عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجصفحات 103-142

كِتَابُ الطَهَارَةِ

صفحات 103-142

الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ للمسئ صلاته [أنَّهَا لاَ تَتِمُّ صَلاَةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ] حسنهُ الترمذي وصححه الحاكم 1، وَالأَظْهَرُ أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، لحديث فيه ولم يضعفه أبو داود، ثُمَّ الأَصَحُّ، أي على هذا القول، يَتَمَضْمَضُ بِغَرْفَةٍ ثَلاَثاً، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلاَثًا، أي حتى لا ينتقل إلى عضو إلَّا بعد كمال ما قبله 2، والثاني: بسِت غرفات؛ لأنه أقرب إلى النظافة، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ، فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًا؛ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًا".
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الوضوء: باب مسح الرأس كله: الحديث (185) وباب غسل الرجلين إلى الكعبين: الحديث (186). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب في وضوء النبي: الحديث (18/ 235).

لقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط ابن صبرة: [أَسْبِغِ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا] صححه الترمذي 1 وغيره وفي رواية صحيحة كما قاله ابن القطَّان: [إِذَا تَوَضُّاْتَ فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا] 2؛ قُلْتُ: الأَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلاَثِ غُرَفٍ: يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَالله أَعْلَمُ، هو الذي صحَّت به الأحاديث.
قال الشيخ عزُّ الَدِّينِ: وَقُدِّمَتِ المضمضةُ على الاستنشاق لشرف منافع الفم على منافع الأنف، فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين بهما قوام الحياة، وهو محل الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ، بالإجماع 3، وَالْمَسْحِ؛ لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَسَحَ ثَلاَثًا؛ وَأَفْرَدَ الْمَضْمَضَةَ مِنَ الاِسْتِنْشَاقِ؛ ثم قالا: هكذا توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن حجر في التلخيص: ج 1 ص 90: وأنكره ابن الصلاح في كلامه على الوسيط... قلتُ: روى أبو علي بن السكن في صحاحه من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة... فهذا صريح في الفصل؛ فبطل إنكار ابن الصلاح.
ثم حكى روايات كثيرة تعضد رواية طلحة.

رَأْسَهُ ثَلاَثاً، رواه أبو داود، وقال البيهقي في خلافياته: إسنادُه قد احتجا بجميع رواته غير عامر ابن شقيق ابن سلمة، قال الحاكم: لا أعلم في عامر طعناً بوجه من الوجوه 1، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ، كما في عدد الركعات.
وَمَسْحُ كُلَّ رَأْسِهِ، خروجاً من الخلاف، ثُمَّ أُذُنَيْهِ، أي بماء جديد للاتباع؛ كما رواه الحاكم وصححهِ، وكذا البيهقي 2، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ، أو لم يرد نزعها؛ أي ونحوها كالقلنسوة والْخِمَارِ، كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا، للاتباع كما أخرجه مسلم 3 = (159). ومسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب صفة الوضوء وكماله: الحديث (3/ 226) والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: الحديث (245) وقال: ورَوِّيْنَاهُ في ذلك عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعبد الله بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ونقل المصنف في شرح المهذب عن الأصحاب استحباب ذلك سواء كان ذلك لعذر أو لغيره 1. قُلْتُ: ولا يجزي الاقتصار على العمامة عن الرأس عند أكثر العلماء كما حكاه الخطابي وغيره 2، ولكن في البخاري أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفيْهِ، وفي مسلم أَنُّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ 3، وقال ابن حزم: ستَّة من الصحابة رووا ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد لا معارض لها ولا مطعن فيها، المغيرة وبلال وسلمان وعمر وابن أمية وكعب بنُ عُجَرَةَ وأبو ذر، وبهذا يقول جمهور الصحابة والتابعين، وقد قال الشافعي: إن صح الخبر فيه أقول به؛ قال: وقد صح الخبر فهو قوله، قُلْتُ: أجاب أصحابنا بأن هذه الأحاديث وقع فيها اختصار، والمراد قَالَ: [هَلْ مَعَكَ مَاءٌ؟ ] فَأَتَيْتُهُ بِمِطْهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفِّيْهِ وَوَجْهَهُ ثُمَ ذَهَبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ؛ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ؛ فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الجُبَّةِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِنَاصِيِتَهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَعَلَى خُفيْهِ... الحديث: السنن الكبرى (267)، رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب المسح على الناصية والعمامة: الحديث (81/ 274).

مسح الناصية والعمامة بدليل رواية المغيرة مسح بناصيته وعلى العمامة، أخرجها مسلم؛ ورواية بلال أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مسح على الخفين وبناصيته وعلى العمامة؛ قال البيهقي: إسنادها حسن 1. وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ، للاتباع كما صححه الترمذي وغيره 2، وكذا ما في معناها كالعارض، واستثنى المتولي في تتمته في كتاب الحج من تخليل اللحية الكثة الْمُحْرِم، وعلَّلَه بأن التخليل سُنَّة، ونَتْفُ الشعر حرام ويخاف منه المنتف، وَأَصَابِعِهِ، لحديث لقيط السالف، قُلْتُ: وفي الدارقطني بإسناد جيد من حديث عثمان؛ تثليث التخليل، ينبغي استحبابه 3. وَتَقْدِيمُ اَلْيُمْنَى، أي يداً ورجلا للاتباع، والحكمة فيه التيمن إذ اليمين مأخوذة من اليُمن وهو حصول الخير، والشمال تسمى الشوما، أما الكَفَّان والخَدَّان فيطهران

دفعة واحدة وكذا الأذنان على الأصح 1. وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ، وَتَحْجِيلِهِ، للحث على ذلك؛ وهما غسل ما فوق الواجب من الوجه واليدين والرجلين 2. وَالْمُوَالاَةُ، خروجاً من الخلاف، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ، أي إذا طال التفريق وكان بغير عذر؛ لأنه عبادةِ يبطلها الحدث فأبطله التفريق الكثير كالصلاة إذا طوّل الركن القصير عامدًا، وفرق الجديد بأن الصلاة يبطلها التفريق اليسير عامداً ولا يبطل الوضوء إجماعًا.
وَتَرْكُ الاِسْتِعَانَةِ, لأَنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ 3، وَالنَّفْضِ؛ لأنه كالْمُتَبَرِّئِ

من العبادة 1، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ؛ لأنه أثر عبادة فكان تركه أَوْلَى، والثانى: أنه مكروه كإزالة الخلوف، والثالث: أنه مباح وهو قوي 2. وَيقُولُ بَعْدَهُ: [أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهرِينَ، سُبْحَانَكَ وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره... ) فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج 3 ص 780. وسيأتى الكلام فيه، في كتاب النذور إن شاء الله.
وأما ما جاء من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ قال: إنى رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَقِي مَاءً لِوُضُوئِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعِيْنَهُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: [إِنِّي لاَ أُحَبُّ أَنْ يُعِيْنَنِي عَلَى وُضُوئِي أَحَدٌ].
قال ابن الملقن في التحفة: رواه البزار بإسناد ضعيف، وقال: لا نعلمه يروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار وفيه أبو الجنوب ضعيف: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج 1 ص 227: باب في الاستعانة على الوضوء.
وقد صحَّت أحاديث في صبِّ الماء على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواها البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: باب الرجل يوضئ صاحبه: الرقم (390 و 391) عن أسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما.

اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" الأحاديث صحيحة في الحث على ذلك، وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأعْضَاءِ إِذْ لاَ أَصْلَ لَهُ، قلت: لا بل له طرق ضعيفة وفضائل الأعمال يتسامح فيها، وهي موضحة في تخريجي لأحاديث الرافعى والوسيط (172).

بَابُ مَسْحِ الخُفِّ

يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ، أي بدلًا عن الغسل 2، لِلْمُقِيمِ يَوْماَ وَلَيْلَة، وَللْمُسَافِرِ، أي سفر القصر، ثَلاَثَةً بِلَيَالِيهَا، لحديث عليّ في ذلك أخرجه مسلم 3 وهذا في السَّليمِ، أما دائمُ الحدث؛ فإنه يمسح لما يحل لو بقي طهره؛ وهو فرضٌ ونوافلٌ، مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ؛ لأنها عبادةْ موقتةْ؛ فكان ابتداءُ وَقْتِهَا من حين جواز فعلها كالصلاة، ولو تَوَضَّأَ بعدَ حدثه؛ وغسل رجليه في الخف، ثم أحدث فابتداءُ المدةِ مِن حين الحدث الأَوَّلِ؛ كما اقتضاه كلامه 4، وبه صرَّح الشيخ أبو علي في شرح1

الفروع، فَإِنْ مَسَحَ حَضرَاً، ثُمَّ سَافَرَ؛ أَوْ عَكَسَ، أي مسح سفراً، ثم أقام، لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ، تغليباً للحضر.
وَشَرْطُهُ أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ، لحديث أبي بكرة [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ وَلِلْمُقِيْمِ يَوْماً وَلَيْلَةَ إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا] قال.
البخاري: حسن 1، والمتيمم لا لفقد الماء، يمسح لما يحل لو بقى طهره، سَاتِراً مَحَلَّ فَرْضِهِ، أي من كل الجوانب لا من الأعلى، ويُجْزِئُ الشَّفَّافُ كالزُّجاج بخلاف رؤية المبيع من ورائه، طَاهِراً، لأن الخف بدل عن الرِّجْلِ، يُمْكِنُ تِبَاعُ الْمَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدٍ؛ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، لأن غيره لا تدعُ الحاجة إليه؛ فلم تتناوله الرخصة، قِيلَ: وَحَلاَلاً، لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، والأصح: أنه لا يشترط، لأن المعصية لا تختص باللبس فلم تمنع الصحة، كالذبح بسكين مغصوبة.
وَلاَ يُجْزِىُ مَنْسُوجٍ لاَ يَمْنَعُ مَاءً، أي لعدم صفاقته، فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يعد حائلاً، والثاني: يُجْزِئُ؛ كخف انثقبت ظهارته في موضع وبطانته في موضع آخر، لا نَنْزِعَهُ ثَلاَثَاً؛ إِلاْ مِنْ جَنَابَةٍ؛ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ].
رواه النسائي في السنن: كتاب الطهارة: باب الوضوء من الغائط: ج 1 ص 98. والترمذي في الجامع: كتاب الطهارة: باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم: الحديث (96) وقال: حسن صحيح.
قلت: قال الخطابي في المعالم: كلمة (لكن) موضوعة للاستدراك؛ أي في اللغه وضرورة الكلام.

ولا يضر نفوذ الماء من مواضع الخرز؛ قاله القاضي حسين وغيره، وَلاَ جُرْمُوقَان فِي الأَظْهَرِ، لأنه ساتر لممسوح فلم يقم في إسقاط الفرض مقام الممسوح كالعمامة 1، والثاني: يجوز؛ لأن الحاجة تدعو إليه لدفع البرد والوحل، ومحل الخلاف ما إذا كانا قويين، فإن كان الأعلى ضعيفاً فقط جاز المسح عليه إذا وصل البلل إليه لا بقصد الأعلى فقط.
وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ، أي بالشَّرْجِ وهي العِرا، فِي الأَصَحِّ، لحصول الستر به، وتيسر المشي فيه، والثاني: لا يجوز؛ كما لَوْ لَفَّ على رجله قطعة جلدة وشدها.
ويُسَنُّ مَسْحُ أَعْلاَهُ، أي ظاهر أعلاه، وَأَسْفَلِهِ، للاتباع كما أخرجه أبو داود 2، ويسن مسح العقب أيضًا، خُطُوطاً، للاتباع كما أخرجه الطبراني؛ وقال: تفرَّد به بقية 3.

وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ، لأن المسح ورد مطلقاً ولم يصح في تقديره شئ؛ فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الأسم، ولو غسله أجزاه على الأصح، نعم يُكْرَهُ، يُحَاذِي الْفَرْضَ، أي من الظاهر، لأنه بدل عنه، إِلاَّ أَسْفَلَ الرّجْلِ وَعَقِبَهَا فَلاَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن الباب باب اتباع، ولم يؤثر فيه الاقتصار على الأسفل، وقيل: بالإجزاء فيهما قطعاً، لأنهما محاذيان محل الفرض، فَأَشبها المحاذي لمشط الرجل، ورجح الرافعي في الأُولى طريقة القولين، وحكى في الثانية ثلاثة طرق، وعبارة أصل الروضة: لا يجزئ على المذهب، وقيل: العَقِبُ أَوْلَى بالجواز من الأسفل، وقيل: أولى بالمنع.
قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لاشتراكهما في عدم الرؤية غالباً؛ قاله البغوي وغيره، لكن مقتضى كلام الرافعى وغيره أنه كأعلاه.
وَلاَ مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ، رجوعاً إلى الأصل، فَإِنْ أَجْنَبَ وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ، أي بعد الغسل إن أراد المسح لأمر الشارع به كما صححه الترمذي 1، وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْر الْمَسْحِ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، لأن الأصلَ غسلهما؛ والمسحُ بدلٌ، فإذا زال؛ وجب الرجوع إلى الأصل، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ، لأنها عبادة بطل بعضها فبطل كلها كالصلاة، وقيل: لا يستأنف؛ ولا يغسل رجليه، بل يصلي؛ حكاه الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني وجهاً في مصنف له في أصول الفقه؛ وهو غريب نقلاً مختاراً دليلاً.
أى إسحاق بن راهويه في المسند: ج 1 ص 30: الحديث (98) من باب المسح على الحفين.
أما بَقِيَّة فهو بن الوليد بن صائد الكلاعي، قال ابن المبارك: كان صدوقاً، ولكن كان يكتب عمن أقبل وأدبر، وسُئل يحيى بن معين عنه فقال: إذا حدَّث عن ثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، أما إذا حدَّث عن أولئك المجهولين فلا, ثم قال ابن حجر: وروى له مسلم حديثاً واحداً شاهداً متنه: [مَن دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ وَنَحْوه فَلْيُجِبْ].
ينظر: ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانى: ج 1 ص 495 - 497: الرقم (779).

