هُوَ (دَاخِلٌ فِي اللَّيْلِ دَارَ أَحَدِ، وَأَخَذَ الْمَالَ) الْكَائِنَ (بِهَا مُكَابِرَا) أَيْ: مُجَاهِرًا (وَمَنَعَ) أَهْلَهَا (اسْتِغَاثَةً مُجَاهِرَا بِقُوَّةِ الْمَلِكِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَكَسْرِ اللَّامِ مَعَ إسْكَانِ الْكَافِ إجْرَاءً لِلْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ، أَوْ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَإِسْكَانِ اللَّامِ يَعْنِي: مَعَ قُوَّةِ السُّلْطَانِ، وَقُرْبِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الِاسْتِغَاثَةِ كَالْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ فِي التَّغَلُّبِ، وَاعْتِمَادُ الْقُوَّةِ، وَزَادَ مُجَاهِرًا تَكْمِلَةً، أَوْ تَفْسِيرًا لِمُكَابِرًا (بِأَخْذِ رُبُعِ مِنْ مَحْضِ دِينَارٍ) أَيْ: قَاطَعَ الطَّرِيقَ بِأَخْذِ رُبُعِ دِينَارٍ خَالِصًا قَطْعًا، أَوْ مَا يُسَاوِيهِ لِكُلِّ شَرِيكٍ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (لِجَمْعِ) مِنْ الرُّفْقَةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحِرْزِ (كَالسَّرِقَاتِ) أَيْ: كَمَا فِي السَّرِقَةِ (قُطِعَتْ مِنْهُ يَدُ يُمْنَى، وَرِجْلٌ خُلْفًا) بِضَمِّ الْخَاءِ، وَإِسْكَانِ اللَّامِ أَيْ: مِنْ خِلَافٍ بِأَنْ تَكُونَ يُسْرَى لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَإِنَّمَا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِئَلَّا يَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ (أَوْ) قَطَعَ (مَا يُوجَدُ) مِنْهُمَا بِأَنْ فُقِدَتْ إحْدَاهُمَا، وَلَوْ قَبْلَ أَخْذِ الْمَالِ فَعُلِمَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلْقَطْعِ
[حاشية العبادي]
يَرْجُو لَوْ نَطَقَ، وَقَوْلُهُ يُغْنِي عَنْهَا يُتَأَمَّلُ (قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ التَّعْوِيلَ عَلَى الْبَيِّنَةِ، فَلَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ.
م ر
(بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ) (قَوْلُهُ: أَوْ لِضَعْفِهِ) فَالْمُرَادُ الْبُعْدُ، وَلَوْ مَعْنًى، أَوْ نَقُولُ، وَلَوْ حُكْمًا (قَوْلُهُ: وَدَاخِلٌ فِي اللَّيْلِ) الظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَهُ لِلْغَالِبِ، فَالنَّهَارُ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَعَلِمَ أَنَّهُ إلَخْ.) مِنْ قَوْلِهِ: كَالسَّرِقَاتِ (قَوْلُهُ: أَوْ، فَقَدَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: قَطَعَ الطَّرِيقَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: قَدْحًا) بِنِسْبَتِهِمْ إلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ إلَخْ.) كَأَنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا فَيَأْثَمُ الرَّابِعُ بِالتَّوَقُّفِ، وَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ.
[بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِجَمْعٍ) أَيْ: بِأَنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ شَرِكَةَ شُيُوعٍ؛ لِأَنَّ لِأَحَدِهِمْ الدَّعْوَى بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَفِي الْمُجَاوَرَةِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدَّعِيَ بِغَيْرِ مَا يَخُصُّهُ.
اهـ. ع ش بِاخْتِصَارٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا كَالسَّرِقَاتِ فَإِنَّ مَا ذُكِرَ هُوَ حُكْمُهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبْلَ أَخْذِ الْمَالِ) ، وَفَارَقَ فِي هَذَا السَّرِقَةُ لِبَقَاءِ تَمَامِ الْحَدِّ مَوْجُودًا تَأَمَّلْ.
هُنَا مَا يُعْتَبَرُ لَهُ فِي السَّرِقَةِ كَحِرْزٍ، وَعَدَمِ شُبْهَةٍ، وَطَلَبَ الْمَالِكُ الْمَالَ، وَتُقْطَعَانِ.
(عَلَى الْوَلَا) لِاتِّحَادِ الْعُقُوبَةِ كَالْجَلَدَاتِ فِي الْحَدِّ الْوَاحِدِ (كَلِقِصَاصٍ) أَيْ: كَمَا تُقْطَعَانِ عَلَى الْوَلَاءِ لِقِصَاصٍ (لِحَقِّهْ) فِي إحْدَاهُمَا (مَعَ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ) ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعُقُوبَتَانِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَقٌّ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ فَإِذَا تَعَذَّرَ قَطْعُهُمَا جَمِيعًا عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ لَمْ يَسْقُطْ الْوَلَاءُ إذْ الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ (لَا) لِقِصَاصٍ (مَعَ سَرِقَهْ) لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ فِيهِمَا فَيُقْتَصُّ، ثُمَّ يُمْهَلُ إلَى الِانْدِمَالِ (وَ) قُطِعَتْ (الْأُخْرَيَانِ) أَيْ: يَدُهُ الْيُسْرَى، وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى إنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ (ثَانِيًا، أَوْ فُقِدَا) أَيْ: يَدَهُ الْيُمْنَى، وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى قَبْلَ أَخْذِهِ الْمَالَ فَإِنْ فَقَدَا بَعْدَهُ سَقَطَ الْقَطْعُ كَمَا فِي السَّرِقَةِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَلَوْ قَطَعَ الْإِمَامُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى يَدَهُ الْيُسْرَى، وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى أَسَاءَ، وَوَقَعَ الْمَوْقِعَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ مَعَ يَدِهِ الْيُمْنَى رِجْلَهُ الْيُمْنَى فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِيهَا الْقَوَدُ إنْ كَانَ عَالِمًا، وَإِلَّا فَالدِّيَةُ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ قَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَصَّ عَلَى قَطْعِهَا مِنْ خِلَافٍ فَأَوْجَبَ مُخَالَفَةُ النَّصِّ الضَّمَانَ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى إنَّمَا ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَضِيَّةُ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ الْيَدَ الْيُسْرَى فِي السَّرِقَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَامِدًا أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِيهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.
اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ، بَلْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا بِالنَّصِّ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ قُرِئَ شَاذًّا فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ
(وَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ) فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ بِشَرْطٍ زَادَهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: (إنْ تَعَمَّدَا) أَيْ: يُقْتَلُ (حَتْمًا) إنْ تَعَمَّدَ الْقَتْلَ لِلْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ ضَمَّ إلَى جِنَايَتِهِ إخَافَةَ السَّبِيلِ الْمُقْتَضِيَةَ زِيَادَةَ الْعُقُوبَةِ، وَلَا زِيَادَةَ هُنَا إلَّا تَحَتُّمُ الْقَتْلِ، فَلَا يَسْقُطُ (وَإِنْ عَفَا) عَنْهُ (بِمَا يَدِيهِ) أَيْ: بِالدِّيَةِ، وَأَعَمُّ مِنْهُ قَوْلُ الْحَاوِي بِمَالٍ فَيُقْتَلُ حَتْمًا حَدًّا، وَيَسْقُطُ قَتْلُهُ قِصَاصًا لِصِحَّةِ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَيَثْبُتُ مَا عَفَا بِهِ كَمُرْتَدٍّ لَزِمَهُ قِصَاصٌ، وَعَفَا عَنْهُ بِمَالٍ فَفِي قَتْلِهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ فِي مُقَابَلَةِ قَتْلٍ، وَمَعْنَى الْحَدِّ لِتَعَلُّقِ اسْتِيفَائِهِ بِالْإِمَامِ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِلَا مُحَارَبَةٍ ثَبَتَ لَهُ الْقِصَاصُ فَكَيْفَ يَحْبَطُ حَقُّهُ بِقَتْلِهِ فِيهَا، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلْتَجْرِ أَحْكَامُ الْقِصَاصِ فِيهِ فَلَيْسَ فِي) قَتْلِ (النَّفْسِ سِوَى الْمُكَافِئَهْ) لِقَاتِلِهَا كَقَتْلِ الْأَبِ الِابْنَ، وَالْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ، وَالْحُرِّ الْعَبْدَ (قَتْلٌ) ، وَإِنَّمَا فِيهِ الضَّمَانُ بِالْمَالِ (وَإِنْ مَاتَ) قَاطِعُ الطَّرِيقِ قَبْلَ قَتْلِهِ قِصَاصًا (فَتُؤْخَذُ) مِنْ تَرِكَتِهِ (الدِّيَهْ) أَيْ: دِيَةُ الْقَتِيلِ، وَمِنْ أَحْكَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ يُرَاعَى فِي قَتْلِهِ الْمُمَاثَلَةُ فَيُقْتَلُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً قُتِلَ بِأَحَدِهِمْ عَلَى مَا مَرَّ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ لِوَرَثَتِهِ، وَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ مُتَحَتِّمٌ، وَلَوْ لَمْ يُرَاعِ فِيهِ الْقِصَاصَ لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ، بَلْ مُجَرَّدُ التَّعْزِيرِ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ.
(وَلَيْسَ حَتْمًا قَطْعُ مَنْ فِيهِ) أَيْ: مَنْ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (قُطِعْ) طَرَفُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ التَّحَتُّمَ تَغْلِيظٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَخْتَصُّ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَّارَةِ فَلَوْ عَفَا عَنْهُ سَقَطَ (وَاقْتُلْهُ) أَيْ: الْقَاتِلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ (وَاغْسِلْهُ، وَصَلِّ) عَلَيْهِ (إنْ جُمِعْ) بَيْنَ أَخْذِ النِّصَابِ، وَالْقَتْلِ، وَحُكْمُ غُسْلِهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عُلِمَ مِنْ بَابِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ هُنَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (ثُمَّ بِصَلْبِهِ) عَلَى خَشَبَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا (ثَلَاثًا) مِنْ الْأَيَّامِ (يُلْتَحَقْ) بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: قَتْلُ الْقَاتِلِ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ تَنْكِيلًا بِهِ، وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ نَعَمْ إنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ أُنْزِلَ قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُصْلَبْ قَبْلَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ» ، وَالْغَرَضُ مِنْ صَلْبِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ مَا قُلْنَا، وَلَوْ تَرَكَ النَّاظِمُ تَوْسِيطَ قَوْلِهِ: إنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَاتِ كَانَ، أَوْلَى، وَعِبَارَةُ الْحَاوِي، وَبِالْجَمْعِ يُقْتَلُ، وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ مُكَفَّنًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهِيَ أَحْسَنُ
(قُلْتُ فَإِنْ مَاتَ الَّذِي قَدْ اسْتَحَقْ قَتْلًا، وَصَلْبًا) قَبْلَ قَتْلِهِ (فَالْأَصَحُّ لَا يَجِبْ صَلْبٌ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْقَتْلِ فَسَقَطَ بِسُقُوطِهِ (وَذَا الَّذِي إلَى النَّصِّ نُسِبْ) . وَقِيلَ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ، وَالصَّلْبَ مَشْرُوعَانِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ شَيْئًا
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: إنْ تَعَمَّدَا حَتْمًا) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَمَحَلُّ تَحَتُّمِهِ إذَا قُتِلَ لِأَخْذِ الْمَالِ، وَإِلَّا، فَلَا تَحَتُّمَ.
اهـ. وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ، وَمَنْ قَتَلَ عَمْدًا مَحْضًا لِأَجْلِ الْمَالِ، وَأَخْذِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَوْ دُونَ نِصَابٍ، وَغَيْرَ مُحْرَزٍ قُتِلَ حَتْمًا.
اهـ.، فَتَحَتُّمُ الْقَتْلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى شُرُوطِ السَّرِقَةِ فِي الْمَالِ بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ، وَضَمِّ الصَّلْبِ إلَى الْقَتْلِ م ر (قَوْلُهُ: إنْ جَمَعَ بَيْنَ أَخْذِ النِّصَابِ إلَخْ.)
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ) لَا يُقَالُ: إنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي حُكْمِ نَصَّيْنِ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ عَامَّةٌ لِلْيَمِينِ، وَالْيَسَارِ، وَالشَّاذَّةُ خَاصَّةٌ بِالْيَمِينِ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ، وَهُوَ لَا يَخُصُّهُ لِأَنَّا نَقُولُ لَا عُمُومَ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا: اقْطَعُوا يَدَ السَّارِقِ لِلْيَمِينِ، وَالْيَسَارِ، بَلْ ذَلِكَ إبْهَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُمُومٌ لِيَدِ كُلِّ سَارِقٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ) أَيْ: حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِغَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ كَقَوَدٍ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ.
اهـ. شَرْحُ م ر عَلَى ج
نَعَمْ حَكَيَا الْأَوَّلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، ثُمَّ قَالَا، وَيُنْسَبُ إلَى النَّصِّ
(وَعَزَّرَ الْإِمَامُ رِدْءًا) أَيْ: عَوْنًا لِقَاطِعِ الطَّرِيقِ (يُرْعِبُ) الرُّفْقَةُ أَيْ: يُخَوِّفُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ نِصَابٍ، وَلَا قَتْلٍ حَالَةَ كَوْنِ الْإِمَامِ (مُجْتَهِدًا) فِي تَعْزِيرِهِ بِحَبْسٍ، أَوْ تَغْرِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي سَائِرِ الْجَرَائِمِ، وَلَا يَحُدُّهُ كَمَا فِي مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا، وَالشُّرْبِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ بِالْأُولَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْإِرْعَابِ (وَشُرِّدُوا) أَيْ: قُطَّاعُ الطَّرِيقِ بِاتِّبَاعِهِمْ (إنْ هَرَبُوا) لِتَنْحَلَّ شَوْكَتُهُمْ، وَمَنْ ظَفِرْنَا بِهِ مِنْهُمْ أَقَمْنَا عَلَيْهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَبِمَا تَقَرَّرَ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآيَةَ فَقَالَ الْمَعْنَى أَنْ يُقْتَلُوا إنْ قُتِلُوا، أَوْ يُصْلَبُوا مَعَ ذَلِكَ إنْ قَتَلُوا، وَأَخَذُوا الْمَالَ، أَوْ تُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إنْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ، أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ إنْ أَرْعَبُوا، وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فَحَمْلُ كَلِمَةِ، أَوْ عَلَى التَّوْزِيعِ لَا التَّخْيِيرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 135] أَيْ: قَالَتْ: الْيَهُودُ كُونُوا هُودًا، وَقَالَتْ: النَّصَارَى كُونُوا نَصَارَى إذْ لَمْ يُخَيَّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
(وَقَطْعُهُ) ، وَتَعْزِيرُهُ (وَقَتْلُهُ الْحَتْمُ فَقَطْ إنْ تَابَ قَبْلَ ظَفْرٍ بِهِ سَقَطْ) كُلٌّ مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَابَ بَعْدَهُ لِمَفْهُومِهَا، وَلِتُهْمَةِ الْخَوْفِ وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ سَائِرُ الْحُدُودِ لِعُمُومِ أَدِلَّتِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَةِ إلَّا قَتْلَ تَارِكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَلَوْ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْإِصْرَارُ عَلَى التَّرْكِ لَا التَّرْكُ الْمَاضِي، وَكَالْقَتْلِ فِيمَا ذُكِرَ الصَّلْبُ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ لَكِنْ زِيَادَتُهُ فَقَطْ قَدْ تُوهِمُ إخْرَاجَهُ فَلَوْ تَرَكَهَا كَانَ، أَوْلَى لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ مَا يُرَادُ إخْرَاجُهُ بِهَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَا الْقِصَاصُ سَاقِطَا) بِالتَّوْبَةِ (وَالْمَغْرَمُ) أَيْ: وَلَا الْغُرْمِ لِلْمَالِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي قَتْلِهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ (وَغَيْرَ قَتْلٍ) مِنْ الْعُقُوبَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ عَلَى شَخْصٍ (فَرَّقُوا) فَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدُّ قَذْفٍ، وَقَطْعٍ، أَوْ حَدُّ قَذْفٍ لِاثْنَيْنِ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ الْأَوَّلِ لِئَلَّا يَمُوتَ بِالْمُوَالَاةِ، أَمَّا الْقَتْلُ فَيُوَالِي بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ مُسْتَوْفَاةٌ (وَقَدَّمُوا) غَيْرَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَتْلُ لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ فَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقٌّ غَيْرَهُ حَقَّهُ تَعَذَّرَ الْقَتْلُ، وَعَلَى مُسْتَحِقِّهِ الصَّبْرُ لِاسْتِيفَاءِ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْبَسِيطِ: وَلَوْ مُكِّنَ مِنْهُ، وَقِيلَ لِمُسْتَحِقٍّ غَيْرَهُ بَادِرْ، وَإِلَّا ضَاعَ حَقُّك لَمْ يَبْعُدْ لَكِنْ لَا صَائِرَ إلَيْهِ فَلَوْ بَادَرَ مُسْتَحِقُّ الْقَتْلِ فَقَتَلَ فَلِمُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ دِيَتُهُ (فَلِلْعِبَادِ) أَيْ: فَإِنْ كَانَ فِي الْعُقُوبَاتِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقُّ الْعِبَادِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْقَتْلُ قَدَّمُوا مِنْهَا مَا لِلْعِبَادِ عَلَى مَا لِلَّهِ، وَإِنْ كَانَ مَا لِلَّهِ أَخَفَّ لِبِنَاءِ حَقِّهِمْ عَلَى الضِّيقِ فَيُقَدَّمُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ، وَالزِّنَا، وَيُقَدَّمُ قَتْلُ الْقِصَاصِ عَلَى قَتْلِ الزِّنَا (فَالْأَخَفَّ مَوْقِفَا) أَيْ: فَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْعِبَادِ قَدَّمُوا الْأَخَفَّ فَالْأَخَفَّ، وَقْعًا فَيُقَدَّمُ حَدُّ الشُّرْبِ عَلَى حَدِّ الزِّنَا، وَحَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَطْعِ قِصَاصًا (فَالْأَسْبَقَ الْأَسْبَقَ) أَيْ: فَإِنْ اسْتَوَتْ خِفَّةً، وَغِلَظًا كَقَتْلِ جَمَاعَةٍ، أَوْ قَذْفِهِمْ عَلَى التَّرْتِيبِ قَدَّمُوا الْأَسْبَقَ فَالْأَسْبَقَ، وَلِلْبَاقِينَ فِيمَا فِيهِ دِيَةٌ الدِّيَةُ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَسْبَقَ مُعَيَّنًا بِأَنْ، وَقَعَتْ مَعًا، أَوْ شَكَّ فِي الْمَعِيَّةِ، أَوْ عُلِمَ سَبْقٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُ السَّابِقِ (أَقْرَعَا) وُجُوبًا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ اسْتَوْفَى لَهُ، وَدِيَةُ الْبَاقِينَ فِي الْقَتْلِ فِي ذِمَّةِ الْقَاتِلِ (وَلَوْ) كَانَ (رَقِيقًا) كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ، وَلَوْ
[حاشية العبادي]
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: بِلَا شُبْهَةٍ مِنْ حِرْزٍ.
اهـ. فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ السَّرِقَةِ جَمِيعِهَا، وَمِنْهَا طَلَبُ الْمِلْكِ م ر
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى، وَقَالُوا إلَخْ.) تَنْظِيرٌ لِلتَّنْوِيعِ.
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ) أَيْ: وَلَا بُدَّ فِي كَوْنِ ذَلِكَ مُرَادًا فِي الْآيَةِ مِنْ كَوْنِهِ تَوْقِيفًا
(قَوْلُهُ: وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ) شَامِلٌ لِلْمُخْتَصِّ مِنْهَا بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَحَدِّ زِنًا، وَسَرِقَةٍ، وَشُرْبِ مُسْكِرٍ، وَمَحِلُّهُ فِي الظَّاهِرِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَحَيْثُ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ سَقَطَ بِهَا سَائِرُ الْحُدُودِ قَطْعًا.
اهـ.
شَرْحُ م ر عَلَى ج (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا صَائِرَ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ تَأْخِيرِ مُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ لَا إلَى غَايَةٍ فَيُفَوِّتُ الْقَتْلَ غَيْرَ مَنْظُورٍ إلَيْهِ إذْ مَبْنَى الْقَوَدِ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ مَا أَمْكَنَ.
اهـ. شَرْحُ م ر عَلَى ج (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ إلَخْ.) إشَارَةٌ إلَى قَاعِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ مُقَدَّمٌ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يُفَوِّتْ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كَانَا قَتْلًا، أَوْ قَطْعًا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّهُ لِلْأَغْلَبِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
اهـ. وَمُرَادُهُ بِمَا يَأْتِي مَا ذَكَرَهُ بَعْدُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ قَطْعُ سَرِقَةٍ، وَقَطْعُ مُحَارَبَةٍ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لَهُمَا لِاسْتِوَاءِ الْحَقَّيْنِ قَطْعًا إذْ الْمُغَلَّبُ فِي الْمُحَارَبَةِ الْقَوَدُ، وَرِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ.
