بإمام، فأشبه الارتباط بغير المصلي، والثاني: لا، لأنه أتى بالأركان على وجهها، نعم هو منفرد، وهذا كله إذا انتظر أفعاله وطال انتظاره، فإن كان يسيراً فلا يبطل قطعاً، وكذا إذا اتفق انقضاء فعله مع انقضاء فعله، وهذا يخرج بقوله تابع.
وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينَ الإِمَامِ، أي بل تكفي نية الاقتداء بالحاضر، لأن مقصود الجماعة لا يختلف بذلك، فَإِنْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ، أي بأن نوى الاقتداء بزيد فبان عمرواً، بَطَلَتْ، لأنه ربط، صَلاَتَهُ، بمن لم ينوِ بالائتمام به فإن انضم إلى ذلك الإشارة فالأرجح من زوائد الروضة الصحة.
وَلاَ يُشْتَرَطُ لِلإِمَامِ نِيَّةُ الإِمَامَةِ، لأنه مستقل بنفسه بخلاف المأموم فإنه تابع، بَلْ تُسْتَحَبُّ، خروجاً من خلاف أحمد فإنه يوجبها في رواية ليحصل له ثوابُ الجماعة.
فَرْعٌ: إذا نواها في أثناء الصلاة نال ثواب الإمامة من حين النية، ذكره العجلي.
فَإِنْ أَخْطَأَ، أي الإمام، فِي تعْيِينِ تَابِعِهِ، أي بأن نوى الإمامة بزيد فبان عمرواً، لَمْ يَضُرَّ، لأن خطأه لا يزيد على تركها، وَتَصِحُّ قُدْوَةُ الْمُؤَدَّي بِالْقَاضِي، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَفِي الظُّهْرِ بِالْعَصْرِ وَبِالعُكُوسِ، أي ولا يضر اختلاف النيات، وقد اجتمعت الصحابة على صحة الفرض خلف النفل كما حكاه الماوردي 1، وَكَذَا
الظُّهْرُ بِالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ وَهُوَ كَالْمَسْبُوقِ، أي فإذا سَلَّمَ الإمام، قام وأتَمَّ صلاته، وَلاَ تَضُرُّ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي الْقُنُوتِ وَالْجُلُوسِ الأَخِيرِ فِي الْمَغْرِبِ، كالمسبوق، وَلَهُ فِرَاقُهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِهِمَا، أي وإن كان الاستمرار أفضل.
وَيَجُوزُ الصُّبْحُ خَلْفَ الظُّهْرِ فِي الأَظْهَرِ، كعكسه، والثاني: لا؛ لأنه يدخل في الصلاة بِنَّيةِ مُفارقةِ الإمام، وللأوَّلِ أن يجيب بأنها مفارقة بعذر، وقطع أهل العراق بالأول وصححها في الروضة تبعاً للرافعي وضعف طريقة القولين، فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، لأنه مفارق بعذر، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلَّمَ مَعَهُ.
قُلْتُ: انْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن في المفارقة قطع القدوة وسيأتي الخلاف في
جوازها، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقُنُوتُ فِي الثَّانِيَةِ، أي بأن وقف الإمام يسيراً، قَنَتَ وَإِلاَّ تَرَكَهُ، أي ولا شيء عليه لمتابعة الإمام، وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ، أى وهو كقطع القدوة لعذر فتركه أفضل، فإن لم ينوِ المفارقة وَهَوَى إِمَامُهُ إلى السجود وقنت هو، بطلت صلاته للمخالفة، كما لو ترك التشهد فقعد هو لأجله؛ كذا رأيته في فتاوى القفال.
فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةِ لَمْ يَصِحَّ، أى الاقتداء والحالة هذه، عَلَى الصَّحِيحِ، لتعذر المتابعة مع المخالفة في الأفعال، والثاني: يصح لأمكانها في البعض، ويراعى ترتيب نفسه، وإذا خالف إن شاء انتظر وإن شاء فارق ولا يتابعه.
فَصْلٌ: تَجِبُ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلاَةِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ تُبَادِرُواْ الإِمَامَ،
إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُواْ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُواْ]، رواه مسلم 1، بِأَنْ يَتَأَخْرَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ عَنِ للحافظ عمر بن شاهين: ص 250، طبعة مكتبة المنار.
• وقال ابن حجر: عن جابر في حديث الباب زاد: [هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ فَرِيْضَةٌ] وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح: ينظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: شرح الحديث: ج 2 ص 249. وفيه فصل في حسم القول في الحديث.
ابْتِدَائِهِ وَيَتَقَدَّمَ عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ، ظاهر هذا أنه أراد بيان المتابعة الواجبة لكنه ذكر بعد ذلك، فَإِنْ قَارَنَهُ لَمْ يَضُرَّ إِلَّا تَكْبِيرَةَ إِحْرَامٍ، وظاهره أنه أراد المستحبة لا الواجبة، واحترز بالأفعال عن الأقوال، وسيذكرها بعد، وقال في شرح المهذب: إنه يتابعه في الأقوال، فيتأخر ابتداؤه عن أول ابتداء الإمام، إلاّ في التأمين فيستحب المفارفة، فإن قارنه لم يضر، أي لكن يُكره وتفوت به فضيلة الجماعة، لأنه مأمور بالمتابعة لا المفارقة إلاّ تكبيرة الإحرام، أي فإنه يضر مقارنة المأموم الإمام فيها للحديث السالف 1، وفيه وجه حكاه الحناطي في فتاويه ومنها نقلته وعزاه إلى فتاوى القفال، وقوله (قَارَنَهُ) هو الصواب خلاف قول الْمُحَرَّرِ ساوقه، لأن الْمُسَاوَقَةَ في اللغة: مَجِيْءُ وَاحِدٍ بَعْدَ آخَرٍ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ، بلا عذر كما قيده في الروضة إِذَا كَبَّرَ فَكَبَّرُواْ؛ وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُواْ: آمِيْن.
وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُواْ.
وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فقُولُواْ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ]، رواه مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب النهي عن مبادرة الإمام بالتكبير وغيره: الحديث (87/ 415).
تبعاً للرافعي، بِأَنْ فَرَغَ الإِمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحَّ، لأنه مخالفة يسيرة، والثاني: تبطل، وعلَّلَهُ الرافعي بالمخالفة، أَوْ بِرُكْنَينِ بِأَنْ فَرَغَ، الإمام، مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، أي بأن ركع الإمام وهو في قراءة السورة فاشتغل بإتمامها، بَطَلَتْ، لكثرة المخالفة، وَإِنْ كَانَ بِأَنْ أَسْرَعَ، أي الإمام، قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ فَقِيلَ يَتْبَعُهُ وَتَسْقُطُ الْبَقِيَّةُ، أي حتى لو اشتغل بإتمامها كان مشتغلاً بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالصَّحيِحُ يُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أرْكَانِ مَقْصُودَةٍ، وَهِيَ الطَّوِيلَةُ، احترز بالطويلة عن القصيرة كالاعتدال والجلوس بين السجدتين على ما قدمته في بابه وما سواهما طويل، والطويل مقصود في نفسهِ، وكذا القصير على الأصح في الشرح الصغير، ونقله في أصل الروضة عن الأكثرين، والثاني: لا، لأن الغرضَ منه الفصل فهو تابع لغيره، وبه جزم المصنف تبعاَ لِلْمُحَرَّرِ إذا علمت ذلك، فإذا ركع الإمام وأدركه المأموم فيه، فليس متخلفاً بركن فلا تبطل صلاته قطعاً، فلو اعتدل الإمام والمأموم بعد في القيام ففى بطلان صلاته وجهان، أصحهما من زوائد الروضة: لا، فإن هوى إلى السجود بطلت على المذهب في التحقيق، فإن سجد بطلت قطعاً كما قاله الرافعي، نعم يجئ فيه وجه، إذا قلنا أن السجدتين ركنٌ واحد، فَإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ، أي من ثلاثة أركان مقصودة، فَقِيلَ يُفَارِقُهُ، لعذر المواففة، وَالأَصَحُّ يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ يَتَدَارَكُ، بَعْدَ سَلاَمِ
الإِمَامِ، كالمسبوق.
وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ لِشَغْلِهِ بِدُعَاءِ الإِفْتِتَاحِ فَمَعْذُورٌ، كما في بطئ القراءة، وفي فتاوى القفال إجراء الأوجه الثلاثة الآتية في المسبوق فيه، فقيل له: هنا أدرك محل البناء بخلاف المسبوق، فقال: وإن كان كذلك إلاّ أنه ليس بفرض، قال: وعندي أنه لا فرقَ بين الركعة الأُوْلى والثانية، إذ لا فرق بين مَنْ أحرم مع الإمام وبين مَنْ أحرم بعده، وفيما ذكره نظر، هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُوَافِقِ، فَاَمَّا مَسْبُوقٌ رَكَعَ الإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالاِفْتِتَاحِ وَالتَّعَوِّذِ تَرَكَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، لأنه لم يدرك إلاّ ما يقرأ فيه بعض الفاتحة فلا يلزمه فوق ذلك، كما
أنه إذا لم يدرك شيئاً من القيام لا يلزمه شيء من الفاتحة، وَإِلاَّ، أي وإن اشتغل بالافتتاح والتعوذ، لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ بِقَدْرِهِ، لتقصيره بالعدول من فريضة إلى غيرها، والثاني: أنه يُتم الفاتحة لأنه أدركَ القيام الذي هو محلها، والثالث: أنه يسقط عنه ما بقي من الفاتحة ويركع معه، وصححه الفارقي وأفسد ما صححه المصنف، قال: وتتصور المسألة إذا غلب على ظن المأموم أنه يدرك الإمام راكعاً أو رافعاً، فأما إذا
غلب على ظنه أنه لا يدركه إلاّ ساجداً فلا خلف أنه يشتغل بمتابعته ولا يقرأ.
فَرْعٌ: إذا قلنا بالأصح فتخلف ليتم الفاتحة كان تخلفاً بعذر، كما جزم به في الروضة تبعاً للرافعي.
فإن رفعَ الإمامُ رأسهُ من الركوع قبل ركوعه؛ فاتته الركعة!
كما صرح به الغزالي في وسيطه تبعاً للإمام، وكذا تفوته أيضاً إذا قلنا بالوجه الثالث، أما إذا قلنا بالوجه الثانى؛ فلا، وإن لم يلحق الإمام إلاّ بعد ثلاثة أركان كما صرح به ابن الصلاح في مشكله وعلله بعذره وعدم تقصيره، وقال: إنه من المعلوم المسطور.
فَرْعٌ: المنتظر سكتة الإمام ليقرأ فيها ثم ركع الإمام عقب فاتحته، فيه نظر للفطن لا يخفى.
وَلاَ يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوقُ بِسُنَّةِ بَعْدَ التَّحَرُّمِ بِلْ بِالْفَاتِحَةِ، أى ويخففها، لأن الاهتمام بشأن الفرض أَوْلى، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ إِدْرَاكَهَا، حِيَازَةً لِفَضِيْلَةِ السُّنَّةِ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ ترَكَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، لفوات محل القراءة، بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةَ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ، فَلَوْ عَلِمَ أَوْ شَكَّ، أي تركها، وَقَدْ رَكَعَ الإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ قَرَأَهَا، لبقاء محلها، وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْوٍ، كما ذكرناه، وَقِيلَ: يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ، لأَجْلِ المتابعة، وَلَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ بالتَّحَرُّمِ لَمْ تَنْعَقِدْ، لما سبق فيما إذا قارنه فيه، أَوْ بِالْفَاتِحَةِ أَوِ التَّشَهُّدِ لَمْ يَضُرَّهُ وَيُجْزِئُهُ، لأنه لا تظهر به المخالفة، وَقِيلَ: تَجِبُ إِعَادَتُهُ، أي مع قراءة الإمام أو بعدها.
وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلٍ كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إِنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ، أي إذا كان عامداً
عالماً بالتحريم لفحش المخالفة، وَاِلاَّ فَلاَ، أي وإن كان التقدم بركن فلا تبطل، لأنها مخالفة يسيرة مع كونه مرتكب الحرام، فيندبُ العود إن كان عامداً، أو يُخَيَّرُ بينَه وبين الدوام إن كان ساهياً، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ، أي عند العمد، سواء أتَمَّ أم لم يُتم، لأن التقدم يناقض الاقتداء بخلاف التخلف.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ الحناطيُّ عن رجل أحرم بالقوم ثم أعاد التكبير خفية لنفسه بِنِيَّةِ الْفَائِتَةِ، ولم يشعر القوم بذلك بعد أن كبروا، فقال: تصح صلاة المأمومين في أصح الوجهين 1.
فَصْلٌ: خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ صَلاَتِهِ، أي بحدث وغيره، انْقَطَعَتِ الْقُدْوَةُ، لزوال الرابطة، ورأيت في فتاوى القفال، أن كل موضع بطلت صلاة الإمام خرج المأموم من صلاته وإن لم ينوِ مفارقته، وكل موضع خرج من إمامته لم تبطل، كما إذا تغير اجتهادُه في القبلة فلا بد من نية المفارقة، وكما لو اقتدى الإمام بآخر، وجوزناه، هذا لفظه والأول لا يُسَلِّم له، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقَطَعَهَا الْمأْمُومُ جَازَ، أي مع الكراهة
لأن الجماعة سُنَّةٌ والتطوعات لا تلزم بالشروع، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ إِلَّا بعُذْرٍ يُرَخَّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، لأن فيه إبطالاً للجماعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ 1، وأما في العذر فجائز قطعاً، لأن الفرقة الأولى فارقت النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة ذات الرقاع بعدما صلَّى بهم ركعة 2.
وَمِنَ العُذْرِ تَطْوِيلُ الإِمَامِ، أى والمأموم لا يصبر لضعف أو شغل 3، أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ، أي وقنوت، ومن الأعذار ما إذا رأى على ثوب إمامه نجاسة كما قاله القفال في فتاويه.
وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِداً ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلاَلِ صَلاَتَهِ جَازَ فِي الأَظْهَرِ، أي كما يجوز أن يصلى منفرداً ثم يقتدي به جماعة، نعم يكره، والثاني: لا؛ لأنَّ تحريمه سبق تحريم الإمام فلم يجز كما لو حضر معه من أول صلاته فكبَّر قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، أى لا يشترط على الجواز الاتفاق في الركعة، بل لو اختلفا وَكَانَ
الإِمام في ركعة والمأموم في أخرى متقدماً أو متأخراً جاز، ثُمَّ يَتْبَعُهُ قَائِماً كَانَ أَوْ قَاعِداً، أي عند الاختلاف فيقوم في موضع قيامه ويقعد في موضع قعوده، فَإِنْ فَرَغَ الإِمَامُ أَوَّلاً فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، أى فيقوم ويتم صلاته، أَوْ هُوَ، متقدم، فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ، لأن المفارقة بالعذر، والانتظار به جائزان، نعم؛ لا يتابعه؛ فإن تابعه بطلت صلاته، وأمّا الأفضل من هذين الأمرين لم يذكره الرافعي هنا، والظاهر أنه ما سلف يأتى فيه، نعم في ابن يونس وجه أن يسلّم ولا ينتظر.
وَمَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ فَأَوَّلُ صَلاَتِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّواْ وَمَا فَاتَكُمْ
فَأَتِمُّواْ]، متفق عليه 1، وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوله، ورواية القضاء المرادُ بها الأَدَاءُ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ 2، فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ، لأن محل القنوت آخر الصلاة وفي الإعادة إشعار بأنه يستحب أن يقنت معه، وهو كذلك على المشهور، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْمَغْرِبِ تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ، لأنه محل التشهُّدِ الأوَّل، وهذا إحماع مناف من المخالف، وهو حجة لنا على أن ما يدركه أول صلاته، وَإِنْ اَدْرَكَهُ رَاكِعاً، أي ركوعاً محسوباً للإمام، أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، لقوله
- صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيْمَ الإِمَامُ صُلْبَهُ] صححه ابن حبان في غير صحيحه 3.
قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَالله أَعْلَمُ، للحديث المذكور، فإن لم يكن الركوع محسوبًا فقد ذكره المصنف في الجمعة وسيأتي، ويستثنى الركوع الثاني في صلاة الكسوف كما ذكره في بابه.
وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِ حَدِّ الإِجْزَاءِ، أي المذكور، لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ فِي الأَظْهَرِ، مثار الخلاف تقابل الأصلين، وهما بقاؤه في الركوع وعدم الإدراك، وأختلف كلام المصنف في ايراد هذا الخلاف، فصحح هنا طريقة القولين، وصحح في الروضة طريقة الوجهين، وصحح في شرح المهذب طريقة جازمه بالإدراك والله أعلم.
وَيُكَبِّرُ، أي المسبوق المدرك في الركوع، لِلإِحْرَامِ، أي قائمًا، ثُمَّ لِلرُّكُوعِ, لأنه محسوب له، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ لَمْ تَنْعَقِدْ، للتشريك، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ نَفْلًا، كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاة والتطوع، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، مثار الخلاف تعارض قريني البداءة والهوى، ولا يخفى أنَّه إذا نوى بهذه التكبيرة التحرم فقط؛ أنها تنعقد؛ أو الهوي فقط فلا.
وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ انْتَقَلَ مَعَهُ مُكبِّرًا، أي وإن لم يكن محسوبًا له موافقةً لإِمَامِهِ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبِيحَاِت، لذلك أَيضًا، والثاني: لا, لأنه ليس موضعه في حقه، وجزم الماوردي: بأنه يلزمه أن يتشهد معه؛ لأنه بالإحرام لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ، وأَنَّ مَنْ أدْرَكَهُ فِي سَجْدَةٍ، أي أُوْلى أو ثانية، لَمْ يُكَبِّرْ لِلإِنْتِقَالِ، إليها؛ لأنه غير محسوب له، ولا موافقة للإمام في انتقاله إليها بخلاف الركوع، نعم يُكَبِّرُ بعد ذلك إذا انتقل مع الإمام من السجود أو غيره موافقة للإمام، منه: ج 1 ص 346 - 347. وإسناده ضعيف.
قال محمَّد شمس الحق في التعليق المغني: فيه يحيى بن حميد عن قرة بن عبد الرَّحْمَن.
يحيى بن حميد، قال البُخَارِيّ: لا يتابع في حديثه، وضعفه الدارقطني.
قرة بن عبد الرَّحْمَن أخرج له مسلم في الشواهد، وقال الجوزجاني: سمعت أَحْمد يقول: منكر الحديث جدًا، وقال: يحيى ضعيف الحديث.
والثاني: يُكبِّر كما في الركوع وقد تقدم الفرق، وقال القفال في فتاويه: يُكبِّر إذا أدركه في السجدة الأُولى دون الثانيةِ وهو غير ظاهر، وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ قَامَ الْمَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، أي بأن أدركه في ثالثةِ الرُّبَاعِيَّةِ أوْ ثَانِيَةِ الْمَغْرِبِ، فإنَّه لو كان وحده لكان هكذا يفعل، وَإِلَّا، أي وإن أدركه في آخر الرباعية أو ثالثة المغرب، فَلَا فِي الأَصَحِّ, لأنه ليس موضع تكبيره وليس فيه موافقة للإمام، والثاني: يقوم مكبرًا؛ لأنه انتقال.
خَاتِمَةٌ لِلْبَابِ: في فتاوى الحناطي: أَنَّ الإِمَامَ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمَسْجِدِ أَيَّامًا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَصَلَّى الْقَوْمُ فُرَادَى يُعَاتَبُ (•) عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ مُسِيْئًا لا مَأْثُوْمًا.
بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ
الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا يَلْحَقُ الصَّلَاةَ مِنَ التَّخْفِيْفِ بالْقَصْرِ والجمع، وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا الْقَصْرُ، فَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ.
وَالأَصْلُ فِيْهِ قَبْلَ الإِجْمَاعِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ... ﴾ الآية 1 فَأبَاحَهُ الله فِي السَّفَرِ بِشَرْطِ الْخَوْفِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَثَبَتَ فِي السُّنَّةِ جَوَازُهُ عِنْدَ الأَمْنِ مِنْ حَدِيْثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ (644). (•) في النسخة (3): يُعَاقَبُ.
إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ، هذه القيود سنذكر شرحها بعد، ولم يذكر ما احترز عنه بالرباعية وهو احتراز من الثنائية والثلاثية، والإجماع قائم على عدم جواز قصرهما كما نقله الرافعي وغيره، نعم في طبقات العبادي عن محمَّد ابن نصر المروزي أنَّه يجوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة وفيه حديث في صحيح مسلم 1، لاَ فَائِتَةُ الْحَضَرِ، أي إذا قضاها في السفر بالإجماع،
كما حكاه ابن المنذر، نعم وفيه وجه حكاه الماوردي، ولو سافر في آخر الوقت وبقي ركعة قصّرَ بناءً على أن الكل أداء، وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ؛ فَالأَظْهَرُ قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ، نظرًا إلى قيام الْعُذْرِ المرخص، والثاني: يُتِمُّ فيهما، والثالث: يَقْصُرُ فيهما.
وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ؛ فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، أي الخاصُّ بها، لأَنَّ ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ، أى متلاصقة، اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ, لأنها من مواضع الإقامة المعدودة من توابع البلد ومضافاتها فلها حكمهُ، قُلْتُ: الأَصَحُّ لاَ يُشْتَرَطُ وَاللهُ أَعْلَمُ؛ لأن تلك الأبنية لا تُعَدُّ من البلد، ألا ترى أنَّه يقالُ مدرسة كذا خارج البلد، = باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء: الحديث (350)، وفي كتاب تقصير الصلاة: باب يقصر إذا خرج من موضعه: الحديث (1090). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (1 و 2 و 3/ 685). وفي لفظ عند البُخَارِيّ في الصحيح: [فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ حِيْنَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيْدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ]: الحديث (350). والنسائي في السنن: باب كيف فرضت الصلاة: ج 1 ص 225.
لكنه وافق الرافعي في الصوم على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلًا ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر فإنَّه يفطر وإلاّ فلا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ فَأَوَّلُهُ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانَ، ليفارق مواضع الإقامة، لاَ الْخَرَابِ؛ لأنه ليس موضع إقامة كذا أطلقه هنا، وصحح في شرح المهذب فيما إذا كان حيطان الخراب قائمة أنَّه لا بد من مجاوزته، لأنه يعد من البلد، ومحل الخلاف ما إذا لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كانت فهو من البلد فتجب مجاوزة منتهى العمارة، وَالْبَسَاتِينِ، أي ولو
كانت متصلة بالبلدة محوطة بها؛ لأنها ليست للإقامة والسكنى، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون فيها قصور ودور تسكن في جميع السَّنة أو بعض فصولها، فلا بد من مجاوزتها حينئذ قاله الرافعي، وقال في شرح المهذب: الظاهر أنَّه لا يشترط, لأنها ليست من البلد فلا تصير منه بإقامة بعض النَّاس فيها بعض الفصول، ولا يشترط مجاوزة بعض المزارع أَيضًا، صرح به في الْمُحَرَّرِ وأهملهُ المصنف، وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ، أي في جميع ما ذكر.
وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخَيَامِ مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ, لأنها كدور البلد فلا بدّ مع ذلك من مجاوزة مرافقها، وَإِذَا رَجَعَ، أي المسافر إلى وطنه، اِنْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شَرَطَ مُجَاوَزَتَهُ ابْتِدَاءً، أي فينقطع التَّرَخُّصُ بمجرد ذلك، وَلَوْ نَوَى، أي من هو مستقل بنفسه، إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أي بلياليها، بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ سَفَرَهُ بِوُصُولِهِ، أي سواء كان مقصدُه أو في طريقه, لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض؛
والعازم على المقام غير ضارب في الأرض، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ أن إقامة ما دون الأربع غير يومي الدخول والخروج لا يمنع القصر، أما من لا يستقل بنفسه كالعبد ينوي ذلك أو الزوجة أو الجيش ولم ينو السيد ولا الزوج ولا الأمير ففي لزوم الإتمام في حقهم وجهان، الأقوى من زوائد الروضة أن لهم القصر, لأنهم لا يستقلون، فَنِيَّتُهُمْ كالعدم، وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأنه فيهما مشغول بتعب الحط والترحال، وهما من أشغال السفر، قال في شرح المهذب: وبهذا قطع
الجمهورُ، وجعله في الروضة وجهًا قويًا وهو خلاف ما في الكتاب، والثاني: يحسبان كما يحسب من مدة المسح يوما الحدث ونزع الخف.
تَنْبِيْهٌ: نية الإقامة مطلقًا أو المدَّة المذكورة، لا فرق فيه بين أن يكون الموضعُ صالحًا للإقامةِ أوْ لا! كالمفازة على الأظهر، ثم مَحِلُّ الخلاف إذا نوى الإقامة وهو ماكث، أما إذا نواها وهو سائر، فلا يصر مقيمًا بلا خلاف، كما ادعاه في شرح المهذب، لكن في التهذيب للبغوي خلافه فاستفده 1. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا, لأنه - صلى الله عليه وسلم - أقامها بمكة يقصر الصلاة، رواه أبو داود ولم يضعفه، لكن في البُخَارِيّ تسعة عشر، قال البيهقي: وهي أصح الروايات فينبغي أن يُفتى بها 2،
وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، أي لأن نفس الإقامة أبلغ من نيتها، وإذا امتنع القصر بِنِيَّةِ إقامة الأربع فصاعدًا فالامتناع بإقامتها أَوْلى، وحكاه في الروضة تبعًا للرافعي قولًا، وَفِي قَوْلٍ أَبَدًا, لأن الظاهر أنَّه لو زادت الحاجة لدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - على القصر، وفي البيهقي بأسانيد جيدة عن عدة من الصَّحَابَة ما يدل له 1.
وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ لاَ التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ، أي فإنَّه لا يقصر لذلك، والفرق بين المحارب وغيره أن للحرب أثرًا في تغيير صفة الصلاة، وهذا ليس وجهًا على اصطلاحه بل طريقة، وَلَوْ عَلِمَ، أي المحارب وغيره، بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَلَا قَصْرَ عَلَى الْمَذْهَبِ, لأنه مطمئنٌ ساكنٌ بعيدٌ عن هيئة المسافرين، وقيل: يجرى فيه الخلاف كغيره (•).