بَابُ الغُسْلِ

اَلْغَسْلُ: وهو بفتح الغين ويجوز ضمها، مُوجبُهُ مَوْتٌ، أي إلاّ في حق الشهيد كما سيأتي في بابه، وَحَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، بالإجماع، وَكَذَا وِلاَدَةٌ بِلاَ بَلَلٍ فِي الأَصَحِّ، لأن الولد مَنِيٌّ منعقدٌ، والثاني: لا يجب، لأنه لا يسمى منيّاً، وَجَنَابَةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ 1 وأورد الرافعي على الحصر في هذه الأمور ما لو تنجس البدن جميعه؛ أو بعضه واشتبه عليه، فإن عدهم للموت موجباً يقتضي إرادة ما تجب فيه النيّة وما لا تجب، بِدُخُولِ حَشَفَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ] صححه ابن حبان 2، قال الجويني في التبصرة: وليس في تغييب بعضها غسل إلّا من جهة الاستحباب.
وما ذكره ظاهر؛ فإن لنا وجهاً في الوجوب والحالة هذه وإن كان شاذاً، أَوْ قَدْرِهَا أي من مقطوعها، فَرْجاً، أي من آدمىّ حيّ أو غيره، وَبِخُرُوجٍ مَنِيٍّ، أي من الشخص نفسه، ولو نزل المني إلى فرج ثيب وجب أو بكر فلا جزم به في التحقيق، مِن طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ، بالإجماع، وَغَيْرِهِ، أي كما لو أنكسر الصلب فخرج منه المني مستحكماً، وُيعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أي وهو خروجه بدفعات، قال الله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ 3، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أي مع الفتور عقبه؛ والتلذذ يستلزمه، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ، أي أو طلع، رَطْباً، أَوْ بَيَاضِ بَيضٍ جَافّاً، لأنه لا يوجد صفة من هذه الثلاثة في خارج غيره، فَإِنْ فُقِدَتِ الصِّفَاتُ فَلاَ غُسْلَ، لأنه ليس بمني، ويحتمل أن يكون ودياً، وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ، أي في الصفات المذكورة وأنكرهُ ابن الصلاح.

وَيَحْرُمُ بِهَا، أي بالجنابة، مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ، أي مما تقدم في بابه؛ بل أَوْلَى لأنها أغلظ، وَالمَكْثُ بِالْمَسْجِدِ، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ... ﴾ الآية 1 أي مواضعها، وخرج بالمسجد مصلى العيد ونحوه.
فَرْعٌ: في فتاوى البغوى؛ إذا كان في المسجد بئر، لا يجوز للجنب المكث فيه إلاّ إذا تيمم ودخل، وفيها أنه لو دلى نفسه بحبل ومكث في هواء المسجد، لأن لهواء المسجد حرمة المسجد، بدليل صحة الاقتداء للمتطهر إذا كان على لوح في هواء المسجد وصحة صلاة مَنْ بجبل أبي قبيس.
لاَ عُبُورُهُ، للآية المذكورة 2، وَالْقُرْآنُ، أي باللفظ والإشارة من الأخرس لا بالقلب تعظيماٌ له، وفاقد الطهورين يقرأ الفاتحة في صلاته عند المصنف خلافاً للرافعي فإنه قال: ينتقل إلى الأذكار، وَتَحِلُّ أذْكَارُهُ لاَ بِقصْدِ قُرْآنٍ 3، لعدم الإخلال

والحالة هذه بالتعظيم، فإن قصده وحده أي دون الذكر أو ومعه الذكر حرم وإن أطلق فلا.
قُلْتُ: ومواعظ القرآن وأحكامه وأخباره وغيرها كالأذكار 1. وَأَقَلُّهُ، أي أقل الغسل، نِيَّةُ رَفْع جَنَابَةٍ، أي إن كان جنباً، فَأَمَّا الحائض فتنوي رفع حدث الحيض، فإن نوى أحدهما غير ما عليه، فإن تعمد، لا يصح، وإن غلط صح، كما قاله المصنف في شرح المهذب في آخر نية الوضوء 2، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، أي وكذا أداء الغسل بحذف الفرض كما تقدم في الوضوء، وكذا الغسل المفروض والطهارة للصلاة أو رفع الحدث عن جميع البدن، وكذا إن أطلق في الأصح، مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ، كما في الوضوء، وَتَعْمِيمُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ، لأن الحدث عمَّ جميع البدن فيجب تعميمه بالغسل، والمراد بالبشرة ما يشمل الأظفار، ويستثنى من ذلك الشعر النابت في العين؛ فإنه لا يجب غسله 3. = صَرَّحَ به إمام الحرمين وغيره.
ينظر: دقائق المنهاج للنووى: ص 35. ومثاله؛ قول الراكب: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له مقرنين.
وقول المرء عند المصيبة: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

وَلاَ تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ، كما في غسل الميت والوضوء، وَأَكْمَلُهُ إِزَالَةُ القَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ، للتأسى 1، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، لرواية البخاري عن ميمونة 2، وأغرب الداوودي من أصحابنا حيث قال: قول الشافعي ثم يتوضاً وضوءه للصلاة، أي يقدم غسل أعضاء وضوئه على غيرها من الأعضاء على ترتيب = جاء عن عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ] قال عليٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلاَثًا وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الطهارة: باب الغسل من الجنابة: الحديث (249). وقال ابن الملقن في التحفة: وصححه القرطبي في شرحه.
لمسلم؛ قلت: قال ابن حجر: وإسناده صحيح.
ينظر: تلخيص الحبير: ج 1 ص 150.

الوضوء، لكن بِنِيَّةِ غُسْلِ الجنابة، لا أنَّ ذلك وضوءٌ هذا لفظه وهو مطّرح، ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، أي كَالْعُكْنَةِ 1 والإبط استظهاراً فيأخُذُ الماءَ بكفيه فيجعله عليها، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، أي قبل الإفاضة، فيخلل أصابعه وهي مبلولة، وفي المهذب والنهاية: أنه يغترف بكفيه غرفة، ويخلل بها، ويخلل شعر اللحية أيضاً، وقال في التتمة في كتاب الحج: إن اغتسل لتبرُّدٍ أو سُنة لا يحرك الشعر بيده، وإن اغتسل لجنابة فإن قدر على ايصال الماء إلى باطن الشعر من غير تحريك الشعر لا يحرك؛ وإلاّ فيحكُّ الرأس ببطون الأصابع أو برؤوس الأنامل دون الأظفار 2، ثُمَّ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِى طَهُورِهِ إِذَا تَطهَّرَ 3، ولم يذكروا كيفية التيامن، ولا يبعد أن يأتي فيه ما ستعرفه في كيفية غسل الميت 4، وَيَدْلُكُ، لإنقاء البشرة، وَيُثَلِّثُ، كالوضوء وأَوْلَى، وثبت في الرأس نصاً 5.

