بَابُ الْجِرَاحِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأنصاري، زكريا
- الكتاب
- الغرر البهية في شرح البهجة الوردية
- المؤلف
- زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)
- الناشر
- المطبعة الميمنية
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]- بأعلى الصفحة: كتاب «الغرر البهية في شرح البهجة الوردية» لزكريا الأنصاري- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية الإمام أحمد بن قاسم العبادي (992).- بعده (مفصولا بفاصل): حاشية العلامة الشربيني
لَهُ (وَالْمُعْتَقَ) أَيْ: وَعَتِيقَهُ مِنْ السَّبْيِ وَالْإِرْقَاقِ لِئَلَّا يَبْطُلَ وَلَاءُ مَنْ أَعْتَقَهُ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (قَدْ) أَيْ: فَقَطْ تَكْمِلَةٌ وَتَأْكِيدٌ (لَا الْعِرْسَ) أَيْ: زَوْجَتَهُ فَلَا تَعْصِمُهَا بِإِسْلَامِهِ مِنْ السَّبْيِ وَالْإِرْقَاقِ لِاسْتِقْلَالِهَا وَتُفَارِقُ عَتِيقَهُ بِأَنَّ الْوَلَاءَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَرْتَفِعُ؛ لِأَنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِأَسْبَابٍ: مِنْهَا حُدُوثُ الرِّقِّ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ الْحَرْبِيَّةُ فَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ عَدَمَ جَوَازِ إرْقَاقِهَا مَعَ تَصْحِيحِهِ جَوَازَهُ فِي زَوْجَةِ مَنْ أَسْلَمَ وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا خِلَافُ زَوْجَةِ مَنْ أَسْلَمَ وَقَضِيَّتُهُ جَوَازُ إرْقَاقِهَا تَسْوِيَةً بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ كَمَا سَوَّى بَيْنَ عَتِيقِ مَنْ أَسْلَمَ وَعَتِيقِ الْمُسْلِمِ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ (فَرْعٌ)
عَلَى عَدَمِ عِصْمَةِ الْحَرْبِيَّةِ بِإِسْلَامِ زَوْجِهَا وَالتَّرْجَمَةُ بِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (سَبْيُهَا) أَيْ: زَوْجَةِ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ، وَكَذَا زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ (النَّكْحَ قَطَعْ) أَيْ: قَطَعَ نِكَاحَهَا فِي الْحَالِ وَإِنْ سُبِيَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ لِزَوَالِ مِلْكِهَا عَنْ نَفْسِهَا فَزَوَالُ مِلْكِ الزَّوْجِ عَنْهَا أَوْلَى وَلِامْتِنَاعِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِ الْأَمَةَ الْكَافِرَةَ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا (كَالسَّبْيِ فِي الزَّوْجَيْنِ) الْحُرَّيْنِ (أَوْ فَرْدٍ) مِنْهُمَا إذَا (وَقَعْ) فَإِنَّهُ يَقْطَعُ نِكَاحَهَا لِعُمُومِ خَبَرِ «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» إذْ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ بَيْنَ الْمَنْكُوحَةِ وَغَيْرِهَا وَيُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ إذَا سُبِيَ وَحْدَهُ وَكَانَ كَامِلًا أَنْ يَرِقَّهُ الْإِمَامُ فَلَوْ مَنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَدَاهُ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ لِعَدَمِ الْإِرْقَاقِ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَقَعَ تَكْمِلَةً (لَا) السَّبْيُ (فِي) الزَّوْجَيْنِ (الرَّقِيقَيْنِ وَفَرْدٍ) أَيْ: أَوْ فِي فَرْدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَقْطَعُ النِّكَاحَ إذَا لَمْ يَحْدُثْ رِقٌّ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ مِنْ شَخْصٍ إلَى آخَرَ وَذَلِكَ لَا يَقْطَعُ النِّكَاحَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا وَالْآخَرُ حُرًّا فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إنْ سُبِيَا أَوْ الْحُرُّ وَحْدَهُ وَأَرَقَّهُ الْإِمَامُ فِيهِمَا إذَا كَانَ زَوْجًا كَامِلًا انْقَطَعَ النِّكَاحُ لِحُدُوثِ الرِّقِّ أَوْ الرَّقِيقِ وَحْدَهُ فَلَا لِعَدَمِ حُدُوثِهِ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (مَسْبِيّ) صِفَةُ فَرْدٍ وَهُوَ تَكْمِلَةٌ (وَكَاَلَّذِي يَقْهَرُ) هـ (شَخْصٌ حَرْبِي يَرِقُّ غَيْرُهُ) أَيْ: وَيَرِقُّ غَيْرُ الْأَسِيرِ الْكَامِلِ بِنَفْسِ الْأَسْرِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً كَمَا يَرِقُّ الْحَرْبِيُّ الْمَقْهُورُ لِحَرْبِيٍّ آخَرَ بِنَفْسِ الْقَهْرِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْهُورُ كَامِلًا؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ إبَاحَةٍ وَاسْتِيلَاءٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ؛ لِأَنَّهَا دَارُ إنْصَافٍ فَلَوْ قَهَرَ الْحَرْبِيُّ الْعَتِيقُ مُعْتِقَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ صَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْوَلَاءُ عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ قَهَرَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ مَلَكَهُ وَصَارَ حُرًّا وَسَيِّدُهُ عَبْدًا، أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، أَوْ الْمَدِينُ رَبَّ الدَّيْنِ سَقَطَ.
قَالَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي الْقَهْرِ قَصْدَ الْمِلْكِ وَعِنْدِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَقَدْ يَكُونُ الْقَهْرُ لِلِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ وَلَا مُمَيِّزَ
. (وَلَوْ) كَانَ الْأَسِيرُ أَوْ الْمَقْهُورُ (مَنْ حَرَّرَهْ ذُو ذِمَّةٍ) أَيْ: ذِمِّيٌّ فَإِنَّهُ يَرِقُّ بِخِلَافِ مَنْ حَرَّرَهُ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ الْتَحَقَ بِدَارِهِمْ جَازَ إرْقَاقُهُ فَعَتِيقُهُ أَوْلَى (أَوْ حَمَلَتْ مِنَّا الْمَرَهْ) الْمَسْبِيَّةُ فَإِنَّهَا تَرِقُّ بِالْأَسْرِ؛ لِأَنَّهَا حَرْبِيَّةٌ كَغَيْرِهَا وَلَا يَمْنَعُ إسْلَامُ وَلَدِهَا بِتَبَعِيَّةِ الْأَبِ رِقَّهَا
(وَالدَّيْنُ مِمَّا بَعْدَ رِقِّيَّتِهِ نَغْنَمُ يُقْضَى) أَيْ: وَيُقْضَى الدَّيْنُ اللَّازِمُ لِمَنْ رُقَّ بِالْأَسْرِ أَوْ بِالْإِرْقَاقِ مِمَّا نَغْنَمُهُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ رِقِّهِ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْغَنِيمَةِ كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالرِّقِّ كَمَا يُقْضَى دَيْنُ الْمُرْتَدِّ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَإِنْ غَنِمْنَاهُ قَبْلَ رِقِّهِ أَوْ مَعَهُ اسْتَحَقَّيْنَاهُ وَلَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ.
(ثُمَّ) إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُهُ فَهُوَ (فِي ذِمَّتِهِ) إلَى أَنْ يُعْتَقَ (إلَّا) إنْ كَانَ (لِحَرْبِيٍّ) فَيَسْقُطُ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ بِخِلَافِ دَيْنِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ نَعَمْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِسَابِيهِ فَسُقُوطُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ لِشَخْصٍ دَيْنٌ عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَمَلَكَهُ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَتَعَقَّبَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَأَخَذَ شَيْئًا اخْتِلَاسًا أَوْ بِسَرِقَةٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَنِيمَةٌ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْلِكُ السَّابِي مِنْ الْمَسْبِيِّ إلَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَلَى
[حاشية العبادي]
تَابِعٌ لِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِ فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُمَا مَعْصُومَانِ أَوْ كَافِرًا ذِمِّيًّا فَكَذَلِكَ أَوْ حَرْبِيًّا فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّ (قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَقُ) فَرْضُهُ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ الظَّفَرِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِهِ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الظَّفَرِ وَعَبَّرَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِقَبْلِ الظَّفَرِ وَلَا بِبَعْدِهِ وَعَبَّرَ فِي الْمِنْهَاجِ بِمُسْلِمٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: لَا يَرْتَفِعُ) قَدْ يَرِدُ جَوَازُ إرْقَاقِ عَتِيقِ الذِّمِّيِّ (قَوْلُهُ: فَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ (قَوْلُهُ: قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ) اُنْظُرْ هَذَا التَّقْيِيدَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ) لَعَلَّ هَذَا عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَا عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ فُرَادَى وَأُرِقَّ) إنْ كَانَ هُوَ الزَّوْجُ وَفِي شُمُولِهِ لِلزَّوْجَةِ تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ زَوْجًا كَامِلًا) أَيْ: بِخِلَافِ غَيْرِ الْكَامِلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إرْقَاقِ الْإِمَامِ لِرِقِّهِ بِنَفْسِ الْأَسْرِ فَيَنْقَطِعُ النِّكَاحُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَقْهُورُ كَامِلًا) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسَرْنَا كَامِلًا لَا يُرَقُّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلْيُحَرَّرْ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِهَذِهِ التَّفْرِقَةِ
(قَوْلُهُ: إلَّا إنْ كَانَ لِحَرْبِيٍّ) ، ثُمَّ قَوْلُهُ: الْآتِي إنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ حَرْبِيٍّ حَاصِلُهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُتَدَايِنَانِ حَرْبِيَّيْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ بِإِرْقَاقِ أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ: فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ) أَيْ: كُلُّهُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْ: بَلْ يَسْقُطُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ فَمُرَادُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا السُّقُوطُ بِنِسْبَةِ
[حاشية الشربيني]
فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْأَسْرِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إلَّا بِحَقِّهَا» وَمِنْ حَقِّهَا أَنَّ مَالَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَسْرِ غَنِيمَةٌ.
اهـ.
م ر
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِانْتِقَالِهِ لِلْغَانِمِينَ فِي الْأَوَّلِ أَيْ: إذَا غَنِمَ قَبْلَ الرِّقِّ وَلِتَعَلُّقِ الْغَنِيمَةِ بِالْعَيْنِ فِي الثَّانِي فَيُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ (قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ إلَخْ) الرَّاجِحُ مِنْهُمَا السُّقُوطُ م ر (قَوْلُهُ: فَلَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ إلَخْ) مُرَادُ الْفَاعِلِ بِالسُّقُوطِ أَنَّهُ يَسْقُطُ فِيمَا
الصَّحِيحِ وَقَوْلُهُ فَلَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَسْبِيِّ إلَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْكَامِلِ، أَمَّا الْكَامِلُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ (وَدَيْنُهُ) أَيْ: الْحَرْبِيِّ الَّذِي رُقَّ (سَقَطْ إنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ حَرْبِيٍّ) آخَرَ كَمَا لَوْ رُقَّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ وَلَيْسَ الْحَرْبِيُّ مُلْتَزِمًا حَتَّى يُطَالَبَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي ذِمَّةِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَيُطَالَبُ بِهِ كَمَا يُطَالَبُ بِوَدَائِعِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعَاهَدَ كَالْحَرْبِيِّ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَقَطْ) تَكْمِلَةٌ وَتَأْكِيدٌ وَلَوْ
(أَسْلَمَ أَوْ أُمِّنَ حَرْبِيَّانِ) مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَلِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنُ عَقْدٍ كَبَيْعٍ وَقَرْضٍ (لَا يَكُونُ دَيْنَ عَقْدِ ذَيْنِ) أَيْ: الْحَرْبِيَّيْنِ (مُهْمَلَا) بَلْ يَبْقَى لِالْتِزَامِهِ بِعَقْدٍ فَاسْتُدِيمَ حُكْمُهُ كَمَا فِي أَحْكَامِ عُقُودِ أَنْكِحَتِهِمْ، وَخَرَجَ بِدَيْنِ الْعَقْدِ دَيْنُ الْإِتْلَافِ وَنَحْوُهُ فَيَسْقُطُ كَمَا مَرَّ إذْ لَا الْتِزَامَ وَلَا عَقْدَ يُسْتَدَامُ وَالْإِتْلَافُ نَوْعُ قَهْرٍ كَيْفَ وَإِتْلَافُ مَالِ الْحَرْبِيِّ لَا يَزِيدُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ يُفْهِمُ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَوْ أَمِنَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ وَدَيْنُهُ سَقَطَ إنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ حَرْبِيٍّ (كَذَا) تَبْقَى (إجَارَةُ السَّبْيِ) بِمَعْنَى الْمَسْبِيِّ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ حَيْثُ (تَجْرِي) أَيْ: تَقَعُ إجَارَتُهُ (لِمُسْلِمٍ) إلْحَاقًا لِلْمَنَافِعِ بِالْأَعْيَانِ وَيُخَالِفُ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَإِنَّهَا تُسْتَبَاحُ وَلَا تُمْلَكُ مِلْكًا تَامًّا وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ إلَّا الذِّمِّيَّ وَالْمُعَاهَدَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا كَالْمُسْلِمِ فِيمَا ذُكِرَ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى دَيْنِ عَقْدٍ قَوْلَهُ (لَا دَيْنَ عَقْدِ خَمْرِ) بِأَنْ عَقَدَ بِخَمْرٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ مَالًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فَلَوْ اقْتَرَضَ خَمْرًا أَوْ ابْتَاعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ مُقَابِلُهَا
(وَاكْرَهْهُ) أَنْتَ أَيْ: الْجِهَادَ (لَا الْبِرَازَ) لَهُ (إنْ بِهِ) أَيْ: بِالْجِهَادِ (اسْتَبَدَّ) أَيْ: اسْتَقَلَّ الشَّخْصُ بِأَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ الْإِمَامُ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ بِخِلَافِ الْبِرَازِ لَهُ فَلَا يُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهُ؛ لِأَنَّ «عَبْدَ اللَّهِ بْن رَوَاحَةَ وَابْنَيْ عَفْرَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَكَذَا لَا يُسْتَحَبُّ فَإِنْ طَلَبَ كَافِرٌ اُسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ لَهُ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ حِينَئِذٍ إضْعَافًا لَنَا وَتَقْوِيَةً لَهُمْ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَعَرَفَ قُوَّتَهُ وَأَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَمْ يَدْخُلْ بِقَتْلِهِ ضَرَرٌ عَلَيْنَا بِهَزِيمَةٍ تَحْصُلُ لَنَا لِكَوْنِهِ كَبِيرَنَا وَالْبُلْقِينِيُّ وَلَمْ يَكُنْ عَبْدًا وَلَا فَرْعًا مَأْذُونًا لَهُمَا فِي الْجِهَادِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالْإِذْنِ فِي الْبِرَازِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ لَهُمَا ابْتِدَاءً وَإِجَابَةً وَمِثْلُهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ الْمَدِينُ (كَقَتْلِ ذِي قُرْبَى) أَيْ: قَرِيبٍ لِلْمُجَاهِدِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ
(وَ) قَتْلِ (مَحْرَمٍ) لَهُ (أَشَدْ) كَرَاهَةً مِنْ قَتْلِ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] «وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ قَتْلِ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ عَنْ قَتْلِ ابْنِهِ» نَعَمْ إنْ سَمِعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ «أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَتَلَ أَبَاهُ حِينَ سَمِعَهُ يَسُبُّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ»
(وَنَقْلِ) أَيْ: وَكَنَقْلِ (نَحْوِ رَأْسِ كَافِرٍ) كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى آخَرَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْكَرَ عَلَى فَاعِلِهِ وَقَالَ لَمْ يُفْعَلْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا رُوِيَ مِنْ حَمْلِ رَأْسِ أَبِي جَهْلٍ فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي ثُبُوتِهِ وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنَّمَا حُمِلَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَكَأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ لِيَنْظُرَ النَّاسُ إلَيْهِ فَيَتَحَقَّقُوا مَوْتَهُ وَاسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ مَا إذَا كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَكْثَرُهُمْ وَلَفْظَةُ نَحْوِ مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ
(وَإِنْ يُهْلِكْ مَا حُصُولُهُ لَنَا) أَيْ: وَكَأَنْ يُهْلِكَ الْمُجَاهِدُ مَا (يُظَنُّ) حُصُولَهُ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَعْبِيرُ الرَّافِعِيِّ وَالْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِلنَّصِّ بِأَنَّهُ يَنْدُبُ تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَهَى عَنْهُ نَعَمْ إنْ احْتَجْنَا إلَى إهْلَاكِهِ فَلَا كَرَاهَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: 2] وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ عَلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ [الحشر: 5] » الْآيَةَ فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ حُصُولَهُ
[حاشية العبادي]
مَا مَلَكَ مِنْهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ حَرْبِيٍّ) أَيْ: سَوَاءٌ رُقَّ أَيْضًا أَوْ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ رُقَّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ) أَيْ: لِحَرْبِيٍّ (قَوْلُهُ: فَيُطَالَبُ بِهِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ فَيُوقَفُ فَإِنْ عَتَقَ فَلَهُ وَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا فَفَيْءٌ.
اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ مِلْكِ السَّيِّدِ لِذَلِكَ وَمُطَالَبَتِهِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: قَوْلِهِ لَيْسَ الْحَرْبِيُّ مُلْتَزِمًا
(قَوْلُهُ: أَوْ أَمِنَ) بِجِزْيَةٍ أَوْ تَأْمِينٍ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّحْوِ نَحْوُ تَلَفِ الْوَدِيعَةِ، وَالرَّهْنِ بِتَقْصِيرٍ وَقَوْلُهُ: فَيَسْقُطُ كَمَا مَرَّ أَيْنَ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ: فَلَا يَسْقُطُ فَمَعَ إسْلَامِهِمَا أَوْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا لَا يَسْقُطُ (قَوْلُهُ: كَذَا إجَارَةُ السَّبْيِ) فِيهِ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ بِسَبْيِ الْمُؤَجِّرِ (قَوْلُهُ: تَجْرِي لِمُسْلِمٍ) بِأَنْ اسْتَأْجَرَ الْمُسْلِمُ مِنْ الْحَرْبِيِّ نَفْسَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ وَكَذَا عَكْسُ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الْإِرْشَادِ وَبَطَلَ بِحُدُوثِ رِقٍّ لَا نَقْلِهِ نِكَاحٍ وَإِجَارَةٍ وَدَيْنٍ لَا عَلَى مُلْتَزِمٍ أَوْ لَهُ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَتْلِ مَحْرَمٍ أَشَدُّ) قَالَ الشَّارِحُ الْعِرَاقِيُّ فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا غَيْرَ قَرِيبٍ فَقَالَ شَيْخُنَا ابْنُ النَّقِيبِ: لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِهِ.
اهـ.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي حَاشِيَتِهِ تَعْلِيلُ الْوَسِيطِ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْقَرِيبِ بِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ قَدْ يُقَالُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَتْلُ الْمَحْرَمِ غَيْرِ الْقَرِيبِ وَقَدْ يُمْنَعُ.
اهـ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ إلَخْ) رَوَاهُ جَمَاعَةٌ لَكِنْ أَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ حَجَرٌ
(قَوْلُهُ: مَا إذَا كَانَ فِيهِ نِكَايَةٌ) بَلْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يُسَنُّ حِينَئِذٍ حَجَرٌ
[حاشية الشربيني]
يَخْتَصُّ بِالسَّابِي دُونَ مَا يُقَابِلُ الْخُمُسَ إذْ هُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَيُكْرَهُ) نَقَلَ ز ي عَنْ الشَّارِحِ الْحُرْمَةَ
لَنَا لَمْ يُكْرَهْ إتْلَافُهُ مُغَايَظَةً لَهُمْ وَتَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ وَيُؤْخَذُ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ تُفْتَحْ بِلَادُهُمْ فَإِنْ فُتِحَتْ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لَنَا أَوْ لَهُمْ حَرُمَ إهْلَاكُهُ.
(وَاقْتُلْ رِجَالًا عَقَلُوا) أَيْ: عُقَلَاءَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قِتَالٌ وَلَا رَأْيٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] بِخِلَافِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْخَنَاثَى وَالْمَجَانِينِ لِلنَّهْيِ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ قَتْلِ الْأَوَّلَيْنِ وَإِلْحَاقِ الْأَخِيرَيْنِ بِهِمَا نَعَمْ إنْ قَاتَلُوا أَوْ سَبُّوا الْمُسْلِمِينَ قُتِلُوا وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُمْ بِغَيْرِ الْقَتْلِ (وَ) اُقْتُلْ (الْفَرَسَا لِحَاجَةٍ) إلَى قَتْلِهَا لِدَفْعِهِمْ أَوْ لِلظَّفَرِ بِهِمْ أَوْ لِخَوْفِنَا بَعْدَ أَنْ غَنِمْنَاهَا أَنْ يَأْخُذُوهَا وَيُقَاتِلُونَا عَلَيْهَا، أَمَّا لَوْ خِفْنَا اسْتِرْدَادَ مَا أَخَذْنَاهُ مِنْ خُيُولِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا نَعَمْ يُذْبَحُ الْمَأْكُولُ لِلْأَكْلِ خَاصَّةً لِلنَّهْيِ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
(وَإِنْ تَتَرَّسُوا النَّسَا إلَّا لِدَفْعٍ وَبِقَوْمٍ) أَيْ: وَإِنْ تَتَرَّسُوا فِي الْقِتَالِ لِلْغَلَبَةِ عَلَيْنَا بِنِسَائِهِمْ أَوْ نَحْوِهِمْ كَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ أَوْ بِقَوْمٍ (مِنَّا فِي صَفِّهِمْ) وَدَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى ضَرْبِ التُّرْسِ فِي الصُّورَتَيْنِ كَأَنْ كَانُوا بِحَيْثُ (لَوْ تُرِكُوا انْهَزَمْنَا)
ضُرِبَ التُّرْسُ
كَمَا سَيَأْتِي لِئَلَّا يَتَّخِذُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْإِضْرَارِ بِنَا، أَمَّا إذَا تَتَرَّسُوا بِهِمْ دَفْعًا لَنَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَاحْتَمَلَ الْحَالُ تَرْكَهُمْ فِي الصُّورَتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ الضَّرْبُ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ قَتْلِهِمْ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ فِيهِمَا لَكِنْ رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ جَوَازَ الضَّرْبِ فِي الْأُولَى كَمَا يَجُوزُ نَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى الْقَلْعَةِ وَإِنْ أَصَابَ نِسَاءَهُمْ وَنَحْوَهُنَّ وَلِئَلَّا يَتَّخِذُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ وَعَلَى هَذَا هُوَ مَكْرُوهٌ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلنَّاظِمِ عَلَى طَرِيقَتِهِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ أَنْ يُؤَخِّرَ قَوْلَهُ إلَّا لِدَفْعٍ عَمَّا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى طَرِيقَتِهِ إنَّمَا هُوَ
بِالضَّرُورَةِ
وَعَدَمِهَا لَا بِخُصُوصِ الدَّفْعِ وَعَدَمِهِ وَتَتَرُّسُهُمْ بِذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ كَتَتَرُّسِهِمْ بِمُسْلِمٍ وَأَوْلَى بِجَوَازِ الضَّرْبِ (لَا) إنْ تَتَرَّسَ (كَافِرٌ) وَاحِدٌ (بِمُسْلِمٍ) فَلَا يَضْرِبُ التُّرْسَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا؛ لِأَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ لَا يُبَاحُ بِالْخَوْفِ وَأَرَادَ بِهِ مَا إذَا لَمْ يَعُمَّ الْخَوْفُ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْكَفِّ مَفْسَدَةٌ كُلِّيَّةٌ وَإِلَّا فَلَهُ الضَّرْبُ إذْ يُحْتَمَلُ فِي الْكُلِّيَّاتِ مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْجُزْئِيَّاتِ وَقَوْلُهُ (فَيُضْرَبُ تُرْسٌ) جَوَابُ الشَّرْطِ كَمَا تَقَرَّرَ.
(وَمِنْ صَفِّ الْقِتَالِ يَذْهَبُ) أَيْ: يَنْصَرِفُ جَوَازًا مَنْ عَلَيْهِ الْجِهَادُ (حَيْثُ عَلَى الْمِثْلَيْنِ) أَيْ: مِثْلَيْنَا (زَادُوا) أَيْ: الْكُفَّارُ (فِي الْعَدَدْ) فَإِنْ لَمْ يَزِيدُوا عَلَى مِثْلَيْنَا بِأَنْ كَانُوا مِثْلَيْنَا أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَجُزْ لَنَا الِانْصِرَافُ وَإِنْ كُنَّا رَجَّالَةً وَهُمْ خَيَّالَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] وَسَوَاءٌ ظَنَّ الْهَلَاكَ بِالثَّبَاتِ أَمْ لَا إذْ الْغُزَاةُ يَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] فَفُسِّرَتْ التَّهْلُكَةُ فِيهِ بِالْكَفِّ عَنْ الْغَزْوِ بِحُبِّ الْمَالِ وَبِالْفِرَارِ مِنْ الزَّحْفِ وَبِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَالْمَعْنَى فِي وُجُوبِ الثَّبَاتِ لِلْمِثْلَيْنِ أَنَّ الْمُسْلِمَ عَلَى إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمَّا أَنْ يُقْتَلَ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ يَسْلَمَ فَيَفُوزَ بِالْأَجْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَالْكَافِرُ يُقَاتِلُ عَلَى الْفَوْزِ بِالدُّنْيَا وَمَنْ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ كَالْمَرْأَةِ يَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ مُطْلَقًا وَخَرَجَ بِالصَّفِّ مَا لَوْ لَقَى مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ فَلَهُ الِانْصِرَافُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي طَلَبَهُمَا؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ وَالثَّبَاتِ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَمَاعَةِ لَكِنْ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: الْأَظْهَرُ بِمُقْتَضَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْصِرَافُ فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ وَمَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا مِثْلُ مَعْنَى التَّنْزِيلِ (لَا) أَيْ: لَا تَنْصَرِفُ (مِائَةٌ) مِنَّا (مِنْ مِائَتَيْنِ وَأَحَدْ) مِنْهُمْ (إذْ حِزْبُنَا لَا هُمْ) أَيْ: حِينَ يَكُونُ حِزْبُنَا (مِنْ الْأَبْطَالِ) دُونَ حِزْبِهِمْ بِأَنْ يَكُونُوا ضُعَفَاءَ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ عِنْدَ تَقَارُبِ الْأَوْصَافِ وَمِنْ هُنَا يَجُوزُ أَنْ تَنْصَرِفَ مِائَةٌ ضُعَفَاءُ مِنْ مِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ أَبْطَالًا وَحَيْثُ جَازَ الِانْصِرَافُ وَغَلَبَ ظَنُّ الْهَلَاكِ بِالثَّبَاتِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثَّبَاتِ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: لَكِنْ رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ م ر (قَوْلُهُ: جَوَازُ الضَّرْبِ فِي الْأُولَى) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ فَيَمْتَنِعُ إلَّا إنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ (قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ بِالضَّرُورَةِ وَعَدَمِهَا) أَيْ: فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ضَرْبِ التُّرْسِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالصَّفِّ إلَخْ) خَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَا لَوْ قَصَدَ الْكُفَّارُ بَلَدًا فَتَحَصَّنَ أَهْلُهُ إلَى مَجِيءِ مَدَدٍ وَحُصُولِ قُوَّةٍ فَلَا يَأْثَمُونَ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَنْ فَرَّ بَعْدَ اللِّقَاءِ
[حاشية الشربيني]
وَيُفِيدُهَا قَوْلُ م ر فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ
(قَوْلُهُ: فِي صَفِّهِمْ) قَالَ حَجَرٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ خَرَجَ مَا لَوْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ فِي قَلْعَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ صَفٍّ فَلَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ وَإِنْ خَافَ الرَّامِي عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْجُزْئِيِّ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ جَوَازَ الضَّرْبِ فِي الْأُولَى إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ وَالْفَرْقُ حُرْمَةُ الدِّينِ وَالْعَهْدِ.
اهـ.
شَرْحٌ م ر
(قَوْلُهُ: مُسْلِمٌ) مِثْلُهُ مُسْلِمَانِ وَبَقِيَ مَا إذَا لَقِيَ ثَلَاثَةٌ سِتَّةً؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ جَمَاعَةٌ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ فَرْعٌ.
الثَّبَاتُ إنَّمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الْجَمَاعَةِ فَإِنْ لَقِيَ مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ جَازَ الْفِرَارُ (قَوْلُهُ: فَلَهُ الِانْصِرَافُ) مُعْتَمَدُ ع ش
نِكَايَةٌ وَجَبَ الْفِرَارُ وَإِلَّا فَلَا بَلْ يُسْتَحَبُّ الثَّبَاتُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ تَخْصِيصُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَا ذُكِرَ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْعِبْرَةُ عِنْدَ مَنْ اسْتَثْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ مَعَنَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَغْلِبُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ أَنَّا نُقَاوِمُ مَنْ بِإِزَائِنَا مِنْ الْعَدُوِّ الزَّائِدِ عَلَى مِثْلَيْنَا وَنَرْجُو الظَّفَرَ بِهِمْ (وَلَا) يَحْرُمُ الِانْصِرَافُ (لِلِانْحِرَافِ لِلْقِتَالِ) كَأَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَكْمُنَ فِي مَوْضِعٍ وَيَهْجُمَ أَوْ يَفِرَّ مِنْ مَضِيقٍ لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَالِ أَوْ يَنْصَرِفَ مِنْ مُقَابَلَةِ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ (وَلَا إذَا لِفِئَةٍ) مِنَّا (تَحَيُّزًا) لِيَسْتَنْجِدَ بِهَا عَلَى الْقِتَالِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] وَعِبَارَةُ الْحَاوِي وَلِتَحَرُّفٍ لِقِتَالٍ وَتَحَيُّزٍ إلَى فِئَةٍ بِدُونِ لَا وَهِيَ أَنْسَبُ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ إذْ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَيَنْصَرِفُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الضَّعْفِ وَلِلتَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ أَوْ لِلتَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ وَسَوَاءٌ قَرُبَتْ الْفِئَةُ أَمْ بَعُدَتْ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُنُودُهُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ؛ وَلِأَنَّ عَزْمَهُ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْقِتَالِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ.
(وَإِنْ بِهَذَا) أَيْ: بِتَحَيُّزِهِ إلَى فِئَةٍ (تَنْكَسِرْ) أَيْ: الْفِئَةُ الْمُتَحَيِّزُ عَنْهَا (مَا جُوِّزَا) أَيْ: لَا يُجَوِّزُ التَّحَيُّزَ.
قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشِيرُ إلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْجُمْهُورُ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْحَالِ مَجْبُورًا بِعَزْمِهِ (وَلَا يُقَاتِلْ) أَيْ: الْمُتَحَيِّزُ إلَى فِئَةٍ أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ (مَعَهَا) إذَا عَادَتْ (مَهْمَا) أَيْ: إنْ (بَدَا) لَهُ عَدَمُ الْقِتَالِ؛ لِأَنَّ عَزْمَهُ الْعَوْدَ إلَى الْقِتَالِ رَخَّصَ لَهُ الِانْصِرَافَ فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ بَعْدُ وَالْجِهَادُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ
(وَ) يَنْصَرِفُ (عَاجِزٌ) عَنْ الْقِتَالِ (بِمَرَضٍ) أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ) مَنْ (نَفِدَا) بِالْمُهْمَلَةِ أَيْ: ذَهَبَ (سِلَاحُهُ) وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَجَرٍ يَرْمِي بِهِ (أَوْ فَرَسٌ) لَهُ (مَاتَ بِلَا قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِتَالِ رَاجِلَا) وَذَلِكَ لِعُذْرِهِمْ
(وَذُو تَحَيُّزٍ لِذَاتِ الْبُعْدِ مَا شَارَكَ) أَيْ: وَالْمُتَحَيِّزُ إلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ فِئَتِهِ لَا يُشَارِكُهَا (فِيمَا فِي الْفِرَاقِ غَنِمَا) أَيْ: فِيمَا غَنِمَتْهُ فِي حَالَةِ فِرَاقِهِ لَهَا لِعَدَمِ نُصْرَتِهِ وَشَارَكَهَا فِيمَا غَنِمَتْهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ لِبَقَاءِ نُصْرَتِهِ وَخَرَجَ بِالْبَعِيدَةِ الْقَرِيبَةُ فَيُشَارِكُ الْمُتَحَيِّزُ عَنْهَا فِيمَا غَنِمَتْهُ مُطْلَقًا لِذَلِكَ وَكَالْمُتَحَيِّزِ فِيمَا ذُكِرَ الْمُتَحَرِّفُ لِقِتَالٍ وَالْمُرَادُ بِالْقَرِيبَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ غَوْثَهَا الْمُتَحَيِّزُ عَنْهَا عَنْ الِاسْتِغَاثَةِ
(وَلَوْ أَسَرْنَا ذَا صِبَا أَوْ خُنْثَى) أَوْ مَجْنُونًا أَوْ قِنًّا (فَقِيمَةٌ) لَهُ تَجِبُ (فِي قَتْلِهِ) عَلَى قَاتِلِهِ لِصَيْرُورَتِهِ مَالًا مُحْتَرَمًا بِالْأَسْرِ (كَالْأُنْثَى) يَجِبُ بِقَتْلِهَا قِيمَتُهَا لِذَلِكَ (كَكَامِلٍ) قَتْلٍ (مِنْ قَبْلِ حُكْمِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ فِيهِ (بِمَا مَرَّ) فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَتُهُ كَذَا قَالَهُ كَأَصْلِهِ وَلَا يُعْرَفُ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُ وَهُوَ حُرٌّ إلَى أَنْ يَرِقَّهُ الْإِمَامُ وَخَرَجَ بِمَا قَبْلَ الْحُكْمِ مَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ سِوَى التَّعْزِيرِ لِافْتِيَاتِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَإِنْ أَرَقَّهُ ضَمِنَهُ قَاتِلُهُ بِقِيمَتِهِ وَتَكُونُ غَنِيمَةً وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِ فَإِنْ قَتَلَهُ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي مَأْمَنِهِ ضَمِنَ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ أَوْ بَعْدَ حُصُولِهِ فِيهِ هُدِرَ دَمُهُ وَإِنْ فَدَاهُ فَإِنْ قَتَلَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْإِمَامِ فِدَاءَهُ ضَمِنَ دِيَتَهُ لِلْغَنِيمَةِ أَوْ بَعْدَ قَبْضِهِ وَإِطْلَاقِهِ إلَى مَأْمَنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَسْرِهِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا وَصَلَ إلَى مَأْمَنِهِ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
(وَ) ، أَمَّا (كُتْبًا) بِإِسْكَانِ التَّاءِ مُخَفَّفًا مِنْ ضَمِّهَا (نَفْعُهَا قَدْ حُرِّمَا) كَكُتُبِ الشِّرْكِ وَالسِّحْرِ وَالْهَجْوِ (فَاغْسِلْ) وُجُوبًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهَا مَعَ بَقَاءِ وَرَقِهَا لِرِقَّتِهِ مُزِّقَتْ وَلَا تُحْرَقُ لِلتَّضْيِيعِ؛ لِأَنَّ لِلْمَزْقِ قِيمَةً وَإِنْ قَلَّتْ، وَمِمَّا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كُتُبُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لِكَوْنِهَا مُبْدَلَةً وَإِنَّمَا تُقَرُّ بِيَدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِاعْتِقَادِهِمْ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَلَا يُشْكِلُ تَحْرِيمُ التَّحْرِيقِ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ الْقُرْآنَ جَمَعَ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ وَأَحْرَقَهُ أَوْ أَمَرَ بِإِحْرَاقِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ الَّتِي تَحْصُلُ بِالِانْتِشَارِ هُنَاكَ أَشَدُّ مِنْهَا هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى
(وَيَسْتَبْسِطُ مَنْ لِلْوَقْعَةِ يَشْهَدُ قَبْلَ قَسْمِهِ وَالرَّجْعَةِ لِعَامِرِ الْإِسْلَامِ فِيمَا يُلْفَى لِمَأْكَلٍ وَلِاعْتِلَافٍ عُرْفَا) أَيْ: وَلِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنَّا قَبْلَ قَسْمِ الْمَغْنَمِ وَقَبْلَ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَجَرٍ يَرْمِي بِهِ) وَمَا فِي الْحَاوِي مِنْ جَوَازِ الِانْصِرَافِ عِنْدَ فَقْدِ السِّلَاحِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ ضَعِيفٌ وَإِنْ مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ لَكِنْ الرَّاجِحُ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا خِلَافُهُ
(قَوْلُهُ: فَيُشَارِكُ الْمُتَحَيِّزُ عَنْهَا) فِي الصَّبْغِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: كَذَا قَالَهُ كَأَصْلِهِ) حَمَلَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ عَلَى مَا إذَا أَمَّنَهُ آسِرُهُ فَإِذَا قَتَلَهُ أَحَدٌ وَجَبَ عَلَيْهِ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مَعْصُومٌ بِأَمَانٍ، وَالتَّشْبِيهُ الَّذِي فِي الْحَاوِي وَالْبَهْجَةِ فِي مُطْلَقِ الضَّمَانِ أَوْ يُرَادُ بِالْقِيمَةِ مَا يَشْمَلُ الدِّيَةَ تَجَوُّزًا (قَوْلُهُ: ضَمِنَ دِيَتَهُ لِلْغَنِيمَةِ) اُنْظُرْ لَوْ زَادَتْ الدِّيَةُ عَلَى قَدْرِ الْفِدَاءِ
(قَوْلُهُ: وَلَا تُحَرَّقْ) أَيْ: يَحْرُمُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تُقَرُّ بِيَدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَخْ) قَدْ يُشْعِرُ بِحُرْمَةِ اتِّخَاذِهَا عَلَى الْمُسْلِمِ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: أَمْ بَعُدْت) قَالَ م ر وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ الْبَعِيدَةِ بِأَنْ تَكُونَ فِي حَدِّ الْقُرْبِ الْمَارِّ فِي التَّيَمُّمِ.
اهـ.
وَعَلَيْهِ فَلَا اسْتِشْهَادَ بِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِيمَا نَابَهُ؛ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِمُسْلِمٍ دُونَ مُجَاهِدٍ (قَوْلُهُ: مَا جُوِّزَا) اعْتَمَدَهُ م ر
رُجُوعِهِ لِعَامِرِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَبَسَّطَ فِيمَا يُوجَدُ مِنْ الْمَغْنَمِ مِمَّا يُؤْكَلُ لَنَا وَيُعْلَفُ لِلدَّوَابِّ فِي الْعُرْفِ وَلَوْ مِنْ فَاكِهَةٍ وَشَعِيرٍ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى.
قَالَ أَصَبْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ طَعَامًا فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ كُنَّا نَصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ عِزَّتُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ غَالِبًا لِإِحْرَازِ أَهْلِهِ لَهُ عَنَّا فَجَعَلَهُ الشَّارِعُ مُبَاحًا؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَفْسُدُ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ نَقْلُهُ وَقَدْ تَزِيدُ مُؤْنَةُ نَقْلِهِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ يَكْفِيهِ أَمْ لَا لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ.
قَالَ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يَضِيقَ مَنْ مَعَهُ مَا يَكْفِيهِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ فَلِلْإِمَامِ مَنْعُهُ مِنْ مُزَاحَمَتِهِمْ.
قَالَ وَلَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِمْ سُوقًا وَتَمَكَّنَ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْهُ جَازَ التَّبَسُّطُ أَيْضًا إلْحَاقًا لِدَارِهِمْ فِيهِ بِالسَّفَرِ فِي التَّرَخُّصِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّا لَوْ جَاهَدْنَاهُمْ فِي دَارِنَا امْتَنَعَ التَّبَسُّطُ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَحَلٍّ لَا يَعِزُّ فِيهِ الطَّعَامُ لِمَا سَيَأْتِي
وَخَرَجَ بِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مَنْ لَحِقَ الْعَسْكَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَلَوْ قَبْلَ حِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ فَلَا يَتَبَسَّطُ كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا، وَبِقَبْلِ الْقِسْمَةِ مَا بَعْدَهَا لِثُبُوتِ حَقِّ الْغَانِمِينَ بِهَا كَذَا عَبَّرُوا بِالْقِسْمَةِ هُنَا وَالْوَجْهُ التَّعْبِيرُ بِاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا كَمَا سَيَأْتِي وَبِقَبْلِ الرُّجُوعِ لِعَامِرِ الْإِسْلَامِ مَا بَعْدَهُ أَيْ: وَلَمْ يَعِزَّ الطَّعَامُ لِانْتِهَاءِ الْحَاجَةِ الْمُرَخِّصَةِ حِينَئِذٍ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ الشِّرَاءِ وَكَدَارِ الْإِسْلَامِ بَلَدِ أَهْلِ ذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ مُعَامَلَتِنَا وَبِمَا يُؤْكَلُ وَيُعْلَفُ فِي الْعُرْفِ أَيْ: عُمُومًا مَا عَدَاهُ مِنْ نَحْوِ مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ وَشَحْمٍ لِدُهْنِ الدَّوَابِّ وَمِنْ نَحْوِ فَانِيدٍ وَسُكَّرٍ وَأَدْوِيَةٍ تَنْدُرُ الْحَاجَةُ إلَيْهَا فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَخَذَهُ بِالْقِيمَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ الْإِمَامِ وَيَحْرُمُ إطْعَامُ الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا بِخِلَافِ الدَّوَابِّ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ دَابَّتَانِ فَأَكْثَرُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَفَ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ لَا يَأْخُذُ إلَّا لِوَاحِدٍ كَمَا لَا يُسْهِمُ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ (وَ) يَتَبَسَّطُ فِي (حَيَوَانِ الْأَكْلِ) كَالْأَطْعِمَةِ (قَدْرًا كَانَا) أَيْ: يَتَبَسَّطُ فِيمَا ذُكِرَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ (كِفَايَةً) فِي الْعُرْفِ فَإِنْ زَادَ عَلَى قَدْرِهَا لَزِمَهُ قِيمَةُ الزَّائِدِ وَمَا يَأْخُذُهُ لِلتَّبَسُّطِ (يَمْلِكُهُ مَجَّانَا) أَيْ: بِغَيْرِ عِوَضٍ كَذَا قَالَهُ كَأَصْلِهِ، وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْأَخْذِ لَكِنْ أُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ كَالضَّيْفِ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمَا يَمْلِكُ بِهِ الضَّيْفُ مَا قُدِّمَ لَهُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ النَّاظِمِ وَأَصْلِهِ عَلَيْهِ
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ طَعَامَ نَفْسِهِ، وَيَصْرِفَ الْمَأْخُوذَ إلَى حَاجَةٍ أُخْرَى كَمَا لَا يَتَصَرَّفُ الضَّيْفُ فِيمَا قُدِّمَ لَهُ إلَّا بِالْأَكْلِ (وَإِنْ أَضَافَ غَانِمًا) آخَرَ مِمَّا أَخَذَهُ لِلتَّبَسُّطِ فَلَا تَعَرُّضَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَحَمُّلُ التَّعَبِ عَنْهُ (أَوْ أَقْرَضَا) لَهُ مِنْهُ (بِبَدَلٍ مِنْهُ فَلَا تَعَرُّضَا) عَلَيْهِ وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مِثْلِهِ مِنْ الْمَغْنَمِ مَا دَامَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَخَذَهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْهُ مَجَّانًا وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ مِنْهُ أَيْ: مِمَّا غَنِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَرْضًا مَحْضًا إذْ الْآخِذُ لَا يَمْلِكُ مَا أَخَذَهُ حَتَّى يَمْلِكَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ جَاءَ بِبَدَلِهِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ لَمْ يَأْخُذْهُ فَإِنَّ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ لَا يُقَابَلُ بِالْمَمْلُوكِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمَغْنَمِ بَدَلُهُ سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ (وَ) الضِّيَافَةُ وَالْإِقْرَاضُ مِمَّا أَخَذَهُ لِلتَّبَسُّطِ (لِسِوَاهُ) أَيْ: لِغَيْرِ الْغَانِمِ (كَبِغَصْبٍ) أَيْ: كَالضِّيَافَةِ بِالْمَغْصُوبِ وَالْإِقْرَاضِ مِنْهُ فَيَضْمَنُهُ الْمُتْلِفُ، وَيَكُونُ الْمُقَدَّمُ لَهُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ وَلَوْ بَاعَهُ لِغَانِمٍ آخَرَ فَهُوَ إبْدَالُ مُبَاحٍ بِمُبَاحٍ كَلَقْمِ الضِّيفَانِ وَكُلٌّ أَحَقُّ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْآخَرِ وَلَوْ تَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ فَلَيْسَ رِبًا إذْ لَا مُعَاوَضَةَ مُحَقَّقَةٌ.
(رَدَّا عَمَّا كَفَاهُ فَاضِلَا) أَيْ: وَرَدَّ الْمُتَبَسِّطُ وُجُوبًا إلَى الْمَغْنَمِ الْفَاضِلَ عَنْ كِفَايَتِهِ (وَالْجِلْدَا) أَيْ: جِلْدَ مَا ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ مَا لَمْ يُؤْكَلْ مَعَهُ لِزَوَالِ الْحَاجَةِ
(وَ) غَانِمٌ (مُعْرِضٌ) عَنْ حَقِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ مُسْتَوٍ مَعَ فَقْدِهِ كَمَا سَيَأْتِي أَيْ: قُدِّرَ كَأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ فَتُضَمُّ حِصَّتُهُ إلَى الْمَغْنَمِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَعْظَمَ مِنْ الْجِهَادِ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالذَّبُّ عَنْ الْمِلَّةِ، وَالْغَنَائِمُ تَابِعَةٌ فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا فَقَدْ جَرَّدَ قَصْدَهُ لِلْغَرَضِ الْأَعْظَمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْغَنِيمَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ الِاخْتِيَارِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا يَمْلِكُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَمَلَّكَ فَأَشْبَهَ حَقُّهُ حَقَّ الشُّفْعَةِ فَسَقَطَ حَقُّهُ بِالْإِعْرَاضِ (حُرٌّ رَشِيدٌ كُلِّفَا) فَلَا يَصْلُحُ إعْرَاضُ مُقَابِلِيهِمْ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ فِيمَا غَنِمَهُ الْقِنُّ إنَّمَا هُوَ لِسَيِّدِهِ وَسَيَأْتِي صِحَّةُ إعْرَاضِهِ وَلَوْ رَشَدَ السَّفِيهُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ صَحَّ إعْرَاضُهُمْ حِينَئِذٍ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَوْ سَفِهَ الرَّشِيدُ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: بَلَدُ أَهْلِ ذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ إلَخْ) اُنْظُرْهُ مَعَ مَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ فِي دَارِهِمْ سُوقًا وَتَمَكَّنَ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْهُ جَازَ التَّبَسُّطُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى بَلَدِ أَهْلِ ذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ خَارِجٍ عَنْ دَارِهِمْ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ دَارِهِمْ وَخَارِجِهَا (قَوْلُهُ: سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ) وَلَوْ تَرَكَ الرَّدَّ حَتَّى وَصَلَ لِبِلَادِ الْإِسْلَامِ رَدَّهُ عَلَى الْإِمَامِ لَا عَلَى الْمُقْرِضِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ السَّابِقِ مَا دَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِرّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ: بِشَيْءٍ مِنْ الْمَغْنَمِ (قَوْلُهُ: إنَّمَا هُوَ سَيِّدُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ فَلَا يَظْهَرُ صِحَّةُ إعْرَاضِهِ فِي حَقِّهَا ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ.
اهـ.