اهـ. لَا تَقْدِيمَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ مَعَ عَدَمِ تَفْوِيتِ حَقِّ اللَّهِ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَوَتْ إلَخْ.) مَا صُورَةُ الِاسْتِوَاءِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ فَكَقَذْفِ اثْنَيْنِ سم عَلَى حَجّ ع ش (قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَوَتْ خِفَّةً إلَخْ.) ظَاهِرُهُ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ، وَلَوْ كَانَ حَقَّيْنِ لِلَّهِ لَكِنْ فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ قَتْلُ زِنًا، وَقَتْلُ رِدَّةٍ عَمِلَ الْإِمَامُ بِالْمَصْلَحَةِ فِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ لِاسْتِوَائِهِمَا
عَفَا أَحَدُهُمْ عَلَى مَالٍ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْقِصَاصِ، وَكَانَ لِلْآخَرِينَ قَتْلُهُ، وَإِنْ بَطَلَ حَقُّ الْعَافِي عَنْ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَالِ بِالرَّقَبَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ كَالرَّقِيقِ الْمَرْهُونِ (كَيَدٍ) أَيْ: كَمَا يَقْرَعُ فِي قَطْعِ يَدٍ (وَأُصْبُعِ مِنْهَا) كَأَنْ قَطَعَ يَدًا يُمْنَى مِنْ رَجُلٍ، وَأُصْبُعًا مِنْ يَدٍ يُمْنَى لِآخَرَ مَعًا، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْأُصْبُعِ قَطَعَهُ، ثُمَّ قَطَعَ الْآخَرُ الْيَدَ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْأُصْبُعِ، أَوْ لِلْآخَرِ قَطْعُ الْيَدِ، وَأَخَذَ صَاحِبُ الْأُصْبُعِ دِيَتَهُ، وَلَا يُقَالُ: يَبْدَأُ بِالْأَخَفِّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ مُسْتَحِقٌّ لِقَطْعِ الْأُصْبُعِ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، وَقَتَلَ آخَرَ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْقِصَاصَ فِي الْيَدِ، ثُمَّ نَقْتَصُّ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْقَتْلِ حَقُّهُ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْأَعْضَاءِ أَلَا تَرَاهُ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الْمَقْطُوعُ سَلِيمًا، وَقُتِلَ بِهِ، وَقَعَ قِصَاصًا، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَرْشَ الْيَدِ، وَلَوْ قَطَعَ مَقْطُوعُ الْأُصْبُعِ سَلِيمًا، وَاقْتَصَّ مِنْهُ كَانَ لَهُ أَرْشُ الْأُصْبُعِ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْيَدِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْيَمِينِ (وَإِنْ هَمَّ) أَيْ: أَوْلِيَاءُ الْقَتْلِ (قَتَلُوهُ) أَيْ: الْقَاتِلَ مَعًا (وَزِّعْ) أَنْتَ (عَلَيْهِمْ الْقَتْلَ، وَوَزِّعْ الدِّيَهْ) عَلَيْهِمْ (فَلِامْرِئٍ) أَيْ: فَلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مِنْ الدِّيَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيَهْ) بِالْقِصَاصِ فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَدْ اسْتَوْفَى كُلٌّ مِنْهُمْ ثُلُثَ قِصَاصِهِ، وَبَقِيَ لَهُ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
(بَابُ الشُّرْبِ) لِلْمُسْكِرِ (وَالتَّعْزِيرِ) ، وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ، وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» ، وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» ، وَالتَّعْزِيرُ لُغَةً التَّأْدِيبُ، وَشَرْعًا تَأْدِيبٌ عَلَى ذَنْبٍ لَا حَدَّ فِيهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (بِشُرْبِ مَنْ يَلْتَزِمُ الْأَحْكَامَ عَنْ طَوْعٍ) أَيْ: اخْتِيَارٍ (لِمَا يُسْكِرُ جِنْسًا) أَيْ: لِمَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ مِنْ خَمْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ الْقَدْرُ الْمَشْرُوبُ مِنْهُ يَضْرِبُهُ الْإِمَامُ أَرْبَعِينَ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي مَعْنَى شُرْبِهِ أَكْلُهُ بِأَنْ كَانَ ثَخِينًا، أَوْ أَكَلَهُ بِخُبْزٍ، أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا، وَأَكَلَ مَرَقَهُ فَخَرَجَ بِذَلِكَ أَكْلُ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِهِ لِذَهَابِ الْعَيْنِ مِنْهُ، وَأَكْلُ، أَوْ شُرْبُ مَا خُلِطَ بِهِ، وَاسْتُهْلِكَ هُوَ فِيهِ، وَكَذَا الِاحْتِقَانُ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْإِسْعَاطُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ، وَلَا حَاجَةَ فِيهِمَا إلَى زَجْرٍ، وَبِمُلْتَزِمِ الْأَحْكَامِ أَيْ: أَحْكَامِ الشُّرْبِ، وَغَيْرِهِ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ، وَالْكَافِرُ، وَبِقَوْلِهِ: عَنْ طَوْعٍ مَنْ، أَوْجَرَهُ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى تَنَاوُلِهِ، وَبِمَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ غَيْرَهُ كَالْبَنْجِ، وَالدَّوَاءِ الْمُجَنِّن، وَالْحَشِيشَةِ، فَلَا حَدَّ بِتَنَاوُلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلِذُّ، وَلَا يُطْرِبُ، وَلَا يَدْعُو قَلِيلُهُ إلَى كَثِيرِهِ، بَلْ يُعَزَّرُ بِهِ، وَالتَّصْرِيحُ بِلَفْظَةِ الْأَحْكَامِ، وَبِقَوْلِهِ: (لَا الْحُقَنْ) بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ حُقْنَةٍ مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ: يَضْرِبُهُ الْإِمَامُ بِشُرْبِهِ الْمُسْكِرِ لَا بِاحْتِقَانِهِ بِهِ وَ (لَا) بِشُرْبِهِ (لِلتَّدَاوِي، وَالظَّمَا) أَيْ: الْعَطَشِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ (وَ) إنْ (حَرُمَا) أَيْ: شُرْبُهُ لَهُمَا بِخِلَافِ شُرْبِ الْبَوْلِ، وَالدَّمِ لَهُمَا لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ شُرْبِ الْمُسْكِرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ إزَالَةُ الْعَقْلِ، وَلِأَنَّ بَعْضَهُ يَدْعُو إلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّهُ يُثِيرُ الْعَطَشَ بَعْدُ، وَإِنْ سَكَنَّهُ فِي الْحَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ خَبَرُ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَنْتَهِ بِهِ الْأَمْرُ إلَى الْهَلَاكِ، وَإِلَّا، فَيَتَعَيَّنُ شُرْبُهُ كَمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ إجْمَاعِ الْأَصْحَابِ، وَإِذَا اُحْتِيجَ فِي قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ، أَوْ السِّلْعَةِ إلَى مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ كَالْبَنْجِ هَلْ
[حاشية العبادي]
(بَابُ الشُّرْبِ، وَالتَّعْزِيرِ) (قَوْلُهُ: أَوْ أَكْلُهُ الْخُبْزَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ اسْتِهْلَاكُهُ فِي الْخُبْزِ بِالْمَضْغِ (قَوْلُهُ: لِذَهَابِ الْعَيْنِ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ الْعَيْنُ عَلَى اللَّحْمِ حُدَّ بِأَكْلِهِ مَعَهُ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) ثُمَّ قَوْلُهُ: الْآتِي فِي الْقِصَّةِ بِقَيْدٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ حَيْثُ سِوَاهُ عُدِمَا الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي الثَّلَاثَةِ أَعْنِي شُرْبَهُ لِلتَّدَاوِي، وَالظَّمَأِ، وَالْغُصَّةِ وَإِنْ، وَجَدَ غَيْرَهُ لِلشُّبْهَةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ لَا يَتَنَاوَلُهُ التَّدَاوِي، وَعَطَشٌ، فَلَا يُحَدُّ بِهِ، وَإِنْ، وَجَدَ غَيْرَهُ إلَخْ.
اهـ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمَتْنِ حَيْثُ سِوَاهُ عُدِمَا لِإِمْكَانِ جَعْلِهِ رَاجِعًا لِمَجْمُوعِ عَدَمِ الْحَدِّ، وَالْحُرْمَةِ
[حاشية الشربيني]
فِي كَوْنِهِمَا حَقَّيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى.
[بَابُ الشُّرْبِ لِلْمُسْكِرِ وَالتَّعْزِيرِ]
(بَابُ الشُّرْبِ) (قَوْلُهُ: وَاسْتَهْلَكَ هُوَ فِيهِ) الْمُرَادُ بِاسْتِهْلَاكِهِ عَدَمُ ظُهُورِ عَيْنِهِ بِالرُّؤْيَةِ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَفِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يَبْقَى لَهُ طَعْمٌ، وَلَا لَوْنٌ، وَلَا رِيحٌ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَبِمَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ غَيْرَهُ إلَخْ.) أَيْ: فَإِنَّهُ لَا شِدَّةَ فِيهِ مُطْرِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا (قَوْلُهُ: مِنْ زِيَادَتِهِ) أَيْ: التَّصْرِيحِ بِهِ لِفَهْمِهِ مِنْ التَّعْبِيرِ أَوَّلًا بِالشُّرْبِ.
اهـ. عِرَاقِيٌّ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَجِدْ إلَخْ.) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا حَدَّ، وَإِنْ، وَجَدَ غَيْرَهُ لِلشُّبْهَةِ.
اهـ. م ر، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ حَمْلًا لِلْمُصَنِّفِ عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ فَرْضِ الْخِلَافِ فِي الْحَدِّ فِي صُورَةِ مَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلِذَا جَعَلَ قَوْلَهُ: وَحَرُمَا غَايَةٌ أَيْ: وَإِنْ قُلْنَا بِالْحُرْمَةِ إذْ لَوْ، وَجَدَ غَيْرَهُ لَكَانَ حَرَامًا اتِّفَاقًا فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَرُمَا) أَيْ: شُرْبُهُ صَرْفًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ أَنْ يَصِفَهَا لِلدَّوَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» ، وَلِلْخَبَرِ الْآتِي، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ قَالَ حَجَرٌ وم ر إنَّمَا هُوَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا قَالَ الرَّشِيدِيُّ لَكِنَّ هَذَا قَدْ يُنَافِيهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ حَيْثُ قَرَنَتْ الْمَنَافِعَ فِيهَا بِالْإِثْمِ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ التَّحْرِيمِ.
اهـ.
فَالْأَوْلَى حَمْلُ الْمَنَافِعِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا كَمَا فِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً، أَوْ عَلَى التَّدَاوِي بِهَا غَيْرَ صِرْفَةٍ
يَجُوزُ خَرَّجَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْجَوَازَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَالتَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِ الشُّرْبِ لِلتَّدَاوِي، وَالظَّمَأِ مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ مِنْ عَدَمِ الْحَدِّ فِي الشُّرْبِ لِلتَّدَاوِي اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ، وَمِثْلُهُ الشُّرْبُ لِلظَّمَأِ، وَلَمْ يُصَحِّحْ مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبِ كَالرَّافِعِيِّ فِيهِمَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا قَالَا قَالَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ لَا حَدَّ بِالتَّدَاوِي بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْحُرْمَةِ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ فِي حِلِّ شُرْبِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ الْمُعْتَبِرُونَ أَقْوَالَهُمْ أَنَّهُ حَرَامٌ وَجَبَ لِلْحَدِّ، ثُمَّ قَالَا فِي الشُّرْبِ لِلظَّمَأِ، وَإِذَا حَرَّمْنَاهُ فَفِي الْحَدِّ خِلَافٌ كَالتَّدَاوِي، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِمَا، فَيَكُونُ هُوَ الْأَصَحُّ مَذْهَبًا، وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ شَيْخُنَا الْحِجَازِيُّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ، وَالْجُوعُ كَالظَّمَأِ فِيمَا ذُكِرَ (وَ) لَا بِشُرْبِهِ لِأَجْلُ (غُصَّةٍ) بِلُقْمَةٍ بِقَيْدٍ زَادَهُ بِقَوْلِهِ: (حَيْثُ سِوَاهُ) مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ الْإِسَاغَةُ (عُدِمَا) ، وَيَجِبُ الْإِسَاغَةُ بِهِ حِينَئِذٍ (وَلَوْ بِجَهْلِهِ وُجُوبَ الْحَدِّ) بِشُرْبِ الْمُسْكِرِ فَيُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ الْحُرْمَةَ فَحَقُّهُ أَنْ يَمْتَنِعَ (لَا) إنْ جَهِلَ (حُرْمَةً) لِشُرْبِهِ (لِأَجْلِ قُرْبِ الْعَهْدِ) مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِنَشْئِهِ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، فَلَا حَدَّ لِجَهْلِهِ (أَوْ ظَنَّهُ غَيْرًا) أَيْ: غَيْرَ مُسْكِرٍ، فَلَا يُحَدُّ لِعُذْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مِمَّا يُسْكِرُ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ (وَذَا) أَيْ: مَنْ جَهِلَ حُرْمَتَهُ، أَوْ ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ (بِالسُّكْرِ) أَيْ: بِسَبَبِ سُكْرِهِ بِمَا جَهِلَ حُرْمَتَهُ، أَوْ ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ (أَحْكَامُ إغْمَاءٍ عَلَيْهِ تَجْرِي) حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ زَمَنَ سُكْرِهِ، وَتَعْبِيرُهُ بِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْإِغْمَاءِ عَلَيْهِ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْحَاوِي فَمُغْمًى عَلَيْهِ.
(يَضْرِبُهُ) أَيْ: بِشُرْبِ الْمُلْتَزِمِ الْمَذْكُورِ مَا ذُكِرَ يَضْرِبُهُ (الْإِمَامُ) وُجُوبًا، وَلَوْ بِنَائِبِهِ، وَزَادَ قَوْلَهُ الْإِمَامُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ مِنْ، وَظِيفَتِهِ (دُونَ الْكَفَرَهْ) ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ (بِالشُّرْبِ) لِمُسْكِرٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَهُ، وَتَعْبِيرُ الْحَاوِي بِقَوْلِهِ: لَا الذِّمِّيِّ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مُوفٍ بِذَلِكَ بَعْضُهُ بِالْمَنْطُوقِ، وَبَعْضُهُ بِمَفْهُومِ، أَوْلَى، وَكَأَنَّهُ عَبَّرَ بِالذِّمِّيِّ لِدَفْعِ إيهَامِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُلْتَزِمِ الْأَحْكَامِ مَا يَعُمُّ مُلْتَزِمَ بَعْضَهَا، وَقَيَّدَ مَسْأَلَتَهُ بِالْخَمْرِ لِأَنَّهُ قَدَّمَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةَ الْحَنَفِيِّ الْآتِيَةَ مُقَيَّدَةً بِشُرْبِ النَّبِيذِ فَلَوْ أَطْلَقَهَا لَتُوُهِّمَ تَقْيِيدُهَا بِالنَّبِيذِ أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالنَّاظِمُ لَمَّا أَخَّرَ عَنْهَا مَسْأَلَةَ الْحَنَفِيِّ لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْخَمْرِ، بَلْ عَبَّرَ بِالشُّرْبِ الشَّامِلِ لِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعِلْمِهِ مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ.
(قُلْتُ هَذِهِ) أَيْ: مَسْأَلَةُ الْكَفَرَةِ (مُكَرَّرَهْ) فِي الْحَاوِي حَيْثُ (أَوْرَدَهَا مُنْشِيهِ فِي) بَابِ (الزِّنَا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَفِي هَذَا) الْبَابِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُورِدْهَا فِيهِمَا عُلِمَ حُكْمُهَا مِنْ تَعْبِيرِهِ كَالْوَجِيزِ بِمُلْتَزِمٍ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ فِي عُجَابِهِ كَالرَّافِعِيِّ بِمُلْتَزِمِ تَحْرِيمِ الْمَشْرُوبِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُلْتَزِمُ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ كَمَا يُفِيدُهُ تَعْبِيرُ كَثِيرٍ بِمُلْتَزِمِ الْأَحْكَامِ، وَمَنْ أَدْخَلَ فِيهِ الذِّمِّيَّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَقَدْ تَجَوَّزَ (وَحُدَّ لِلنَّبِيذِ)
[حاشية العبادي]
أَيْ: فِي الْغُصَّةِ، وَعَدَمِ إرْجَاعِهِ لِمَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْقَيْدِ رُجُوعَهُ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَهُ م ر
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَطْلَقَا لَتُوُهِّمَ تَقْيِيدُهَا بِالنَّبِيذِ أَيْضًا) ، فَيَفُوتُ إفَادَةُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِالْخَمْرِ أَيْضًا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحَدِّ عَنْهُ بِالنَّبِيذِ الْمُخْتَلِفِ نَفْيُ الْحَدِّ عَنْهُ بِالْخَمْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ صَنِيعِهِ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ عَدَمِ حَدِّهِ بِالْخَمْرِ عَدَمُ حَدِّهِ بِالنَّبِيذِ بِالْأَوْلَى
[حاشية الشربيني]
بِشُرُوطِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَزَمَا) أَيْ: عَلَى الْأَصَحِّ، وَزَادَ الشَّارِحُ لَفْظَةَ إنْ تَنْبِيهًا عَلَى الْخِلَافِ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ، وَإِنْ جَرَيْنَا عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَحَاصِلُ حُكْمِ التَّنَاوُلِ أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَعِنْدَهَا، وَهِيَ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ حَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَاجِبٌ.
اهـ. تَقَرَّرَ مَرْصَفِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا، وَحَرُمَا) ، وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ إذَا سَكِرَ مِمَّا شَرِبَهُ لِعَطَشٍ، أَوْ تَدَاوٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ.
اهـ. شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ (قَوْلُهُ: عَلَى الْخِلَافِ) أَيْ: فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ:، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْجَوَازَ أَيْ: جَوَازَ تَعَاطِي مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ كَالْبَنْجِ لِمَا ذُكِرَ، أَمَّا الْمُسْكِرُ، فَلَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْمَذْهَبُ) أَيْ: النَّقْلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الْوُجُوهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَا فِي الشُّرْبِ لِلظَّمَأِ، وَإِذَا حَرَّمْنَاهُ إلَخْ.) أَيْ: إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَاهَا فِي الرَّوْضَةِ حَيْثُ قَالَا، وَأَمَّا شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي، وَالْعَطَشِ، وَالْجُوعِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا، وَالْمَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: لَا يَجُوزُ، وَسَاقَا بَاقِي الْأَوْجُهِ قَالَا: قَالَ الْقَاضِي إلَخْ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرَاهُ فِي الْحَدِّ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا كَمَا هُوَ قَيْدٌ لِلتَّحْرِيمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ إذْ لَوْ وَجَدَ غَيْرَهَا فَالتَّحْرِيمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْحَدُّ سَكَتَا عَنْ الْخِلَافِ فِيهِ حِينَئِذٍ لَكِنَّهُمَا نَقَلَا فِي غَيْرِ الرَّوْضَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِهِ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ هُوَ الْأَصَحُّ) ضَعَّفَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَلَا نَظَرَ لِعَدَمِ إبَاحَتِهَا حِينَئِذٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الزِّنَا شُبْهَةٌ لِدَفْعِ حَدِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَحْ بِهِ.
اهـ. شَرْحُ الْإِرْشَادِ
(قَوْلُهُ: بِمُلْتَزِمِ الْأَحْكَامِ) أَيْ:
أَيْ: لِشُرْبِهِ (الْحَنَفِيّ) ، وَإِنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ لِقُوَّةِ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ، وَلِأَنَّ الطَّبْعَ يَدْعُو إلَيْهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ، وَبِهَذَيْنِ التَّعْلِيلَيْنِ فَارَقَ ذَلِكَ عَدَمَ وُجُوبِ الْحَدِّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ بِلَا، وَلِيٍّ، وَمَعَ حَدِّهِ بِذَلِكَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْحَدِّ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ، وَفِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِعَقِيدَةِ الشَّاهِدِ، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَ أَمَةً، وَوَطِئَهَا بِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَزْنِي بِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مِلْكُهُ فَسَقَ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَلَوْ، وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ ظَانًّا أَنَّهَا أَمَتُهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقَيَّدَ بِالنَّبِيذِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، أَمَّا الْخَمْرُ فَيُحَدُّ بِهِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ تَدَاوِيًا لَا يُحَدُّ لِاجْتِمَاعِ شُبْهَتَيْ اعْتِقَادِ الْإِبَاحَةِ، وَالتَّدَاوِي (بِالسَّوْطِ) أَيْ: يَضْرِبُهُ بِالسَّوْطِ (أَرْبَعِينَ) ضَرْبَةً فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ» ، وَفِيهِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ، وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ» ، وَهَذَا فِي الْحُرِّ، أَمَّا غَيْرُهُ فَعَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ كَنَظَائِرِهِ (بِاعْتِدَالِ) أَيْ: حَالَةَ كَوْنِ السَّوْطِ مُعْتَدِلًا فِي حَجْمِهِ، فَيَكُونُ بَيْنَ الْقَضِيبِ، وَالْعَصَا، وَفِي صِفَتِهِ، فَلَا يَكُونُ رَطْبًا، فَيَشُقُّ الْجَلْدَ بِثِقَلِهِ، وَلَا شَدِيدَ الْيُبُوسَةِ، فَلَا يُؤْلِمُ، وَفِي خَبَرٍ مُرْسَلٍ رَوَاهُ مَالِكٌ «الْأَمْرُ بِسَوْطٍ بَيْنَ الْخَلِقِ، وَالْجَدِيدِ» (أَوْ خَشَبٍ) أَيْ: أَوْ يَضْرِبُهُ أَرْبَعِينَ بِخَشَبَةٍ مُعْتَدِلَةٍ فَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ: بِاعْتِدَالٍ عَنْ الْخَشَبِ، أَوْ قَدَّمَهُ عَلَى السَّوْطِ كَانَ، أَوْلَى (وَلَا) بِالْقَصْرِ لِلْوَزْنِ، فَلَا يُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى الْأَيَّامِ، وَالسَّاعَاتِ لِعَدَمِ الْإِيلَامِ الزَّاجِرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَدَدًا فَفَرَّقَهُ عَلَى الْأَيَّامِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَّبَعَ هُنَاكَ مُوجِبُ اللَّفْظِ، وَفِي الْحُدُودِ الزَّجْرُ، وَالتَّنْكِيلُ فَلَوْ حَصَلَ مَعَ التَّفْرِيقِ هُنَا إيلَامٌ قَالَ الْإِمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ مَا يَزُولُ بِهِ الْأَلَمُ الْأَوَّلُ كَفَى، وَإِلَّا، فَلَا (وَ) لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ أَرْبَعِينَ (بِالنِّعَالِ) ، وَالْأَيْدِي (وَطَرَفِ الثَّوْبِ) فَفِي الْبُخَارِيِّ «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ، وَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِنَعْلِهِ، وَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِثَوْبِهِ» ، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ فَضَرَبُوهُ بِالْأَيْدِي، وَالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ ضَرْبًا (قَرِيبًا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الضَّرْبِ بِالسَّوْطِ، أَوْ الْخَشَبَةِ، وَلَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ، وَلَا عَنْ جَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ كَانَ، أَوْلَى.