فَائِدَةٌ: في الإحياء للغزالي: لا ينبغي أن يحلق، أو يقلم، أو يستحد، أو يخرج دماً، أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب إذ تُرَدُّ إليه سائر أجزائه في الآخرة فيعود جنباً، ويقال: إن كل شعرة تطالب بجنابتها.
وَتَتَّبِعَ لِحَيضٍ أَثَرَهُ مِسْكاً، للأمر به في الصحيح 1، وترجم عليه أبو نعيم في كتاب الطب ما يضيق به القُبُلُ وينشف رطوبته، وَإِلاَّ فَنَحْوَهُ، أي كالطب ثم الطين تطييباً للمحل، وفي كتاب الطب لأبى نعيم عن عائشة رضى الله عنها: [أَمَا تَسْتَطِيْعُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنْ حَيْضِهَا؛ أَنْ تُدْخِلَ شَيْئاً مِنْ قِسْطٍ؛ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَشَيْئاً مِنْ رَيْحَانٍ (يعني الآس) فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَشَيْئاً مِنْ نَوَى، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَشَيْئاً مِنْ مِلْح] ثم روى عن أم الحجاج أنها كانت تستفرش عجم الزبيب.
وَلاَ يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، لأنه لم ينقل كالتيمم، بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ، أي فإنه يُسَنُّ إذا = رواه الإِمام أحمد في المسند: ج 4 ص 81 وإسناده صحيح.

صلى لأول صلاة ما للترغيب فيه 1، ويدخل في هذا الإطلاق ماسح الخف والوضوء المكمل بالتيمم لجراحة ونحوها.
وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، للاتباع كما أخرجه مسلم 2، لكن صحَّ أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَوَضَّأَ بِثُلُثَي مُدٍّ 3، واغتسل بالفَرَقِ مرة هو وعائشة 4، ولو كان المتوضئ ضئيلًا؛ أو متفاحش الطول؛

أو العرض؛ يُستحب له أن يستعمل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد إلى جسده - صلى الله عليه وسلم -، وكذا الغسل قاله في القواعد، وَلاَ حَدَّ لَهُ، بالإجماع، كذا نقله ابن جرور والمصنف في شرح مسلم 1. لكن في مذهب مالك؛ قول: إنه لا يجوز الاقتصار على أقل مما ورد به الحديث السالف وحكاه القاضي عبد الوهاب عن بعضهم ولا شك في بعده 2. وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلاَ تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ، لأن الماءَ الَأوْلَ صارَ مستعملاً في النجاسة؛ وما استعمل فيها؛ لا يستعمل في الحدث.
قُلْتُ: الأَصَحُّ تَكْفِيهِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن مقتضى الطهارتين واحد؛ فكفاهما غسلةٌ واحدة كما لو كان عليها غسل جنابة وحيض، وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ حَصَلاَ، كما لو نوى عند دخول المسجد الفرض والتحية، أَوْ لأَحَدِهِمَا حَصَلَ فَقَطْ، عملاً بما نواه 3، وصحح في الشرح الكبير حصول الجمعة إذا نوى الجنابة.
قُلْتُ: وَلَوْ = وفي حديث سفيان قالت: [مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ] قال قتيبة: قال سفيان: [والفَرَقُ ثلاثة آصُعْ].

أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ كَفَى الغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَب، وَالله أَعْلَمُ، لأنهما طهارتان فتداخلتا كغسل الجنابة والحيض، وقيل: لا يكفي؛ بل لا بد من الوضوء لاختلاف موجبهما.

بَابُ النَّجَاسَةِ

النَّجِسُ في اللغة: القَذَرُ، وفي الشرع: مَا فَضَّلَهُ المصنف بزيادة ذكرتها في الشرح 1، وعدَّها المصنفُ ليعلم منه بقاء ما عداها على الأصل وهو الطهارة؛ فقال: هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، أما الْخَمْرُ فهو إجماع، وغيره من الْمُسْكِرِ كهو بجامع التنفير عن السُّكْرِ، وخرج بالمائع الْبَنْجُ وغيره من الْحَشِيْشِ الْمُسْكِرِ؛ فإنه حرامٌ ليس بنجسٍ 2؛ لكن يرد عليه الخمرة إذا انعقدت وهي مسكرة؛ فإن حكم التنجيس باقٍ، ونقل عن بعض العلماء المتأخرين: أن في نجاسة الحشيشة ثلاُثة أَوْجُهٍ في مذهب أحمد وغيره، أصحها: نجاستها، ثالثها: ينجس مائعها دون يابسها ولم أرَ ذلك عندنا.
وَكَلْبٍ، للأمر به بإراقة ما ولغ فيه 3، وَخِنْزِيرٍ، لقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ

خِنْزِيْرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} 1، وَفَرْعِهِمَا، أي وهو ما تَوَلَّدَ من كلب وخنزير؛ وكذا ما تَوَلَّدَ من أحدهما مع حيوان طاهر؛ لأنه مخلوق من نجس فكان مثله.
وَمَيْتَةِ غَيْر الآدَمِيِّ، وَالسَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، بالاجماع، وطهارة ميتة الآدمى دليلها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ 2 وصح من حديث ابن عباس: [لاَ تُنَجِّسُواْ مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسلِمَ لاَ يَنْجِسُ حَيِّاً وَلاَ مَيِّتاً] 3 وطهارة ميتة السمك والجراد إجماع.
وَدَمٍ، أى المسفوح ليخرج الكَبِدُ والطّحَالِ والباقي على اللحم وعظامه 4، = فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: باب حكم ولوغ الكلب: الحديث (89/ 279).

وَقَيْحٍ، لأنه دم استحال إلى نتن، وَقَيْءٍ، كالغائط 1، وَرَوْثِ، لأنها رجس كما صَحَّ في البخاري 2 والأنفحة في حكمه؛ فإنها لبن يستحيل في جوف السَّخْلة، لكنها طاهرة إن أخذت من مذبوحة لم تطعم غير اللبن، وَبَوْلٍ، لأنّا أُمِرْنا بالتنزه منه 3، وَمَذِيٍّ، وَوَدِيٍّ، بالإجماع 4، وَكَذَا مَنِيِّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي الأَصَحِّ، كسائر المستحيلات.

قُلْتُ: الأَصَحُّ طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه طاهر كالآدمي 1، واستثنى صاحب الخصال من مني الآدمي منى الخادم وفيه نظر.
وَلَبَنُ مَا لاَ يُؤْكَلُ، لأنه عُصَارَتُهُ، غَيْرَ الآدَمِيِّ، تكريماً له إذ نشوءه منه، نعم لبن الصغيرة التى لم تستكمل سن الحيض نجس وكذا لبن الرَّجُلِ.
وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ، أي بنفسه أو بالأبانة، مِنَ الْحَيِّ، كإلية الشاة ونحوها، كمَيْتَتِهِ، أي طهارةً ونجاسةً بالإجماع 2، إِلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ، بالإجماع أيضاً 3، وخرج بالمأكول = بالسؤال: الحديث (132) وفي كتاب الوضوء: الحديث (178) وفي كتاب الغسل: الحديث (269).