وَكَأَنَّ وَجْهَ النَّظَرِ أَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَالْمُفْلِسِ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ وَقَدْ تَقَرَّرَ جَوَازُ إعْرَاضِهِ
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي صِحَّةُ إعْرَاضِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَيَضُمُّ حِصَّتَهُ إلَى الْمَغْنَمِ) أَيْ: وَيُعْطِي لِأَهْلِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ فَقَطْ
وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ صَحَّ إعْرَاضُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَشِيدٍ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ رَشِيدٌ حُكْمًا وَقَوْلُهُ رَشِيدٌ يُغْنِي عَنْ كُلِّفَ وَمَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ إعْرَاضِ السَّفِيهِ نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْإِمَامِ فَقَالَا: قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ الْمَنْعُ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهَذَا إنَّمَا فَرَّعَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِنَامِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَسِيطِ فَقَالَ وَالسَّفِيهُ يَلْزَمُ حَقَّهُ عَلَى قَوْلِنَا يَمْلِكُ وَلَا يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ إلَّا عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ صِحَّةَ إعْرَاضِهِ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ الرَّاجِحُ صِحَّةُ إعْرَاضِهِ وَعَطَفَ النَّاظِمُ عَلَى مَا قُدْرَتُهُ مِنْ غَانِمٍ قَوْلَهُ (أَوْ سَيِّدٌ) لِغَانِمٍ (أَوْ وَارِثٌ) لَهُ أَوْ لِلسَّيِّدِ إنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ، وَإِعْرَاضِهِ فَيَصِحُّ إعْرَاضُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (تَعَفُّفًا) فِعْلٌ إنْ فُتِحَ ثَالِثُهُ، وَمَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بِأَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ إنْ ضُمَّ وَخَرَجَ بِهِ الْمُكْرَهُ فَلَا يَصِحُّ إعْرَاضُهُ وَمَحَلُّ صِحَّةِ الْإِعْرَاضِ (مِنْ قَبْلِ قَسْمٍ) لِمَا غَنِمَ (وَاخْتِيَارٍ) لِلتَّمَلُّكِ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَهُمَا (قُلْتُ فِي ذَلِكَ مَأْخَذٌ) أَيْ: مُؤَاخَذَةٌ (عَلَى الْمُصَنِّفِ) لِلْحَاوِي (إذْ لَيْسَ لِلْقَسْمِ مِنْ اعْتِبَارِ) بِزِيَادَةِ مِنْ (فِي ذَاكَ) أَيْ: التَّمَلُّكِ (إلَّا مَعَ الِاخْتِيَارِ) لَهُ (فَبِاخْتِيَارٍ اغْنَ) أَنْتَ (عَنْ قَسْمٍ) فَعُلِمَ أَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا تَكْفِي إذَا كَانَ مَعَهَا اخْتِيَارٌ حَتَّى لَوْ أَفْرَزَ الْإِمَامُ لِكُلٍّ حِصَّتَهُ لَمْ يَمْلِكْهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بَعْدَهُ الْإِعْرَاضُ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ وَكَمَا أَنَّ مَنْ اخْتَارَ فِي الْعُقُودِ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ لَا يَعْدِلُ إلَى الْآخَرِ
(وَلَوْ أَفْلَسَ) الْغَانِمُ وَحُجِرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إعْرَاضُهُ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ التَّمَلُّكِ كَالِاكْتِسَابِ وَالْمُفْلِسُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ (أَوْ) وُجِدَ (بَعْضٌ) أَيْ: أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ رُقَّ بِالْأَسْرِ أَوْ بِالْإِرْقَاقِ بَعْدَهُ (وَلِهَذَا) أَيْ: لِلْغَانِمِ (فِيهِ) أَيْ: فِيمَا غَنِمَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إعْرَاضُهُ وَيَسْتَمِرُّ رِقُّ بَعْضِهِ (أَوْ أُفْرِزَ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا غَنِمَ (الْخُمْسَ) وَلَوْ مَعَ إفْرَازِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إعْرَاضُهُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمِلْكِ بِذَلِكَ كَمَا مَرَّ (لَا كُلَّ ذَوِي قُرْبَى) أَيْ: لَا يَصِحُّ إعْرَاضُهُمْ فَإِنَّ سَهْمَهُمْ مِنْحَةٌ أَثْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ بِلَا تَعَبٍ وَشُهُودِ وَقْعَةٍ كَالْإِرْثِ فَلَيْسُوا كَالْغَانِمِ الَّذِي يَقْصِدُ بِشُهُودِهِ مَحْضَ الْجِهَادِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ تَبَعًا لِلْوَجِيزِ أَنَّهُ يَصِحُّ إعْرَاضُ بَعْضِهِمْ وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَاوِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّشَائِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَانِعَ مِنْ الْإِعْرَاضِ شَامِلٌ لِلْكُلِّ وَلِلْبَعْضِ وَأَنَّهُ يَصِحُّ إعْرَاضُ كُلِّ الْغَانِمِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُسَوِّغَ شَامِلٌ لِلْكُلِّ، وَلِلْبَعْضِ وَيُصْرَفُ حَقُّهُمْ مَصْرِفَ الْخُمُسِ وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الْخُمُسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ إعْرَاضُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ (وَلَا السَّالِبُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ إعْرَاضُهُ عَنْ السَّلَبِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَهُ بِالنَّصِّ كَالْوَارِثِ.
وَقَوْلُهُ: (بِالْفَقْدِ سُوِي) خَبَرُ مُعْرِضٍ كَمَا تَقَرَّرَ أَيْ: مُسْتَوٍ مَعَ فَقْدِهِ بِمَعْنَى مُسَاوٍ لَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾ [النساء: 42] أَيْ: يَوَدُّوا تَسْوِيَتَهُمْ مَعَهَا بِأَنْ يَكُونَا سَوَاءً (وَلَيْسَ) لِلْغَانِمِ (مِلْكٌ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إعْرَاضِهِ كَمَا مَرَّ وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ مَلَكَ إنْ يَتَمَلَّكْ؛ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ طَائِفَةٍ بِنَوْعٍ مِنْ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَسْقُطُ بِالْإِعْرَاضِ إلَخْ) لَا يُقَالُ لَا وَجْهَ لِعَدَمِ صِحَّةِ إعْرَاضِهِ عَلَى قَوْلِنَا يَمْلِكُ إلَّا إلْغَاءَ عِبَارَتِهِ شَرْعًا فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ فَكَمَا لَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُهُ مِلْكَهُ نَظَرًا لِذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهُ حَقَّ تَمَلُّكِهِ نَظَرًا لَهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَرُدُّ هَذَا أَنَّ الْكَامِلَ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِإِعْرَاضِهِ حَيْثُ لَمْ يَمْلِكْ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ بَعْدَ الْمِلْكِ بِالِاخْتِيَارِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ الْأَصَحُّ إلَخْ) نُوقِشَ فِي هَذَا بِأَنَّ عِبَارَةَ السَّفِيهِ مُلْغَاةٌ بِالنَّظَرِ لِإِسْقَاطِ حُقُوقِهِ الْمَالِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ صَحِيحَةٌ (قَوْلُهُ: أَوْ وَارِثٍ لَهُ) أَيْ: لِغَانِمٍ (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِهِ الْمُكْرَهُ) إذْ التَّعَفُّفُ يُبْنَى عَلَى الِاخْتِيَارِ وَلَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُفْلِسُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ الِاكْتِسَابُ كَأَنْ عَصَى بِسَبَبِ الدِّينِ لَمْ يَصِحَّ إعْرَاضُهُ فَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَ إفْرَازِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ) قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةُ بِأَنَّهَا تَقْتَضِي تَصَوُّرَ إفْرَازِ الْخُمُسِ بِدُونِ إفْرَازِ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إفْرَازِ الْخُمُسِ إفْرَازُ الْأَرْبَعَةِ إذْ لَا مَعْنَى لِإِفْرَازِهَا إلَّا تَمَيُّزُهَا عَنْ الْخُمُسِ وَيُجَابُ بِمَنْعِ اللُّزُومِ إذْ قَدْ يُفْرِزُ الْخُمُسَ وَتَبْقَى الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ مُخْتَلِطَةً بِمَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالسَّلَبِ وَالْمُؤَنِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ إلَخْ) قَدْ يُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَا كُلِّ ذَوِي الْقُرْبَى سَلَبٌ كُلِّيٌّ لَا رَفْعٌ لِلْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23] فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ) اعْتَمَدَ الْجَوْجَرِيُّ الْأَوَّلَ وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ إعْرَاضَ الْجَمِيعِ يُلْزِمُهُ إسْقَاطَ السَّهْمِ وَلَا كَذَلِكَ إعْرَاضُ الْبَعْضِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا وَالْوَجْهُ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْجَوْجَرِيُّ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَهُ بِالنَّصِّ) قَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ سَلَبَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ إذَا اسْتَحَقَّهُ أَشْخَاصٌ لَا يَصِحُّ إعْرَاضُ بَعْضِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا سَلَفَ فِي بَعْضِ ذَوِي الْقُرْبَى يَأْتِي نَظِيرُهُ هُنَا بِرّ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْغَانِمِ مِلْكٌ قَبْلَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا شَامِلٌ لِلْمُسْلِمِ إذَا قَهَرَ حَرْبِيًّا بِرّ
[حاشية الشربيني]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمَالِ (وَحَقُّهُ) فِي التَّمَلُّكِ (مُوَرَّثٌ) عَنْهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ فَيَتَخَيَّرُ وَارِثُهُ بَيْنَ تَمَلُّكِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ
(وَالْبَعْضُ) أَيْ: بَعْضُ الْغَانِمِ مِنْ أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ إذَا رُقَّ أَوْ أَرَقَّ (يَنْفِي عِتْقَهُ) أَيْ: لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بِخِلَافِ الْإِيلَادِ عَلَى وَجْهٍ كَمَا سَيَأْتِي لِقُوَّتِهِ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ قَبْلُ أَوْ بَعْضٌ لِهَذَا فِيهِ
. (وَلَا يُحَدُّ) الْغَانِمُ (إنْ يَطَأْ) قَبْلَ الِاخْتِيَارِ أَمَةً وَقَعَتْ فِي الْمَغْنَمِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةَ مِلْكٍ نَعَمْ يُعَزَّرُ الْعَالِمُ بِالتَّحْرِيمِ، أَمَّا غَيْرُ الْغَانِمِ فَيُحَدُّ بِوَطْئِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِشُبْهَةٍ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْغَانِمِينَ وَلَدٌ أَوْ عَبْدٌ (وَالْمَهْرُ) بِوَطْءِ الْغَانِمِ وَاجِبٌ (عَلَيْهِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ يَغْرَمُهُ إذَا لَمْ يَنْحَصِرْ الْغَانِمُونَ وَلَمْ يُفْرِزْ الْإِمَامُ الْخُمُسَ فَيُضَمُّ إلَى الْمَغْنَمِ وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فَتَعُودُ إلَيْهِ حِصَّتُهُ مِنْهُ وَلَا يُكَلَّفُ الْإِمَامُ ضَبْطَهُمْ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلْيُخَصَّ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا إذَا طَابَتْ نَفْسُهُ بِغُرْمِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ قَالَ أَسْقِطُوا حِصَّتِي فَلَا بُدَّ مِنْ إجَابَتِهِ وَيُؤْخَذُ الْمُتَيَقَّنُ وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُ مَا قَالَهُ وَيُحْتَمَلُ أَخْذُ هَذَا الْقَدْرِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَالْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ وَلِئَلَّا يُقَدَّمَ بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي الْإِعْطَاءِ عَلَى بَعْضٍ فَإِنْ انْحَصَرَ وَأَبَانَ سَهُلَ ضَبْطُهُمْ سَقَطَتْ حِصَّةُ الْوَاطِئِ إذْ لَا مَعْنَى لِأَخْذِهَا مِنْهُ وَرَدِّهَا عَلَيْهِ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ فِي مَعْرِفَتِهَا، وَغَرِمَ حِصَّةَ الْخُمُسِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْغَانِمِينَ وَإِنْ أَفْرَزَ الْإِمَامُ الْخُمُسَ وَعَيَّنَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شَيْئًا، وَكَانَتْ الْأَمَةُ مُعَيَّنَةً لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمْ قَبْلَ اخْتِيَارِهِمْ تَمَلُّكَهَا وَغَرِمَ حِصَّةَ غَيْرِهِ مِنْ الْغَانِمِينَ لَا الْخُمُسَ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ كَوَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ فَيَغْرَمُ قِسْطَ شُرَكَائِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ طَائِفَةٍ شَيْئًا بَلْ كَانَتْ الْأَمَةُ فِي حِصَّةِ الْغَانِمِينَ وَهُمْ غَيْرُ مَحْصُورِينَ فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمْ غَرِمَ الْمَهْرَ وَقُسِّمَ كَمَا مَرَّ (وَالْفَرْعُ) الْحَاصِلُ بِوَطْءِ الْغَانِمِ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ التَّمَلُّكَ (نَسِيبٌ حُرُّ) لِلشُّبْهَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَمْ مُعْسِرًا كَمَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ.
وَقِيلَ إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالْحُرُّ مِنْهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ فَقَطْ كَإِيلَادِهِ؛ وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ هِيَ اسْتِحْقَاقُ التَّمَلُّكِ وَهُوَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ النَّاظِمُ تَبَعًا لِلشَّيْخَيْنِ فِي النِّكَاحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَطْءِ الْأَبِ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ ابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ قَالَا هُنَا وَالْخِلَافُ فِي تَبْعِيضِ الْحُرِّيَّةِ يَجْرِي فِي وَلَدِ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ، ثُمَّ صَحَّحَا كَالْعِرَاقِيِّينَ الْأَوَّلَ لَكِنَّهُمَا صَحَّحَا فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ وَغَيْرِهِ الثَّانِيَ (وَ) عَلَى الْمُوَلِّدِ (حِصَّةُ الْغَيْرِ) أَيْ: حِصَّةُ غَيْرِهِ مِنْ الْمَهْرِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَمِنْ قِيمَةِ الْأَمَةِ حَالَةَ السِّرَايَةِ وَالْوَلَدِ حَالَةَ عَدَمِهَا بِشَرْطِ انْحِصَارِ الْغَانِمِينَ، وَإِلَّا فَيَغْرَمُ الْجَمِيعَ وَيَعُودُ إلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ حِصَّتُهُ كَمَا مَرَّ فِي الْمَهْرِ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهَا هَذَا وَمَا قَبْلَهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الْإِيلَادِ الْآتِيَةِ فَإِنَّهُمَا فَرْعَاهَا (كَفَى) وَطْءُ (الْمُشْتَرَكَهْ) مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فَإِنَّ الْوَلَدَ الْحَاصِلَ بِهِ حُرٌّ نَسِيبٌ وَعَلَيْهِ حِصَّةُ غَيْرِهِ مِنْ قِيمَةِ الْأَمَةِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا (وَنَافِذٌ) فِي الْحَالِ مِنْ الْغَانِمِ الْمُوَلِّدِ لِأَمَةِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ التَّمَلُّكَ (إيلَادُ جُزْءٍ مَلَكَهْ) بِتَقْدِيرِ اخْتِيَارِهِ التَّمَلُّكَ أَيْ: إيلَادَ نَصِيبِهِ مِنْهَا لِلشُّبْهَةِ كَمَا فِي وَطْءِ الْأَبِ أَمَةَ ابْنِهِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِ أَقْوَى سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَمْ مُعْسِرًا
(وَلَيْسَ) الْإِيلَادُ (لِلْمُوسِرِ) مِنْ حِصَّتِهِ إلَى الْبَاقِي فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ حِصَّةِ شُرَكَائِهِ بِخِلَافِ الْمُعْسِرِ كَمَا تَقَرَّرَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ نُفُوذِ الْإِيلَادِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ السِّرَايَةُ هُوَ مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ الْمَنْصُوصُ نُفُوذُهُ لَكِنَّهُ نَقَلَ عَدَمَ نُفُوذِهِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَكَثِيرٍ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالِاخْتِيَارِ، وَجَعَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْمَذْهَبَ، ثُمَّ قَالَ وَعَلَيْهِ إنْ مَلَكَهَا بَعْدُ فَفِي نُفُوذِهِ قَوْلَانِ كَنَظَائِرِهِ أَظْهَرُهُمَا النُّفُوذُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَعَنَى بِنَظَائِرِهِ إيلَادَ الْمَرْهُونَةِ وَالْجَانِيَةِ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا) أَيْ: مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ
(قَوْلُهُ: وَالْمَهْرُ) لَعَلَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِنْزَالُ عَلَى تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ (قَوْلُهُ: وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْجَمِيعِ) وَمِنْهُ الْخُمُسُ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكَلَّفُ الْإِمَامُ ضَبْطَهُمْ) وَمَعْرِفَةَ نَصِيبِهِ شَرْحٌ رَوْضٌ (قَوْلُهُ: يَجْرِي فِي وَلَدِ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ صَحَّحَا كَالْعِرَاقِيِّينَ الْأَوَّلَ أَيْ: فَمَا صَحَّحَ صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَقَوْلُهُ: الثَّانِي أَيْ: التَّبْعِيضُ فِي الْمُعْسِرِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ قِيمَةِ الْأَمَةِ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ الْمَهْرِ وَقَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ عُطِفَ عَلَى الْأَمَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْوَلَدَ إلَخْ) هَلَّا تَعَرَّضَ لِوُجُوبِ حِصَّةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَهْرِ كَمَا يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ (قَوْلُهُ: وَجَعَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْمَذْهَبَ) وَهُوَ الْأَوْجَهُ م ر
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ م ر فِي هَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: حِصَّةُ غَيْرِهِ مِنْ الْغَانِمِينَ) ظَاهِرُهُ جَمِيعُهُمْ لَا خُصُوصُ طَائِفَةٍ وَغَايَةُ مَا هُنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غُرْمُ حِصَّتِهِ كَمَا لَوْ كَانُوا مَحْصُورِينَ (قَوْلُهُ: لِمَا قَدَّمَهُ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا ظَاهِرٌ.
اهـ.
م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُمَا صَحَّحَا إلَخْ) أَشَارَ م ر فِي هَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ إلَى تَصْحِيحِهِ (قَوْلُهُ: وَجَعَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ الْمَذْهَبَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى خَلَلٍ فِي جَعْلِهِ الْمَذْهَبَ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ (قَوْلُهُ: أَظْهَرُهُمَا) أَيْ: أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا هُنَا وَفِي نَظَائِرِهِ إنْ أُرِيدَ بِالنَّظَائِرِ إيلَادُ الْمَرْهُونَةِ وَالْجَانِيَةِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ إذَا أَوْلَدَهَا مَرْهُونَةً أَوْ جَانِيَةً وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَفُدِيَتْ الْجَانِيَةُ ثُبُوتُ الِاسْتِيلَادِ وَإِنَّمَا كَانَ مَا هُنَا نَظِيرُ تَيْنِكَ الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ حَقِّهِ فِي الْغَنِيمَةِ نَزَّلَتْهَا مَنْزِلَةَ الْمَمْلُوكَةِ قَالَ
وَنَحْوِهِمَا، أَوْ إيلَادَ أَمَةِ الْغَيْرِ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ وَلَا يُنَافِيهِ تَرْجِيحُ النُّفُوذِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاتِّحَادِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ الِاتِّحَادُ فِي التَّرْجِيحِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَمَةِ الْمَغْنَمِ وَأَمَةِ الْغَيْرِ ظَاهِرٌ
(وَالْعِرَاقُ) عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ وَسَوَادُ الْعِرَاقِ وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنْ الْقَادِسِيَّةِ إلَى حُلْوَانَ عَرْضًا وَالْبَصْرَةُ وَإِنْ دَخَلَتْ فِيهِ لَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا يُسَمَّى نَهْرُ الصَّرَاةِ، وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا يُسَمَّى الْفُرَاتُ (قَدْ أُوجِرَ بَعْدَ وَقْفِهِ) فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتَحَهُ عَنْوَةً وَقَسَمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ اسْتَطَابَ قُلُوبَهُمْ عَنْهُ وَاسْتَرَدَّهُ وَوَقَفَهُ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ خَافَ تَعَطُّلَ الْجِهَادِ بِاشْتِغَالِهِمْ بِعِمَارَتِهِ لَوْ تَرَكَهُ بِأَيْدِيهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْسِنْ قَطْعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَنْ رَقَبَتِهِ وَمَنْفَعَتِهِ، ثُمَّ أَجَرَهُ لِأَهْلِهِ (إلَى الْأَبَدْ) بِالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْهِ أُجْرَةً مُنَجَّمَةً تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ عَلَى خِلَافِ سَائِرِ الْإِجَارَاتِ.
(لِلِاحْتِيَاجِ) إلَى التَّأْبِيدِ وَهُوَ مَصْلَحَةٌ كُلِّيَّةٌ فَلَيْسَ لِأَهْلِهِ إجَارَتُهُ مُؤَبَّدًا كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِهِ يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ فِي مَصَالِحِنَا الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ الْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْرُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا فَرَضَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ لَمَّا بَعَثَهُ عُمَرُ مَاسِحًا وَهُوَ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَانِ، وَجَرِيبِ الْحِنْطَةِ أَرْبَعَةٌ، وَجَرِيبِ الشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةٌ وَجَرِيبِ النَّخْلِ ثَمَانِيَةٌ وَجَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةٌ، وَجَرِيبِ الزَّيْتُونِ اثْنَا عَشَرَ وَالْجَرِيبُ عَشْرُ قَصَبَاتٍ كُلُّ قَصَبَةٍ سِتَّةُ أَذْرُعٍ بِالْهَاشِمِيِّ كُلُّ ذِرَاعٍ سِتُّ قَبَضَاتٍ كُلُّ قَبْضَةٍ أَرْبَعُ أَصَابِعَ فَالْجَرِيبُ سَاحَةٌ مُرَبَّعَةٌ مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ كُلِّ جَانِبَيْنِ مِنْهَا سِتُّونَ ذِرَاعًا هَاشِمِيًّا وَلَيْسَ لِمَنْ بِيَدِهِ الْأَرْضُ تَنَاوُلُ ثَمَرِ شَجَرِهَا بَلْ يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ وَثَمَنَهُ لِلْمَصَالِحِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ أَرْضَ الْغَنِيمَةِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِطَرِيقِهِ السَّابِقِ، وَكَذَا سَائِرُ عَقَارَاتِهَا وَمَنْقُولَاتِهَا (قُلْتُ) كَالشَّيْخَيْنِ (هَذَا) أَيْ: وَقْفُ مَا ذُكِرَ (فِيمَا) أُعِدَّ (لِلزَّرْعِ وَالْغَرْسِ) فَالدُّورُ وَالْمَسَاكِنُ لَيْسَتْ وَقْفًا إذْ لَمْ يُنْكِرْ بَيْعَهَا؛ وَلِأَنَّ وَقْفَهَا يُفْضِي إلَى خَرَابِهَا نَعَمْ الْمَوْجُودُ مِنْهَا حَالَ الْفَتْحِ وَقْفٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ نَقَلَهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (فَلَا تَعْمِيمَا) تَكْمِلَةٌ وَتَأْكِيدٌ
(وَمَكَّةُ) بِالصَّرْفِ لِلْوَزْنِ (مِلْكٌ) لِأَهْلِهَا لَا وَقْفٌ وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا وَفُتِحَتْ صُلْحًا لَا عَنْوَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ﴾ [الفتح: 22] الْآيَةَ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ وَلِقَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: 24] «؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقْتُلْ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَطَابَ قُلُوبَهُمْ عَنْهُ إلَخْ) هَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَوْقُوفَ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ دُونَ الْخُمُسِ الْآخَرِ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ خِلَافَهُ فَرَاجِعْهُ وَكَتَبَ أَيْضًا عِبَارَةَ الْمِنْهَاجِ مَعَ شَرْحِ الشِّهَابِ، ثُمَّ بَعْدَ مِلْكِهِمْ لَهُ بِالْقِسْمَةِ وَاسْتِمَالَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُلُوبَهُمْ بَذَلُوهُ لَهُ أَيْ: الْغَانِمُونَ وَذَوُو الْقُرْبَى وَأَمَّا أَهْلُ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ الْأَرْبَعَةِ فَالْإِمَامُ لَا يَحْتَاجُ فِي وَقْفِ حِصَّتِهِمْ إلَى بَذْلٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ذَلِكَ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِأَهْلِهِ.
اهـ. فَلْيَنْظُرْ هَلْ كَانَ ذَوُو الْقُرْبَى مُنْحَصِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَ بَذْلُهُمْ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَهْلِهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَقْفِ حِصَّةِ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُمْ فَلَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَجَرِيبِ الشَّجَرِ) مَا الْمُرَادُ بِهِ (قَوْلُهُ: وَقَصَبِ السُّكَّرِ) هُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَكِنْ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ، وَأَنَّ صَوَابَهُ بِالْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ الرَّطْبَةُ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَجَرِيبِ النَّخْلِ) هُوَ وَالْكَرْمُ وَالزَّيْتُونُ مِنْ الشَّجَرِ فَهَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا هَذِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِمَنْ بِيَدِهِ الْأَرْضُ تَنَاوُلُ ثَمَرِ شَجَرِهَا) أَيْ: الَّذِي دَخَلَ فِي الْوَقْفِ، أَمَّا الْحَادِثُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مِلْكٌ لِأَهْلِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ غَرَضَ الشَّيْخِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْجَوْجَرِيُّ وَحِينَئِذٍ فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُهُمْ عَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ كَذَا إلَخْ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الثِّمَارُ لَيْسَتْ لِلْمُسْتَأْجَرَيْنِ فَمَا وَجْهُ الِاخْتِلَافِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الصَّالِحَ لِغَرْسِ النَّخْلِ مِثْلٌ لِزَرْعِ الشَّعِيرِ مِثْلًا لِغَرْسِ الْعِنَبِ مِثْلًا وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُمَرَ أَجَّرَهُمْ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ كَذَا إلَخْ وَجَازَ مِثْلُهُ لِلضَّرُورَةِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ وَقَوْلُهُ: فَمَا وَجْهُ الِاخْتِلَافِ أَيْ: اخْتِلَافِ الْأُجْرَةِ (قَوْلُهُ: ثَمَرِ شَجَرِهَا) أَيْ: غَيْرِ الْمُحْدَثِ (قَوْلُهُ: إذْ لَمْ يُنْكِرْ بَيْعَهَا) نَعَمْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ امْتِنَاعَ بَيْعِهَا إنْ كَانَتْ آلَتُهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَهُوَ مَحْمَلُ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهَا حَالَ الْفَتْحِ وَقْفٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ حَجَرٌ وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْحَمْلِ الْمَذْكُورِ مِنْ قَوْلِهِ حَالَ الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: نَعَمُ الْمَوْجُودُ إلَخْ) هَذَا مِنْ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ مَوْضِعَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الطَّارِئِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَسْأَلَةُ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ فِيهَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً، وَالثَّانِي يَقُولُ بَلْ وُقِفَتْ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ وَالنِّزَاعِ إنَّمَا
[حاشية الشربيني]
ابْنُ الْعِمَادِ: وَنَقَلَهُ م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ هُنَا فَقَطْ إنْ أُرِيدَ بِالنَّظَائِرِ إيلَادُ أَمَةِ الْغَيْرِ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَلَكَهَا لَا يَنْفُذُ الِاسْتِيلَادُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْعِمَادِ أَيْضًا فِيمَا نَقَلَهُ م ر عَنْهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَا يُنَافِيهِ إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ إيلَادُ أَمَةِ الْغَيْرِ إلَخْ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهُ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ) ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ سَبْخَةً أَحْيَاهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ.
اهـ.
م ر وَنَازَعَ سم فِي عَدَمِ شُمُولِ الْوَقْفِ لِلْمَوَاتِ وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ سَائِرِ الْإِجَارَاتِ) فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَى الْأَبَدِ (قَوْلُهُ: وَقَدْرُهُ) أَيْ: قَدْرُ الْأُجْرَةِ الَّتِي أَجَّرَ بِهَا عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يُؤَجِّرَهُ مَنْ هُوَ مَعَهُ بِأَزْيَدَ (قَوْلُهُ: ثَمَرِ شَجَرِهَا) أَيْ: الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ إجَارَةِ الْأَرْضِ إذْ الْحَادِثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِلْكٌ لَمُحْدِثِهِ
وَلَمْ يَسُبَّ وَلَا قَسَمَ شَيْئًا» وَلِمَا فِي قِصَّةِ صُلْحِهَا «أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ طَلَبَ الْأَمَانَ لِأَهْلِهَا فَعَقَدَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَمَانَ وَهُوَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَقَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ «وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُنَاسًا أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَمَنْ قَالَ فُتِحَتْ عَنْوَةً مَعْنَاهُ أَنَّهُ دَخَلَ مُسْتَعِدًّا لِلْقِتَالِ لَوْ قُوتِلَ.
قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي بَسِيطِهِ
، ثُمَّ أَخَذَ النَّاظِمُ فِي بَيَانِ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ الْجِهَادِ فَقَالَ (وَمَهْمَا عَبَرُوا) أَيْ: الْكُفَّارُ دَارَنَا (وَلَوْ إلَى خَرَابِنَا) أَوْ مَوَاتِنَا (أَوْ أَسَرُوا مَرْجُوَّ فَكٍّ مُسْلِمًا) أَيْ: مُسْلِمًا نَرْجُو فَكَّهُ (يُفْرَضْ لِكُلِّ ذِي قُوَّةٍ) أَيْ: يُفْرَضُ الْجِهَادُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ قَوِيٍّ عَلَى الْقِتَالِ لِعِظَمِ الْأَمْرِ وَخَرَجَ بِمَرْجُوِّ الْفَكِّ مَنْ لَا يُرْجَى فَكُّهُ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُفِيدُ فَلَا يَجِبُ بَلْ يُنْتَظَرُ كَمَا لَوْ دَخَلَ مَلَكَ عَظِيمٌ مِنْهُمْ طَرَفَ بِلَادِنَا لَا يَتَسَارَعُ لِدَفْعِهِ الْآحَادُ وَالطَّوَائِفُ لِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْخَطَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ كَالْمِنْهَاجِ الْوُجُوبُ إذَا رَجَوْنَا فَكَّهُ مَعَ تَوَغُّلِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَعَدَمِ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ نَرْجُ فَكَّهُ مَعَ قُرْبِهِمْ، وَذَكَرَ فِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُنَا فَكُّ مَنْ أُسِرَ مِنْ الذِّمِّيِّينَ (وَالْحَجَرُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ كُلِّ قَوِيٍّ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ بِبِلَادِهِمْ مِنْ قِنٍّ وَامْرَأَةٍ نَافِعَةٍ فِي الْحَرْبِ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ (فَلْيَنْزِلْ) هُنَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ وَإِنْ كَفَى غَيْرُهُ لِعِظَمِ الْأَمْرِ (كَظَاهِرِ) أَيْ: كَمَا يُفْرَضُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَعَلُّمُ ظَاهِرِ عِلْمِ (الْأَحْكَامِ فِي الصَّنَائِعِ) الَّتِي يُعَانِيهَا دُونَ عِلْمِ دَقَائِقِهَا وَالْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مُتَعَاطِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ تَعَلُّمُ أَحْكَامِهِمَا حَتَّى يَتَعَيَّنَ عَلَى الْخَبَّازِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ خُبْزِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ وَلَا بِدَقِيقِهِ، وَالصَّيْرَفِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَدَاءِ قَلْبٍ) مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ: وَكَتَعَلُّمِ ظَاهِرِ عِلْمِ دَاءِ الْقَلْبِ أَيْ: مَرَضِهِ لِيَحْتَرِزَ عَنْهُ فَيَعْلَمَ حَدَّهُ وَسَبَبَهُ وَعِلَاجَهُ وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْغَزَالِيِّ، ثُمَّ.
قَالَ وَخَصَّهُ غَيْرُهُ بِالْحَاجَةِ فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ سَلِيمًا أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ تَطْهِيرِهِ بِغَيْرِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ فَرَائِضِ الْإِسْلَامِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ (وَ) كَتَعَلُّمِ ظَاهِرِ عِلْمِ (صِفَاتِ الصَّانِعِ) تَعَالَى (وَ) ظَاهِرِ (صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ التَّوْحِيدَا) وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْعِلْمُ بِالدَّلِيلِ بَلْ يَكْفِي فِيهِمَا الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ وَلَا يُعْتَبَرُ التَّوَغُّلُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ وَلَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَوْجَبْنَا التَّشَاغُلَ بِهِ كَمَا لَمْ تَشْتَغِلْ بِهِ الصَّحَابَةُ وَرُبَّمَا نُهِينَا عَنْهُ فَأَمَّا الْيَوْمُ فَقَدْ ثَارَتْ الْبِدَعُ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهَا تَلْتَطِمُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِ مَا يُدْعَى بِهِ إلَى الْمَسْلَكِ الْحَقِّ، وَتَزُولُ بِهِ الشُّبْهَةُ فَصَارَ الِاشْتِغَالُ بِأَدِلَّةِ الْمَعْقُولِ فَرْضَ كِفَايَةٍ (لَا) أَيْ: إنَّمَا يُفْرَضُ الْجِهَادُ عَلَى كُلِّ قَوِيٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْكُفَّارِ وَإِنْ كَفَاهُمْ غَيْرُهُ لَا عَلَى (مَنْ يَكُونُ عَنْهُمْ بَعِيدَا مَسَافَةَ الْقَصْرِ) فَأَكْثَرَ (إذَا) كَانَ ثَمَّ (كَافٍ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ كَافٍ فَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ (نَشِطَ لِلْحَرْبِ) أَيْ: أَسْرَعَ إلَيْهَا إيضَاحٌ (قُلْتُ زَادُ كُلٍّ) مِنْ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ (مُشْتَرَطٌ) فِي وُجُوبِ الْجِهَادِ إذْ لَا اسْتِقْلَالَ بِدُونِهِ وَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِهِمْ الْخُرُوجَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ يَهْلَكُونَ؛ وَيَشْتَرِطُ وُجُودَ الْمَرْكُوبِ لِمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَالْحَجِّ
(وَبِالْمُلَاقَاةِ) أَيْ: عِنْدَهَا وَإِنْ تَكَرَّرَتْ (السَّلَامُ) يُسَنُّ.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] أَيْ: لِيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالْأَمْرُ بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ مُؤَكَّدَةٌ (لَا عَلَى مَنْ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ: لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِهَا وَفِي مَعْنَاهَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ (أَوْ بِأَكْلٍ) أَيْ: وَلَا عَلَى مَنْ (شُغِلَا) بِأَكْلٍ وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ وَخَصَّهُ الْإِمَامُ بِحَالَةِ الْمَضْغِ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ، وَالشُّرْبُ كَالْأَكْلِ كَمَا فِي التَّعْلِيقَةِ (وَ) لَا عَلَى (مَنْ بِحَمَّامٍ) .
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّهُ بَيْتُ الشَّيْطَانِ وَلِاشْتِغَالِهِ بِالْغُسْلِ وَقَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِ الْأَوَّلِ دُخُولُ مَحَلِّ نَزْعِ الثِّيَابِ، وَالثَّانِيَ خُرُوجُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ جَرَى الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ (وَ) لَا عَلَى (ذِي اسْتَطَابَهْ) أَيْ: قَاضِي الْحَاجَةِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي هَذِهِ
[حاشية العبادي]
هُوَ فِي الْمَوْجُودِ حَالَ الْفَتْحِ وَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِوَقْفٍ قَطْعًا سَوَاءٌ الدُّورُ وَالْغِرَاسُ صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِرّ وَقَوْلُهُ: لَيْسَتْ مَوْقُوفَةً ظَاهِرُهُ نَفْيُ الْوَقْفِ عَنْ أَرْضِهَا وَبِنَائِهَا وَقَوْلُهُ: سَوَاءٌ الدُّورُ إلَخْ لَعَلَّ الْمُرَادَ مُجَرَّدُ الْأَبْنِيَةِ وَالشَّجَرِ وَإِلَّا فَأَرْضُ ذَلِكَ قَدْ شَمِلَهَا الْوَقْفُ
(قَوْلُهُ: لَا عَلَى مَنْ فِي الصَّلَاةِ) وَيُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ بَعْدَ السَّلَامِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي خُرُوجُهُ) وَإِنْ الْمُغْتَسِلُ فِي غَيْرِ الْحَمَّامِ لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ وَسَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَمُغْتَسِلٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ) وَحَيْثُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ يُسَنُّ لَهُ بِاللَّفْظِ وَكَذَلِكَ الْآكِلُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَتْ اللُّقْمَةُ فِي فَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَيُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ حَجَرٌ
[حاشية الشربيني]
وَالْإِجَارَةُ شَامِلَةٌ لِلْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَجَرِيبِ الشَّجَرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: عِلْمِ الْأَحْكَامِ) أَيْ: مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ النَّسَبُ كَثُبُوتِ الْوُجُوبِ لِلصَّلَاةِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ صِحَّةِ إلَخْ) لَعَلَّ الْمُرَادَ ظَاهِرُ مَسَائِلَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ اعْتِقَادِهِ التَّوْحِيدَ وَعِبَارَةُ الْإِرْشَادِ وَشَرْحِهِ وَظَاهِرِ عِلْمِ تَوْحِيدٍ وَصِفَاتٍ (قَوْلُهُ: إيضَاحٌ) عِبَارَةُ
الْحَالَةِ؛ وَلِأَنَّ مُكَالَمَتَهُ بَعِيدَةٌ عَنْ الْأَدَبِ وَالْمُرُوءَةِ وَلَا عَلَى مُجَامِعٍ وَمُغْتَسِلٍ، وَمُسْتَنْجٍ، وَمُؤَذِّنٍ، وَمُقِيمٍ، وَخَطِيبٍ وَمُلَبٍّ وَفَاسِقٍ وَمَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ وَلَا رَجُلٍ عَلَى امْرَأَةٍ وَبِالْعَكْسِ حَيْثُ كَانَتْ شَابَّةً وَامْتَنَعَ النَّظَرُ كَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ وَلَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا مِلْكٌ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي بَيَانِ وُجُوبِ الرَّدِّ وَأَمَّا الْقَارِئُ فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ الْأَوْلَى تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ فَإِنْ سَلَّمَ كَفَاهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ وَلَوْ رَدَّ بِاللَّفْظِ اسْتَأْنَفَ الِاسْتِعَاذَةَ، ثُمَّ قَرَأَ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ، ثُمَّ قَالَ وَفِيمَا.
قَالَهُ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ وَبِهَذَا جَزَمَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ الْوَاحِدِيِّ الْمَذْكُورَ وَضَعَّفَهُ.
قَالَ أَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ مُجْتَمِعَ الْقَلْبِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْقَارِئِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَنَكَّدَ بِهِ وَيَشُقَّ عَلَيْهِ فَوْقَ مَشَقَّةِ الْأَكْلِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إذَا اتَّصَفَ الْقَارِئُ بِمَا ذُكِرَ فَهُوَ كَالدَّاعِي بَلْ أَوْلَى لَا سِيَّمَا الْمُسْتَغْرِقِ فِي التَّدَبُّرِ
(يُسَنُّ) خَبَرُ السَّلَامِ كَمَا تَقَرَّرَ وَلَا تَسْقُطُ سُنِّيَّتُهُ بِظَنِّهِ عَدَمَ رَدِّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ فِي الرَّوْضَةِ صِحَّةُ السَّلَامِ بِالْعَجَمِيَّةِ إنْ فَهِمَهَا الْمُخَاطَبُ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ أَمْ لَا، وَصِيغَتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، وَكَذَا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَيُسَنُّ مُرَاعَاةُ الْجَمْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا خِطَابًا لَهُ، وَلِلْمَلَائِكَةِ وَكَمَالُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ كَمَا.
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ كَالرَّدِّ وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ لَكِنْ أَسْقَطَ الشَّيْخَانِ وَبَرَكَاتَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَالسَّلَامُ مِنْ الْوَارِدِ أَحَبُّ مِنْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا قَلَّ الْعَدَدُ أَوْ كَثُرَ وَمِنْ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ وَمِنْ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي وَمِنْ الْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ أَحَبُّ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ نَفْسِهِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ وَلِمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا أَوْ بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ دُخُولِهِ وَيَدْعُوَ، ثُمَّ يُسَلِّمَ (كَالتَّشْمِيتِ) وَهُوَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِلْعَاطِسِ يَرْحَمُك اللَّهُ أَوْ رَبُّك إذَا سَمِعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ.
قَالَ الْعَبَّادِيُّ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ حَمْدَهُ.
قَالَ يَرْحَمُك اللَّهُ إنْ حَمِدْته فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ.
قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُنِي اللَّهُ وَيُكَرِّرُ السَّامِعُ التَّشْمِيتَ بِتَكَرُّرِ الْعُطَاسِ إلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا دَعَا لَهُ بِالشِّفَاءِ (وَالْإِجَابَهْ) لِلتَّشْمِيتِ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْعَاطِسُ لِمُشَمِّتِهِ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ أَوْ نَحْوَهُ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي أَنَّهَا سُنَّةٌ وَرَدَّ السَّلَامِ وَاجِبٌ أَنَّ التَّشْمِيتَ لِلْعَاطِسِ وَلَا عُطَاسَ بِالْمُشَمِّتِ وَالتَّحِيَّةُ تَشْمَلُ الطَّرَفَيْنِ وَالدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهِمَا إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِ، أَمَّا الْكَافِرُ فَيُدْعَى لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَنَحْوِهَا وَيُسَنُّ لِلْعَاطِسِ سَتْرُ وَجْهِهِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا وَخَفْضُ صَوْتِهِ مَا أَمْكَنَ وَيُسَنُّ لِمَنْ تَثَاءَبَ أَنْ يَرُدَّهُ مَا أَمْكَنَ وَأَنْ يَسُدَّ فَاهُ وَلَوْ فِي صَلَاةٍ وَيُسَنُّ إجَابَةُ مَنْ نَادَاهُ بِلَبَّيْكَ وَأَنْ يُقَالُ لِلْوَارِدِ مَرْحَبًا وَلِلْمُحْسِنِ جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا أَوْ حَفِظَك اللَّهُ أَوْ نَحْوَهُ
(فَصْلٌ فِي) . بَيَانِ (الْأَمَانِ) لِلْكَافِرِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: 6] الْآيَةَ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا أَيْ: نَقَضَ عَهْدَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» . وَالذِّمَّةُ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ وَالْحُرْمَةُ وَالْحَقُّ وَأَمَّا الذِّمَّةُ فِي قَوْلِهِمْ ثَبَتَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَنَحْوِهِمَا فَمُرَادُهُمْ بِهَا الذَّاتُ وَالنَّفْسُ اللَّتَانِ هُمَا مَحَلُّهَا تَسْمِيَةً لِلْمَحَلِّ بِاسْمِ الْحَالِّ
. (يُومِنُ ذُو التَّكْلِيفِ مِنَّا دِينًا) بِنَصْبِهِ تَمْيِيزًا مِنْ قَوْلِهِ مِنَّا أَيْ: يُؤَمَّنُ الْمُكَلَّفُ الْمُسْلِمُ وَلَوْ خُنْثَى أَوْ امْرَأَةً أَوْ فَاسِقًا أَوْ سَفِيهًا أَوْ عَبْدًا وَلَوْ لِكَافِرٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ (بِالطَّوْعِ) أَيْ: مَعَ طَوْعِهِ (لَا الْأَسِيرُ مَحْصُورِينَا) مِنْ الْكُفَّارِ كَمِائَةٍ فَخَرَجَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ لِإِلْغَاءِ عِبَارَتِهِ وَالْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ وَلَيْسَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ لَنَا وَالْمُكْرَهُ عَلَى التَّأْمِينِ، وَالْأَسِيرُ الْمُقَيَّدُ أَوْ الْمَحْبُوسُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْرَهًا؛ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ بِأَيْدِيهِمْ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلِأَنَّ وَضْعَ الْأَمَانِ أَنْ يَأْمَنَ الْمُؤَمَّنُ وَلَيْسَ الْأَسِيرُ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَمُقِيمٍ) وَيُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ وَبَعْدَهُ بِاللَّفْظِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَمُلَبٍّ) وَيُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ وَلَا يَجِبُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ وَيُحْمَلُ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فِي الْحَجِّ عَنْ النَّصِّ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ أَيْ: نَدْبًا وَمَرَّ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ وَإِنْ كُرِهَ عَلَيْهِ حَجَرٌ
(قَوْلُهُ: بِظَنِّهِ إلَخْ) بَقِيَ عِلْمُهُ عَدَمَ رَدِّهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُكْرَهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَيَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ قَالَ فِي الْأَذْكَارِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَامًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَك أَنْ تَقُولَ إذَا كُرِهَ الِابْتِدَاءُ بِذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ الْمُسْلِمُ جَوَابًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَكَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ سَلَامٌ، أَمَّا لَوْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَلَيْسَ بِسَلَامٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ نَقَلَهُ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ الْمُتَوَلِّي (قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ حَمْدَهُ) عَقِبَ عُطَاسِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا فَوْقَ سَكْتَةِ تَنَفُّسٍ أَوْ عِيٍّ فِيمَا يَظْهَرُ حَجَرٌ.
(فَصْلٌ فِي الْأَمَانِ) (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الذِّمَّةُ فِي قَوْلِهِمْ إلَخْ) الَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ أَنَّهَا بِهَذَا الْمَعْنَى مَعْنًى يَقُومُ بِالْإِنْسَانِ فَيَصِيرُ بِسَبَبِهِ قَابِلًا لِلْإِلْزَامِ وَاللُّزُومِ بِرّ (قَوْلُهُ: هُمَا مَحَلُّهَا)
[حاشية الشربيني]
الْإِرْشَادِ إنْ خَرَجَ كَافٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ
(قَوْلُهُ: وَإِذَا اتَّصَفَ إلَخْ) ضَعِيفٌ بَلْ يُنْدَبُ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ رَدُّهُ اهـ شَيْخُنَا ذ
(قَوْلُهُ: بِتَكَرُّرِ الْعُطَاسِ) أَيْ: مَعَ مُتَابَعَتِهِ عُرْفًا وَالْأَسَنُّ التَّشْمِيتُ بِتَكَرُّرِهِ مُطْلَقًا
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَمَانِ لِلْكَافِرِ]
(فَصْلٌ) (قَوْلُهُ: أَدْنَاهُمْ) كَأُنْثَى رَقِيقَةٍ لِكَافِرٍ.
اهـ.
ع ش (قَوْلُهُ: الْعَهْدُ إلَخْ) أَيْ: تُطْلَقُ بِمَعْنَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَالْحُرْمَةُ) أَيْ: الِاحْتِرَامُ ع ش
(قَوْلُهُ: مَحْصُورِينَا) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْصُورِ مَا لَمْ يَنْسَدَّ بِتَأْمِينِهِ بَابُ الْجِهَادِ وَإِلَّا كَانَ مُمْتَنِعًا عَنْ الْآحَادِ وَالْإِمَامِ.
اهـ.
سم.
اهـ. بُجَيْرِمِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ لَكِنْ عَلَّلَ م ر بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هُدْنَةٌ وَهِيَ
آمِنًا، أَمَّا أَسِيرُ الدَّارِ وَهُوَ الْمُطْلَقُ بِبِلَادِ الْكُفْرِ الْمَمْنُوعُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَيَصِحُّ أَمَانُهُ كَمَا فِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنَّمَا يَكُونُ مُؤَمِّنُهُ آمِنًا مِنَّا بِدَارِ الْحَرْبِ لَا غَيْرُ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالْأَمَانِ فِي غَيْرِهَا وَخَرَجَ بِالْمَحْصُورِينَ غَيْرُهُمْ كَأَهْلِ بَلَدٍ أَوْ نَاحِيَةٍ فَلَا يُؤَمِّنُهُمْ الْآحَادُ لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ الْجِهَادُ فِيهَا (قُلْتُ وَ) يُؤَمِّنُ مَنْ ذُكِرَ (أَهْلَ قَلْعَةٍ) وَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ وَنَحْوِهِمَا (وَالْمَعْنَى) الضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَمَانُ (مَا لَمْ يَسُدَّ بَابُ غَزْوٍ عَنَّا) فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ وَلَوْ أَمَّنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَّا مِائَةَ أَلْفٍ مِنْهُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤَمِّنْ إلَّا وَاحِدًا لَكِنْ إذَا ظَهَرَ انْسِدَادٌ أَوْ نُقْصَانٌ رُدَّ أَمَانُ الْجَمِيعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ أَمَّنُوهُمْ دَفْعَةً فَإِنْ وَقَعَ مُرَتَّبًا فَيَنْبَغِي صِحَّةُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ إلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ إنَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ وَمَحَلُّ صِحَّةِ أَمَانِ الْآحَادِ لِلْكَافِرِ قَبْلَ أَسْرِهِ فَبَعْدَهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَسْرِ ثَبَتَ فِيهِ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِغَيْرِ الَّذِي أَسَرَهُ، أَمَّا الَّذِي أَسَرَهُ فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُهُ إذَا كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ الْإِمَامُ كَمَا يَجُوزُ قَتْلُهُ (وَ) يُؤَمِّنُ أَيْضًا (امْرَأَةً) فَأَكْثَرَ فَلَا تُسْتَرَقُّ، وَتَبَعِيَّةُ أَمَانِهَا لِأَمَانِ الرَّجُلِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ إفْرَادِ الْعَقْدِ لَهَا وَمِثْلُهَا الْعَبْدُ
. (أَمَّا كَجَاسُوسٍ) مِنْ نَحْو طَلِيعَةٍ (فَلَا) يَصِحُّ أَمَانُهُ إذْ مِنْ شَرْطِ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ الْإِمَامُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ تَبْلِيغَ الْمَأْمَنِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ مِثْلِهِ خِيَانَةٌ فَحَقُّهُ أَنْ يُغْتَالَ، وَكَافُ كَجَاسُوسٍ مِنْ زِيَادَةِ النَّظْمِ وَقَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ فِيهِ أَنَّ شَرْطَ الْأَمَانِ انْتِفَاءُ الضَّرَرِ دُونَ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي.
قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّمَا يَجُوزُ بِالْمَصْلَحَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ الْأَرْجَحُ فِي النَّظَرِ
(أَرْبَعَةً) أَيْ: يُؤَمِّنُ أَرْبَعَةً (مِنْ أَشْهُرٍ) فَأَقَلَّ كَمَا فِي الْهُدْنَةِ وَسَتَأْتِي فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا بَطَلَ فِي الزَّائِدِ وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَيْهَا وَأَمَّا الزِّيَادَةُ لِضَعْفِنَا فَكَالزِّيَادَةِ فِي الْهُدْنَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ، أَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِنَّ لِتَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ وَقَدْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَمَّنَةَ إذَا أَقَامَتْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ تُمْنَعْ فَلَا تُقَيَّدُ بِمُدَّةٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إنَّمَا هِيَ لِلرِّجَالِ، وَمُنِعُوا مِنْ السَّنَةِ لِئَلَّا يَتْرُكَ الْحَرْبَ وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ
وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْأَمَانُ (إنْ قَبِلَا) أَيْ: الْكَافِرُ فَلَوْ أَمَّنَهُ فَسَكَتَ أَوْ رَدَّ الْأَمَانَ لَمْ يَصِحَّ نَعَمْ إنْ سَبَقَ مِنْهُ اسْتِجَارَةٌ أَغْنَتْ عَنْ الْقَبُولِ وَلَوْ.
قَالَ قَبِلْتُ أَمَانَك وَلَسْت أُؤَمِّنُك فَهُوَ رَدٌّ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَخْتَصُّ بِطَرَفٍ وَمَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْقَبُولِ رَجَّحَهُ الْمِنْهَاجُ تَبَعًا لِقَوْلِ الْمُحَرَّرِ الظَّاهِرُ اعْتِبَارُهُ وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ.
قَالَ الْإِمَامُ فِيهِ تَرَدُّدٌ وَالرَّأْيُ الظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ قَبُولِهِ وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ وَاكْتَفَى الْبَغَوِيّ بِالسُّكُوتِ فَإِطْلَاقُ الْمِنْهَاجِ الْوَجْهَيْنِ وَالتَّصْحِيحِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ أَصْلَهُ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ وَالتَّرْجِيحُ بَحْثٌ لَهُ وَالْغَزَالِيُّ فَرْعُهُ وَالْمَنْقُولُ مَا فِي التَّهْذِيبِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ النَّقِيبِ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: اعْتِبَارُ الْقَبُولِ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَلِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلْفُ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَلَوْ أَشَارَا) أَيْ: الْعَاقِدَانِ لِلْأَمَانِ حَالَةَ كَوْنِهِمَا
[حاشية العبادي]
كَأَنَّ هَذِهِ الْهَاءَ لِلْعَهْدِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ) قَضِيَّةُ هَذَا الضَّبْطِ صِحَّةُ تَأْمِينِ أَهْلِ بَلَدٍ كَبِيرٍ إذَا كَانَ بَعْضُ النَّاحِيَةِ لِعَدَمِ انْسِدَادِ بَابِ الْغَزْوِ فِيهَا بِتَأْمِينِهِ خِلَافَ قَضِيَّةِ قَوْلِهِ السَّابِقِ كَأَهْلِ بَلَدٍ أَوْ نَاحِيَةٍ وَقَوْلِهِ أَهْلِ قَلْعَةٍ وَقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ (قَوْلُهُ: وَتَبَعِيَّةُ أَمَانِهَا إلَخْ) أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ
(قَوْلُهُ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إلَخْ) ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ فِي أَمَانِ الْآحَادِ، وَأَمَّا أَمَانُ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ نَصَّ عَلَيْهِ.
اهـ.
وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ أَرَادَ تَأْمِينًا لَا يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ كَمَا يَأْتِي فِي الْهُدْنَةِ وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دُخُولُ بِلَادِنَا وَإِلَّا اُشْتُرِطَتْ الْمَصْلَحَةُ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ حَجَرٌ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ أَصْلَهُ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ إلَخْ) تَرَدُّدَاتُ الْإِمَامِ وُجُوهٌ وَتَرْجِيحُهُ كَافٍ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْبَحْثِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ
[حاشية الشربيني]
مُمْتَنِعَةٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامِ.
اهـ.
وَلَعَلَّ هَذَا عِنْدَ ضَعْفِنَا فَلَا يُنَافِي مَا فِي سم تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِمَامُ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهِ أَنَّ جَوَازَ تَأْمِينِ الْمَحْصُورِ مَشْرُوطٌ أَيْضًا بِعَدَمِ انْسِدَادِ بَابِ الْجِهَادِ أَوْ نَقْصِهِ بَلْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْصُورِ مَا لَا يَنْسَدُّ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ أَوْ يَنْقُصُ وَإِلَّا كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الضَّابِطِ.
اهـ.
مِنْ حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُؤَمِّنُهُ) مِثْلُهُ الْإِمَامُ (قَوْلُهُ: كَمَا يَجُوزُ قَتْلُهُ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَقَدْ يُمْنَعُ جَوَازُ قَتْلِهِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنْعُ أَمَانِهِ.
اهـ.
وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّهُ بِالْأَسْرِ ثَبَتَ فِيهِ الْحَقُّ لِلْمُسْلِمِينَ لَكِنْ أَشَارَ م ر إلَى تَصْحِيحِ الْأَوَّلِ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ إنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا
(قَوْلُهُ: فَكَالزِّيَادَةِ فِي الْهُدْنَةِ) فَهِيَ إلَى نَظَرِ الْإِمَامِ م ر
(قَوْلُهُ: فَإِطْلَاقُ الْمِنْهَاجِ الْوَجْهَيْنِ) أَيْ: الْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ بَطَلَ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّ التَّعْبِيرَ بِالْأَصَحِّ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ أَصْلَهُ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ إلَخْ) أَيْ: بِحَسْبِ مَا رَأَوْهُ وَإِلَّا فَفِي الذَّخَائِرِ وَإِنْ سَكَتَ فَقَدْ حَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ تَرَدُّدًا وَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْأَمَانُ مَا لَمْ يَظْهَرْ الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ أَوْ الْقَرِينَةِ وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا سِوَى عَدَمِ الرَّدِّ، وَاكْتِفَاءُ الْبَغَوِيّ كَالْعِرَاقِيِّينَ يُخَالِفُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ شَيْخِهِ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ عَلِمَ بِإِيجَابِ عَقْدِ الْأَمَانِ لَهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَإِرْقَاقُهُ فَإِذَا قَبِلَهُ انْعَقَدَ لَهُ الْأَمَانُ قَالَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَمَتَى قَالَ أَمَّنْتُك أَوْ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَدُلُّ لَكِنَّهُ نَوَى بِهِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الْأَمَانُ.
اهـ.
م ر عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: التَّهْذِيبِ) لِلْبَغَوِيِّ
(مُفْهِمَيْنِ) لَهُ بِإِشَارَتِهِمَا فَإِنَّهُمَا تَكْفِي لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنْ قَدَرَا عَلَى النُّطْقِ لِبِنَاءِ الْبَابِ عَلَى الِاتِّسَاعِ (أَوْ) عَقَدَا (بِخَطْ) فَإِنَّهُ يَكْفِي وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ فَالْأَمَانُ يَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ كَأَمَّنْتُكَ أَوْ أَجَرْتُك أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْك أَوْ لَا خَوْفَ عَلَيْك أَوْ لَا تَخَفْ وَمِنْهُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ إنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ وَبِالْكِنَايَةِ كَأَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ، أَوْ كُنْ كَيْفَ شِئْت وَمِنْهَا الْخَطُّ وَالْإِشَارَةُ الْمُفْهِمَةُ لَكِنَّهَا إنْ كَانَتْ مِنْ أَخْرَسَ اُعْتُبِرَ فِي كَوْنِهَا كِنَايَةً أَنْ يَخْتَصَّ بِفَهْمِهَا فَطِنُونَ كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَيَنْعَقِدُ بِالرِّسَالَةِ وَلَوْ كَانَ الرَّسُولُ كَافِرًا وَبِغَيْرِ لَفْظٍ وَإِشَارَةٍ فِي صُوَرٍ تَأْتِي قَرِيبًا
وَإِذَا صَحَّ أَمَانُ الْكَافِرِ صَارَ آمِنًا (بِأَهْلِهِ) أَيْ: مِنْ أَهْلِهِ (وَالْمَالِ) اللَّذَيْنِ (مَعَهُ) بِدَارِنَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي حَوْزَتِهِ (إنْ شَرَطْ) أَمَانَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يَتَعَدَّ الْأَمَانُ إلَيْهِمَا لِقُصُورِ اللَّفْظِ عَنْهُ وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ هُوَ مَا رَجَّحَ وَصَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَالرَّوْضَةِ هُنَا وَقَالَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لَهُ عَنْ الْإِمَامِ وَفِيهِ مَزِيدٌ نُورِدُهُ فِي خَاتِمَةِ الْبَابِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ هُنَاكَ وَجْهَانِ بِلَا تَرْجِيحٍ، ثُمَّ قَالَ وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ الْأَمَانَ يَدْخُلُ فِيهِ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَلْبُوسِهِ وَآلَةِ حِرْفَتِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَنَفَقَتِهِ مُدَّةَ أَمَانِهِ لِلْعُرْفِ وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ وَتَبِعَهُ فِي الرَّوْضَةِ لَوْ دَخَلَ كَافِرٌ دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ ذِمَّةٍ كَانَ مَا مَعَهُ مِنْ الْمَالِ وَالْوَلَدِ فِي أَمَانٍ فَإِنْ شَرَطَ الْأَمَانَ فِيهِمَا فَهُوَ تَوْكِيدٌ.
اهـ.
وَفِي الْمُهِمَّاتِ الرَّاجِحُ الدُّخُولُ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ النَّصِّ وَقَالَ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ وَإِنَّ النَّصَّ يَتَنَاوَلُ مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ وَالْمُرَادُ بِأَهْلِهِ صِغَارُ أَوْلَادِهِ، أَمَّا زَوْجَتُهُ فَلَا تَدْخُلُ إلَّا إذَا صَرَّحَ بِهَا وَالْأَوْجَهُ دُخُولُهَا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَمَانِ الْمَرْأَةِ اسْتِقْلَالًا وَكَنَظِيرِهِ فِي الْجِزْيَةِ وَالْمَالِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَالِ الْمُؤَمَّنِ وَمَالِ غَيْرِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَشَمِلَهُ كَلَامُ النَّاظِمِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَعَهُ مَا خَلَفَهُ مِنْ الْأَهْلِ وَالْمَالِ بِدَارِهِمْ فَلَا يَتَعَدَّى الْأَمَانُ إلَيْهِ وَإِنْ شَرَطَهُ إلَّا أَنْ يُؤَمِّنَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فَيَدْخُلَ بِالشَّرْطِ ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ فِي آخِرِ الْبَابِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَعِنْدَنَا يَدْخُلُ فِي الْإِطْلَاقِ مِنْ أَمَانِ الْآحَادِ فَعِنْدَ الشَّرْطِ أَوْلَى
. (وَمَالُ ذِي نَقْضٍ وَرُجْعَى رَقَّا) أَيْ: وَمَالُ حَرْبِيٍّ مُؤَمَّنٍ نَقَضَ أَمَانُهُ وَرَجَعَ إلَى دَرَاهِمِ وَأُرِقَّ وَمَاتَ رَقِيقًا (فَيْءٌ) إذْ الرَّقِيقُ لَا يُورَثُ فَإِنْ عَتَقَ فَهُوَ لَهُ (وَ) إنْ لَمْ يُرَقَّ فَمَالُهُ الدَّاخِلُ فِي الْأَمَانِ (لِلْوَارِثِ) لَهُ (إنْ لَمْ يَبْقَى) أَيْ: إنْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَمَانٍ وَالْأَمَانُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بِحُقُوقِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا وَلَمْ يُرَقَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ أَمَانِهِ فِي حَقِّهِ لِنَقْضِهِ فَمَالُهُ بِحَالِهِ كَأَوْلَادِهِ (وَقَصَدَهُ) أَيْ: الْمَالِكُ أَوْ وَارِثُهُ دُخُولَ دَارِنَا لِأَخْذِ مَالِهِ الْمُخَلَّفِ عِنْدَنَا (أَمْنٌ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظٌ أَوْ نَحْوُهُ وَيَنْبَغِي إذَا دَخَلَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ وَلَا يَعْرُجَ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ (كَالسِّفَارَةِ) أَيْ: كَقَصْدِ الْكَافِرِ دُخُولَ دَارِنَا لِسِفَارَةٍ أَيْ: رِسَالَةٍ فَإِنَّهُ آمِنْ؛ لِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ «لَوْ كُنْت قَاتِلًا رَسُولًا لَضَرَبْت أَعْنَاقَكُمَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لَنَا أَمْ لَا كَوَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ عَلَى الصَّوَابِ فِي أَوَائِلِ الْجِزْيَةِ مِنْ الرَّوْضَةِ وَهُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الرَّافِعِيِّ هُنَا وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لَا فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ وَلَا يُكَلَّفُ بَيِّنَةً كَمَا لَوْ دَخَلَ كَافِرٌ دَارَنَا وَادَّعَى أَنَّ مُسْلِمًا أَمَّنَهُ أَوْ أَنَّهُ دَخَلَ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ (وَسَمْعِهِ) أَيْ: وَكَقَصْدِهِ الدُّخُولَ لِسَمَاعِهِ (الْقُرْآنَ) وَالْحَدِيثَ لِيَنْقَادَ إلَى الْحَقِّ إذَا لَاحَ لَهُ فَإِنَّهُ أُمِنَ وَلَا تَتَقَيَّدُ مُدَّتُهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بَلْ بِمُدَّةِ إمْكَانِ الْبَيَانِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاسُ بِهِ الدُّخُولُ لِلسِّفَارَةِ وَلِلتِّجَارَةِ فَتَتَقَيَّدُ مُدَّتُهُ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَكَلَامُهُمْ يُفْهِمُهُ (وَالتِّجَارَهْ) أَيْ: وَكَقَصْدِهِ الدُّخُولَ لِلتِّجَارَةِ (إنْ آمَنَ الْقَاصِدَهَا مَنْ وُلِّيَ) أَيْ: أَمِنَ الْوَالِي مَنْ قَصَدَهَا
[حاشية العبادي]
الْوُجُوهِ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ: فَالْأَمَانُ يَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ إلَخْ) قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ فَإِنْ أَمَّنَهُ الْمُسْلِمُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ وَلَوْ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ أَمِنَ فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ إلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَا فِي غَيْرِهِ وَإِنْ أَطْلَقَ أَمَانَهُ وَهُوَ وَالٍ إمَامًا كَانَ أَوْ نَائِبَهُ بِإِقْلِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ فَفِيهِ أَيْ: فَهُوَ آمِنٌ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِلَّا فَفِي مَوْضِعِ سُكْنَاهُ وَفِي الطَّرِيقِ إلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مَا لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: لَا فِي غَيْرِهِ أَيْ: لَا يَكُونُ آمِنًا فِي غَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤَمَّنِ
(قَوْلُهُ: فَلَا يَتَعَدَّى الْأَمَانُ إلَيْهِ وَإِنْ شَرَطَهُ إلَخْ) حَاصِلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ أَنَّ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ نَحْوِ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَنَفَقَتِهِ يَدْخُلُ بِلَا شَرْطٍ وَمَا لَا يَحْتَاجُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُؤَمِّنُ الْإِمَامَ دَخَلَ مَا بِدَارِنَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ دُخُولَهُ وَمَا بِدَارِهِمْ إنْ شَرَطَ وَإِنْ كَانَ الْمُؤَمِّنُ الْآحَادَ دَخَلَ مَا بِدَارِنَا إنْ شَرَطَ دُخُولَهُ، وَلَا يَدْخُلُ مَا بِدَارِهِمْ وَإِنْ شَرَطَ دُخُولَهُ، ثُمَّ قَالَ، أَمَّا إذَا كَانَ الْأَمَانُ لِلْحَرْبِيِّ بِدَارِهِمْ فَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِهِمْ دَخَلَا وَلَوْ بِلَا شَرْطٍ إنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَدْخُلْ أَهْلُهُ وَلَا مَا لَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِالشَّرْطِ وَإِنْ كَانَ بِدَارِنَا دَخَلَا إنْ شَرَطَهُ الْإِمَامُ لَا غَيْرُ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَتَقَ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ فِيمَا يَظْهَرُ.
اهـ. وَقَوْلُهُ: فَهُوَ لَهُ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِ كَانَ مَالُهُ لِوَارِثِهِ.
اهـ. وَقَوْلُهُ: فَهُوَ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هُنَا أَيْضًا، ثُمَّ لِوَارِثِهِ إنْ مَاتَ (قَوْلُهُ: لِلْوَارِثِ) قَالَ فِي الرَّوْضِ الذِّمِّيُّ فَقَطْ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَيْ: دُونَ الْحَرْبِيِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَحَرْبِيٍّ وَعَلَيْهِ يُقَالُ لَنَا حَرْبِيٌّ يَرِثُهُ ذِمِّيٌّ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَصَدَهُ أَمِنَ) وَإِنْ كَانَ نَقَضَ أَمَانَهُ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: بِأَهْلِهِ وَالْمَالِ) حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ إنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دَخَلَ مَا مَعَهُ مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَلَوْ بِلَا شَرْطٍ سَوَاءٌ أَمَّنَهُ بِدَارِنَا أَوْ بِدَارِهِمْ وَيَدْخُلُ مَا لَيْسَ مَعَهُ مِنْهَا إنْ شَرَطَ دُخُولَهُ، وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ أَمَّنَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ لَمْ يَدْخُلْ مَا لَيْسَ مَعَهُ مُطْلَقًا وَيَدْخُلُ مَا مَعَهُ إنْ شَرَطَ دُخُولَهُ وَإِلَّا فَلَا نَعَمْ لَا تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ هُنَا وَلَوْ بِالشَّرْطِ.
اهـ.
ق ل عَلَى الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ دُخُولُهَا) اعْتَمَدَهُ م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ
(قَوْلُهُ: أَيْ: الْمَالِكُ)
بِأَنْ رَأَى مَصْلَحَةً فِي الدُّخُولِ لَهَا فَقَالَ مَنْ دَخَلَ لِتِجَارَةٍ فَهُوَ آمِنٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَهُ الْآحَادُ وَالْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَهُ بِقَصْدِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَمَانٌ لَا أَنَّ مُجَرَّدَ قَصْدِ الدُّخُولِ لَهُ أَمَانٌ
(وَإِنْ يَظُنَّ) كَافِرٌ (صِحَّةً) لِلْأَمَانِ (مِنْ كُلِّ) وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ بِأَمَانِ مَنْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ كَصَبِيٍّ أَوْ لَهَا بِأَمَانِ الْآحَادِ (أَوْ مَا أَشَارَهُ) أَيْ: أَوْ يَظُنُّ إشَارَتَهُ (أَمَانًا) فَيَدْخُلُ لِذَلِكَ (يُسْلَمْ لِمَأْمَنٍ) أَيْ: يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ وَلَا يُغْتَالُ (لَا إنْ يَقُلْ) أَيْ: الْمُشَارُ إلَيْهِ (لَمْ أَفْهَمْ) إشَارَتَهُ فَلَا يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ بَلْ يُغْتَالُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ كَافِرٌ ظَنَنْت أَنَّ قَصْدَ التِّجَارَةِ يُؤَمِّنُنِي إذْ لَا عِبْرَةَ بِظَنٍّ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ
(وَمَنْ يُبَارِزْ) مِنْ الْكُفَّارِ (مُسْلِمًا وَوَلَّى) أَحَدُهُمَا مُنْهَزِمًا (أَوْ أَثْخَنَ) الْكَافِرُ (الْقِرْنَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: الْكُفْءَ وَهُوَ الْمُسْلِمُ (اسْتَحَقَّ الْقَتْلَا) فَلَنَا قَتْلُهُ (إنْ يُشْرَطْ الْكَفُّ) عَنْ إعَانَتِهِمَا (إلَى الْآخَرِ مِنْ قِتَالٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ إلَى آخِرِ الْقِتَالِ وَقَدْ انْتَهَى بِالتَّوَلِّي وَالْإِثْخَانِ وَلَوْ شَرَطَ الْكَفَّ عَنْهُ إلَى رُجُوعِهِ إلَى الصَّفِّ وَفَّى لَهُ بِهِ (أَوْ جَمْعٍ وَلَمْ يَمْنَعْ يُعِنْ) أَيْ: وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ الْمُبَارِزُ إنْ يُعِنْهُ جَمْعٌ مَثَلًا مِنْ الْكُفَّارِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ الْإِعَانَةَ سَوَاءٌ اسْتَنْجَدَ بِهِمْ أَمْ لَا فَإِنْ مَنَعَهُمْ فَلَمْ يَمْتَنِعُوا جَازَ قَتْلُهُمْ دُونَهُ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِدُونِ مَا ذُكِرَ بَلْ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْمُبَارَزَةَ عَظِيمَةُ الْوَقْعِ وَلَا تَتِمُّ إلَّا بِأَنْ يُؤَمِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ قِرْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ جَازَ قَتْلُهُ مُطْلَقًا إلَّا إنْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِالْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ إلَى انْقِضَائِهِ أَوْ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الصَّفِّ فَالْأَصَحُّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهَا كَالشَّرْطِ وَنَقَلَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ شَرْطَ الْكَفِّ مُعْتَبَرٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِعَانَةِ أَيْضًا فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهَا كَانَ أَوْلَى (وَيُمْنَعُ الْكَافِرُ) أَيْ: إذَا أَثْخَنَ الْمُسْلِمَ (مِنْ تَذْفِيفِهِ) أَيْ: إسْرَاعِ قَتْلِهِ (وَإِنْ جَرَى الشَّرْطُ بِهِ) أَيْ: بِتَمْكِينِهِ مِنْ التَّذْفِيفِ (لَمْ نُوفِهِ) لِفَسَادِ الشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَهَلْ يَفْسُدُ الْأَمَانُ فِيهِ وَجْهَانِ وَزَادَ قَوْلَهُ لَمْ نُوفِهِ أَيْضًا حَاوٍ تَكْمِلَةً.
قَالَ الشَّيْخَانِ وَلَوْ أَثْخَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ فَفِي جَوَازِ قَتْلِهِ وَجْهَانِ.
قَالَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ شَرَطَ الْأَمَانَ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ جَازَ قَتْلُهُ وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلْمُثْخَنِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ.
اهـ.
وَكَلَامُهُمَا مُتَدَافِعٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُشْرَطْ شَيْءٌ وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ جَوَازُ قَتْلِهِ
(وَالْعِلْجُ) وَهُوَ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ سُمِّيَ بِهِ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِقُوَّتِهِ وَمِنْهُ الْعِلَاجُ لِدَفْعِهِ الدَّاءَ أَيْ: وَالْكَافِرُ (لَا الْمُسْلِمُ إنْ دَلَّ عَلَى حِصْنٍ) لِلْكُفَّارِ (لِيُعْطَى مِنْهُ أُنْثَى مَثَلَا وَنَحْنُ) أَيُّهَا الْعَاقِدُونَ (لَا غَيْرُ بِهِ) أَيْ: بِالْعِلْجِ أَيْ: بِدَلَالَتِهِ (فَتَحْنَا) الْحِصْنَ وَلَوْ بَعْدَ تَرْكِنَا لَهُ، ثُمَّ عَوْدِنَا إلَيْهِ (وَذِي) أَيْ: الْأُنْثَى (وَلَوْ مُفْرَدَةً وَجَدْنَا) فِي الْحِصْنِ (فَتِلْكَ) أَيْ: الْأُنْثَى (لِلْعِلْجِ إذًا) أَيْ: حِينَ فَتَحْنَاهُ بِدَلَالَتِهِ وَفَاءً بِالشَّرْطِ مُعَيَّنَةً كَانَتْ أَوْ مُبْهَمَةً أَمَةً أَوْ حُرَّةً؛ لِأَنَّهَا تُرَقُّ بِالْأَسْرِ، وَالْمُبْهَمَةُ يُعَيِّنُهَا الْإِمَامُ وَصَحَّ ذَلِكَ مَعَ إبْهَامِهَا وَعَدَمِ مِلْكِهَا وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، أَمَّا الْمُسْلِمُ إذَا دَلَّنَا عَلَى حِصْنٍ بِهَذَا الشَّرْطِ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ غَرَرٍ فَلَا يُحْتَمَلُ مَعَهُ وَاحْتُمِلَ مَعَ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِأَحْوَالِ حُصُونِهِمْ غَالِبًا؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالدَّلَالَةُ نَوْعٌ مِنْهُ فَإِذَا انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ الْحِصْنِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ كَذَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَأَجَابَ الْعِرَاقِيُّونَ كَمَا قَالَ الشَّيْخَانِ بِالْجَوَازِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُمَا فِي بَابِ الْغَنِيمَةِ تَصْحِيحَهُ وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ كَسَائِرِ الْجَعَالَاتِ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى تَصْحِيحِ اسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ لِلْجِهَادِ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ مَعَ مُسْلِمٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَا قَالَهُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ لِلْجِهَادِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ مَنْ اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِدَلَالَةِ الطَّرِيقِ إلَى الْكُفَّارِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَخَرَجَ بِقَوْلِ النَّظْمِ مِنْهُ مَا لَوْ شَرَطَ أُنْثَى مِنْ مَالِنَا فَلَا يَصِحُّ إنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً كَسَائِرِ الْجَعَالَاتِ، وَبِقَوْلِهِ وَنَحْنُ لَا غَيْرَ بِهِ فَتَحْنَا مَا لَوْ لَمْ نَفْتَحْهُ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْ الشَّرْطَ بِالْفَتْحِ وَمَا لَوْ فَتَحْنَاهُ بِغَيْرِ دَلَالَتِهِ وَمَا لَوْ فَتَحَهُ غَيْرُنَا وَلَوْ بِدَلَالَتِهِ لَنَا فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الثَّلَاثِ، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِانْتِفَاءِ الْمُعَلَّقِ بِهِ إنْ عُلِّقَ بِالْفَتْحِ وَإِلَّا فَلِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْأُنْثَى بِدُونِ الْفَتْحِ فَكَأَنَّ الشَّرْطَ مُقَيَّدٌ بِالْفَتْحِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ؛ فَلِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: أَيْ: أَوْ يَظُنُّ إشَارَتَهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ أَمَانًا أَيْ: وَيَتَبَيَّنُ خِلَافَهُ
(قَوْلُهُ: أَوْ جَمْعٌ) يَنْبَغِي رَفْعُهُ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِيُعِنْ مُقَدَّرًا مَعْطُوفًا عَلَى وَلِيٍّ مُفَسَّرًا بِيُعِنْ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ إلَخْ) فِيهِ خَفَاءٌ وَلَعَلَّ مَنْشَأَ الْعِلْمِ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمَفْهُومِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَشْرِط إلَخْ إلَى هُنَا (قَوْلُهُ: جَوَازُ قَتْلِهِ) أَيْ: بَعْدَ الْإِثْخَانِ إنْ شَرَطَ الْكَفَّ إلَى انْتِهَاءِ الْقِتَالِ، أَوْ اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَمُطْلَقًا لِقَوْلِهِ السَّابِقِ فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ جَازَ قَتْلُهُ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: لَا الْمُسْلِمُ إنْ دَلَّ عَلَى حِصْنٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْمِنْهَاجِ وَأَصْلِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَالْمُبْهَمَةِ بِخِلَافِ ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْلِهِ قَلْعَةَ كَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ التَّعْيِينِ كَمَا صَوَّرَهُ بِهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنَةِ يَكْثُرُ فِيهَا الْغَرَرُ وَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ لَكِنْ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَبْهَمَ فِي قِلَاعٍ مَحْصُورَةٍ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ لَهُ) ظَاهِرُهُ
[حاشية الشربيني]
أَيْ: النَّاقِضُ (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ إلَخْ) دَفْعُ مَا يُوهِمُهُ الْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَصْدِ كَافٍ فِي الْأَمَانِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ
(قَوْلُهُ: أَوْ يَظُنَّ إشَارَتَهُ أَمَانًا) أَيْ: وَقَالَ الْمُشِيرُ لَمْ أُرِدْ الْأَمَانَ.
اهـ.
عِرَاقِيٌّ (قَوْلُهُ: أَيْ: الْمُشَارُ إلَيْهِ) أَيْ: كَانَ الْمُشِيرُ أَشَارَ لَهُ بِالْأَمَانِ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ لَهُ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ الْجَعَالَةِ مَعَهُ
لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ دَلَالَتِهِ بَلْ بِالْفَتْحِ بِهَا، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَلِانْتِفَاءِ مُعَاقَدَتِهِ مَعَهُمْ وَبِقَوْلِهِ وَذِي وَجَدْنَا مَا لَوْ لَمْ نَجِدْ أُنْثَى فِي الْحِصْنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَزَادَ مَثَلًا لِيُفِيدَ أَنَّ غَيْرَ الْأُنْثَى كَالْأُنْثَى وَإِذًا لِيُوَضِّحَ بِهِ الْكَلَامَ (وَقُوِّمَتْ) أَيْ: وَتُقَوَّمُ الْأُنْثَى وَتُعْطَى قِيمَتُهَا لِلْعِلْجِ (مِنْ حَيْثُ) يَخْرُجُ (رَضْخٌ) هَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ: مِنْ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ لَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ كَمَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِابْنِ الْمُلَقِّنِ وَلَا مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَإِنَّمَا يُعْطَى قِيمَتُهَا (إنْ تُمَتْ) بَعْدَ الظَّفَرِ كَمَا سَيَأْتِي لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهَا (أَوْ أَسْلَمَتْ) بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ قَبْلَ الظَّفَرِ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهَا مُطْلَقًا يَمْنَعُ تَسْلِيمَهَا إلَيْهِ كَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ وَقَبْلَ الظَّفَرِ يُمْنَعُ إرْقَاقُهَا نَعَمْ إنْ أَسْلَمَ أَيْضًا وَقَدْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ سُلِّمَتْ إلَيْهِ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّهَا إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ لَا يَسْتَحِقُّهَا بَلْ قِيمَتَهَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى شِرَاءِ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا إنْ جَوَّزْنَاهُ سَلَّمْنَاهَا إلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا وَإِلَّا لَمْ نُسَلِّمْهَا إلَيْهِ لَكِنْ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: هَذَا الْبِنَاءُ مَرْدُودٌ بَلْ يَسْتَحِقُّهَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِالظَّفَرِ وَقَدْ كَانَتْ إذْ ذَاكَ كَافِرَةً فَلَا يَرْتَفِعُ ذَلِكَ بِإِسْلَامِهَا كَمَا لَوْ مَلَكَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَكِنْ لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ بَلْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ الَّذِي بَاعَهُ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَكِنْ هُنَاكَ يَقْبِضُهُ لَهُ الْحَاكِمُ وَهُنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ.
اهـ.
وَمَا قَالَهُ هُوَ قَضِيَّةُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فِي آخِرِ سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَوْجِيهِهِ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَمَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَمَّا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ وَبِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْهُ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ مُتَبَرِّعًا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِيهِ (قُلْتُ) مَحَلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَيْتَةِ (إذَا تَمُوتُ بَعْدَ الظَّفَرِ) وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ (فَإِنْ تَمُتْ قَبْلُ) أَيْ: قَبْلَ الظَّفَرِ (فَلَا) شَيْءَ لَهُ (فِي الْأَظْهَرِ) فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ اسْتِحْقَاقُهُ وَرَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ إنَّهُ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَلَيْسَ لَهُ نَصٌّ يُخَالِفُهُ وَلَوْ هَرَبَتْ فَهِيَ كَمَا لَوْ مَاتَتْ (أَمَّا الَّتِي قَدْ أَسْلَمَتْ فَالْمَذْهَبُ) قَائِلٌ (بِأَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ) لِلْعَمَلِ (عَنْهَا يَجِبُ) لَا قِيمَتُهَا كَمَا فِي الْحَاوِي وَتَبِعَ النَّاظِمُ فِي هَذَا الْمِنْهَاجَ كَأَصْلِهِ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ مَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتُهَا كَمَا فِي الْحَاوِي وَمَا تَقَرَّرَ مَحَلُّهُ فِي حِصْنٍ فُتِحَ عَنْوَةً لَا صُلْحًا كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ (لَكِنْ زَعِيمُ الْحِصْنِ) أَيْ: سَيِّدُ أَهْلِهِ (إنْ نُؤْمِنْهُ وَأَهْلَهُ بِالصُّلْحِ وَهِيَ) أَيْ: الْأُنْثَى (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ أَهْلِ الزَّعِيمِ (وَمَا رَضِي هَذَا وَلَا ذَا) أَيْ: الزَّعِيمُ وَالْعِلْجُ (بِعِوَضْ) عَنْهَا (رُدَّ) الزَّعِيمُ (إلَى الْحِصْنِ) الَّذِي هُوَ مَا مِنْهُ وَلَا يُغْتَالُ (وَصُلْحُهُ انْتَقَضْ) وَاسْتُؤْنِفَ الْقِتَالُ؛ لِأَنَّهُ صُلْحٌ مَنَعَ الْوَفَاءَ بِمَا شَرَطْنَاهُ قَبْلَهُ فَإِنْ رَضِيَ الزَّعِيمُ بِدَفْعِهَا لِلْعِلْجِ أَعْطَيْنَاهُ قِيمَتَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ وَرَضِيَ الْعِلْجُ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِجَارِيَةٍ أُخْرَى أَعْطَيْنَاهَا لَهُ وَاسْتَمَرَّ الصُّلْحُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُنْثَى مِنْ أَهْلِ الزَّعِيمِ سُلِّمَتْ إلَى الْعِلْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْأَمَانِ
. (وَإِنْ يَقُلْ لِأَلْفِ شَخْصٍ مُغْفِلَا لِنَفْسِهِ إذْ عَدَّ أَلْفًا قُتِلَا) أَيْ: وَإِنْ شَرَطَ الزَّعِيمُ أَمَانَ أَلْفِ نَفْسٍ مَثَلًا صَحَّ وَإِنْ جُهِلَتْ أَعْيَانُهُمْ
[حاشية العبادي]
حَتَّى أُجْرَةَ الْمِثْلِ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِهِ الْآتِي وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ مَعَ مُسْلِمٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَإِنَّ قَضِيَّتَهُ اسْتِحْقَاقُهَا إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ الَّتِي هِيَ مَبْنَى الْوَجْهَيْنِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ أَسْلَمَا أَيْضًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ إسْلَامِهَا لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ بَعْدَهَا لِانْتِقَالِ حَقِّهِ مِنْهَا إلَى قِيمَتِهَا قَالَ الْإِمَامُ وَالْمَاوَرْدِيُّ: وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْبِنَاءِ السَّابِقِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ.
اهـ.
أَشَارَ بِقَوْلِهِ الْبِنَاءِ السَّابِقِ إلَى مَا يَأْتِي آنِفًا عَنْ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَبِقَوْلِهِ وَقَدْ مَرَّ إلَخْ إلَى مُنَازَعَةِ الْبُلْقِينِيِّ فِيهِ (قَوْلُهُ: سُلِّمَتْ إلَيْهِ) وَكَذَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا ابْتِدَاءً بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ مُعَاقَدَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَهُنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ هُنَا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى قَبْضِهَا لِتَوَقُّفِ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: فِي أَمَةٍ مُعَيَّنَةٍ) كَأَنَّهُ يَحْتَرِزُ عَنْ الْمُبْهَمَةِ إذْ لَا يَتَأَتَّى مِلْكُهَا مَعَ الْإِبْهَامِ وَكَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ الْمُوَافَقَةَ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْبَدَلُ وَأَنَّهُ الْقِيمَةُ أَوْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فَلْيُتَأَمَّلْ بَعْدُ أَيْ: وَاحِدَةٌ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَقَلُّهُنَّ قِيمَةً أَوْ تُعَيَّنُ لَهُ وَاحِدَةٌ وَيُعْطَى قِيمَتُهَا (قَوْلُهُ: إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ وَبِأَنَّهَا إلَخْ) لَمْ يُبَيِّنْ مُحْتَرَزَ هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ وَلَعَلَّهُ إذَا جَهِلَ الْأَمْرَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: قَبْلَ الظَّفَرِ إلَخْ) وَبَعْدَ الْعَقْدِ هَذَا مَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ بِرّ وَبِالْأَوْلَى إذَا مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَيُخَالِفُ مَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْمَوْتِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: أَمَّا الَّتِي قَدْ أَسْلَمَتْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْحَاوِي كَمَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ وَقَوْلُهُ: فَالْمَذْهَبُ إلَخْ هَذَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِيمَةُ أَوْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ بَعْدَ الظَّفَرِ، ثُمَّ قَالَا، ثُمَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً فَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً وَمَاتَ كُلُّ مَنْ فِيهَا مِنْ الْجَوَارِي وَأَوْجَبْنَا الْبَدَلَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ قَطْعًا لِتَعَذُّرِ تَقْوِيمِ الْمَجْهُولِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تُسَلَّمُ إلَيْهِ قِيمَةُ مَنْ يُسْلَمُ إلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ.
اهـ. قِيلَ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ قَالَ فَيُعَيِّنُ لَهُ وَاحِدَةً وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهَا كَمَا يُعَيِّنُهَا لَهُ لَوْ كُنَّ أَحْيَاءً.
اهـ.
وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا فَيُقَالُ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً وَأَسْلَمَ كُلُّ مَنْ فِيهَا إلَخْ (قَوْلُهُ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَجْهَانِ.
اهـ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَيْ: سَهْمِ الْمَصَالِحِ وَقَوْلُهُ: أَوْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ قَالَ فِي شَرْحِهِ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ أَوْ مِنْ حَيْثُ يَكُونُ الرَّضْخُ وَقَوْلُهُ: وَجْهَانِ قَالَ فِي شَرْحِهِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي.
اهـ.
[حاشية الشربيني]
أَيْضًا.
اهـ.
شَرْحُ م ر لِلْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: لَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ) قَالَ ق ل قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ: قَبْلَ الظَّفَرِ أَوْ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: فِي أَمَةٍ مُعَيَّنَةٍ)
لِلْحَاجَةِ فَإِذَا عَدَّ أَلْفًا وَأَغْفَلَ نَفْسَهُ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْأَلْفِ وَقَدْ اتَّفَقَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مُحَاصَرَةٍ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَ (لَوْ نَزَلُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ مِنْهُ (عَلَى قَضَاءِ) أَيْ: حُكْمِ (ذَكَرِ عَدْلٍ) فِي الشَّهَادَةِ (بِأَحْوَالِ الْقِتَالِ مُبْصِرِ) أَيْ: بَصِيرٍ بِهَا وَلَوْ أَعْمَى صَحَّ؛ لِأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَخَرَجَ بِهِ الْمَرْأَةُ وَالْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْقِنُّ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ وَحَذَفَ النَّاظِمُ مِنْ الْحَاوِي الْعَقْلَ اكْتِفَاءً بِالْعَدَالَةِ كَمَا اكْتَفَيَا مَعًا بِهَا عَنْ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَيَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ لَنَا مِنْ قَتْلٍ وَإِرْقَاقٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ لِعُلُوِّ الْإِسْلَامِ عَلَى الشِّرْكِ، وَيَتَخَيَّرُ فِيمَنْ يُرَقُّ بِالْأَسْرِ كَالنِّسَاءِ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْإِرْقَاقِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حُكْمِهِ فِي التَّشْدِيدِ وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ وَيُسَامِحَ عَلَى مَا سَيَأْتِي كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (إنْ يَقْضِ غَيْرَ الْقَتْلِ مَنْ يَقْتُلْ يَخُنْ) أَيْ: إنْ يَقْضِ الْمُحَكَّمُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ فِي شَخْصٍ فَمَنْ قَتَلَهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَيْ: فَيَحْرُمُ فَلَوْ قَضَى بِالْمَنِّ لَمْ يَجُزْ مَا عَدَاهُ أَوْ بِالْفِدَاءِ جَازَ الْمَنُّ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْإِرْقَاقِ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِإِرْقَاقِهِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْغَانِمِينَ بِنَفْسِ الْحُكْمِ، وَالْفِدَاءُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِمْ قَبْلَ قَبْضِهِ (أَوْ يَقْضِ قَتْلًا) أَيْ: بِهِ (لَمْ نُرِقَّ) نَحْنُ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْإِرْقَاقَ يَتَضَمَّنُ ذُلًّا مُؤَبَّدًا وَقَدْ يَخْتَارُ الْإِنْسَانُ الْقَتْلَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ يَجُوزُ إرْقَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْقَتْلِ (وَنَمُنْ) عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ وَنَفْدِيهِ (وَإِنْ قَضَى الْجِزْيَةَ) أَيْ: بِهَا (نَجْبُرْهُمْ) عَلَى قَبُولِهَا وَإِنْ لَمْ نَجْبُرْ عَلَيْهِ الْأَسِيرَ لِرِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ أَوَّلًا فَامْتِنَاعُهُمْ كَامْتِنَاعِ قَابِلِ الْجِزْيَةِ مِنْ بَذْلِهَا (كَمَا يَرِقُّ مَحْكُومٌ بِهِ إنْ أَسْلَمَا) أَيْ: كَمَا يَبْقَى رِقُّ الْمَحْكُومِ بِإِرْقَاقِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الْمُحَكَّمِ وَقَدْ حَكَمَ بِإِرْقَاقِهِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِإِسْلَامِهِ وَلَا يَمُنُّ عَلَيْهِ إلَّا بِرِضَى الْغَانِمِينَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ وَإِنْ قَضَى بِقَتْلِهِ فَأَسْلَمَ لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إرْقَاقُهُ وَلَا فِدَاؤُهُ بَلْ يَمُنُّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ حَقَنَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَلَمْ يَجُزْ إرْقَاقُهُ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ فَإِنَّهُ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ
(يَهْرُبُ مَأْسُورٌ يَمِينًا عَقَدَا) أَيْ: وَيَهْرَبُ الْمَأْسُورُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ جَوَازًا بَلْ وُجُوبًا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ وَإِنْ عَقَدَ يَمِينَهُ لِمَنْ أَسَرَهُ أَنَّهُ لَا يَهْرُبُ، وَكَذَا كُلُّ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ يَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ وَإِنْ حَلَفَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» وَالْيَمِينُ لَا تُبِيحُ لَهُ الْإِقَامَةَ حَيْثُ حَرُمَتْ، ثُمَّ إنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ أَوْ طَائِعًا كَفَرَ
(وَيَقْتُلُ) الْهَارِبُ (التَّابِعَ) لَهُ لِيَرُدَّهُ (دَفْعًا) عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ أَمَّنُوهُ وَزَادَ قَوْلَهُ (لَا ابْتِدَا) تَكْمِلَةً وَإِيضَاحًا (لَا الْغَيْرَ) أَيْ: غَيْرَ تَابِعِهِ فَلَا يَقْتُلُهُ (إنْ هُمْ أَطْلَقُوا) وَفِي نُسْخَةٍ لَا غَيْرَهُ إنْ أَطْلَقُوا (وَأُومِنَا) أَيْ: إنْ أَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ وَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ، وَكَذَا إنْ أَمَّنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنُوهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَخْتَصُّ بِطَرَفٍ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْأُمِّ مَا لَوْ قَالُوا أَمَّنَّاك وَلَا أَمَانَ لَنَا عَلَيْك فَإِنْ لَمْ يَقَعْ أَمَانٌ فَلَهُ قَتْلُ التَّابِعِ وَغَيْرِهِ
(وَمَا اشْتَرَى) أَيْ: وَمَا اشْتَرَاهُ الْأَسِيرُ الْهَارِبُ مِنْهُمْ (يَبْعَثُ) إلَيْهِمْ (عَنْهُ الثَّمَنَا) إنْ اشْتَرَاهُ بِاخْتِيَارِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ مُسْلِمٍ (وَ) يَبْعَثُ إلَيْهِمْ (الْعَيْنَ) الْمُشْتَرَاةَ (إنْ أُكْرِهَ) عَلَى الشِّرَاءِ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ (وَالْفِدَاءُ) لِنَفْسِهِ (لَمْ يَبْعَثْ) إلَيْهِمْ (وَلَوْ شَرَطَا كَعَوْدٍ الْتَزَمَ) أَيْ: وَلَوْ الْتَزَمَ بَعْثَ الْفِدَاءِ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا يَبْعَثُهُ نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لِيَعْتَمِدُوا الشَّرْطَ فِي إطْلَاقِ الْأَسْرَى.
قَالَ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: عَنْ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْعَدْلِ عَدْلُ الشَّهَادَةِ (قَوْلُهُ: مَنْ يَقْتُلْ يَخُنْ) يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ بِقَتْلِهِ دِيَةُ ذِمِّيٍّ حَيْثُ اسْتَفَادَ الْأَمَانَ؛ لِأَنَّهُ مُؤَمَّنٌ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الرَّوْضِ فِيمَنْ دَخَلَ دَارَنَا بِأَمَانٍ وَقَاتَلَهُ يَأْثَمُ أَيْ: لِأَنَّهُ بِالْأَمَانِ عَصَمَ دَمَهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ قَالَ الْإِمَامُ وَعَلَيْهِ دِيَةُ ذِمِّيٍّ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا يُرَقُّ مَحْكُومٌ بِهِ إنْ أَسْلَمَا) عِبَارَةُ الرَّوْضِ أَوْ أَسْلَمَ أَيْ: بَعْدَ الْحُكْمِ بِالرِّقِّ أَيْ: الْإِرْقَاقِ لَا قَبْلَهُ اسْتَرَقَّ.
اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ وَكَلَامُهُ كَأَصْلِهِ هُنَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِرْقَاقِ لَا يَسْتَلْزِمُ الرِّقَّ عَكْسُ مَا قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِرِضَى الْغَانِمِينَ وَالْوَجْهُ مَا قَدَّمَهُ ثَمَّ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمُنُّ عَلَيْهِ إلَّا بِرِضَى الْغَانِمِينَ) أَفْهَمَ جَوَازًا لِمَنْ بِرِضَاهُمْ فَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لَهُمْ وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ إهْمَالَهُ وَتَمْكِينَهُ مِنْ الذَّهَابِ لِأَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ وَالتَّصَرُّفَ فِي أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى الرِّقِّ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَكَتَبَ أَيْضًا اسْتَشْكَلَهُ الْجَوْجَرِيُّ بِأَنَّ لِأَهْلِ الْخُمُسِ حَقًّا فَكَيْفَ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ رِضَى الْغَانِمِينَ؟ . اهـ. قِيلَ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَا لَيْسَ مُسْتَقِرًّا بِدَلِيلِ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ حُكْمَهُ قَدْ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ فِي بَعْضِ الْخِصَالِ.
اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، ثُمَّ قَضِيَّةُ الْإِشْكَالِ وَالْجَوَابِ أَنَّهُمْ إذَا رَضُوا انْقَطَعَ الْمِلْكُ عَنْهُ فَهَلْ الْمُرَادُ انْقِطَاعُ الرِّقِّ وَعَوْدُهُ لِحُرِّيَّتِهِ الَّتِي كَانَتْ فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ أَوْ تَنْزِيلُ مَا جَرَى مَنْزِلَةَ إعْتَاقِهِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ) إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَجُزْ إرْقَاقُهُ لَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَوْ أَيْ: أَوْ حَكَمَ بِاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ مَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ بِاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ وَمَنْ أَقَامَ عَلَى الْكُفْرِ جَازَ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْأَصْلُ.
اهـ.