(قَدْ قَامَ، وَالْأُنْثَى جَلَسَتْ) أَيْ: يَضْرِبُ الْإِمَامُ الذَّكَرَ قَائِمًا، وَالْأُنْثَى جَالِسَةً فَلَوْ عَكَسَ أَسَاءَ، وَأَجْزَأَهُ، وَلَا يَضْمَنُهُ إنْ تَلِفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَغَيُّرُ حَالٍ لَا زِيَادَةُ ضَرْبٍ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ (مِنْ غَيْر مَدْ) لَهُمَا هَذَا مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ (مَلْفُوفَةً) أَيْ: الْأُنْثَى (بِالثَّوْبِ) حَذَرًا مِنْ تَكَشُّفِهَا، وَيَتَوَلَّى اللَّفَّ امْرَأَةٌ، أَوْ مَحْرَمٌ، أَوْ نَحْوُهُمَا، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخُنْثَى كَالْأُنْثَى فِيمَا قَالَهُ، وَيُتْرَكُ عَلَى الْمَحْدُودِ قَمِيصٌ، أَوْ قَمِيصَانِ لَا مَا يَدْفَعُ الْأَلَمَ كَالْفَرْوَةِ، وَالْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ (دُونَ رَفْعِ يَدْ مِنْ فَوْقِ رَأْسٍ) بِحَيْثُ يُرَى بَيَاضُ إبِطِهِ فَإِنَّهُ يَعْظُمُ أَلَمُهُ، وَدُونَ أَنْ يَضَعَ السَّوْطَ عَلَيْهِ، وَضْعًا لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ (وَالْيَدَانِ) لَهُ (لَا تُشَدْ) أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا بَلْ يُتْرَكَانِ لِيَتَّقِيَ بِهِمَا الضَّرْبَ فَإِنْ، وَضَعَهُمَا، أَوْ إحْدَاهُمَا عَلَى مَوْضِعٍ عَدَلَ عَنْهُ إلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ أَلَمِهِ بِالضَّرْبِ فِيهِ (فَرَّقَهُ فِي بَدَنٍ) أَيْ: وَيُفَرِّقُ الْإِمَامُ الضَّرْبَ عَلَى أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَلَا يَجْمَعُهُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ (وَيَجْتَنِبُ مَقْتَلَهُ) كَثُغْرَةِ نَحْرٍ، وَفَرْجٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ رَدْعُهُ لَا قَتْلُهُ (وَالْوَجْهَ) لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ» ، وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ، فَيَعْظُمُ أَثَرُ شَيْنِهِ، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا يَجْتَنِبُ الرَّأْسَ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ، وَنَقَلَاهُ عَنْ تَصْحِيحِ الْأَكْثَرِينَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ: اضْرِبْ الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِالشَّعْرِ، وَغَيْرِهِ غَالِبًا، فَلَا يَخَافُ تَشْوِيهَهُ بِخِلَافِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ يُجْتَنَبُ؛ لِأَنَّهُ مَقْتَلٌ، وَيُخَافُ مِنْهُ الْعَمَى، وَاخْتَارَهُ الْمَاسَرْجِسِيُّ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ إلَخْ.) هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا قُلْنَا يُحَدُّ الشَّافِعِيُّ، أَمَّا عَلَى أَنَّهُ لَا يُحَدُّ، فَلَا حَاجَةَ لِبَحْثِ هَذَا، وَالتَّعْبِيرُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ، فَتَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ) أَيْ: الْأَرْبَعُونَ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْكَمَالُ فِي الْإِسْعَادِ مَعَ حِكَايَةِ الْقِصَّةِ بِأَبْسَطَ مِمَّا هُنَا عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِرّ (قَوْلُهُ: فَرَّقَهُ فِي بَدَنٍ) أَيْ: وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ ح ج، وَقَوْلُهُ: وَيَجْتَنِبُ أَيْ: وُجُوبًا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ ضَرْبُ الْمَقَاتِلِ، وَالْوَجْهِ ح ج
[حاشية الشربيني]
الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ) أَيْ: فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، أَمَّا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ فَيَحْرُمُ إجْمَاعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَجَرٌ وق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَأَوْرَدَ عَدَمَ حَدِّ الْجَاهِلِ بِالْحُرْمَةِ بِجَامِعِ أَنَّ هَذَا مَعْذُورٌ بِاعْتِقَادِهِ الْحِلَّ تَقْلِيدًا لِمَنْ يُجَوِّزُ تَقْلِيدَهُ كَمَا أَنَّ ذَاكَ مَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ، وَضَعْفُ أَدِلَّةِ هَذَا لَا يَقْتَصِرُ عَنْ انْتِفَاءِ أَدِلَّةِ ذَلِكَ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْجَاهِلَ غَافِلٌ عَنْ الْمُعَارِضِ لِاعْتِقَادِهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ، وَأَدِلَّتِهِ فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ الْمُخَالَفَةِ، وَصُورَةِ الْمُعَانِدَةِ سم عَلَى حَجَرٍ، وَقَوْلُنَا فِيمَا مَرَّ عَنْ حَجّ فَيَحْرُمُ إجْمَاعًا أَيْ: لَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ م ر كُفْرُ مُسْتَحِلِّهِ رَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَعُمَرُ ثَمَانِينَ) أَيْ بِاجْتِهَادِهِ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ النَّصَّ، وَقِيلَ إنَّ النَّصَّ لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنْ كَانَ فِي مُسْلِمٍ رَاجِعْ ق ل عَلَى الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ)
وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَنَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ قَالَ: وَسَمِعْت الْمَاسَرْجِسِيَّ يَقُولُ: غَلِطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ: لَا يَجْتَنِبُ لِقَوْلِ الْمُزَنِيّ وَيَتَّقِي الْوَجْهَ، وَالْفَرْجَ، وَنَصُّ الْبُوَيْطِيِّ نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا نَصَّ لِلشَّافِعِيِّ يُخَالِفُهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ
(قُلْتُ، وَيَجِبْ تَأْخِيرُهُ) أَيْ: ضَرْبُ السَّكْرَانِ (حَتَّى يُفِيقَ) مِنْ سُكْرِهِ فَلَوْ جُلِدَ فِيهِ فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ، وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ الِاعْتِدَادُ بِهِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ (وَعَلَى) شَمِّ (نَكْهَتِهِ) أَيْ: رِيحِ فَمِهِ (وَالْقَيْءِ) لِمُسْكِرٍ، وَمُشَاهَدَةِ سُكْرٍ (لَنْ نُعَوِّلَا) أَيْ: لَا نَعْتَمِدُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ، وَالْإِكْرَاهِ، وَإِنَّمَا نُعَوِّلُ عَلَى إقْرَارِهِ، أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ هُوَ، أَوْ هُمَا مُخْتَارًا عَالِمًا بِهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الشُّرْبِ إلَيْهِ قَدْ حَصَلَتْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، وَغَلَبَةُ الْعِلْمِ بِمَا يَتَنَاوَلُهُ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَنَحْوِهِ، وَيُخَالِفُ الزِّنَا فَإِنَّ مُقَدِّمَاتِهِ قَدْ تُسَمَّى زِنًا كَمَا فِي خَبَرِ «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ» فَاحْتِيطَ فِيهِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ طَرِيقًا ثَالِثًا فِيمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يُعْلَمَ شُرْبُهُ مِنْ إنَاءٍ شَرِبَ مِنْهُ غَيْرُهُ فَسَكِرَ، وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَالْمُخْتَصَرِ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَلْيَكُنْ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ
(وَهُوَ لْيُعَزِّرْ) بِإِسْكَانِ اللَّامِ أَيْ: وَالْإِمَامُ يُعَزِّرُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (مَنْ بِغَيْرِهَا) أَيْ: بِغَيْرِ الْجِنَايَاتِ السَّابِقَةِ (عَصَى) بِأَنْ أَتَى مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ كَمُبَاشَرَةِ أَجْنَبِيَّةٍ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، وَسَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ، وَالسَّبِّ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ، وَالتَّزْوِيرِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَالضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِخِلَافِ الزِّنَا لِإِيجَابِهِ الْحَدَّ، وَبِخِلَافِ التَّمَتُّعِ بِالطِّيبِ، وَنَحْوِهِ فِي الْإِحْرَامِ لِإِيجَابِهِ الْكَفَّارَةَ، وَقَدْ يَنْتَفِي التَّعْزِيرُ مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ، وَالْكَفَّارَةِ كَمَا فِي صَغِيرَةٍ صَدَرَتْ مِنْ وَلِيِّ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا سَيَأْتِي، وَكَمَا فِي قَطْعِ شَخْصٍ أَطْرَافَ نَفْسِهِ، وَكَمَا فِي، وَطْءِ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ فِي دُبُرِهَا، فَلَا يُعَزَّرُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ، بَلْ يُنْهَى عَنْ الْعَوْدِ، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ، وَغَيْرُهُ، وَكَمَا فِي تَكْلِيفِ السَّيِّدِ عَبْدُهُ فَوْقَ مَا يُطِيقُ مِنْ الْخِدْمَةِ، فَلَا يُعَزَّرُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَيْضًا، وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ كَمَا فِي قَتْلِ مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ كَالْوَلَدِ، وَكَمَا فِي الظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ السَّابِقِ) قُلْتُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ السَّابِقُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّأْخِيرِ إلَى الْإِفَاقَةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الشَّارِبَ ضُرِبَ حِينَ شُرْبِهِ قَبْلَ غَيْبَةِ عَقْلِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ شَرِبَ قَدْرًا لَا يُسْكِرُ لَكِنْ عَلَى هَذَا يُشْكِلُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الِاعْتِدَادِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا قَبْلَ الْإِفَاقَةِ مِنْ السُّكْرِ، وَلَا سُكْرَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ
[حاشية الشربيني]
أَيْ: الْأَرْبَعُونَ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ ثَمَانِينَ لَكِنْ رَجَعَ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ، وَجَلَدَ أَرْبَعِينَ
(قَوْلُهُ: وَيُخَالِفُ الزِّنَا) تَقَدَّمَ لِلْقَلْيُوبِيِّ، وَغَيْرِهِ فِي بَابِ الزِّنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَوْ مِنْ عَالِمٍ بِذِكْرِ الْمَزْنِيِّ بِهَا، وَكَيْفِيَّةِ الْإِدْخَالِ، وَزَمَانِهِ، وَمَكَانِهِ، وَكَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ الزِّنَا مِنْهُ بِهَا.
اهـ.، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى وَجْهِ الزِّنَا أَنْ يَذْكُرَ مَعَ الْعِلْمِ الِاخْتِيَارَ إذْ الْإِكْرَاهُ دَافِعٌ لِلْحَدِّ، وَإِنْ سُمِّيَ زِنًى مَعَهُ، وَيَكْفِي فِي بَيَانِ ذَلِكَ الظَّاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ هُنَا، فَلَا يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ مَعْنَى التَّفْصِيلِ فِي الزِّنَا ذِكْرُ الْعِلْمِ، وَالِاخْتِيَارِ
(قَوْلُهُ: لَا حَدَّ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ) هَذَا الضَّابِطُ لِلْغَالِبِ فَقَدْ يُشَرَّعُ التَّعْزِيرُ، وَلَا مَعْصِيَةَ كَتَأْدِيبِ طِفْلٍ، وَمَنْ يَكْتَسِبُ بِآلَةِ لَهْوٍ لَا مَعْصِيَةَ فِيهَا، وَقَدْ يَنْتَفِي مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ، وَالْكَفَّارَةِ كَقَطْعِ شَخْصٍ أَطْرَافَ نَفْسِهِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْحَدِّ كَمَا فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَا، أَوْجَبَ الْحَدَّ، وَهُوَ الرِّدَّةُ غَيْرُ مَا، أَوْجَبَ التَّعْزِيرَ، وَهُوَ تَكْرَارُهَا؛ لِأَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الرِّدَّةِ رِدَّةٌ نَعَمْ قَالُوا: إنَّهُ يُعَزَّرُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَفِيهِ إنَّهُ لَا حَدَّ حِينَئِذٍ حَتَّى يَجْتَمِعَا تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ:، وَالتَّزْوِيرِ) أَيْ: مُشَابَهَةُ خَطِّ الْغَيْرِ بِأَنْ يَكْتُبَ خَطًّا مُشَابِهًا لِخَطِّ غَيْرِهِ لِيُظَنَّ أَنَّهُ خَطُّ الْغَيْرِ كَمَا يَقَعُ فِي الْحُجَجِ الْمُزَوَّرَةِ.
اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: مِنْ، وَلِيٍّ) عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، وَهِيَ أَوْلَى بِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ حُرْمَةُ تَعْزِيرِهِمْ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
اهـ. حَجَرٌ.
اهـ. بج (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ إلَخْ.) ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الثَّلَاثَةِ كَمَنْ زَنَى بِأَمَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ مُعْتَكِفٌ مُحْرِمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَيَلْزَمُهُ الْعِتْقُ، وَالْفِدْيَةُ، وَيُحَدُّ لِلزِّنَا، وَيُعَزَّرُ لِقَطْعِ رَحِمِهِ، وَانْتِهَاكِ الْكَعْبَةِ.
اهـ.
ق ل عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَوْلُهُ: وَيُعَزَّرُ إلَخْ.
يُفِيدُ أَنَّ التَّعْزِيرَ لِغَيْرِ مَا، وَجَبَتْ لَهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَتْلِ مَنْ لَا يُقَادُ بِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ لَيْسَ لِلْمَعْصِيَةِ، بَلْ لِإِعْدَامِ النَّفْسِ بِدَلِيلِ إيجَابِهَا بِقَتْلٍ بِالْخَطَأِ فَلَمَّا بَقِيَ التَّعَمُّدُ خَالِيًا عَنْ الزَّاجِرِ، أَوْجَبْنَا فِيهِ التَّعْزِيرَ.
اهـ. قَالَ م ر، وَهَذَا يَقْتَضِي إيجَابَ التَّعْزِيرِ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ إنْ كَانَتْ إتْلَافًا كَالْحَلْقِ، وَالصَّيْدِ دُونَ الِاسْتِمْتَاعِ كَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَكَمَا فِي الظِّهَارِ) فِيهِ أَنَّ سَبَبَ التَّعْزِيرِ هُوَ الْكَذِبُ، وَالْكَفَّارَةُ، وَجَبَتْ بِالْعَوْدِ نَقَلَهُ م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ يُقَالُ:
الْغَمُوسِ، وَإِفْسَادِ الصَّائِمِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعِ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ انْتِفَاءِ الْكَفَّارَةِ فِي إيجَابِ التَّعْزِيرِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ، وَيَحْصُلُ التَّعْزِيرُ (بِالْحَبْسِ، وَاللَّوْمِ) بِالْكَلَامِ (وَجَلْدٍ) ، وَنَفْيٍ، وَكَشْفِ رَأْسٍ، وَقِيَامٍ مِنْ مَجْلِسٍ، وَنَحْوِهَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ جِنْسًا، وَقَدْرًا، وَلَا يُرَقَّى إلَى مَرْتَبَةٍ، وَهُوَ يَرَى مَا دُونَهَا كَافِيًا كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ حَالَةَ كَوْنِهِ (نَقَصَا) تَعْزِيرُ مَنْ يُعَزِّرُهُ (عَنْ نَزْرِ حَدِّهِ) أَيْ: أَقَلِّهِ، فَيَنْقُصُ ضَرْبُ الْحُرِّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَحَبْسُهُ عَنْ سَنَةٍ، وَضَرْبُ غَيْرِهِ عَنْ عِشْرِينَ، وَحَبْسُهُ عَنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِخَبَرِ «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: الْمَحْفُوظُ إرْسَالُهُ، وَقِيلَ لَا يُزَادُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ قَالَ الْقُونَوِيُّ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَمَلِ بِخِلَافِهِ أَهْوَنُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى النَّسْخِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَيْ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يُحَدَّ فَوْقَ عَشَرَةٍ إلَّا فِي حَدٍّ (وَإِنْ حَلَّلَهُ) الْمُسْتَحِقُّ مِنْ تَعْزِيرِهِ بِأَنْ عَفَا عَنْهُ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ لَا يُعَزِّرُهُ قَبْلَ مُطَالَبَةِ الْمُسْتَحِقِّ بِهِ (لَا حَدَّهُ) أَيْ: لَا إنْ حَلَّلَهُ مِنْ حَدِّهِ، فَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ يَتَعَلَّقُ أَصْلُهُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ فَجَازَ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ إسْقَاطُ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْحَدِّ (وَإِنْ رَأَى) أَيْ: الْإِمَامُ إهْمَالَ التَّعْزِيرِ (أَهْمَلَهُ) «لِإِعْرَاضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جَمَاعَةٍ اسْتَحَقُّوهُ» كَالْغَالِّ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَاوِي شِدْقَهُ فِي حُكْمِهِ لِلزُّبَيْرِ (إلَّا) إذَا كَانَ (لِعَبْدٍ) لِلَّهِ تَعَالَى (طَالِبٍ) لَهُ، فَلَا يُهْمِلُهُ كَالْقَوَدِ (وَ) يُعَزِّرُ (وَالِدُ، وَنَائِبٌ) عَنْهُ (صَغِيرَهُ) بِالْإِضَافَةِ إلَى الضَّمِيرِ تَعْلِيمًا، وَزَجْرًا عَنْ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيَّةِ، وَيُؤَدَّبُ أَيْضًا الْمَعْتُوهُ بِمَا يَضْبِطُهُ قَالَ الرَّافِعِيِّ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّ، وَمِنْ الصَّبِيِّ فِي كَفَالَتِهِ كَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَعْلِيمِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ، وَالْأَمْرِ بِهَا، وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا أَنَّ الْأُمَّهَاتِ كَالْآبَاءِ قَالَ الشَّارِحُ وَيُمْكِنُ انْدِرَاجُهَا فِي تَعْبِيرِ النَّظْمِ بِالْوَالِدِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ الْحَاوِي بِالْأَبِ (وَ) يُعَزِّرُ (السَّيِّدُ) رَقِيقَهُ (لِحَقِّهِ) كَمَا يُعَزِّرُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ لِحَقِّهِ، بَلْ، أَوْلَى؛ لِأَنَّ سُلْطَانَهُ أَقْوَى (وَ) لِحَقِّ (رَبِّهِ) تَعَالَى لِمَا مَرَّ فِي الزِّنَا بِخِلَافِ الزَّوْجِ لَا يُعَزِّرُ زَوْجَتَهُ لِحَقِّ رَبِّهِ.
.
، وَقَالَ الْقَمُولِيُّ رَأَيْت فِيمَا عَلَّقَ عَنْ مَشَايِخِ عَصْرِنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ الصَّغِيرَةِ لِلتَّعْلِيمِ، وَاعْتِيَادِ الصَّلَاةِ، وَأَفْتَى ابْنُ الْبَرْزِيِّ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرُ زَوْجَتِهِ بِالصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَضَرْبُهَا عَلَى ذَلِكَ فَلَوْ عَلِمَ الْمُعَزِّرُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ إلَّا بِضَرْبٍ يُبْرِحُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الضَّرْبُ؛ لِأَنَّ الْمُبَرِّحَ مُهْلِكٌ، وَغَيْرُهُ لَا يُفِيدُ
(فَإِنْ) (سَرَى) أَيْ: التَّعْزِيرُ إلَى الْهَلَاكِ ضَمِنَهُ عَاقِلَةُ الْمُعَزِّرِ إمَامًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ إذْ الْمَقْصُودُ التَّأْدِيبُ لَا الْهَلَاكُ فَإِذَا حَصَلَ الْهَلَاكُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَاوَزَ الْحَدَّ الْمَشْرُوعَ نَعَمْ الْمَمْلُوكُ إذَا ضَرَبَهُ الْمُعَلِّمُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ لَا ضَمَانَ فِيهِ كَقَتْلِهِ بِإِذْنِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ، وَكَذَا إذَا عَزَّرَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، أَوْ عَزَّرَ الْوَالِي مَنْ اعْتَرَفَ بِمَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ، وَطَلَبَهُ بِنَفْسِهِ لِإِذْنِهِ (وَلِلشَّرَابِ) أَيْ: وَإِنْ سَرَى إلَى الْهَلَاكِ ضَرَبَهُ لِشُرْبِ الْمُسْكِرِ (ضِعْفُ مَا قَدْ قُدِّرَا) لِحَدِّهِ أَيْ: ثَمَانِينَ ضَمِنَ عَاقِلَتُهُ الزَّائِدَ عَلَى الْمُقَدَّرِ؛ لِأَنَّهُ تَعْزِيرٌ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَرْكُهُ، وَاعْتُرِضَ بِأَنْ، وَضَعَهُ النَّقْصُ عَنْ الْحَدِّ فَكَيْفَ يُسَاوِيهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِجِنَايَاتٍ تَوَلَّدَتْ مِنْ الشَّارِبِ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَلَيْسَ شَافِيًا فَإِنَّ الْجِنَايَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَتَّى يُعَزَّرَ، وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْ الْخَمْرِ لَا تَنْحَصِرُ فَلْتَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِينَ، وَقَدْ مَنَعُوهَا قَالَ: وَفِي قِصَّةِ تَبْلِيغِ الصَّحَابَةِ الضَّرْبَ ثَمَانِينَ أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ الْكُلَّ حَدٌّ، وَعَلَيْهِ فَحَدُّ الشُّرْبِ مَخْصُوصٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُدُودِ بِأَنْ يَتَحَتَّمَ بَعْضُهُ، وَيَتَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
اهـ.
وَيُوَزَّعُ الضَّمَانُ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، فَيَضْمَنُ فِي ضَرْبِ الْحُرِّ ثَمَانِينَ النِّصْفَ، وَفِي ضَرْبِهِ سِتِّينَ الثُّلُثَ، وَفِي ضَرْبِهِ إحْدَى وَثَمَانِينَ أَحَدًا، وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ، وَثَمَانِينَ جُزْءًا (وَجَازَ) أَيْ: ضَرْبُ الْحُرِّ ثَمَانِينَ كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ) قَدْ يُنَافِي هَذَا الْحَمْلُ عَمَلَ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورَ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: قَدْ يَتَرَجَّحُ غَيْرُ الْأَوْلَى لِعُرُوضِ مَصْلَحَةٍ مُقْتَضِيَةٍ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ) أَيْ: النَّسْخُ (قَوْلُهُ:، وَأَفْتَى ابْنُ الْبَرْزِيِّ إلَخْ.) ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ حَتَّى فِي وُجُوبِ ضَرْبِ الْمُكَلَّفَةِ لَكِنْ لَا مُطْلَقًا، بَلْ إنْ تَوَقَّفَ الْفِعْلُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخْشَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ تَشْوِيشٌ لِلْعِشْرَةِ يَعْسُرُ مَدَارِكُهُ حَجَرٌ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ الْمَمْلُوكُ إذَا ضَرَبَهُ إلَخْ.) فِي الرَّوْضِ: وَشَرْحِهِ فِي بَابِ الرَّهْنِ مَا نَصُّهُ (فَرْعٌ) لَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ: اضْرِبْهُ أَيْ: الْمَرْهُونَ فَضَرَبَهُ، فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ، فَوَطِئَ، وَأَحْبَلَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَهُ أَدِّبْهُ، فَإِنَّهُ إذَا ضَرَبَهُ، فَمَاتَ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ هُنَا لَيْسَ مُطْلَقَ الضَّرْبِ بَلْ ضَرْبُ تَأْدِيبٍ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا ضَرَبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ، أَوْ الْإِمَامُ إنْسَانًا تَعْزِيرًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَلِلشَّرَابِ)
[حاشية الشربيني]
بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ أَيْضًا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ إذْ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْحِنْثِ فِي مُطْلَقِ الْيَمِينِ، وَالتَّعْزِيرُ إنَّمَا، وَجَبَ فِي الْغَمُوسِ لِلْفُجُورِ، وَالْكَذِبِ نَعَمْ يَبْقَى إفْسَادُ الصَّائِمِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَارِدًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْجِنَايَةَ إلَخْ.) أَجَابَ م ر بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَامَ عَلَى مَنْعِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَانِينَ فَهِيَ تَعْزِيرَاتٌ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ قَالَ ع ش، وَهُوَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَانِينَ، وَجَوَازُهُ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ.
اهـ.
وَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ تَعْزِيرٌ وَاحِدٌ مَخْصُوصٌ فَلِذَا بَلَغَ الْحَدَّ لَمْ يَبْعُدْ، وَأَشَارَ لَهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ فَحَدُّ الشُّرْبِ إلَخْ.) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الزِّيَادَةَ
وَرَآهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الِافْتِرَاءِ ثَمَانُونَ
(وَ) إنْ سَرَى (الْحُكْمُ) أَيْ: حُكْمُ الْحَاكِمِ أَيْ: مُقْتَضَاهُ إلَى الْهَلَاكِ (وَلَا صَوَابَ لَهْ) بِأَنْ كَانَ خَطَأً كَأَنْ حَكَمَ فِي حَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ، أَوْ امْرَأَتَيْنِ، أَوْ مُرَاهِقَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ بِلَا تَقْصِيرٍ مِنْهُ فِي الْبَحْثِ عَنْ حَالِهِمَا فَمَاتَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ضَمِنَهُ عَاقِلَتُهُ كَالْخَطَأِ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ (لَا) إنْ سَرَى إلَيْهِ (الْحَدُّ) ، فَلَا ضَمَانَ بِهِ، وَإِنْ أُقِيمَ فِي حَرٍّ، وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ فَقَوْلُهُ (فَلْتَضْمَنْهُ عَنْهُ الْعَاقِلَهْ) جَوَابُ قَوْلِهِ: فَإِنْ سَرَى، وَفِي نُسْخَةٍ عَقِبَ هَذَا قُلْتُ، وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ الْفَوَائِدِ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّ وَلِيَّ اللَّهِ لَا يُعَزَّرُ ... إنْ رَفَعُوا عَلَيْهِ ذَنْبًا يُصَغِّرُ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد خَبَرَ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إلَّا فِي الْحُدُودِ» ، وَفَسَّرَهُمْ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأَنَّهُمْ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ، فَيَزِلُّ أَحَدُهُمْ الزَّلَّةَ فَتُتْرَكُ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الزَّلَّةِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي عَثَرَاتِهِمْ، وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الصَّغَائِرُ، وَالثَّانِي أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ زَلَّ فِيهَا مُطِيعٌ
(وَ) إنْ سَرَى إلَيْهِ حُكْمٌ (غَيْرُ جَائِزٍ) أَيْ: مُقْتَضَاهُ (كَحُكْمٍ اعْتَمَدْ) فِيهِ الْحَاكِمُ شَهَادَةَ (عَبْدَيْنِ) ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ مُرَاهِقَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ امْرَأَتَيْنِ (بِالتَّقْصِيرِ) أَيْ: مَعَ تَقْصِيرِهِ فِي الْبَحْثِ عَنْ حَالِهِمَا فَمَاتَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَلْيَضْمَنْهُ (ذَا) أَيْ: الْحَاكِمُ لَا عَاقِلَتُهُ، وَلَا بَيْتُ الْمَالِ (وَلَا قَوَدْ) عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ نَعَمْ إنْ تَعَمَّدَ وَجَبَ الْقَوَدُ عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ احْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الْهُجُومَ عَلَى الْقَتْلِ مَمْنُوعُ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ، بَلْ يَجِبُ قَطْعًا (وَعَادَ ضَامِنٌ) بِسَبَبِ سِرَايَةِ الْحُكْمِ أَيْ: رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ (عَلَى) الشَّاهِدِ (الْفَاسِقِ إنْ أَعْلَنَ) فِسْقَهُ لَا إنْ كَتَمَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُعْلِنِ أَنْ لَا يَشْهَدَ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ يُشْعِرُ بِتَدْلِيسٍ مِنْهُ، وَتَعْزِيرٍ بِخِلَافِ الْكَاتِمِ، وَالذِّمِّيِّ، وَالْمُرَاهِقِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِمْ، وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ، وَأَقَرَّهُمَا عَلَيْهِ شُرَّاحُهُمَا قِيلَ مَرْدُودٌ إذْ لَا رُجُوعَ لِلْحَاكِمِ قَطْعًا لِتَقْصِيرِهِ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ عَاقِلَةٍ، أَوْ بَيْتِ مَالٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا فِي بَابِ الصِّيَالِ، بَلْ قَطَعَا بِهِ فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَزْعُمُ أَنَّهُ صَادِقٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَعَدٍّ، وَقَدْ يُنْسَبُ الْحَاكِمُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي الْبَحْثِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِمَّا، أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ، وَعِبَارَتُهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا فِي أَصْلِهَا السَّالِمِ مِنْ الْإِيهَامِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ كَأَصْلِهِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ، بَلْ قَطَعَا بِهِ فِي بَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْطَعَا بِهِ
(وَالْجَلَّادُ أَنْ يَعْلَمَ) ظُلْمَ الْإِمَامِ، أَوْ خَطَأَهُ فِي أَمْرِهِ بِحَدٍّ، أَوْ تَعْزِيرٍ (ضَمِنْ كَشَافِعِيٍّ قَاتِلٍ لِلْحُرِّ فِي) أَيْ: بِسَبَبِ قَتْلِ (نَفْسٍ رَقِيقَةٍ بِإِذْنِ) الْإِمَامِ (الْحَنَفِيّ) فَهُوَ الضَّامِنُ دُونَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ فَكَانَ حَقُّهُ الِامْتِنَاعَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ سَوْطُ الْإِمَامِ، وَسَيْفُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي السِّيَاسَةِ، فَإِنْ فُرِضَ إكْرَاهٌ فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ.