غيره فإنه نجس، فلو رأى شعراً وشك هل هو من مأكول أو من غيره فالأصح من زوائد الروضة الطهارة، ومثار الخلاف أن الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم 1. ونَبَّهَ بالشعر على الصوف والوبر والريش لما فيها من المنافع الظاهرة، قُلْتُ؛ ويستثنى أيضاً المسك فإنه طاهر بالإجماع، وكذا فأرته على الصحيح إِنِ انفصلت في حياة الظَّبْيَةِ.
وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ، وَالْمُضْغَةُ، وَرُطُوبَةِ الْفَرْجِ بِنَجِسِ فِي الأَصَحِّ، أما العلقة والمضغة فلأنهما أصل الآدمي فأشبها المني، وأما رطوبة الفرج فقياساً على العرق، والثاني: أنها نجسة؛ ووجهه في العلقة أنه دم خارج من الرحم فأشبه الحيض، وفي المضغة ذلك أيضاً، وفي رطوبة الفرج تولدها من محل نجس، وشمل إطلاقه الفرج فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر.
فَصْلٌ: وَلاَ يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إي إلاَّ بالغسل؛ لأنه شُرِعَ لأزالة ما طرأ على العين، ولا بالإستحالة؛ لأن العين باقية وإنما تغيرت صفتها، إِلاَّ خَمْرٌ تخَلَّلَتْ، أي بنفسها ولم يقع عين فيها بالإجماع، وَكَذَا إِن نُقِلَتْ مِنْ شمْسِ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسِهِ فِي الأَصَحِّ، لخلوها عن النجس، والثاني: لا يطهر، لأنه معالجة كالإلقَاءِ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْح شَيْءٍ، أي كملح ونحوه 2، فَلاَ، لتحريم التخليل، وخرج بذكر الخمر

النبيذ، فإنه لا يطهر وإن تخلل بنفسه؛ قاله القاضي أبو الطيب؛ وفيه نظر 1. وَجِلْدٌ نَجُسَ بِالْمَوْتِ فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ] رواه مسلم 2. أما النجس في حالة الحياة فلا يطهر ظاهره بالدباغ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لعموم الخبر المذكور وغيره 3، والثاني: أنه يطهر ظاهره دون باطنه، لأن الدواء لا يصيبه، وهو ضعيف؛ لأن خاصيته تصل بواسطة الماء وهو رطوبة الجلد.
قُلْتُ: ويستثنى مع الخمر والجلد دَمُ الظَّبْيَة إذا استحال مسكاً، والبيضة المدرة التي صارت دماً إذا استحالت فرخاً وقد استثناهما الرافعي.
= مسلم في الصحيح: كتاب الأشربة: ياب تحريم تخليل الخمر: الحديث (11/ 1983). والترمذي في الجامع الصحيح: كتاب البيوع: باب النهي عن أن تتخذ الخمر خلاً: الحديث (1294) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ولحديث أنس أيضاً: أن أبا طلحه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمراً؛ قال: [أَهْرِقْهَا].
قال: أفلا أجعلها خلًا؟ قال: [لاَ].
رواه أبو داود في السنن: كتاب الأشربه: باب ما جاء في الخمر تخلل: الحديث (3675). والترمذي في الجامع الصحيح: الحديث (1293)، وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال: باب ما يجوز لأهل الذمة أن يحدثوا في الأرض العنوة: الحديث (283) ص 135.

وَالدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ بِحِرِيفٍ، أي بكسر الحاء كشب ونحوه، والفضول هي المعفنة للجلد، وضابط نزعها منه أن تطيب رائحته بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه الفساد والنَّتَنُ، لاَ شَمْسٍ وَتُرَابٍ، أي وإن جف الجلد وطابت رائحته لبقاء الفضلات وإنما جمدت، وَلاَ يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثْنَائِهِ فِي الأَصَحِّ، تغليباً لمعنى الإحالة، والثاني: يجب تغليباً لمعنى الإزالة.
وَالْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجُسٍ، أى فلا بد من غسله لإزالة بقايا الأدوية المتنجسة أو النجسة، وَمَا نَجُسَ بِمُلاَقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ غُسِلَ سَبْعاً إِحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ] رواه مسلم 1، وفي رواية للدَّارقطني [إِحْدَاهُنَّ بِالبَطْحَاءِ] 2، وعرقه وسائر أجزائه وفضلائه كلعابه وأَوْلى؛ لأن فمه أطيب من غيره، ونص الشافعي في البويطي أنه يتعين التراب في الأُوْلَى والأخرى وهو غريب قوي، وقوله (بِتُرَابِ) أي مع التراب فلا بد من مزجه بماء، ولو جرى الماء عليه سبع مرات كفى، قلت: ولو ولغ كلب في الإناء أو كلاب مرات فثلاثة أوجه، الصحيح: يكفيه للجميع سبعٌ، والثاني: يجب لكل واحدة سبع، والثالث: لكل كلب سبع وكذا لو حركه في الراكد الكثير، وَالأَظْهَرُ: تَعَيِينُ التُّرَابِ، للخبر، والثاني: لا كالدباغ.
وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ، لنجاسة عينه بل أَوْلَى مِنْهُ لحرمة اقتنائه، والثاني: يكفي غسله مرة واحدة بلا تراب كسائر النجاسات، وَلاَ يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلاَ مَمْزُوجٌ بِمَائِعٍ فِي الأَصَحِّ، مثار الخلاف أن الأمر بالتراب تعبداً؛ ومُعَلَّلٌ بالاستظهار والجمع بين نوعي طهورٍ، وتستثنى الارض الترابية، فإنه يجب غسلها سبعاً ولا يجب تعفيرها على الأصح؛ لأنه لا معنى للتعفير بالتراب.

وَمَا تنَجَّسَ بِبَوْلِ صَبِيِّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ نُضِحَ، لأنَّهُ عَلَيْهِ الصُّلاَةُ وَالسُّلاَمُ نَضَحَهُ فِي حِجْرِهِ وَلَم يَغْسِلهُ، متفق عليه 1، وَأمَرَ بِالغَسْلِ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ كما حسنه البخاري 2، والسر في ذلك أن الله تعالى لما خلق أدم خلقت حواء من ضلعه فصار بول الغلام من الماء والطين وصار بول الجارية من اللحم والدم، قاله إمامنا كما أفاده ابن ماجه فِي سننه وهو غريب 3، وعنه أيضاً أن الرضاع بعد الحولين بمنزلة الطعام والشراب وهو ظاهر، وقوله (لَمْ يَطْعَمْ) أي لم يستقل بجعل الطعام في فيه أو لم يأكل غيره، فيه ثلاثة أراء أوضحتها فِي الأصل، والنُّضْحُ: إصابة