؛ لِأَنَّ هَذَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا سَبَقَ الْحُكْمُ الْإِسْلَامَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمَسْأَلَةُ الشَّارِحِ بِالْعَكْسِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إظْهَارِ دِينِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَتَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الْإِمْكَانِ أَيْ: إمْكَانِ إظْهَارِ دِينِهِ هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الْقَمُولِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّهُ قِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْهِجْرَةِ لَكِنَّهُ قَالَ قَبْلَهُ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ إظْهَارُ دِينِهِ أَمْ لَا وَنَقَلَهُ عَنْ تَصْحِيحِ الْإِمَامِ.
اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهِجْرَةِ مَا فِي الْأَسْرِ مِنْ الذُّلِّ
(قَوْلُهُ: وَلَا أَمَانَ لَنَا عَلَيْك) أَيْ: وَلَا أَمَانَ يَجِبُ لَنَا عَلَيْك فَيَجُوزُ اغْتِيَالُهُمْ حِينَئِذٍ حَجَرٌ
(قَوْلُهُ: وَيَبْعَثُ الْعَيْنَ إنْ أُكْرِهَ) وَإِنْ وَكَّلُوهُ بِبَيْعِ شَيْءٍ بِدَارِنَا بَاعَهُ وَرَدَّ ثَمَنَهُ أَيْ: إلَيْهِمْ رَوْضٌ
[حاشية الشربيني]
الظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ كَانَتْ مُبْهَمَةً وَأَسْلَمَ جَمِيعُ مَنْ فِيهَا مِنْ الْإِمَاءِ بَعْدَ الظَّفَرِ كَمَا لَوْ مَاتَ كُلُّ جَارِيَةٍ فِيهَا بَعْدَ الظَّفَرِ فَإِنَّ الْحُكْمَ أَنْ يُعَيِّنَ الْإِمَامُ جَارِيَةً لِيُعْطِيَ قِيمَتَهَا تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ مُسْلِمٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَهُمْ
الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْمَالُ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِمْ فِدَاءٌ لَا يَمْلِكُونَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلُهُ كَعَوْدٍ أَيْ: كَمَا يَحْرُمُ عَوْدُهُ إلَيْهِمْ وَإِنْ شَرَطَ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ شَرَطَا مَعْمُولٌ لِالْتَزَمَ وَلَوْ عَبَّرَ كَالْحَاوِي بِقَوْلِهِ وَإِنْ شَرَطَ أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ الْتَزَمَ كَفَى
(فَصْلٌ فِي) .
بَيَانِ (الْجِزْيَةِ) تُطْلَقُ الْجِزْيَةُ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى الْمَالِ الْمُلْتَزَمِ بِهِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُجَازَاةِ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ وَقِيلَ مِنْ الْجَزَاءِ بِمَعْنَى الْقَضَاءِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] أَيْ: لَا تَقْضِي وَجَمْعُهَا جِزًى كَفِرْيَةٍ وَفِرًى، وَالْعُقُودُ الَّتِي تُفِيدُ الْكَافِرَ الْأَمْنُ ثَلَاثَةٌ: أَمَانٌ وَهُدْنَةٌ، وَجِزْيَةٌ؛ لِأَنَّ التَّأْمِينَ إنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَهُوَ الْأَمَانُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ كَأَهْلِ إقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ فَإِنْ كَانَ إلَى غَايَةٍ فَهُوَ الْهُدْنَةُ وَسَتَأْتِي أَوْ لَا إلَى غَايَةٍ فَهُوَ الْجِزْيَةُ وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالْإِمَامِ بِخِلَافِ الْأَمَانِ كَمَا مَرَّ كَذَا.
قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ تَأْمِينَ الْإِمَامِ غَيْرَ مَحْصُورِينَ لَا يُسَمَّى أَمَانًا، وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَصِحُّ فِي مَحْصُورِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا وَالْأَصْلُ فِي الْجِزْيَةِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] «وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ فِي أَخْذِهَا مَعُونَةً لَنَا، وَإِهَانَةً لَهُمْ وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ
وَلَهَا خَمْسَةُ أَرْكَانٍ صِيغَةٌ، وَعَاقِدٌ، وَمَعْقُودٌ لَهُ وَمَالٌ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، وَمَكَانٌ قَابِلٌ لِلتَّقْرِيرِ فِيهِ وَقَدْ أَخَذَ النَّاظِمُ فِي بَيَانِهَا فَقَالَ (وَعَقْدُ جِزْيَةٍ) يَحْصُلُ (بِإِذْنٍ قَدْ صَدَرْ مِنْ نَائِبٍ) عَنْ الْإِمَامِ فِيهِ (أَوْ) مِنْ (الْإِمَامِ لِذَكَرْ حُرٍّ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ) فِي الْقَرَارِ بِدَارِنَا فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْآحَادِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ فَتَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ لَكِنْ لَوْ عَقَدُوهَا أَلْحَقَ الْمَعْقُودُ لَهُ بِمَأْمَنِهِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ أَقَامَ سَنَةً فَأَكْثَرَ وَلَا مِنْ الْإِمَامِ لِامْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى أَوْ مَنْ فِيهِ رِقٌّ أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ؛ لِأَنَّ بَذْلَهَا لِحَقْنِ الدَّمِ وَهُوَ حَاصِلٌ لِهَؤُلَاءِ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ لَا تَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَرُوِيَ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ وَأَلْحَقَ بِالْمَرْأَةِ الْخُنْثَى فَلَوْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ الْأَخْذُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ يَنْبَغِي تَصْحِيحُ عَكْسِهِ كَمَا لَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا وَبَقِيَ مُدَّةً، ثُمَّ اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ لَا نَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا لِمَا مَضَى عَلَى الصَّحِيحِ.
اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى عَقَدَ لَهُ الْجِزْيَةَ وَقَدْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ فَعَمِلْنَا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ (قَدْ حَكَى بِبَعْضِ كُتْبِ أُنْزِلَتْ تَمَسُّكَا) أَيْ: لِذَكَرٍ حُرٍّ مُكَلَّفٍ زَعَمَ التَّمَسُّكَ بِبَعْضِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَلَوْ صُحُفَ إبْرَاهِيمَ، وَزَبُورَ دَاوُد - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِتَقْيِيدِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ (مِثْلِ الْمَجُوسِ) لِزَعْمِهِمْ ذَلِكَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ وَتَقَدَّمَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ» ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ حَكَى إلَى آخِرِهِ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكَوَاكِبِ (مَا) أَيْ: زَعَمَ التَّمَسُّكَ بِكِتَابٍ وَمَا (عَلِمْنَا) أَنَّ (جَدَّهُ) الْأَعْلَى (اخْتَارَ) ذَلِكَ الدِّينَ (حِينَ نَسْخِهِ أَيْ: بَعْدَهُ) بِأَنْ جَهِلْنَا ذَلِكَ أَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ اخْتَارَهُ قَبْلَ نَسْخِهِ أَوْ مَعَهُ وَلَوْ بَعْدَ تَبْدِيلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَنِبْ الْمُبْدَلَ مِنْهُ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ اخْتَارَهُ بَعْدَ نَسْخِهِ كَمَنْ تَهَوَّدَ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى أَوْ تَنَصَّرَ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ
[حاشية العبادي]
فَصْلٌ فِي الْجِزْيَةِ) (قَوْلُهُ: مِنْ نَائِبٍ) شَامِلٌ لِلْعَامِّ وَالْخَاصِّ كَأَحَدِ الرَّعِيَّةِ وَلَا يُقَالُ يَحْتَاجُ هَذَا الْعَقْدُ لِلنَّظَرِ وَآحَادُ الرَّعِيَّةِ لَا تَصْلُحُ لَهُ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْإِمَامِ حَاصِلٌ مَعَ الْإِنَابَةِ فِي الْعَقْدِ م ر (قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْآحَادِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ إنَابَةٍ لَهُ مِنْ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى عَقَدَ لَهُ الْجِزْيَةَ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تُعْقَدَ لَهُ الْجِزْيَةُ حَالَ خُنُوثَتِهِ وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ شَيْخِهِ الْبُلْقِينِيِّ لَعَلَّ صُورَتَهَا ذَلِكَ قِيلَ وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا أُجْرَةٌ وَهِيَ تَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ عَقْدٌ بَلْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا لَوْ عُقِدَتْ لَهُ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ بِذُكُورَتِهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَلَمْ يَقَعْ خِلَافٌ فِي اللُّزُومِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ لَوْ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ هُنَا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ عَقْدٌ لَوَجَبَتْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرْبِيِّ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَرَّرَ وَفِي عَقِبِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْآحَادِ وَعَلَى مَنْ بَلَغَ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ لَهُ وَفِي التَّأْمِينِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ الْآحَادِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَأَمَّا فَرْقُ هَذَا الْقَائِلِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْخُنْثَى وَالْحَرْبِيِّ بِأَنَّ الْخُنْثَى مُلْتَزِمٌ بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ لَهُ الِالْتِزَامُ؟ فَإِنْ قِيلَ بِالْعَقْدِ لَهُ تَبَعًا لِلذَّكَرِ الْمُحَقَّقِ وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ كَعَقَدْت لَكُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى الذَّكَرِ مِنْكُمْ كَذَا قُلْنَا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى أَبِي زُرْعَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ كَالشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْعَقْدِ مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ وَإِنْ قِيلَ بِتَأْمِينِهِ قُلْنَا مُجَرَّدُ التَّأْمِينِ لَا يُوجِبُ الْجِزْيَةَ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَنْ تَقُولَ قَوْلُهُ: بَلْ لَا يَصِحُّ إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَقَعْ خِلَافٌ فِي اللُّزُومِ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ اعْتِبَارَ نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يُنَافِي وُقُوعَ الْخِلَافِ فِي اللُّزُومِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ اعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ مُخْتَلَفًا فِيهِ بَلْ الِاخْتِلَافُ فِيهِ جَرَى فِي نَفْسِ الْبَيْعِ كَمَا قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ فِي الْأَصَحِّ.
اهـ.
فَتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ) مَعَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ (قَوْلُهُ: زَعَمَ التَّمَسُّكَ) بِبَعْضِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَالَ فِي الرَّوْضِ وَلَوْ لَمْ يُقِيمُوا بَيِّنَةً، ثُمَّ قَالَ وَإِنْ ظَفِرْنَا بِقَوْمٍ وَادَّعَوْا أَوْ بَعْضُهُمْ التَّمَسُّكَ بِكِتَابٍ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ صَدَّقْنَا الْمُدَّعِينَ وَعَقَدَ لَهُمْ.
اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّ دِينَهُمْ
[حاشية الشربيني]
كَهُوَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ شَرْحُ الْإِرْشَادِ
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْجِزْيَةِ]
(قَوْلُهُ: بِدَارِنَا) لَيْسَ بِشَرْطٍ فَقَدْ نُقِرُّهُمْ بِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ.
اهـ.
شَرْحُ م ر عَلَى ج
وَالصَّابِئَةُ مِنْ النَّصَارَى وَالسَّامِرَةُ مِنْ الْيَهُودِ يُقَرُّونَ بِهَا إنْ وَافَقُوهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَإِلَّا فَلَا وَقَوْلُهُ أَيْ: بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ
(وَلَوْ) عُقِدَتْ الْجِزْيَةُ لِمَنْ زَعَمَ التَّمَسُّكَ بِكِتَابٍ، ثُمَّ (أَسْلَمَ اثْنَانِ) مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ (وَجَادَ الْحَالُ) مِنْ زِيَادَتِهِ أَيْ: وَحَسُنَ حَالُهُمَا بِحَيْثُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا (وَشَهِدَا بِكُفْرِهِ) أَيْ: بِكَذِبِهِ فِيمَا زَعَمَهُ (يُغْتَالُ) وَلَا يَبْلُغُ الْمَأْمَنَ لِتَدْلِيسِهِ وَالْأَمَانُ الْفَاسِدُ إنَّمَا يَمْنَعُ الِاغْتِيَالَ عِنْدَ ظَنِّ الْكَافِرِ صِحَّتَهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (لَا إنْ تَوَثَّنَ) كِتَابِيٌّ عُقِدَ لَهُ الْجِزْيَةُ فَلَا يُغْتَالُ بَلْ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَرَّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ عَلَقَةُ كَوْنِهِ كِتَابِيًّا، فَلَا تَزُولُ بِمَا حَدَثَ بَعْدَهُ وَمَنْ يُخَافُ شَرُّهُ كَجَاسُوسٍ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي الْأَمَانِ
. (الْقَرَارَ) أَيْ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ يَحْصُلُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِمَنْ ذُكِرَ فِي الْقَرَارِ بِدَارِنَا (مُطْلَقًا) مِنْ غَيْر تَأْقِيتٍ (أَوْ مَا يَشَاءُ) الْمَعْقُودُ لَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ نَبْذَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا التَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا بِمَا قَالُوهُ فِي الْهُدْنَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَادَنْتُكُمْ مَا شِئْتُمْ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَحْكُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ لَاحَظُوا مَعَ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُ عَقْدَ الْهُدْنَةِ عَنْ مَوْضُوعِهِ مِنْ كَوْنِهِ مُؤَقَّتًا إلَى مَا يُحْتَمَلُ تَأْبِيدُهُ الْمُنَافِي لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ هُنَا (لَا) إنْ قَالَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مَا أَشَاءُ (أَنَا) أَوْ مَا شَاءَ زَيْدٌ (أَوْ) مَا شَاءَ (ذُو الْبَقَا) أَيْ: اللَّهُ تَعَالَى لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّأْقِيتِ مَعَ الْجَهْلِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ» فَإِنَّمَا جَرَى فِي الْمُهَادَنَةِ لَا فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَقَوْلُ النَّظْمِ أَوْ ذُو الْبَقَاءِ مِنْ زِيَادَتِهِ (أَوْ أَقَّتُوا) عَقْدَ الْجِزْيَةِ فَلَا يَصِحُّ كَالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ (لَا إنْ بَغَى) أَيْ: طَلَبَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ (إقَامَةْ) لِلْكَافِرِ (فِي مَكَّةَ) أَوْ (الْمَدِينَةِ) أَوْ (الْيَمَامَةْ أَوْ فِي قُرَاهُنَّ) أَوْ مَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ وَغَيْرِهَا أَوْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةُ هِيَ الْحِجَازُ (فَلَا يُمَكَّنْ) أَيْ: فَلَا يُقَرُّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بِجِزْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِشَرَفِهَا وَلِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ «آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ» وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْحِجَازُ الْمُشْتَمِلَةُ هِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَجْلَاهُمْ مِنْ الْحِجَازِ وَأَقَرَّهُمْ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ الْيَمَنِ وَنَجْرَانَ وَسُمِّيَ ذَلِكَ حِجَازًا؛ لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ رُكُوبِ بَحْرِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ إقَامَةٍ بِخِلَافِ جَزَائِرِهِ وَقُرَى الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ (كَوَجَّ وَالطَّائِفِ) لِمَكَّةَ وَكَخَيْبَرِ لِلْمَدِينَةِ، وَوَجٌّ وَادِي الطَّائِفِ وَتَعْبِيرُهُ بِوَجٍّ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْوَجِّ (دُونَ الْيَمَنِ) فَيُقَرُّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحِجَازِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَمْ يُخْرِجْ عُمَرُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ الْيَمَنِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْحِجَازِ لِنَقْضِهِمْ الْعَهْدَ بِأَكْلِهِمْ الرِّبَا الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ (وَمِنْ دُخُولِ حَرَمِ اللَّهِ) الْمَكِّيِّ (مُنِعْ) أَيْ: الْكَافِرُ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا فَلَا يَدْخُلُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: 28] وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: 28] أَيْ: فَقْرًا بِمَنْعِهِمْ مِنْ الْحَرَمِ وَانْقِطَاعِ مَا كَانَ لَكُمْ مِنْ قُدُومِهِمْ مِنْ الْمَكَاسِبِ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 28] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَلَبَ إنَّمَا يُجْلَبُ إلَى الْبَلَدِ لَا إلَى الْمَسْجِدِ نَفْسِهِ (وَلِرَسُولِهِمْ) أَيْ: لِسَمَاعِ كَلَامِهِ (نَدَبْنَا مُسْتَمِعْ) بِالْوَقْفِ بِلُغَةِ رَبِيعَةَ أَيْ: بَعَثْنَا إلَيْهِ مُسْتَمِعًا يَسْتَمِعُ كَلَامَهُ وَيُبَلِّغُهُ لِلْإِمَامِ، فَإِنْ قَالَ لَا أُؤَدِّيهِ إلَّا شِفَاهًا خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَلَوْ دَخَلَهُ كَافِرٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَلَوْ بَذَلَ مَالًا لِيَدْخُلَهُ لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ فَإِنْ أُجِيبُ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ فَإِنْ دَخَلَ أُخْرِجَ وَثَبَتَ الْعِوَضُ
[حاشية العبادي]
لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ
(قَوْلُهُ: بِقِتَالٍ) وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ فِي الْعَقْدِ قِتَالَهُ إنْ بَانَ كَذِبُهُ وَفِيهِ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَحْكُمُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ) هَذَا التَّعْلِيلُ بِمُفْرَدِهِ عِنْدَ التَّأَمُّلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَارِقًا وَأَمَّا جَوَابُ الشَّارِحِ فَقَدْ يُعَارَضُ بِنَظِيرِهِ بِأَنْ يُقَالَ يُقَالُ مَوْضُوعُ الْجِزْيَةِ التَّأْبِيدُ وَتَفْوِيضُهَا إلَى مَشِيئَةِ الْكَافِرِ يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا إلَى مَا يَحْتَمِلُ التَّأْقِيتَ وَيُجَابُ عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ بِأَنَّ تَأْبِيدَ عَقْدِ الْهُدْنَةِ لَا سَبِيلَ إلَى تَمَكُّنِ الْكَافِرِ مِنْهُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِنْهَا بِخِلَافِ نَقْضِ الْجِزْيَةِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ مَثَلًا فَإِنَّ الْكَافِرَ يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَكَانَ الشَّرْطُ الْمُحْتَمِلُ لِذَلِكَ مُفْتَقِرًا فِي الْجِزْيَةِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ الْمُحْتَمِلِ لِلتَّأْبِيدِ فِي الْهُدْنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِرّ (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مُنْتَفٍ هُنَا) لِصِحَّةِ التَّأْبِيدِ هُنَا (قَوْلُهُ: مَعَ الْجَهْلِ) لَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي التَّعْلِيلِ لِكِفَايَةِ التَّأْقِيتِ فِي الْفَسَادِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوْ أَقَّتُوا وَيُجَابُ بِأَنَّ ذِكْرَهُ زِيَادَةٌ فِي اقْتِضَاءِ الْفَسَادِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّمَا جَرَى فِي الْمُهَادَنَةِ إلَخْ) اُنْظُرْ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِرّ (قَوْلُهُ: يَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ) قَدْ يُقَالُ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حِينَ الْعَقْدِ وَالْعِبْرَةُ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ بِحَالِ الْعَقْدِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: أَوْ أَقَّتُوا) أَيْ: صَرِيحًا وَإِلَّا فَفِيمَا قَبْلَهُ تَأْقِيتٌ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ (قَوْلُهُ: وَنَجْرَانَ) مَعَ أَنَّهُ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (قَوْلُهُ: وَوَجٍّ إلَخْ) كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ عَلَمٌ لِذَلِكَ الْوَادِي وَحِينَئِذٍ تَتَّضِحُ الْأَوْلَوِيَّةُ (قَوْلُهُ: حَرَمِ اللَّهِ مُنِعَ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَيُمْنَعُ الْمُرُورُ بِحَرَمِ مَكَّةَ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَى الْبَلَدِ) لَكِنْ الْبَلَدُ بَعْضُ الْحَرَمِ
[حاشية الشربيني]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْمُسَمَّى وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ الْفَاسِدَةَ حَيْثُ يَجِبُ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ
(وَنُخْرِجُ) نَحْنُ (الْمَرِيضَ وَالْمَدْفُونَا مِنْ حَرَمِ اللَّهِ) الْمَكِّيِّ أَوْ إنْ شَقَّ نَقْلُهُ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْلِ فَإِنْ تَقَطَّعَ الْمَدْفُونُ تُرِكَ هُنَاكَ وَحَرَمُ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ وَالطَّائِفِ عَلَى سَبْعَةٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ عَلَى تِسْعَةٍ، وَمِنْ طَرِيقِ جِدَّةَ عَلَى عَشَرَةٍ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طِيبَةَ ... ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ ... وَجِدَّةُ عَشْرٌ، ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهْ ، وَزَادَ الدَّمِيرِيِّ وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ وَكُرْزٌ لَهَا اهْتَدَى ... فَلَمْ يَعُدْ سَبِيلُ الْحِلِّ إذْ جَالَ بُنْيَانَهْ وَلَيْسَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ لِاخْتِصَاصِهِ بِالنُّسُكِ وَثَبَتَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَدْخَلَ الْكُفَّارَ مَسْجِدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ بَرَاءَةٌ»
(وَيُمْنَعُونَا) أَيْ: الْكُفَّارُ (إقَامَةَ الْحِجَازِ) أَيْ: الْإِقَامَةَ بِهِ (خَارِجَ الْحَرَمْ) إذَا دَخَلُوهُ (مُدَّتَهَا) أَيْ: مُدَّةَ الْإِقَامَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ صِحَاحٍ سَوَاءٌ دَخَلُوا لِمَصْلَحَةٍ أَمْ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ دَيْنٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَكَّلَ مُسْلِمًا بِطَلَبِهِ، وَلَوْ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى الْأُخْرَى وَيُقِيمُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَمْ يُمْنَعْ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ لَهُ دُخُولَهُ بِغَيْرِ إقَامَةٍ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي دُخُولِهِ الْحَرَمَ وَإِنْ اسْتَأْذَنَ فِي دُخُولِهِ أَذِنَ لَهُ إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَنَا مِنْ رِسَالَةٍ أَوْ عَقْدِ هُدْنَةٍ أَوْ حَمْلِ مِيرَةٍ أَوْ مَتَاعٍ نَحْتَاجُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا فِيهِ كَبِيرُ حَاجَةٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تِجَارَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي (إلَّا) الْإِقَامَةَ (لِمَنْ يَمْرَضُ ثُمَّ) أَيْ: فِي غَيْرِ الْحَرَمِ مِنْ الْحِجَازِ (وَشَقَّ نَقْلٌ) لَهُ (أَوْ عَلَيْهِ حُذِرَا) أَيْ: خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْلِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِيهِ حَتَّى يَبْرَأَ فَإِنْ مَاتَ فِيهِ وَدُفِنَ تُرِكَ وَإِلَّا فَاَلَّذِي أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ نَقْلُهُ دُفِنَ فِيهِ أَوْ سَهُلَ بِأَنْ كَانَ بِطَرَفِ الْحِجَازِ فَلَا، وَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ يُدْفَنُ فِيهِ وَقَالُوا إذَا تُرِكَ لِلْمَرَضِ فَلِلْمَوْتِ أَوْلَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَكِنْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ وَقَالَ الْبَغَوِيّ إنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ دُفِنَ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ تَفْصِيلٌ جَيِّدٌ، أَمَّا غَيْرُ الْحِجَازِ فَلِكُلِّ أَحَدٍ دُخُولُهُ بِالْأَمَانِ كَمَا مَرَّ
. (بِقَدْرِ) أَيْ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ يَحْصُلُ بِإِذْنِ مَنْ ذُكِرَ فِي الْقَرَارِ بِقَدْرِ (دِينَارٍ لَنَا أَوْ أَكْثَرَا) مِنْهُ فَأَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ (لِكُلِّ عَامٍ) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ» ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ نَعَمْ إنْ مَضَى حَوْلٌ وَلَمْ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ) إنْ كَانَ عَدَمُ الْمُقَابَلَةِ لِقِصَرِ الزَّمَنِ فَقَدْ يَكُونُ طَوِيلًا وَإِنْ كَانَ لِذَاتِ الْمَكَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَمْلُوكَ مِنْ الْحَرَمِ يَصِحُّ إيجَارُهُ لِلْمُسْلِمِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ يَقْبَلُ الْمُقَابَلَةَ فَلْيَقْبَلْهَا فِي حَقِّ الْكَافِرِ أَيْضًا، وَامْتِنَاعُ دُخُولِهِ لَا يُخْرِجُ الْمَكَانَ عَنْ قَبُولِهِ فِي ذَاتِهِ وَلَوْ غَصَبَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَوْ أَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ بِغَصْبِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ) التَّحْدِيدُ مُبْتَدَأٌ وَلِلْحَرَمِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقَوْلُهُ: ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ خَبَرٌ وَسِتَّةُ أَمْيَالٍ عُطِفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَقَوْلُهُ: عِرَاقٍ لَعَلَّهُ مَجْرُورٌ بِنَزْعِ الْجَارِ وَكَذَا وَجَدَّةَ وَقَوْلُهُ: عَشْرٌ عُطِفَ عَلَى ثَلَاثَةُ وَقَوْلُهُ: جِعْرَانَهْ عَلَى نَزْعِ الْجَارِ (قَوْلُهُ: فِيمَا ذُكِرَ) قَالَ فِي الرَّوْضِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَيْ: إلْحَاقُهُ بِحَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ إلَى أُخْرَى إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصُرَتْ الْمَسَافَةُ وَقَوْلُهُ: وَيُقِيمُ فِي كُلِّ مَكَان دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَيْدٌ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ مَكَانَيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ صَرَّحَ بِنَقْلِ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِ الرَّوْضِ وَلَهُ إقَامَةُ ثَلَاثَةٍ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مَا نَصُّهُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: تَبَعًا لِصَاحِبِ الْوَافِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَإِلَّا فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَشَقَّ نَقْلٌ أَوْ عَلَيْهِ حَذَرَا) صَرِيحُ شَرْحِ الرَّوْضِ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِمَا ذُكِرَ مِنْ مَشَقَّةِ النَّقْلِ أَوْ الْحَذَرِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ الرَّوْضُ وَلَا يُنْقَلُ الْمَرِيضُ مِنْ الْحِجَازِ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ.
اهـ.
وَكَلَامُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ إلَخْ) لَمْ يَزِدْ فِي الرَّوْضِ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ حَيْثُ قَالَ وَلَا يُدْفَنُ فِي الْحِجَازِ إنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَإِلَّا دُفِنَ فِيهِ وَزَادَ فِي الرَّوْضِ عَقِبَ ذَلِكَ فَلَوْ دُفِنَ لَمْ يُنْبَشْ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَعَلَيْهِ قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يَرْفَعَ نَفْسَ قَبْرِهِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: بِقَدْرِ دِينَارٍ لَنَا أَوْ أَكْثَرَ) يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِدِينَارٍ وَأَكْثَرَ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فِيمَا يَظْهَرُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ وَجَازَ إنْ مَاكَسَ إلَخْ فَالْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا سَأَلَ فِي عَقْدِهَا بِدِينَارٍ يَجُوزُ بَلْ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُ فَيَطْلُبُ الزِّيَادَةَ وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى سُؤَالِ الْكَافِرِ فِي الدِّينَارِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّ الدِّينَارَ أَقَلُّهَا بِذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَقَلِّ الْجِزْيَةِ بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَاكِسَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ الْغَنِيِّ إلَخْ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُمَاكَسَةَ إنَّمَا هِيَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَأَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ) أَيْ: عِنْدَ قُوَّتِنَا وَإِلَّا فَيَجُوزُ عَقْدُهَا بِدُونِهِ.
اهـ.
ق ل
يَدْفَعْ الْإِمَامُ عَنْهُمْ مَا يَجِبُ لَهُمْ بِالْعَقْدِ مِنْ الذَّبِّ عَنْهُمْ لَمْ تَجِبْ جِزْيَةُ ذَلِكَ الْحَوْلِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِ النَّظْمِ كَأَصْلِهِ بِقَدْرِ دِينَارٍ صِحَّةُ الْعَقْدِ بِدِينَارٍ وَبِمَا قِيمَتُهُ دِينَارٌ وَهُوَ ظَاهِرُ خَبَرِ مُعَاذٍ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَالْمَنْصُوصُ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّ أَقَلَّهَا دِينَارٌ، وَعَلَيْهِ إذَا عَقَدَ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ عِوَضًا كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ قَدْرِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَقْدُهَا بِمَا قِيمَتُهُ دِينَارٌ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ قَدْ تَنْقُصُ عَنْ دِينَارٍ آخِرَ الْمُدَّةِ، وَقَوْلُهُ أَوْ أَكْثَرَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ بَعْدُ وَجَازَ إنْ مَاكَسَ (دُونَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ مِنْ الْجُنُونِ) بِأَنْ تَقَطَّعَ فَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ لِأَيَّامِهِ بَلْ تُلَفَّقُ أَيَّامُ الْإِفَاقَةِ فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةً أُخِذَتْ الْجِزْيَةُ لَهَا نَعَمْ إنْ كَانَ زَمَنُ الْجُنُونِ يَسِيرًا كَسَاعَةٍ فِي شَهْرٍ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ (وَانْقِيَادٍ) أَيْ: بِقَدْرِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ وَبِانْقِيَادِهِمْ لِأَحْكَامِنَا الَّتِي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهَا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنِكَاحِ الْمَجُوسِ الْمَحَارِمَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْعِوَضِ عَنْ التَّقْرِيرِ فَيَجِبُ ذِكْرُهُمَا كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ وَفُسِّرَ إعْطَاءُ الْجِزْيَةِ فِي الْآيَةِ بِالْتِزَامِهَا، وَالصِّغَارُ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا، فَيَقُولُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ أَقْرَرْتُكُمْ أَوْ أَذِنْت لَكُمْ فِي الْإِقَامَةِ بِدَارِنَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِنَا، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ كَفٍّ اللِّسَانِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ لِدُخُولِهِ فِي الِانْقِيَادِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَقْدُ الْجِزْيَةِ (إنْ قَبِلْ) أَيْ: الْمَأْذُونُ لَهُ وَكَالْقَبُولِ الِاسْتِيجَابُ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَةُ مَنْ طَلَبَ عَقْدَهَا بِلَا مَكِيدَةٍ
. (وَأُخِذَتْ) أَيْ: الْجِزْيَةُ (لِمَا مَضَى) مِنْ الْعَامِ (إنْ أَسْلَمَا) أَيْ: الْمَأْذُونُ لَهُ (أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ) فِي أَثْنَائِهِ إذْ وُجُوبُهَا بِالسُّكْنَى فَإِذَا سَكَنَ بَعْضَ الْمُدَّةِ وَجَبَ قِسْطُهُ كَالْأُجْرَةِ نَعَمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ فَتَرِكَتُهُ كُلُّهَا فَيْءٌ فَلَا مَعْنَى لِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ أَخَذَ مِنْ نَصِيبِ الْوَارِثِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْجِزْيَةِ وَسَقَطَتْ حِصَّةُ بَيْتِ الْمَالِ
(وَسَوِّهِ) أَيْ: الْمَأْخُوذَ جِزْيَةً مِمَّنْ لَزِمَتْهُ (بِمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ) أَيْ: لِآدَمِيٍّ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ؛ وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا أُجْرَةٌ حَتَّى لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ، أَوْ مَاتَ وَضَاقَ مَالُهُ عَنْ دَيْنِهِ وُزِّعَ عَلَى الْكُلِّ بِالْقِسْطِ، أَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى فَيُقَدَّمُ عَلَى الْجِزْيَةِ كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ الْمُسَاوِي لَهَا
(وَلَسْنَا نَأْخُذُ قِسْطًا) مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ لِمَا مَضَى مِنْهُ (مِنْ أَهْلِ جِزْيَةٍ لَمْ يَنْبِذُوا) الْعَهْدَ بَلْ نَأْخُذُ الْكُلَّ آخِرَ الْعَامِ اتِّبَاعًا لِسِيرَةِ الْأَوَّلِينَ فَإِنْ نَبَذُوا الْعَهْدَ فِي أَثْنَائِهِ أَخَذْنَا مِنْهُمْ قِسْطَ مَا مَضَى مِنْهُ وَقَوْلُهُ لَمْ يَنْبِذُوا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ لَا نَأْخُذُ مِنْهُ الْقِسْطَ حِينَئِذٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى الْأَخْذِ
(وَتِلْكَ) أَيْ: الْجِزْيَةُ بَاقِيَةٌ (فِي ذِمَّةِ مُعْسِرٍ) وَقْتَ اسْتِحْقَاقِهَا (إلَى يَسَارِهِ بِهَا) فَتُؤْخَذُ مِنْهُ (وَلَا تَدَاخُلَا) لِجِزْيَةِ سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ
[حاشية العبادي]
عِنْدَ الْعَقْدِ فِي آخِرِ الْعَامِ، ثُمَّ إنَّ الْكَافِرَ إنْ صَمَّمَ عَلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الدِّينَارِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الزِّيَادَةِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ وَسَتَعْلَمُ مِنْ الْحَاشِيَةِ فِي الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ أَنَّ الْمُمَاكَسَةَ قَدْ تَكُونُ فِي آخِرِ الْعَامِ بِأَنْ عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ (قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَنْهُ عِوَضًا) وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ خَبَرِ مُعَاذٍ (قَوْلُهُ: بَلْ تُلَفَّقُ أَيَّامُ الْإِفَاقَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ إنْ أَمْكَنَ أَيْ: التَّلْفِيقُ كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ أَوْ وَيَوْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ، أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّلْفِيقُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَجْنُونِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَلَا أَثَرَ لِيَسِيرِهِ أَيْ: زَمَنِ الْجُنُونِ كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ قَالَ فِي شَرْحِهِ وَكَذَا لَا أَثَرَ لِيَسِيرِ زَمَنِ الْإِفَاقَةِ فِيمَا يَظْهَرُ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: الَّتِي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهَا) فِي وَصْفِ الْأَحْكَامِ بِهَذَا مَا لَا يَخْفَى إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْأُمُورُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهَا بِقَرِينَةِ التَّمْثِيلِ (قَوْلُهُ: وَالصَّغَارُ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا) قَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّهُ لَا صِغَارَ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِنَا مَعَ تَقْيِيدِهَا بِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ إذْ لَا صَغَارَ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالْتِزَامِ مَا يَعْتَقِدُهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الصَّغَارَ جَاءَ مِنْ جِهَةِ إلْزَامِنَا وَالْإِنْسَانُ لَا يَحْتَمِلُ إلْزَامَ غَيْرِهِ لَهُ وَتَسَلُّطَهُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِمَا يَعْتَقِدُهُ بَقِيَ أَنَّ وَصْفَ الْأَحْكَامِ هُنَا بِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهَا يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِيَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قُلْتُ وَعَيْبُ ذَا مَا نَصُّهُ أَيْ: وَيَكْفِي فِي الصَّغَارِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ.
اهـ.
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ لَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنَادُ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَالتَّسَلُّطُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت شَيْخَنَا أَشَارَ إلَى جَوَابٍ آخَرَ وَسَتَنْظُرُهُ بِهَامِشِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لِدُخُولِهِ فِي الِانْعِقَادِ) قَدْ يُسْتَشْكَلُ فِي كَفِّ اللِّسَانِ عَنْ رَسُولِهِ وَدِينِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ وَكَتَبَ أَيْضًا وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُمْ لَوْ سَبُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنْ شَرَطَ انْتِقَاضَ الْعَهْدِ بِذَلِكَ انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ أَنَّ كَفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاشْتِرَاطِهِ وَأَمَّا انْتِقَاضُ عَهْدِهِمْ بِذَلِكَ فَلَا يَكْفِي فِيهِ لُزُومُ ذَلِكَ لَهُمْ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ بَلْ وَلَا التَّصْرِيحُ فِي الْعَقْدِ بِاشْتِرَاطِ كَفِّهِمْ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ فِي الْعَقْدِ بِاشْتِرَاطِ الِانْتِقَاضِ بِهِ
(قَوْلُهُ: وَسَقَطَتْ حِصَّةُ بَيْتِ الْمَالِ) هَذَا ظَاهِرٌ إنْ لَمْ تَقِلَّ بِالرَّدِّ عَلَى الْوَارِثِ غَيْرِ الْمُسْتَغْرَقِ وَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْفُصُولِ مَا نَصُّهُ وَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالرَّدِّ وَبِإِرْثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ عَلَى الْجِزْيَةِ) أَيْ: بَعْدَ الْمَوْتِ بِرّ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى الْأَخْذِ) هُوَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ) أَيْ: حَتَّى تَكُونَ كَالزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ إلَخْ) حَمَلَهُ م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ
كَسَائِرِ الدُّيُونِ فَلَوْ أَعْسَرَ سِنِينَ أَخَذْنَا جِزْيَةَ الْكُلِّ إذَا أَيْسَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ وَعِوَضًا عَنْ السُّكْنَى وَقَدْ حَصَلَا
(وَجَازَ) لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَلْ يُسَنُّ لَهُ (أَنْ مَاكَسَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: مُمَاكَسَةُ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُوَكِّلِهِ أَيْ: مُشَاحَّتُهُ فِي قَدْرِ الْجِزْيَةِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى دِينَارٍ بَلْ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْقِدَ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْقِدَ بِدُونِهِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يُفَاوِتَ فَيَأْخُذَ مِنْ فَقِيرٍ دِينَارًا، وَمِنْ مُتَوَسِّطٍ دِينَارَيْنِ وَمِنْ غَنِيٍّ أَرْبَعَةً، وَيُعْتَبَرُ الْغِنَى وَضِدُّهُ وَقْتَ الْأَخْذِ لَا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَا فَقِيرٌ أَوْ مُتَوَسِّطٌ قُبِلَ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ (لِوَلِيِّ) شَخْصٍ (ذِي سَفَهٍ) بِأَنْ عَقَدَ عَنْهُ فَإِنَّهُ تَمْتَنِعُ مُمَاكَسَتُهُ وَيُقْنِعُ مِنْهُ بِدِينَارٍ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَيَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ أَنْ يَعْقِدَ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ لِمَصْلَحَةِ حَقْنِ الدَّمِ نَعَمْ إنْ الْتَزَمَ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَعِبَارَةُ الْحَاوِي لَا لِسَفِيهٍ وَهِيَ أَوْلَى لِشُمُولِهَا عَقْدَ السَّفِيهِ لِنَفْسِهِ، وَعَقْدَ وَلِيِّهِ لَهُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فَأَرَادَ السَّفِيهُ الِالْتِحَاقَ بِالْمَأْمَنِ وَأَرَادَ وَلِيُّهُ عَقْدَ الْجِزْيَةِ فَالْمُتَّبَعُ رَأْيُ السَّفِيهِ، ثُمَّ (إنْ يَمْتَنِعْ) مَنْ مُوكِسٍ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدِّينَارِ (فَلْيَقْبَلْ) مِنْهُ الْمُمَاكِسُ لَهُ الدِّينَارَ وُجُوبًا (فَإِنْ يَزِدْ) عَلَى دِينَارٍ، ثُمَّ يَنْدَمْ (لَمْ يَنْتَفِعْ بِالنَّدَمِ) كَمَا لَوْ بَانَ لِلْمُشْتَرِي الْغَبَنُ وَكَانَ بِمَنْعِهِ الزِّيَادَةَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ أَصْلِ الْجِزْيَةِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ نَفَعَهُ النَّدَمُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
قَالَ الشَّارِحُ فِي تَحْرِيرِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِ الْقَابِلِ، أَمَّا مَا اسْتَقَرَّ وَاجِبُهُ فَلَا يُغَيَّرُ
. (وَزَيْدُهُ) أَيْ: وَجَازَ بَلْ سُنَّ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ زِيَادَتُهُ عَلَى مَا الْتَزَمُوهُ مِنْ الْجِزْيَةِ (ضِيَافَةً لِمُسْلِمِ مَرَّ) بِهِمْ (ثَلَاثَةٌ) مِنْ الْأَيَّامِ (وَدُونَهَا) عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ لَا فَقِيرٍ؛ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ فَلَا يَتَيَسَّرُ لِلْفَقِيرِ الْقِيَامُ بِهَا، وَالْأَصْلُ فِي اشْتِرَاطِهَا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَالَحَ أَهْلَ أَيْلَةَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ وَعَلَى ضِيَافَةِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَرَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ «الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» (ذَكَرْ) فِي الْعَقْدِ (عَدًّا) أَيْ: عَدَدَ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ كَمِائَةِ يَوْمٍ فِي الْعَامِ وَعَدَدِ أَيَّامِ الْإِقَامَةِ مِنْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَعَدَدِ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا، كَأَنْ يَقُولَ أَلْفُ رَجُلٍ فِي الْعَامِ الْفُرْسَانُ كَذَا وَالرَّجَّالَةُ كَذَا، ثُمَّ هُمْ يَتَوَزَّعُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِذَا تَفَاوَتُوا فِي الْجِزْيَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَهُمْ فِي الضِّيَافَةِ فَيَجْعَلَ
[حاشية العبادي]
مُتَّجَهٌ إنْ قَسَمَ مَالَهُ وَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَعَ أَخْذِ الْقِسْطِ لَا يَسْقُطُ الْبَاقِي إذْ لَا مُوجِبَ لِسُقُوطِهِ
(قَوْلُهُ: وَجَازَ أَنْ مَاكَسَ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُمَاكَسَةَ تَارَةً تَكُونُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَتَارَةً تَكُونُ عِنْدَ الْأَخْذِ فَالْأُولَى أَنْ يُمَاكِسَهُ حَتَّى يَعْقِدَ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ فَإِنْ أَجَابَ إلَى الْأَكْثَرِ وَجَبَ الْعَقْدُ بِهِ كَمَا لَوْ أَجَابَ إلَيْهِ بِدُونِ مُمَاكَسَةٍ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يُجِيبُ إلَيْهِ وَإِنْ أَبَى وَجَبَ الْعَقْدُ لَهُ بِدِينَارٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَعْقِدَ لَهُ بِدِينَارٍ، ثُمَّ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ يُمَاكِسُهُ لِيَأْخُذَ مِنْهُ أَكْثَرَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَلْ يَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَخْذِ مَا عَقَدَ بِهِ حَتَّى لَوْ عَقَدَ لِفَقِيرٍ بِدِينَارٍ وَصَارَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ غَنِيًّا أَوْ مُتَوَسِّطًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَوْصَافِ كَعَقَدْت لَكُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَالْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ وَالْفَقِيرِ دِينَارًا مَثَلًا، ثُمَّ فِي آخِرِ الْحَوْلِ يُمَاكِسُ مَنْ يَسْتَوْفِي مِنْهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ مُتَوَسِّطٌ فَيَقُولُ لَهُ بَلْ أَنْتَ غَنِيٌّ فَعَلَيْك أَرْبَعَةٌ مَثَلًا أَوْ أَنْتَ مُتَوَسِّطٌ فَعَلَيْك دِينَارَانِ مَثَلًا فَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْغَنِيِّ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ أُخِذَ مِنْهُ الْأَرْبَعَةُ أَوْ الدِّينَارَانِ مَثَلًا وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُ مُوجِبُ الْفَقِيرِ مَا لَمْ يَثْبُتْ غِنَاهُ أَوْ تَوَسُّطُهُ بِطَرِيقِهِ وَهَذَا الْوَجْهُ جَائِزٌ، وَمَنْ ذَكَرَ الْمُمَاكَسَةَ عِنْدَ الْأَخْذِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْعِبْرَةُ بِالْغَنِيِّ وَغَيْرِهِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا عَقَدَ عَلَى الْأَعْيَانِ أَيْضًا بَلْ الْوَاجِبُ حِينَئِذٍ لَيْسَ إلَّا مَا عَقَدَ بِهِ مُطْلَقًا كَذَا حَقَّقَ ذَلِكَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ أَنْ يُفَاوِتَ إلَخْ) مِنْهُ تَسْتَفِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ لِلْفَقِيرِ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ بِرّ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَوْ يُعْهَدُ لَهُ مَالٌ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ مُمَاكَسَتُهُ) شَامِلٌ لِلْمُمَاكَسَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَلِمُمَاكَسَتِهِ عِنْدَ الْأَخْذِ بِأَنْ عَقَدَ عَلَى الْأَوْصَافِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيّ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْتِزَامُهُ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ زِيَادَةٌ إذَا عُقِدَ عَقْدٌ عَلَى الْأَوْصَافِ فَكِلَا الْمُمَاكَسَتَيْنِ مُمْتَنِعَةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ نَفَعَهُ النَّدَمُ (قَوْلُهُ: فَلَا يُغَيِّرُ) بَقِيَ مَا لَوْ حَصَلَ النَّدَمُ فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ
(قَوْلُهُ: لِمُسْلِمٍ) بَحَثَ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلنَّدْبِ لَا الْجَوَازِ (قَوْلُهُ: ثَلَاثَةُ) أَيْ: لَا تُنْدَبُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَإِنْ وَقَعَ تَوَافُقٌ عَلَى زِيَادَةٍ جَازَ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ شَرْحٌ رَوْضٌ (قَوْلُهُ: ذَكَرَ فِي الْعَقْدِ عَدَا إلَخْ) قَدْ يُقَالُ كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: كَمِائَةِ يَوْمٍ) وَقَوْلُهُ: الْآتِي كَأَنْ يَقُولَ أَلْفُ رَجُلٍ فِي الْعَامِ هَلْ الْمُرَادُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ ضِيَافَةَ الْأَلْفِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْمِائَةِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ ضَيَّفُوا فِي الْمِائَةِ دُونَ أَلْفٍ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَمُرَّ بِهِمْ فِي الْمِائَةِ إلَّا دُونَ الْأَلْفِ فَمَا الْحُكْمُ هَلْ يُؤْخَذُ التَّفَاوُتُ أَوْ يَسْقُطُ أَوْ يَلْزَمُهُمْ ضِيَافَةُ تَمَامِ الْأَلْفِ فِي أَيَّامٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْمِائَةِ فِيهِ نَظَرٌ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ ضِيَافَةَ مَجْمُوعِ الْأَلْفِ فِي مَجْمُوعِ الْمِائَةِ حَتَّى لَوْ ضَيَّفُوا مِائَةً فِي تِسْعِينَ يَوْمًا وَبَقِيَّةَ الْأَلْفِ فِي الْعَشَرَةِ الْبَاقِيَةِ خَرَجُوا عَنْ الْعُهْدَةِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ جَوَازُ
[حاشية الشربيني]
عَلَى مَا إذَا قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقْسِمْ
(قَوْلُهُ: بَلْ يُسَنُّ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى شَرْطِ الضِّيَافَةِ، وَعَلِمَ قَبُولَهُمْ لَهَا وَنَقَلَ م ر فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ عَنْ الْمَطْلَبِ أَنَّ الضِّيَافَةَ كَالْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الدِّينَارِ إنْ قَدَرَ عَلَى شَرْطِهِ وَجَبَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ.
اهـ.
لَكِنْ ضَعَّفَهُ فِي الْمِنْهَاجِ
(قَوْلُهُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ: وَمَا زَادَ
عَلَى الْغَنِيِّ عِشْرِينَ مَثَلًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ عَشَرَةً، وَلَا يُفَاوِتَ بَيْنَهُمْ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْغَنِيِّ أَطْعِمَةً فَاخِرَةً أَجْحَفَ الضِّيفَانِ بِالْأَغْنِيَاءِ (وَلِلطَّعَامِ وَالْأُدْمِ) بِزِيَادَةِ اللَّامِ تَقْوِيَةً لِلْعَامِلِ الْمُؤَخَّرِ وَهُوَ (قَدَرْ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ لُغَةٌ فِي قَدَّرَ بِتَشْدِيدِهَا أَيْ: وَقَدَرَ الطَّعَامَ وَالْأَدَمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رَطْلٍ أَوْ رَطْلَيْنِ أَوْ أَزْيَدَ (وَ) ذَكَرَ (جِنْسَهُ) أَيْ: جِنْسَ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ لَحْمٍ، أَوْ زَيْتٍ أَوْ جُبْنٍ أَوْ غَيْرِهَا بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ لِيَنْتَفِيَ الْغَرَرُ (كَمَنْزِلٍ) أَيْ: كَمَا يَجِبُ ذِكْرُ مَنْزِلٍ لَلضِّيفَانِ (وَعَلَفِ) لِدَوَابِّهِمْ فَفِي الْمَنْزِلِ يَذْكُرُ مَا يَقِيهِمْ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ كَكَنَائِسِهِمْ، وَفُضُولِ مَنَازِلِهِمْ أَوْ بُيُوتِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا ضِيَافَةَ عَلَيْهِمْ وَتُعْلَى الْأَبْوَابُ لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ رُكْبَانًا كَمَا شَرَطَهُ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَفِي الْعَلَفِ يَذْكُرُ الْحَشِيشَ أَوْ الْقَتَّ، أَوْ التِّبْنَ، وَالشَّعِيرَ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ قَدْرِ الْعَلَفِ فَإِنْ ذَكَرَ الشَّعِيرَ بَيَّنَ قَدْرَهُ، وَإِطْلَاقُ الْعَلَفِ لَا يَقْتَضِي الشَّعِيرَ (وَإِنْ رَضُوا) بِجَعْلِ الضِّيَافَةِ نَقْدًا (يَنْقُدُ) أَيْ: الْإِمَامُ يَعْنِي يَجْعَلُهَا نَقْدًا وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ قَدْ تَكُونُ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ (وَذَا) أَيْ: النَّقْدُ الْمَأْخُوذُ عَنْ الضِّيَافَةِ (مَالٌ يَفِي) أَيْ: فَيْءٌ يُصْرَفُ لِأَهْلِهِ خَاصَّةً كَالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الدِّينَارُ، وَيُخَالِفُ الضِّيَافَةَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ وَلَيْسَ لِلضَّيْفِ طَلَبُ بَدَلِ الضِّيَافَةِ وَلَهُ أَخْذُ الطَّعَامِ بِخِلَافِ طَعَامِ الْوَلِيمَةِ فَإِنَّهُ مَكْرَمَةٌ وَلَا يُطَالِبُهُمْ بِطَعَامِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَوْ لَمْ يَأْتُوا بِطَعَامِ الْيَوْمِ فَلَيْسَ لِلضَّيْفِ الْمُطَالَبَةُ مِنْ الْغَدِ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُمْ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ وَالْحَمَّامِ وَثَمَنُ الدَّوَاءِ.