فَصْلٌ: طَوِيلُ السَّفَرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً، قال الليث: هو الذي عليه النَّاس، واستحب الشَّافعيّ - رضي الله عنه - أن لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من خلاف أبي حنيفة في ضبطه، ويعتبر القدر المذكور هنا ذهابًا وهو تحديد على الأصح، وقيل: تقريب، واحترز بِالْهَاشِمِيَّةِ عَنِ الأَمَوِيَّةِ فإنَّها أكثر، وبها حدد الشَّافعيّ في القديم فقال أربعون ميلًا يريد أُمَوِيَّةً.
قُلْتُ: وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ، أي ودبيب الأَقْدَامِ، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، أي في اعتبار المسافة، فَلَوْ قَطَعَ الأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ، أي لسرعة السير بالهواء، قَصَرَ، وَالله أَعْلَمُ, لأنها مسافةٌ صالحةٌ للقصر فلا يؤثر قطعها في زمنٍ يَسِيْرٍ كما لو قطعها في البر على فرس جوادٍ في بعض يوم.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ, لأن كون السفر طويلًا لا بد منه، وهذا لا يدرى أن سفرَهُ طويلٌ أَمْ لاَ؟ ومن هذا تؤخذ مسألة الأسير إذا لم يعلم أين يذهبون به فإنَّه يقصر إذا سار معهم مرحلتين، وقد نقله في الروضة عن النص، وَلَا طَالِبِ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، أي وإن طال سفره كما ذكرنا في الهائم، وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ، أى بكسر = مِنْهُمْ): الأثر (5582).
• ثُمَّ قْلْتُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ثُمَّ أَجْمَعَ أَهُلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ.
ينظر: الجامع الصحيح: أبواب الصلاة: باب ما جاء في كَمْ تقصرُ الصلاةُ؛ تعليقان للترمذي على الحديث (548): ج 3 ص 434.
(•) في هامش نسحة (3): بلغ مقابلة على نسخة قُرِيَتْ على المصنِّفِ وعليها خطُّهُ.
الصاد، طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ، قَصَرَ وَإِلاّ، أي لم يكن له غرض سوى القصر، فَلَا فِي الأَظْهَرِ، لأَنَّهُ طوَّلَ الطريق على نفسه من غير غرض، والثاني: يَقْصُرُ كما في سائر الأَسْفَارِ الطويلة وصححه الماوردي، ونظيرر هذا الخلاف ما إذا سَلَكَ الْجُنُبُ في خروجهِ من المسجد الطريق الأبعد من غير غرض، والأصح في الروضة: أنَّه لا كراهة ولا خلاف في أنَّه إذا سلك الْقَصِيرَ لا يقصر.
وَلَوْ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمِرِهِ فِي السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُ، أي كل واحد منهم، مَقْصِدَهُ، أى بكسر الصاد، فَلَا قَصْرَ، لفقد الشرط وهو تحقق السفر الطَّويل؛ كذا قاله البغوي والرافعي، وهو ظاهر فيما لم يجاوزوا مرحلتين، فإن جاوزوهما قصروا وإن لم يعرفوا المقصِدَ، فَلَوْ نَوَواْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، قَصَرَ الْجُنْدِيُّ دُونَهُمَا, لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، كذا علله الرافعي وهو ظاهر في المتطوع
دون المثبت في الديوان، واحترز بقوله (وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ) عما إذا عرف؛ فإنهم يترخصون.
وَمَنْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا انْقَطَعَ، أي فلا يترخص بشيء قطعًا، فَإِنْ سَارَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ، أي فلا يجوز القصر إلاّ أن يقصد مرحلتين، وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ؛ لأن الْقَصْرَ رُخْصَة شُرعت إعانةَ للمسافر على مقصدهِ، والعاصي لا يُعان، فلم يكن مرادًا بعموم الآية.
فَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَلَا تَرَخُّصَ فِي الأَصَحِّ، كما لو أنشأ السفر بهذه النية، والثاني: يرخص له مراعاة للابتداء، ومحل الخلاف ما إذا استمر القصد، فإن تاب ترخص قطعًا، ذكره الرافعي في اللُّقَطَةِ، وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ فَمُنْشِئٌ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبةِ، أي فإن كان منه إلى مقصده مسافة القصر 1؛
قصر وإلاّ فلا، وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً لَزِمَهُ الإِتْمَامُ, لأن ذلك سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ كما أخرجه مسلم وأَحمد 1، وقوله (بِمُتِمِّ) شمل المقيم والمسافر إذا نوى الإتمام.
وَلَوْ رَعَفَ الإِمَامُ الْمُسَافِرُ؛ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ, لأنهم مقتدون بمُتِم، وَكَذَا لَوْ عَادَ الإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ، أي يلزمه الإتمام لأنه اقتدى بمتم في جزء من صلاته، فإن لم يقتد به فلا، وَلَوْ لَزِمَ الإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلاَتُهُ أَوْ صَلَاةُ إِمَامِهِ، أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ, لأنها صلاة تعين عليه إتمامها فلم يجز له قصرها كما لو فاتته في الحضر.
وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ أَتَمَّ, لأنه = المسافرين: الحديث (4/ 686). وفي رواية ابن حبان: [هُوَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُواْ رُخْصَتَهُ] الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: فصل: في صلاة المسافر: الحديث (2729). • ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما, أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: [إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب كراهية ترك التقيصر: الحديث (5516). • لحديث ابن عُمَرَ وابن عباس -رضي الله عنهما- يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب السفر الذي تقصر في مثله الصلاة: الأثر (5498) وهو صحيح عنهما.
وعلقه البُخَارِيّ بصيغة الجزم كما أثبتناه أعلاه.
في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب في كم يَقْصُرُ الصلاة؟.
الأصلُ مع ظهور شعار الإقامة والسفر، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ قَصَرَ، لأن الظاهر من حال المسافر القصر، وليس للنية شعار يعرف به، فهو غير مقصر في الاقتداء، والظن في هذا كالعلم، وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: إِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ قَصَرَ فِي الأَصَحِّ؛ لأن الظاهر من حال المسافر القصر، ومقتضى الإطلاق ما نواه، والثاني: لا يجوز القصر للشك.
وَيُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَّتُهُ؛ لأن الأصل الإتمام، فإذا لم ينوِ القصر انعقدت على الإتمام فلم يجز القصر كالمقيم، فِي الإِحْرَامِ، كسائر النيات، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، أى بأن لا يقطعها ولا يتردد فيها.
وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ أَوْ أَنَّه نَوَى الْقَصْرَ، أى أولًا أم لا، أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ، أَتَمَّ، أما الأُولى: فلفوات جزم النية، وأما الثَّانية: فلان أصل النية حاصل، والواقع من الصلاة في حال الشك محسوب من الصلاة فيتأدى ذلك الجزء على التمام ويلزمه به الإتمام، وأما الثالثة: فلأن القيام مشعر بالإتمام.
وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلإِتْمَامِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، كما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغير النية، واحتزز بقوله (بِلَا مُوْجِبٍ) عما إذا أحدث ما يوحب الإتمام، وقام لذلك فإنَّه فعل واجبًا، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ، أي وهو قائم، أَنْ يُتِمَّ عَادَ ثُمَّ نَهَضَ مُتِمًّا, لأن نهوضَهُ إلى الركعه الثالثة واجبٌ ونهوضه كان لاغيًا لسهوه.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلاَتِهِ، فَلَوْ نَوَى الإِقَامَةَ فِيهَا أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إِقَامَتِهِ أَتَمَّ، لزوال سبب الرخصة كما لو كان يصلي قائمًا فمرض فزال المرض يجب عليه أن يقوم.
فَرْعٌ: يشترط لصحة القصر أَيضًا العلم بجوازه، فلو جهل جوازه فقصر لم تصح صلاته قطعًا؛ لأنه متلاعب، وفيه احتمال واهٍ.
وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلاَثَ مَرَاحِلَ، للخروج من خلاف من يوجب القصر؛ وكان - صلى الله عليه وسلم - يداوم عليه 1، والثاني: الإتمام أفضل لأنه أكثر عملاً، وقيل: هُما سواء، وإذا لم يبلغ ثلاث مراحل كان الإتمام أفضل، خروجاً من خلاف أبي حنيفة، قُلْتُ: ويستثنى من إطلاق المصنف الْمَلاَّحُ الذي يسافرُ في البحر، ومعه أهله وأولاده في سفينة، ومن يديم السفر في الْبَرِّ لغرض صحيح، فإن الأفضل لهما الإتمام، وكذا مسائل أُخر ذكرتها في الشرح فراجعها.
وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ، لما فيه من تبرئَةِ الذّمَّةِ، والمحافظة على فضيلة الوقت، وما ذكره المصنف يجمع به بين الأخبار الواردة في الباب، أما من تضرر به فإنه حرام عليه 2، وهل يصح صومه؟ فيه احتمالان عن الغزالي في المستصفى.