وَ (لِلْعَاقِلِ الْإِغْرَاقُ) لِنَفْسِهِ (مِنْ نَارٍ) ، وَقَعَ فِيهَا (وَلَمْ يَفُزْ بِغَيْرٍ) أَيْ: بِغَيْرِ الْإِغْرَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ مِنْ لَفَحَاتِ النَّارِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ أَنَّ لَهُ قَتْلَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إغْرَاقٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ عَنْ وَالِدِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي نَارٍ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا
[حاشية العبادي]
عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ: فَإِنْ سَرَى تَعْزِيرُهُ لِغَيْرِ الشَّرَابِ مُطْلَقًا، وَلِلشَّرَابِ ضَعَّفَهُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: مُقْتَضَاهُ) ضَبَّبَ بَيْنَ أَيْ: وَقَوْلُهُ حُكْمُ
(قَوْلُهُ: وَعَادَ ضَامِنٌ) هَذَا شَامِلٌ لِلْإِمَامِ، وَالْعَاقِلَةِ، وَخَصَّهُ الْعِرَاقِيُّ بِالْإِمَامِ، فَقَالَ: الْأَوْلَى أَيْ: مِنْ الْمَسَائِلِ حَيْثُ ضَمِنَ الْحَاكِمُ لِتَقْصِيرِهِ فِي الْحُكْمِ عَادَ بِمَا ضَمِنَهُ أَيْ: رَجَعَ عَلَى الشَّاهِدِ الْفَاسِقِ إنْ كَانَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ.
اهـ. وَاقْتَصَرَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ عَلَى فَرْضِ ذَلِكَ فِي الْعَاقِلَةِ، فَقَالَا، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الْبَحْثِ، بَلْ بَذَلَ وُسْعَهُ، فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَى الشَّاهِدِ إلَّا عَلَى مُتَجَاهِرٍ بِالْفِسْقِ، فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَتْهُ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ كَأَصْلِهِ) فَمَا ذَكَرَاهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ م ر
(قَوْلُهُ:، وَالْجَلَّادُ إنْ يَعْلَمْ ضَمِنَ) نَعَمْ إنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ طَاعَتِهِ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ، فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى نَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْوَافِي، وَأَقَرَّهُ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: كَشَافِعِيٍّ) أَيْ: كَجَلَّادٍ شَافِعِيٍّ، وَالْكَافُ لِلتَّنْظِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ظُلْمُ الْإِمَامِ، أَوْ خَطَؤُهُ بِاعْتِقَادِ نَفْسِهِ، وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَكَانَ حَقُّهُ الِامْتِنَاعَ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ ظَالِمًا بِاعْتِبَارِ عَقِيدَةِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْظَرْ لِكَوْنِ الْجَلَّادِ أَقْدَمَ عَلَى قَتْلٍ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَنْقُضُ إنْ قُلْنَا بِنَقْضِهِ، أَوْ مِمَّا ضَعُفَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْمُخَالِفِ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِنَقْضِهِ، فَكَانَ لَا حُكْمَ، فَانْدَفَعَ مَا لِلشَّارِحِ يَعْنِي: الْجَوْجَرِيَّ هُنَا مِنْ التَّنْظِيرِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَهُ) وَكَذَا لَوْ انْعَكَسَ الْحَالُ، وَكَانَ الْجَلَّادُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْفِعْلِ دُونَ الْإِمَامِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ الْقَاتِلُ، وَالْجَلَّادُ آلَتُهُ مَعَ عُذْرِهِ بِاعْتِقَادِهِ الْجَوَازَ، وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ اسْتِشْكَالُ الْجَوْجَرِيِّ لِذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ فُرِضَ إكْرَاهٌ، فَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ) أَيْ: وَهُوَ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا، وَعِبَارَةُ الْعِرَاقِيِّ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا.
اهـ.
وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ ضَمَانُ الْإِمَامِ مَعَ اعْتِقَادِهِ جَوَازَ الْقَتْلِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ حُكْمِهِ بِهِ، وَيُجَابُ بِمَا عُلِمَ مِنْ الْحَاشِيَةِ الْأُخْرَى مِنْ نَقْضِ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ، فَلَا احْتِرَامَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِالنَّقْضِ، فَقَدْ ضَعُفَ لِضَعْفِ شُبْهَتِهِ فِي ذَلِكَ، فَلَا احْتِرَامَ لَهُ أَيْضًا، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ رَفَعَ الْإِمَامُ الْحَنَفِيُّ لِقَاضٍ شَافِعِيٍّ، فَيَلْزَمُهُ بِالضَّمَانِ، وَيُنْقَضُ حُكْمُهُ إنْ نَقَضْنَاهُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ الْقَضِيَّةُ، أَمَّا إذَا لَمْ يَرْفَعْ لِأَحَدٍ، فَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِهِ بِالضَّمَانِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنْ لَا ضَمَانَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ حُكْمِهِ
[حاشية الشربيني]
تَعْزِيرَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَوْ مَاتَ بِهَا فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ خِلَافًا لِمَا فِي ع ش فَرَاجِعْهُمَا (قَوْلُهُ: افْتَرَى) أَيْ: قَذَفَ، وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ هَذَا حَدَّ الْقَذْفِ بَقِيَ حَدُّ السُّكْرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَذْفَ غَيْرُ مُحَقَّقٍ.
اهـ. بج، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ خُصَّ بِجَوَازِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ
(قَوْلُهُ: أَقِيلُوا) ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ قَالَ حَجَرٌ، وَلَا مَانِعَ
وَلَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا فَأَغْرَقَ نَفْسَهُ، أَوْ أَهْلَكَهَا بِسَبَبٍ آخَرَ جَازَ عِنْدَ أَبِي مُحَمَّدٍ (لَا هَلَاكٌ لِلْأَلَمْ) أَيْ: لَيْسَ لَهُ إهْلَاكُ نَفْسِهِ لِشِدَّةِ الْأَلَمِ، وَعُسْرِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بُرْأَهُ مَرْجُوٌّ.
(وَ) لِلْعَاقِلِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ سَفِيهًا، أَوْ مُكَاتَبًا (قَطْعُ سِلْعَةٍ) مِنْ نَفْسِهِ (وَ) الْحَالَةُ أَنَّ الْقَطْعَ (لَيْسَ أَخْطَرَا) مِنْ التَّرْكِ بِأَنْ يَنْتَفِيَ خَطَرُ الْقَطْعِ، أَوْ يَكُونُ التَّرْكُ أَخْطَرَ، أَوْ يَتَسَاوَيَا لِزِيَادَةِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَتَوَقَّعَهَا فِي الثَّالِثَةِ مَعَ إزَالَةِ الشَّيْنِ فِي الثَّلَاثِ، بَلْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي الثَّانِيَةِ لَوْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ: إنْ لَمْ يَقْطَعْ حَصَلَ أَمْرٌ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ وَجَبَ الْقَطْعُ كَمَا يَجِبُ دَفْعُ الْمُهْلِكَاتِ، وَيَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ.
اهـ. وَمِثْلُهُ يَجْرِي فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيِّ الْآتِيَةِ، فَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ أَخْطَرَ، أَوْ الْخَطَرُ فِيهِ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ الْقَطْعُ، وَالسِّلْعَةُ بِكَسْرِ السِّينِ غُدَّةٌ تَخْرُجُ بَيْنَ الْجِلْدِ، وَاللَّحْمِ (وَجَازَ لِلْوَلِيِّ) إمَامًا، أَوْ غَيْرَهُ قَطْعُهَا مِنْ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ (إذْ) أَيْ: وَقْتَ (لَا خَطَرَا) فِي قَطْعِهَا؛ لِأَنَّهُ يَلِي صَوْنَ مَالِهِمَا عَنْ الضَّيَاعِ فَبَدَنُهُمَا، أَوْلَى، وَلِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الشَّيْنِ
(وَ) جَازَ لَهُ (الْفَصْدُ، وَالْحَجْمُ، وَخَتْنٌ) لِمَنْ يَلِيهِ (فِي الصِّغَرِ) ، وَالْجُنُونِ حَيْثُ لَا خَطَرَ فِيهَا (وَ) جَازَ (لِأَبٍ) ، وَإِنْ عَلَا قَطْعُ سِلْعَةِ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَفَصْدِهِمَا، وَحَجْمِهِمَا، وَخَتْنِهِمَا (إذْ) بِمَعْنَى إذَا كَانَ (تَرْكُهَا أَقْوَى خَطَرْ) مِنْ قَطْعِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقَطْعُ أَخْطَرَ، أَوْ تَسَاوَيَا، أَمَّا غَيْرُ الْأَبِ مِنْ إمَامٍ، أَوْ وَصِيٍّ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ، وَفَرَاغٍ، وَشَفَقَةٍ كَامِلَةٍ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ، وَصِيَّةً جَازَ لَهَا ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ (قُلْتُ كَذَا أَصْلَحَ) أَيْ: بَيَّنَ (فِي التَّعْلِيقَهْ هَذَا الْمَكَانَ فَاعْتَمِدْ تَحْقِيقَهْ) فَإِنَّهُ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ قَوْلِ الْحَاوِي، وَلِلْأَبِ، وَالْجَدِّ بِلَا خَطَرٍ، أَوْ حَيْثُ التَّرْكُ أَخْطَرُ، وَفَصْدُ الصَّغِيرِ، وَحِجَامَتُهُ، وَخِتَانُهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِلَا خَطَرٍ، وَالْفَصْدُ، وَالْحَجْمُ، وَالْخَتْنُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَبِ، وَالْجَدِّ، بَلْ يَفْعَلُهَا غَيْرُهُمَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا، وَالْيَدُ الْمُتَأَكِّلَةُ فِيمَا ذُكِرَ كَالسِّلْعَةِ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ بِجَائِزٍ، فَلَا ضَمَانَ، أَوْ بِمَمْنُوعٍ مِنْهُ فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِ الْفَاعِلِ لِتَعَدِّيهِ، وَلَا قَوَدَ لِلشُّبْهَةِ نَعَمْ إنْ خَتَنَ صَبِيًّا فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُهُ لَزِمَهُ الْقَوَدُ إلَّا الْوَالِدَ، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلَوْ فَعَلَ فَمَاتَ الْمَفْعُولُ بِهِ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ قَوَدًا، أَوْ غَيْرَهُ (وَيَقْهَرُ الْإِمَامُ) عَلَى الْخِتَانِ (بَالِغًا) عَاقِلًا مُحْتَمِلًا لَهُ (أَبَى خِتَانَهُ) أَيْ: امْتَنَعَ مِنْهُ، وَلَا ضَمَانَ إنْ سَرَى إلَى الْهَلَاكِ لَكِنْ لَوْ بَادَرَ فَخَتَنَهُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ فَهَلَكَ بِهِ ضَمِنَ بِخِلَافِ الْحَدِّ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحُدُودِ إلَى الْإِمَامِ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِمَا يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ، وَالْخِتَانُ يَتَوَلَّاهُ الْمَخْتُونُ، أَوْ، وَالِدُهُ غَالِبًا فَإِذَا تَوَلَّاهُ هُوَ شُرِطَ فِيهِ غَلَبَةُ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَيَضْمَنُ نِصْفَ الدِّيَةِ لَا الْجَمِيعَ عَلَى الْأَصَحِّ (وَبِالْبُلُوغِ) ، وَالْعَقْلِ، وَاحْتِمَالِ الْخِتَانِ (وَجَبَا) أَيْ: الْخِتَانُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] ، وَكَانَ مِنْ مِلَّتِهِ الْخِتَانُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ اخْتَتَنَ، وَعُمْرُهُ ثَمَانُونَ سَنَةً» ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «مِائَةٌ، وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ سَبْعُونَ سَنَةً» «، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْخِتَانِ رَجُلًا أَسْلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالُوا: وَلِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوٍ لَا يَخْلُفُ، فَلَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا كَقَطْعِ الْيَدِ، وَلِأَنَّهُ جُرْحٌ يُخَافُ مِنْهُ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجُزْ، وَهُوَ لِلذَّكَرِ (بِالْقَطْعِ لِلْقُلْفَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ، وَهُوَ مَا يُغَطِّي الْحَشَفَةَ حَتَّى تَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا، وَلَوْ كَانَ لَهُ قُبُلَانِ خُتِنَا إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ، وَإِلَّا فَالْأَصْلِيُّ، فَإِنْ شَكَّ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَالْخُنْثَى، وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (قُلْتُ) خِتَانُ (الْخُنْثَى فِيهِ خِلَافٌ) صَحَّحَ النَّوَوِيُّ مِنْهُ حُرْمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يَجُوزُ بِالشَّكِّ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْمَشْهُورُ وُجُوبُهُ فِي فَرْجَيْهِ جَمِيعًا لِيُتَوَصَّلَ إلَى الْمُسْتَحَقِّ، وَعَلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ إنْ أَحْسَنَ الْخَتْنَ خَتَنَ نَفْسَهُ، وَإِلَّا ابْتَاعَ أَمَةً تَخْتِنُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا تَوَلَّاهُ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ
[حاشية العبادي]
بِهِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ يَظْهَرُ أَيْضًا تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ
(قَوْلُهُ: أَوْ مُكَاتَبًا) قَالَ النَّاشِرِيُّ وَفِي مَعْنَى الْحُرِّ، وَالْمُكَاتَبِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ إنْ جَعَلْنَا كَسْبَهُ لَهُ بِخِلَافِ الْمَنْذُورِ إعْتَاقُهُ، أَوْ الْمَشْرُوطِ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ لِمَالِكِهِ، فَلَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فَإِنْ شِئْت قُلْتُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ، أَوْ الرَّقِيقُ الَّذِي كَسْبُهُ لَهُ.
اهـ. (قَوْلُهُ: بَلْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي الثَّانِيَةِ إلَخْ.) قِيَاسُهَا الْأُولَى بِالْأَوْلَى
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ إلَخْ.) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَبَ الرَّقِيقَ، وَالسَّفِيهَ كَالْأَجْنَبِيِّ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْهَرُ الْإِمَامُ بَالِغًا إلَخْ.) ، وَكَمَا يَجِبُ الْخِتَانُ يَجِبُ قَطْعُ السُّرَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ثُبُوتُ الطَّعَامِ إلَّا بِهِ إلَّا أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّهُ لَا يُفْعَلُ إلَّا فِي الصِّغَرِ كَذَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ شَرْحٌ رَوْضٌ (قَوْلُهُ: قَالُوا، وَلِأَنَّهُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى النَّظَرِ فِيهِ، وَلَعَلَّ
[حاشية الشربيني]
مِنْهُ
(قَوْلُهُ: أَوْ الْخَطَرُ فِيهِ فَقَطْ) هَذِهِ مَفْهُومَةٌ مِنْ الْمُصَنِّفِ بِالْأُولَى (قَوْلُهُ: أَيْ: وَقْتَ لَا خَطَرَا) خَرَجَ حَالَةَ التَّسَاوِي هُنَا، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْقَطْعُ فِيهَا، وَمِثْلُهُ الْفَصْدُ، وَالْحَجْمُ، وَالْخَتْنُ
(قَوْلُهُ: وَفَصْدِهِمَا إلَخْ.) هَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَإِنْ أُرِيدَ إدْخَالُهَا فِي كَلَامِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ مِنْ قَطْعِهَا مِنْ فِعْلِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ أَخْطَرَ إلَخْ.
تَأَمَّلْ.
(وَقَوْلُهُ: إلَّا الْوَالِدَ) أَيْ: لَا قَوَدَ لَكِنْ يَضْمَنُ الدِّيَةَ.
اهـ. حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: نِصْفَ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ تَوَلَّدَ مِنْ مُسْتَحِقٍّ، وَغَيْرِهِ شَرْحُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ إلَخْ.) ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ تُكْشَفُ لَهُ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ لَمْ يَجُزْ.
اهـ. م ر (قَوْلُهُ: صَحَّحَ النَّوَوِيُّ إلَخْ.) مُعْتَمَدٌ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ضَعِيفٌ م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
لِلضَّرُورَةِ كَالتَّطْبِيبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَعَ مَا مَرَّ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ بِلَا حَاجَةٍ أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْوَاضِحَ إذَا أَحْسَنَ أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ مِنْ أَنْ يَخْتِنَهُ، وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا تَعَيَّنَ مَنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الذِّمِّيَّةَ لَا تَخْتِنُ مُسْلِمَةً مَعَ وُجُودِ مُسْلِمَةٍ
(وَاسْمُهُ) أَيْ:، وَالْخِتَانُ (لِلْأُنْثَى) بِاسْمِ الْقَطْعِ بِمَعْنَى مُسَمَّاهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْحَاوِي أَيْ: بِمَا يُسَمَّى قَطْعًا مِنْ اللَّحْمَةِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ، وَإِذَا قُطِعَتْ بَقِيَ أَصْلُهَا كَالنَّوَاةِ (وَخَتْنُهُ) أَيْ: كُلٍّ مِنْ الذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى (قَبْلَ الْبُلُوغِ أَفْضَلُ) مِنْهُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ (قُلْتُ، وَسَابِعٌ) مِنْ يَوْمِ الْوِلَادَةِ أَيْ: الْخَتْنِ فِيهِ (لِمَنْ يَحْتَمِلُ) الْخَتْنَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِيمَا بَعْدَهُ لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ، وَالْحَاكِمِ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَتَنَ الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِمَا» ، وَلَا يُحْسَبُ يَوْمُهَا مِنْ السَّبْعَةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْبُوَيْطِيِّ، وَالْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَإِنْ حُسِبَ مِنْهَا فِي الْعَقِيقَةِ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَسْمِيَةِ الْوَلَدِ لِمَا فِي الْخَتْنِ مِنْ الْأَلَمِ الْحَاصِلِ بِهِ الْمُنَاسِبُ لَهُ التَّأْخِيرُ الْمُفِيدُ لِلْقُوَّةِ عَلَى تَحَمُّلِهِ.
[بَابُ الصِّيَالِ]
(بَابُ الصِّيَالِ) هُوَ الِاسْتِطَالَةُ، وَالْوُثُوبُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] ، وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا» ، وَالصَّائِلُ ظَالِمٌ فَيُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ، وَخَبَرُ «مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (يُدْفَعُ صَائِلٌ) عِنْدَ ظَنِّ صِيَالِهِ مُسْلِمًا كَانَ، أَوْ كَافِرًا حُرًّا، أَوْ قِنًّا مُكَلَّفًا، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَلَوْ بَهِيمَةً عَنْ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ طَرَفٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا (وَلَوْ عَنْ مَالِ) ، وَإِنْ قَلَّ نَعَمْ لَوْ صَالَ مُكْرَهًا عَلَى إتْلَافِهِ مَالِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ بَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ بِمَالِهِ كَمَا يُنَاوِلُ الْمُضْطَرَّ طَعَامَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعُ الْمُكْرَهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الدَّافِعِ بَيْنَ الْمَصُولِ عَلَيْهِ، وَغَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ: يُدْفَعُ بِبِنَائِهِ لِلْمَفْعُولِ، وَكَالْمَالِ الِاخْتِصَاصَاتُ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ، وَنَحْوِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَسِيطِ، وَغَيْرِهِ (وَاهْدُرْهُ) بِدَرْجِ الْهَمْزَةِ أَيْ: الصَّائِلَ، فَلَا يَضْمَنُ يُقَالُ: أَهْدَرَ السُّلْطَانُ دَمَهُ أَيْ: أَبْطَلَهُ، وَأَبَاحَهُ (لَا الْجَرَّةِ بِالْإِطْلَالِ) أَيْ: مَعَ إطْلَالِهَا أَيْ: إشْرَافِهَا يَعْنِي: سُقُوطَهَا عَلَى إنْسَانٍ، وَلَمْ تَنْدَفِعْ إلَّا بِكَسْرِهَا، وَكَسَرَهَا، فَلَا تَهْدُرْهَا إذْ لَا قَصْدَ لَهَا بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ (وَمَا عَنْ الطَّعَامِ جَائِعًا عَضَلْ) أَيْ: وَلَا تُهْدَرُ بَهِيمَةٌ مَنَعَتْ الْجَائِعَ عَنْ الطَّعَامِ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِإِتْلَافِهَا، وَأَتْلَفَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْصِدْهُ، وَإِتْلَافُهُ لَهَا لِدَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْجُوعِ فَكَانَ (كَذِي اضْطِرَارِ مَالِ غَيْرِهِ أَكَلْ) أَيْ: كَمُضْطَرٍّ أَكَلَ مَالَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُهْدَرُ بَلْ يَغْرَمُهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَصَحَّ فِي الْبَهِيمَةِ نَفْيَ الضَّمَانِ كَمَا لَوْ عَمَّ الْجَرَادُ الْمَسَالِكَ فَوَطِئَهَا الْمُحْرِمُ، وَقَتَلَ بَعْضَهَا انْتَهَى، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْحَقَّ ثَمَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُنَا لِلْآدَمِيِّ
(وَالدَّفْعُ عَنْ) تَعَاطِي سَبَبٍ (إثْمٍ) كَشُرْبِ خَمْرٍ، وَضَرْبِ طُنْبُورٍ، وَشَدْخِ رَأْسِ حَيَوَانٍ، وَلَوْ لِلشَّادِخِ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ قَطْعًا، وَعَلَى الْآحَادِ، وَلَوْ بِالْأَسْلِحَةِ (عَلَى مَا صَحَّحَهْ) جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ لِلْأَصْحَابِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ حَتَّى لَوْ عَلِمَ بِخَمْرٍ فِي بَيْتِ رَجُلٍ، أَوْ طُنْبُورٍ، وَعَلِمَ بِشُرْبِهِ، أَوْ ضَرْبِهِ فَلَهُ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِ
[حاشية العبادي]
وَجْهَهُ انْتِقَاضُهُ بِنَحْوِ قَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ فِي صُورَةِ جَوَازِهِ دُونَ وُجُوبِهِ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُكَلَّفَ الْوَاضِحَ إلَخْ.) هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ، وَجَبَ أَنْ يَبْتَاعَ أَمَةً تَخْتِنُهُ حَيْثُ أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَزَوَّجَ زَوْجَةً تَخْتِنُهُ إنْ أَمْكَنَ، وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا فِيهِ نَظَرٌ.