وَلَوْ تَنَازَعُوا فِي إنْزَالِ الضَّيْفِ فَالْخِيَارُ لَهُ وَلَوْ تَزَاحَمَ الضِّيفَانُ عَلَى ذِمِّيٍّ فَالْخِيَار لَهُ وَلَوْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَثُرَ الضِّيفَانُ فَالسَّابِقُ أَحَقُّ فَإِنْ تَسَاوَوْا أَقْرَعَ وَلْيَكُنْ لَهُمْ عَرِيفٌ يُرَتِّبُ أَمْرَهُمْ
(وَ) جَازَ (ضَرْبُ لِهَزْمٍ وَأَخْذِ اللِّحْيَةِ مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ لِدَفْعِ الْجِزْيَةِ) يَعْنِي لِقَابِضِ الْجِزْيَةِ عِنْدَ دَفْعِهَا لَهُ أَنْ يُهِينَ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ قَاعِدًا، وَالدَّافِعُ لَهَا وَاقِفًا مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ فَيَأْخُذَ بِلِحْيَتِهِ وَيَضْرِبَ لِهْزِمَتَيْهِ وَهُمَا مَجْمَعُ اللَّحْمِ بَيْنَ الْمَاضِغِ وَالْأُذُنِ وَيَقُولَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَدِّ حَقَّ اللَّهِ وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الصَّغَارَ فِي الْآيَةِ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضْرِبُهُ بِالْكَفِّ مَفْتُوحَةً قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكْفِيَ الضَّرْبُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ.
قَالَ وَهَذِهِ الْهَيْئَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَقِيلَ وَاجِبَةٌ (قُلْتُ وَعُيِّبَ ذَا) عَلَى قَائِلِهِ فَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً وَلَا نَعْلَمُ لَهَا أَصْلًا مُعْتَمَدًا وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَحَدًا مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ وَقَالَ الْجُمْهُورُ: تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ بِرِفْقٍ كَأَخْذِ الدُّيُونِ أَيْ: وَيَكْفِي فِي الصِّغَارِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ وَبِهَذَا فَسَّرَ الْأَصْحَابُ الصَّغَارَ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ تَصْحِيحِهِمْ
[حاشية العبادي]
الْأَمْرَيْنِ بِشَرْطِ الْبَيَانِ
(قَوْلُهُ: وَذِكْرِ جِنْسِهِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتُ خِلَافُ ظَاهِرِ خَبَرِ الْبَيْهَقِيّ السَّابِقِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَأْتُوا بِطَعَامِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَخْ) وَلَوْ لَمْ يَمُرَّ بِهِمْ أَحَدٌ سَنَةً لَمْ يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ عُبَابٌ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِلضَّيْفِ الْمُطَالَبَةُ) قِيلَ كَذَا أَطْلَقُوهُ وَقَضِيَّتُهُ سُقُوطُهُ مُطْلَقًا وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ إنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا مَعْلُومَةً فَلَا يُحْسَبُ هَذَا مِنْهَا، أَمَّا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ ضِيَافَةَ عَشَرَةٍ مَثَلًا كُلَّ يَوْمٍ فَفُوِّتَتْ ضِيَافَةُ الْقَادِمِينَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يُؤْخَذُ بَدَلُهَا لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَيُحْتَمَلُ سُقُوطُهَا وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ الضِّيَافَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَبِيرُ جَدْوَى.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: فَلَا يُحْسَبُ هَذَا مِنْهَا مُتَّجَهٌ جِدًّا لَكِنْ قَدْ يُنَافِيهِ أَنَّهُمْ عَقَّبُوا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ زَائِدَةٌ عَلَى الْجِزْيَةِ.
اهـ.
إذْ قَضِيَّةُ ذَلِكَ سُقُوطُهُ وَإِلَّا جَازَ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ جِزْيَةٌ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ (فَرْعٌ)
وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ الْفَاكِهَةُ الْغَالِبَةُ فِي وَقْتِهَا وَتَزْوِيدُ الضَّيْفِ كِفَايَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عُبَابٌ
(قَوْلُهُ: أَيْ: وَيَكْفِي فِي الصَّغَارِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ) هَذَا لَا يُخَالِفُ مَا مَضَى عِنْدَ قَوْلِ الْمَاتِنِ وَانْقِيَادٍ وَمِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ وَبِانْقِيَادِهِمْ لِأَحْكَامِنَا الَّتِي يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهَا كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ إلَخْ لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ لَا نُؤَاخِذُهُمْ إلَّا بِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ وَلَكِنْ نُقِيمُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُ عِنْدَنَا مِنْ الْقَطْعِ وَالرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ تَرَتُّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ فِي بَابِ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ صَرَّحَ بِأَنَّهُمْ لَا يُحَدُّونَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَرَضَوْا بِحُكْمِنَا وَنَقَلَهُ عَنْ الرَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ الْبُرُلُّسِيِّ (تَنْبِيهٌ)
قَالَ فِي الْعُبَابِ وَلَوْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ الْجِزْيَةَ أَوْ دَيْنَ مُسْلِمٍ مِنْ مَالٍ بِيَدِهِ لَمْ نَعْلَمْ حُرْمَتَهُ وَجَبَ قَبُولُهُ أَوْ نَعْلَمُهُ كَأَنْ بَاعَ خَمْرًا عِنْدَهُ وَقَبَضَهُ حَرُمَ قَبُولُهُ وَإِنْ أَخْبَرَهُ الذِّمِّيُّ بِهِ فَفِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: حَرُمَ قَبُولُهُ قَالَ فِي الْخَادِمِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُكَلَّفُونَ
[حاشية الشربيني]
صَدَقَةٌ.
اهـ.
م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَفِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِوَلَدِهِ فَإِنْ شَرَطَ فَوْقَهَا مَعَ رِضَاهُمْ جَازَ.
اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ حُكْمَ الزَّائِدِ حِينَئِذٍ حُكْمُ الثَّلَاثَةِ (قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لِلضَّيْفِ إلَخْ) أَيْ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضِّيَافَةَ زَائِدَةٌ عَلَى الْجِزْيَةِ شَرْحُ الرَّوْضِ قَالَ شَيْخُنَا أَيْ: فَهِيَ مُوَاسَاةٌ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ.
اهـ.
م ر فِي حَاشِيَتِهِ
(قَوْلُهُ: بَاطِلَةٌ) بَلْ هِيَ حَرَامٌ إنْ تَأَذَّى بِهَا وَإِلَّا كُرِهَتْ.
اهـ.
م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ وق ل عَلَى الْجَلَالِ وَظَاهِرُهُ حَتَّى لَطْمَ الْوَجْهِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُونَهُ) وَهُوَ إلْزَامُهُمْ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ
أَوَّلَ الْبَابِ
(وَلَوْ تَوَكَّلَا) أَيْ: الْمُسْلِمُ فِي دَفْعِهَا عَمَّنْ لَزِمَتْهُ (أَوْ ضَمِنَ الْمُسْلِمُ عَنْهُ) ذَلِكَ (قُبِلَا) أَيْ: صَحَّ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا امْتَنَعَ ذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ عُقُوبَةِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ فَالتَّوْكِيلُ، وَالضَّمَانُ فِي الْعُقُوبَةِ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا
(وَيُضَعِّفُ الزَّكَاةَ عَنْهُ) أَيْ: وَلِلْإِمَامِ إذَا قَالُوا نُعْطِي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ لَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ أَنْ يُضَعِّفَ الزَّكَاةَ (بَدَلَا) عَنْ الدِّينَارِ إذَا كَانَ ذَلِكَ (مَصْلَحَةً) وَتَسْقُطُ عَنْهُمْ الْإِهَانَةُ، وَاسْمُ الْجِزْيَةِ اقْتِدَاءً بِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي نَصَارَى الْعَرَبِ لَمَّا قَالُوا لَهُ نَحْنُ عَرَبٌ لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّيهِ الْعَجَمُ فَخُذْ مِنَّا مَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يَعْنُونَ الزَّكَاةَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فِيهِ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ صَالَحْتُكُمْ عَلَى ضِعْفِ الصَّدَقَةِ أَوْ جَعَلْته عَلَيْكُمْ وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمْ بِالْمَالِ الزَّكَوِيِّ وَقَدْرِ الزَّكَاةِ فَيَأْخُذُ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَيْنِ وَفِي عَشْرٍ أَرْبَعًا وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ وَفِي ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَيْنِ وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَفِي عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا وَخُمُسَ الْمُعْشِرَاتِ إنْ سُقِيَتْ بِلَا مُؤْنَةٍ وَعُشْرَهَا إنْ سُقِيَتْ بِمُؤْنَةٍ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ عَنْهُ بَدَلًا أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الْجِزْيَةِ وَأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْ بَعْضِ النِّصَابِ قِسْطُهُ كَشَاةٍ مِنْ عِشْرِينَ شَاةً وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، فَإِنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ وَهَلْ يُعْتَبَرُ النِّصَابُ كُلَّ الْحَوْلِ أَوْ آخِرَهُ وَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يُقَرُّ بِلَا جِزْيَةٍ وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْوَالِ يُؤْخَذُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ وَلِبَعْضِهِمْ أَنْ يَلْتَزِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَغَرَضُنَا تَحْصِيلُ دِينَارٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْرِيرَ بَعْضِهِمْ بِلَا مَالٍ وَأَجْرَى الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ الْتَزَمَ وَاحِدٌ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَنْهُ وَعَنْ تِسْعَةٍ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا (وَهَلْ كَذَا الْجُبْرَانُ) أَيْ: وَهَلْ يَجُوزُ تَضْعِيفُ الْجُبْرَانِ الْجَوَابُ (لَا) لِئَلَّا يَكْثُرَ التَّضْعِيفُ؛ وَلِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيَقْتَصِرُ بِهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فَلَوْ مَلَكَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ أَخْرَجَ بِنْتَيْ مَخَاضٍ مَعَ إعْطَاءِ الْجُبْرَانِ، أَوْ حِقَّتَيْنِ مَعَ أَخْذِهِ فَيُعْطِي فِي النُّزُولِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَيَأْخُذَ فِي الصُّعُودِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ يُضَعِّفُهُ فَيُعْطِي فِي النُّزُولِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَ شِيَاهٍ أَوْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَيَأْخُذَ فِي الصُّعُودِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ (فَزَادَ إنْ عَنْ قَدْرِ دِينَارٍ نَزَلْ) أَيْ: وَإِذَا عَقَدَ الْإِمَامُ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ زَادَ عَلَى الضِّعْفِ حَتَّى يَبْلُغَ دِينَارًا إنْ نَقَصَ الضِّعْفُ عَنْ قَدْرِ دِينَارٍ (لِكُلِّ رَأْسٍ) ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ سُمِّيَ بِاسْمِ الزَّكَاةِ فَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَؤُلَاءِ حَمْقَى أَبَوْا الِاسْمَ وَرَضُوا بِالْمَعْنَى (وَلْيُنَصِّفْ) أَيْ: وَجَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّفَ الزَّكَاةَ (إنْ عَدَلْ) نِصْفُهَا دِينَارًا أَيْ: وَفَّى بِهِ لِكُلِّ رَأْسٍ فَيَأْخُذَ فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بَعِيرًا بِنْتَ لَبُونٍ وَلَا يَتَعَيَّنُ تَضْعِيفُهَا وَلَا تَنْصِيفُهَا فَيَجُوزُ تَرْبِيعُهَا وَتَخْمِيسُهَا وَنَحْوُهُمَا عَلَى مَا يَرَوْنَهُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فِي الزُّرُوعِ وَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِعْفَ الزَّكَاةِ مَثَلًا وَزَادَ عَلَى دِينَارٍ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ، ثُمَّ سَأَلُوهُ إسْقَاطَ الزِّيَادَةِ، وَإِعَادَةَ اسْمِ الْجِزْيَةِ أُجِيبُوا عَلَى الصَّحِيحِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ
(وَ) لِلْإِمَامِ (أَخْذُ عُشْرٍ مِنْ) بِضَاعَةِ (كَفُورٍ) أَيْ: كَافِرٍ حَرْبِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ (جَالِبِ) لَهَا لِلتِّجَارَةِ (إلَى الْحِجَازِ وَمِنْ) بِضَاعَةِ (الْمُحَارِبْ) أَيْ: الْحَرْبِيِّ الْجَالِبِ لِغَيْرِ الْحِجَازِ وَيَأْخُذُهُ
[حاشية العبادي]
بِالْفُرُوعِ خِلَافًا لِمَا أَجَابَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ أَنَّهُ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ قَالَ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ أَسْلَمَا لَحَلَّتْ الدَّرَاهِمُ لَهُ قَالَ وَهَذَا الْقِيَاسُ عَلَى مَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ تَقْرِيرَ الذِّمِّيِّ عَلَى ثَمَنِ الْخَمْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ رُخْصَةٌ كَمَا يُقَرُّ عَلَى النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ تَقْرِيرِهِ فِيمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ وَلِهَذَا لَا نُفْتِيهِمْ بِجَوَازِهِ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ مَعَ كَثْرَةِ فَوَائِدِهِ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: وَيُضَعِّفُ الزَّكَاةَ عَنْهُ) مُتَعَلِّقٌ بِبَدَلًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ (قَوْلُهُ: فَيَأْخُذُ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَخْ) وَيَأْخُذُ مِنْ مِائَتَيْنِ أَيْ: مِنْ الْإِبِلِ ثَمَانَ حِقَاقٍ أَوْ عَشَرَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَلَا يَأْخُذُ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ قُلْتُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا تَشْقِيصَ أَيْ: هُنَا بِخِلَافِ الزَّكَاةِ رَوْضٌ (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ) الَّذِي فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ قِيَاسُ بَابِ الزَّكَاةِ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ وَقِيَاسُ اعْتِبَارِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ وَالتَّوَسُّطِ آخِرَ الْحَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ تَرْجِيحُ الثَّانِي.
اهـ. (قَوْلُهُ: وَيَأْخُذُ فِي الصُّعُودِ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ ذَلِكَ) هَذَا الْمَحَلُّ يَجِبُ إصْلَاحُهُ فَإِنَّ تَضْعِيفَ الْجُبْرَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ خَاصٌّ بِالنُّزُولِ دُونَ الصُّعُودِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا إذْ كَيْفَ يُعْقَلُ الْقَوْلُ بِأَنَّا نُضَعِّفُ لِلْكَافِرِ الْجُبْرَانَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَّا لِأَجْلِ صُعُودِهِ هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ذَاهِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بُرُلُّسِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إنْ عَنْ قَدْرِ دِينَارٍ نَزَلَ) وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ شَيْءٍ عَلَى الدِّينَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ لِأَجْلِ سُقُوطِ الِاسْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْبِيهِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَحَطِّ الصِّغَارِ عَنْهُمْ بِرّ
(قَوْلُهُ: وَلِلْإِمَامِ أَخْذُ عَشَرٍ مِنْ كَفُورٍ)
[حاشية الشربيني]
مَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ، ثُمَّ رَأَيْت ذَلِكَ بِخَطِّ سَبْطٍ الطَّبَلَاوِيِّ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ) هُوَ الْأَصَحُّ فِي غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ.
اهـ. م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ كَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ (قَوْلُهُ: وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ بَقَاءُ مُوسِرٍ بِلَا جِزْيَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ هُنَا لِلْأَشْخَاصِ بَلْ الْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ هَلْ يَفِي بِرُءُوسِهِمْ أَوْ لَا؟ . اهـ. (قَوْلُهُ: لِئَلَّا يُكْثِرَ التَّضْعِيفَ) أَيْ: لِئَلَّا يُضَعِّفَ الضِّعْفَ.
اهـ.
(فِي الْعَامِ مَرَّةً) وَاحِدَةً (وَإِنْ تَكَرَّرَا) جَلَبَهُ فِي الْعَامِ كَمَا فِي الْجِزْيَةِ هَذَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَأَطْلَقَ فَقِيلَ كَذَلِكَ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمَعْهُودِ الْمَنْقُولِ عَنْ عُمَرَ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ (وَفَوْقَهُ وَنِصْفَهُ) بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ عُشْرٍ أَوْ لَفْظِهِ أَيْ: وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ فَوْقَ الْعُشْرِ إنْ رَضِيَ بِهِ الْكَافِرُ كَمَا فِي زِيَادَةِ الْجِزْيَةِ عَلَى دِينَارٍ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الْعُشْرِ (عَمَّا يَرَى لَنَا إلَيْهِ حَاجَةً) كَالْغَلَّةِ لِيُكْثِرَ جَالِبُهَا (أَوْ أَهْمَلَهْ) أَيْ: وَلَهُ أَنْ يُهْمِلَ الْأَخْذَ أَصْلًا إنْ رَأَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ لِاتِّسَاعِ الْمَكَاسِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَضِيَّةُ تَقْيِيدِهِ بِالْمُحَارِبِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُؤْخَذُ مِنْ تِجَارَتِهِ شَيْءٌ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْبَيَانِ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مَعَ الْجِزْيَةِ شَيْئًا مِنْ تِجَارَتِهِ بِرِضَاهُ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ
(وَأَنْ يُقِرَّ بِالْخَرَاجِ الْمِلْكَ لَهُ) أَيْ: وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّ مِلْكَ الْكَافِرِ فِي يَدِهِ بِخَرَاجٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ أَنَّ الْخَرَاجَ كَالْعُشْرِ الْمَأْخُوذِ مِنْ التِّجَارَةِ يَكُونُ زَائِدًا عَلَى الْجِزْيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الْجِزْيَةُ لَكِنَّهَا جُعِلَتْ عَلَى الْمِلْكِ فَيُقِرُّهُ الْإِمَامُ بِخَرَاجٍ عَلَى مِلْكِهِ أَيْ: عَلَى أَرْضِهِ كَقَفِيزٍ مِنْ كُلِّ جَرِيبٍ مِنْهَا يُؤَدِّيهِ إلَيْنَا كُلَّ عَامٍ سَوَاءٌ زَرَعَهَا أَمْ لَا وَلَهُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَإِجَارَتُهَا مَعَ بَقَاءِ الْخَرَاجِ عَلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ (إلَى الْهُدَى) أَيْ: إلَى إسْلَامِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ مَصْرِفُهُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ دِينَارًا عَنْ كُلِّ حَالِمٍ عِنْدَ التَّوْزِيعِ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَرَاضِيِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ كَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ هَذَا إذَا صَالَحْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ (لَا إنْ مَلَكْنَاهُ) بِأَنْ فَتَحْنَاهُ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا عَلَى أَنَّهُ لَنَا (وَرَدْ) أَيْ: وَرَدَّهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ (بِهِ) أَيْ: بِالْخَرَاجِ فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إجَارَةٌ وَالْمَأْخُوذَ أُجْرَةٌ كَمَا قَالَ.
(قُلْتُ ذَا أَجْرٌ فَلَا نَرْعَى الْعَدَدْ) فِيهِ بَلْ يَجُوزُ نَقْصُهُ عَنْ دِينَارٍ لِكُلِّ رَأْسٍ وَيُؤْخَذُ مِمَّنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مَعَهُ وَالْإِجَارَةُ الْمَذْكُورَةُ مُؤَبَّدَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا بَيَانُ الْمُدَّةِ لِلْحَاجَةِ كَأَرْضِ الْعِرَاقِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِجَارَاتِ
(وَيَأْمَنُ الْمَذْكُورُ) أَيْ: مَنْ عُقِدَ لَهُ الْجِزْيَةُ (فِي) مَالِهِ مِنْ (الْأَمْوَالِ وَالنَّفْسِ وَالزَّوْجَاتِ وَالْأَطْفَال وَخَمْرَةٍ) وَخِنْزِيرٍ وَسَائِرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الْأَمَانَ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ الْحَالِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَأْمَنُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا فَبَذْلُهُ الْجِزْيَةَ إنَّمَا هُوَ لِعِصْمَتِهَا فَيَحْرُمُ إتْلَافُهَا وَعَلَى مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْهَا غَيْرَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا الضَّمَانُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إتْلَافُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا أَظْهَرَهُمَا (وَإِنْ جَرَتْ شَرْطِيَّهْ فَنَاقِصِي قُرْبَاهُ وَالصِّهْرِيَّهْ) أَيْ: وَإِنْ جَرَى مَعَهُ شَرْطُ الْأَمَانِ لِلنَّاقِصِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَصْهَارِهِ وَهُمْ الصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ وَالنِّسَاءُ، وَالْخَنَاثَى، وَالْأَرِقَّاءُ فَيَأْمَنُ فِيهِمْ سَوَاءٌ الْمَحَارِمُ، وَغَيْرُهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِ النَّاقِصِ مِمَّنْ ذُكِرَ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَجْرِ شَرْطٌ (وَاسْتُؤْنِفَ الْعَقْدُ) أَيْ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ (لِكُلِّ مَنْ كَمَلَ) مِنْ النَّاقِصِينَ بِأَنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَظَهَرَتْ ذُكُورَةُ الْخُنْثَى وَعَتَقَ الرَّقِيقُ وَلَا يَكْتَفِي بِعَقْدِ مَتْبُوعِهِ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ بِالْكَمَالِ وَلِوُجُوبِ جِزْيَةٍ أُخْرَى فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ عَقْدٍ آخَرَ
(وَعَنْ بِنَاءِ مُسْلِمٍ جَارٍ) أَيْ: مُجَاوِرٍ لِلذِّمِّيِّ (نَزَلْ) بِنَاءُ الذِّمِّيِّ
[حاشية العبادي]
الَّذِي فِي الرَّوْضِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تِجَارَةِ ذِمِّيٍّ وَلَا ذِمِّيَّةٍ اتَّجَرَتْ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ مَعَ الْجِزْيَةِ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ سَوَاءٌ أَكَانَا بِالْحِجَازِ أَمْ بِغَيْرِهِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ أَنْ يَشْرِطَ مَعَ الْجِزْيَةِ) وَكَتَبَ أَيْضًا نَقَلَ فِي الْخَادِمِ عَنْ صَاحِبِ الذَّخَائِرِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالرَّجُلِ فَلَوْ دَخَلَتْ الْمَرْأَةُ دَارَ الْإِسْلَامِ بِتِجَارَةٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا لِأَنَّ لَهَا الْإِقَامَةَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَبَدًا قَالَ نَعَمْ لَوْ دَخَلَتْ الْحِجَازَ جَازَ الْأَخْذُ مِنْهَا لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ وَفِي نُكَتِ الْعِرَاقِيِّ أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُمَكَّنُ مِنْ دُخُولِ الْحِجَازِ بِتِجَارَةٍ وَأَنَّ الْبُلْقِينِيَّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ النَّصِّ وَأَنَّهُ يَعْنِي الْبُلْقِينِيَّ قَالَ إنَّ الْأَصْحَابَ جَرَوْا عَلَى ذَلِكَ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ فِيمَا سَبَقَ جَوَازُ دُخُولِهِ إذَا لَمْ يَقُمْ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ صِحَاحٍ (قَوْلُهُ: فِي الْعَامِ مَرَّةً) اُنْظُرْ لَوْ تَفَاوَتَ الْقَدْرُ فِي الْمَرَّاتِ وَتَنَازَعَا فِي الْمَرَّةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهَا وَيُتَّجَهُ أَنَّ الْخِبْرَةَ لِلْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ (قَوْلُهُ: هَذَا إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ إلَخْ) الْمُتَبَادَرُ أَنَّ الْمُرَادَ شَرْطٌ فِي الْإِذْنِ لَا فِي الْعَقْدِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ وَأَطْلَقَ
(قَوْلُهُ: بَلْ يَجُوزُ نَقْصُهُ إلَخْ) أَيْ: لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: وَظَهَرَتْ ذُكُورَةُ الْخُنْثَى) لَوْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَوْصَافِ دُونَ الْأَعْيَانِ كَعَقَدْت لِذُكُورِكُمْ عَلَى كَذَا، ثُمَّ ظَهَرَتْ ذُكُورَةُ بَعْضِ خَنَاثَاهُمْ لَمْ يَبْعُدْ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إلَى اسْتِئْنَافِ الْعَقْدِ لَهُ لِتَنَاوُلِ الْعَقْدِ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلِوُجُوبِ جِزْيَةٍ أُخْرَى) كَأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ جِزْيَةِ الْمَتْبُوعِ
(قَوْلُهُ: وَعَنْ بِنَاءِ مُسْلِمٍ جَارٍ نَزَلَ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ وَأَنْ لَا يُسَاوِيَ بِنَاؤُهُمْ بِنَاءَ جِيرَانِهِمْ مِنَّا وَهُمْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ فَإِنْ سَاوَوْهُمْ فِيهِ هُدِمَ الْقَدْرُ الْمَمْنُوعُ وَإِنْ رَضِيَ الْجَارُ بِإِبْقَائِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْهَدْمِ اتَّجَهَ تَقْرِيرُهُ كَعَالٍ اشْتَرَاهُ أَوْ بَنَاهُ قَبْلَ مِلْكِنَا بِلَادِهِمْ أَوْ بِبِلَادٍ فُتِحَتْ صُلْحًا لِتَكُونَ لَنَا أَوْ سَكَنَهُ بِإِعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ لَكِنْ لَا يُطْلِقُهُ بِلَا سُتْرَةٍ إلَخْ.
اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَّجَهَ أَنَّهُ إنْ كَانَ حَكَمَ حَاكِمٌ بِالْهَدْمِ أَوْ الْإِبْقَاءِ اُتُّبِعَ وَإِلَّا فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْهَدْمِ وَفِيمَا إذَا بَاعَهُ لِمُسْلِمٍ قَبْلَ الْهَدْمِ هُوَ التَّقْرِيرُ لَكِنْ الَّذِي كَتَبَهُ بِخَطِّهِ بِهَامِشِ الْأَنْوَارِ، وَالتَّقْرِيرُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَفَرَّقَ بِالتَّرْغِيبِ فِي الْإِسْلَامِ وَبِأَنَّهُ جَازَ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ حُرْمَةٌ كَمَا حَدَثَ لَهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ حُرْمَةٌ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْعِلَّةَ كَوْنُهُ كَافِرًا وَقَدْ زَالَ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُقَرَّرُ إذَا مَلَكَهُ مِنْ مُسْلِمٍ مَعَ بَقَاءِ كُفْرِهِ
[حاشية الشربيني]
رَافِعِيٌّ.
اهـ.
م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ
(قَوْلُهُ: فَنَاقِصِي) جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ: لَا يَأْمَنُ فِي هَؤُلَاءِ إلَّا بِالشَّرْطِ لِبُعْدِهِمْ مِنْهُ بِخِلَافِ زَوْجَاتِهِ وَأَطْفَالِهِ فِيمَا مَرَّ لِقُرْبِهِمْ
(قَوْلُهُ: جَارٍ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ نَقَلَهُ م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الطِّرَازِ الْمُذَهَّبِ
لِخَبَرِ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» وَلِيَتَمَيَّزَ الْبِنَاءَانِ وَلِئَلَّا يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَاتِنَا (قُلْتُ وَلَا يَنْفَعُهُ رِضَاهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ بِعَدَمِ نُزُولِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ الدِّينِ لَا لِمَحْضِ حَقِّ الْجَارِ سَوَاءٌ كَانَ بِنَاءُ الْمُسْلِمِ مُعْتَدِلًا أَمْ فِي غَايَةِ الِانْخِفَاضِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا كَانَ بِنَاءُ الْمُسْلِمِ مِمَّا يُعْتَادُ فِي السُّكْنَى فَلَوْ كَانَ قَصِيرًا لَا يُعْتَادُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ بِنَاؤُهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ هَدَمَهُ أَوْ انْهَدَمَ إلَى أَنْ صَارَ كَذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ الذِّمِّيُّ مِنْ بِنَاءِ جِدَارِهِ عَلَى أَقَلِّ مَا يُعْتَادُ فِي السُّكْنَى لِئَلَّا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ حَقُّهَا الَّذِي عَطَّلَهُ الْمُسْلِمُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ تَعَطَّلَ عَلَيْهِ لِإِعْسَارِهِ وَخَرَجَ بِالْجَارِ غَيْرُهُ كَأَنْ انْفَرَدَ بِمَحَلٍّ بِطَرَفِ الْبَلَدِ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا فَيَجُوزُ رَفْعُ الْبِنَاءِ (وَتُرِكَ) الْبِنَاءُ (الْعَالِي الَّذِي اشْتَرَاهُ) مَثَلًا الذِّمِّيُّ بِحَالِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقَّ الْهَدْمِ؛ لِأَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ طُلُوعِ سَطْحِهِ إلَّا بَعْدَ تَحْجِيرِهِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ وَيُمْنَعُ صِبْيَانُهُمْ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ صِبْيَانِنَا حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فَإِنْ انْهَدَمَ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ امْتَنَعَ الْعُلُوُّ، وَالْمُسَاوَاةُ وَالْبِلَادُ الَّتِي فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنَّهَا لَنَا لَا يُهْدَمُ مِنْهَا بِنَاؤُهُ الْعَالِي، وَيُمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ
. (أَمَّا بِلَادٌ نَحْنُ مُحْدِثُوهَا) كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْقَاهِرَةِ (وَبَلْدَةٌ أَسْلَمَ سَاكِنُوهَا) كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ فَقُلْ (لَا يُحْدِثُونَ) أَيْ: الْكُفَّارُ (بِيَعَةً) وَلَا كَنِيسَةً (فِيهَا وَلَا فِيمَا فَتَحْنَاهُ) (عَنْوَةً) أَيْ: قَهْرًا (مِنْ) بِلَادِ (هَؤُلَا) الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا صَارَ مِلْكًا لَنَا (وَلَا يُقَرُّونَ هُنَا) أَيْ: فِيمَا فَتَحْنَاهُ عَنْوَةً (عَلَى الْبِيَعْ) وَالْكَنَائِسِ (عَلَى الْأَصَحِّ) لِذَلِكَ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يُقَرُّونَ إذْ لَا إحْدَاثَ فِيهِ، وَالْمَصْلَحَةُ قَدْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ، أَمَّا بِلَادٌ إلَى هُنَا مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ الصُّلْحُ وَقَعْ.
بِشَرْطِ) أَنَّ (الْأَرْضِينَ لَنَا وَ) إنْ (يَسْكُنُوا) فِيهَا بِخَرَاجٍ (وَشَرَطُوا) مَعَ ذَلِكَ (الْإِبْقَاءَ) لِلْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ (فِيهَا مُكِّنُوا) مِنْ إبْقَائِهَا لَا مِنْ إحْدَاثِهَا وَكَأَنَّهُمْ اسْتَثْنَوْهَا، وَإِنْ صَالَحُوا عَلَى إحْدَاثِهَا فَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ جَوَازُهُ وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَنْعِهِ (وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ) عَنْ شَرْطِ إبْقَاءِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ
(الْأَصَحُّ امْتَنَعَا) أَيْ: إبْقَاؤُهَا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَلَدَ كُلَّهَا صَارَتْ لَنَا، وَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا امْتِنَاعَ مِنْ بَقَائِهَا وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ بِقَرِينَةِ الْحَالِ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا فِي عِبَادَتِهِمْ (أَوْ) وَقَعَ الصُّلْحُ بِشَرْطِ (أَنَّهَا) أَيْ: الْأَرْضِينَ (لَهُمْ نُقِرُّ الْبِيَعَا) وَالْكَنَائِسَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُمْ وَيَجُوزُ إحْدَاثُهَا أَيْضًا كَمَا قَالَ (وَهِيَ هُنَا عَلَى الْأَصَحِّ تُبْنَى) ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَالدَّارَ لَهُمْ وَلِذَلِكَ يُمَكَّنُونَ مِنْ إظْهَارِ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالصَّلِيبِ وَمَا لَهُمْ مِنْ الْأَعْيَادِ وَنَحْوَ ذَلِكَ دُونَ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَإِيوَاءِ الْجَوَاسِيسِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ (وَمَا نَجِدْ) مِنْ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ (فِي بَلْدَةٍ أَحْدَثْنَا) هَا أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا أَوْ فَتَحْنَاهَا عَنْوَةً (وَمَا عَلِمْنَا أَصْلَهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنْ) أَيْ: أَنَّهُ (كَانَ عَنْهَا) أَيْ: الْبَلْدَةِ (خَارِجًا وَاتَّصَلَا) بِهَا فَيَبْقَى فَإِنْ عَلِمْنَا إحْدَاثَهُ نُقِضَ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَتَرَكَ الْبِنَاءَ الْعَالِيَ الَّذِي اشْتَرَاهُ) يُفِيدُ جَوَازَ التَّحْجِيرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَكَتَبَ أَيْضًا يُفِيدُ جَوَازَ التَّسَاوِي بِالْأَوْلَى وَقِيَاسُ تَحْجِيرِ الْعَالِي تَحْجِيرُ الْمُسَاوِي وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْلِيَةٌ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ صِبْيَانِنَا) هَلْ مَحَلُّهُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِينَ أَوْ غَيْرِ الْمُرَاهِقِينَ رَاجِعْهُ (فَرْعٌ)
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا عَالِيَةً لَمْ يُمْنَعْ مِنْ سُكْنَاهَا بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ فِي الْمُرْشِدِ وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُهُ فِيمَا لَوْ مَلَكَ دَارًا لَهَا رَوْشَنٌ حَيْثُ قُلْنَا لَا يُشْرَعُ لَهَا الرَّوْشَنُ أَيْ: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ لَا يَجْرِي لِأَنَّ التَّعْلِيَةَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَالرَّوْشُ لِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَقَدْ زَالَ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيُمْنَعُ مِنْ الْإِحْدَاثِ) هَلْ مَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا سَكَنَهَا مُسْلِمٌ
(قَوْلُهُ: جَوَازُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَحَمَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَدَمَهُ أَيْ: عَدَمَ الْمَنْعِ عَلَى مَا إذَا دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فَتَحْنَاهَا عَنْوَةً) قِيلَ لَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا كَانَتْ فِي بَرِّيَّةٍ بَعِيدَةٍ حَالَةَ الْفَتْحِ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ الْعِمَارَةُ بِهَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي بِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ هُنَا الْمِلْكُ بِالِاسْتِيلَاءِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْبَلَدِ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ الْبَرَارِيِ.
اهـ.
قُلْت وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَنِيسَةَ بِالْبَرِّيَّةِ لَا تَزِيدُ عَلَى دَارٍ بِالْبَرِّيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَتْحَ عَنْوَةً يَشْمَلُهَا نَعَمْ إنْ شُكَّ فِي عُمُومِ الْفَتْحِ، وَالِاسْتِيلَاءِ لِتِلْكَ الْبَرِّيَّةِ، وَمَا فِيهَا اتَّجَهَ مَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَكَانَ مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ إلَخْ) قِيلَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ، وَالْقَرِيبِ وَحِينَئِذٍ فَالْقَاهِرَةُ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْخَادِمِ وَتَفْرِقَتُهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ لَا يَظْهَرُ وَجْهُهَا وَإِفْتَاءُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَغَيْرِهِ بِهَدْمِ كَنَائِسِ الْقَاهِرَةِ لَعَلَّهُ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْإِحْدَاثِ أَوْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ قَطْعًا إذْ النَّاظِرُ إلَيْهَا يَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ فَضْلًا عَنْ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ.
اهـ.
قُلْت وَقَدْ يُوَجَّهُ فَتْوَى ابْنِ الرِّفْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْإِحْدَاثُ بَلْ وَإِنْ ثَبَتَ عَدَمُهُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ فَتْحُ مِصْرَ عَنْوَةً فَفَتْحُهَا شَامِلٌ لِمَا حَوَالِيِهَا وَمِنْهُ مَحَلُّ الْقَاهِرَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْكَنِيسَةُ مَوْجُودَةً حِينَ الْفَتْحِ فَقَدْ شَمِلَهَا وَصَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا فَمَوْضِعُهَا مَوَاتُ إسْلَامٍ وَهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْهُ أَيْضًا فَلَعَلَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْفَتْحِ فَقَدْ دَخَلَتْ فِيهِ أَوْ أَنَّهَا أُحْدِثَتْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بَعْدَ جَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِالْفَتْحِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ بَلْ جَهِلَ حَالَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: كَالْمَدِينَةِ) فِيهَا وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْحِجَازِ وَهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ سُكْنَاهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ مِثَالٌ لِمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَقَطْ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ.
اهـ.
م ر وع ش (قَوْلُهُ: هُنَا) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ أَسْلَمَ جَمِيعُ سَاكِنِيهِ فَلَا كَافِرَ فِيهِ حَتَّى يُقَرَّ (قَوْلُهُ: يُحْمَلُ إلَخْ) حَاصِلُ مَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّ مَا فُتِحَ عَنْوَةً لَا يُعْمَلُ فِيهَا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ مَا فُتِحَ صُلْحًا، وَالْأَرْضُ لَنَا أَوْ لَهُمْ سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَلَعَلَّهُ الشَّرْحُ الْكَبِيرُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي الصَّغِيرِ
وَقَوْلُهُ وَهِيَ هُنَا إلَى آخِرِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ (وَإِنْ يُرَمِّمْ) أَيْ: الْكَافِرُ الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ الْمُبْقَاةَ إذَا خَرِبَتْ (أَوْ يُعِدْ) هَا إذَا انْهَدَمَتْ (لَا مُوسِعًا) لَهَا (مُكِّنَ) ؛ لِأَنَّهَا مُبْقَاةٌ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَكَانِهَا بِأَنْ يَرُمَّهَا وَيُعِيدَهَا بِمَا تَهَدَّمَ لَا بِآلَاتٍ جَدِيدَةٍ كَمَا هُوَ مَدْلُولُ لَفْظِ التَّرْمِيمِ، وَالْإِعَادَةِ كَذَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ: أَمَّا إذَا أَعَادَهَا مُوَسِّعًا لَهَا فَلَا يُمَكَّنُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي حُكْمِ بِيَعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ مُحْدَثَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْأُولَى
. (وَالْكَافِرُ عَنْهُ دُفِعَا) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْنَا دَفْعُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا عَنْ الذِّمِّيِّ لِعِصْمَتِهِ، وَكَذَا دَفْعُ الْمُسْلِمِ عَنْهُ (لَا إنْ شَرَطْنَا نَفْيَهُ) أَيْ: نَفْيَ الدَّفْعِ عَنْهُ فَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ لِصِحَّةِ الشَّرْطِ لَكِنْ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ طَلَبُ هَذَا الشَّرْطِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ عَجْزِنَا، وَمَحَلُّ صِحَّتِهِ إذَا انْفَرَدَ الذِّمِّيُّ عَنَّا بِبَلَدٍ، أَوْ نَحْوِهَا وَلَمْ يَكُنْ مَمَرُّ مَنْ يَقْصِدُهُ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَيْنَا فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ أَوْ انْفَرَدَ وَكَانَ مَمَرُّ الْقَاصِدِينَ لَهُ عَلَيْنَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَلَا الْعَقْدُ لِتَضَمُّنِهِ تَمْكِينَ الْكُفَّارِ مِنَّا فَإِنْ لَمْ نَدْفَعْ عَنْهُ لَمْ تَجِبْ جِزْيَةٌ ذَلِكَ الْعَامِ.
قَالُوا كَمَا لَا تَجِبُ أُجْرَةُ الدَّارِ إذَا لَمْ يُوجَدْ التَّمْكِينُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَإِنْ لَمْ نَدْفَعْ بَعْضَ الْحَوْلِ سَقَطَ مَا يُقَابِلُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ
. (وَلْيَرْكَبْ) أَيْ: الْكَافِرُ (إنْ شَاءَ) الدَّوَابَّ حَتَّى الْبِغَالَ وَلَوْ نَفِيسَةً (لَا الْخَيْلَ) حَتَّى الْبَرَاذِينَ إذْ فِي رُكُوبِهَا عِزٌّ نَعَمْ إنْ انْفَرَدَ بِبَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِي غَيْرِ دَارِنَا فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْ رُكُوبِهَا وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَقْرَبُ إلَى النَّصِّ عَدَمُ الْمَنْعِ.
قَالَ وَلَوْ اسْتَعَنَّا بِهِ فِي حَرْبٍ حَيْثُ يَجُوزُ فَالظَّاهِرُ تَمْكِينُهُ مِنْ رُكُوبِهَا زَمَنَ الْقِتَالِ، وَإِذَا رَكِبَ فَلْيَرْكَبْ (بِرُكْبِ خَشَبِ) لَا حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ نَحْوِهِ وَيَرْكَبُ عَلَى الْأَكُفِّ دُونَ السَّرْجِ عَرْضًا تَمْيِيزًا لَهُ عَنَّا لِيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ وَيُمْنَعُ مِنْ تَقْلِيدِ السَّيْفِ، وَحَمْلِ السِّلَاحِ وَلُجُمٍ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَكُلُّ هَذَا خَاصٌّ بِأَهْلِ الْجِزْيَةِ إذْ لَا صَغَارَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ، وَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيَنْبَغِي مَنْعُهُمْ مِنْ خِدْمَةِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ كَمَا يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ
(وَمِنْ غِيَارٍ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ، وَزُنَّارٍ بِضَمِّ الزَّايِ (يَلْبَسُونَ) أَيْ: الرِّجَالُ (وَالنِّسَا) وُجُوبًا بِدَارِنَا وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِلتَّمْيِيزِ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَالَحَهُمْ عَلَى تَغَيُّرِ زِيِّهِمْ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلِينَ مَعْرُوفِينَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: وَالْغِيَارُ أَنْ يَخِيطُوا عَلَى ثِيَابِهِمْ الظَّاهِرَةِ مَا يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهَا بِمَوْضِعٍ لَا يُعْتَادُ الْخِيَاطَةُ عَلَيْهِ كَالْكَتِفِ، وَإِلْقَاءِ مِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِ عَلَى الْكَتِفِ كَالْخِيَاطَةِ، ثُمَّ الْأَوْلَى بِالْيَهُودِ الْعَسَلِيُّ وَهُوَ الْأَصْفَرُ، وَبِالنَّصَارَى الْأَزْرَقُ أَوْ الْأَكْهَبُ، وَيُسَمَّى الرَّمَادِيُّ وَبِالْمَجُوسِ الْأَسْوَدُ، أَوْ الْأَحْمَرُ وَالزُّنَّارُ خَيْطٌ غَلِيظٌ يُشَدُّ بِهِ أَوْسَاطُهُمْ خَارِجَ الثِّيَابِ، وَلَيْسَ لَهُمْ إبْدَالُهُ بِمِنْطَقَةٍ، وَمِنْدِيلٍ وَنَحْوِهِمَا.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَيُجْعَلُ الزُّنَّارُ فَوْقَ إزَارِ الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ وَفِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِذَا خَرَجَتْ بِخُفٍّ فَلْيَكُنْ أَحَدُهُمَا بِلَوْنٍ وَالْآخَرُ بِآخَرَ وَإِنْ لَبِسُوا قَلَانِسَ مَيَّزُوهَا عَنْ قَلَانِسِنَا وَيَكْفِي التَّمْيِيزُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ (وَ) يَلْبَسُونَ (مِنْ حَدِيدٍ) أَوْ نَحْوِهِ لَا ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (خَاتَمًا أَوْ جَرَسَا فِي عُنُقِ الرِّجَالِ) الْمُتَجَرِّدِينَ (فِي الْحَمَّامِ) أَوْ غَيْرِهِ، أَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَحْتَجْنَ فِيهِ إلَى التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّهُنَّ مَمْنُوعَاتٌ مِنْ دُخُولِهِ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَنْعِهِنَّ مِنْهُ بِمَا إذَا كَشَفَتْ الْمُسْلِمَاتُ مِنْ جَسَدِهِنَّ زِيَادَةً عَلَى مَا يَبْدُو حَالَ الْمِهْنَةِ وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يُبْدِينَهُ لِلْكَافِرَاتِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
اهـ.
وَتَقَدَّمَ ثَمَّةَ أَنَّ الْأَوْجَهَ خِلَافُ مَا فِي الرَّوْضَةِ
(قُلْت بِلَا وُدٍّ وَلَا احْتِرَامِ) مِنَّا لَهُمْ أَيْ: يَحْرُمُ عَلَيْنَا ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى فِي الْمُوَادَّةِ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] وَيُقَاسُ عَلَيْهَا الِاحْتِرَامُ (وَيَتْرُكُ) الْكَافِرُ لَنَا (الصَّدْرَ مِنْ الطَّرِيقِ) إذَا سَكَنَّاهُ (قُلْتُ وَيُلْجَأُ فِيهِ لِلْمَضِيقِ) لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ فِي وَهْدَةٍ وَلَا يَصْدِمُهُ جِدَارٌ فَإِنْ خَلَتْ الطَّرِيقُ عَنْ الزَّحْمَةِ فَلَا حَرَجَ
. (وَالْخَمْرَ وَالنَّاقُوسَ مَهْمَا أَظْهَرَا وَالِاعْتِقَادَ فِي الْمَسِيحِ) أَيْ: وَمَهْمَا
[حاشية العبادي]
الْفَتْحِ، وَعَدَمَ شُمُولِهِ لَهَا بِنَحْوِ تَغَلُّبِ مَنْ بِهَا تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِالْإِبْقَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: الْمُبْقَاةُ) حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْإِحْدَاثُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: إذَا انْهَدَمَتْ) وَلَوْ بِهَدْمِهِمْ لَهَا تَعَدِّيًا شَرْحٌ رَوْضٌ (قَوْلُهُ: كَذَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ) زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ أَنَّهَا تُرَمَّمُ بِآلَاتٍ جَدِيدَةٍ.
اهـ.
وَيُتَّجَهُ عَلَى مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ الْجَدِيدَةِ مَا لَمْ يَحْتَجْ لَهَا لِنَحْوِ تَلَفِ الْقَدِيمَةِ
(قَوْلُهُ: أَوْ انْفَرَدَ وَكَانَ مَمَرُّ الْقَاصِدِينَ لَهُ عَلَيْنَا) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مُجَاوِرًا لَنَا أَوْ لَا لَكِنْ عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَإِنْ عُقِدَتْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَذُبَّ عَنْهُمْ مَنْ يَمُرَّ بِنَا وَهُمْ مُجَاوِرُونَ لَنَا فَسَدَ الْعَقْدُ.
اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَذُبَّ عَنْهُمْ مَنْ لَا يَمُرُّ بِنَا أَوْ يَمُرُّ بِنَا وَهُمْ غَيْرُ مُجَاوِرِينَ لَنَا.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ دَارِنَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِانْفِرَادِهِمْ بِمَا ذُكِرَ فِي دَارِنَا وَأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: عَرْضًا) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِأَنْ يَجْعَلُوا أَرْجُلَهُمْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ قَالَ فِي الْأَصْلِ وَيَحْسُنُ أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَرْكَبُوا إلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ إلَى بَعِيدَةٍ فَيُمْنَعُونَ فِي الْحَضَرِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمَا) أَيْ: فَلَهُمْ رُكُوبُ الْخَيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُنَّ مَمْنُوعَاتٌ) هَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ دُخُولِ رِجَالِهِمْ مَعَ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: حَتَّى الْبَرَاذِينِ) أَيْ: النَّفِيسَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَحَمْلُ السِّلَاحِ) أَيْ: فِي غَيْرِ الْأَسْفَارِ الْمَخُوفَةِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَشَارَ إلَى تَصْحِيحِهِ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ
أَظْهَرَ الذِّمِّيُّ بِدَارِنَا الْخَمْرَ أَوْ النَّاقُوسَ أَوْ اعْتِقَادَهُ فِي الْمَسِيحِ أَوْ عُزَيْرٍ أَوْ نَحْوَهَا كَالْخِنْزِيرِ وَالْأَعْيَادِ (عُزِّرَا) وَلَا يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ عَهْدُهُ وَإِنْ شَرَطَ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ، أَوْ نَقَضَ الْعَهْدَ بِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَتَضَرَّرُ بِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتَدَيَّنُ بِهِ بِخِلَافِ الْقِتَالِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَأْتِي
(وَانْتَقَضَ الْعَهْدُ) الَّذِي لَهُ (بِجِزْيَةٍ مَنَعْ) أَيْ: بِمَنْعِهِ الْجِزْيَةَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا هَكَذَا.
قَالَ الْأَصْحَابُ وَخَصَّهُ الْإِمَامُ بِالْقَادِرِ، أَمَّا الْعَاجِزُ إذَا اُسْتُمْهِلَ فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ.
قَالَ وَلَا يَبْعُدُ أَخْذُهَا مِنْ الْمُوسِرِ قَهْرًا وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ وَيُخَصُّ قَوْلُهُمْ بِالْمُتَغَلِّبِ الْمُقَاتِلِ.
اهـ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ مَفْهُومٌ مِنْ تَعْبِيرِ الْأَصْحَابِ بِالْمَنْعِ (وَبِقِتَالٍ) مِنْهُ لَنَا بِلَا شُبْهَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعَانَ الْبُغَاةَ كَمَا مَرَّ (وَتَمَرُّدٍ وَقَعْ) مِنْهُ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الِانْقِيَادِ لِأَحْكَامِنَا بِالْقُوَّةِ وَالْعُدَّةِ لَا بِالْهَرَبِ كَمَا أَفْهَمَهُ تَعْبِيرُهُ بِالتَّمَرُّدِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَأَطْلَقَ غَيْرُهُمَا ذَلِكَ وَهُوَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ شَرَطَ الِانْتِقَاضَ بِذَلِكَ أَمْ لَا وَلِهَذَا أَطْلَقَ فِيهِ وَقَيَّدَ بِالشَّرْطِ فِيمَا سَيَأْتِي، وَوَجْهُ الِانْتِقَاضِ بِهِ مُخَالَفَتُهُ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ (وَاغْتِيلَ) مُنْتَقِضُ الْعَهْدِ بِالْقِتَالِ (قَتْلًا) أَيْ: بِالْقَتْلِ إذْ لَا وَجْهَ لِإِبْلَاغِهِ مَأْمَنَهُ مَعَ نَصْبِهِ الْقِتَالَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَفْعِهِ بِالِاسْتِئْصَالِ، أَمَّا مُنْتَقِضُ الْعَهْدِ بِمَنْعِ الْجِزْيَةِ أَوْ بِالتَّمَرُّدِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ مَعَ مُنْتَقِضِ الْعَهْدِ بِمَا سَيَأْتِي هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ، وَأَخَذَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَاوِي بِظَاهِرِ كَلَامِهِ فَجَعَلَ الِاغْتِيَالَ رَاجِعًا إلَى مُنْتَقِضِ الْعَهْدِ بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ
(وَبِشَرْطٍ) بِالتَّنْوِينِ أَيْ: يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ إنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا مَرَّ وَبِشَرْطِ الِانْتِقَاضِ (إنْ قَذَفْ مُسْلِمًا) وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِهِ (أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ أَوْ وَصَفْ نَبِيَّنَا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ (عَلَى خِلَافِ مَا اعْتَقَدْ) كَنِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا أَوْ الطَّعْنِ فِي نَسَبِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَفَهُ عَلَى وَفْقِ اعْتِقَادِهِ كَقَوْلِهِ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ أَوْ إنَّهُ قَتَلَ الْيَهُودَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ شَرَطَ الِانْتِقَاضَ بِهِ وَقَوْلُهُ نَبِيَّنَا مِنْ إقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحُكْمَ جَارٍ فِي كُلِّ نَبِيٍّ وَإِنَّ وَصْفَ اللَّهِ بِمَا ذُكِرَ كَوَصْفِ نَبِيِّهِ بَلْ أَوْلَى (أَوْ قَتَلَ النَّفْسَ) أَيْ: الْمُسْلِمَةَ كَمَا قَيَّدَ بِهَا فِي التَّنْبِيهِ (بِمُوجِبِ الْقَوَدْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ عَلَى الْقَاتِلِ كَذِمِّيٍّ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا لَقُتِلَ بِهِ (أَوْ فَتَنَ الْمُسْلِمَ) عَنْ دِينِهِ أَوْ دَعَاهُ إلَى دِينِهِ (أَوْ تَطَلَّعَا) عَلَى (عَوْرَاتِنَا) وَبَلَّغَهَا إلَى الْحَرْبِيِّينَ (أَوْ الطَّرِيقَ قَطَعَا) عَلَى مُسْلِمٍ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْأُمِّ، وَالْمُخْتَصَرِ، وَالتَّنْبِيهِ (أَوْ طَعَنَ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَا) أَيْ: طَعَنَ فِي أَحَدِهِمَا بِمَا لَا يَتَدَيَّنُ بِهِ بِخِلَافِ طَعْنِهِ بِمَا يَتَدَيَّنُ بِهِ كَقَوْلِهِ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (أَوْ يُؤْوِي الْعَيْنَ لَهُمْ) أَيْ: جَاسُوسًا لِلْحَرْبِيِّينَ (أَوْ زَانَى مُسْلِمَةً) أَيْ: زَنَى بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِإِسْلَامِهَا (وَلَوْ بِعَقْدٍ) لِنِكَاحٍ عَلَيْهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاظِمُ مِنْ زِيَادَتِهِ وَعَطَفَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا هَذَا عَلَى الزِّنَا فَقَالَ وَلَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ، أَوْ أَصَابَهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ أَيْ: وَاقِعٍ حَالَ إسْلَامِهَا فَلَوْ عَقَدَهُ عَلَى كَافِرَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فَأَصَابَهَا فِي الْعِدَّةِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ فَقَدْ يُسْلِمُ فَيَسْتَمِرُّ نِكَاحُهَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ لِوَاطَهُ بِمُسْلِمٍ كَزِنَاهُ بِمُسْلِمَةٍ، أَمَّا إذَا لَمْ يَشْرِطْ انْتِقَاضَ عَهْدِهِ بِذَلِكَ فَلَا انْتِقَاضَ بِهِ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا انْتِقَاضَ بِهِ وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ، وَسَوَاءٌ انْتَقَضَ عَهْدُهُ أَمْ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ مُوجِبِ مَا فَعَلَهُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ فَلَوْ قُتِلَ بِقَوَدٍ أَوْ حَدٍّ كَرَجْمٍ، وَفَرَّعْنَا عَلَى الِانْتِقَاضِ فَهَلْ يَصِيرُ مَالُهُ فَيْئًا وَجْهَانِ رَجَّحَ مِنْهُمَا الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ فَيْئًا.
قَالَ؛ لِأَنَّهُ حَرْبِيٌّ مَقْتُولٌ وَمَالُهُ تَحْتَ أَيْدِينَا لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِأَقَارِبِهِ الذِّمِّيِّينَ لِعَدَمِ التَّوَارُثِ وَلَا لِلْحَرْبِيِّينَ؛ لِأَنَّا إذَا قَدَرْنَا عَلَى مَالِهِمْ أَخَذْنَاهُ فَيْئًا، أَوْ غَنِيمَةً، وَشَرْطُ الْغَنِيمَةِ هُنَا لَيْسَ مَوْجُودًا
(وَلْيَصِرْ) مُنْتَقِضُ الْعَهْدِ (عَلَى الصَّحِيحِ مِثْلَ كَامِلٍ أُسِرْ) فَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يُلْحِقَهُ بِمَأْمَنِهِ بَلْ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا أَمَانَ لَهُ كَالْحَرْبِيِّ نَعَمْ إنْ طَلَبَ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ وَجَبَ إجَابَتُهُ إلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ الْمَزِيدِ عَلَى الْحَاوِي أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ كَمَنْ أَمَّنَهُ صَبِيٌّ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَاكَ يَعْتَقِدُ لِنَفْسِهِ أَمَانًا وَهَذَا فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ مَا أَوْجَبَ الِانْتِقَاضَ وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ الدَّاخِلَ بِهُدْنَةٍ، أَوْ أَمَانٍ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ إذَا انْتَقَضَ عَهْدُهُ مَعَ أَنَّ حَقَّ الذِّمِّيِّ آكَدُ مِنْهُ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ مُلْتَزِمٌ لِأَحْكَامِنَا، وَبِالِانْتِقَاضِ زَالَ الْتِزَامُهُ لَهَا بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُلْتَزِمًا لَهَا، وَقَضِيَّةُ الْأَمَانِ رَدُّهُ إلَى
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: بِلَا شُبْهَةٍ) هَلْ يَخْرُجُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ بِقِتَالٍ
(قَوْلُهُ: أَوْ سَبَّ النَّبِيَّ) قَالَ الشَّارِحُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُنْتَقَضُ الْعَهْدُ فِيهَا إنْ شَرَطَ وَإِلَّا فَلَا يَسُبُّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ شَيْخُنَا الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ بْنُ السُّبْكِيّ فِي التَّوْشِيحِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ عَدَمِ الِانْتِقَاضِ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ عَلَى مَنْ سَبَّ الرَّسُولِ وَصَحَّحَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ انْتِقَاضِ الْعَهْدِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: عَنْ دِينِهِ) أَيْ: الْمُسْلِمِ، وَقَوْلُهُ: إلَى دِينِهِ أَيْ: الْفَاتِنِ (قَوْلُهُ: بِمَا لَا يَتَدَيَّنُ بِهِ) قَدْ يُمَثَّلُ لَهُ بِقَوْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ إنَّهُ مُتَنَاقِضُ الْمَعْنَى فَاسِدُ الْوَضْعِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَصِيرُ) فِيهَا جَزَمَ بِهِ الرَّوْضُ
(قَوْلُهُ: وَجَبَ إجَابَتُهُ) سَيَأْتِي بَحْثُ الْبُلْقِينِيِّ فِيمَنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِالْقِتَالِ أَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إرْقَاقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ عَلَى قِيَاسِهِ أَنْ يَقُولَ بِهِ هُنَا لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِ بِرّ (قَوْلُهُ: وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ)
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَإِنْ شَرَطَ الِامْتِنَاعَ إلَخْ) وَيَكُونُ الشَّرْطُ لِمُجَرَّدِ التَّخْوِيفِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِإِيجَابِهِ الْقَوَدَ تَدَبَّرْ
مَأْمَنِهِ (وَامْتَنَعَ اسْتِرْقَاقُهُ إنْ اهْتَدَى) أَيْ: أَسْلَمَ (مِنْ قَبْلِ مَا اخْتَارَ الْإِمَامُ) فِيهِ (الْأَجْوَدَا) لَنَا وَخَالَفَ الْأَسِيرَ إذَا أَسْلَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ بِالْقَهْرِ فَخَفَّ أَمْرُهُ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ، وَفِدَاؤُهُ إذْ لَا يُفْدَى إلَّا مِنْ قَتْلٍ، أَوْ إرْقَاقٍ، وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْهُمَا فَيَبْقَى الْمَنُّ فَلَوْ قَالَ النَّاظِمُ وَامْتَنَعَ غَيْرُ الْمَنِّ كَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ إلَّا أَنَّهُ تَبِعَ الْحَاوِيَ وَكَثِيرًا فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ الْمُوهِمِ خِلَافَ الْمُرَادِ حَتَّى قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَاوِي وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَيَبْقَى الْمَنُّ، وَالْفِدَاءُ.
اهـ.
وَجَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ، ثُمَّ مَحَلُّ امْتِنَاعِ إرْقَاقِهِ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ فَإِنْ قَاتَلَنَا فَكَالْأَسِيرِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إرْقَاقُهُ، أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الرِّقِّ فَيُرَقُّ، أَوْ الْقَتْلِ فَيُطْلَقُ أَوْ الْمُفَادَاةِ فَتَلْزَمُ
(وَلَيْسَ بِالْبُطْلَانِ فِي أَمَانِهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ الْكَامِلِينَ (يَبْطُلُ) الْأَمَانُ (لِلنِّسَا) أَيْ: نِسَائِهِمْ (وَلَا صِبْيَانِهِمْ) وَسَائِرِ غَيْرِ الْكَامِلِينَ إذْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ نَاقِضَةٌ فَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ، وَلَا إرْقَاقُهُمْ (وَجَائِزٌ تَقْرِيرُهُمْ) فِي دَارِنَا (وَمَنْ طَلَبْ مِنْ النِّسَاءِ) أَوْ الْمَجَانِينِ إذَا أَفَاقَ (دَارَ حَرْبٍ) أَيْ: الْعَوْدَ إلَيْهَا (فَلْيُجَبْ) إلَيْهِ (وَمَا كَذَا الصِّبْيَانُ) فَلَا يُجَابُونَ إلَيْهِ إذَا طَلَبُوهُ إذْ لَا حُكْمَ لِاخْتِيَارِهِمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ؛ وَلِأَنَّهُمْ بَعْدَهُ بِصَدَدِ أَنْ يَعْقِدَ لَهُمْ الْجِزْيَةَ، فَلَا يَفُوتُ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَإِذَا بَلَغُوا وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ فَذَاكَ، وَإِلَّا أُلْحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ (قُلْتُ إنْ قَصَدْ) أَيْ: طَلَبَ (رَدَّ الصَّبِيِّ) إلَى دَارِ الْحَرْبِ (مَنْ لَهُ) عَلَيْهِ (الْحَضْنُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ: الْحَضَانَةُ (يُرَدْ) إلَيْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَبَهُ مَنْ لَا حَضَانَةَ لَهُ عَلَيْهِ
(خَاتِمَةٌ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَدْيَانَهُمْ، وَحِلَاهُمْ فَيَتَعَرَّضُ لِسِنِّهِ أَهُوَ شَيْخٌ أَمْ شَابٌّ وَلِلَوْنِهِ مِنْ شُقْرَةٍ، وَسُمْرَةٍ، وَغَيْرِهِمَا وَيَصِفُ وَجْهَهُ، وَلِحْيَتَهُ، وَجَبْهَتَهُ، وَحَاجِبَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَشَفَتَيْهِ وَأَنْفَهُ وَأَسْنَانَهُ وَآثَارَ وَجْهِهِ إنْ كَانَ فِيهِ آثَارٌ، وَيَجْعَلُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ عَرِيفًا يَضْبِطُهُمْ لِمَعْرِفَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَمَنْ مَاتَ وَمَنْ بَلَغَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ، وَلِيُحْضِرَهُمْ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَالشَّكْوَى إلَيْهِ مِمَّنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ مِنَّا وَمَنْ يَتَعَدَّى مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرِيفُ لِلْفَرْضِ الثَّانِي ذِمِّيًّا لَا لِلْأَوَّلِ إذْ لَا يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ
(فَصْلٌ فِي) بَيَانِ (الْهُدْنَةِ) . وَهِيَ مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتُسَمَّى أَيْضًا مُوَادَعَةٌ وَمُسَالَمَةٌ وَمُهَادَنَةٌ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْهُدُونِ وَهُوَ السُّكُونُ يُقَالُ هَدَنْت الرَّجُلَ وَأَهْدَنْتُهُ إذَا سَكَّنْته وَهَدَنَ هُوَ سَكَنَ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: 2] أَيْ: كُونُوا آمَنِينَ فِيهَا ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61] «وَمُهَادَنَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» كَمَا رَوَاهَا الشَّيْخَانِ وَهِيَ جَائِزَةٌ لَا وَاجِبَةٌ
(إمَامُنَا وَنَائِبُ الْعُمُومِ) أَيْ: وَنَائِبُهُ الْعَامُّ بَلْ أَوْ الْخَاصُّ بِهَا (يُهَادِنَانِ كَافِرِي إقْلِيمِ) كَالْهِنْدِ وَالرُّومِ، وَكَذَا الْكُفَّارُ مُطْلَقًا وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُهُ كَأَصْلِهِ خِلَافَهُ (وَ) يُهَادِنُ (مَنْ يَلِيهِ) أَيْ: الْإِقْلِيمَ أَيْ: وَإِلَيْهِ (بَلْدَةً) أَيْ: أَهْلَ بَلْدَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ لِتَفْوِيضِ مَصْلَحَةِ الْإِقْلِيمِ إلَيْهِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَيَرِدُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ الْبَلْدَةُ فِي إقْلِيمِهِ وَلَكِنَّهَا مُجَاوِرَةٌ لَهُ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ لِأَهْلِ إقْلِيمِهِ فِي الْهُدْنَةِ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ إقْلِيمِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْقُصُورُ فِي كَلَامِهِمْ عَلَى بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْإِقْلِيمِ لَا مَعْنَى لَهُ فَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ إلَى مُهَادَنَةِ أَهْلِ بِلَادٍ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّظْمِ كَالرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّهُ لَا يُهَادِنُ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ وَبِهِ صَرَّحَ الْفُورَانِيُّ لَكِنْ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَخَرَجَ بِالْإِمَامِ، وَنَائِبِهِ الْآحَادُ فَلَيْسَ لَهُمْ الْمُهَادَنَةُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْعِظَامِ فَاخْتُصَّتْ بِالْإِمَامِ وَنَائِبِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَعْرَفُ بِالْمَصَالِحِ وَأَقْدَرُ عَلَى التَّدْبِيرِ مِنْهُمْ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ مِنْهُمْ لَرُبَّمَا أَدَّى إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ فَلَوْ عَقَدَهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَدَخَلَ قَوْمٌ مِمَّنْ هَادَنَهُمْ دَارَنَا لَمْ يُقَرُّوا لَكِنْ يُلْحَقُونَ بِمَأْمَنِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا عَلَى اعْتِقَادِ صِحَّةِ أَمَانِهِ وَإِنَّمَا يُهَادِنُ مَنْ ذُكِرَ (إنْ تَظْهَرْ) لَهُ (مَصْلَحَةٌ) لَنَا كَقِلَّتِنَا أَوْ قِلَّةِ مَا لَنَا أَوْ تَوَقُّعِ إسْلَامِهِمْ بِاخْتِلَاطِهِمْ بِنَا أَوْ الطَّمَعِ فِي قَبُولِهِمْ الْجِزْيَةَ بِلَا قِتَالٍ وَإِنْفَاقِ مَالٍ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مَصْلَحَةٌ لَمْ يُهَادَنُوا بَلْ يُقَاتَلُوا إلَى أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ [محمد: 35] الْآيَةَ (أَرْبَعَةً مِنْ أَشْهُرِ) فَأَقَلَّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِنَا ضَعْفٌ.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَقْوَى مَا كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ أَيْضًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادَنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَسْلَمَ قَبْلَ مُضِيِّهَا» وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيمَا ذُكِرَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ
[حاشية العبادي]
أَيْ: الصَّحِيحُ (قَوْلُهُ: إنْ اهْتَدَى) أَيْ: بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْحَاشِيَةِ السَّابِقَةِ
(قَوْلُهُ: يَبْطُلُ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بِالْبُطْلَانِ إلَخْ وَكَذَا بَيْنَ قَوْلِهِ لِلنِّسَاءِ وَقَوْلِهِ صِبْيَانِهِمْ
[خَاتِمَةٌ يَكْتُبُ الْإِمَامُ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ أَسْمَاءَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَحِلَاهُمْ]
(قَوْلُهُ: لِلْفَرْضِ الثَّانِي) أَيْ: لِيُحْضِرَهُمْ، وَقَوْلُهُ: لَا لِلْأَوَّلِ أَيْ: مَعْرِفَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إلَخْ
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْهُدْنَةِ]
(فَصْلٌ فِي الْهُدْنَةِ) (قَوْلُهُ: بِعِوَضٍ) ظَاهِرُ عِبَارَتِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَنْقُصَ عَنْ دِينَارٍ كَالْجِزْيَةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَوْ يُعَيِّنُهُ الْجَوَازُ بِلَا عِوَضٍ رَأْسًا (قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى أَيْضًا) أَيْ: كَمَا تُسَمَّى هُدْنَةً وَكَتَبَ أَيْضًا كَمَا تُسَمَّى مُصَالَحَةً
(قَوْلُهُ: بَلْ أَوْ الْخَاصُّ بِهَا) فَلَمْ يَحْتَرِزْ الْمُصَرِّحُ بِقَيْدِ الْعُمُومِ إلَّا عَنْ الْخَاصِّ بِغَيْرِهَا
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: لَكِنْ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ إلَخْ) هُوَ الْوَجْهُ بَلْ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ.
اهـ.
حَاشِيَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ
؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا وَأَذِنَ فِي الْهُدْنَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَالزَّائِدُ بَاقٍ عَلَى الْمَنْعِ (أَوْ مَا) أَيْ: مُدَّةً (يَشَاءُ) هَا فُلَانٌ وَهُوَ (مُسْلِمٌ عَدْلٌ قَنَى رَأْيًا) أَيْ: اقْتَنَاهُ سَوَاءٌ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فَإِذَا نَقَضَهَا انْتَقَضَتْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشَاءَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا وَلَا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عِنْدَ ضَعْفِنَا وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَمَنْ لَا رَأْيَ لَهُ، وَكَذَا هَادَنْتُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ لِلْجَهَالَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هَادَنْتُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ» ؛ فَلِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْوَحْيِ
(وَ) يُهَادِنُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
(عَشْرَ حِجَجٍ) أَيْ: عَشْرَ سِنِينَ فَأَقَلَّ (لِضَعْفِنَا) أَيْ: عِنْدَ ضَعْفِنَا «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ» كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَالْحَاجَةُ بَاقِيَةٌ اُسْتُؤْنِفَ عَقْدٌ وَلَوْ اُحْتِيجَ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْعَشْرِ عُقِدَ عَلَى عَشْرٍ، ثُمَّ عَشْرٍ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْأُولَى جَزَمَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَمَا شَمِلَهُ قَوْلُهُ (وَمَا يَزِدْ) الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا وَعَشْرِ سِنِينَ عِنْدَ ضَعْفِنَا (يَبْطُلُ) فِيهِ الْعَقْدُ دُونَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْفُسِهِمْ، أَمَّا أَمْوَالُهُمْ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ لَهَا مُؤَبَّدًا وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ الْمُهَادَنَةَ مَعَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ مِنْ الْمُدَّتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ (وَمَا أُطْلِقَ) عَنْ ذِكْرِ الْمُدَّةِ (مِنْ عَقْدٍ) لِلْهُدْنَةِ يَبْطُلُ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوعَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الْإِمَامُ مَتَى شَاءَ (وَبِالْتِزَامِ مَالٍ) أَيْ: بِشَرْطِ الْتِزَامِهِ لَهُمْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ (إنْ أَمِنْ) مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِفَسَادِ الشَّرْطِ وَإِلَّا كَأَنْ خَافُوا مِنْهُمْ الِاصْطِلَامَ لِإِحَاطَتِهِمْ بِهِمْ أَوْ كَانُوا يُعَذِّبُونَ أَسْرَانَا فَيَجُوزُ الْتِزَامُ الْمَالِ، وَبَذْلُهُ دَفْعًا لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا بَلْ يَجِبُ بَذْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِلضَّرُورَةِ.
قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَاسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي السِّيَرِ مِنْ نَدْبِ فَكِّ الْأَسْرَى وَأُجِيبُ عَنْهُ بِحَمْلِ مَا هُنَاكَ عَلَى عَدَمِ تَعْذِيبِ الْأَسْرَى أَوْ خَوْفِ اصْطِلَامِهِمْ، وَهَلْ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحِيحٌ؟ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: عِبَارَةُ كَثِيرٍ تُفْهِمُ صِحَّتَهُ وَهُوَ بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ بُطْلَانُهُ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ.
اهـ.
وَلَا يَمْلِكُونَ مَا أَخَذُوهُ لِأَخْذِهِمْ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ
(وَشَرْطُ تَرْكِ مُسْلِمٍ وَمَا لَهْ مَعَهُمْ وَرَدِّ مَنْ أَبَتْ ضَلَالَهْ) أَيْ: كُفْرًا أَيْ: وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِشَرْطِ تَرْكِ مُسْلِمٍ أَسِيرٍ، أَوْ مَالِهِ مَعَهُمْ أَوْ رَدِّ مُسْلِمَةٍ إلَيْهِمْ وَلَوْ أَمَةً أَوْ كَانَ لَهَا عَشِيرَةٌ لِفَسَادِ الشَّرْطِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: 35] وَفِي ذَلِكَ إهَانَةٌ يَنْبُو عَنْهَا الْإِسْلَامُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ «أَنَّهُ جَاءَتْ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] فَامْتَنَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَدِّهِنَّ» ، وَسَوَاءٌ جَاءَتْ مُسْلِمَةً أَمْ أَسْلَمَتْ بَعْدَمَا جَاءَتْ وَمَنْ جَاءَتْ مَجْنُونَةً لَا تُرَدُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْجُنُونِ فَإِنْ أَفَاقَتْ وَلَمْ تُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ رَدَدْنَاهَا، وَإِنَّمَا عَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ مَجْنُونَةً فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَدَّ وَلَوْ جَاءَتْ صَبِيَّةٌ مُمَيِّزَةٌ تَصِفُ الْإِسْلَامَ.
لَمْ تُرَدَّ فَإِنْ بَلَغَتْ وَوَصَفَتْ الْكُفْرَ رُدَّتْ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ، وَمَالِهِ الْكَافِرُ، وَمَالُهُ فَيَجُوزُ شَرْطُ تَرْكِهِمَا وَبِالْمُسْلِمَةِ الْكَافِرَةُ وَالْمُسْلِمُ فَيَجُوزُ شَرْطُ رَدِّهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَ) جَازَ (بَعْدَ الْإِنْذَارِ) أَيْ: بَعْدَ إعْلَامِهِمْ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بِمَا مَرَّ أَوْ نَحْوِهِ وَإِبْلَاغِهِمْ مَأْمَنَهُمْ إنْ كَانُوا بِبِلَادِنَا (الْقِتَالُ) فَلَا يَجُوزُ اغْتِيَالُهُمْ، فَإِنْ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ جَازَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: مَا كَانَ) أَيْ: حَالٌ وَقَوْلُهُ: عِنْدَ مُنْصَرِفِهِ خَبَرٌ ثَانٍ لَكَانَ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَالْحَاجَةُ بَاقِيَةٌ إلَخْ) وَزَالَتْ الْحَاجَةُ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ وَجَبَ إتْمَامُهَا عب (قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ الْتِزَامُ الْمَالِ إلَخْ) يَدُلُّ لِذَلِكَ مَا هَمَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إعْطَاءِ الْأَحْزَابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ الصُّلْحَ عَلَى ثُلُثِ تَمْرِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا حَكَاهُ أَرْبَابُ الْمَغَازِي
(قَوْلُهُ: وَمَالَهُ) يَنْبَغِي نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ مَعْمُولِ الْمَصْدَرِ وَهُوَ مُسْلِمٍ (قَوْلُهُ: أَسِيرٌ) خَرَجَ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فِي الصَّفْحَةِ الْآتِيَةِ وَبِالْمُسْلِمَةِ الْكَافِرَةُ، وَالْمُسْلِمُ (قَوْلُهُ: كَافِرٌ) شَمِلَ الذِّمِّيَّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ جَازَ قِتَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ إلَخْ) الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذِكْرَ الشَّارِحِ لِهَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ غَيْرُ مُتَّجَهٍ بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَحْكَامِ عُرُوضِ النَّقْضِ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَأْتِي، وَأَمَّا فَسَادُ الْعَقْدِ بِشَيْءٍ مِمَّا سَلَفَ فَالْوَجْهُ فِيهِ الْإِنْذَارُ مُطْلَقًا وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِثْلُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ لَكِنْ الرَّوْضُ وَأَصْلُهُ لَمْ يَذْكُرَا جَوَازَ الْقِتَالِ بِلَا إنْذَارٍ إذَا كَانُوا بِبِلَادِهِمْ إلَّا فِي مَسَائِلِ النَّقْضِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لَهُ فِي مَسَائِلِ الْفَسَادِ
[حاشية الشربيني]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مَا أَتَوْا بِهِ نَاقِضٌ لِآيَةِ ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: 12] وَلِصَيْرُورَتِهِمْ حِينَئِذٍ كَمَا كَانُوا قَبْلَ الْمُهَادَنَةِ (وَنَفْي) نَحْنُ وُجُوبًا لَهُمْ (بِالشَّرْطِ إنْ صَحَّ وَإِنْ خَوْفٌ نُفِيَ) أَيْ: وَإِنْ زَالَ عَنَّا الْخَوْفُ الَّذِي عُقِدَ لِأَجْلِهِ وَمِثْلُهُ الضَّعْفُ وَيَسْتَمِرُّ الْوَفَاءُ (إلَى صُدُورِ النَّقْضِ مِنْهُمْ) أَوْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] وَقَالَ ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: 4] وَيَحْصُلُ النَّقْضُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ وَبِقِتَالِنَا وَبِمُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ الْإِمَامُ وَكُلَّمَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا لِعَهْدِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَهُوَ نَاقِضٌ لِعَهْدِ الْهُدْنَةِ لِضَعْفِهَا، وَقُوَّةِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِالْجِزْيَةِ وَلَوْ نَقَضَهُ بَعْضُهُمْ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ انْتَقَضَ فِيهِمْ أَيْضًا
(وَإِذَا أَمَارَةُ النَّقْضِ تَبَدَّتْ) أَيْ: ظَهَرَتْ مِنْهُمْ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ لَكِنْ (نُبِذَا) أَيْ: نَبَذَهُ الْإِمَامُ جَوَازًا.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ [الأنفال: 58] الْآيَةَ بِخِلَافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يُنْبَذُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُؤَبَّدٌ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَهَا فِي قَبْضَتِنَا فَيَسْهُلُ التَّدَارُكُ عِنْدَ ظُهُورِ الْخِيَانَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ جَانِبُهُمْ، وَلِهَذَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ بِخِلَافِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَجَرَوْا فِي التَّعْلِيلِ الثَّانِي عَلَى الْغَالِبِ مِنْ كَوْنِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِبِلَادِنَا، وَأَهْلِ الْهُدْنَةِ بِبِلَادِهِمْ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي جَوَازِ النَّبْذِ بِالْخَوْفِ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ (وَ) إذَا نَبَذَ عَهْدَهُمْ (أُنْذِرُوا) وَأُبْلِغُوا مَأْمَنَهُمْ قَبْلَ قِتَالِهِمْ إنْ كَانُوا بِبِلَادِنَا وَفَاءً بِالْعَهْدِ وَخَرَجَ بِظُهُورِ الْأَمَارَةِ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ فَلَا يُنْبَذُ بِهِ الْعَهْدُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي إبْلَاغِ الْكَافِرِ الْمَأْمَنَ أَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَهْلِ عَهْدِهِمْ وَنَلْحَقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَالشَّرْطُ الصَّحِيحُ (كَرَدِّ) أَيْ: كَشَرْطِ رَدِّ (قَادِرٍ عَلَى) قَهْرِ (طَالِبِ مَنْ أَسْلَمَ) حَالَةَ كَوْنِهِ (حُرًّا رَجُلَا بِغَيْرِ جَبْرٍ) أَيْ: بِغَيْرِ إجْبَارٍ مِنَّا لَهُ عَلَى رَدِّهِ بَلْ نُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ إذْ لَا يَجُوزُ إجْبَارُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَذِكْرُ هَذَا الْقَيْدَ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَكَذَا ذِكْرُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ عَلَى طَالِبِهِ مُسْلِمًا حُرًّا رَجُلًا كَانَ أَوْضَحَ، وَعِبَارَةُ الْحَاوِي كَرَدِّ رَجُلٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى طَالِبِهِ وَخَرَجَ بِالْقَادِرِ عَلَى الطَّالِبِ غَيْرُهُ لِامْتِنَاعِ رَدِّهِ لِعَجْزِهِ وَبِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَلَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ فِيهِ بِمَا يَتَقَيَّدُ بِهِ الْمُسْلِمُ بَلْ لَوْ شُرِطَ إجْبَارُنَا لَهُ عَلَى رَدِّهِ صَحَّ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَبِالْحُرِّ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ يُهِينُونَهُ وَيَسْتَرِقُّونَهُ وَلَا عَشِيرَةَ لَهُ تَحْمِيهِ وَبِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ كَمَا مَرَّ حُكْمُهَا إذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهَا زَوْجُهَا الْكَافِرُ أَوْ تُزَوَّجَ بِكَافِرٍ؛ وَلِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الِافْتِتَانِ وَقَدْ.
قَالَ تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة: 10] الْآيَةَ وَكَالْمَرْأَةِ الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ وَبِالطَّالِبِ مَا لَوْ شَرَطَ رَدَّهُ بِغَيْرِ طَلَبٍ فَلَا يَصِحُّ
(وَلَهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (أَنْ يَقْتُلَهْ) أَيْ: طَالِبَهُ (وَعُرِّفَ) جَوَازًا (الْجَوَازُ) لِقَتْلِهِ (بِالتَّعْرِيضِ لَهْ) لَا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ أَبَا بَصِيرٍ لَمَّا جَاءَ فِي طَلَبِهِ رَجُلَانِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَفْلَتَ الْآخَرُ» وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ عُمَرَ.
قَالَ لِأَبِي جَنْدَلٍ حِينَ رَدَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَبِيهِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إنَّ دَمَ الْكَافِرِ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ يُعَرِّضُ لَهُ بِقَتْلِ أَبِيهِ (أَوْ ذِي) عُطِفَ عَلَى قَادِرٍ أَيْ: كَشَرْطِ رَدِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى قَهْرِ طَالِبِهِ أَوْ ذِي (عَشِيرَةٍ) تَحْمِيهِ وَقَدْ (أَرَادَتْهُ) أَيْ: طَلَبَتْهُ إلَيْهَا وَإِنْ عَجَزَ عَنْ طَالِبِهِ كَمَا فِي قَضِيَّةِ أَبِي جَنْدَلٍ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَذُبُّونَ عَنْهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَالْمَرْأَةِ وَالْقِنِّ وَمَنْ لَا عَشِيرَةَ لَهُ، أَوْ لَهُ عَشِيرَةٌ لَمْ تَطْلُبْهُ وَإِنْ طَلَبَهُ غَيْرُهَا أَوْ طَلَبَتْهُ وَلَمْ تَحْمِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَإِنْ وَصَفَ الْإِسْلَامَ فَذَاكَ أَوْ كُفْرًا لَا يُقِرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ أَوْ كُفْرًا يُقِرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَ، أَوْ يَقْبَلَ الْجِزْيَةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَأْمَنِهِ (وَلَنْ نَغْرَمَ لِلْغَيْرِ) أَيْ: لِأَجْلِ غَيْرِ مَنْ نَرُدُّهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى وَالْأَرِقَّاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَلَا نَغْرَمُ الْمُهُورَ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَنَفْي بِالشَّرْطِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ فَكَأَنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا يَأْتِي مِنْ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ نَقَضَهُ بَعْضُهُمْ إلَخْ) فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ فَإِنْ أَخَذُوا مَالًا أَوْ سَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ أَوْ آوَوْا عَيْنًا أَوْ قَتَلُوا مُسْلِمًا أَوْ تَجَسَّسُوا جَمِيعًا أَوْ بَعْضَهُمْ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ عَنْهُ انْتَقَضَ الْعَهْدُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ نَقْضًا وَبَيَّتُوا فِي بِلَادِهِمْ بِلَا إنْذَارٍ وَالنَّازِلُ بِنَا أَيْ: بِدَارِنَا مَا يَبْلُغُ الْمَأْمَنَ.
اهـ.
وَقَدْ تَقْتَضِي هَذِهِ الْعِبَارَةُ شُمُولَ تَبْلِيغِ الْمَأْمَنِ لِلنَّازِلِ بِدَارِنَا لِمَسْأَلَةِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ الْمَزِيدَةِ فِي الشَّرْحِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: انْتَقَضَ فِيهِمْ أَيْضًا) قَالَ فِي الرَّوْضِ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ نَقْضًا
(قَوْلُهُ: وَاعْتَبَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الشَّارِحِ وَيَجُوزُ نَبْذُ الْعَهْدِ إلَيْهِمْ بِظُهُورِ أَمَارَةِ النَّقْضِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَكِنْ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ بِذَلِكَ، وَكَلَامُ النَّظْمِ وَأَصْلُهُ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَرَدَّهُ الزَّرْكَشِيُّ.
اهـ. (قَوْلُهُ: إنْ كَانُوا بِبِلَادِنَا) الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي هَذَا أَنَّهُ قَيْدٌ مُضِرٌّ وَكَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشِّهَابِ وَكَتَبَ أَيْضًا لَعَلَّهُ قَيْدٌ لِبَلَغُوا دُونَ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: كَانَ أَوْضَحَ) لِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ الْمَذْكُورَ هُوَ الْقَادُّ الْمَذْكُورُ وَالْعِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: رَدَّ أَبَا بَصِيرٍ إلَخْ) وَعَلِمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ بَلْ ذَكَرَ مَا يُصَرِّحُ بِالْجَوَازِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَمَامِ الْقِصَّةِ (قَوْلُهُ: أَوْ كُفْرًا لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَا يُعْقَدُ لِأَهْلِ الْجِزْيَةِ وَبِمَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ مَا يَعْقِدُ لَهُمْ الْجِزْيَةَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: قَادِرٍ إلَخْ) ضَابِطُهُ كُلُّ مَنْ لَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ جَازَ شَرْطُ رَدٍّ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ.
اهـ.
م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: بِالتَّعْرِيضِ) أَمَّا التَّصْرِيحُ فَيَمْتَنِعُ.
اهـ.
شَرْحُ الرَّوْضِ أَيْ: لِمَكَانِ الْهُدْنَةِ نَعَمْ مَنْ أَسْلَمَ مَعَهُمْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ لَهُ التَّصْرِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُمْ أَمَانًا.
اهـ.
م ر
وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا الْقِيَمَ وَإِنْ حَكَمَ بِعِتْقِ الْأَرِقَّاءِ لِعَدَمِ الْتِزَامِ رَدِّهِمْ وَلَوْ شَرَطَ الْتِزَامَ رَدِّهِمْ فَسَدَ الْعَقْدُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ﴾ [الممتحنة: 10] أَيْ: الْأَزْوَاجَ ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] أَيْ: مِنْ الْمُهُورِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ مُحْتَمَلٌ لِنَدْبِهِ الصَّادِقِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْأَصْلِ، وَرَجَّحُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا غُرْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ الْمَهْرَ؛ فَلِأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَتْنَا مُسْلِمَةً، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10] فَغَرِمَ حِينَئِذٍ لِامْتِنَاعِ رَدِّهَا بَعْدَ شَرْطِهِ (وَ) كَشَرْطِ (نَفْيِ رَدِّ مَنْ يَرْتَدُّ) مِمَّنْ جَاءَهُمْ مُنَافَاتُهُ يَصِحُّ وَلَا نُكَلِّفُهُمْ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «شَرَطَ ذَلِكَ فِي مُهَادَنَةِ قُرَيْشٍ حَيْثُ.
قَالَ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ جَاءَهُ رَسُولًا مِنْهُمْ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ مُسْلِمًا رَدَدْنَاهُ وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا فَسُحْقًا سُحْقًا» (لَا) كَشَرْطِ نَفْيِ رَدِّ (الْمَرْأَةِ) الَّتِي جَاءَتْهُمْ مِنَّا وَلَوْ مُرْتَدَّةً فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ احْتِيَاطًا لِلْإِبْضَاعِ بَلْ يَلْزَمُهُمْ رَدُّهَا وَالْمُرَادُ التَّخْلِيَةُ، وَتَمْكِينُهَا مِنْ الرُّجُوعِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ، وَهَذَا فِي الْمُرْتَدَّةِ وَجْهٌ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا عَنْ تَصْحِيحِ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْأَظْهَرُ فِيهَا أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فَيَصِحُّ شَرْطُ عَدَمِ رَدِّهَا وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: يُسْتَثْنَى مَعَهَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا الْعَبْدُ فَيُرَدُّ عَلَى مَالِكِهِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُمْ يَغْرَمُونَ قِيمَتَهُ.
ثَانِيهِمَا الْحُرُّ الْمَجْنُونُ الْمُرْتَدُّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِمْ فِي حَالِ جُنُونِهِ فَلْنُطَالِبْهُمْ بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّ مَجِيئَهُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ فَإِنْ ذَهَبَ عَاقِلًا، ثُمَّ جُنَّ هُنَاكَ لَمْ نُطَالِبْهُمْ بِرَدِّهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاخْتِيَارِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ الْمَجْنُونِ الِاخْتِيَارُ الصَّادِرُ عَنْ رَوِيَّةٍ وَتَأَمُّلٍ وَإِلَّا فَلَهُ اخْتِيَارٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَبِأَنَّ لِلدَّابَّةِ اخْتِيَارًا
(وَالْعَبْدُ) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ (انْقَلَبْ حُرًّا) أَيْ: عَتَقَ (بِكَوْنِهِ عَلَى النَّفْسِ غَلَبْ) أَيْ: غَلَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِدَارِهِمْ بِقَهْرِهِ سَيِّدَهُ (ثُمَّ اهْتَدَى) أَيْ: أَسْلَمَ (وَجَاءَنَا) مُرَاغِمًا لَهُ قَبْلَ الْهُدْنَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ أَمَانَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فَبِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى نَفْسِهِ مَلَكَهَا (أَوْ آمِنًا وَبَعْدَهُ يَغْلِبُهُمْ وَجَاءَنَا وَلَمْ نُهَادِنْ) أَيْ: أَوْ أَسْلَمَ وَغَلَبَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَجَاءَنَا قَبْلَ الْمُهَادَنَةِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ لِوُقُوعِ غَلَبَتِهِ حَالَ الْإِبَاحَةِ فَإِنْ غَلَبَهُمْ وَجَاءَنَا بَعْدَهَا لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مَحْظُورَةٌ حِينَئِذٍ فَلَا يَمْلِكُهَا الْمُسْلِمُ بِالِاسْتِيلَاءِ لَكِنْ لَا يُمَكَّنُ سَيِّدُهُ مِنْهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ لِمُسْلِمٍ فَذَاكَ وَإِلَّا بَاعَهُ الْإِمَامُ أَوْ دَفَعَ قِيمَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَأَعْتَقَهُ مِنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَوَلَاؤُهُ لَهُمْ، وَالْأَمَةُ كَالْعَبْدِ فِي ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ مَجِيئَهُ إلَيْنَا لَيْسَ شَرْطًا فِي عِتْقِهِ بَلْ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَتْ هُدْنَةً وَمُطْلَقًا إنْ لَمْ تَكُنْ فَلَوْ هَرَبَ إلَى مَأْمَنٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَلَوْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ أَوْ أَسْلَمَ، ثُمَّ هَرَبَ قَبْلَهَا عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَجِئْنَا فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيئِهِ إلَيْنَا مَاتَ حُرًّا يَرِثُ وَيُورَثُ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا مَجِيئَهُ إلَيْنَا؛ لِأَنَّ بِهِ يُعْلَمُ عِتْقُهُ غَالِبًا
. (وَالْإِمَامُ يَحْمِي) الْمُهَادَنِينَ (عَنْ قَصْدِهِمْ) أَيْ: يَحْمِيهِمْ وُجُوبًا (مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّي) عَنْ أَنْ يَقْصِدَاهُمْ بِأَذًى وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَنْعُ الْحَرْبِيِّ عَنْهُمْ وَلَا مَنْعُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بِخِلَافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الْحِفْظُ لَا مُجَرَّدُ الْكَفِّ (وَيَضْمَنَانِ) أَيْ: الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ (نَفْسَهُمْ وَمَالَهُمْ) عِنْدَ إتْلَافِهِمَا لَهُمَا (وَعُزِّرَ الَّذِي بِقَذْفٍ نَالَهُمْ) مِنْهُمَا (وَكُلُّ مَنْ أَتْلَفَ مَالَ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ) بِزِيَادَةِ ذِمِّيٍّ عَلَى الْحَاوِي (مِنْهُمْ) صِلَةُ أَتْلَفَ (يَقُمْ بِالْغُرْمِ) لِلْمَالِكِ (وَاقْتُصَّ) مِنْهُ (بِالْقَتْلِ) أَيْ: بِقَتْلِهِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا بِغَيْرِ الْقَتْلِ الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى (وَبِالْقَذْفِ) أَيْ: وَبِقَذْفِهِ لِأَحَدِهِمَا (يُحَدْ) لَوْ.
قَالَ يُعَاقَبُ كَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ التَّعْزِيرَ (وَمُنْقِذًا لَهُمْ) أَيْ: وَمَالُهُمْ الْمُنْقَذُ (مِنْ الْحَرْبِ) إذَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (رُدْ) أَيْ: رَدَّهُ لِلْإِمَامِ لُزُومًا، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِنْقَاذُهُ وَلَا دَفْعُ الْحَرْبِيِّ عَنْهُمْ كَمَا مَرَّ كَمَا يَرُدُّهُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ) كَانَ وَجْهُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ أَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَحْصُلْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ وَبَعْدَ الدُّخُولِ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ الْمُقَابَلَةَ بِالْمَهْرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَمَ بِعِتْقِ الْأَرِقَّاءِ) وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْحُكْمِ بِعِتْقِهِمْ (قَوْلُهُ: الصَّادِقُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ) عِبَارَةُ الْمُحَلَّى الصَّادِقُ بِهِ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَهُوَ أَقْعَدُ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَرَجَّحُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ) لِظَاهِرِ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَى النَّدْبِ فَتَأَمَّلْ كَذَا بِهَامِشِ الْمَحَلِّيّ بِخَطِّ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ شَرْطُ عَدَمِ رَدِّهَا) قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ وَجَازَ شَرْطُ عَدَمِ رَدِّهِ أَيْ: مُرْتَدٍّ جَاءَهُمْ مِنَّا وَلَوْ امْرَأَةً وَرَقِيقًا وَيَغْرَمُونَ مَهْرَ الْمَرْأَةِ وَقِيمَةَ الرَّقِيقِ فَإِنْ عَادَ إلَيْنَا رَدَدْنَا لَهُمْ قِيمَةَ الرَّقِيقِ دُونَ مَهْرِ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ يَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَصِيرُ زَوْجَةً كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
اهـ.
بِاخْتِصَارِ الْأَدِلَّةِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا إلَى مَا بَيَّنَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ مُنَازَعَةِ الْبُلْقِينِيِّ فِي تَغْرِيمِهِمْ الْمَهْرَ بِأَنَّ الرِّدَّةَ تَقْتَضِي انْفِسَاخَ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَتَوَقُّفَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَهُ فَإِلْزَامُهُمْ الْمَهْرَ مَعَ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ أَوْ إشْرَافِهِ عَلَى الِانْفِسَاخِ لَا وَجْهَ لَهُ وَإِلَى مَا قَالَهُ هُوَ فِي صَيْرُورَةِ الْعَبْدِ مِلْكًا لَهُمْ مِنْ أَنَّهُ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِمَا فِي الْبَيْعِ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِهِ لِلْكَافِرِ.
لَكِنْ الصَّحِيحُ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافُهُ (قَوْلُهُ: وَعَلَى مَا صَحَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَخْ) أَفْهَمَ أَنَّهُ عَلَى الْأَظْهَرِ لَا يَجِبُ رَدُّ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ الْمَجْنُونِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ فَصْلٌ عُقِدَتْ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا أَيْ: مِنَّا صَحَّ فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ رَدِّهِ فَنَاقِضُونَ أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَرُدُّوهُ جَازَ وَلَوْ امْرَأَةً وَيَغْرَمُونَ مَهْرَهَا وَكَذَا قِيمَةُ رَقِيقٍ فَإِنْ عَادَ رَدَدْنَاهَا.
اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ الشَّرْطِ فِي الشِّقَّيْنِ بَيْنَ كَوْنِ الشَّرْطِ مِنْهُمْ مَعَ مُوَافَقَتِنَا عَلَيْهِ، أَوْ مِنَّا مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ) أَيْ: الْإِيمَانِ الْمَفْهُومِ مِنْ أَمِنَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: فَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ شَرَطَ لَهُمْ إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ
[بَابُ الذَّكَاةِ]
(بَابُ الذَّكَاةِ)
الْأَصْلُ فِيهَا مَعَ مَا يَأْتِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] وَهِيَ لُغَةً: التَّطْيِيبُ مِنْ قَوْلِهِمْ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ أَيْ: طَيِّبَةٌ، وَالتَّتْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ ذَكِيٌّ أَيْ: تَامُّ الْفَهْمِ.
وَشَرْعًا: قَطْعُ حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَجَرْحُ غَيْرِهِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ ذَابِحٌ وَمَذْبُوحٌ وَآلَةٌ وَذَبْحٌ
(إذَا قَدَرْنَا) عَلَى الْحَيَوَانِ (فَالذَّكَاةُ الصَّالِحَهْ) لَهُ (خَالِصُ قَطْعِ جَائِزِ الْمُنَاكَحَهْ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] (وَأَمَةِ الْكِتَابِ) أَيْ: وَأَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ مُنَاكَحَتُهَا إذْ لَا أَثَرَ لِلرِّقِّ فِي الذَّبِيحَةِ بِخِلَافِ الْمُنَاكَحَةِ (حُلْقُومًا) وَ (مَرِيّ) بِالنَّصْبِ بِقَطْعِ، وَالْوَقْفِ عَلَى مَرِيّ بِلُغَةِ رَبِيعَةَ وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ وَالْمَرِيءُ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَحْتَ الْحُلْقُومِ وَتَرَكَ النَّاظِمُ هَمْزَهُ لِلْوَقْفِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْطَعَ مَعَهُمَا الْوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيْ الْعُنُقِ يُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ خَالِصُ قَطْعِ غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ وَثَنِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ أَوْ نَحْوِهِمْ وَمَا اشْتَرَكَ فِيهِ مَنْ ذُكِرَ وَغَيْرُهُ تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ نَعَمْ إنْ قَطَعَ الْمَجُوسِيُّ الْبَعْضَ وَبَقِيَتْ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، ثُمَّ قَطَعَ الْمُسْلِمُ الْبَاقِيَ حَلَّ وَخَرَجَ بِهِ أَيْضًا مَا لَوْ أَخَذَ فِي قَطْعِ الْمَذْبَحِ، وَآخَرُ فِي نَزْعِ الْحِثْوَةِ وَمَا لَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَقَوْلُهُ (كِلَيْهِمَا) تَأْكِيدٌ وَهُوَ بِمَعْنَى تَمَامَ فِي قَوْلِ الْحَاوِي كَالْغَزَالِيِّ تَمَامَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: لَا يَحْتَاجُ لِلَفْظِ تَمَامَ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ بَعْضَهُمَا لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا لَهُمَا وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْأَعْمَى وَالصَّبِيَّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَالْمَجْنُونَ وَالسَّكْرَانَ وَالْمُكْرَهَ وَلَوْ بِإِكْرَاهِ الْمَجُوسِيِّ فَتَحِلُّ ذَكَاتُهُمْ كَمَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ قَصْدًا، وَإِرَادَةً فِي الْجُمْلَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ حَلْقَ شَاةٍ يَظُنُّهُ غَيْرَهُ لَكِنْ يُكْرَهُ ذَكَاةُ الْأَعْمَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخْطِئُ الْمَذْبَحَ
(وَ) الذَّكَاةُ أَيْضًا خَالِصُ (جَرْحِ مَا لَمْ يُقْدَرْ) عَلَيْهِ عِنْدَ الرَّمْيِ أَوْ نَحْوِهِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَ مِنْ جَائِزِ الْمُنَاكَحَةِ أَوْ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ (كَإِبِلٍ يَشْرُدُ) بِضَمِّ الرَّاءِ (أَوْ) يَتَرَدَّى (فِي حُفْرَهْ) وَعَجَزَ عَنْ ذَبْحِهِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعِيرٍ نَدَّ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ أَنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالْأَوَابِدُ النُّفُورُ، وَالتَّوَحُّشُ وَقَالَ شَيْخُنَا حَافِظُ عَصْرِهِ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ النَّوَافِرُ وَيُعْتَبَرُ فِي مُرْسِلِ السَّهْمِ، أَوْ نَحْوِهِ الْبَصَرُ فَلَا يَصِحُّ إرْسَالُ الْأَعْمَى لِعَدَمِ صِحَّةِ قَصْدِهِ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَاسْتِرْسَالِ الْكَلْبِ بِنَفْسِهِ (الْمُزْهِقِ) أَيْ: كُلٍّ مِنْ الْقَطْعِ وَالْجَرْحِ (الْحَيَاةَ) حَالَةَ كَوْنِهَا (مُسْتَقِرَّةً) إمَّا (قَطْعًا وَ) إمَّا (ظَنًّا) وَيَحْصُلُ الظَّنُّ (بِدَمٍ قَدْ انْفَجَرْ) أَيْ: بِانْفِجَارِهِ وَتَدَفُّقِهِ (وَبِاشْتِدَادِ الْحَرَكَاتِ) بَعْدَ الْقَطْعِ أَوْ الْجَرْحِ (وَ) بِعَلَامَاتٍ (أُخَرْ) كَصَوْتِ الْحَلْقِ وَقَوَامِ الدَّمِ عَلَى طَبِيعَتِهِ، وَشَرَطَ الْإِمَامُ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَالْأَوْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ مِنْهَا وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شِدَّةِ الْحَرَكَةِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِمَامِ فِيهَا وَاعْتُبِرَتْ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ لِيَخْرُجَ مَا إذَا فُقِدَتْ وَكَانَ فَقْدُهَا لِسَبَبٍ مِنْ جَرْحٍ أَوْ انْهِدَامِ سَقْفٍ أَوْ أَكْلِ نَبَاتٍ ضَارٍّ أَوْ نَحْوِهَا لِوُجُودِ مَا يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، أَمَّا
[حاشية العبادي]
بَابُ الذَّكَاةِ) (قَوْلُهُ: حُلْقُومًا وَمَرِيّ) لَوْ تَعَدَّدَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِمَا وَكَذَا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَائِدًا وَاشْتَبَهَ وَإِنْ تَمَيَّزَ الزَّائِدُ لَمْ يُشْتَرَطْ قَطْعُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَالْوَقْفُ عَلَى مَرِيءِ) وَحُذِفَ عَاطِفُهُ
(قَوْلُهُ: كَإِبِلٍ تَشْرُدُ) أَيْ: وَلَا يُكَلَّفُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ تَسْكُنَ أَوْ تَحْصُلَ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الذَّبْحَ فِي الْحَالِ نَعَمْ لَوْ أَمْكَنَ اللَّحَاقُ بِعَدْوٍ، أَوْ اسْتِغَاثَةٍ وَجَبَ بِرّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ، أَمَّا إذَا تَيَسَّرَ لُحُوقُهُ وَلَوْ بِاسْتِعَانَةٍ مِمَّنْ يُمْسِكُهُ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَوَحِّشًا.
اهـ.
[حاشية الشربيني]
بَابُ الذَّكَاةِ) (قَوْلُهُ: قَطْعُ إلَخْ) سَوَاءٌ فِي مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ بِحَيْثُ يَكُونُ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ.
اهـ.
ق ل عَلَى الْجَلَالِ إلَّا فِيمَا لَوْ تَأَنَّى أَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ كَالٍّ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ إلَى قَطْعِ الْجَمِيعِ كَمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: جَرَحَ مَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ) أَيْ: بِسَهْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ وَلَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ.
اهـ.
شَرْحُ م ر عَلَى الْمِنْهَاجِ فَلَوْ رَمَاهُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ وَمَاتَ لَمْ يَحِلَّ، وَأَمَّا جَوَازُ الرَّمْيِ بِهِ فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ جَوَازُ رَمْيِ الطُّيُورِ الْكِبَارِ الَّتِي لَا يَقْتُلُهَا الْبُنْدُقُ غَالِبًا كَالْإِوَزِّ وَالْكُرْكِيِّ دُونَ الصِّغَارِ كَالْحَمَامِ وَالْعَصَافِيرِ، وَأَشَارَ م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ إلَى تَصْحِيحِهِ وَقَيَّدَ ع ش الْجَوَازَ بِكَوْنِهِ طَرِيقًا لِلِاصْطِيَادِ وَإِلَّا حَرُمَ لِتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِلَا فَائِدَةٍ قَالَ وَكَالرَّمْيِ بِالْبُنْدُقَةِ ضَرْبُ الْحَيَوَانِ بِعَصَا كَمَا يَقَعُ فِي إمْسَاكِ نَحْوِ الدَّجَاجِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ إمْسَاكُهَا فَمُجَرَّدُ ذَلِكَ لَا يُبِيحُ ضَرْبَهَا حَيْثُ قَدَرَ عَلَى الْإِمْسَاكِ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
قَالَ فِي التُّحْفَةِ وَالْكَلَامُ فِي الْبُنْدُقِ الْمُعْتَادِ قَدِيمًا وَهُوَ مَا يُصْنَعُ مِنْ الطِّينِ أَمَّا الْبُنْدُقُ الْآنَ وَهُوَ مَا يُصْنَعُ مِنْ الْحَدِيدِ وَيَرْمِي بِالنَّارِ فَحَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِقٌ مُذَفِّفٌ غَالِبًا وَلَوْ فِي الْكَبِيرِ نَعَمْ إنْ عَلِمَ حَاذِقٌ أَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُ نَحْوَ جَنَاحٍ كَبِيرٍ فَيُثْبِتُهُ فَقَطْ اُحْتُمِلَ الْحِلُّ.
اهـ.
إذَا كَانَ لِمَرَضٍ فَيَحِلُّ مَعَ فَقْدِهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْجَرْحِ كَوْنُهُ مُذَفِّفًا بَلْ يَكْفِي الْإِزْهَاقُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ النَّظْمِ وَأَصْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُزْهِقًا وَتَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ، وَمَاتَ بِلَا ذَبْحٍ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، وَكَانَ مُقَصِّرًا بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ غُصِبَ مِنْهُ أَوْ نَشِبَ فِي الْغِمْدِ حَرُمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا لِقِصَرِ الزَّمَنِ أَوْ امْتِنَاعِ الصَّيْدِ حَتَّى مَاتَ حَلَّ، وَقَوْلُهُ: (بِجَارِحٍ) أَيْ: وَلَوْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ حَجَرٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَطْعِ وَالْجَرْحِ أَوْ بِالْمُزْهِقِ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ اخْتَطَفَ رَأْسَ عُصْفُورٍ أَوْ قَتَلَهُ بِبُنْدُقَةٍ أَوْ بِعَرْضِ الْمُحَدَّدِ وَإِنْ أَبَانَ رَأْسَهُ
(وَمَا الْعِظَامُ) كَسِنٍّ وَظُفْرٍ (صَالِحَهْ لَهَا) أَيْ: لِلذَّكَاةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا مُلَاقُو الْعَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى فَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ.
قَالَ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» وَأُلْحِقَ بِهِمَا بَاقِي الْعِظَامِ وَمَعْلُومٌ بِمَا سَيَأْتِي حِلُّ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ، أَوْ نَحْوُهُ بِظُفْرِهِ أَوْ نَابِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الذَّبْحِ بِالْعِظَامِ قِيلَ تَعَبُّدٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَعْنَاهُ لَا تَذْبَحُوا بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُنَجَّسُ بِالدَّمِ وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ تَنْجِيسِهَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ لِكَوْنِهَا زَادَ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ
(وَ) ذَكَاةُ غَيْرِ الْمَقْدُورِ أَيْضًا خَالِصُ (إرْسَالِ) أَيْ: إغْرَاءِ (بَصِيرٍ) نُنَاكِحُهُ أَوْ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ عَلَيْهِ (جَارِحَهْ) مِنْ السِّبَاعِ أَوْ الطُّيُورِ (اسْتَرْسَلَتْ) أَيْ: هَاجَتْ (وَانْزَجَرَتْ) أَيْ: امْتَنَعَتْ وَلَوْ بَعْدَ شِدَّةِ عَدْوِهَا (بِهِ) أَيْ: بِإِرْسَالِ صَاحِبِهَا وَبِزَجْرِهِ فَقَوْلُهُ بِهِ تَنَازَعَهُ الْفِعْلَانِ قَبْلَهُ (وَلَا نَأْكُلُ مِنْ صَيْدٍ) أَمْسَكَتْهُ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَيُعْتَبَرُ وُقُوعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنْهَا (مِرَارًا) مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ بِحَيْثُ يُظَنُّ تَأَدُّبُهَا، وَالرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِالْجَوَارِحِ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ النَّظْمِ وَأَصْلِهِ، وَدَلِيلُ الْحِلِّ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4] الْآيَةَ «وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ لَمَّا قَالَ لَهُ إنِّي أَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ وَبِغَيْرِهِ: مَا صِدْتَ بِكَلْبِك الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكُلْ وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَا يَحِلُّ الْمُتَرَدِّي بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ، أَوْ نَحْوِهِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ النَّظْمِ خِلَافَهُ، وَفَارَقَ إرْسَالَ السَّهْمِ بِأَنَّ الْحَدِيدَ يُسْتَبَاحُ بِهِ الذَّبْحُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِخِلَافِ عَقْرِ الْكَلْبِ وَخَرَجَ بِالْبَصِيرِ الْأَعْمَى فَلَا يَصِحُّ إرْسَالُهُ وَإِنْ دَلَّهُ بَصِيرٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَلَّهُ عَلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَقَدْ (أَغْفَلَا) أَيْ: الْحَاوِي خَصْلَةً (رَابِعَةً لَمْ تَكْتَمِلْ) أَيْ: الْجَارِحَةُ تَعْلِيمًا (إلَّا بِهَا) وَهِيَ (أَنْ تُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَى أَصْحَابِهَا) يَعْنِي فَلَا تُخَلِّيهِ يَذْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] (قُلْتُ وَقَدْ أَوْهَمَ) كَلَامُهُ (أَنْ نُرَاعِي) نَحْنُ (الْكُلَّ) أَيْ: كُلَّ الْخِصَالِ (فِي الطُّيُورِ وَالسِّبَاعِ وَمَا كَذَا الْأَمْرُ فَفِي الطُّيُورِ) مُسَلَّمٌ أَنَّهُ (يُشْتَرَطُ تَرْكُ الْأَكْلِ) أَيْ: أَكْلِهَا مِنْ الصَّيْدِ (فِي الْمَشْهُورِ وَأَنْ يَهِيجَ) أَيْ: الطَّيْرُ (عِنْدَ الْإِغْرَاءِ) كَمَا فِي جَارِحَةِ السِّبَاعِ (وَ) لَكِنْ (لَا مَطْمَعَ) كَمَا قَالَ الْإِمَامُ (فِي انْزِجَارِهِ مُسْتَرْسِلَا) أَيْ: بَعْدَ طَيَرَانِهِ بِخِلَافِ جَارِحَةِ السِّبَاعِ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ نَصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِيهِ أَيْضًا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَقَدْ اعْتَبَرَهُ فِي الْبَسِيطِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَقَالَةَ الْإِمَامِ بِلَفْظِ قِيلَ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ أَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ لِيُعَلَّم تَرْكَ الْأَكْلِ بِخِلَافِ جَارِحَةِ السِّبَاعِ
وَإِنَّمَا تَصِحُّ الذَّكَاةُ (إنْ أَمَّهُ) أَيْ: الْقَطْعَ أَوْ الْجَرْحَ أَوْ الْإِرْسَالَ أَيْ: قَصَدَهُ فَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَسَقَطَ أَوْ نَصَبَهُ فَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ وَمَاتَ أَوْ احْتَكَّتْ بِهِ شَاةٌ وَهُوَ بِيَدِهِ فَانْقَطَعَ حُلْقُومُهَا وَمَرِيئُهَا أَوْ اسْتَرْسَلَ كَلْبٌ فَقَتَلَ لَمْ يَحِلَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَنَحْوَهَا خَارِجَةٌ بِتَعْبِيرِهِ بِقَطْعِ جَائِزِ الْمُنَاكَحَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ فِي إخْرَاجِهَا لِقَوْلِهِ إنْ أَمَّهُ نَعَمْ يَخْرُجُ بِهِ مَا لَوْ وُجِدَ الْقَطْعُ، أَوْ الْجَرْحُ، أَوْ الْإِرْسَالُ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُزْهِقًا إلَخْ) قَضِيَّةُ الْحِلِّ إذَا كَانَ الْجُرْحُ مُزْهِقًا وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ فَصْلٌ: وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ وَأَدْرَكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ اُسْتُحِبَّ ذَبْحُهُ أَوْ مُسْتَقِرَّةٌ فَلَمْ يَذْبَحْهُ لِتَقْصِيرٍ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِعُرْضِ الْمَحْدُودِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ: جَانِبِهِ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ النَّوَوِيُّ إلَخْ) قَدْ يَقْتَضِي مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ امْتِنَاعَ تَنْجِيسِهَا فِي غَيْرِ الذَّبْحِ وَالِاسْتِنْجَاءِ أَيْضًا فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ [المائدة: 4] أَيْ: وَمَصِيدُ مَا عَلَّمْتُمْ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: الْإِزْهَاقُ) أَيْ: كَوْنُهُ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ غَالِبًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَلَا يُشْتَرَطُ التَّذْفِيفُ عَلَى الْأَصَحِّ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ نُهِيتُمْ عَنْ التَّشَبُّهِ) أَيْ: لِمَعْنًى ذَاتِيٍّ فِي الْآلَةِ الَّتِي وَقَعَ التَّشَبُّهُ بِهَا فَلَا يُقَالُ مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ بَلْ وَلَا الْحُرْمَةَ فِي نَحْوِ النَّهْيِ عَنْ السَّدْلِ وَاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ.
اهـ. شَرْحُ م ر وَحَجَرٌ
(قَوْلُهُ: فَلَا تُخَلِّيهِ إلَخْ) وَلَا تَقْتُلُهُ (قَوْلُهُ: فِي الْمَشْهُورِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: لَا مَطْمَعَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ
مِنْ نَائِمٍ، فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْحِلِّ (وَالْعَيْنَ) أَيْ: إنْ أَمَّ مَا ذُكِرَ وَأَمَّ مَعَهُ عَيْنَ الْحَيَوَانِ فَقَتَلَهُ وَتَعْبِيرُهُ بِالْعَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْحَاوِي بِقَوْلِهِ وَعَيْنَهُ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِيهِ غَيْرُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ الَّذِي قَبْلَهُ (أَوْ لِلنَّوْعِ) مِنْ الصَّيْدِ بِزِيَادَةِ اللَّامِ لِتَقْوِيَةِ الْعَامِلِ الْمُؤَخَّرِ وَهُوَ (أَمْ) كَأَنْ رَمَى إلَى سِرْبِ ظِبَاءٍ فَقَتَلَ أَحَدَهَا (أَوْ وَاحِدٍ) أَيْ: أَوْ لِوَاحِدٍ (مِنْهُ) أَمْ كَأَنْ قَصَدَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا فَقَتَلَ غَيْرَهَا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ مَا لَوْ أَجَالَ بِسَيْفِهِ فَأَصَابَ مَذْبَحَ شَاةٍ فَقَطَعَهُ بِلَا عِلْمٍ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا حَيْثُ لَا صَيْدَ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ أَوْ جَارِحَتَهُ فِي ظُلْمَةٍ رَاجِيًا صَيْدًا فَقَتَلَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَهُ أَوْ ظَنَّهُ فَفِي الْبَحْرِ لَوْ أَحَسَّ الْبَصِيرُ بِصَيْدٍ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ شَجَرَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا فَرَمَاهُ حَلَّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ لَهُ بِهِ نَوْعَ عِلْمٍ وَبِذَلِكَ جَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا
فَإِنْ قُلْت هَذَا يَقْدَحُ فِي عَدَمِ الْحِلِّ بِإِرْسَالِ الْأَعْمَى قُلْتُ لَا إذْ الْبَصِيرُ يَصِحُّ إرْسَالُهُ فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْأَعْمَى، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّظْمِ كَأَصْلِهِ التَّسْوِيَةُ فِيمَا ذَكَرَهُ بَيْنَ إرْسَالِ السَّهْمِ، وَإِرْسَالِ الْجَارِحَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ جِهَةِ الْإِرْسَالِ بِأَنْ كَانَ فِيهَا صُيُودٌ فَقَتَلَ غَيْرَ مَا أَغْرَاهُ عَلَيْهِ حَلَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي السَّهْمِ؛ وَإِنْ عَدَلَ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى فَأَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْحِلُّ أَيْضًا إذْ يَعْسُرُ تَكْلِيفُهُ تَرْكَ الْعُدُولِ، وَالثَّانِي يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ وَاخْتَارَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ خَرَجَ عَادِلًا عَنْ الْجِهَةِ حَرُمَ وَإِنْ خَرَجَ إلَيْهَا فَفَاتَهُ الصَّيْدُ فَعَدَلَ إلَى غَيْرِهَا وَصَادَ حَلَّ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حِذْقِهِ حَيْثُ لَمْ يَرْجِعْ خَائِبًا وَقَطَعَ الْإِمَامُ بِالتَّحْرِيمِ إذَا عَدَلَ وَظَهَرَ مِنْ عُدُولِهِ اخْتِيَارُهُ بِأَنْ امْتَدَّ فِي جِهَةِ الْإِرْسَالِ زَمَانًا، ثُمَّ ثَارَ صَيْدٌ آخَرُ فَاسْتَدْبَرَ الْمُرْسَلَ إلَيْهِ وَقَصَدَ الْآخَرَ.
اهـ.
(وَإِنْ مَاتَ) الصَّيْدُ (بِفَمْ) أَيْ: بِفَمِ الْجَارِحَةِ وَثِقَلِهَا عَلَيْهِ بِلَا جَرْحٍ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَيُخَالِفُ عَرْضَ السَّهْمِ فَإِنَّهُ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا جَوَارِحَ فَلِكَوْنِهَا كَاسِبَةً أَيْ: صَائِدَةً لَا لِكَوْنِهَا تَجْرَحُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] أَيْ: كَسَبْتُمْ (وَشَرِكَةِ) أَيْ:، وَكَذَا إنْ مَاتَ بِمُشَارَكَةِ (انْصِدَامِ أَرْضٍ) لِجَرْحِ السَّهْمِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ عَلَيْهَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيُعْفَى عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ الصَّيْدُ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ فَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ لَمَّا أَصَابَهُ السَّهْمُ بِخِلَافِ مَا لَوْ انْصَدَمَ بِغُصْنٍ، أَوْ طَرَفِ جَبَلٍ، أَوْ سَطْحٍ أَوْ تَدَهْوَرَ مِنْ جَبَلٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ وَقَعَ فِي مَاءِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَازِمًا وَلَا غَالِبًا نَعَمْ إنْ كَانَ مِنْ طُيُورِ الْمَاءِ وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَالْمَاءُ لَهُ كَالْأَرْضِ أَوْ خَارِجَهُ فَوَقَعَ فِيهِ فَوَجْهَانِ قَطَعَ الْجُوَيْنِيُّ بِالْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا فَالْمَاءُ لَهُ كَالْأَرْضِ وَالْبَغَوِيِّ بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ بَعْدَ الْجَرْحِ يُعِينُ عَلَى التَّلَفِ.
قَالَ نَعَمْ إنْ كَانَ فِي هَوَاءِ الْمَاءِ وَالرَّامِي بِسَفِينَةٍ فِيهِ حَلَّ (وَاعْتِنَا) أَيْ: أَوْ بِشَرِكَةِ إعَانَةِ (رِيحٍ) السَّهْمَ إذْ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْ هُبُوبِهَا بِخِلَافِ حَمْلِهَا الْكَلَامَ حَيْثُ لَا يَقَعُ بِهَا الْحِنْثُ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ (وَبِانْصِدَامِ) أَيْ: أَوْ بِشَرِكَةِ انْصِدَامِ (سَهْمٍ لِلْبِنَا) بِأَنْ أَصَابَهُ فَارْتَدَّ عَنْهُ وَأَصَابَ الصَّيْدَ؛ لِأَنَّ مَا يَتَوَلَّدُ بِفِعْلِ الرَّامِي مَنْسُوبٌ إلَيْهِ (أَوْ ارْتَمَى) أَيْ: السَّهْمُ بِنَفْسِهِ فَأَصَابَ الصَّيْدَ (بَعْدَ انْقِطَاعٍ) حَصَلَ (فِي الْوَتَرِ) عِنْدَ نَزْعِ الْقَوْسِ فَيَحِلُّ نَظَرًا إلَى ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ وَحُصُولِ الْإِصَابَةِ كَمَا قَصَدَ (وَظَنَّ خِنْزِيرًا وَثَوْبًا وَبَشَرْ) الْوَقْفُ بِلُغَةِ رَبِيعَةَ أَيْ: أَوْ ظَنَّ مَا رَمَى إلَيْهِ خِنْزِيرًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ بَشَرًا أَوْ نَحْوَهَا فَبَانَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا فَيَحِلُّ إذْ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ وَلَوْ رَمَى شَاةً مَرْبُوطَةً بِآلَةٍ جَارِحَةٍ فَقَطَعَ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ فِي إخْرَاجِهَا إلَخْ) أَقُولُ بَلْ إلَيْهِ حَاجَةٌ وَهُوَ دَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ قَطْعَ جَائِزِ الْمُنَاكَحَةِ تَصْوِيرٌ، وَأَنَّ الْحِلَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْحِلِّ) هَذَا مُسَلَّمٌ فِي الْجُرْحِ وَالْإِرْسَالِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِرّ
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ انْصَدَمَ بِغُصْنٍ أَوْ طَرَفِ جَبَلٍ إلَخْ) مَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ بِالْجُرْحِ إلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ وَإِلَّا فَيَحِلُّ وَلَا أَثَرَ لِمَا يَعْرِضُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ سَطْحٍ أَوْ غُصْنٍ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ يَحِلُّ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ أَنْ يَصْدِمَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ هَذَا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَهُوَ مُرَادُهُمْ بِلَا شَكٍّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ ذَكَرَهُ بِرّ (قَوْلُهُ: مِنْ طُيُورِ الْمَاءِ) الْمُرَادُ بِطُيُورِهِ مَنْ فِي الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طُيُورِهِ فَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى فِي مَرَّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ كَانَ فِي هَوَاءِ الْمَاءِ إلَخْ) وَنَقَلَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ الزَّازِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الطَّيْرُ فِي هَوَاءِ الْمَاءِ حَلَّ وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِي الْبَرِّ وَاعْتَمَدَهُ وَحَمَلَ الْخَبَرَ الظَّاهِرَ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى غَيْرِ طَيْرِ الْمَاءِ حَجَرٌ (قَوْلُهُ: وَالرَّامِي بِسَفِينَةٍ فِيهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي الْبَرِّ م ر (قَوْلُهُ: وَأَصَابَ الصَّيْدَ) أَيْ: وَإِنْ كَانَ يَقْصُرُ عَنْ الصَّيْدِ لَوْلَا الْإِعَانَةُ الْمَذْكُورَةُ بِرّ (قَوْلُهُ: فَبَانَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا) أَيْ: بِخِلَافِ مَا لَوْ أَصَابَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا فَلَا يَحِلُّ قَالَ فِي الرَّوْضِ وَكَذَا لَوْ قَصَدَهُ وَأَخْطَأَ فِي الظَّنِّ وَالْإِصَابَةِ مَعًا كَمَنْ رَأَى صَيْدًا ظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ خِنْزِيرًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: أَصَحُّهَا الْحِلُّ) وَلَوْ خَرَجَ عَادِلًا عَنْ الْجِهَةِ م ر (قَوْلُهُ: وَقَطَعَ الْإِمَامُ إلَخْ) ظَاهِرُ م ر اعْتِمَادُهُ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ) خَرَجَ مَا لَوْ انْغَمَسَ فِيهِ وَمَاتَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا ق ل (قَوْلُهُ: فَالْمَاءُ لَهُ كَالْأَرْضِ) فَيَحِلُّ وَلَوْ كَانَ الرَّامِي خَارِجَ الْمَاءِ مَا لَمْ يَغُصْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالسَّهْمِ فِي الْمَاءِ، وَأَمَّا طَيْرُ الْبَرِّ أَوْ الْمَاءِ إذَا كَانَ فِي هَوَاءِ الْبَرِّ فَيَحِلُّ بِرَمْيِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقَعَ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الرَّامِي فِي الْبَرِّ أَوْ الْمَاءِ.
اهـ.
مِنْ سم عَلَى الْمَنْهَجِ عَنْ م ر (قَوْلُهُ: أَوْ خَارِجَهُ) أَيْ: كَانَ فِي هَوَائِهِ لَا عَلَى وَجْهِهِ.
اهـ.
بج (قَوْلُهُ: فَوَقَعَ فِيهِ) خَرَجَ مَا لَوْ وَقَعَ خَارِجَهُ فَيَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ الرَّامِي فِيهِ أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَالرَّامِي بِسَفِينَةٍ إلَخْ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ بج (قَوْلُهُ:
الْمَذْبَحَ وِفَاقًا فَفِي حِلِّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبْحِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْمَذْبَحَ وَأَنْ يَقْصِدَ الشَّاةَ فَيُصِيبَ الْمَذْبَحَ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْأَرْجَحُ الْحِلُّ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْجَرْحِ أَنَّهُ الظَّاهِرُ (أَوْ رَدَّهُ كَلْبُ الْمَجُوسِ) وَقَدْ هَرَبَ كَلْبُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ فَيَحِلُّ كَمَا لَوْ ذَبَحَ مُسْلِمٌ شَاةً أَمْسَكَهَا مَجُوسِيٌّ (وَلِمَا بَانَ بِمَا ذَفَّفَ) أَيْ: الذَّكَاةُ لِلْحَيَوَانِ بِمَا مَرَّ وَلِلْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ أَيْ: مُسْرِعٍ لِقَتْلِهِ فَيَحِلُّ الْعُضْوُ كَبَاقِي الْبَدَنِ فَإِنْ أُبِينَ مِنْهُ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ حَرُمَ سَوَاءٌ ذُبِحَ أَمْ مَاتَ بِذَلِكَ الْجَرْحِ أَوْ بِجَرْحٍ آخَرَ مُذَفِّفٍ أَوْ غَيْرِ مُذَفِّفٍ؛ لِأَنَّهُ أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، وَحَلَّ الْبَاقِي وَمَحَلُّ حِلِّهِ فِي غَيْرِ الْأُولَى إذَا لَمْ يَثْبُتْهُ بِالْجَرْحِ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَثْبَتَهُ بِهِ تَعَيَّنَ ذَبْحُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ كَأَصْلِهِ تَحْرِيمُ الْمُبَانِ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الذَّبْحِ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا لِمَا مَرَّ وَوَقَعَ فِي الْمَنَاهِجِ كَأَصْلِهِ تَصْحِيحُ حِلِّهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُذَفِّفًا وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمَيْنِ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَاهُ فَإِنْ أَصَابَاهُ مَعًا فَحَلَالٌ، أَوْ أَصَابَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ فَإِنْ أَزْمَنَهُ وَلَمْ يُصِبْ الثَّانِي مَذْبَحَهُ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ أَصَابَهُ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يُزْمِنْهُ الْأَوَّلُ وَقَتَلَهُ الثَّانِي حَلَّ (لَا مَا طَعِمَا) أَيْ: يَحِلُّ مَا مَرَّ لَا مَا أَكَلَ (مِنْهُ) الْجَارِحَةُ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ قَبْلَ قَتْلِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ حَشْوَتَهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ عَقِبَ قَتْلِهِ وَإِلَّا فَيَحِلُّ قَطْعًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي ثَعْلَبَةَ كُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ» مَعَ أَنَّ فِي رِجَالِهِ رَجُلًا مُتَكَلَّمًا فِيهِ، وَخَرَجَ بِطَعْمِهَا لَعْقُهَا الدَّمَ فَلَا يُؤَثِّرُ (وَعُلِّمَتْ) بَعْدَ أَكْلِهَا؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ غَيْرَ مُعَلَّمَةٍ (وَمَا مِنْ قَبْلِهِ تَقْتُلُ) أَيْ: وَلَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ قَبْلَ أَكْلِهَا (لَكِنْ) هَذَا مُقَيَّدٌ (بِاعْتِيَادِ أَكْلِهِ) أَيْ: بِالصَّيْدِ بِأَنْ أَكَلَتْ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ فِي الرَّوْضَةِ كَالشَّرْحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَإِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ التَّعْلِيمِ وَلَا يَنْعَطِفُ التَّحْرِيمُ عَلَى مَا اصْطَادَهُ قَبْلُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْأَكْلُ وَصَارَ عَادَةً فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ آخِرًا وَفِيمَا أَكَلَ مِنْهُ قَبْلُ وَجْهَانِ الْأَقْوَى التَّحْرِيمُ.
اهـ.
(وَلَا) يَحِلُّ (الَّذِي يُثْخِنُهُ) الْمُسْلِمُ بِكَلْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ (ثُمَّ قَتَلْ) أَيْ: قَتَلَهُ (كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ) تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ (وَغُرْمَهُ حَمَلْ) أَيْ: وَحَمَلَ الْمَجُوسِيُّ إنْ وُجِدَ مِنْهُ إغْرَاءٌ أَوْ تَقْصِيرٌ قِيمَةَ الصَّيْدِ مُثْخَنًا لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ (أَوْ) الَّذِي (غَابَ) بَعْدَ أَنْ جَرَحَهُ وَلَمْ يُنْهِهِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ (ثُمَّ مَاتَ) أَيْ: لَا يَحِلُّ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ يَحِلُّ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْجَرْحِ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ» . قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ أَصَحُّ دَلِيلًا، وَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ وَثَبَتَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ دُونَ التَّحْرِيمِ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ التَّحْرِيمُ فَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ بِطُرُقٍ حَسَنَةٍ فِي حَدِيثِ «عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ إنَّا أَهْلُ صَيْدٍ، وَإِنَّ أَحَدَنَا يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْهُ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَيَجِدْهُ مَيِّتًا فَقَالَ إذَا وَجَدْت فِيهِ أَثَرَ سَهْمِك وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرُ سَبُعٍ وَعَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَك قَتَلَهُ» فَكُلْ فَهَذَا مُقَيِّدٌ لِبَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَدَالٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ
. (وَالْإِغْرَاءُ) لِلْجَارِحِ (فِي أَثْنَاءِ عَدْوِهِ كَمِثْلِ الْمُنْتَفِي) أَيْ: كَالْعَدَمِ بِخِلَافِ إغْرَائِهِ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبًا فَأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ حَلَّ وَإِنْ زَادَ عَدْوُهُ بِإِغْرَائِهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَلَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَغْرَاهُ مُسْلِمٌ حَرُمَ وَإِنْ زَادَ بِهِ عَدْوُهُ
(وَاَللَّهَ نَدْبًا وَحْدَهُ يُسَمِّي) أَيْ: الْمُذَكِّي بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118] وَلِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَإِنَّمَا لَمْ
[حاشية العبادي]
حَرُمَ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مُحَرَّمًا فَلَا يَسْتَفِيدُ الْحِلَّ.
اهـ.
، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّوْضِ لَا عَكْسَهُ قَالَ فِي شَرْحِهِ بِأَنْ رَمَى حَجَرًا أَوْ خِنْزِيرًا ظَنَّهُ صَيْدًا فَأَصَابَ صَيْدًا وَمَاتَ حَلَّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مُبَاحًا.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَصَدَ مُحَرَّمًا قَدْ يُقَالُ قَدْ قَصَدَ مُحَرَّمًا فِيمَا إذَا أَصَابَهُ وَبَانَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا لَا فَكَأَنَّ قَصْدَ الْمُحَرَّمِ إنَّمَا يَضُرُّ إذَا كَانَتْ الْإِصَابَةُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ لَهُ (قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْأُولَى) خَرَجَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا هَذَا التَّقْيِيدُ لِوُجُودِ الذَّبْحِ فِيهَا (قَوْله بِاعْتِيَادِ أَكْلِهِ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا صَادَتْ الْجَارِحَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مَثَلًا وَلَمْ تَأْكُلْ فِيهَا مِنْ الصَّيْدِ، ثُمَّ مَرَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ مَثَلًا، وَأَكَلَتْ مِنْهُ فِيهِمَا فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُرْمَةُ الصَّيْدِ فِي الْمَرَّتَيْنِ وَفِي الثَّلَاثِ قَبْلَهَا أَيْضًا وَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ الْمَذْكُورِ الْحُرْمَةُ فِي الْمَرَّتَيْنِ دُونَ الثَّلَاثِ قَبْلَهَا فَاتَّضَحَ قَوْلُهُ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَطِفُ التَّحْرِيمُ إلَخْ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ صِفَةِ الْجَارِحَةِ كَتَبَدُّلِ صِفَةِ الصَّائِدِ إلَى رِدَّةٍ وَنَحْوِهَا وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ تُوهِمُ أَنَّ مَسْأَلَةَ التَّكَرُّرِ وَجَرَيَانَ الْوَجْهَيْنِ مُفَرَّعٌ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ تَحْرِيمِ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ التَّعْلِيمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ رَأَيْت فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى مُقَابِلِ الْأَظْهَرِ بِرّ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ: فَقَطْ كَمَا فِي الْخَادِمِ؛ لِأَنَّ بَقِيَّتَهَا لَا تُنَاسِبُ الْمَقَامَ لَكِنَّهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ خُصُوصَ هَذَا اللَّفْظِ بَلْ لَوْ قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَانَ حَسَنًا، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ النَّصِّ أَنَّ
[حاشية الشربيني]
وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) قَالَ م ر وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: آخِرًا) أَيْ: مَا حَصَلَ بِهِ التَّكْرَارُ، وَقَوْلُهُ: وَفِيمَا أَكَلَ مِنْهُ قَبْلُ أَيْ: قَبْلَ ذَلِكَ الْآخَرِ مِمَّا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّكْرَارُ
(قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ ق ل عَلَى
يَجِبْ ذَلِكَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا أَنَأْكُلُ مِنْهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ اُذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا جَازَ الْأَكْلُ مَعَ الشَّكِّ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] فَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ لَيْسَ مَعْطُوفًا لِلتَّبَايُنِ التَّامِّ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ إذْ الْأُولَى فِعْلِيَّةٌ إنْشَائِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ اسْمِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِمَكَانِ الْوَاوِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ حَالِيَّةً فَيَتَقَيَّدُ النَّهْيُ بِحَالِ كَوْنِ الذَّبْحِ فِسْقًا وَالْفِسْقُ فِي الذَّبِيحَةِ مُفَسَّرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمِّيَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ عَلَيْهَا فَلَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ لِإِيهَامِهِ التَّشْرِيكَ وَكَمَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُ غَيْرِ اللَّهِ بِالذِّكْرِ عَلَيْهَا.
قَالَ الشَّيْخَانِ وَأَفْتَى أَهْلُ بُخَارَى بِتَحْرِيمِ مَا يُذْبَحُ عِنْدَ لِقَاءِ السُّلْطَانِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ثُمَّ.
قَالَا وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّبْحَ لِلْمَعْبُودِ أَوْ بِاسْمِهِ كَالسُّجُودِ لَهُ فَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْعِبَادَةِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ وَكَفَرَ بِذَلِكَ كَمَنْ سَجَدَ لِغَيْرِهِ سَجْدَةَ عِبَادَةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَأَنْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا بَيْتُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ اسْتِبْشَارًا لِقُدُومِ السُّلْطَانِ حَلَّتْ وَلَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ كَمَا لَا يَكْفُرُ بِالسُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَذَلُّلًا وَخُضُوعًا وَإِنْ حَرُمَ وَعَلَى هَذَا لَوْ.
قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ وَأَرَادَ أَذْبَحُ بِسْمِ اللَّهِ وَأَتَبَرَّكُ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْرُمَ، وَيُحْمَلُ إطْلَاقُ مَنْ نَفَى الْجَوَازَ عَنْهُ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ يَصِحُّ نَفْيُ الْجَوَازِ عَنْهُ (لِلْفِعْلِ أَوْ عَضٍّ وَصَيْبِ السَّهْمِ) أَيْ: يُسَمِّي عِنْدَ فِعْلِهِ مِنْ الْقَطْعِ أَوْ الْجَرْحِ أَوْ إرْسَالِ الْجَارِحَةِ أَوْ السَّهْمِ أَوْ عِنْدَ عَضِّ الْجَارِحَةِ الصَّيْدَ أَوْ إصَابَةِ
[حاشية العبادي]
مَا زَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ خَيْرٌ (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ جَوَابًا) أَيْ: لِلنَّهْيِ وَقَوْلُهُ: فَتَعَيَّنَ إلَخْ لَا يُقَالُ التَّعَيُّنُ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ كَوْنِ الْوَاوِ اسْتِئْنَافِيَّةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ اسْتِئْنَافِيَّةُ الْوَاوِ نَادِرَةٌ، وَحَالِيَّتُهَا كَثِيرَةٌ فَهِيَ أَكْثَرُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَكْثَرِ أَرْجَحُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَرْجَحِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (قَوْلُهُ: مُفَسَّرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أَيْ: فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145] لَا يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جُمْلَةَ أُهِلَّ إلَخْ مُفَسِّرَةٌ لِلْفِسْقِ لِجَوَازِ كَوْنِهَا صِفَةً لَهُ مُخَصِّصَةً فَلَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّخْصِيصُ مَعَ صِحَّةِ التَّعْمِيمِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ بَلْ مَعَ دَاعِي التَّعْمِيمِ؛ لِأَنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ مِنْ الْحَرَامِ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُرْتَكَبُ بِلَا دَلِيلٍ (قَوْلُهُ: فَلَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ) قَضِيَّتُهُ الْحُرْمَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ مَعْنَى التَّشْرِيكِ وَلَا مَعْنَى أَذْبَحُ بِسْمِ اللَّهِ وَأَتَبَرَّكُ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ وَانْظُرْ الْفَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْحُرْمَةِ هُنَا وَالْكَرَاهَةِ فَقَطْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَقَدْ يُفَرَّقُ بِقُوَّةِ الْإِيهَامِ هُنَا إذْ لِلنَّبِيِّ مِنْ الْعَظَمَةِ مَا يَقْوَى مَعَهُ التَّوَهُّمُ (قَوْلُهُ: كَأَنْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ وَلَا ذَبِيحَةَ أَيْ: وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِلْكَعْبَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا سِوَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ بَلْ إنْ ذَبَحَ لِذَلِكَ تَعْظِيمًا وَعِبَادَةً كَفَرَ كَمَا لَوْ سَجَدَ لِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ فَإِنْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ أَوْ لِلرُّسُلِ تَعْظِيمًا لِكَوْنِهَا بَيْتَ اللَّهِ أَوْ لِكَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ جَازَ وَتَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ إذَا ذُبِحَتْ تَقَرُّبًا إلَى السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ عِنْدَ لِقَائِهِ لِمَا مَرَّ فَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِبْشَارَ بِقُدُومِهِ فَلَا بَأْسَ.
اهـ.
فَأَفَادَ قَوْلُهُ: وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْلُ أَنَّ لِلْحُرْمَةِ صُورَتَيْنِ مَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ، وَمَا لَا فَلْيُحَرَّرْ مَا يُمَيِّزُ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَنْ الْأُخْرَى وَأَنَّ الذَّبْحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لِكَوْنِهَا بَيْتَ اللَّهِ أَوْ لِلرُّسُلِ لِكَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ خَارِجٌ عَنْ الصُّورَتَيْنِ، وَأَنَّ الذَّبْحَ بِقَصْدِ الِاسْتِبْشَارِ بِقُدُومِ السُّلْطَانِ لَا يَحْرُمُ فَلْتُمَيِّزْ هَذِهِ الصُّوَرَ فِي الْمَعْنَى بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِجَمْعِ صُورَتَيْ الْحُرْمَةِ الذَّبْحِ عَلَى وَجْهِ أَنَّ الْمَذْبُوحَ لَهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِذَاتِهِ وَتَتَمَيَّزُ صُورَةُ الْكُفْرِ بِقَصْدِ الْعِبَادَةِ وَمُجَرَّدُ الْحُرْمَةِ بِعَدَمِ قَصْدِهَا فَلْيُحَرَّرْ جِدًّا (قَوْلُهُ: أَيْ: يُسَمِّي عِنْدَ فِعْلِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَالتَّسْمِيَةُ أَيْ: وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الذَّبْحِ وَإِرْسَالِ السَّهْمِ وَالْجَارِحَةِ وَلَوْ عِنْدَ الْإِصَابَةِ وَالْعَضِّ.
اهـ.
قَالَ فِي شَرْحِهِ لَكِنْ مَا بَعْدَ لَوْلَا يَصْلُحُ غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا فَلَوْ قَالَ: وَكَذَا عِنْدَ الْإِصَابَةِ وَالْعَضِّ كَانَ أَوْلَى.
اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ نَدْبُ مَا ذُكِرَ عِنْدَ الْإِرْسَالِ وَالْإِصَابَةِ وَالْعَضِّ
[حاشية الشربيني]
الْجَلَالِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا إلَخْ) هَلَّا قِيلَ بِالْجَوَازِ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمَّى كَمَا صَحَّحُوا الِاقْتِدَاءَ بِحَنَفِيٍّ بِنَاءً عَلَى إتْيَانِهِ بِالْبَسْمَلَةِ تَأَمَّلْ وَرَاجِعْ شَرْحَ الْإِحْيَاءِ فِي كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَدْ يُقَالُ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْحِلِّ قُرْبُ الْعَهْدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الِاقْتِدَاءِ (قَوْلُهُ: إذْ الْأُولَى إلَخْ) قَدْ يُدْفَعُ بِعَطْفِ الْمَضْمُونِ عَلَى الْمَضْمُونِ أَوْ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِحِلِّ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] وَهُمْ لَا يَذْكُرُونَهَا أَوْلَى وَالْمُرَادُ بِمَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْمَذْبُوحُ لِلْأَصْنَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] إذْ الْحَالَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِسْقًا هِيَ تِلْكَ بِدَلِيلِ ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145] وَقَدْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِإِنَّ وَاللَّامِ يَمْنَعُ الْحَالِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْسُنُ فِيمَا قَصَدَ الْإِعْلَامَ بِتَحَقُّقِهِ وَالرَّدِّ عَلَى مُنْكِرٍ وَالْحَالُ الْوَاقِعِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَبْنَاهُ عَلَى التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَأْكُلُوا إنْ كَانَ فِسْقًا، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِالْفِسْقِ الْإِهْلَالَ لِغَيْرِ اللَّهِ كَانَ التَّأْكِيدُ مُنَاسِبًا كَأَنَّهُ قِيلَ لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْفِسْقِ الَّذِي الْحُكْمُ بِهِ مُتَحَقِّقٌ وَالْمُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَهُ، وَقَالَ الْيَمَنِيُّ لَا امْتِنَاعَ فِي تَصْدِيرِ الْجُمْلَةِ الْحَالِيَّةِ بِإِنَّ.
اهـ.