الماء جميع موضع البول وكذا غلبته على الأصح، ولا يشترط أن ينزل عنه، والغسل يشترط أن يغمره وينزل عنه.
وَمَا تَنَجَّسَ بِغَيْرِهِمَا، أي بغير نجاسة الكلب والخنزير وبول الصبى، إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ، أي بأن كانت حكمية وهي التي لا تشاهد لها عين ولا يحس لها طعم ولا لون ولا رائحة، والعينية نقيض ذلك، كَفَى جَرْيُ الْمَاءِ، أي بنفسه وغيره إذ ليس ثَمَّ ما يزال 1، وَإِنْ كَانَتْ، أي عينِيُّة، وَجَبَ، أي بعد زوال عينها، إِزَالَةُ الطَّعْمِ، لأن بقاءه يدل على بقائها، وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ للضرورة، فإن سهل ضر البقاء، لأنهما يدلان على بقاء العين، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ، لأن بقاءه يدل على بقاء العين فصار كالطعم، وهذا في رائحة تدرك عند شم الثوب دون ما يدرك بالهواء قاله في البسيط، قُلْتُ: وفي اللون وجه أشار إليه في اَلْمُحَرَّر وحذفه المصنف، قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعاً ضَرَّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَالله؛ أَعْلَمُ، لقوة دلالتهما على بقاء العين، والثاني: لا، لاِعْتبارِهما منفردين فكذا مجتمعين وهو ضعيف كما صرح به المصنف، لأن الأصل أن الأثر يضر مطلقاً؛ خولف في الواحد للمشقة.
وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ، أي على المتنجس لقوة الوارد فإنه عامل والقوة للعامل، فإن عكس والماء قليل بلا تغير؛ فلا يطهر لضعفه، لاَ الْعَصْرُ فِي الأَصَحِّ، الخلاف مبني على طهارة الغسالة، وَالأَظْهَرُ طَهَارَةُ غُسَالَةٍ، أي قليلة في واجب، تَنْفَصِلُ بِلاَ تَغَيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ الْمَحَلُّ، لأن البلل الباقى على الْمَحل هو بعض المنفصل؛ فلو كان المنفصل نجساً لكان المحل كذلك؛ فيكون المنفصل طاهراً غير طهور؛ لأنه مستعمل في

الخبث؛ فإن لم يَطهر المحل فهي نجسة؛ لأنها بعض المنفصل وهو نجس، والثاني: أنها نجسة لانتقال المانع إليها، والثالث: أنها طاهرة كما قَبْلَ وروده، ثم هذا كله إذا لم يَزِدِ الوزن فإن زاد أي بعد اعتبار القدر الذي يأخذه المحل من الماء فالأصح القطع بالنجاسة.
وَلَوْ نَجُسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، إذ لا يمكن انفصال النجاسة عنه (230)، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ، قياسًا على الثوب النجس.

بَابُ التَّيَمُّمِ

التَّيَمُّمِ: هو في اللغة الْقَصْدُ؛ وفي الشَّرْعِ: إِيْصَالُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْن بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، قَالَ ابْنُ حَبِيْبٍ: نَزَلَ فَرْضُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ سِتٍّ، وَهُوَ رُخْصَةٌ؛ وقيل: عَزِيْمَةٌ، وقيل: إِنْ تَيَمَّمَ لِعِدَمِ المَاءِ فَعَزِيْمَةٌ أَوْ لِعُذْرٍ فَرُخْصَةٌ 2.1

يَتَيَمَّمُ الْمُحْدِثُ، بالإِجماع، وَالْجُنُبُ، لقصة عَمَّارِ التي في الصحيح 1، والحائض والنفساء في معناه، وكذا المأمور بغسل مسنون وكذا المَيِّتُ يُوَمَّمُ، والمأمور بوضوء مستحب يظهر استحباب التيمم له، ولا يقاس على تجديد الوضوء.
لأَسْبَابٍ أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 2 قال الرافعي: والمبيح هو العجز 3 فقط، نعم له أسباب، قال: ويكفي في ذلك الظَّنُّ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ؛ تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ، لأن طلب ما عُلم عدمُهُ عبثٌ، وَإِنْ تَوَهَّمَهُ؛ طَلَبَهُ، أي وجوبًا، والمقيم في الطلب كالمسافر وإن اختلفا في كيفيته، والنَّفيد إنما أتى به للغالب، مِنْ رَحْلِهِ، أي وهو منزله، وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، من الأرض فينظر الجهات الأربع، فَإنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ، أي بأن كان هناك وهدة أو حبل ونحوهما، تَرَدَّدَ قَدْرَ نَظَرِهِ، أي القدر الَّذي يصل إليه نظره = الشرعى؛ إذا كان المقصود به القُربة.
ويممت المريض، فتيمم للصلاة.
ينظر: الجامع لأحكام القرأن: ج 5 ص 231 - 232. وفتح الباري شرح صحيح البخاري: ج 1 ص 569. أما فرضه فمختلف فيه، وربما كان بعد سنة ست، وفيه تفصيل يطول الوقوف عنده وليس بمراد هنا.

لو لم يتردد، وقد ضبطه الإمام بحد الغوث؛ لأن إلزامه التردد فوق ذلك إضرار به، وضابط المصنف يخالفه؛ فإنه أزيد منه في المسافة بكثير، وقال المصنف في شرح المهذب: أطلق الشافعي وغيره إنه لا يجب التردد، فَاِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ، لحصول العجز وهذا إجماع، فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ، أي ولم يحدث ما يوهم ماء، فَالأَصَحُّ وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ، أي مما يوجب التيمم من حدث وفريضة أخرى ونحوهما كما في إعادة الاجتهاد في القِبلة، والثاني؛ لا؛ لأنه لو كان ثَم ماء لظفر به بالطلب الأول؛ فإِن فارق موضعه أعاد الطلب قطعًا، فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ الْمُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ، أي كالاحتطاب ونحوه، وَجَبَ قَصْدُهُ، لانتفاء المشقة وهذا حَدُّ القرب، وهو فوق حد الغوث الذي يقصد عند التوهم، وقال مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: ولعله يقرب من نصف فرسخ، إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، أي من نفسه أو غيره، اللهم إلّا أن يكون قدرًا يجب احتماله في تحصيل الماء ثمنًا أو أجرة، نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، وكذا إذا خاف فوت وقت أو رفقة وغير المال مما هو منتفع به كالكلب، وفي إلحاقه به نظر، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ تَيَمَّمَ، أي بأن يكون بعيداً لا يناله في الوقت؛ لأنه فاقد في الحال، فلو ألزمناه انتظاره لما ساغ التيمم أصلًا، قال الرافعي: والأشبه بكلامهم أن الاعتبار في هذه المسافة من أول وقت الصلاة الحاضرة لو كان نازلًا في ذلك الموضع وهو مقتضى كلام المصنف أيضًا، وقال المصنف في الروضة: الظاهر من عباراتهم؛ أن الاعتبار بوقت الطب وهو ظاهر النص، وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، ليأتى بالصلاة بالوضوء؛ لأنه الأصل والأكمل، أَوْ ظَنَّهُ، أي تَرَجَّحَ عنده وجوده آخره، فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أفْضَلُ في الأَظهَرِ، أي إذا أراد الاقتصار على صلاة واحدة ترجيحًا للفضيلة المتيقنة؛ وهي التعجيل على الوضوء المظنون 1،

والثاني: التأخر أَوْلى لما سلف، أما لو صلّى أَوَّل الوقت بالتيمم ثم آخره بالوضوء، قال الإمام: فهو النهاية في إحراز الفضيلة، ولو ترجح العدم على الوجود فالتقديم أفضل قطعًا، وكذا إذا استوى الطرفان.
وَلَوْ وَجَدَ مَاءَ لَا يَكْفِيهِ؛ فَالأَظْهَرُ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، لقدرته على البعض كما يغسل الجريح من بدنه ما صح 1، والثاني: لا يجب؛ كما لا يعتق المكفِّر بعض رقبةٍ، وَيَكُونُ، أي استعماله، قَبْلَ التَّيَمُّمِ، لئلا يتيمم مع وجود الماء 2، ثم هذا إذا صلح للغسل؛ فإن لم يجد المحدث إلّا ثلجًا أو بردًا لا يقدر على إذابته، لم يجب استعماله في الرأس على المذهب، ولو لم يجد ترابًا يكفيه استعمل الناقص، وقيل: القولان.
= ولم يخرجاه، وله شواهد؛ ووافقه الذهبي في التلخيص: على شرطهما.
ورواه الحاكم بسند آخر، في الحديث (676/ 3) وقال: قد روى هذا الحديث جماعة عن شعبة ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج بن الشاعر عن علي بن حفص وحجاج حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدايني.
ووافقه الذهبي على كل قوله.
وفي الباب أحاديث عن ابن عمر وأم فروة وفيه انظر.
وأخرج حديث ابن مسعود الدارقطني في السنن: ج 1 ص 246، وإسناده صحيح.

وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أي وهو قيمته في موضعه وزمانه 1، وكذا إذا فقد التراب ووجده يباع بثمن مثله؛ كما رأيته في فتاوى الحناطي، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ، أي إلى ثمن الماء، لِدَيْنِ مُسْتَغْرِقِ، أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرِهِ، أي المذكور في الحج ذهابًا وإيابًا، أَوْ نَفَقَةِ حَيْوَانٍ مُحْتَرَمٍ، أي من مسلم أو ذمي وبهيمة وسائر ما لا يباح قتله؛ لأن هذه الأمور لا بد لها بخلاف الماء، وهل يعتبر هنا المسكن والخادم؟ فيه نظر.
وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا وَجَبَ القُبُولُ فِي الأَصَحِّ، لخفة الْمِنَّة فيه لجري العادة به، والثاني: لا يجب قبول الماء كالثمن ولا قبول العارية إذا زادت قيمة المستعار على ثمن الماء؛ لأنه قد يتلف فيضمنها.
وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ فَلَا، بالإجماع لما فيه من عظم الْمِنَّةِ 2، وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ، أي طلبه فيه، فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطَّلَبِ، أي فيهما، فَتَيَمَّمَ قَضَى فِي الأَظْهَرِ، أما في الأَولِ: فكما لو نسي الرقبة فصام، وأما في الثانية: فلندوره، والثاني: لا قضاء لعدم التقصير، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالِ فَلَا يَقْضِي، لأن خفاء الماء فيها أغلب.

الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَآلاً، أي ولو في المستقبل؛ لأن الروح لا بدل لها، بخلاف الوضوء 1. الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عُضْوٍ، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى... ﴾ 2 الآية، ولو خاف ولم يجد طبيبًا ثقة مسلمًا تَيَمَّمَ وأعادَ إذا وجد المخبر، قاله البغوي في فتاويه، وخالف أبو علي السبخي وأقرَّةُ في الروضة، وَكَذَا بَطْءُ الْبُرْءِ، أي طول المدة 3، أَوْ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ في عُضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الأَظْهَرِ، لأن ضَرَرَهُ فوق زيادة ثمن المثل، والثاني: لا، لانتفاء زيادة التلف، واحترز بالفاحش عن اليسير؛ وبالظاهر عن الفاحش الباطن؛ واستشكل ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: لا سيما إذا كان في جارية أو مملوك؛ فإن الخسران فيه أكثر من الخسران الحاصل من شراء الماء بزيادة على ثمن المثل حقيرة، وَالشَّيْنُ: هو الأثرُ المنكرُ من تغير لونٍ أو نحولِ وَاسْتِحْشَافٍ (•) وثغرة تبقى ولحمة تزيد، قاله الرافعي في آخر الديات، والمراد بالظاهر: هو ما يبدو عند المهنة غالبًا كالوجه واليدين، وَشِدَّةُ الْبَرْدِ

كَمَرَضٍ، أي حتَّى يتيمم إذا خاف بسبب ذلك على منفعة العضو ونحوه مما سلف دون الشين الباطن أو اليسر أو خوف التألم، وشرطه أن يعجز عن ماء يسخنه ولو بأجرة 1. وَإذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ، أي لجرح أو كسر، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ وَجَبَ التَّيَمُّمُ، بدلًا عن غسل العليل، وعَرَّفَ التيمم بالألف واللام ليرد على من قال من العلماء أنَّه يُمِرُّ الترابَ على المحل المعجوز عنه 2، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي بحسب الإمكان ولو بخرقة مبلولة، والطريق الثاني؛ قولان لمن وجد بعض ما يكفيه من الماء.
وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، أي بين الغسل والتيمم، لِلْجُنُبِ، إذ لا ترتيب في طهارته، فإن شاء تيمم قبل غسل الصحيح، وإن شاء عكس؛ والأول أَولَى لِيُذْهِبَ الماء أثَرَ

التراب، نصَّ عليه 1، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَالأصَحُّ اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ العَلِيلِ، رعاية للترتيب فلا ينتقل عن عضو حتَّى يكمله غسلًا وتيمُّمًا مقدمًا ما شاء، والثاني: يجب تقديم غسل الصحيح، والثالث: يتخير كالجنب، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ فَتَيَمُّمَانِ، لأن التيمم عن الثاني لا بد أن يكون بعد التيمم عن الأول، وإن كانَ أَي على العضو الَّذي امتنع استعمال الماء فيه ساترٌ، فَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كمَا سَبَقَ، أي من مراعاة الترتيب في المحدث، فإن أمكن كلف الغسل خلافًا للأئمة الثلاثة، ويشترط في الساتر أن يضعه على طهر وأن لا يأخذ من الصحيح تحته إلّا القدر الذي لا بد منه للاستمساك، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِرَتِهِ بِمَاءٍ، لأنه أبيح للعجز كالمسح في التيمم، وَقِيلَ: بَعْضَهَا، كما في مسح الخف والجبيرة إذا كانت على أعضاء التيمم لا يجب مسحها بالتراب على الأصح وإليه أشار بقوله بماء، فَإِذَا تَيَمَّمَ، أي الذي غسل الصحيح وتيمم عن الباقي 2، لِفَرْضٍ ثَانٍ وَلَمْ يحْدِثْ لَمْ يُعِدِ الْجُنُبُ غَسْلًا، أي لأن التيمم طهارة مستقلة فلا يلزم ارتفاع حكمها اِنتقاضُ طهارة أخرى، ويُعِيدُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ

عَلِيلِهِ، مراعاة للترتيب، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفَانِ، أي الجنب الغسل؛ والمحدث الوضوء؛ لأنها طهارة مركبة من أصل وبدل، فإذا بطل البدل! بطل الأصل؛ كنزع الخف، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ كَجُنُبٍ، أي فلا يعيد غسلًا، ومراده على الأصح؛ لأنه قد حكى الخلاف فيه كما علمته.
قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ أصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، واحترز بقوله (وَلَمْ يُحْدِثْ) عما إذا أحدث فإنه يعيد جميع ما سبق، قال أصحابنا كما نقله عنهم في شرح المهذب: وإذا أجنب صاحب الجبيرة ونحوها، لا يلزمه النزع بخلاف الخف، والفرق عدم المشقة هناك.
فَصْلٌ: يُتَيَمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ، بجميع أنواعه لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال ابن عباس: هو التراب 1 طَاهِرٍ, أي فلا يجوز بتراب نجس كالماء, حَتَّى مَا يُدَاوَى بِهِ، أي كالطين الإِرمنَي لوقوع اسم التراب عليه، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، أي منه حتَّى لو سحق الرمل وتيمم به جاز كما قال المصنف في فتاويه؛ لأنه من طبقات الأرض والتراب جنس له، لاَ بِمَعْدِنٍ وَسَحَاقَةِ خَزَفٍ، لأنه لا يسمى ترابًا ما اتُّخذ من الطين وشُوِيَ كالكيزان، وَمُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ، لأن الخليط يمنع وصول التراب إلى العضو، وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ جَازَ، كالماءِ؛ والفرق كثافته ولطافة الماء، وَلَا بِمُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيح، كالماء، والثاني: يجوز؛ لأنه لا يرفع الحديث بخلافه كذا علَّله الرافعي؛ ومقتضاه إلحاق الماء الذي استعمله دائم الحديث بالتراب؛ لأن