(بَابُ الصِّيَالِ) (قَوْلُهُ: وَكَالْمَالِ الِاخْتِصَاصَاتُ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ جَوَازُ الدَّفْعِ عَنْهَا، وَلَوْ بِقَتْلِ نَحْوِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً (قَوْلُهُ: فَلَا يَهْدُرُهَا) نَعَمْ إنْ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِمَحِلِّ عُدْوَانًا كَأَنْ وُضِعَتْ بِرَوْشَنٍ، أَوْ عَلَى مُعْتَدِلٍ لَكِنَّهَا مَائِلَةٌ لَمْ يَضْمَنْهَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَمُرَادُهُ بِعُدْوَانٍ مَا يَضْمَنُ بِهِ بِقَرِينَةِ مِثَالِهِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: أَيْ: وَلَا تُهْدَرُ بَهِيمَةٌ مَنَعَتْ إلَخْ.) يَنْبَغِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْبَهِيمَةِ سِوَى مُجَرَّدِ الْحَيْلُولَةِ، أَمَّا لَوْ قَصَدَتْ إتْلَافَ الطَّعَامِ بِأَكْلِهِ
[حاشية الشربيني]
(بَابُ الصِّيَالِ)
(قَوْلُهُ: فَمَنْ اعْتَدَى إلَخْ.) فِيهِ أَنَّ الصَّائِلَ لَمْ يَعْتَدِ بِالْفِعْلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْآيَةُ شَامِلَةٌ لِلْمُعْتَدِي حُكْمًا، وَهُوَ مُرِيدُ الِاعْتِدَاءِ، وَقَوْلُهُ: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] أَيْ: جِنْسِهِ لِمَا يَأْتِي أَنَّ الصَّائِلَ يُدْفَعُ بِالْأَخَفِّ (قَوْلُهُ: يُدْفَعُ إلَخْ.) لَوْ قَتَلَ الدَّاخِلَ، وَادَّعَى الدَّفْعَ كُلِّفَ بَيِّنَةً، وَلَوْ بِأَنَّهُ دَخَلَ شَاهِرًا سِلَاحَهُ مُطْلَقًا، أَوْ بِسِلَاحٍ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْفَسَادِ، وَبَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ.
اهـ. شَرْحُ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ (قَوْلُهُ: عِنْدَ ظَنِّ صِيَالِهِ) أَيْ: ظَنًّا قَوِيًّا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ م ر عِنْدَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ.
اهـ. ع ش (قَوْلُهُ: بَهِيمَةً) أَخَذَهُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِمَا دُونَ مِنْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَالِ) فَإِنَّ الدَّفْعَ عَنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ مِنْهُ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ، وَلَوْ كَانَ لِلْغَيْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، أَمَّا الْحَيَوَانُ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ.
اهـ. م ر وع ش، وَمَحَلُّ عَدَمِ وُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْ الْمَالِ فِي غَيْرِ الْوُلَاةِ، أَمَّا هُمْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الدَّفْعُ، وَفِي غَيْرِ الْوَلِيِّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ، وَالْوَدِيعِ، وَالْمَالِ الْمَرْهُونِ، وَلَوْ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي غَيْرِ مَا إذَا لَزِمَ عَلَى عَدَمِ الدَّفْعِ نَقْصُ جَاهٍ، أَوْ مَنْصِبٍ، أَوْ خَسَارَةٌ.
اهـ. ق ل، وَلَمْ يَرْتَضِ ع ش وُجُوبُ الدَّفْعِ عَلَى غَيْرِ الرَّاهِنِ، وَالْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِهِمَا فَرَاجِعْهُ
وَيُرِيقُ الْخَمْرَ، وَيَفْصِلُ الطُّنْبُورَ، وَيَمْنَعُ أَهْلَ الدَّارِ الشُّرْبَ، وَالضَّرْبَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا قَاتَلَهُمْ، وَإِنْ أَتَى الْقِتَالَ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ تَكْمِلَةً مَعَ إيهَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْإِمَامِ، وَفِي الْآحَادِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَوْ زَادَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَوْ بِالْأَسْلِحَةِ كَانَ، أَوْلَى إذْ الْمُقَابِلُ لَهُ، وَيُنْسَبُ لِلْأُصُولِيِّينَ يَقُولُ: لَيْسَ لِلْآحَادِ الدَّفْعُ بِالْأَسْلِحَةِ لِمَا فِي شَهْرِهَا لِغَيْرِ الْإِمَامِ مِنْ إثَارَةِ الْفِتَنِ، وَتَعْبِيرُهُ كَالْغَزَالِيِّ عَمَّا ذُكِرَ بِالْوُجُوبِ لَا يُنَافِيهِ تَعْبِيرُ الْأَصْحَابِ بِالْجَوَازِ إذْ لَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ، بَلْ أَنَّهُ جَائِزٌ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ قَبْلَ ارْتِكَابِ الْإِثْمِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِالْوَاجِبِ
(وَ) الدَّفْعُ عَنْ (الْبُضْعِ) ، وَلَوْ بُضْعَ أَجْنَبِيَّةٍ، وَأَمَةٍ (وَاجِبٌ) إذْ لَا مَجَالَ لِلْإِبَاحَةِ فِيهِ بِخِلَافِ الْمَالِ (وَلَوْ) كَانَ الدَّفْعُ (بِالْأَسْلِحَهْ) فَإِنَّهُ يَجِبُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الدَّفْعُ فِيمَا ذُكِرَ إذَا لَمْ يَخَفْ الدَّافِعُ عَلَى نَفْسِهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ عُضْوَهُ، وَمَنْفَعَتَهُ كَنَفْسِهِ، وَصَرَّحَ بِالْبُضْعِ اهْتِمَامًا؛ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ.
(وَ) دَفْعُ (غَيْرِ ذِي عَقْلٍ) مِنْ بَهِيمَةٍ، وَمَجْنُونٍ (عَنْ النَّفْسِ) الْمُحْتَرَمَةِ (وَجَبْ) إذْ الْبَهِيمَةُ تُذْبَحُ لِاسْتِبْقَاءِ الْآدَمِيِّ، فَلَا، وَجْهَ لِلِاسْتِسْلَامِ لَهَا، وَالْمَجْنُونَةَ لَوْ قَتَلَ لَمْ يَبُؤْ بِالْإِثْمِ فَأَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ، وَهَذَا طَرِيقَةٌ فِيهِ نَقَلَهَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا، وَاَلَّذِي اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمَا تَرْجِيحُ جَوَازِ الِاسْتِسْلَامِ لَهُ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، وَرَضِيَ بِالشَّهَادَةِ، وَعَلَيْهِ اخْتَصَرَ شَيْخُنَا الْحِجَازِيُّ، وَغَيَّرَ كَلَامَ الرَّوْضَةِ (وَ) وَجَبَ دَفْعُ (كَافِرٍ) ، وَلَوْ مَعْصُومًا عَنْ النَّفْسِ إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَالْمَعْصُومُ بَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ ذُلٌّ فِي الدِّينِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الصَّائِلُ مُسْلِمًا، فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد «كُنَّ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ يَعْنِي: قَابِيلَ، وَهَابِيلَ» ، وَلِمَنْعِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَبِيدَهُ مِنْ الدَّفْعِ يَوْمَ الدَّارِ، وَقَالَ: مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَقَيَّدَهُ الْإِمَامُ، وَغَيْرُهُ بِمَحْقُونِي الدَّمِ لِيَخْرُجَ غَيْرُهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَتَارِكِ الصَّلَاةِ قَالَ الشَّيْخَانِ، وَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِسْلَامِ مِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ، وَيَصِفُهُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ النَّظْمِ أَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ نَعَمْ إنْ كَانَ مَالُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، أَوْ، وَقْفٍ، أَوْ مَالًا مُودَعًا وَجَبَ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ الدَّفْعُ عَنْهُ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ
، وَدَفْعُ الصَّائِلِ يَكُونُ بِالتَّدْرِيجِ فَيُدْفَعُ أَوَّلًا (بِرَفْعِ صَوْتٍ) عَلَيْهِ (أَوْ هَرَبْ) مِنْهُ، أَوْ اسْتِغَاثَةٍ بِأَحَدٍ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِذَلِكَ دُفِعَ (بِضَرْبِهِ الْأَخَفَّ فَالْأَخَفْ) ، فَيَضْرِبُهُ بِالْيَدِ، ثُمَّ بِالسَّوْطِ، ثُمَّ بِالْعَصَا (ثُمَّ) يُدْفَعُ (بِجُرْحٍ، ثُمَّ قَطْعِهِ الطَّرَف) ، ثُمَّ بِالْقَتْلِ فَإِنْ دُفِعَ بِالْأَثْقَلِ مَنْ يَنْدَفِعُ بِمَا دُونَهُ فَهَلَكَ ضَمِنَهُ إلَّا إذَا فَقَدَ آلَةَ الْأَخَفِّ بِأَنْ كَانَ يَنْدَفِعُ بِالْعَصَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا السَّيْفُ، فَلَا ضَمَانَ إذْ لَهُ الدَّفْعُ بِهِ حِينَئِذٍ، وَكَذَا إذَا الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا لِخُرُوجِ
[حاشية العبادي]
أَوْ غَيْرِهِ، فَلَهُ دَفْعُهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ، وَلَا ضَمَانَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: السَّابِقِ يُدْفَعُ صَائِلٌ، وَلَوْ عَنْ مَالٍ
(قَوْلُهُ: وَتَعْبِيرُهُ كَالْغَزَالِيِّ عَمَّا ذُكِرَ بِالْوُجُوبِ) أَيْ: بِقَوْلِهِ اللَّاتِي، وَاجِبٌ
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرٌ إلَخْ.) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ النَّفْسِ الْمُحْتَرَمَةِ إذَا خَافَ عَلَى مَنْفَعَةِ أُصْبُعِهِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ) أَيْ: وَهُوَ الْإِثْمُ (قَوْلُهُ: مِنْ بَهِيمَةٍ، وَمَجْنُونٍ) سَكَتَ عَنْ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ (قَوْلُهُ: لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ إلَخْ.) قَدْ يُشْعِرُ هَذَا الْكَلَامُ بِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ فِي صُورَةِ الْبَهِيمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ مَجْمُوعَ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، وَالرِّضَى بِالشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: وَوَجَبَ دَفْعُ كَافِرٍ) كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْكُفَّارُ بِلَادَنَا، فَلِمُسْلِمٍ قَصَدُوهُ، وَجَوَّزَ الْأَسْرَ، وَالْقَتْلَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ قَتْلٌ جَازَ لَهُ الِاسْتِسْلَامُ، فَهَلْ يُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: وَكَافِرٌ (قَوْلُهُ: إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ إلَخْ.) هَذَا يَصْلُحُ لِلْجَوَازِ دُونَ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ إلَخْ.) قَدْ يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ إلَخْ.) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ بِقَتْلِ الصَّائِلِ
(قَوْلُهُ: الْأَخَفَّ، فَالْأَخَفْ) يَنْبَغِي جَوَازُ نَصْبِهِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ: الضَّرْبَ الْأَخَفَّ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَالِ) الَّذِي تَحَرَّرَ لِلشَّيْخِ عَمِيرَةَ عَلَى الْمَحَلِّيِّ أَنَّ الدَّفْعَ عَنْ الْمَالِ إنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ قِتَالٌ، وَجَبَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا جَازَ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي اقْتَضَاهُ إلَخْ) .
مُعْتَمَدٌ م ر (قَوْلُهُ: وَوَجَبَ دَفْعُ كَافِرٍ عَنْ النَّفْسِ) أَيْ: إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا فِي الْحَاشِيَةِ تَأَمَّلْهُ فَلَوْ أَرَادَ كَافِرٌ أَسْرَ مُسْلِمٍ، وَأَمِنَ الْقَتْلَ لَوْ امْتَنَعَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّفْعُ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ (قَوْلُهُ: بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ) ، بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْأَصْلِ.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ) ، بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ قَالَ م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَلَى مِثْلِ مَا هُنَا، وَعَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ إنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ، وَجَبَ، وَإِلَّا، فَلَا، وَمَالَ إلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَاسْتَثْنَاهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَقَالَ: إنَّهُ يَجِبُ قَطْعًا، وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ: الْمَذْهَبُ إنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِلَا تَفْوِيتِ رُوحٍ، أَوْ عُضْوٍ، وَجَبَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِتَفْوِيتِ رُوحِهِ، أَوْ عُضْوِهِ، وَلَمْ نُوجِبْ الْهَرَبَ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَيَّدَهُ بِتَرْجِيحِهِمْ وُجُوبَ الْهَرَبِ.
اهـ. وَمِثْلُهُ فِي حَوَاشِي التَّحْرِيرِ، وَالْمَنْهَجِ قَالَ الْبُجَيْرِمِيُّ وَمَا نُقِلَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغَاثَةِ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ.
اهـ.، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ إذْ
الْأَمْرِ عَنْ الضَّبْطِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمَحَلُّ رِعَايَةِ التَّدْرِيجِ فِي غَيْرِ الْفَاحِشَةِ فَلَوْ رَآهُ قَدْ أَوْلَجَ فِي امْرَأَةٍ فَلَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مُوَاقِعٌ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي الْمَعْصُومِ، أَمَّا غَيْرُهُ كَالْحَرْبِيِّ، وَالْمُرْتَدِّ فَلَهُ الْعُدُولُ إلَى قَتْلِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ (وَفَكِّ لَحْيَيْ مَنْ لِعَضٍّ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ لِضَعْفِ الْعَامِلِ بِتَأْخِيرِهِ، وَهُوَ (شَدَّدَا) أَيْ: قَوِيَ عَضُّهُ، وَعِبَارَةُ الْحَاوِي، وَفَكِّ لَحْيَيْ مَنْ عَضَّ أَيْ: وَيُدْفَعُ بِفَكِّ لَحْيَيْ مَنْ عَضَّ يَدَ غَيْرِهِ مَثَلًا لَا خَلْعًا، بَلْ تَفْرِيقًا بِفَتْحِ فَمِهِ لِيُخْرِجَ يَدَهُ، وَيُرَاعَى فِي دَفْعِهِ التَّدْرِيجُ بِأَخَفَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيَدْفَعُهُ بِفَكِّ لَحْيَيْهِ أَوَّلًا (فَضَرْبِ شِدْقَيْهِ) ثَانِيًا (فَسَلِّهِ الْيَدَا) ثَالِثًا (قُلْتُ كَذَا شَرْحُ الْوَجِيزِ) لِلرَّافِعِيِّ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ (رَتَّبَا مَا) بِزِيَادَةِ مَا أَيْ: رَتَّبَ (بَيْنَ أَنْ يَفُكَّهُ) أَيْ: لَحْيِ الْعَاضِّ (وَ) أَنْ (يَضْرِبَا) شِدْقَيْهِ فَقَدَّمَ الْفَكَّ عَلَى الضَّرْبِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا عَضَّ إنْسَانٌ يَدَهُ خَلَّصَهَا بِأَيْسَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ لَحْيَيْهِ، وَتَخْلِيصُ مَا عَضَّهُ فَعَلَ، وَإِلَّا ضَرَبَ شِدْقَيْهِ لِيَدَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، وَسَلَّ يَدَهُ فَسَقَطَتْ أَسْنَانُهُ، فَلَا ضَمَانَ (وَجَاءَ) هَذَا الْحُكْمُ (فِي الْحَاوِي بِأَوْ مُخَيِّرَا) بَيْنَ الْفَكِّ، وَالضَّرْبِ (مُتَابِعًا فِي ذَلِكَ الْمُحَرَّرَا) ، وَمَا عَزَاهُ لِلْمُحَرَّرِ لَيْسَ فِيهِ، وَإِنْ عَبَّرَ بِأَوْ، وَعِبَارَتُهُ خَلَّصَهَا بِأَيْسَرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ، أَوْ ضَرْبِ شِدْقَيْهِ، وَهُوَ مُسَاوٍ لِقَوْلِ الْمِنْهَاجِ خَلَّصَهَا بِالْأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ، وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ فِي أَنَّهُ يَفْعَلُ الْأَسْهَلَ مِنْهُمَا، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْفَكَّ أَسْهَلُ فَهُوَ مُرَتَّبٌ لَا مُخَيَّرٌ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّخَلُّصُ إلَّا بِفَكِّ لَحْيَيْهِ خَلْعًا، أَوْ بِبَعْجِ بَطْنِهِ، أَوْ فَقْءِ عَيْنَيْهِ، أَوْ عَصْرِ خُصْيَيْهِ، أَوْ نَحْوِهَا فَلَهُ ذَلِكَ (وَإِنْ نَضَا) أَيْ: سَلَّ الْمَعْضُوضُ (أَسْنَانَهُ) أَيْ: الْعَاضِّ (بِفِعْلَتِهِ) فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَلَا يَضْمَنُ أَسْنَانَهُ كَنَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ ظَالِمًا أَمْ مَظْلُومًا إذْ الْعَضُّ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ، وَقَدْ أَهْدَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَنْيَتَيْ الْعَاضِّ، وَقَالَ: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ» نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَعْضُوضُ مُرْتَدًّا، أَوْ مُتَحَتِّمَ الْقَتْلِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا يُفْعَلُ بِالْعَاضِّ مَا يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ أَسْنَانِهِ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَوْلُهُمْ لَا يَجُوزُ الْعَضُّ بِحَالٍ حَمَلَهُ فِي الِانْتِصَارِ عَلَى مَا إذَا أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ بِلَا عَضٍّ، وَإِلَّا فَهُوَ حَقٌّ لَهُ نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَقَالَ أَنَّهُ صَحِيحٌ
(وَرَمْيِ عَيْنِ نَاظِرٍ لِحُرْمَتِهِ) أَيْ: وَيُدْفَعُ النَّاظِرُ لِحُرْمَةِ إنْسَانٍ فِي دَارِهِ (مِنْ ثُقْبَةٍ) كَكُوَّةٍ، وَشِقِّ بَابٍ مَرْدُودٍ بِرَمْيِ عَيْنِهِ (إذْ) أَيْ: وَقْتَ (لَا) يَكُونُ (لَهُ عِرْسٌ) أَيْ: زَوْجَةٌ (وَلَا مَحْرَمَ ثَمَّ) أَيْ: فِي الْمَحَلِّ الْمَنْظُورِ إلَيْهِ (بِحَصَاةٍ مَثَلَا) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَوْ اطَّلَعَ أَحَدٌ فِي بَيْتِك، وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ فَفَقَأْت عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْك مِنْ جُنَاحٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ «، فَلَا قَوَدَ، وَلَا دِيَةَ» ، وَالْمَعْنَى فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ النَّظَرِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْحُرْمَةُ مَسْتُورَةً أَمْ لَا، وَلَوْ فِي مُنْعَطِفٍ إذْ لَا يَدْرِي مَتَى تَسْتَتِرُ، وَتَنْكَشِفُ، فَيَحْسِمُ بَابَ النَّظَرِ، وَسَوَاءٌ فِي النَّاظِرِ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْخُنْثَى، وَالْمُرَاهِقُ الْمَمْنُوعُونَ مِنْ النَّظَرِ، وَفِي الرَّامِي زَوْجُ الْحُرْمَةِ، وَمَحْرَمِهَا بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا يَخْفَى ثُبُوتُ ذَلِكَ لِلْمَنْظُورَةِ، وَأَنَّ الْأَمْرَدَ، وَالْأَمَةَ إنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحُرْمَةِ كَالْحُرْمَةِ بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِمَا، وَخَرَجَ بِالْعَيْنِ رَمْيُ غَيْرِهَا، فَيَمْتَنِعُ إنْ أَمْكَنَهُ رَمْيُهَا، وَبِحُرْمَتِهِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَّ حُرْمَةٌ فَلَيْسَ لَهُ الرَّمْيُ
[حاشية العبادي]
وَجَرُّهُ عَلَى التَّبَعِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْقَتْلِ) هَذَا خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ كَالرَّوْضِ وَأَصْلِهِ، وَيَجِبُ أَيْ: الدَّفْعُ عَنْ الْبُضْعِ إنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ انْدَفَعَ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، فَقَتَلَهُ، فَالْقَوَدُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا غَيْرُهُ) يَشْمَلُ الزَّانِي الْمُحْصَنَ، وَتَارِكَ الصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَضَا أَسْنَانَهُ بِفَعْلَتِهِ) فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي إمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ صُدِّقَ الدَّافِعُ بِيَمِينِهِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ، وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ: وَلْيَكُنْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ صُوَرِ الصِّيَالِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ) أَيْ: الْعَاضُّ (قَوْلُهُ: فَلَا يَفْعَلُ بِالْعَاضِّ إلَخْ.) فَإِنْ، فَعَلَ ضَمِنَ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ) لَكِنْ رَدَّهُ الْجَوْجَرِيُّ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ حَرَامٌ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ عَلَيْهِ بِرّ
(قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ لَهُ) أَيْ: لِلنَّاظِرِ (قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ فِي النَّاظِرِ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَنْعِ مِنْ النَّظَرِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَحْرَمُ الرَّامِي خُنْثَى جَازَ الرَّمْيُ لِحُرْمَةِ نَظَرِ الْفَرِيقَيْنِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ:، وَالْمُرَاهِقُ) بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ قَالَهُ النَّاشِرِيُّ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ:، وَجَازَ رَمْيُ الْمُرَاهِقِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لِأَنَّهُ فِي حُرْمَةِ النَّظَرِ كَالْبَالِغِ، وَالرَّمْيُ تَعْزِيرٌ، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمُكَلَّفِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ دَفْعُ الصَّائِلِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا، أَوْ بَهِيمَةً.
اهـ. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا تَقَيَّدَ مَا هُنَا بِالْمُرَاهِقِ لِأَنَّهُ فِي حُرْمَةِ النَّظَرِ كَالْبَالِغِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُرَاهِقِ نَعَمْ لَوْ كَانَ الصَّائِلُ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، فَهَلْ يُدْفَعُ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الدَّفْعُ كَالْمَجْنُونِ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ إنْ أَمْكَنَهُ رَمْيُهَا) قَالَ فِي الرَّوْضِ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَمْيُ عَيْنِهِ، أَوْ لَمْ يَنْدَفِعْ أَيْ: بِرَمْيِهِ بِالْخَفِيفِ اسْتَغَاثَ
[حاشية الشربيني]
بِهِ يَمْتَنِعُ الصَّائِلُ مِنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ بِدُونِ لُحُوقِ ضَرَرٍ لَهُ، وَدَفْعُ الْمُنْكَرِ، وَاجِبٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مُوَاقِعٌ) أَيْ: فَلَوْ قُلْنَا بِالتَّدْرِيجِ لَزِمَ اسْتِدَامَةُ الْوِقَاعِ إلَى الْقَتْلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ لِلدَّافِعِ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ بِالْأَخَفِّ حَتَّى تَلْزَمَ الِاسْتِدَامَةُ، وَلِذَا صَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ حَتَّى فِي الْفَاحِشَةِ، وَاعْتَمَدَهُ زي، وَحَمَلَ الرَّمْلِيُّ كَلَامَ الشَّارِحِ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَيَجِبُ دَفْعُ الزَّانِي عَنْ الْمَرْأَةِ فَإِنْ انْدَفَعَ بِغَيْرِ الْقَتْلِ فَقَتَلَهُ اُقْتُصَّ مِنْهُ.