فَصْلٌ: يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيماً وَتَأْخِيراً وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ، أما جع التأخير فثابت في الصحيح 3، وأما جع التقديم فَحَسَّنَهُ الترمذي
وصححه ابن حبان والبيهقي 1، نعم فعل كل صلاة في وقتها أفضل إلّا الحاج، وقد ذكره في بابه، وخرج بما ذكره المصنف الصبح؛ فإنها لا تجمع مع غيرها، وكذا لا يجمع بين المغرب والعصر وهو إجماع.
فَرْعٌ: الْمُتَحَيِّرَةُ ليس لها أن تجمع، فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ.
وَكَذَا الْقَصِيرِ فِي قَوْلٍ، كالتنفل على الراحلة، ولا يعتبر دوام السفر إلى فراغ الثانية بل إلى عقدها كما سيأتي، فَإِنْ كَانَ سَائِراً وَقْتَ الأُوْلَى فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ وَإِلاَّ فَعَكْسُهُ، اقتداء به عليه الصلاة والسلام كما هو في الحديث السالف.
وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلاَثَةٌ:
• الْبُدَاءَةُ بِالأُوْلَى، لأن وقت الثانية لم يدخل وإنما يفعل تبعاً للأولى، والتابع لا = أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس: الحديث (1112). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب جواز الجمع بين الصلاتين: الحديث (46/ 704). وفي رواية مسلم: الحديث (47) قال: [كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخْرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا] وفي رواية: الحديث (48): [عَنِ النِّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا عَجَّلَ عَلَيْهِ السَّفَرَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخّرُ الْمَغْرِبَ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِيْنَ يَغِيْبُ الشَّفَقُ].
يتقدم على المتبوع، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ، لفوات الشرط، والمراد فساد كونها عصراً أو عشاء لا أصل الصلاة، بل تنعقد نافلة على الأصح في البحر.
• وَنِيَّةُ الْجَمْعِ، لتتميز عن تقديمها سهواً، وَمَحَلُّهَا أَوَّلُ الأُوْلَى، قياساً على نية القصر بجامع أنهما رخصتا سفر، وَتَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا فِي الأَظْهَرِ، لأن الجمع ضم الثانية إلى الأُوْلى فيحصل الغرض بتقديم النية على حالة الضم، والثاني: يشترط عند التحرم كالقصر، والأول فَرَّقَ بأن نِيَّةَ القصر تُراد لتنعقد الصلاة ركعتين فلذلك اشترطت عند التحرم، ولو نوى مع سلام الأُولى جاز على الأصح، وقيل: يجوز بعد التحلل من الأُوْلى وقبل الإحرام بالثانية، قال في شرح المهذب: وهو قوى.
• وَالْمُوَالاَةُ بِأَنْ لاَ يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، لأنها إنما تُفعل تبعاً، وإذا فرق بينهما لم يكن تبعاً، وقد ترك الشارع - صلى الله عليه وسلم - الرواتب بينهما لذلك، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ، أي كالسهو والإغماء، وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، لما ذكرناه، وَلاَ يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ, لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالإقامة بينهما 1، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ، أي فما عدُّوْهُ طويلًا ضَرَّ، وما لا؛ فلا.
وَلِلْمُتَيَمِّمِ الْجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، كالمتوضئ، وَلاَ يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ، لأنه من مصلحة الصلاة فأشبه الإقامة، بل أَوْلى لأنه شرط دونها، والثاني: لا، لأنه يحتاج إلى الطلب، وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُوْلَى بَطَلَتَاَ وَيُعِيدُهُمَا جَامِعاً، أما البطلان في الأُولى فلترك بعض أركانها وتعذر التدارك بطول الفصل، وأما في
الثانية: فلأن شرط صحتها تقديم الأُولى، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ تَدَارَكَ، أي ومَضَتِ الصلاتان على الصحة، وِإلَّا فَبَاطِلَةٌ وَلاَ جَمْعَ، لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها، وَلَوْ جَهِلَ، أي كون الركن المتروك من أيهما، أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا، لاحتمال الترك من الأُولى، ولا يجوز الجمع لاحتمال تركه من الثانية.
وَإِذَا أَخَّرَ الأُوْلَى لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ وَنِيَّةُ الْجَمْعِ، أي عند الشروع في الصلاة، عَلَى الصَّحِيحِ، لَأن الوقت لها، والأُولى تبع وهي بخروج وقتها تشبه الفائتة، والثاني: يجب جميع ذلك كما لو سمع بالتقديم، ووقع في الْمُحَرَّرِ الجزم بوجوب نية الجمع، وهو غلط وتبعه فيه الحاوي الصغير، وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَإلَّا فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءَ، لأن التأخير قد يكون معصية كالتأخير لغير الجمع وقد يكون مباحاً كالتأخير له فلابد من نية تميز بينهما، والأصح أنه إن نوى؛ وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة؛ كفى، أو دونها فلا، كما اقتضاه كلامه في الروضة تبعاً للرافعي، وخالف في شرح المهذب، فاعتبر قدر الصلاة.
وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيماً فَصَارَ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مُقِيماً بَطَلَ الْجَمْعُ، أي فتعين تأخير الثانية إلى وقتها لزوال العذر، وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا لاَ يَبْطُلُ فِي الأَصَحِّ، صيانة لها عن البطلان بعد الانعقاد، والثاني: تبطل كما يمتنع القصر بالإقامة في أثنائها، والأول فرق بأن القصر ينافي الإقامة بخلاف الجمع، أَوْ تَأْخِيراً فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يُؤَثَّرْ، وَقَبْلَهُ يَجْعَلُ الأُوْلَى قَضَاءً، قال الرافعي: وكأَنَّ المعنى فيه أن الصلاة الأُولى تبع للثانية عند التأخير فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها، وهذا إذا كانت الإقامة في أثناء الأُولى، فإن كانت في أثناء الثانية، قال في شرح المهذب: ينبغي أن تكون الأُولى أداء قطعاً.
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلّى بالمدينة سبعاً جميعاً، وثمانياً جميعاً
الظهر والعصر، والمغرب والعشاء متفق عليه 1 في رواية لمسلم: [مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ
وَلاَ سَفَرٍ] 1 قال مالك: أرى ذلك بعذر المطر، تَقْدِيماً، أي قطعاً ومن حكى الخلاف فيه فَقَدْ وَهِمَ، وَالْجَدِيدُ مَنْعُهُ تَأخِيراً، لأن المطر قد ينقطع فيؤدى إلى الجمع من غير وجود عُذرٍ، والقديم الجواز قياساً على الجمع بعذر السفر.
وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ وُجُودُهُ، يعي المطر، أَوَّلَهُمَا، أى أول الصلاتين ليتحقق الجمع مع العذر، وَالأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلاَمِ الأُوْلَى، ليتحقق اتصالُ آخِرُ الأُولى بأَوَّلِ الثانية مقروناً بالعذر، والثاني: لا يشترط، ونقله الإِمام عن الْمُعْظَمِ، وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إِنْ ذَابَا، أي وَبَلَّا الثوب، وَالأَظهَرُ: تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ، لأن الجمع جُوِّزَ للمشقة وتحصيل الجماعة،
وهذا المعنى مفقود في ضِدِّهَا، والثاني: لا يختص، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع في المسجد
وبيوت أزواجه بقربهِ.
= وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب مواقيت الصلاة: باب تأخير الظُّهر إلى العصر: الحديث (543) والحديث (562) وفي لفظ له: [صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَبْعاً جَمِيْعاً، وَثَمَانِياً جَمِيْعاً، والأول عند مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (56/ 705). وفي رواية لمسلم: عن ابن عباس قال: [جَمَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِيْنَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ مَطَرٍ] قال سعيد بن جبير: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: [كَيْ لاَ يُحْرِجَ أُمَّتَهُ]: الحديث (54/ 705).
بَابُ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ
اَلْجُمُعَةُ: هِىَ بِضَمِّ الْمِيْمِ وَفَتْحِهَا وَإِسْكَانِهَا، وَحُكِيَ كَسْرُهَا أَيْضاً، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لاِجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا، وَفِي فَضَائِلِ الأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِىِّ مِنْ حَدِيْثِ أَبِى لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ مَرْفُوعاً: [إِنُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيُّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَهُ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ منْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الأَضْحَى] 1. إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلاَ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، أي من الأعذار المرخصة لترك الجماعة، فلا جمعة على صبي ومجنون كغيرها من الصلوات وأَوْلى؛ ولا رقيق؛ لأنه ينقطع عن خدمة مولاه، ولا امرأة بالإجماع، ولا مسافر لاشتغاله به، ولا مريض ونحوه للمشقة 2.