حدثه باقٍ، وَهُوَ، أي التراب المستعمل، مَا بَقِيَ بِعُضْوِهِ، أي حالة التيمم وإن تناثر بعد ذلك، وَكَذَا مَا تَنَاثَرَ، أي حالة التيمم بعد إصابته العضو، فِي الأَصَحِّ، كالمتقاطر من الماء، والثاني: لا يكون مستعملًا؛ لأن التراب يدفع بعضه بعضًا بخلاف الماء، وعُلم من كلام المصنف: أنَّه يجوز أن يتيمم جماعة من موضع واحد، وكذا الواحد من تراب يسير في خرقة ونحوها؛ كما يجوز الوضوء مرات من إناء واحد.
وَيُشْتَرَطُ قَصْدُهُ، أي قصد التراب لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصدوا، فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ، على أعضائه، وَنَوَى لَمْ يُجْزِئْ، لأن التراب أتاه ولم يقصده، وَلَوْ يُمِّمَ، بِإِذْنِهِ جَازَ، كالوضوء؛ بل يجب عند العذر، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ، لأنه لم يات بالتراب، وأجاب الأول بإقامة نائبه مقامه، ولا بد من نية الإذن كما قاله في شرح المهذب.
أما إذا يمم بغير إذنه فكتعرضه للريح.
وَأَرْكَانُهُ: 1 - نَقْلُ التُّرَابِ، أي فلو كان على العضر تراب فردده عليه من جانب إلى جانب لم يكف، واحتجُّوا له؛ بأن القصد شرط كما تقدم؛ وإنما يكون قاصدًا إذا نقل التراب؛ قال الرافعي: وغير هذا الاستدلال أوضح منه.
ومجموع ما ذكر في الكتاب من الأركان خمسة: النقل، والنية، ومسح الوجه، ومسح اليدين، والترتيب، وزاد المصنف في الروضة التراب والقصد، وقال الرافعي: إسقاطهما أوْلى، فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ، أي بأن يزيل التراب الذي مسح به وجهه بخرقة ويحدث عليه ترابًا آخر 1، أَوْ عَكَسَ كَفَى فِي الأَصَحِّ، لحصول مسمى النقل، فعلى هذا لو نقل من إحدى اليدين إلى الأخرى؛ ففيه وجهان؛ في الكفاية بلا ترجيح وجه المنع، أن اليدين

كعضو واحدٍ، والثاني: لا يكفي؛ لأن أعضاء الوضوء كالعضو الواحد.
وفي فتاوى القفال: أنه إن أخذ التراب ليمسح به وجهه فتذكر أنه مسحه؛ فلا يجوز أن يمسح بذلك التراب يديه؛ لأن القصد إلى التراب لعضو يمسح به شرط؛ بخلاف نظيره من الوضوء، وكذا لو أخذه ليديه ظاناً أنه مسح الوجه؛ ثم تذكر أنه لم يمسحه لا يجوز أن يمسح به وجهه.
2. وَنِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ، أى وكذا نية مفتقر إليها، لاَ رَفْعَ حَدَثٍ، لأنه لو رفعه لما بطل بغيره وهو الماء وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التيَمُّمِ لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، لأنه طهارة ضرورة، فلا يصلح أن يكون مقصوداً، ولهذا لا يستحب تجديده، والثاني: يكفي كالوضوء، وَيَجِبُ قَرْنُهَا، أى قرن النية، بِالنَّقْلِ، أي إلى الوجه؛ لأنه أوَّل أركانه حتى لو أخذ التراب فأحدث؛ لا يستعمله؛ بخلاف الماء إذ لا نقل فيه 1. 3. وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَىْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه المقصود، وما قبله وإن كان ركناً فليس مقصوداً في نفسه، والثاني: لا يجب ذلك؛ كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء وغربت بعده، ولو غربت فيما بينهما، فظاهر كلام المصنف عدم الاكتفاء، وهو خلاف ما ذكره أبو خلف الطبري في شرح المفتاح.
فَإِنْ نَوَى فَرْضاً وَنَفْلاً أُبِيحَا، عملاً بما نواه، ولا يشترط تعيين الفريضة على الأصح.
ولهذا عبَّر بقوله فرضاً ولم يقل الفرض كما في اَلْمُحَرَّرِ، أَوْ فَرْضاً فَلَهُ

النَّفْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه تبع له، ووجه المنع؛ أنه لم ينوه؛ وقيل: له ذلك بعد الفرض لا قبله، لأن التابع لا يقدم، وعبَّر بالمذهب؛ لأن النوافل المتقدمة فيها قولان، والمتأخرة تجوز قطعا؛ وقيل: على القولين، ويتلخص من مجموع ذلك ثلاثة أقوال كما ذكرته.
فَرْعٌ: لو تيمم لجنازة فَكَنِيَّةِ نفل؛ لأنها تسقط بفعل غيره، وقيل: كفرض، وهذا وارد على المصنف.
إلاّ أن يراد بالفرض الفرض على الأعيان لا على الكفاية.
أَوْ نَفْلاً أَوِالصَّلاَةَ؛ تنَفَّلَ لاَ الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ، أما في الأُولى: فلأن الفرض هو الأصلُ؛ والنَّفل تبعٌ فلا يجعل المتبوع تابعاً، وأما في الثانية: فكما لو نوى الصلاة مطلقاً، ووحه مقابله في الأول: القياس على الوضوء.
وفي الثانية: أن الصلاة أسم جنس يتناول الفرض والنفل جميعاً وهو قوي لأنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِأَلْ لِلْعُمُومِ.
قال الماوردي: ولا يستبيح الطواف في الثانية.
وفيه نظر للمصنف والصحيح في الأولى طريقة القولين.
وأما في الثانية فعبارته في أصل الروضة: أن له حكم التيمم للنفل على الأصح.
4. وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، للآية 1 ولا بد فيهما من التعميم وليتفطَّن إلى القدر الذي أقبل من أنفه على شفته فإنه من الوجه؛ قُلْتُ: والذي يظهر من حيث السنة عدم وجوب الترتيب، فإن في صحيح البخاري من حديث عمار التصريح بمسح الكف قبل الوجه 2، وأشار بقوله: (ثُمَّ)؛ إلى الترتيب بينهما وهو ركن

جارٍ التحميل