اهـ. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْبُلْقِينِيِّ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ انْدِفَاعُهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ (قَوْلُهُ: مُسَاوٍ لِقَوْلِ الْمِنْهَاجِ إلَخْ.) هُوَ مُسَاوٍ أَيْضًا لِقَوْلِ النَّاظِمِ هُنَا إذْ مَعْنَاهُ كَمَا فِي الشَّرْحِ أَنْ يُرَاعَى فِي الدَّفْعِ التَّدْرِيجُ بِالْأَخَفِّ (قَوْلُهُ: قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ) اعْتَمَدَهُ زي
إلَّا أَنْ يَكُونَ بَادِيَ الْعَوْرَةِ، وَخَرَجَ بِالثُّقْبَةِ أَيْ: الضَّيِّقَةِ مَا لَوْ نَظَرَ مِنْ كُوَّةٍ وَاسِعَةٍ، أَوْ بَابٍ مَفْتُوحٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْمِيَهُ لِتَقْصِيرِهِ إلَّا أَنْ يُنْذِرَهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَاتِحُ لِلْبَابِ هُوَ النَّاظِرُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ رَبُّ الدَّارِ مِنْ غَلْقِهِ جَازَ الرَّمْيُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَالنَّظَرِ مِنْ الثُّقْبَةِ النَّظَرُ مِنْ سَطْحٍ، وَمَنَارَةٍ إذْ لَا تَقْصِيرَ مِنْ رَبِّ الدَّارِ، وَبِقَوْلِهِ: إذْ لَا عُرْسَ، وَلَا مَحْرَمَ ثَمَّ مَا لَوْ كَانَ لَهُ ثَمَّ ذَلِكَ، وَكَذَا مَتَاعٌ، فَلَا يَرْمِي لِشُبْهَةِ النَّظَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَحْرَمَةٌ مُجَرَّدَةٌ، فَيَرْمِي إذْ لَيْسَ لَهُ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ، وَبِالْحَصَاةِ، وَنَحْوِهَا مَا لَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ، أَوْ نُشَّابٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا، فَيَضْمَنُ إنْ أَمْكَنَ رَدْعُهُ بِنَحْوِ حَصَاةٍ، ثُمَّ مَحَلُّ رَمْيِهِ إذَا تَعَمَّدَ النَّظَرَ فَلَوْ نَظَرَ خَطَأً، أَوْ اتِّفَاقًا، وَعَلِمَ رَبُّ الدَّارِ الْحَالَ لَمْ يَرْمِهِ فَلَوْ رَمَاهُ فَقَالَ لَمْ أَقْصِدْ النَّظَرَ، أَوْ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ، فَلَا ضَمَانَ لِوُجُودِ الِاطِّلَاعِ، وَقَصْدُهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخَانِ وَهَذَا ذَهَابٌ إلَى تَجْوِيزِ الرَّمْيِ بِلَا تَحَقُّقِ قَصْدِهِ، قَالَا: وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِ، وَهُوَ حَسَنٌ انْتَهَى وَأَيَّدَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنَّاظِرِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَعَنْت بِهِ عَيْنَك»
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ غَالِبًا فِي الْخَبَرِ، وَالْفِقْهِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ (وَإِنْ عَمَى) أَيْ: يُدْفَعُ النَّاظِرُ، وَإِنْ عَمَى بِرَمْيِهِ (أَوْ) أُصِيبَ (حَوْلَ عَيْنٍ) لَهُ بِلَا قَصْدٍ (فَسَرَى) إلَى نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهَا، فَلَا ضَمَانَ بِذَلِكَ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ فِي الْأَوَّلِ، وَلِقُرْبِ الْخَطَأِ فِي الثَّانِي، وَخَرَجَ بِحَوْلِ الْعَيْنِ مَا بَعُدَ عَنْهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِبُعْدِ الْخَطَأِ مِنْهَا إلَيْهِ (وَقَبْلَهُ لِفَتْحِ بَابٍ أَنْذَرَا) أَيْ: وَأَنْذَرَ رَبُّ الدَّارِ عِنْدَ فَتْحِ بَابِهَا النَّاظِرَ مِنْهُ قَبْلَ رَمْيِهِ، فَلَا يَرْمِيهِ قَبْلَ إنْذَارِهِ لِتَفْرِيطِهِ فَعُلِمَ أَنَّ لَهُ مَعَ رَدِّ الْبَابِ أَنْ يَرْمِيَهُ قَبْلَ الْإِنْذَارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ قَالَ الْإِمَامُ وَالْخِلَافُ فِي كَلَامٍ قَدْ يُفِيدُ، وَقَدْ لَا يُفِيدُ إمَامًا يُوثَقُ بِكَوْنِهِ دَافِعًا مِنْ تَخْوِيفٍ، وَزَعْقَةٍ مُزْعِجَةٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي وُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِهِ خِلَافٌ قَالَ الشَّيْخَانِ وَهَذَا أَحْسَنُ قَالَا كَغَيْرِهِمَا، وَلَوْ وَضَعَ أَعْمَى عَيْنَهُ بِشِقِّ الْبَابِ فَرَمَاهُ ضَمِنَهُ، وَإِنْ جَهِلَ عَمَاهُ قَالَ الْمَرْوَزِيِّ، وَكَذَا بَصِيرٌ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْعَوْرَاتِ بِنَظَرِهِ.
(قُلْتُ وَ) سَاكِنِ الْمَكَانِ (إنْ يَغْصِبْهُ) مِنْ النَّاظِرِ (أَوْ يَسْتَعِرْ) ذَلِكَ (مِنْهُ، فَلَا) يَرْمِيهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاسَرْجِسِيُّ فِي الْغَاصِبِ، وَحَكَى فِي الْمُسْتَعِيرِ، وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا بِلَا تَرْجِيحٍ، وَصَحَّحَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَرْمِيهِ قَالَ: وَقَرَّبَهُ الْقَاضِي مِنْ السَّرِقَةِ، وَالصَّحِيحُ فِيهَا الْقَطْعُ، وَالْمَكَانُ الْمُسْتَأْجَرُ كَالْمَمْلُوكِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا عَنْ الْمَاسَرْجِسِيِّ (وَالسَّمْعُ دُونَ الْبَصَرِ) أَيْ: لَيْسَ كَالْبَصَرِ فِيمَا مَرَّ فَلَوْ أَلْقَى أُذُنَهُ بِشِقِّ الْبَابِ لِيَسْمَعَ لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْبَصَرِ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ، وَلَوْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ أَمْرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَدَفْعُهُ كَمَا يَدْفَعُهُ عَنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا يَدْفَعُهُ قَبْلَ إنْذَارِهِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّفْعِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ قَصْدُ رِجْلِهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَهُ قَصْدُ عَيْنِهِ، وَالدَّفْعُ بِمَا تَيَسَّرَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ قَصْدُ عُضْوٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ
ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهِيمَةُ مِنْ زَرْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ: (، وَمُتْلِفُ الْبَهِيمَةِ الْمُسَرَّحَهْ) بِلَا رَاعٍ فِي مَرْعًى (جِوَارَ زَرْعٍ) لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا (وَالْمَرَاعِي فَسِحَهْ) أَيْ: مُتَّسِعَةٌ (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ غَيْرُ فَسِحَةٍ يَضْمَنُهُ مُرْسِلُهَا لِتَقْصِيرِهِ بِإِرْسَالِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِلَا رَاعٍ سَوَاءٌ الْمَالِكُ، وَالْمُودِعُ، وَالْأَجِيرُ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ حِفْظَهَا لَيْلًا، وَنَهَارًا بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَحَتْ بِنَفْسِهَا بِلَا تَقْصِيرٍ بِأَنْ انْهَدَمَ الْجِدَارُ، أَوْ فَتَحَ اللِّصُّ الْبَابَ، أَوْ قَطَعَتْ الْحَبْلَ، أَوْ سَرَّحَهَا هُوَ فِي مَرْعًى بَعِيدٍ عَنْ الزَّرْعِ، فَلَا يَضْمَنُ مُتْلَفَهَا مِنْهُ لِانْتِفَاءِ تَقْصِيرِهِ، وَكَذَا لَوْ قَصَّرَ لَكِنْ حَضَرَ مَالِكُ الزَّرْعِ، وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا؛ لِأَنَّهُ الْمُضَيِّعُ لِمَالِهِ، وَزَادَ النَّاظِمُ قَوْلَهُ: أَوْ لَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ اتِّسَاعَ الْمَرَاعِي قَيْدٌ، وَإِنْ عُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ أَنَّهُ لَيْسَ قَيْدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ مَعَ اتِّسَاعِهَا فَمَعَ ضِيقِهَا، أَوْلَى.
(وَ) مُتْلَفُهَا مِنْ زَرْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ (لَيْلًا) يَضْمَنُهُ مُرْسِلُهَا لِتَقْصِيرِهِ بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا بِخِلَافِ مُتْلَفُهَا نَهَارًا إنْ أَرْسَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ عَلَى، وَفْقِ الْعَادَةِ فِي حِفْظِ الزَّرْعِ، وَنَحْوِهِ نَهَارًا، وَالدَّابَّةُ لَيْلًا فَلَوْ جَرَتْ عَادَةُ بَلَدٍ بِالْعَكْسِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ، وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةُ بَلَدٍ بِحِفْظِهَا لَيْلًا، وَنَهَارًا ضَمِنَ مُتْلَفَهَا بِإِرْسَالِهَا مُطْلَقًا، أَمَّا لَوْ أَرْسَلَهَا
[حاشية العبادي]
عَلَيْهِ ثَمَّ أَيْ: إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ بِالِاسْتِغَاثَةِ لَهُ ضُرِبَ بِسِلَاحٍ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ بَادِيَ الْعَوْرَةِ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ اعْتِبَارِ بُدُوِّ الْعَوْرَةِ، وَاعْتِبَارِ كَوْنِ النَّاظِرِ مَمْنُوعًا مِنْ النَّظَرِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ النَّاظِرُ امْرَأَةً، وَالْمَنْظُورُ امْرَأَةً مَسْتُورَةً مَا بَيْنَ السُّرَّةِ، وَالرُّكْبَةِ، فَلَا رَمْيَ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ، ثُمَّ رَأَيْت فِي النَّاشِرِيِّ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَيَضْمَنُ) نَعَمْ إنْ لَمْ يَجِدْ نَحْوَ الْحَصَاةِ جَازَ رَمْيُهُ بِمَا ذُكِرَ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الصِّيَالِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ) لَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَافَقَ عَلَى النَّظَرِ مِنْ الشِّقِّ لَكِنْ يَدَّعِي أَنَّهُ مَعَ النَّظَرِ لَمْ يَرَ شَيْئًا، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ، أَمَّا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ النَّظَرِ مِنْ الشِّقِّ، فَكَيْفَ يُهْدَرُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرَّامِي، فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ:، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاسَرْجِسِيُّ فِي الْغَاصِبِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لِحُرْمَةِ دُخُولِهِ لَهَا.
اهـ. وَقَضِيَّتُهُ كَإِطْلَاقِ الْمَتْنِ عَدَمَ رَمْيِ الْأَجْنَبِيِّ النَّاظِرِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: أَوْلَى) فِيهِ تَأَمُّلٌ لِأَنَّهَا إذَا اتَّسَعَتْ كَانَ بِسَبِيلٍ مِنْ إبْعَادِهَا عَنْ الزَّرْعِ، فَتَسْرِيحُهَا بِجِوَارِهِ تَقْصِيرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا ضَاقَتْ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَلَوْ رَمَاهُ إلَخْ.) فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِحَجَرٍ أَنَّ حِلَّ الرَّمْيِ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْقَرِينَةِ الْقَوِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ نَظَرًا مُحَرَّمًا، وَأَمَّا إسْقَاطُ الضَّمَانِ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اعْتِرَافِ النَّاظِرِ، أَوْ حَلِفِ الرَّامِي فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا لِأَنَّ الشَّارِعَ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الْقَطْعِ لِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ كَذِبِهِمَا، أَوْ ظُهُورِهِ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ
فِي الْبَلَدِ ضَمِنَ مُتْلَفَهَا لِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ (لَا) مُتْلَفَهَا (بِبَاغٍ) أَيْ: بُسْتَانٍ (بِسَبَبْ فَتْحٍ) لِبَابِهِ، فَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ صَاحِبِهِ (وَ) مُتْلَفَهَا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا، وَمَعَهَا مُسْتَصْحِبُهَا مِنْ مَالِكٍ، أَوْ غَيْرِهِ (فِي الطُّرُقِ) بِإِسْكَانِ الرَّاءِ (بِتَحْرِيقِ حَطَبْ) ، أَوْ نَحْوِهِ عَلَيْهَا (مِنْ خَلْفِ مُبْصِرٍ) مَالِكٍ لِلْمُتْلَفِ (وَلَمْ يُنَبِّهَا) صَاحِبَهَا الْمُبْصِرَ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَ يَدِهِ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبَهَا أَمْ قَائِدَهَا أَمْ سَائِقَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَبَّهَهُ فَلَمْ يَحْتَرِزْ، أَوْ اسْتَقْبَلَهَا الْمُبْصِرُ، وَهُوَ يَرَاهَا فَحَصَلَ التَّخْرِيقُ بِالْحَطَبِ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُهَا لِانْتِفَاءِ تَقْصِيرِهِ نَعَمْ إنْ كَانَ ثَمَّ زِحَامٌ ضَمِنَ مُطْلَقًا
وَخَرَجَ بِالْمُبْصِرِ الْمَزِيدُ عَلَى الْحَاوِي الْأَعْمَى، فَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَقْبَلَ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ يُنَبِّهْهُ صَاحِبُهَا، وَيَلْحَقُ بِهِ مَعْصُوبُ الْعَيْنِ لِرَمَدٍ، وَنَحْوِهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُقَصِّرْ مَالِكُ الْمُتْلَفِ، فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ وَضَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ، فَلَا ضَمَانَ مُطْلَقًا (وَ) مُتْلَفَهَا لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فِي الطَّرِيقِ بِنَحْوِ (الْعَضِّ، وَالرَّمْحِ) ، وَهُوَ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ (بِمُسْتَصْحِبِهَا) أَيْ: مَعَ مُصَاحِبِهَا مِنْ مَالِكٍ، أَوْ غَيْرِهِ يَضْمَنُهُ لِمَا مَرَّ فَلَوْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ، وَقَائِدٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ رَاكِبٍ فَقِيلَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ الضَّمَانُ بِالرَّاكِبِ.
، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحُهُ، وَخَرَجَ بِالطَّرْقِ مَا لَوْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي مَوَاتٍ، فَلَا يَضْمَنُ مُتْلَفَهَا لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَبِقَوْلِهِ: بِمُسْتَصْحِبِهَا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ الْحَاوِي بِالْمَالِكِ مَا لَوْ انْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا لِذَلِكَ، وَلَوْ نَخَسَ الدَّابَّةَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَرَمَحَتْ، وَأَتْلَفَتْ فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ، وَلَوْ سَقَطَتْ الدَّابَّةُ مَيِّتَةً فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ أَرْكَبَ أَجْنَبِيٌّ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِالْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ رَبَطَهَا فِي الطَّرِيقِ عَلَى بَابِهِ، أَوْ غَيْرِهِ ضَمِنَ مُتْلَفَهَا، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ، وَاسِعًا؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ بِهِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَالْجَنَاحِ (لَا) مُتْلَفَهَا فِي الطَّرِيقِ (بِرَشَاشِ) ، وَحَلٍّ، أَوْ نَحْوِهِ بِسَبَبِ (رَكْضٍ اُعْتِيدَ، وَلَا مُتْلَفَ مَقْطُورِ جِمَالٍ مَثَلَا) بِرَشَّاشٍ، أَوْ نَحْوِهِ، فَلَا يَضْمَنُ صَاحِبُهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطُّرُقَ لَا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الطُّرُوقِ، وَخَرَجَ بِاعْتِيدَ الرَّكْضُ الْمُفْرَطُ فِيمَا ذُكِرَ لِمُخَالَفَتِهِ الْمُعْتَادَ، وَبِالْمَقْطُورَةِ غَيْرُهَا فِي الْأَسْوَاقِ لِتَعَذُّرِ ضَبْطِهَا حِينَئِذٍ، وَلَا ضَمَانَ بِمَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهِيمَةُ بِبَوْلِهَا، أَوْ رَوْثِهَا بِالطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا هُنَا، وَخَالَفَاهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَجَزَمَا فِيهِ بِالضَّمَانِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ بِالطَّرِيقِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَالْأَوَّلُ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ جَزَمَ بِهِ هُنَا لَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي الدِّيَاتِ أَنَّهُ احْتِمَالٌ، وَأَنَّ الْأَصْحَابَ عَلَى الضَّمَانِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ عَدَمُ الضَّمَانِ فِيمَا تَلِفَ بِرَكْضٍ مُعْتَادٍ بَحْثٌ لِلْإِمَامِ بَنَاهُ عَلَى احْتِمَالِهِ الْمَذْكُورِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ الضَّمَانُ، وَإِطْلَاقُ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ، وَالْأَصْحَابِ قَاضِيَةٌ بِهِ.
(وَمُخْرِجٌ) لِبَهِيمَةٍ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ (لِمِلْكِ غَيْرٍ) أَيْ: إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ (ضَمِنَا) أَيْ: مُخْرِجُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقِيَ مَالَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ (وَيَلْزَمُ) أَيْ: وَيَلْزَمُهُ (الصَّبْرُ إذَا تَعَيَّنَا) إخْرَاجُهَا إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ طَرِيقًا مَعَ كَوْنِهِ (مُضَمِّنًا مَالِكَهَا) مَا أَتْلَفَتْهُ عَلَيْهِ
(وَ) مُتْلَفُ (هِرَّهْ، وَنَحْوِهَا) لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا بَعْدَ كَوْنِهَا (تُفْسِدُ غَيْرَ مَرَّهْ، فِي الطَّيْرِ، وَالطَّعَامِ) ، وَلَمْ يَرْبِطْهَا مَالِكُهَا (فَلْيَضْمَنْ) ؛ لِأَنَّ مِثْلَهَا يَنْبَغِي رَبْطُهُ، وَكَفُّ شَرِّهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا لِفَسَادٍ إذْ الْعَادَةُ حِفْظُ الطَّعَامِ عَنْهَا لَا رَبْطُهَا، وَمَا إذَا رَبَطَهَا فَانْفَلَتَتْ لِانْتِفَاءِ تَقْصِيرِهِ، وَقَوْلُهُ، وَنَحْوِهَا، وَغَيْرُ مَرَّةٍ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَعِبَارَةُ الشَّيْخَيْنِ هِرَّةٌ عَهِدَا فَسَادَهَا، وَقَضِيَّتُهَا أَنَّ مَا فَوْقَ الْمَرَّةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ (وَلَا تُقْتَلُ) فِي حَالِ سُكُوتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ ضَارِيَةً لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْ شَرِّهَا، وَلَيْسَتْ الضَّارِيَةُ كَالْفَوَاسِقِ؛ لِأَنَّ ضَرَاوَتَهَا عَارِضَةٌ، وَزَادَ قَوْلَهُ (وَإِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ) فِي حَالِ إفْسَادِهَا إلَّا بِالْقَتْلِ (فَلْتُقْتَلَا) ، وَلَا ضَمَانَ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ دَفْعٌ لِلصَّائِلِ، وَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِالْقَتْلِ.
(قُلْتُ، وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ أَنَّ مَنْ يَبْتَاعُ) أَيْ: يَشْتَرِي (مِنْ شَخْصٍ شِيَاهًا بِثَمَنْ فِي ذِمَّةٍ) لَهُ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: لِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ) ، فَلَوْ اعْتَادُوا إرْسَالَهَا فِي الْبَلَدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا ضَمَانَ (قَوْلُهُ: مَا لَوْ انْفَلَتَتْ إلَخْ.) ، وَلَوْ غَلَبَ الْمَرْكُوبَ مَسِيرُهُ، فَانْفَلَتَ، وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ يَدُهُ عَلَيْهَا، وَأَمْسَكَ لِجَامَهَا، فَرَكِبَتْ رَأْسَهَا، فَهَلْ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ قَوْلَانِ كَذَا فِي الرَّوْضِ: وَقَوْلُهُ قَوْلَانِ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ اصْطِدَامِ الرَّاكِبِينَ تَرْجِيحُ الضَّمَانِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَغَيْرُهُ.
اهـ.
[حاشية الشربيني]
اهـ.
(قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ) ، وَأَصْلِهَا هُنَا هُوَ الْأَصَحُّ.
اهـ. م ر عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ
(قَوْلُهُ: مَالِكَهَا) هُوَ مِثَالٌ، وَالْمُرَادُ مَنْ يَأْوِيهَا، وَخَرَجَ بِهِ غَيْرُ مَنْ يَأْوِيهَا كَأَنْ أَتَتْ هِرَّةٌ بَيْتَ شَخْصٍ، وَوَلَدَتْ، أَوْلَادًا أَلِفْنَ بَيْتَهُ، وَيَذْهَبْنَ، ثُمَّ يَعُدْنَ إلَيْهِ لِلْإِيوَاءِ بِهِ فَإِذَا أَتْلَفْنَ شَيْئًا لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ هُنَّ فِي دَارِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْهِرَّةُ مَعَ أَحَدٍ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ضَمَانُ مَا تُتْلِفُهُ نَقَلَهُ م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْبُلْقِينِيِّ
(فَأَتْلَفَتْ) قَبْلَ قَبْضِهَا (مَتَاعَا لِلْمُشْتَرِي) عَيَّنَهُ لِلثَّمَنِ أَمْ لَا (يَضْمَنُهُ مَنْ بَاعَا) أَيْ: الشِّيَاهَ (؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ) ، وَأَتْلَفَتْ مِلْكَ غَيْرِهِ، فَيَضْمَنُهُ (ضَمَانَ) أَيْ: مِثْلَ ضَمَانِ (مَنْ تُعَارُ مِنْهُ) الْبَهِيمَةُ مَا أَتْلَفَتْهُ (لِمُعِيرِهَا إذَنْ) أَيْ: حِينَ أَتْلَفَتْهُ، وَهِيَ بِيَدِ الْمُسْتَعِيرِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْبَغَوِيّ بِكَوْنِهَا مُعَارَةً، بَلْ عَبَّرَ بِكَوْنِهَا مِلْكًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَذِكْرُ النَّاظِمِ كَالشَّيْخَيْنِ الْمُعَارَةَ مِثَالٌ، أَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ فَأَتْلَفَتْهُ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَا يَضْمَنُهُ الْبَائِعُ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ مِلْكَهُ لَكِنَّهُ يَصِيرُ قَابِضًا لَهُ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ فِي مَحَلِّهِ، وَأَفْتَى أَيْضًا بِأَنَّهُ لَوْ أَلْقَى نُخَامَةً فِي الْحَمَّامِ فَزَلِقَ بِهَا آخَرُ ضَمِنَ إنْ أَلْقَاهَا فِي الْمَمَرِّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَغَيْرُهُ، وَلَوْ أَرْسَلَ الطُّيُورَ كَالْحَمَامِ فَكَسَرَتْ شَيْئًا، أَوْ الْتَقَطَتْ حَبًّا، فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِإِرْسَالِهَا.
(بَابُ السِّيَرِ) جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَصَالَةً الْجِهَادُ الْمُتَلَقَّى تَفْصِيلُهُ مِنْ سِيَرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَوَاتِهِ فَلِهَذَا تَرْجَمَ النَّاظِمُ كَكَثِيرٍ بِهَا وَبَعْضُهُمْ بِالْجِهَادِ وَبَعْضُهُمْ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 89] ، وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» ، وَخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَكَانَ الْجِهَادُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مُحَرَّمًا ثُمَّ أُمِرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهَا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ ثُمَّ أُبِيحَ الِابْتِدَاءُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ مُطْلَقًا
وَالْجِهَادُ قَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ وَقَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ إنْ دَخَلُوا بِلَادَنَا أَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا يُتَوَقَّعُ فَكُّهُ فَفَرْضُ عَيْنٍ وَسَيَأْتِي، وَإِنْ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا قَالَ (إنَّ الْجِهَادَ) مِنَّا لِلْكُفَّارِ (فِي أَهَمِّ الْأَمْكِنَهْ) إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْإِمَامُ مِنْهُ فِي جَمِيعِهَا وَفِي جَمِيعِهَا إنْ تَمَكَّنَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا عَيْنٍ وَإِلَّا لَتَعَطَّلَ الْمَعَاشُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] الْآيَةَ ذَكَرَ فَضْلَ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ وَوَعَدَ كُلًّا الْحُسْنَى وَالْعَاصِي لَا يُوعَدُ بِهَا وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» ، وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ (وَإِنْ خَشِي) الْإِمَامُ (اللُّصُوصَ) فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ لِبِنَائِهِ عَلَى مُصَادَمَةِ الْمَخَاوِفِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَأَقَلُّهُ (فِي كُلِّ سَنَهْ) مَرَّةً (وَاحِدَةً) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ مُنْذُ أُمِرَ بِهِ كُلَّ سَنَةٍ، فَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَأُحُدٍ فِي الثَّالِثَةِ، وَذَاتِ الرِّقَاعِ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْخَنْدَقِ فِي الْخَامِسَةِ، وَالْمُرَيْسِيعِ فِي السَّادِسَةِ، وَفَتْحِ خَيْبَرَ فِي السَّابِعَةِ، وَمَكَّةَ فِي الثَّامِنَةِ، وَتَبُوكَ فِي التَّاسِعَةِ؛ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ لِكَفِّ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَكَذَا سَهْمُ الْغُزَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ جِهَادٍ فِيهَا فَإِنْ دَعَتْ لِتَأْخِيرِهِ ضَرُورَةٌ بِأَنْ كَانَ بِنَا ضَعْفٌ أَوْ حَاجَةٌ كَأَنْ عَزَّ الزَّادُ أَوْ الْعَلَفُ فِي الطَّرِيقِ أُخِّرَ لِزَوَالِهَا وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ لِأَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ قَالَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ: وَتَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنْ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: مِلْكًا لِغَيْرِهِ) يَدْخُلُ فِيهِ الْمُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ يَصِيرُ) يُرَاجَعُ مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَضْمَنُ مُتْلَفَهَا (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ فِي مَحِلِّهِ) يُرَاجَعُ.