وَلاَ جُمُعَةَ عَلَى مَغْدُورٍ بِمُرَخَّصِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، للحديث السالف في تركِ الجماعة، وَالْمُكَاتَبِ، لأنه عبدٌ (•) ما بقي عليه درهم، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّ رِقَّ الْبَعْضِ يَمْنَعُ من الكمالِ والاستقلال كرق الكل، والثاني: إن كان بينه وبين سَيِّدِهِ مُهايأَةٌ وصادف يوم الجمعة نوبته لزمته لفراغه حينئذٍ.
وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ صَحَّتْ جُمْعَتُهُ، بالإجماع، وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْجَامِعِ إلّا الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ، أي مَنْ بِهِ عُذْرٌ أُلْحِقَ بِهِ؛ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ، لأَنَّ التَّرَخُّصَ فِي حَقِّهِمْ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ؛ فإذا حَضَرُوا وتَحَمَّلُوهَا فلاَ وجهَ لِلاِنْصِرَافِ، إِلاَّ أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بانْتِظَارِهِ، قُلْتُ: وإذا أقيمت لزمتهم كما قاله الإمام أيضًا، قُلْتُ: ويستثنى أيضًا الأَعمى الذي لا يجد قائداً إذا حضر، فإنها تلزمه بلا خوف لانتفاء • أمَّا قولُه: حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيْمٍ بِلاَ مَرَضٍ؛ لحديث طارق بن شهاب قال: [الْجُمُعَةُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ؛ أَوِ امْرَأَةٌ؛ أَوْ صَبِيٌّ؛ أَوْ مَرِيْضٌ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الجمعة على المملوك والمرأة: الحديث (1067).
وقال: طارق بن شهاب قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع منه شيئاً.
قلت: قال ابن حجر رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه مرسلاً.
ينظر: تهذيب التهذيب: الترجمة (3080) فالحديث صحيح.
ورواه الحاكم موصولاً عن طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث: في المستدرك: كتاب الجمعة: الحديث (1062/ 37)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
• أمَّا المسافرُ، فإن له رخصة في ترك الجمعة، فلحديث تميم الداري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ أَوْ مُسَافِرٍ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجمعه: الحديث (5731)، وعن جابر - رضي الله عنه -؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ عَلَى مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللهُ عَنْهُ، وَالله غَنِيٌّ حَمِيْدٌ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (5732)، وقال: ورواه سعيد بن أبي مريم عن ابن لَهِيْعَةَ فزاد فيهم: [أَوِ امْرَأَةً].
وفي الأثر عن عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -؛ رَأَى رَجُلاً قَدْ عَقَلَ رَاحِلَتَهُ؛ قَالَ: مَا يَحْبِسُكَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةُ! قَالَ: إِنَّ الْجُمُعَةَ لاَ تَحْبِسُ مُسَافِراً، فَاذْهَبْ.
رواه البيهقي: الأثر (5736).
(•) في هامش نسخة (3): في نسخة - أى ينقل منها - قِن بدل عَبْد.
المشقة كما ذكره في شرح المهذب والتصحيح، وأهل السواد إذا صلَّوا العيد لهم الانصراف على الأصح.
وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَباً وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، لانتفاء الضرر، وَأَعْمَى يَجِدُ قَائِداً، لانتفائه أيضاً والحالة هذه، وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا فَلاَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اَلْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ] رواه أبو داود وذكر له البيهقي شاهداً 1، والمعتبرُ سماع من أصغى إليه ولم يكن أصم ولا جاوز سمعه حد العادة، فإذا سمع ذلك بعض أهل القرية وجب على جميع أهلها، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، خوف تفويته، روى البيهقي في كتاب فضائل الأوقات عن الأوزاعي قال: كان عندنا رجلٌ صيَّادٌ يسافرُ يوم الجمعة يصطاد ولا ينتظر الجمعة فخرج يوماً فخسف ببغلته فلم يبق منها إلاّ أُذنها، وروينا عن مجاهد: أن قوماً سافروا يوم الجمعة حين زوال الشمس فاضطرم عليهم خباؤهم من غير أن يروا ناراً 2.
إِلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الْجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ، لانتفائه في الأُولى، والتضرر في الثانية، وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الْجَدِيدِ، لأن الجمعة مضافة إلى اليوم، ولهذا يجب السعي على بعيد الدَّار قبل الوقت، والقديم ونصَّ عليه في حرملةَ أيضاً: أنه لا يَحْرم إذا لم يدخل وقت الوجوب، وهو الزوال؛ كما إذا باع النصاب قبل تمام الحول، إِنْ كَان سَفَراً مُبَاحاً، أي على الجديد ومقابله في السفر المباح،
وَإِنْ كَانَ طَاعَةً، أي واجبة أو مستحبة، جَازَ، أى قطعاً.
قُلْتُ: الأًصَحُّ أَنَّ الطَّاعَةَ كَالْمُبَاحِ، وَالله أَعْلَمُ، أي فيجري الخلاف فيه، أما بعد الزوال فيمنع منهما، وإن كان وقع في الْمُحَرَّرِ ما يوهم إجراء الخلاف فيه أيضاً.
وَمَنْ لاَ جُمُعَةَ عَلَيهِمْ؛ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الأَصَحِّ، لعموم الترغيبات الواردة في الجماعة، والثاني: لا، لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة والخلاف في المعذورين في البلد، أما لو كانوا في غيرها فالجماعة تستحب في ظهرهم إِجماعاً، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ، لئلا يتهموا في الدِّيْنِ وينسبوا إلى ترك الجماعة بها، فإن كان العذر ظاهراً فلا يستحب الإخفاء لانتفاء التهمة حينئذ.
وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ، أي كالعيد يرجو العتق، والمريض يتوقع الخفة، تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الْجُمُعَةِ، لاحتمال تمكنه منها، ويحصل اليأس برفع الإمام رأسَهُ من الركوع الثاني على الصحيح، وَلِغَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ تَعْجِيلُهَا، محافظة على فضيلة أوَّل الوقت.
وَلِصِحَّتِهَا مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا شُرُوطٌ: • أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ، لأنهما فَرْضَا وقتٍ واحدٍ فلم يختلف وقتهما كصلاة الحضر وصلاة السفر، وادعى ابن التلمساني في كلامه على مطالبة الإِمام بالكفارة والنذر: أنه لا خلاف أن للإمام تعيين وقت إقامة الجمعة، وإن كان موسَّعاً وهو غريباً 1، فَلاَ تُقْضَى جُمُعَةً، أى بل ظهراً
بالإجماع، فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا، أي بأن لم يبق من الوقت مما يسع خطبتين يقتصر فيهما على ما لا بد منه، صَلَّوْا ظُهْراً، كما إذا فات شرط القصر يرجع إلى الإتمام، وَلَوْ خَرَجَ، أي الوقت، وَهُمْ فِيهَا وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، إلحاقاً للدوام بالابتداء، وَفِي قَوْلٍ اسْتِئنَافاً، بناءً على أنها صلاةٌ مستقلةٌ وهذا البناء يقتضي تصحيح هذا فتأمله،
وَالْمَسْبُوقُ كَغَيرِهِ، أي إذا خرج الوقت بعد أن قام إلى تدارك الثانية، وَقِيلَ يُتِمُّهَا جُمُعَةً، لأنها تابعة لجمعة صحيحة وهى جمعة الإِمام، والناس بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام.
• الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبِنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ، للاتباع، ولو انهدمت قرية فأقاموا على بنائها جَمَّعُواْ نصَّ عليه وتابعوه 1، وَلَوْ لاَزَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَداً، أي فلزموا موضعاً صيفاً وشتاءً، فَلاَ جُمُعَةَ فِي الأَظْهَرِ، لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة وما كانوا يصلونها، ولا أمرهم الشارع بها، وهذا لأنهم على هيئة المستوفزين وليست لهم أبنية المستوطنين 2. = الباب عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -، وسلمة بن الأكوع أخرجهما مسلم في كتاب الجمعة: باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس: الحديث (28/ 858) و (3/ 860).
• الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَسْبِقَهَا وَلاَ يُقَارِنَهَا جُمُعَةً فِي بَلْدَتِهَا، لأنه لو جاز تعددها لجاز في مسجد العشائر، وذلك لا يجوز بالإجماع فكذا هنا، إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانِ، وَقِيلَ: لاَ تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إِنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شَقَّيْهَا كَانَا كَبَلَدَينِ، وَقِيلَ: إِنْ كَاَنَتْ قُرًى فَاتَّصَلَتْ تَعَدَّدَتِ الْجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا، أى في الابتداء، وأعلم أن سبب هذا الاختلاف؛ أن الشافعي - رضي الله عنه - دخل بغداد وهُم يقيمون الجمعة في موضعين، وقيل: ثلاثة؛ فلم ينكر، فاختلف أصحابنا في سببه على
أوجه أصحها أن سببه الأول من هذه الأوجه، وقيل: إن المسألة اجتهادية وليس للمجتهد أن ينكر على المجتهدين، أو لم يقدر على الإنكار، وقيل: سببه الثالث، وقيل: الرابع.
فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ، أي من حيث لا يجوز التعدد، فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة، لا تقدم من أنه لا مزيد على جمعة واحدة، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ، لأنَّ في تصحيح الأُولى افتياتاً عليه أي فَوْتاً، يقال أفتأت عليه بكذا أي فاتَّه به، والمراد به الإمام الأعظم أو خليفته في الإمامة أو الراتب من جهته كما ذكره الجيلي، وَالْمُعْتَبَرُ سَبْقُ التَّحَرُّمِ، لأن به الانعقاد فَأَيَّتُهَا أَحْرَمَ بِهَا أوَّلاً فهي الصحيحة، والأصح أن الاعتبار بآخر التكبير لا بأوله، وَقِيلَ: التَّحَلُّلِ، لأن الصحيحة إذا وقع التحلل عنها أمن عروض الفساد لها، = يَرَى أَهْلَ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةِ يُجَمِّعُونَ فَلاَ يَعِيْبُ عَلَيْهِمْ) قال ابن حجر: أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح.
وهو عند ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف عن مالك: النص (5071) بلفظ: (كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمِيَاهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةِ يُجَمِّعُونَ).
وأخرج البيهقى عن الوليد بن مسلمة قال: سألتُ اللِّيْثَ بْنَ سَعْدٍ فقال: (كُلُّ مَدِيْنَةِ أَوْ قَرْيَةٍ فِيْهَا جَمَاعَةٌ وَعَلَيْهِمْ أَمِيْرٌ أُمِرُواْ بِالْجُمُعَةِ فَلْيُجَمِّعْ بِهِمْ، فَإِنَّ أَهْلَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ وَمَدَائِنَ مِصْرَ وَسَوَاحِلَهَا كَانُواْ يُجَمِّعُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَفِيْهَا رِجَالٌ مِنَ الصَّحَابَةِ) في السنن الكبرى: كتاب الجمعة: النص (5710). والأصل في الجمعة في القرى حديث ابن عباس في فعل أهل جواثى.
والله أعلم.
بخلاف ما قبل التحلل فكان الاعتبار به أَولى، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ، نظراً إلى أن الخطبتين بمثابة ركعتين.
فَلَوْ وَقَعَتَا مَعاً أَوْ شَكَّ، اَسْتُؤْنِفَتِ الْجُمُعَةُ، أي إن اتسع الوقت لأن الأصل عدم جمعة مجزية، وَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ صَلَّوْا ظُهْراً، لأن الجمعة صحَّتْ فلا يجوز عقد جمعة أخرى بعدها، وَفِي قَوْلٍ جُمُعَةً، لأن الأُولى لم تحصل بها البراءة فهى كجمعة فاسدة لفواتِ بعض شروطها وأركانها.
• الرَّابِعُ: الْجَمَاعَةُ، لاجتماع من يعتد به في الإجماع، وَشَرْطُهَا كَغَيْرِهَا، أي من الصلوات، وَحُضُورُ السُّلْطَانِ وَإِذْنُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهَا على الجديد، وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ، لأنه أقل عدد ثبت فيه التوقيف 1، مُكَلْفاً؛ حُرّاً؛ ذَكَراً، لأن أضدادهم لا تجب عليهم لنقصهم فلا تنعقد بهم، ولا ينتقض هذا بالمريض لأنها لم تجب عليه رفقاً به، مُسْتَوْطِناً لاَ يَظْعَنُ شِتَاءً وَلاَ صَيْفاً إِلاً لِحَاجَةٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لم يجمع بحجة الوداع لعدم الاستيطان 2، وَالصَّحِيحُ انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى،
لكمالهم، وإنما لم تجب عليهم تخفيفاً، ووجه المنع القياس على العبد؛ وهو قولٌ لا وجه كما حكاه في الروضة تبعاً للرافعي، وَأَنَّ الإِمَامَ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ، لإطلاق الأخبار، والثاني: يشترط لما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بالمدينة ولم يُجْمِع بأقل من أربعين، قال الرافعي: وهذا يُشعر بزيادته على الأربعين، وَلَوِ انْفَضَّ الأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ لَمْ يُحْسَبِ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، لأن مقصود الخطبة الاستماع والمراد بالأربعين العدد المعتبر وقد تقدم أن الإمام لا يشترط زيادته على الأربعين، وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُواْ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، كما يجوز البناء إذا سلّم ثم تذكر قبل طول الفصل، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلاَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّواْ بَيْنَهُمَا، أي وعادوا قبل طول الفصل، فَإِنْ عَادُواْ، أي في المسألتين، بَعْدَ طُولِهِ وَجَبَ الاِسْتِئْنَافُ فِي الأَظْهَرِ، والخلاف مبنيٌّ على وجوب الموالاة في الخطبة، وَجْهُ الوجوبِ إتِّباع الأَوَّلِيْنَ، ووجهُ مقابلهِ أنَّ غرضَ الوعظِ والتذكيرِ يَحصلُ مع تفريق الكلمات.
فَرْعٌ: الاعتبار في طول الفصل وقصره بالعرف.
وَإِنِ انْفَضُّواْ فِي الصَّلاَةِ بَطَلَتْ، أي الجمعة ويتمها ظهراً؛ لأن العدد شرط في الابتداء فيكون شرطاً في سائر الأجزاء كالوقت، وَفِي قَوْلٍ لاَ، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ، لأن الثلاثة جمع كالأربعين، ولأنه يفتقر في الدوام ما لا يفتقر في الابتداء 1. السنن: كتاب المناسك: باب صفة حجه النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (1905). والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الجمعه: باب الإمام يمر بموضع لا تقام فيه الجمعة مسافراً: الحديث (5721)، وقال قبله: وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّاهَا يوْمَئِذٍ ظُهْراً لاَ جُمُعَةً.
وَتَصِحُّ، أي الجمعة، خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ فِي الأَظْهَرِ، إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ، أما في العبد والمسافر؛ فلأن العدد قد تم بصفة الكمال وجمعتهما صحيحة، وإن لم تلزمهما، وأما في الصبي فالقياس على سائر الفرائض، والثاني: لا تصح، لأن الإمام ليس على صفة الكمال وهو أَولى باعتبارها من غيره، فإن لم يتم العدد بهم فلا تصحِ جزماً، وَلَوْ بَانَ الإِمَامُ جُنُباً أَوْ مُحْدِثاً صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الأَظْهَرِ إِنْ تَمَّ العَدَدُ بِغَيْرِهِ، كما في سائر الصلوات، والثاني: لا يصح، لأن الجماعه شرط في الجمعه، والجماعة تقوم بالإمام والمأموم، فإذا بان الإمام محدثاً بانَ أن لا جمعه له فلا جماعة بخلاف غيرها، وَإِلاَّ فَلاَ، أي وإن لم يتم العدد بغيره لم تصح جمعتهم قطعاً، وَمَنْ لَحِقَ الإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعاً لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بإدراك الركوع على خلاف الحقيقة، وإنما يصار إليه إذا كان الركوع محسوباً من صلاة الإِمام ليتحمل به عن الغير، والثاني: يحسب كما لو أدرك معه ركعة، والأول فرق بأنه لا يمكن التصحيح هنا بخلاف ثمَّ فَرْعٌ: أربعون أميّون في درجة واحدة جازت جمعتهم بخلاف ما إذا كان بعضهم غير أمّي، وهذا عكس الخطبة فإنهم إن جهلوها لم تجز بخلاف ما إذا كان بعضهم يجهلها لأن الخطبة شرط لصحتها ذكره البغوي فِى فتاويه (•).
• اَلْخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلاَةِ، للاتباع 1، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ:
• حَمْدُ الله تَعَالَى، للاتباع أيضاً 2. (•) في الحاشية للنسخة (3): بلغ مقابلةً على نسخة قُرأت على المصنف وعليها خطه.
• وَالصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالأذان والصلاة، وفي دلائل النبوة للبيهقي من حديث عيسى بن ماهان عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا حكاية عن الله تعالى: [وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُواْ أَنَّكَ عَبْدِي وَرَسُولِي] 1 وفي السيرة في أول خطبة خطبها لَمّا قدم من الهجرة [وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ] 2، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ، اتباعاً لما درجوا عليه في الأمصار فلا يجزي الْحَمْدُ، لِلرَّحْمَنِ.
• وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، أى والطاعة للاتباع 3، وَلاَ يَتَعَيَّنُ لَفْظّهَا عَلَى الصَّحِيحِ، لأن الغرض الوعظ والحمل على طاعة الله فيقوم مقامه أيَّ وعظٍ كان، = يَقُولُ صبحكم ومساكم، وَيَقُولُ: [بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةِ كَهَاتَيْنِ]).
رواه مسلم في الصحيح: كتاب الجمعة: الحديث (43 و 44/ 867).
والثاني: يتعين كالحمد والصلاة، قلت: ولا بد من الحث على الطاعة والمنع من المعصية.