مِنْ الشِّهَابِ (قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) أَيْ: مَعَ حِلِّ الذَّبِيحَةِ ع ش وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إنْ أُطْلِقَ فَإِنْ قَصَدَ أَنَّ الْمَذْبُوحَ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ لِذَاتِهِ حَرُمَتْ وَكَذَا إنْ قَصَدَ الْعِبَادَةَ بَلْ يَكْفُرُ حِينَئِذٍ كَمَا يُفِيدُهُ الْمُحَشِّي (قَوْلُهُ: وَإِنْ حَرُمَ) ؛ لِأَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ عِبَادَةٍ
السَّهْمِ إيَّاهُ وَتُنْدَبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ أَيْضًا
(وَيُنْدَبُ الْإِرْهَافُ) لِلسِّكِّينِ أَيْ: تَرْقِيقُهَا بِمَعْنَى تَحْدِيدِهَا الْمُعَبَّرِ بِهِ فِي الْحَاوِي لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ وَلَا يُحِدُّ الشَّفْرَةَ قُبَالَتَهَا وَلَا يَذْبَحُ بَعْضَهَا قُبَالَةَ بَعْضٍ» . وَأَفْهَمَ نَدْبُ تَحْدِيدِهَا أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ كَالَّةٍ حَلَّ وَمَحَلُّهُ أَنْ لَا يَكُونَ كَلَالُهَا غَيْرَ قَاطِعٍ إلَّا بِشِدَّةِ اعْتِمَادٍ وَقُوَّةِ الذَّابِحِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَحِلَّ وَيُنْدَبُ عَرْضُ الْمَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ قَبْلَ ذَبْحِهِ
(وَ) يُنْدَبُ (الْقَطْعُ الْعَجِلْ) أَيْ: إسْرَاعُ الْقَطْعِ بِإِمْرَارِ السِّكِّينِ بِقُوَّةٍ وَتَحَامُلٍ ذَهَابًا وَعَوْدًا لِيَكُونَ أَوْحَى وَأَسْهَلَ نَعَمْ إنْ كَانَ بِتَأَنِّيهِ فِي الْقَطْعِ يَنْتَهِي الْحَيَوَانُ قَبْلَ تَمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَجَبَ الْإِسْرَاعُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا
(وَ) يُنْدَبُ (كَوْنُهُ) أَيْ: الذَّبْحِ (فِي لَبَّةٍ مِنْ الْإِبِلْ) وَفِي حَلْقٍ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلِطُولِ عُنُقِ الْإِبِلِ فَيَكُونُ أَسْرَعَ لِخُرُوجِ رُوحِهَا، وَلَوْ عَكَسَ فَقَطَعَ حُلْقُومَ الْإِبِلِ وَلَبَّةَ غَيْرِهَا لَمْ يُكْرَهْ إذْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ النَّظْمِ أَنَّ جَمِيعَ مَا عَدَا الْإِبِلِ يُخَالِفُهَا فِيمَا ذُكِرَ وَقَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ أَنَّ مَا طَالَ عُنُقُهُ كَالزَّرَافَةِ إنْ أَبَحْنَاهَا وَالنَّعَامُ مِثْلُهَا وَاللَّبَّةُ بِفَتْحِ اللَّامِ مِنْ أَسْفَلِ الْعُنُقِ وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ قَائِمًا عَلَى ثَلَاثٍ، مَعْقُولَ الرُّكْبَةِ الْيُسْرَى وَإِلَّا فَبَارِكًا وَأَنْ تَكُونَ الْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ مُضْجَعَةً لِجَنْبِهَا الْأَيْسَرِ وَتُتْرَكُ رِجْلُهَا الْيُمْنَى لِتَسْتَرِيحَ بِتَحْرِيكِهَا وَيُشَدُّ بَاقِي الْقَوَائِمِ لِئَلَّا يَضْطَرِبَ حَالَةَ الذَّبْحِ فَيَنْزِلَ الذَّابِحُ
. (وَ) يُنْدَبُ (قِبْلَةٌ لِمَذْبَحٍ وَمَنْ سَفَكْ) أَيْ: يُنْدَبُ تَوْجِيهُ الْمَذْبَحِ وَالذَّابِحِ لِلْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ وَلَوْ قَدَّمَ هَذَا وَالْإِرْهَافَ عَلَى التَّسْمِيَةِ كَانَ أَوْلَى وَإِذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمْسِكَ وَلَا يُبِينَ الرَّأْسَ فِي الْحَالِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ فِي الْقَطْعِ حَتَّى يَبْلُغَ النُّخَاعَ، وَلَا يُبَادِرَ إلَى سَلْخِ الْجِلْدِ وَلَا بِكَسْرِ الْفَقَارِ وَلَا يَقْطَعُ عُضْوًا وَلَا يُحَرِّكُ الذَّبِيحَةَ وَلَا يَنْقُلُهَا إلَى مَكَان بَلْ يَتْرُكُ جَمِيعَ ذَلِكَ حَتَّى تُفَارِقَ الرُّوحُ وَلَا يَمْنَعُهَا مِنْ الِاضْطِرَابِ، وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ لَيْلًا إذْ لَا يُؤْمَنُ الْخَطَأُ فِيهِ
(فَائِدَةٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَالْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّبْحِ وَإِنْهَارِ الدَّمِ تَمْيِيزُ حَلَالِ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ مِنْ حَرَامِهِمَا، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ لِبَقَاءِ دَمِهَا
(وَمَنْ أَزَالَ مَنْعَةَ الصَّيْدِ) بِإِسْكَانِ النُّونِ مُخَفَّفًا مِنْ فَتْحِهَا أَيْ: قُوَّتَهُ الَّتِي يَمْتَنِعُ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ كَإِبْطَالِ شِدَّةِ عَدْوِهِ، وَكَسْرِ جَنَاحِهِ وَتَذْفِيفِهِ (مَلَكْ) أَيْ: مَلَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهُ وَلَوْ جَرَى خَلْفَ صَيْدٍ فَوَقَفَ لِلْإِعْيَاءِ لَمْ يَمْلِكْهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ وَلَوْ جَرَحَهُ فَعَطِشَ وَثَبَتَ لَمْ يَمْلِكْهُ إنْ كَانَ عَطَشُهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّ عَجْزَهُ بِالْجِرَاحَةِ وَلَوْ أَخَذَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ صَيْدًا بِغَيْرِ إرْسَالٍ فَأَخَذَهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ فَمِهِ مَلَكَهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ إلَى صَيْدٍ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ مِنْ فَمِهِ فَهُوَ لِلْمُرْسِلِ (كَمِثْلِ إنْ عَشَّشَ فِيمَا بَنَيَا بِقَصْدِهِ) أَيْ: كَمَا يَمْلِكُ الطَّائِرَ بِتَعْشِيشِهِ فِيمَا بَنَاهُ بِقَصْدِ التَّعْشِيشِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ وَهُوَ كَالتَّحَجُّرِ كَمَا سَيَأْتِي (أَوْ لِمَضِيقِ أُلْجِيَا) أَيْ: وَكَمَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ فِيمَا لَوْ أَلْجَأَهُ إلَى مَضِيقٍ لَا مَلْجَأَ لَهُ مِنْهُ كَإِلْجَاءِ السَّمَكَةِ إلَى بِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ، وَيَمْلِكُهُ بِوُقُوعِهِ فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا لَهُ فَإِنْ تَقَطَّعَتْ فَأَفْلَتَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَطْعِ الصَّيْدِ عَادَ مُبَاحًا وَإِلَّا فَلَا، ثُمَّ مَحَلُّ مِلْكِهِ الصَّيْدَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرُ مِلْكٍ كَوَسْمٍ وَقَصِّ جَنَاحٍ فَإِنْ كَانَ فَضَالَةً أَوْ لُقَطَةً وَلَا يَخْفَى
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: قَبْلَ تَمَامِ قَطْعٍ إلَخْ) قَالَ فِي الرَّوْضِ وَيَعْصِي بِالذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا وَمِنْ الصَّفْحَةِ أَيْ: صَفْحَةِ الْعُنُقِ وَإِدْخَالِ السِّكِّينِ فِي الْأُذُنِ فَإِنْ وَصَلَ الْمَذْبَحَ، وَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةٌ فَقَطَعَ حَلَّ وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ جِلْدَتَهُمَا وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي قَطْعِهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَنَّى فِي الذَّبْحِ فَلَمْ يُتِمَّهُ حَتَّى بَلَغَ اسْتِقْرَارُهَا أَيْ: فَإِنَّهُ يَضُرُّ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنْ وَصَلَ الْمَذْبَحَ أَيْ: فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، وَقَوْلُهُ: فَقَطَعَ أَيْ: فَقَطَعَهُ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الرَّوْضَةِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي قَطْعِهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَنَّى فِي الذَّبْحِ فَلَمْ يُتِمَّهُ حَتَّى مَنَعَ اسْتِقْرَارَهَا.
اهـ.
أَيْ: فَإِنَّهُ يَضُرُّ
(قَوْلُهُ: كَانَ أَوْلَى) أَيْ: لِسَبْقِهِ فِي الْوُجُودِ عَلَيْهَا
[فَائِدَةٌ الْحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّبْحِ وَإِنْهَارِ الدَّمِ]
(قَوْلُهُ: لَمْ يَمْلِكْهُ) أَيْ: حَتَّى يَأْخُذَهُ وَقَوْلُهُ: مَلَكَهُ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ) أَيْ: أَوْ كَلْبًا غَصَبَهُ (قَوْلُهُ: أي كَمَا يَمْلِكُ الطَّائِرَ) يُفِيدُ مِلْكَ الطَّائِرِ أَيْضًا كَفَرْخِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ كَأَصْلِهِ وَأَخَذَ بِهِ الْقُونَوِيُّ وَقَضِيَّةُ تَعْبِيرِ الْإِرْشَادِ بِقَوْلِهِ وَيَمْلِكُ صَيْدًا تَفَرَّخَ بِمِلْكِهِ أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِهَذَا الطَّرِيقِ الْفَرْخُ لَا الْأَصْلُ قِيلَ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْجَوَاهِرِ.
اهـ.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ مَلَكَ بَيْضَهُ وَفَرْخَهُ لَا هُوَ.
اهـ. وَقَوْلُهُ: لَا هُوَ قِيلَ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ بَلْ شَاذٍّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَالْمُعْتَمَدُ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ أَيْضًا.
اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يَمْلِكُهُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ؟ قُلْتُ لَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَشْعَشَ أَلِفَ عُشَّهُ وَاسْتَوْطَنَهُ وَاسْتَأْنَسَ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ فَأَمْكَنَ التَّوَصُّلُ إلَى أَخْذِهِ وَعُدَّ فِي يَدِ وَاضِعِ الْيَدِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ: بِقَصْدِ التَّعْشِيشِ فِيهِ) يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُعْتِيدَ الْبِنَاءُ لِلتَّعْشِيشِ بِقَصْدِ الِاصْطِيَادِ بِهِ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي سَقْيِ الْأَرْضِ فَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ السَّقْيِ بِقَصْدِ التَّوَصُّلِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ هُنَا عَنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ نَقَلَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ عَنْ الْإِمَامِ خِلَافَهُ وَضَعَّفَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَجَمَعَ الْبُلْقِينِيُّ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى سَقْيٍ اُعْتِيدَ الِاصْطِيَادُ بِهِ وَمَا هُنَاكَ عَلَى خِلَافِهِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا لَهُ) قَالَ فِي الرَّوْضِ: وَلَا يَمْلِكُهُ مَنْ طَرَدَهُ إلَيْهَا قَالَ فِي شَرْحِهِ لِتَقَدُّمِ حَقِّ نَاصِبِهَا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) يَدْخُلُ تَحْتَ وَإِلَّا قَوْلُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَإِنْ أَقْطَعَهَا غَيْرَهُ فَانْفَلَتَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فَلَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّوْضِ فَإِنْ ذَهَبَ بِالشَّبَكَةِ وَكَانَ عَلَى امْتِنَاعِهِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِصَاحِبِهَا.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: بِأَنْ كَانَ ثِقَلُهَا يُبْطِلُ امْتِنَاعَهُ) بِحَيْثُ يَتَيَسَّرُ أَخْذُهُ
[حاشية الشربيني]
إذْ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الذَّبْحِ
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ التَّأَنِّي لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْجَمِيعِ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ
أَنَّ مَحَلَّ مَا ذُكِرَ فِي صَيْدِ غَيْرِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحْرِمِ (وَمَلْجَإٍ لِوَاسِعٍ) أَيْ: وَإِلْجَاءِ الصَّيْدِ إلَى مَوْضِعٍ وَاسِعٍ (أَوْ) تَعْشِيشِهِ فِي بِنَاءٍ (عُمِّرَا بِغَيْرِ قَصْدِهِ) أَيْ: تَعْشِيشِهِ فِيهِ مَعَ وُجُودِ الصَّيْدِ فِيهِ (حَكَى) أَيْ: شَابَهَ (التَّحَجُّرَا) لِلْإِحْيَاءِ حَتَّى لَا يَمْلِكَهُ بِذَلِكَ الْفَاعِلُ وَيَكُونُ أَوْلَى بِتَمَلُّكِهِ وَلَوْ أَخَذَهُ أَجْنَبِيٌّ مَلَكَهُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ أَوْلَى بِتَمَلُّكِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ مَغْصُوبًا وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا يَمْلِكُ مَا صَادَهُ فِي دَارِ غَصَبَهَا (وَلَوْ مَعَ التَّحْرِيرِ وَالْإِفْلَاتِ) أَيْ: مَلَكَ مَا صَادَهُ فَلَا يَزُولُ بِغَيْرِ مُزِيلٍ، وَلَوْ مَعَ تَحْرِيرِهِ لَهُ بِأَنْ قَالَ حَرَّرْتُهُ أَوْ أَعْتَقْتُهُ أَوْ مَعَ إفْلَاتِهِ لَهُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ سَيَّبَ دَابَّتَهُ؛ وَهُوَ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَوْ قَالَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ عِنْدَ إرْسَالِهِ أَبَحْته لِمَنْ يَأْخُذُهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ فَلِمَنْ أَخَذَهُ أَكْلُهُ بِلَا ضَمَانٍ لَكِنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ (كَالْحُكْمِ) فِيمَا (لَوْ أَعْرَضَ عَنْ مُقْتَاتِ) مِنْ كِسْرَةٍ وَسَنَابِلَ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَا يَمْلِكُهُ آخِذُهُ وَإِنَّمَا يُبَاحُ لَهُ أَكْلُهُ لِلِاكْتِفَاءِ فِي الْإِبَاحَةِ بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ أَحْوَالِ السَّلَفِ وَتَعْبِيرُ النَّظْمِ بِمُقْتَاتٍ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِكِسْرَةٍ مَعَ أَنَّ عُمُومَهُ لَيْسَ مُرَادًا مُطْلَقًا فَلَوْ عَبَّرَ بِمَا يُعْرَضُ عَنْهُ عُرْفًا كَانَ أَوْلَى لِتَنَاوُلِهِ غَيْرَ الْمُقْتَاتِ كَبُرَادَةِ الْحَدِيدِ، وَإِخْرَاجِهِ مَا لَا يُعْرَضُ عَنْهُ عُرْفًا (لَا) إنْ أَعْرَضَ عَنْ (جِلْدِ مَيِّتٍ) فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ وَدَبَغَهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ وَيَزُولُ اخْتِصَاصُ الْأَوَّلِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاخْتِصَاصِ يَضْعُفُ بِالْإِعْرَاضِ
وَلَوْ جَرَحَ اثْنَانِ صَيْدًا فَإِمَّا أَنْ يَتَعَاقَبَ عَلَيْهِ جَرْحَاهُمَا أَوْ يَجْرَحَاهُ مَعًا فَإِنْ تَعَاقَبَا عَلَيْهِ فَلَهُ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُزْمِنَهُ الْأَوَّلُ وَيُذَفِّفَهُ الثَّانِي وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا أَزْمَنَ) وَاحِدٌ (ثُمَّ ذَفَّفَ ثَانٍ) فَإِنْ ذَفَّفَ (لَا بِمَذْبَحٍ حَرُمْ) ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِزْمَانِ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ (وَقِيمَةُ الصَّيْدِ) مُزْمِنًا (عَلَى الثَّانِي) لِلْأَوَّلِ لِإِفْسَادِهِ مَالَهُ وَإِنْ ذَفَّفَ بِالْمَذْبَحِ بِأَنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ لَمْ يَحْرُمْ وَيَضْمَنُ لِلْأَوَّلِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ زَمِنًا وَمَذْبُوحًا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَإِنْ كَانَ مُتَأَلِّمًا بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُذْبَحْ لَهَلَكَ فَمَا عِنْدِي أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهُ بِالذَّبْحِ شَيْءٌ.
وَاعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي ضَمَانِ النَّقْصِ أَنَّهُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ زَمِنًا وَمَذْبُوحًا فَإِنَّ الْجِلْدَ يَنْقُصُ بِالْقَطْعِ فَيَلْزَمُ الثَّانِيَ نَقْصُهُ ثَانِيهَا: أَنْ يُذَفِّفَ أَحَدُهُمَا وَيُزْمِنَ الْآخَرُ وَيُجْهَلَ السَّابِقُ فَيَحْرُمُ إنْ ذَفَّفَ بِغَيْرِ الْمَذْبَحِ وَإِلَّا حَلَّ، ثُمَّ إنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَزْمَنَهُ أَوَّلًا وَأَنَّهُ لَهُ فَلِكُلٍّ تَحْلِيفُ الْآخَرِ فَإِنْ حَلَفَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ أَوْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَهُوَ لَهُ وَلَهُ عَلَى النَّاكِلِ قِيمَتُهُ مُزْمِنًا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَأَرْشُ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ فِي الثَّانِيَةِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَعْلَمَ السَّابِقَ، ثُمَّ يَنْسَى فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُوقَفُ إلَى الصُّلْحِ أَوْ الْبَيَانِ.
رَابِعُهَا: أَنْ يُزْمِنَهُ الْأَوَّلُ وَلَا يُذَفِّفُهُ الثَّانِي وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَمَا لَوْ لَمْ يُذَفِّفْهُ) الثَّانِي بِزِيَادَةِ مَا (فَمَاتَ بِهِمَا) أَيْ: بِالْجَرْحَيْنِ (فَهُوَ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْلِ حَرَامٌ وَإِلَى -
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَلَوْ قَالَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ يَحْرُمُ كَالْإِفْلَاتِ السَّابِقِ؟ الظَّاهِرُ التَّحْرِيمُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْبِيهِ بِالسَّوَائِبِ بِرّ (قَوْلُهُ: فَلِمَنْ أَخَذَهُ أَكْلُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَكَذَا إطْعَامُ غَيْرِهِ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ.
اهـ.
وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ أَخْذَ الْغَيْرِ مِنْهُ وَأَكْلَهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ أَخْذِهِ لِلْأَكْلِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ لَهُ فَلْيُتَأَمَّلْ سم وَقَوْلُهُ: أَكْلَهُ أَيْ: لَا إطْعَامَ غَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ م ر (قَوْلُهُ: تَنْبِيهٌ مِنْ لَازِمِ جَوَازِ أَكْلِهِ جَوَازُ ذَبْحِهِ) ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقُ الْأَكْلِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ إطْلَاقَ الْإِبَاحَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَكْلِ فَهَلْ يُسْتَفَادُ بِهَا الِانْتِفَاعُ بِنَحْوِ الرُّكُوبِ أَيْضًا فِيهِ نَظَرٌ وَلَوْ قَيَّدَ الْإِبَاحَةَ بِالرُّكُوبِ فَهَلْ لَهُ حُكْمُ الْعَارِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ) أَيْ: وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُعْرِضِ عَنْهُ بِالْإِعْرَاضِ كَمَا فِي شَرْحَيْ الْإِرْشَادِ بِرّ
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ) هَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى حِلِّهِ بِالذَّبْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَهُ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ إذَا زَالَتْ بِنَحْوِ جُرْحٍ لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ وَالْإِزْمَانُ هُنَا حَصَلَ بِالْجُرْحِ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ وَلَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ اثْنَانِ إلَخْ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَيَلْزَمُ الثَّانِيَ نَقْصُهُ) قَدْ يُقَالُ يَلْزَمُ مِنْ ضَمَانِ نَقْصِهِ ضَمَانُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا وَمَذْبُوحًا؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ إذَا نَقَصَ بِالْقَطْعِ اللَّازِمِ لِلذَّبْحِ لَزِمَ نَقْصُ قِيمَتِهِ مَذْبُوحًا عَنْ قِيمَتِهِ قَبْلَ الذَّبْحِ فَفِيمَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ تَنَافٍ لَا يَخْفَى مَعَ التَّأَمُّلِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ: بِأَنْ ذَفَّفَ بِالذَّبْحِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ حَلَفَا) يَنْبَغِي أَوْ نَكَلَا (قَوْلُهُ: فِي الْحَالَةِ الْأُولَى) أَيْ: إنْ ذَفَّفَ بِغَيْرِ الذَّبْحِ وَقَوْلُهُ: فِي الثَّانِيَةِ أَيْ: قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ
[حاشية الشربيني]
لِحَرَكَةِ مَذْبُوحٍ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ ذَبَحَ بِكَالٍّ كَمَا فِي التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: فَمَاتَ بِهِمَا) أَيْ: بِالْجُرْحَيْنِ أَيْ: وَلَوْ بِالْقُوَّةِ بِأَنْ كَانَ
الضَّمَانِ (كَمَمْلُوكٍ لَهُ) بِزِيَادَةِ لَهُ بِلَا فَائِدَةٍ أَيْ: كَمَمْلُوكٍ مِنْ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ جَرَحَهُ إنْسَانٌ، وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ (فَعَادَ) بِالْجَرْحِ (مِنْ عَشْرٍ إلَى تِسْعٍ فَإِنْ يُجْرَحْ) أَيْ: الْمَمْلُوكُ ثَانِيًا بِأَنْ جَرَحَهُ آخَرُ فَعَادَتْ قِيمَتُهُ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَمَاتَ بِهِمَا (ضَمِنْ) أَيْ: الْأَوَّلُ (عَشَرَةً) مِنْ الْأَجْزَاءِ (مِنْ أَصْلِ تِسْعَةَ عَشَرْ جُزْءًا مِنْ الْعَشَرَةِ وَالثَّانِي جُبِرْ) ذَلِكَ (بِتِسْعَةٍ) مِنْ الْأَجْزَاءِ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا (مِنْ عَشْرَةٍ) ؛ لِأَنَّك إذَا جَمَعْتَ قِيمَتَيْ يَوْمِ الْجَرْحَيْنِ وَقَسَمْتَ عَلَى الْحَاصِلِ مَا فَوَّتَاهُ وَهُوَ عَشَرَةٌ لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا مَا ذُكِرَ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْجَرْحِ الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَالثَّانِي أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَتُقْسَمُ الْعَشَرَةُ عَلَى تِسْعَةٍ وَنِصْفٍ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ سِتَّةِ أَوْجُهٍ فِي مَسْأَلَةِ الْمَمْلُوكِ هُوَ أَرْجَحُهَا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (قُلْتُ) هَذَا (عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ سِوَاهُ فُضِّلَا) أَيْ: رُجِّحَ فَقَدْ رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ: وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فِي الْمَمْلُوكِ عُرِفَ فِي الصَّيْدِ لَكِنْ جَارِحَهُ الْأَوَّلَ مَالِكٌ لَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ هَذَا إذَا تَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ، وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَذَبَحَهُ فَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ جَرْحِهِ إنْ حَدَثَ بِهِ نَقْصٌ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ، فَعَلَى الثَّانِي تَمَامُ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا وَهُوَ تِسْعَةٌ بِتَقْدِيرِ أَنَّ قِيمَتَهُ مَا مَرَّ فِي الْمَمْلُوكِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَحَ شَاةَ نَفْسِهِ، وَجَرَحَهَا آخَرُ فَمَاتَتْ لَمْ يَلْزَمْ الثَّانِيَ إلَّا نِصْفُ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْجَرْحَيْنِ حَرَامٌ وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِهِمَا وَهُنَا فِعْلُ الْأَوَّلِ اكْتِسَابٌ وَذَكَاةٌ كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَاسْتَدْرَكَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ مُؤَثِّرٌ فِي الزُّهُوقِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فَيُقَالَ إذَا كَانَ غَيْرَ مُزْمِنٍ يُسَاوِي عَشَرَةً وَمُزْمِنًا تِسْعَةً وَمَذْبُوحًا ثَمَانِيَةً تَلْزَمُهُ الثَّمَانِيَةُ وَالدِّينَارُ الْآخَرُ أَثَّرَ فِي فَوَاتِهِ الْفِعْلَانِ جَمِيعًا فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا فَيُهْدَرُ نِصْفُهُ وَيَلْزَمُهُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ حَسَنٌ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ.
ثَانِي الْأَوْجُهِ يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: لَا لَكَ) إذَا جَمَعْت قِيمَتَيْ يَوْمِ الْجُرْحَيْنِ وَهُمَا تِسْعَةٌ وَعَشَرَةٌ (قَوْلُهُ: عَلَى الْحَاصِلِ) وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ
(قَوْلُهُ: هَذَا إذَا تَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الذَّبْحِ وَتَرَكَ يُعَدُّ الْجُرْحُ وَسِرَايَتُهُ إفْسَادًا وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ تَرْكُهُ لِلذَّبْحِ مُسْقِطًا لِلضَّمَانِ كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ شَاةَ إنْسَانٍ فَلَمْ يَذْبَحْهَا الْمَالِكُ حَتَّى مَاتَتْ لَا يُسْقِطُ ذَلِكَ الضَّمَانَ عَنْ الْجَارِحِ فَكَانَ الْأَعْدَلُ الرَّاجِحُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ قِسْمَةِ الْقِيمَةِ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَتْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْأَوَّلُ فَإِنَّ عَلَى الثَّانِي تَمَامَ قِيمَتِهِ مُزْمِنًا كَمَا سَيَأْتِي لِانْتِفَاءِ التَّقْصِيرِ مِنْ الْأَوَّلِ بِرّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ) فِيهِ تَأَمُّلٌ لِظُهُورِ مَدْخَلِيَّةِ فِعْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا، وَعَدَمُ تَقْصِيرِهِ لَا يَمْنَعُ تِلْكَ الْمَدْخَلِيَّةَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ لَا يَمْنَعُهَا لَكِنْ يُلْغِي أَثَرَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْتُ مَا يَذْكُرُهُ آنِفًا عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ (قَوْلُهُ: وَمَذْبُوحًا ثَمَانِيَةً) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ مَذْبُوحًا مَوْتُهُ بِالْجَرْحِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ ذَبْحٌ شَرْعًا أَيْ: تَذْكِيَةٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا الْجَرْحُ الْأَوَّلُ وَمَاتَ مِنْهُ كَانَ حَلَالًا إذْ الْفَرْضُ عَدَمُ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَبْحِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ جَرْحَ الصَّيْدِ مَعَ مَوْتِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَبْحِهِ تَذْكِيَةٌ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الذَّبْحُ فَرْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعُبَابِ فَيَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهِ لَوْ ذُبِحَ فَإِنْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً لَزِمَ الثَّانِيَ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: تَلْزَمُهُ الثَّمَانِيَةُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ سَلِمَ مِنْ فِعْلِ الثَّانِي اسْتَفَادَ هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ لِحِلِّ الصَّيْدِ بِفِعْلِهِ لَوْ مَاتَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَفِي الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ سَلِمَ مِنْ الثَّانِي لَاسْتَفَادَ هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ لِحِلِّ الصَّيْدِ بِفِعْلِهِ فَالْمُفَوِّتُ لِهَذِهِ الثَّمَانِيَةِ لَيْسَ إلَّا الثَّانِي بِخِلَافِ الدِّينَارِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ فَاتَ بِكِلَا الْفِعْلَيْنِ فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِرّ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ) قَالَ الْإِمَامُ لِلنَّظَرِ فِي هَذَا مَجَالٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُفْسِدُ يَقْطَعُ أَثَرَ فِعْلِ الْإِمَامِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
اهـ.
بِرّ
[حاشية الشربيني]
يُزْهِقَانِ الرُّوحَ لَوْ تُرِكَ لِيَتَأَتَّى التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ تَارَةً يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَبْحِهِ، وَتَارَةً لَا وَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ تَارَةً يَذْبَحُهُ، وَتَارَةً لَا لَكِنْ قَوْلُ الشَّارِحِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْلِ حَرَامٌ خَاصٌّ بِمَا إذَا مَاتَ بِهِمَا بِالْفِعْلِ.
اهـ.
رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر (قَوْلُهُ: بِلَا فَائِدَةٍ) قَدْ يُقَالُ مُرَادُهُ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَجَرَحَهُ هُوَ أَوَّلًا لِيُسَاوِي مَسْأَلَةَ الصَّيْدِ فِي أَنَّ الْجَارِحَ الْأَوَّلَ مَالِكٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَجْرِ فِي الْعَبْدِ جَمِيعُ التَّفَاصِيلِ الْآتِيَةِ (قَوْلُهُ: ضَمِنَ أَيْ: الْأَوَّلُ عَشَرَةً إلَخْ) وَهِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ وَقَوْلُهُ: جُبِرَ بِتِسْعَةٍ وَهِيَ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ.
اهـ.
ق ل عَلَى الْجَلَالِ أَيْ: لِأَنَّ كُلَّ دِرْهَمٍ يَخُصُّهُ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ بِالْقِسْمَةِ، وَأَرْبَعَةٌ، وَخَمْسَةٌ تِسْعَةٌ وَنِصْفُ الدِّرْهَمِ تِسْعَةٌ وَنِصْفٌ يَخُصُّهُ نِصْفُ جُزْءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّك إذَا جَمَعْتَ إلَخْ) إيضَاحُهُ أَنْ تَقُولَ لَوْ فُرِضَ قِيمَتُهُ وَقْتَ رَمْيِ الْأَوَّلِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَعِنْدَ رَمْيِ الثَّانِي تِسْعَةً فَيُقْسَمُ مَا فَوَّتَاهُ وَهُوَ الْعَشَرَةُ عَلَى مَجْمُوعِ الْقِيمَتَيْنِ، وَهُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ فَمِنْهَا تِسْعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفُ دِينَارٍ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ نِصْفُ دِينَارٍ عَلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَذَلِكَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفُ دِينَارٍ يَفْضُلُ مِنْ الْعَشَرَةِ الْمَقْسُومَةِ نِصْفُ دِينَارٍ يُقْسَمُ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ فَيَخُصُّ الْأَوَّلَ عَشْرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ، وَيَخُصُّ الثَّانِيَ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهُ فَيَكُونُ جُمْلَةُ مَا عَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَعَشْرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ، وَجُمْلَةُ مَا عَلَى الثَّانِي أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفٌ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ.
اهـ.
سم عَلَى التُّحْفَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ) أَيْ: لِأَنَّهُ مَاتَ مَوْتًا حَرُمَ بِهِ فِعْلُهُ إذَا لَوْ لَمْ يَجْرَحْهُ الثَّانِي مَعَ عَدَمِ تَمَكُّنِ الْأَوَّلِ مِنْ الذَّبْحِ وَمَاتَ لَكَانَ حَلَالًا فَجُرْحُ الْأَوَّلِ لَمْ يُضَيِّعْ سِوَى وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ تَأَمَّلْهُ (قَوْلُهُ: ثَانِي الْأَوْجُهِ) أَيْ: فِيمَا إذَا تَمَكَّنَ الْأَوَّلُ مِنْ ذَبْحِهِ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ
فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَالثَّانِيَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ الْجَرْحَيْنِ سَرَيَا وَصَارَا قَتْلًا فَلَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا ذَلِكَ.
ثَالِثُهَا: يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَنِصْفُ أَرْشِهِ فَتَجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا وَتُقْسَمُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَهِيَ عَشَرَةٌ فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ وَالثَّانِيَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْهَا.
رَابِعُهَا: وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَالثَّانِيَ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ انْفَرَدَ بِالْجَرْحِ وَالسِّرَايَةِ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا مَا لَزِمَ الثَّانِيَ وَالثَّانِي إنَّمَا جَنَى عَلَى نِصْفِ مَا يُسَاوِي تِسْعَةً.
خَامِسُهَا: يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا خَمْسَةٌ إذْ جِنَايَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَقَصَتْ دِينَارًا فَعَلَيْهِ أَرْشُهَا، وَالْبَاقِي تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَتِهِمَا فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي النَّظْمِ فِيمَا لَوْ أَزْمَنَاهُ وَعَادَ الْأَوَّلُ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا.
سَادِسُهَا: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَالثَّانِيَ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَقَصَتْ دِينَارًا، ثُمَّ سَرَتَا، وَالْأَرْشُ يَسْقُطُ إذَا صَارَتْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا فَيَسْقُطُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُ نِصْفُ الْقَتْلِ وَعَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ مُؤَاخَذَاتٌ مَذْكُورَةٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا خَامِسُ الْأَحْوَالِ أَنْ يُذَفِّفَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَيَضْمَنُ) الْجَارِحُ (الْآخِرُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ لِلْأَوَّلِ (حَيْثُ ذَفَّفَا أَوَّلُ أَرْشَ الْجَرْحِ) الصَّادِرِ مِنْهُ وَهُوَ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ مُذَفَّفًا بِجَرْحِهِ إنْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ فِي اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ، فَفَاعِلُ ذَفَّفَ أَوَّلُ بِمَنْعِ صَرْفِهِ وَأَرْشَ مَفْعُولُ يَضْمَنُ.
سَادِسُهَا: أَنْ لَا يُزْمِنَهُ الْأَوَّلُ وَلَا يُذَفِّفَهُ وَيُذَفِّفَهُ الثَّانِي وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَالْعَكْسُ انْتَفَى) فِيهِ الضَّمَانُ أَيْ: لَا يَضْمَنُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي لِكَوْنِهِ جَرَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ الثَّانِي وَلَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَرَحَهُ الثَّانِي كَانَ مُبَاحًا.
سَابِعُهَا: أَنْ يَحْصُلَ الْإِزْمَانُ بِمَجْمُوعِ جَرْحَيْهِمَا وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَحَيْثُ أَزْمَنَا فَلِلثَّانِي) الصَّيْدُ لِحُصُولِ الْإِزْمَانِ عَقِبَ جَرْحِهِ عِنْدَ كَوْنِهِ مُبَاحًا فَبَطَلَ أَثَرُ الْجَرْحِ الْأَوَّلِ وَصَارَ إعَانَةً لِلثَّانِي وَهُوَ لَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ يَجْرَحْهُ بَادٍ) بِالْجِرَاحَةِ (ثَانِيًا) وَمَاتَ بِالْجِرَاحَاتِ الثَّلَاثِ (رُبْعًا) لِقِيمَتِهِ (ضَمِنْ) ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْجَارِحِ يُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، وَمَا يَخُصُّ الْوَاحِدَ يُوَزَّعُ عَلَى حَالَتَيْ الضَّمَانِ، وَالْإِهْدَارِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْجِرَاحِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْجَرْحُ الثَّالِثُ مُذَفِّفًا وَتَمَكَّنَ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ فَإِنْ كَانَ مُذَفِّفًا فَإِنْ أَصَابَ الْمَذْبَحَ حَلَّ وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالذَّبْحِ وَإِلَّا حَرُمَ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِالْجَرْحَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُذَفِّفْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِزْمَانِ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَبْحِهِ، وَتَرَكَهُ لَمْ يَسْقُطْ بِتَرْكِهِ الضَّمَانَ عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَدَارُكِ مَا يَعْرِضُ لِلْفَسَادِ بِجِنَايَةِ الْجَانِي مَعَ إمْكَانِ التَّدَارُكِ وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ كَمَا لَوْ جَرَحَ شَاةَ غَيْرِهِ فَلَمْ يَذْبَحْهَا مَالِكُهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ حَتَّى مَاتَتْ وَمَا ذَكَرَهُ كَأَصْلِهِ مِنْ لُزُومِ الرُّبُعِ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مَعَ حِكَايَةِ لُزُومِ الثُّلُثِ، ثُمَّ قَالَ وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَعُودُ فِي التَّوْزِيعِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ انْتَهَى.
وَقَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ أَوْجُهٌ فَيَأْتِي فِيهِ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَوْلُ غَيْرِهِمْ وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ وَإِنْ جَرَحَاهُ مَعًا؟ فَلَهُ أَيْضًا أَحْوَالٌ أَحَدُهَا:
[حاشية العبادي]
قَوْلُهُ: فَلَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا ذَلِكَ) قَدْ ضَعُفَ هَذَا بِأَنَّ فِيهِ فَوَاتَ نِصْفِ دِينَارٍ عَلَى الْمَالِكِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا أَقُولُ قَدْ يُدْفَعُ هَذَا التَّضْعِيفُ بِأَنَّ نِصْفَ الدِّينَارِ إنَّمَا فَوَّتَهُ فِعْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ بِالْفِعْلَيْنِ فَلَا يَضُرُّ فَوَاتُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ سم (قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا إلَخْ) ضَعُفَ هَذَا بِإِفْرَادِ الْأَرْشِ عَنْ بَدَلِ النَّفْسِ بِرّ (قَوْلُهُ: وَنِصْفُ أَرْشِهِ وَاحِدٌ) فَنِصْفُهُ نِصْفُ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَالثَّانِيَ خَمْسَةٌ، وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَنِصْفُ الْأَرْشِ لَكِنْ لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ عَلَى الْقِيمَةِ فَيَجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا تَقْدِيرًا وَهُوَ عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ وَتُقْسَمُ الْقِيمَةُ وَهِيَ عَشَرَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ وَالنِّصْفِ لِيُرَاعَى التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فَتُبْسَطُ أَنْصَافًا فَتَكُونُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ إلَخْ وَمِنْهُ يَتَّضِحُ مُفَارَقَةُ هَذَا الْوَجْهِ لِلسَّادِسِ الْآتِي إذْ اللَّازِمُ لَهُمَا بِالْفِعْلِ عَلَى هَذَا قَدْرُ الْقِيمَةِ فَقَطْ وَإِنَّمَا قُلْنَا يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ وَنِصْفُ أَرْشِهِ تَوَصُّلًا لِمُرَاعَاةِ التَّفَاوُتِ وَاللَّازِمُ بِالْفِعْلِ عَلَى السَّادِسِ أَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ (قَوْلُهُ: فَيُجْمَعُ مَا لَزِمَهُمَا) إنَّمَا جُمِعَ وَقُسِمَ عَلَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَزِيدَ الْوَاجِبُ عَلَى الْقِيمَةِ بِرّ (قَوْلُهُ: مَا لَزِمَهُمَا) أَيْ: تَقْدِيرًا وَهُوَ عَشَرَةٌ وَنِصْفٌ بِرّ (قَوْلُهُ: وَيُقْسَمُ عَلَيْهِ) بَعْدَ بَسْطِهِ أَنْصَافًا (قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ أَرْشُهَا) وَهُوَ دِينَارٌ (قَوْلُهُ: فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ) وَهُوَ يُسَاوِي ثَمَانِيَةً فَعَلَى كُلٍّ أَرْبَعَةٌ (قَوْلُهُ: سَادِسُهَا إلَخْ) هَذَا الْوَجْهُ نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ الْقَفَّالِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُتْلَفِ، وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ تَنْجَرُّ إلَى إيجَابِ زِيَادَةٍ كَمَنْ قَطَعَ يَدَيْ عَبْدٍ فَقَتَلَهُ آخَرُ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ قَاطِعَ الْيَدَيْنِ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ يَقْطَعُ أَثَرَ الْقَطْعِ وَيَقَعُ مَوْقِعَ الِانْدِمَالِ وَهُنَا بِخِلَافِهِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: فَيَسْقُطُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْأَرْشِ) وَيَلْزَمُهُ النِّصْفُ الْآخَرُ مَعَ نِصْفِ الْقِيمَةِ يَوْمَ جِنَايَتِهِ (قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ الثَّانِي) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ مِلْكٌ لِلثَّانِي (قَوْلُهُ: وَكَذَا) أَيْ: عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ لَمْ يُذَفِّفْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الثَّانِي مِنْ ذَبْحِهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ تَكُونُ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ الْمُتَأَخِّرَةُ كَالْمُذَفِّفَةِ بِرّ (قَوْلُهُ: لَمْ يَسْقُطُ) قَدْ يُقَالُ عَدَمُ السُّقُوطِ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْجَرْحُ الثَّالِثُ مُذَفِّفًا إلَخْ سم (قَوْلُهُ: فَيَأْتِي فِيهِ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ) يَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنْ يُجْمَعَ قِيمَتُهُ يَوْمَ جَرْحِ الثَّانِي وَقِيمَتُهُ يَوْمَ جَرْحِ الْأَوَّلِ ثَانِيًا وَيُقْسَمُ عَلَيْهِ مَا فَوَّتَاهُ وَهُوَ قِيمَتُهُ يَوْمَ جَرْحِ الثَّانِي فَمَا خَصَّ الْأَوَّلَ
[حاشية الشربيني]
قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ) الَّذِي فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ أَنَّ صَاحِبَ التَّقْرِيبِ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ وَهُوَ
أَنْ يُذَفِّفَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ يُزْمِنَهُ دُونَ الْآخَرِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَجُمْلَةً إنْ جَرَحَا وَأَهْلَكَهْ تَذْفِيفًا أَوْ أَزْمَنَ فَرْدٌ) أَيْ: وَإِنْ جَرَحَاهُ مَعًا وَذَفَّفَهُ، أَوْ أَزْمَنَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ (مَلَكَهْ) لِانْفِرَادِهِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْ مِلْكَ غَيْرِهِ.
ثَانِيهَا: وَثَالِثُهَا: مَا ذَكَرَهُمَا بِقَوْلِهِ (وَبِاحْتِمَالٍ كَالتَّسَاوِي مَلَكَا) أَيْ: وَبِاحْتِمَالِ كَوْنِ تَذْفِيفِهِ أَوْ إزْمَانِهِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَلَكَاهُ كَمَا يَمْلِكَانِهِ بِتَسَاوِيهِمَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ ذَفَّفَا أَوْ أَزْمَنَا أَوْ ذَفَّفَ أَحَدُهُمَا، وَأَزْمَنَ الْآخَرُ (وَلْيَسْتَحِلَّا) أَيْ: يَسْتَحِلُّ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِي حَالِ الِاحْتِمَالِ تَوَرُّعًا.
رَابِعُهَا: مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِذَا تَشَكَّكَا فِي) جَرْحٍ (آخَرَ) بِصَرْفِهِ لِلْوَزْنِ (أَمُزْمِنٌ أَوْ ذَفَّفَا) بِأَنْ يَعْلَمَ تَذْفِيفَ أَحَدِ الْجُرْحَيْنِ أَوْ إزْمَانَهُ الصَّيْدَ وَيَشُكَّ فِي الْآخَرِ أَمُزْمِنٌ أَوْ مُذَفِّفٌ (أَمْ لَا) مُزْمِنَ وَلَا مُذَفِّفَ (فَنِصْفُهُ) لِلْأَوَّلِ، وَنِصْفُهُ الْآخَرُ (لِصُلْحٍ) أَوْ بَيَانٍ (وُقِفَا) فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعُ بَيَانُهُ جُعِلَ الْمَوْقُوفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَيَخْلُصُ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلِلثَّانِي رُبُعُهُ، وَالْعِبْرَةُ فِي التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ بِالْإِصَابَةِ لَا بِابْتِدَاءِ الرَّمْيِ
(وَحَيْثُ مَمْلُوكُ حَمَامٍ) وَلَوْ غَيْرَ مَحْصُورٍ (اخْتَلَطْ بِغَيْرِ) أَيْ: بِحَمَامٍ غَيْرِ (مَحْصُورٍ وَ) غَيْرِ (مَمْلُوكٍ فَقَطْ فِي بَلْدَةٍ صِيدَ) أَيْ: جَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ الصَّيْدُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ كَمَا لَوْ مَلَكَ مَاءً، ثُمَّ انْصَبَّ فِي نَهْرٍ لَا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الِاسْتِقَاءِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا لَا يَنْحَصِرُ لَا يَتَغَيَّرُ بِاخْتِلَاطِهِ بِمَا يَنْحَصِرُ أَوْ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمُهُ بِنِسَاءٍ غَيْرِ مَحْصُورَاتٍ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ مِنْهُنَّ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ وَمَمْلُوكٍ مَا لَوْ اخْتَلَطَ الْمَمْلُوكُ بِمَحْصُورٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ لَكِنَّهُ مَمْلُوكٌ فَيَمْتَنِعُ الصَّيْدُ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ مِنْ زِيَادَتِهِ فَقَطْ تَكْمِلَةٌ وَتَأْكِيدٌ
(وَفِي) اخْتِلَاطِ حَمَامِ (بُرْجَيْنِ) لَا يَجُوزُ انْفِرَادُ أَحَدِ مَالِكَيْهِمَا بِالتَّصَرُّفِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمِلْكِ فِيهِ نَعَمْ (يَبِيعُ) جَوَازًا (ذَا مِنْ ذَا) أَيْ: أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَيُغْتَفَرُ الْجَهْلُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى التَّسَامُحِ بِاخْتِلَالِ بَعْضِ الشُّرُوطِ وَلِهَذَا صَحَّحُوا الْقِرَاضَ وَالْجِعَالَةَ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنْ الْجَهَالَةِ (وَبَيْعُ ذَيْنِ) حَمَامَهُمَا (مِنْ ثَالِثٍ جَازَ) إمَّا (بِعِلْمِ الْقِيَمِ) بِأَنْ عَلِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَدَدَ مَا لَهُ وَتَسَاوَتْ الْقِيَمُ فَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ كَانَ الثَّمَنُ أَثْلَاثًا (أَوْ بِتَقَارُرٍ) بِأَنْ يُقِرَّ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ (إذَا لَمْ تُعْلَمْ) الْقِيَمُ فَيَتَصَالَحَانِ عَلَى ذَلِكَ لِيُمْكِنَ تَوْزِيعُ الثَّمَنِ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا، أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ، وَالتَّقَارِّ فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إذْ لَا يَعْرِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا لَهُ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَقُولَ كُلٌّ
[حاشية العبادي]
الْعَائِدَ لَزِمَهُ وَلَا يُنْظَرُ لَقِيمَتِهِ يَوْمَ جَرْحِ الْأَوَّلِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِأَحَدٍ فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: مَلَكَهُ) ضَبَّبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ وَجُمْلَةً (قَوْلُهُ: وَإِذَا تَشَكَّكَا) أَيْ: وَالْجَرْحَانِ مَعًا كَمَا هُوَ الْغَرَضُ
(قَوْلُهُ: وَبَيْعُ ذَيْنِ إلَخْ) قَضِيَّةُ عِبَارَتِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا فَقَطْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِرّ
[حاشية الشربيني]
مَا أَوْضَحْنَاهُ عَنْ سم عَلَى التُّحْفَةِ وق ل عَلَى الْجَلَالِ بِالْهَامِشِ السَّابِقِ
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمِلْكِ فِيهِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: مَحَلُّهُ مَا إذَا بَاعَ أَوْ وَهَبَ شَيْئًا مُعَيَّنًا لِشَخْصٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَلِهَذَا وَجَّهُوا إبْطَالَهُ بِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْمِلْكُ فِيمَا بَاعَهُ فَأَمَّا إذَا بَاعَ شَيْئًا مُعَيَّنًا بِالْجُزْءِ كَنِصْفِ مَا يَمْلِكُهُ أَوْ بَاعَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ، وَالثَّمَنُ فِيهِمَا مَعْلُومٌ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الْمِلْكُ فِيمَا بَاعَهُ وَحَلَّ الْمُشْتَرِي هُنَا مَحَلَّ الْبَائِعِ كَمَا لَوْ بَاعَا مِنْ ثَالِثٍ مَعَ جَهْلِ الْأَعْدَادِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا سَيَأْتِي إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وَيُحْتَمَلُ الْجَهْلُ فِي الْمَبِيعِ لِلضَّرُورَةِ قُلْت الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ جُمْلَةَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي مَعْلُومَةٌ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الثَّمَنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَاغْتُفِرَ الْجَهْلُ بِذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجَهْلِ بِهِ مَفْسَدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اغْتِفَارِ الْجَهْلِ بِهِ اغْتِفَارُ الْجَهْلِ بِجُمْلَةِ مَا اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي.
اهـ.
م ر فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَبِيعُ إلَخْ) أَيْ: وَلَوْ جَهِلَا الْعَدَدَ وَالْقِيمَةَ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، أَمَّا إنْ أَعْلَمَاهُمَا فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ لِصَيْرُورَتِهَا شَائِعَةً جَوَاهِرُ.
اهـ.
م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ جَهِلَا الْعَدَدَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْيِيدُ بَيْعِهِمَا لِثَالِثٍ يَعْلَمُ الْعَدَدَ وَالْقِيَمَ أَوْ التَّقَادُرَ وَالْإِطْلَاقَ هُنَا.
(قَوْلُهُ: تَتَأَدَّى بِفِعْلٍ وَاحِدٍ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلُ بَيْتٍ حَصَلَتْ السُّنَّةُ لِجَمِيعِهِمْ.
اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّوَابَ لَهُمْ كَالْمُضَحِّي لَكِنْ فِي كَلَامِ م ر كَحَجَرٍ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الطَّلَبُ فَإِنْ أَشْرَكَهُمْ مَعَهُ فِي الثَّوَابِ جَازَ.
اهـ.، ثُمَّ إنَّ سُقُوطَ الطَّلَبِ لَعَلَّ مَعْنَاهُ سُقُوطُ كَرَاهَةِ التَّرْكِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ فَعَلَهَا كُلٌّ وَلَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ وَقَعَتْ أُضْحِيَّةً، وَأُثِيبَ لِبَقَاءِ أَصْلِ الطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ التَّرْكُ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ م ر آخِرَ الْبَابِ مَا نَصُّهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ ضَحَّى وَاحِدٌ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ مِنْهُمْ.
اهـ.
وَهُوَ يُفِيدُ حُصُولَ ثَوَابِ الْأُضْحِيَّةَ لَهُمْ لَا سُقُوطَ الطَّلَبِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