[بَابُ السِّيَرِ]
(بَابُ السِّيَرِ) (قَوْلُهُ: أَصَالَةً) احْتِرَازٌ عَمَّا قُصِدَ تَبَعًا كَمَبَاحِثِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَمَبَاحِثِ السَّلَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ احْتِرَازًا عَنْ السِّيَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَلِهَذَا تَرْجَمَ النَّاظِمُ كَكَثِيرٍ بِهَا) فَكَانَ الْمَعْنَى بِأَنَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السِّيَرُ مِنْ أَحْكَامِ الْجِهَادِ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ الْجِهَادُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مُحَرَّمًا إلَخْ) اُنْظُرْ كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَقَوْلِهِ فِي الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ هُوَ يَعْنِي الْجِهَادَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَلَوْ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْكُفَّارُ بِبِلَادِهِمْ كُلُّ عَامٍ وَلَوْ مَرَّةً فَرْضُ كِفَايَةٍ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ وَأَقُولُ كَلَامُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ هُنَا، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ صَادِقٌ بِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ إذَا كَانَ الْكُفَّارُ بِبِلَادِهِمْ وَهُوَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ الْمَرَاتِبِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَذَاتِ الرِّقَاعِ فِي الرَّابِعَةِ إلَخْ) الْوَجْهُ أَنَّ الْخَنْدَقَ فِي الرَّابِعَةِ، وَذَاتَ الرِّقَاعِ فِي الْخَامِسَةِ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ مِنْ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عُرِضَ فِي أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ فِي الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ» كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَضِيَّةَ ابْنِ عُمَرَ تَقْتَضِي أَنَّ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ فِي سَنَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ فَكَيْفَ تَكُونُ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَيْنَهُمَا فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ أُحُدًا كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ الثَّالِثَةِ وَذَاتَ الرِّقَاعِ فِي أَوَاخِرِ الرَّابِعَةِ وَالْخَنْدَقَ فِي أَثْنَاءِ الْخَامِسَةِ وَأَنَّ رَابِعَةَ عَشَرَ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ مُلَفَّقَةً مِنْ أَوَاخِرِ الثَّالِثَةِ وَأَوَائِلِ الرَّابِعَةِ وَخَامِسَةَ عَشَرَةَ مُلَفَّقَةً مِنْ بَقِيَّةِ الرَّابِعَةِ وَأَوَائِلِ الْخَامِسَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ فِي أُحُدٍ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ أَنَّهُ طَعَنَ فِي الرَّابِعَةِ عَشَرَ، وَفِي الْخَنْدَقِ ابْنُ خَمْسَ عَشَرَ أَنَّهُ اسْتَكْمَلَهَا حِينَئِذٍ وَقَدْ صَدَقَ أَنَّ أُحُدًا، وَالْخَنْدَقَ فِي سَنَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ وَأَنَّ أُحُدًا فِي رَابِعَةِ عَشَرَ ابْنِ عُمَرَ وَالْخَنْدَقَ فِي خَامِسَةِ عَشَرِهِ وَأَنَّ ذَاتَ الرِّقَاعِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّابِعَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ وَالْخَنْدَقُ فِي الرَّابِعَةِ وَذَاتُ الرِّقَاعِ، ثُمَّ دَوْمَةُ الْجَنْدَلِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ فِي الْخَامِسَةِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعْته عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِشَيْئَيْنِ إلَخْ)
[حاشية الشربيني]
بَابُ السِّيَرِ) (قَوْلُهُ: فَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ فَكَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى فِي الثَّانِيَةِ، وَأُحُدٍ، ثُمَّ بَدْرٍ الصُّغْرَى، ثُمَّ بَنِي النَّضِيرِ فِي الثَّالِثَةِ وَالْخَنْدَقِ فِي الرَّابِعَةِ، وَذَاتِ الرِّقَاعِ، ثُمَّ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ فِي الْخَامِسَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةِ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي السَّادِسَةِ، وَخَيْبَرَ فِي السَّابِعَةِ وَمُؤْتَةَ، وَذَاتِ السَّلَاسِلِ وَفَتْحِ مَكَّةَ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ فِي الثَّامِنَةِ وَتَبُوكَ فِي التَّاسِعَةِ عَلَى خِلَافٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعْتُهُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
اهـ.
يَشْحَنُ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِجَمَاعَةٍ يُكَافِئُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ دَارَ الْكُفْرِ غَازِيًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِجَيْشٍ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَصْلُحْ لِذَلِكَ (كَمَا تُزَارُ) أَيْ تُحْيَا (الْكَعْبَهْ) فَإِنَّ إحْيَاءَهَا بِالْحَجِّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ وَالِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَالْحَجِّ لِحُصُولِ الْإِحْيَاءِ بِهَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي الْحَجِّ إحْيَاءُ بِقَاعٍ أُخَرَ مِنْ الْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ الْحَجُّ فَكَانَ بِهِ إحْيَاؤُهَا (فَرْضٌ عَلَى كِفَايَةٍ) أَيْ الْجِهَادُ كُلُّ سَنَةٍ كَإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ وَقَوْلُهُ (كَالْحِسْبَهْ) مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ: كَالْقِيَامِ بِهَا فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ مُطْلَقًا كَالْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ وَ (مِثْلُ قِيَامِ الْحُجَجِ) أَيْ: الْقِيَامِ بِالْحُجَجِ (الْعِلْمِيَّهْ) كَإِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى صَحِيحِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وَالْمُعَادِ، وَمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ الْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا يَجِبُ الْقِيَامُ بِالْحُجَجِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ (وَ) كَالْقِيَامِ (بِالْعُلُومِ إنْ تَكُنْ شَرْعِيَّهْ) بِأَنْ يَكُونَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالشَّرِيعَةِ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالتَّصْرِيفِ وَأَسْمَاءِ الرُّوَاةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَوِفَاقِهِمْ بِخِلَافِ مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا كَالْهَنْدَسَةِ وَالْهَيْئَةِ (وَ) كَالْقِيَامِ (بِالْفَتَاوَى) وَلَا يَكْفِي مُفْتٍ وَاحِدٌ لِلْإِقْلِيمِ لِعُسْرِ مُرَاجَعَتِهِ بَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَزِيدَ بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ (وَ) كَالْقِيَامِ (بِدَفْعِ الشَّكِّ) الْمُعَارِضِ فِي الِاعْتِقَادِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ مِثْلَ قِيَامِ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ (وَ) كَالْقِيَامِ بِدَفْعِ (الضُّرِّ عَنَّا) وَعَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَمَانِ بِإِطْعَامِ الْجَائِعِ وَسَتْرِ الْعَارِي وَغَيْرِهِمَا إذَا لَمْ تَفِ بِذَلِكَ الزَّكَوَاتُ وَبَيْتُ الْمَالِ وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُوسِرِينَ.
قَالَ الشَّيْخَانِ: وَهَلْ يَكْفِي سَدُّ الضَّرُورَةِ أَمْ يَجِبُ تَمَامُ الْكِفَايَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ فِيهِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمَا فِي الْأَطْعِمَةِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ الْمَيْتَةَ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ (وَالْقَضَاءِ) أَيْ: وَكَالْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ بِأَنْ يَقُومَ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِقَضَاءِ نَاحِيَتِهِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُنْصِفٍ (وَالْمِلْكِ) أَيْ: وَكَالْقِيَامِ بِالْمِلْكِ أَيْ: بِالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى الْحَامِيَةِ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ (وَالْحَمْلِ وَالْأَدَاءِ لِشَاهِدٍ) أَيْ: وَكَالْقِيَامِ بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَبِأَدَائِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا (وَفِي أَمْرٍ بِعُرْفٍ) أَيْ: وَكَالْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مُحَرَّمَاتِهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ، ثُمَّ حَكَى تَبَعًا لَهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّ أَمْرَهُ بِهَا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ وَجْهَانِ وَزَادَ قُلْت الصَّحِيحُ وُجُوبُهُ وَإِنْ قُلْنَا صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ شِعَارًا ظَاهِرًا.
قَالَ الشَّارِحُ فِي تَحْرِيرِهِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا مَوْضِعَ الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ.
اهـ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّ الثَّانِيَ مَحَلُّهُ فِي الْمُحْتَسِبِ
[حاشية العبادي]
صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ اجْتِمَاعِ الشَّيْئَيْنِ وَقَدْ بَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَلَا تَخَلُّصَ مِنْهُ لِلْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: الْحُجَجِ) أَيْ: الْأَدِلَّةِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) أَيْ: عَلَى أَقَلِّ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ إلَخْ) قَدْ يُمْنَعُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ إقَامَةِ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ قَدْ لَا تُزِيلُ الشَّكَّ الْعَارِضَ لِغَيْرِ الْعَالِمِ بَلْ يَحْتَاجُ فِي إزَالَتِهِ إلَى التَّخَيُّلِ فِيهِ بِتَفَهُّمِ تِلْكَ الْحُجَجِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ الشَّكُّ، وَبَيَانُ فَسَادِ تِلْكَ الشُّبَهِ الَّتِي أَوْرَثَتْ ذَلِكَ الشَّكَّ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا إلَخْ) هَذَا الْجَوَابُ أَوْجَهُ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) أَيْ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ إنْ عَلِمَ فَرْضِيَّتَهُ، وَإِنْ غَيْرُهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَإِنْ بَعُدَ مَحَلُّهُ، أَوْ قَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَنْ فَرْضِيَّتِهِ أَوْ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ لِقُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْهُ بِحَيْثُ يُنْسَبُ إلَى تَقْصِيرٍ فِي جَهْلِهِ بِهِ إذْ لَوْ بَحَثَ لَعَلِمَ.
اهـ. حَجَرٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ (قَوْلُهُ: كَالْحِسْبَةِ) قَالَ الشَّارِحُ الْعِرَاقِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا مَخْصُوصًا وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُقَامُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ أَيْ: احْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ وَظِيفَةَ الْمُحْتَسِبِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَهُوَ مَذْكُورٌ بَعْدُ، وَإِنْ أَرَادَ إقَامَةَ الْمُحْتَسِبِ لِذَلِكَ فَهُوَ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ لِتَعَيُّنِهِ لِذَلِكَ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَالْقِيَامِ بِالْفَتَاوَى) وَلَوْ لَمْ يُفْتِ وَهُنَاكَ مَنْ يُفْتِي وَهُوَ عَدْلٌ لَمْ يَأْثَمْ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِفْتَاءُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظِيرِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ النِّكَاحِ وَالشُّهُودِ بِأَنَّ اللُّزُومَ هُنَا فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ بِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ بِخِلَافِهِ.
اهـ.
شَرْحُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَالْحَمْلِ) أَيْ: إنْ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ.
اهـ.
حَجَرٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ إذَا دُعِيَ أَجَابَ وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ فَرَاجِعْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَدَاءَ كَالتَّحَمُّلِ وَفِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ لمر يُشْتَرَطُ لِكَوْنِ التَّحَمُّلِ فَرْضَ كِفَايَةٍ حُضُورُ الْمُتَحَمِّلِ فَإِنْ دَعَا لَهُ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي قَاضِيًا أَوْ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: مَحَلُّهُ فِي الْمُحْتَسِبِ) وَقَوْلُ الْإِمَامِ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فِي الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُحْتَسِبِ.
اهـ.
شَرْحُ الرَّوْضِ
مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةُ خَاصَّةً فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَهُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِعِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ.
قَالَ أَئِمَّتُنَا وَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ إنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَى إنْكَارِهِ لَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَرَى الْفَاعِلُ تَحْرِيمَهُ فَكَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَاسْتُشْكِلَ عَدَمُ الْإِنْكَارِ إذَا لَمْ يَرَ الْفَاعِلُ تَحْرِيمَهُ بِحَدِّنَا لِلْحَنَفِيِّ بِشُرْبِهِ النَّبِيذَ مَعَ أَنَّ الْإِنْكَارَ بِالْفِعْلِ أَبْلَغُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ لَيْسَ مِنْ بَابِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ لَمْ يَفْعَلْ مُنْكَرًا، وَالْحَدُّ لَا يُفِيدُ مَنْعُهُ مِنْهُ وَلِهَذَا لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ بِالْقَوْلِ كَمَا لَا يُنْكِر عَلَى الْمَالِكِيِّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَإِنَّمَا حَدُّهُ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَجِبُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ أَدِلَّةَ عَدَمِ تَحْرِيمِ النَّبِيذِ وَاهِيَةٌ وَبِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَ حَدِّنَا لِشَارِبِهِ وَعَدَمِ حَدِّنَا لِلْوَاطِئِ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ.
(وَمُهِمِّ الْحِرَفْ) أَيْ: وَكَالْقِيَامِ بِالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ وَهِيَ مَا بِهِ قِيَامُ الْمَعَاشِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْكُنَاسَةِ، وَالْحِجَامَةِ وَقَدْ جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَثِّ عَلَيْهَا لَكِنْ لَوْ فُرِضَ امْتِنَاعُ النَّاسِ مِنْهَا أَثِمُوا لِكَوْنِهِمْ حِينَئِذٍ سَاعِينَ فِي هَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ (وَرَدِّ تَسْلِيمٍ لِجَمْعٍ) أَيْ: وَكَالْقِيَامِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَى جَمْعٍ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ بِحَيْثُ يَكُونُ اتِّصَالُهُ بِهِ كَاتِّصَالِ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] وَرَوَى أَبُو دَاوُد «يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» وَهَذَا إذَا سُنَّ السَّلَامُ فَإِنْ لَمْ يُسَنُّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ آخِرَ الْبَابِ لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ وَأَمَّا رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْوَاحِدِ فَفَرْضُ عَيْنٍ (لَا) رَدُّ السَّلَامِ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى (نِسَا) جَمْعٍ أَوْ مُفْرَدَاتٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ كَمَا فِي عَكْسِهِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ وَالرَّدُّ فِيهِ حَرَامٌ، وَفِي عَكْسِهِ مَكْرُوهٌ وَمَحَلُّهُمَا إذَا حُرِّمَ النَّظَرُ كَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ، وَلَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا مِلْكٌ وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا خَارِجَةً عَنْ مَظِنَّةِ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا فَيَجِبُ، وَصِيغَةُ الرَّدِّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، أَوْ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ وَسَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَيَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ وَالْمِيمِ وَلَوْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ قَالَ الشَّيْخَانِ قَالَ الْإِمَامُ: الرَّأْيُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَوَابٍ إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلسَّلَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ جَوَابًا لِلْعَطْفِ.
اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ يُؤَيِّدُ الثَّانِيَ مَا قَالَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِ ذِمِّيٌّ لَمْ يَزِدْ فِي الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْكَ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ ثَمَّةَ السَّلَامَ عَلَى الذِّمِّيِّ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَنَا ابْتِدَاؤُهُ بِهِ بَلْ الْغَرَضُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ (وَكَجَهَازِ الْمَيْتِ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ غُسْلًا، وَتَكْفِينًا وَصَلَاةً وَحَمْلًا وَدَفْنًا كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ (بِالتَّرْكِ أَسَا وَلَوْ لِجَاهِلٍ مَعَ التَّقْصِيرِ) أَيْ: بِتَرْكِ الْجِهَازِ أَثِمَ
(كُلْ مُكَلَّفٍ) وَلَوْ جَاهِلًا بِفَرْضِيَّتِهِ أَوْ بِتَرْكِ غَيْرِهِ لَهُ مَعَ تَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْبَحْثِ كَمَا فِي تَرْكِ سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (حُرٍّ لَهُ عَيْنٌ) يَعْنِي بِتَرْكِهِ أَثِمَ كُلُّ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ بَصِيرٍ (رَجُلْ وَاجِدِ لَأْمَةٍ) أَيْ: سِلَاحٍ (وَإِنْفَاقٍ) ذَهَابًا وَإِيَابًا وَرَاحِلَةٍ فِي سَفَرِ الْقَصْرِ كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا مَرَّ فِي الْحَجِّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (كَحَجْ) فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ إلَّا السَّكْرَانُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْ ثَلَاثٍ وَلَا الْكَافِرُ وَلَوْ ذِمِّيًّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْجِهَادِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالذِّمِّيُّ بَذَلَ الْجِزْيَةَ لِنَذُبَّ عَنْهُ لَا لِيَذُبَّ عَنَّا وَلَا
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَيُجَابُ أَيْضًا إلَخْ) قَدْ يَقْتَضِي هَذَا الْجَوَابُ نَهْيَ الْآحَادِ لِلْحَنَفِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: وَرَدُّ تَسْلِيمٍ لِجَمْعٍ) قَالَ فِي الرَّوْضِ وَفِي وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ وَجْهَانِ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَصَحُّهُمَا فِي الْمَجْمُوعِ الْمَنْعُ لِأَنَّ السَّلَامَ عِبَادَةٌ وَهِيَ لَا تُقْصَدُ مِنْهُمَا.
اهـ.
(قَوْلُهُ: اتِّصَالُهُ بِهِ) قَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْوَاحِدِ) مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى نِسَاءٍ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامِ.
(قَوْلُهُ: جَمْعٍ أَوْ مُفْرَدَاتٍ) يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى جَمْعِهِنَّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ (فَرْعٌ) وَسُنَّ السَّلَامُ لِلنِّسَاءِ مَعَ بَعْضِهِنَّ وَغَيْرِهِنَّ إلَّا مَعَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ أَفْرَادًا وَجَمْعًا فَيَحْرُمُ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ مِنْ الشَّابَّةِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا خَوْفَ الْفِتْنَةِ وَيُكْرَهَانِ أَيْ: ابْتِدَاءُ السَّلَامِ وَرَدُّهُ عَلَيْهَا نَعَمْ لَا يُكْرَهُ سَلَامُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الرِّجَالِ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً ذَكَرَهُ فِي الْأَذْكَارِ لَا عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ أَوْ عَجُوزٍ أَيْ: لَا يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ وَرَدُّهُ عَلَيْهِنَّ لِانْتِفَاءِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ بَلْ يُنْدَبُ الِابْتِدَاءُ بِهِ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهِنَّ وَعَكْسُهُ وَيَجِبُ الرَّدُّ كَذَلِكَ وَذِكْرُ الِابْتِدَاءِ مِنْهُنَّ مَا عَدَا الْعَجُوزَ مِنْ زِيَادَتِهِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ) عُطِفَ عَلَى حَرُمَ النَّظَرُ وَقَوْلُهُ: عَجُوزًا يُفِيدُ وُجُوبَ رَدِّهَا وَالرَّدَّ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ حَذْفُ الْوَاوِ وَالْمِيمِ) فِيهِ إطْلَاقٌ وَفِي الرَّوْضِ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِيغَةِ الِابْتِدَاءِ وَيَجُوزُ الْإِفْرَادُ لِلْوَاحِدِ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَالْأَوْلَى مُرَاعَاةُ صِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَهُ لِيَحْصُلَ بِهَا التَّعْظِيمُ، أَمَّا الْإِفْرَادُ لِلْجَمَاعَةِ فَلَا يَكْفِي وَالتَّقْيِيدُ بِالْوَاحِدِ مِنْ زِيَادَتِهِ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ فِي صِيغَةِ جَمْعِ الرَّدِّ، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِيغَةِ الرَّدِّ قَالَ فِي الْأَصْلِ أَوْ وَعَلَيْك السَّلَامُ لِلْوَاحِدِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْإِمَامُ الرَّأْيُ عِنْدَنَا إلَخْ) هَذَا فِي الْجَوَابِ، أَمَّا الِابْتِدَاءُ فَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ، أَمَّا لَوْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَلَيْسَ بِسَلَامٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ نَقَلَهُ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ الْمُتَوَلِّي.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِتَرْكِ غَيْرِهِ لَهُ) بَقِيَ الْجَهْلُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ لَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا الْكَافِرُ إلَخْ) هَلْ يُشْكِلُ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ الْإِثْمُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا فِي الصَّلَاةِ) تَنْظِيرٌ لِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ لَا لِعَدَمِ الْإِثْمِ أَيْضًا لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ وَالْعِقَابُ عَلَيْهَا فَرْعُ الْعِصْيَانِ وَالْإِثْمِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: مِمَّا قَبْلَهُ) أَيْ: مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالرَّدُّ فِيهِ حَرَامٌ) لَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِ الشَّارِحِ إذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ جَمْعًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ الرَّجُلُ جَازَ
مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَلَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ مُبَعَّضًا أَوْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِالْجِهَادِ كَمَا فِي الْحَجِّ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ، وَالْمِلْكُ لَا يَقْتَضِي عُرْضَتَهُ لِلْهَلَاكِ نَعَمْ لِلسَّيِّدِ اسْتِصْحَابُ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ لِلْخِدْمَةِ كَمَا فِي الْحَضَرِ وَلَا الْأَعْمَى لِعَجْزِهِ بِخِلَافِ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْمَشِ وَنَحْوِهِمَا وَلَا الْمَرْأَةُ لِضَعْفِهَا عَنْ الْقِتَالِ غَالِبًا وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ»
وَلَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ لِاحْتِمَالِهِ الْأُنُوثَةَ وَلَا الْعَاجِزُ عَنْ مُؤْنَةِ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ لَا يُقَالُ هَذَا سَفَرُ مَوْتٍ فَلَا تُعْتَبَرُ مُؤْنَةُ الْإِيَابِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ غَالِبًا فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مُؤْنَةَ الْإِيَابِ انْكَسَرَ نَشَاطُهُ، وَلَا الْجَاهِلُ بِمَا ذُكِرَ إذَا لَمْ يُقَصِّرْ فِي الْبَحْثِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ كَمَا قَالَ (بِلَا ظُهُورِ مَرَضٍ مَا) بِزِيَادَةِ مَا لِلتَّعْمِيمِ وَالتَّأْكِيدِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَرَضٌ أَوْ بِهِ مَرَضٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ أَيْ: خَفِيفٌ كَصُدَاعٍ وَوَجَعِ ضِرْسٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ مَرَضُهُ بِأَنْ تَعَذَّرَ مَعَهُ الْقِتَالُ أَوْ شَقَّ مَعَهُ مَشَقَّةً شَدِيدَةً فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ (أَوْ) بِلَا ظُهُورِ (عَرَجْ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ عَرَجٌ أَوْ بِهِ عَرَجٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُهُ الْمَشْيَ، وَمُكَادَحَةُ الْقَرْنِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَكَانَتْ الدَّابَّةُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَعَطَّلُ فَيَتَعَذَّرُ الْفِرَارُ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَيْضًا الْأَقْطَعُ وَالْأَشَلُّ وَفَاقِدُ مُعْظَمِ الْأَصَابِعِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَقْدَ الْإِبْهَامِ وَالْمُسَبِّحَةِ مَعًا أَوْ الْوُسْطَى وَالْبِنْصِرِ كَفَقْدِ مُعْظَمِ الْأَصَابِعِ، وَفَقْدُ الْأَنَامِلِ كَفَقْدِ الْأَصَابِعِ (وَ) بِلَا (مَنْعِ) رَبِّ الدَّيْنِ لِغَرِيمِهِ (ذِي الْيُسْرِ) مِنْ السَّفَرِ لِلْجِهَادِ (بِدَيْنٍ حَلَّا) بِأَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ بِذَلِكَ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ مَنَعَ الْمُعْسِرَ بِدَيْنٍ حَالٍّ إذْ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْحَالِّ فَخَرَجَ مَا إذَا مَنَعَ الْمُوسِرَ مِنْهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ بَلْ يَلْزَمُهُ تَرْكُهُ إلَّا أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ الْحَاضِرِ وَهَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ فِي الْفَلَسِ كَمَنْعِ السَّفَرِ وَقَوْلُهُ ذِي الْيُسْرِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَ) بِلَا (مَنْعِ مُسْلِمٍ يَكُونُ أَصْلَا) لَهُ مِنْ السَّفَرِ لِلْجِهَادِ بِأَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ إذْ لَا مَانِعَ حِينَئِذٍ أَوْ مَنَعَهُ أَصْلُهُ الْكَافِرُ لِتُهْمَةِ مَيْلِهِ لِأَهْلِ دِينِهِ فَخَرَجَ مَا إذَا مَنَعَهُ مِنْهُ أَصْلُهُ الْمُسْلِمُ وَإِنْ عَلَا وَكَانَ رَقِيقًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ فَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ بَلْ يَلْزَمُهُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ بِرَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُسْتَأْذِنِهِ فِي الْجِهَادِ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ النَّظْمِ كَأَصْلِهِ مِنْ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عِنْدَ سُكُوتِ رَبِّ الدَّيْنِ وَالْأَصْلِ الْمُسْلِمِ عَنْ الْمَنْعِ خِلَافُ الْمَنْقُولِ فِي الْمِنْهَاجِ وَالرَّوْضَةِ وَغَيْرِهِمَا
(كَمِنْ بَوَادٍ) جَمْعُ بَادِيَةٍ أَيْ: كَمَا أَنَّ لِلْأَصْلِ مَنْعَ فَرْعِهِ مِنْ سَفَرِهِ فِي بَادِيَةٍ (أَخْطَرَتْ) أَيْ: مُخْطِرَةٌ (وَالْيَمِّ) أَيْ: الْبَحْرِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَغْلِبُ فِيهِ الْأَمْنُ (لِلِاتِّجَارِ) كَمَا فِي الْجِهَادِ (لَا) سَفَرُهُ (لِكَسْبِ الْعِلْمِ) فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِالْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ فَكَسَفَرِ الْحَجِّ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ؛ فَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَحَبْسَهُ بَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْخُرُوجِ يَدْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ كَالْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي الْجِهَادِ لِعِظَمِ خَطَرِهِ، وَقَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْخَارِجَ وَحْدَهُ بِالرَّشِيدِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ أَمْرَدَ جَمِيلًا يُخْشَى عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمُ بِبَلَدِهِ وَيَجُوزُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَتَوَقَّعَ فِي السَّفَرِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ أَوْ إرْشَادَ أُسْتَاذٍ أَوْ غَيْرَهُمَا كَمَا لَمْ يُقَيَّدُ الْحُكْمُ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ بِمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا بِبَلَدِهِ بَلْ اكْتَفَى بِتَوَقُّعِ زِيَادَةِ رِبْحٍ أَوْ رَوَاجٍ أَمَّا السَّفَرُ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ الْأَمْنُ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَيْ لَا يَنْقَطِعَ مَعَاشُهُ وَيَضْطَرِبَ أَمْرُهُ (وَلَوْ) كَانَ أَصْلُهُ (كَفُورًا) أَيْ: كَافِرًا فَإِنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرِهِ فِي الْبَادِيَةِ الْمُخْطِرَةِ وَالْيَمِّ وَنَحْوِهِمَا لِلتِّجَارَةِ لَا لِلْعِلْمِ وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالرَّقِيقُ لِشُمُولِ مَعْنَى الْبِرِّ وَالشَّفَقَةِ وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السَّفَرِ الْمَخُوفِ وَغَيْرِهِ شَامِلٌ لِلْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَقَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا إنَّ الْقَصِيرَ لَا مَنْعَ مِنْهُ بِحَالٍ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ (وَيَعُودُ) الْمَأْذُونُ لَهُ مِنْ الْغَرِيمِ وَالْفَرْعِ مِنْ سَفَرِهِ (إنْ رَجَعْ) أَيْ: الْآذِنُ لَهُ عَنْ إذْنِهِ (بِخَبَرٍ) أَيْ: يَعُودُ بِمُجَرَّدِ بُلُوغِ خَبَرِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ إنْ أَمِنَ نَفْسًا وَمَالًا وَانْكِسَارَ قُلُوبِنَا وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَ الْإِمَامِ بِجُعْلٍ
، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ الِاكْتِفَاءُ بِبُلُوغِ الْكِتَابِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَدْ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَسْتَنِيبَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ انْتِفَاءَ الْإِثْمِ وَلُزُومَ التَّرْكِ ثَابِتَانِ عِنْدَ عَدَمِ الِاسْتِنَابَةِ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْهَا كَوُجُودِهَا (قَوْلُهُ: مَا لَا يَغْلِبُ فِيهِ الْأَمْنُ) دَخَلَ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ) وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ الْأَمْنُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الصَّنِيعِ وَعِبَارَةُ الْإِرْشَادِ كَذَا سَفَرُ خَطَرٍ لِتِجَارَةٍ لَا عِلْمٍ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا) أَيْ: يَحْرُمُ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَصْلِ لَكِنْ عَبَّرَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِقَوْلِهِ أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُ أَيْ: لِطَلَبِ الْعِلْمِ مَعَ الْأَمْنِ إذْنُهُمْ أَيْ: أُصُولُ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ الرَّافِعِيُّ) وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِ السَّفَرِ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ ظَاهِرٌ بِحَيْثُ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: أَمَّا السَّفَرُ الَّذِي يَغْلِبُ الْأَمْنُ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ لَا لِكَسْبِ الْعِلْمِ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَا يَغْلِبُ فِيهِ الْأَمْنُ لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ إذَا غَلَبَ الْهَلَاكُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: كَافِرًا) أَيْ: فَلَا تُعْتَبَرُ الْمُبَالَغَةُ
[حاشية الشربيني]
لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ وَهُوَ أَيْضًا فِي شَرْحِ م ر عَلَى الْمِنْهَاجِ
(قَوْلُهُ: يَكُونُ أَصْلًا لَهُ) وَلَوْ أَبْعَدَ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ وَإِذْنِهِ شَرْحُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرَهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ طَوِيلًا بِلَا عُذْرٍ فَيَحْرُمُ إلَّا بِالْإِذْنِ.