وَهَذِهِ الثَّلَاَثُةُ أَرْكَانٌ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، أمَّا الْحَمْدُ ففي صحيح مسلم: [كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَحَمَدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ] الحديث 1. وأمَّا الصَّلاَةُ فلقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ومعناها إِذَا ذُكِرَ اللهُ ذُكِرَ مَعَهُ، كما ورد في الحديث صححه ابن حبان 2، وأما الوصية بالتقوى فلأنها مقصود كل خطبة.
• وَالرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةٍ، لحديث جابر بن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قال: [كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا يَقْرَأُ الْقُرآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ]، رواه مسلم 3، فِي أِحْدَاهُمَا، لإطلاق ما ذكرناه، وَقِيلَ: فِي الأُوْلَى، لأنها أحق بالتطويل، وَقِيلَ: فِيهِمَا، لأنها ركن فأشبهت الثلاثه الأول، وَقِيلَ: لاَ تَجِبُ، لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله ورسوله الوعظ.
• وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، للاتباع وكذا للمؤمنات، كما صرح به الغزالي في وسيطه والقاضي وغيرهما، فِي الثَّانِيَةِ، لأن الدعاء يليق بحالة الاختتام، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ، كما في غير الخطبة وهو قول على الصواب.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً، اتباعاً لما جرى عليه رسم الناس، فإن لم يكن فيهم من يحسنها خطب بلسانه مُدَّةَ التَّعَلُّمِ، مُرَتَّبَةِ الأَرْكَانِ الثَّلاَثَةِ الأُوْلَى، أى فيبدأ بالحمد ثم بالصلاة ثم بالوصية، وَبَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، للاتباع، وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ، أي بالإمام، كَامِلِينَ، لأن مقصود الوعظ لا يحصل إلاّ بالإبلاغ، ولا يكفي أن يخطب سرّاً ورفع الصوت بقدر ما يبلِّغ، لكن لو كانوا أو
بعضهم صمّاً فالأصح عدم الاجزاء كما لو بعدوا لفوات المقصود، قُلْتُ: فعلى هذا يعتبر السماع والاستماع.
وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلاَمُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يُنكر على السائل عن الساعة وهو يَخْطُبُ 1، والقديم وهو منصوص الاملاء: أنه يحرم الكلام ويجب الإنصات لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ذكر في التفسير أنها وردت في الخطبة 2.
قُلْتُ: الأَصَحُّ أَنَّ تَرْتِيبَ الأَرْكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالله أَعْلَمُ، لأن المقصود الوعظ وهو حاصل ولم يرد نص في اشتراط الترتيب، وَالأَظْهَرُ اشْتِرَاطُ الْمُوَالاَةِ، للاتباع، ولها أثر ظاهر في استمالة القلوب، والثاني: لا، لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات وقد سبق هذا قريباً أيضاً، وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَالسَّتْرُ، للاتباع 1، والثاني: لا، كاستقبال القبلة.
= بالاستماع لقارئ القرآن إذا قرأ، والإنصات له، فقال بعضهم: ذلك حال كون المصلي في الصلاة خلف إمامٍ يَأْتَمُّ بِهِ، وهو يسمع قراءة الإِمام عليه أن يسمع لقراءته.
وقالوا: في ذلك أنزلت هذه الآية)، ثم ذكره قال ذلك في آثاره من (12099 - 12119). ثم قال: (وقال آخرون: بل عُني بهذه الآية الأمر بالإنصات للإمام في الخطبة إذا قرئ القرآن في الخطبة) ثم ذكر الأثر عن مجاهد قال: (الإنصات للإمام يوم الجمعة): الأثر (12120)، ثم قال: (وقال آخرون: عُني بذلك: الإنصات في الصلاة وفي الخطبة) عن عطاء قال: (وجب الصموت في اثنتين: عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلي، وعند الإِمام وهو يخطب): الأثر (12122)، وعن الحسن قال: (في الصلاة المكتوبة وعند الذكر): الأثر (12123)، ثم قال أبو جعفر الطبرى رحمه الله: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: أُمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإِمام، وكان مَن خلفه ممن يَأْتَمُّ به يسمعه, وفي الخطبة) وقال: (وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: [إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُواْ] وإجماع الجميع على أن مَن سَمِعَ خطبة الإِمام ممن عليه جمعة, الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّهُ لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في أحدهما، وهى حالة أن يكون خلف الإِمام مُؤْتَمُّ به).
ينظر: جامع البيان في تفسير القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري: ج 6 ص 215 - 221. أما الحديث [إِذَا قَرَأَ الإِمَامُ فَأَنْصِتُواْ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: الحديث (63/ 404).
وَتُسَنُّ عَلَى مِنْبَرٍ، للاتباع، أَوْ مُرْتَفَعٍ، لقيامه مقامه في تحصيل الإبلاغ 1، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيهِمْ إِذَا صَعَدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ ثُمَّ يُؤَذَّنُ، للاتباع 2، وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً، أى فصيحة لأنها أوقع في القلوب من = باب فضل الجمعة الحديث (1050). ولحديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيْبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخرُجُ فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجمعة: الحديث (883).
الكلام المبتذل 1، مَفْهُومَةً قَصِيرَةً، لأن الغريب الذي لا يفهم لا يؤثر؛ قصيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [فَأَطِيْلُواْ الصَّلاَةَ وَاقْصُرُواْ الْخُطْبَةَ] رواه مسلم 2، وَلاَ يَلْتَفِتُ يَمِيناً وَشِمَالاً في شَيْءٍ مِنْهَا، أي بل يُقبل عليهم فِى جميعها، وَيعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصاً وَنَحْوِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ خطَبَ على قوس أو عصا، رواه أبو داود، وروى أنه اعتمد على سيف، ويكون ذلك بيده اليسرى 3، وَيَكُونُ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا، أي = مجمع الزوائد: باب سلام الخطيب: ج 2 ص 184. • أَمَّا أَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يُؤَذَّنُ، فلحديث السائب بن يزيد؛ (أَنَّ الأَذَانَ الأَوَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلَ حِيْنَ يَجْلِسُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) رواه البخاري في الصحيح: كتاب الجمعة: باب التأذين عند الخطبة: الحديث (916).
بين الخطبتين، نَحْوَ سُورَةِ الإِخْلاَصِ، وَإذَا فَرَغَ فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ فِي الِإقَامَةِ وَبَادَرَ الإِمَامُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ، والمعنى فيه المبالغة في تحقيق الموالاة، وَيقْرَأُ فِي الأُوْلَى الْجُمُعَةَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْمُنَافِقِينَ، للاتباع 1، وصح في الأُولى بـ ﴿سَبِّحِ﴾ وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وفي سنن النسائي: (أنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيْرٍ؛ مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أثَرِ سُوْرَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ 2، جَهْراً، بالإجماع.
فَائِدَةٌ: روى المنذري في جزء جَمَعَهُ في ما جاء في غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر من حديث أنس رفعه: [مَنْ قَرَأَ إِذَا سَلَّمَ الاِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أنْ يَثْنِي رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللُّه أَحَدٌ وَالْمُعَوَذَتَيْنِ سَبْعاً سَبْعاً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولهِ] 3، وروى ابن السني عن حديث عائشة رفعته: [مَنْ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قُلْ هُوَ اللُّه أَحَدٌ وَالْمُعَوَّذَتَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعَاذَهُ اللُّه بِهَا مِنَ السُّوْءِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى].
فَصْلٌ: يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغتسِلْ] رواه ابن حبان والحاكم 4، وإنما لم نُوْجِبْهُ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ عن شهاب بن خراش.
وإسناده حسن.
تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ] صححهما أبو حاتم 1، وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ، أي وإن لم يحضر كيوم العيد، وَوَقْتُهُ مِنَ الْفَجْرِ، لأن الأخبار علقته باليوم لقوله عليه السلام: [مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَهً] الحديث 2، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذِهَابِهِ أَفْضَلُ، لأنه أبلغ في المقصود، فَإنْ عَجَزَ، أي عن الماء بأن توضأ ثم عدمه أو كان جريحاً في غير أعضاء وضوئه، تَيَمَّمَ فِي الأصَحِّ، لأن الشرع أقامه عند العجز مقامه، والثاني: لا، لأن المقصود التنظيف وقطع
الروائح الكريهة، والتيمم لا يفيده وهو احتمال للإمام وفيه ضعف، لأن الوضوء أيضاً شرع للوضاءة وبالنظافة على ما اشعر به اسمه ويقوم التيمم مقامه، كذلك هنا، وَمِنَ الْمَسْنُونِ غُسْلُ الْعِيِدِ، وستأتي الدلالة عليه في بابه، وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، لأن كلاً منهما صلاة يشرع لها الاجتماع فسُنَّ الغسل كغسل الجمعة.
وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ غَسَّلَ مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ] رواه الترمذي وحَسَّنَهُ 3 وخالف المزنى، وقوَّاه المصنف في شرح المهذب، وَالْمَجْنُونِ،