اهـ.
حَجَرٌ وَسَمِّ
يُوَجَّهُ بِاعْتِمَادِ الْقَرَائِنِ وَقَدْ يُمْنَعُ وَطُرُوِّ إسْلَامِ الْأَصْلِ بَعْدَ السَّفَرِ كَرُجُوعِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَتَجَدُّدُ الدَّيْنِ كَرُجُوعِ رَبِّ الدَّيْنِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقَيَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ الْأُولَى بِأَنْ يَأْمُرَ الْأَصْلُ فَرْعَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِالْعَوْدِ وَمِثْلُهُ يَجْرِي فِي الثَّانِيَةِ فَلَا يَأْثَمُ بِاسْتِمْرَارِ السَّفَرِ عِنْدَ سُكُوتِ الْأَصْلِ وَرَبِّ الدَّيْنِ وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ (لَا مِنْ قِتَالٍ) أَيْ: لَا يَعُودُ مِنْهُ (لَوْ شَرَعْ) فِيهِ بِأَنْ الْتَقَى الصَّفَّانِ وَقَدْ بَلَغَهُ خَبَرُ الرُّجُوعِ لِوُجُوبِ الْمُصَابَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] ؛ وَلِأَنَّ الِانْصِرَافَ يُشَوِّشُ أَمْرَ الْقِتَالِ (وَحَلَّ قَرْيَةً لِعَجْزِ آيِبُ) أَيْ: وَأَقَامَ وُجُوبًا الْعَائِدُ فِي قَرْيَةٍ فِي طَرِيقِهِ بِبُلُوغِ خَبَرِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْهُ لِخَوْفِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِمَا حَتَّى يَعُودَ الْجَيْشُ لِحُصُولِ غَرَضِ الرَّاجِعِ مِنْ عَدَمِ حُضُورِ الْقِتَالِ
(وَيُنْصِفُ الْإِمَامُ إذْ يُنَاوِبُ) أَيْ: فِي الْمُنَاوَبَةِ فَلَا يَتَحَامَلُ عَلَى طَائِفَةٍ فَيُلْزِمُهَا بِالْخُرُوجِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَعَ تَرْكِهِ غَيْرَهَا
(وَيَسْتَعِينُ كَافِرًا) أَيْ: وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي الْجِهَادِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِكَافِرٍ (إنْ أُمِنَا) خِيَانَتَهُ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ قَاوَمْنَاهُمْ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَيَفْعَلُ بِالْمُسْتَعَانِ بِهِمْ مَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً مِنْ أَفْرَادِهِمْ فِي جَانِبِ الْجَيْشِ أَوْ اخْتِلَاطِهِمْ بِهِ بِأَنْ يُفَرِّقَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ
(وَ) يَسْتَعِينُ (بِمُرَاهِقٍ) وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى فِيهِمْ غِنَاءٌ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرِهِ كَسَقْيِ الْمَاءِ وَمُدَاوَاةِ الْجَرْحَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْقَفَّالُ عَنْ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي جَوَازَ إحْضَارِ الذُّرِّيَّةِ مُطْلَقًا إلَّا مَنْ لَا يُمَيِّزُ كَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِلْهَلَاكِ بِلَا نَفْعٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ حَيٌّ مُسْلِمٌ فَإِنْ كَانَ فَإِذْنُهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْبَالِغِ فَفِي الْمُرَاهِقِ أَوْلَى وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ قَوْلِهِ (وَعَبْدٍ أُذِنَا) بِجَعْلِ الْأَلْفِ لِلتَّثْنِيَةِ أَيْ: وَيَسْتَعِينُ بِالْمُرَاهِقِ وَالْعَبْدِ إنْ أَذِنَ لِلْمُرَاهِقِ وَلِيُّهُ وَلِلْعَبْدِ سَيِّدُهُ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُوصًى بِمَنْفَعَتِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ أَوْ مُكَاتَبًا كِتَابَةً صَحِيحَةً فَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ سَيِّدِهِ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى إنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَكَالْمُرَاهِقِ فِي اسْتِئْذَانِ الْوَلِيِّ أَوْ رَقِيقَيْنِ فَكَالْعَبْدِ فِي اسْتِئْذَانِ السَّيِّدِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الرَّقِيقَ يُعْتَبَرُ إذْنُ سَيِّدِهِ لَا أَصْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُبَعَّضِ إذْنُ أَصْلِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَإِذْنُ سَيِّدِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ
(وَمَنْجَنِيقٍ) أَيْ: وَيَسْتَعِينُ بِمَنْجَنِيقٍ (وَبِنَارٍ وَبِمَا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَبَ عَلَيْهِمْ الْمَنْجَنِيقَ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقِيسَ بِهِ النَّارُ وَالْمَاءُ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ فَلَوْ تَحَصَّنَ بِحَرَمِهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ بِمَا يَعُمُّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ (وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ صِيَانَةً لِلْأَكْثَرِ وَلِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً؛ وَلِأَنَّ الدَّارَ دَارُ إبَاحَةٍ فَلَا يَحْرُمُ الْقِتَالُ بِكَوْنِ الْمُسْلِمِ فِيهَا كَمَا لَا تَحِلُّ دَارُنَا بِكَوْنِ الْمُشْرِكِ فِيهَا؛ وَلِأَنَّ حُرْمَةَ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنْ هَلَكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ رُزِقَ الشَّهَادَةَ
(وَلِلْإِمَامِ وَلِغَيْرِهِ طَلَبْ تَرْغِيبِ مُسْلِمٍ) فِي الْجِهَادِ (بِبَذْلِهِ الْأُهَبْ) لَهُ أَيْ: الْعُدَّةَ مِنْ سِلَاحٍ وَغَيْرِهِ فَيَنَالُ ثَوَابَ الْإِعَانَةِ لِخَبَرِ «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا» وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَلَا يَجُوزُ تَرْغِيبُهُ إلَّا لِلْإِمَامِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَخُونُ وَقَدْ مَرَّ فِي الْإِجَارَةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارَ الذِّمِّيِّ لِذَلِكَ دُونَ الْآحَادِ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ طَلَبُ تَكْمِلَةٍ
(وَلَوْ قَهَرَ الْإِمَامُ ذِمِّيًّا) أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا (عَلَى خُرُوجِهِ) لِلْجِهَادِ فَخَرَجَ وَقَاتَلَ فَأُجْرَةُ مِثْلِهِ وَاجِبَةٌ لَهُ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ؛ لِأَنَّهُ حَضَرَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَهَا (لَا) إنْ قَهَرَ (مُسْلِمًا) حُرًّا عَلَى ذَلِكَ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَإِنْ قَاتَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كَذَا أَطْلَقُوهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ الذَّهَابِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ، أَمَّا الْقِنُّ فَتَجِبُ أُجْرَتُهُ مِنْ وَقْتِ إخْرَاجِهِ إلَى عَوْدِهِ إلَى سَيِّدِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كَذَا أَطْلَقَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْنِيَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي اسْتِئْجَارِهِ إنْ قُلْنَا لَا فَهُوَ كَالْحُرِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ إذَا وَطِئَ الْكُفَّارُ بِلَادَنَا وَمُقْتَضَاهُ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النَّظْمِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ تَعَيُّنُهُ عَلَيْهِ فِيمَا ذُكِرَ وَعَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ عَنْ الرَّافِعِيِّ فِي الْحُرِّ يُقَالُ هُنَا هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَإِلَّا
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: بَعْدَ السَّفَرِ) أَيْ: لِلْجِهَادِ وَقَوْلُهُ: كَرُجُوعِهِ أَيْ: عَنْ الْإِذْنِ
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُرَاهِقِ وَقَدْ يَشْمَلُ الْإِطْلَاقُ عَدَمَ النَّفْعِ لَكِنْ قَضِيَّةُ قَوْلِهِ فَلَا نَفْعَ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ الْجَوَازِ) أَيْ: فِي الْمُرَاهِقِ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: الْمُرَاهِقِ (قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ إنْ أَذِنَ إلَخْ) وَنِسَاءٌ بِإِذْنِ الْأَزْوَاجِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: فَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ سَيِّدِهِ) الْمُعْتَمَدُ اعْتِبَارُ إذْنِهِ (قَوْلُهُ: فِي اسْتِئْذَانِ الْوَلِيِّ) كَذَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَفِي مَعْنَى الْمُرَاهِقِينَ النِّسَاءُ الْأَقْوِيَاءُ بِإِذْنِ مَالِكِ أَمْرِهِنَّ.
اهـ.
وَيُتَّجَهُ أَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُتَزَوِّجَاتِ وَأَنَّ الْمُتَزَوِّجَاتِ يُعْتَبَرُ إذْنُ أَزْوَاجِهِنَّ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: وَقِيسَ بِهِ النَّارُ وَالْمَاءُ) وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَوَازُ إتْلَافِهِمْ بِمَا ذُكِرَ وَإِنْ قَدَرْنَا عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَبِهِ صَرَّحَ الْبَنْدَنِيجِيُّ لَكِنْ الظَّاهِرُ خِلَافُهُ شَرْحٌ رَوْضٌ (قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ بِمَا يَعُمُّ) إلَّا لِضَرُورَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الدَّارَ دَارُ إبَاحَةٍ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ خُرُوجُ قِتَالِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا دُخُولُهُ
(قَوْلُهُ: مُدَّةَ الذَّهَابِ) أَيْ: فَقَطْ حَجَرٌ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَقَدْ يُمْنَعُ) جَرَى فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عَلَى الْمَنْعِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ الْتَقَى الصَّفَّانِ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ قِتَالٌ كَمَا فِي الْعِرَاقِيِّ
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ) بِأَنْ وَطِئَ الْكُفَّارُ بِلَادَنَا أَوْ كَانُوا فِي دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْهَا وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ
فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ إلَى سَيِّدِهِ (وَقَاتَلَا) بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ عُطِفَ عَلَى مَحْذُوفٍ كَمَا عُرِفَ مِمَّا مَرَّ وَقَوْلُهُ: (فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ بِخُمْسِ الْخُمْسِ لَهُ) جَوَابُ لَوْ أَدَّى، وَلَوْ قَهَرَ الْإِمَامُ ذِمِّيًّا عَلَى الْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ لِلذَّهَابِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَاتَلَ (وَلِلذَّهَابِ) لَا لِلْإِيَابِ وَالْوُقُوفِ فِي الصَّفِّ (حَيْثُ لَا مُقَاتِلَهْ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحُرِّ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّفْوِيتِ وَأَمَّا إذَا خَرَجَ رَاضِيًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَإِنْ سَمَّى لَهُ أُجْرَةً فَمِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَهُ الرَّضْخُ مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا مَرَّ وَفَارَقَ الْأُجْرَةَ بِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ طَائِعًا بِلَا مُسَمًّى فَقَدْ تَشَبَّهَ بِالْمُجَاهِدِينَ فَجُعِلَ فِي الْقِسْمَةِ مَعَهُمْ، وَإِذَا خَرَجَ الْمُسْلِمُ رَاضِيًا فَلَا أُجْرَةَ لَهُ أَصْلًا لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ لِلْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ بِحُضُورِهِ الصَّفَّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ
(وَإِنْ لِدَفْنِ مَيِّتٍ وَغُسْلِهِ عَيَّنَ) الْإِمَامُ (شَخْصًا) فَقَامَ بِهِ (كَانَ) لَهُ (أَجْرُ مِثْلِهِ مِنْ تَرِكَاتِ الْمَيْتِ، ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ (ارْتَبَطَا) أَيْ: الْأَجْرُ (بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ) ، ثُمَّ إنْ تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَالِ (سَقَطَا) أَيْ: الْأَجْرُ يَعْنِي لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ فَرْضًا عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ اسْتَدْرَكَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَأَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالتَّفْصِيلُ حَسَنٌ فَلْيُحْمَلْ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ
(لَهُ) أَيْ: وَلِلْإِمَامِ وَلَوْ بِنَائِبِهِ (فَقَطْ) أَيْ: لَا الْآحَادِ (قَتْلُ الْأَسِيرِ الْكَامِلِ أَيْ: رَجُلٍ لَيْسَ رَقِيقًا) أَيْ: حُرٍّ (عَاقِلِ) بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ (وَالْمَنُّ) عَلَيْهِ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ (وَالْفِدَاءُ) لَهُ (بِالْأَمْوَالِ وَالنَّاسُ) الْأَسْرَى مِنَّا (وَالْإِرْقَاقُ) لَهُ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْأَرْبَعَةِ (وَفْقَ) أَيْ: عَلَى وَفْقِ (الْحَالِ) أَيْ: بِالْمَصْلَحَةِ لَا بِالتَّشَهِّي فَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَفْعَلَ مِنْهَا مَا هُوَ الْأَحَظُّ لَنَا فَإِنْ لَمْ تَتَبَيَّنْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ حَبَسَهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ لَهُ وَخَرَجَ بِمَا قَالَهُ الصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالْخُنْثَى وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ وَسَيَأْتِي حُكْمُهُمْ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ فَقَطْ تَأْكِيدٌ.
(ثُمَّ الْفِدَاءُ وَرِقَابُهُمْ) إذَا أُرِقُّوا (كَمَا يَغْنَمُ) أَيْ: كَالْغَنِيمَةِ فِيمَا مَرَّ فِيهَا وَيَجُوزُ فِدَاءُ مُشْرِكٍ أَوْ أَكْثَرَ بِمُسْلِمٍ أَوْ أَكْثَرَ
(وَاعْصِمْ دَمَهُ) أَيْ: الْأَسِيرِ مِنْ الْقَتْلِ (إنْ أَسْلَمَا) بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَيَبْقَى الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي كَمَا أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ يَبْقَى مُخَيَّرًا بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي فِدَائِهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُمْ عِزٌّ أَوْ عَشِيرَةٌ يَسْلَمُ بِهَا دِينُهُ وَنَفْسُهُ (وَ) إنْ أَسْلَمَ (قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ) بِهِ الْإِمَامُ فَاعْصِمْ مَعَ دَمِهِ (مَالًا) لَهُ مِنْ أَخْذِهِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَالْوَلَدْ) أَيْ: وَوَلَدَهُ (الطِّفْلَ وَالْمَجْنُونَ) الْحُرَّيْنِ مِنْ السَّبْيِ وَإِنْ سَفَلَا وَكَانَ الْأَقْرَبُ حَيًّا تَبَعًا
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) أَيْ: دُونَ وُقُوفِهِ فِي الصَّفِّ كَمَا هُوَ قِيَاسُ الْحُرِّ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ حَيْثُ وَجَبَتْ لَهُ أُجْرَةُ الذَّهَابِ فَقَطْ أَيْ: دُونَ الْإِيَابِ وَالْوُقُوفِ فِي الصَّفِّ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: عُطِفَ عَلَى مَحْذُوفٍ) أَيْ: فَخَرَجَ وَقَاتَلَ (قَوْلُهُ: كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَخْ) هَلْ مَحَلُّهُ إذَا سَمَّى الْإِمَامُ لَهُ الْأُجْرَةَ وَلَوْ تَعْرِيضًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ وَالْفَرْضُ أَنْ لَا إكْرَاهَ أَوْ لَا فَرْقَ فِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الثَّانِي وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَزِيدُ التَّرْغِيبِ فِي هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، ثُمَّ وَقَعَ الْبَحْثُ مَعَ م ر فَأَخَذَ بِظَاهِرِ كَلَامِهِمْ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ سَقَطَا) هَلَّا وَجَبَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بَعْدَ بَيْتِ الْمَالِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مُطْلَقًا وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْفَاعِلَ لَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا الْغَرَضِ لَمْ يَجِبْ لَهُ فَرْضٌ عَلَى غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: وَاعْصِمْ دَمَهُ إنْ أَسْلَمَا) سَكَتَ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْصِمُهُ إذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ رِقَّهُ وَعَنْ الْوَلَدِ لِلْعِلْمِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لَهُ وَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ رَقِيقًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الظَّفَرِ إذْ الْمَلْحَظُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاحِدٌ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَبَسَطَهُ فِي شَرْحِهِ لِلْمِنْهَاجِ وَعَنْ زَوْجَتِهِ وَلَا يَعْصِمُهَا كَمَا يُعْلَمُ بِالْأَوْلَى مِمَّا يَأْتِي فِيمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الظَّفَرِ وَعَنْ عَتِيقِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ عِبَارَةِ الرَّوْضِ وَالْمِنْهَاجِ أَنَّهُ يَعْصِمُهُ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي فِدَائِهِ إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا إذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فَإِنْ طَلَبَ الْإِقَامَةَ عِنْدَنَا لَمْ يُشْتَرَطْ مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: فَاعْصِمْ مَعَ دَمِهِ) أَيْ: نَفْسِهِ عَنْ الْقَتْلِ وَكَذَا عَنْ الرِّقِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: مَالًا) شَامِلٌ لِلْمُخَلَّفِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ وَجْهٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَقْوَى مِنْ الْأَمَانِ (قَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ) أَيْ: لِتَبَعِيَّتِهِ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَيَمْتَنِعُ إرْقَاقُهُ قَالَ فِي التَّكْمِلَةِ، وَمِنْ هَذِهِ الْعِلَّةِ يُؤْخَذُ عِصْمَتُهُ بِإِسْلَامِ الْأُمِّ وَحُكِيَ قَوْلٌ أَنَّ إسْلَامَ الْأُمِّ لَا يَعْصِمُ أَوْلَادَهَا الصِّغَارَ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَإِنْ صَحَّ فَيُشْبِهُ أَنَّهَا لَا تَتْبَعُ الْوَلَدَ فِي الْإِسْلَامِ.
اهـ.
وَالطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ بِخِلَافِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ (قَوْلُهُ: الْحُرَّيْنِ) خَرَجَ الرَّقِيقَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ لِغَيْرِهِ فَأَمْرُهُمَا
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَاعْصِمْ دَمَهُ) أَيْ: دُونَ مَالِهِ وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ»