أبي سعيد في ذلك أخرجه مسلم 1.
قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النْصِّ، وَالله أَعْلَمُ، لئلا تخلو صلاته من سورة، وَلاَ سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ، للنهي عنه كما أخرجه الترمذي وحسنه 2، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ... ﴾ الآية 3، فَإْن بَعُدَ، بحيث لم يسمع أو سمع صوتاً لا يميزه، أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً قَرَأَ فِي الأَصَحِّ، لأن السكوت للسامع، والثاني: لا يقرأ لإطلاق النهي السالف، وَالصَّمَمُ كالبعد، والإسرار بالجهرية يُلحقها بالسريَّةِ كما جزم به في شرح المهذب.
وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ الْمُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ، لما روى أحمد والنسائي وصححه ابن حبان عن سُلَيْمَانَ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَةَ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ فُلاَنٍ الإِمَامُ كَانَ فِي الحديث (776) وأطرافه الحديث (759 و 762 و 778 و 779) وفيه: [وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ؛ وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ].
ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب القراءة في الظهر والعصر: الحديث (154/ 451).
الْمَدِينَةِ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ فَكَانَ يُطِيلُ الأَوَّلَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، وَيَقْرَأ فِي الأَوَّلَتَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وَيَقْرَأ فِي الأَوَّلَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطُوالِ الْمُفَصَّلِ 1 والمفصل أوله الحجرات؛ وفيه تسعة أقوال أخرى مذكورة في الشرح، وحكى الترمذيُّ عن الشافعيِّ أَنَّهُ قَالَ: لاَ أَكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالسُّوَرِ الطِّوَال نَحْوَ: الطُّورِ، وَالْمُرسَلاَتِ، بَلْ أَسْتَحِبُّهُ 2 وحكاه البغوي في شرح السنة أيضًا، وَلِصُبْحِ الْجُمُعَةِ فِي الأُوْلَى: ﴿الم (1) تَنْزِيلُ...﴾ وَفِي الثانِيَةِ: ﴿هَلْ أَتَى...﴾ أيِ بكمالهما لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ يوم الجمعة بهما، متفق عليه 3. • اَلْخَامِسُ: الرُّكُوعُ، بالإجماع، وَأَقَلُّهُ، أي في حق القائم، أَنْ يَنْحَنِي قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ، أى لو أراد وضعهما عليهما، وهذا بالانحناء لا بالإنخناس مع اعتدال خلقته، لأنه بدون ذلك لا يسمى ركوعاً والراحة الكف، بِطَمَأْنِينَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته [ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً] متفق عليه 4، بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ
رَفْعُهُ عَنْ هَوْيِهِ، أي ولا يقوم زيادة الهوي مقام الطمأنينة؛ وَلاَ يَقْصُدُ بِهِ غَيرَهُ، فَلَوْ هَوَى لِتِلاَوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعاً لَمْ يَكْفِ، لأنّ قصده غير صارف، وَأَكْمَلُهُ تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ، أى كصفيحة للاتباع كما أخرجه مسلم 1، وَنَصْبُ سَاقَيْهِ، أي إلى الحقوِ ولا يثني ركبتيه لأنه أعون، وَأَخْذُ رُكْبَتَيهِ بِيَدَيْهِ وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ، للاتباع ولأنه أعون، لِلْقِبْلَةِ، لأنها أشرف الجهات، وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوْيِهِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ وَيَقُولُ: سُبْحَان رَبِّيَ الْعَظِيمِ، للاتباع في كل ذلك، قال الماوردي في الإقناع: وأدناه مرة وأكمله سبع مرات فإنه صح عنه 2، ثَلاَثًا، للاتباع كما أخرجه أبو داود 3، وَلاَ يَزِيدُ الإِمَامُ، أي على الثلاثة تخفيفًا على القوم إلاَّ إذا عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَدَّ وَقَالَ: [ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ] فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: [ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ] (ثَلاَثاً) فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي؟ فَقَالَ: [إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا؛ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا] وفي لفظ: [ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِي قَائِمًا] كتاب الاستئذان: باب من ردَّ فقال: عليك السلام: الحديث (625). ومسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة: الحديث (45/ 397).
انحصروا ررضوا، وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: [اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَمَا اسْتَقَلَّتْ بهِ قَدَمِي] للاتباع، كما أخرجه مسلم إلى قوله وَعَصَبِي، زاد ابن حبان: [وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ] 1.
فَائِدَةٌ: إنما وجبت القراءة في القيام، والتشهد في الجلوس، ولم يجب التسبيح في الركوع والسجود، لأن القيام والقعود يلتبس بالعادة فوجب فيهما ليتميزا عنها بخلاف الركوع والسجود.
• اَلسَّادِسُ: اَلاِعْتِدَالُ قَائِمًا، أي على الحالة التي كان عليها قبل الركوع لقصة المسئ صلاته المتفق عليها، وفي النافلة وجه أنه لا يجب الاعتدال فيها، حكاه في التتمة وأجراه القفال في فتاويه في الجلسة بين السجدتين وبناه على جواز الايماء في النافلة مع القدرة، وصحح الجواز، وغيره صحح المنع، كما سلف، مُطْمَئِنًا، لأنه ركن كالقيام، وَلاَ يَقْصِدُ، به، غَيْرَهُ، لأنه صارف، فَلَوْ رَفَعَ فَزِعاً مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ قَائِلاً: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
وَيَزِيدُ الْمُنْفَرِدُ: أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لاَ مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، للاتباع في ذلك كله فإنه صَحَّ 2.
وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ في اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مَا زَالَ
يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، صححه غير واحد من الحفاظ كما قاله ابن الصلاح، قال البيهقى: ورواة القنوت بعد الركوع أكثر واحفظ 1، وَهُوَ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ... إِلَى آخِرِهِ، كما أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس وحسنه الترمذي من حديث الحسن لكنه في قنوت الوتر 2، وظاهر كلام المصنف
أنه يأتي بالقنوت عقب ذكر الاعتدال بكماله، وفي التهذيب عن الشافعي ما يشهد له، لكن ظاهر عبارة المختصر أنه لا يزيد على قوله: ربنا لك الحمد، لئلا يطول الاعتدال، وَالإِمَامُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لأن البيهقي رواه من حديث ابن عباس بلفظ الجمع بإسناد جيد وقال - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَؤُمُّ عَبْدٌ قَوْمًا فَيَخَصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ.
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ] رواه الترمذي وحسنه 1 ومقتضى هذا الحديث عموم ذلك في سائر أدعية الصلاة وعليه نص الشافعي كما نقله ابن المنذر، ثم خالفه في دعاء الاستفتاح، وكذا قاله القفال في فتاويه، ومقتضى الحديث الأول أن يقول بين السجدتين: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، فإن قال: اغْفِرْ لِي فلا بأس لحديث دعاء الاستفتاح.
قُلْتُ: وقد يقال في الفرق بين القنوت وبين غيره أن الكل يأتون بالدعاء بخلاف القنوت.
وَالصَّحِيحُ سَنُّ الصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِهِ، لثبوتها في النسائي في قنوت الوتر في حديث الحسن 2، وغلط المتولي حيث قال:
إن الصلاة لم ترِدْ بها السُّنَّةُ، والثاني: لا يجوز، فإن فعلها بطلت صلاته، لأنه نقل ركناً إلى غيره، وهذا الوجه واه جداً.
وَرَفْعِ يَدَيْهِ، للاتباع كما أخرجه البيهقي 1، والثاني: لا، قياساً على سائر الأدعية في الصلاة، وَلاَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، قال البيهقي: لست أحفظ فيه عن السلف شيئاً، والثاني: نعم لحديث واه مطلق لا مقيد بالقنوت 2، وَأَنَّ الإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ، للاتباع كما أخرجه البخاري 3 لكن دون جهر القراءة كما صرح به الماوردي، وَرَبّكَ يَقُولُ: كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللهُ أعْلَمُ! قَالَ: إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي] وإسناده صحيح.
والثاني: لا، كسائر الادعية المشروعة في الصلاة، أما المنفرد فيُسِرُ قطعًا، وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْمَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ، أي أو يسكت لكن دون جهر الإمام قاله الماوردي، أما التأمين فللاتباع كما صححه الحاكم 1، وأما الباقى فهو ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين فاستحب موافقته، والثاني: أنه يؤمن في الكل، والثالث: أنه يوافقه في الكل كالاستعاذة، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَنَتَ، هما الوجهان في قراءة السورة له والحالة هذه.
قُلْتُ: وكذا لو سمع صوتًا مجردًا ولم يَفْهَمْهُ.
وَيَشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ، لأحاديث بئر معونة فِي الصحيح، لاَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ترك القنوت وهذا بخلاف الصبح لشرفها، والثاني: يشرع مطلقًا، والثالث: لا مطلقًا، وهو منابذ للسُنِّة والخلاف في الجواز قاله الرافعي، وقال المصنف في الاستحباب، وخرج بذكر المكتوبات غيرها كالعيد والاستسقاء.
• السَّابِعُ: السُّجُودُ، بالإجماع، وَأَقَلُّهُ مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلاَّةُ، لأنه يسمى سجودًا 2، ولا يضر نبات الشعر على جبهته بخلاف نباته على الناصية لأن ما نبت على الجبهة مثل بشرته؛ قاله البغوي في فتاويه، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلِ بِهِ جَازَ إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، أي كطرف ذيله وكُمه الطويل 3 كما مثله في الْمُحَرَّر الصحيح: كتاب التفسير: سورة 3: الحديث (4560).
لأنه كالمتصل، أما المنفصل فيجوز قطعًا، والمتصل الذي يتحرك بحركته لا يجوز قطعًا، ولو كان بيده عودًا ونحوه فسجد عليه جاز، كما قاله في شرح المهذب في الكلام على تقليب ورق المصحف.
وَلاَ يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز كالجبهة.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ وُجُوبُهُ، وَالله أَعْلَمُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[أُمِرْتُ أَنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ] متفق عليه 1 وأشار في الأم إلى ترجيحه.
وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ، لقصة المسيء صلاته المتفق عليها، وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقْلُ رَأْسِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لِلثَّقَفِىِّ السَّائِلِ: [وَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ؛ وَلاَ تَنْقُرُ نقراً] رواه ابن حبان 2، وينالُ معناهُ يُصِيبُ ويحصل؛ الْمَسْجَدُ بفتح الجيم وكسرها، يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ] رواه مسلم في الصحيح: الحديث (191/ 620).
والْمَسْجَدُ هنا منصوبٌ والثقلُ فاعلٌ.
وَأَنْ لاَ يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ، لما سبق في الركوع والرفع منه، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الإِعْتِدَالِ، أي ليسجد منه لأنه لا بد من نية أو فعل ولم يوجد واحد منهما، وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الأَصَحِّ، للاتباع؛ كما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان 1، والثاني: يجوز أن تستوي أسافله وأعاليه، وأما إذا كانت أعاليه أعلى فلا يصح قطعًا، لعدم اسم السجود، كما لو أكب على وجهه وَمَدَّ رِجْلَيْهِ، نعم إن كان به علة لا يمكنه السجود إلا ممدود الرجلين أجزأه، ذكره المتولي وأقره في شرح المهذب.
وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ لِهَوْيِهِ بِلاَ رَفْعٍ وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، للاتباع، والمراد باليد هنا الكف، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، للاتباع 2، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلاثًا، وَيَزِيدُ حَجْمَ الأَرْضِ] رواه الإمام أحمد في المسند: ج 1 ص 287 وإسناده جيد مع أن فيه صاع مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، إلا أن عقبة بن موسى سمع منه قبل أن يختلط.
ولهذا حسنه البخاري (كما نقل ابن حجر في التلخيص: ج 1 ص 105) والترمذي في الجامع؛ أبواب الطهارة: الحديث (39). وفي سنن ابن ماجه: الحديث (447).
الْمُنْفَرِدُ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ، للاتباع 1 وزاد في الروضة: بحوله وقوته قبل تبارك الله، واحترز بالمنفرد عن الإمام وقد سبق حكمه، وَيَضَعُ يَدَيْهِ، في السجود، حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، أي مقابلهما 2، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، للاتباع 3، وَتَضُمُّ الْمَرْأَةُ، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم.
• ولحديث أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ فَيَبْرُكُ فِي صَلاَتِهِ بُرْكَ الْجَمَلِ] رواه الترمذي في الجامع: الحديث (269) وقال: حديث غريب.
لأنه أستر لها 1، وَالْخُنْثَى، لأنه أحوط وهذه المسألة من زياداته على الْمُحَرَّر وشرحي الرافعي.
• الثَّامِنُ: اَلْجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًا، لقصة المسئ صلاته، ونفي الإمام الطمأنينة في قضيته غلط فهي ثابتة في الصحيحين، وَيَجِبُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ، لما سبق في الرفع من الركوع وغيره، وَأَنْ لاَ يُطَوِّلَهُ وَلاَ الاِعْتِدَالُ؛ لأنهما ركنان قصيران، كما سيأتي في أثناء باب سجود السهو، فإن المصنف أعادها هناك مبسوطة.
وَأَكْمَلُهُ يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، للاتباع 2، قال الجويني في التبصرة: ولا يجوز أن يُقعى هنا إقعاء الكلب فيجلس على عقبه وقدماه منتصبتان، وَاضِعًا يَدَيهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ؛ لأنه أسهل، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ، أي إلى القبلة كما في التشهد، قَائِلاً: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَارْفَعْنِي وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي، للاتباع 3، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى، أي في الأقل والأكمل، والحكمة في تكرار السجود دون غيره أنه أبلغ في التواضع وشكرًا لإجابة دعائه في الأولى.
رواية أبي داود: الحديث (735) ولحديث ميمونة رضي الله عنها قالت: [إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهِيْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ].
رواه أبو داود في السنن: الحديث (898) ولأحاديث أخرى في الباب.
وَالْمَشْهُورُ سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا، للاتباع كما أخرجه البخاري 1، والثاني: لا يُسَنُّ وهو بعيد، وشَمِلَ قوله (كُلِّ رَكْعَةٍ) الفرضَ والنفلَ، وقوله (يَقُومُ عَنْهَا) شمل الأُولى والثالثة، وما إذا صلى ركعات بتشهدٍ فإنه يجلس للاستراحة في كل ركعة منها؛ لأنها إذا ثبتت في الأوتار فمحل التشهد أولى، قاله البغوي في فتاويه، وخرج بيقوم عنها المصلي مضطجعًا وقاعدًا.
• التَّاسِعُ وَالعْاشِرُ وَالْحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسلمَ، فالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَّبَهُمَا سَلاَمٌ رُكْنَانِ، أما التشهد فلقول ابن مسعود [كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدَ السَّلاَمُ عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ] الحديث رواه الدارقطني والبيهقي وقالا: إسناده صحيح 2، وأما القعود فلأنه محل لذكر واجب فكان كالقيام، وكل من أوجب التشهد أوجب القعود له، والمراد بالتشهد هو التحيات... إلى قوله: وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وسُّمِّيَ تشهدًا؛ لأن فيه الشهادتين من باب تسمية الكل باسم الجزء، وَإِلاَّ، أي وإن لم يعقبهما سلام، فَسُنَّتَانِ؛ لأنه
- صلى الله عليه وسلم - قام من اثنتين ولم يجلس فلما قضى صلاته سجد سجدتين، متفق عليه 1، فلو كان واجبًا لفعله ولم يقتصر على السجود.
وَكَيْفَ قَعَدَ، أي في النوعين، جَازَ، بالإجماع، وَيُسَنُّ فِي الأَوَّلِ الاِفْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبٍ يُسْرَاهُ، أي بعد أن يضجعها بحيث يلي ظهرها الأرض، كما صرح به في الْمُحَرَّر، وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، أي القدم اليمنى، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَفِي الآخِرِ التَّوَرُّكُ، وَهُوَ كَالاِفْتِرَاشِ لَكِنْ يُخْرِجُ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالأَرْضِ، للاتباع كما أخرجه البخاري 2، وإنما خولف بين التشهدين، لأنه أقرب إلى عدم أشتباه عدد الركعات، ولأن المسبوق إذا رآه علم في أىِّ التشهدين هو، ولأنه في الأول مستوفز للحركة بخلاف الأخير، وَالأَصَحُّ يَفْتَرِشُ الْمَسْبُوقُ وَالسَّاهِي؛ لأنه ليس آخر صلاتهما، والثاني: يَتَوَرَّكَانِ، أمَّا الأَوَّلُ فلمتابعة الإمام، والثاني: فلأنه قعود لآخر صلاته.
وَيضَعُ فِيهِمَا، أي في التشهد الأول والأخير، يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتَهِ، أي
بحيث تُسامت رؤوسها الركبة للاتباع، مَنْشُورَةَ الأَصَابِعِ بِلاَ ضَمِّ، بل مفرجة تفريجًا مقتصداً.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الضَّمُّ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأن نشرها يزيل الإبهام عن القبلة.
وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ، أي بعد وضعها على فخذ اليمنى، الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الأَظْهَرِ، للاتباع كما رواه مسلم 1، والثاني: أنه يُحَلِّقُ بين الإبهام والوسطى للاتباع أيضًا، كما رواه أبو داود 2، وفي كيفية التحليق وجهان أصحهما أنه يحلق بينهما برأسيهما، والثاني: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، وَيُرْسِلُ الْمُسَبِّحَةَ، أي في كل التشهد، للاتباع، وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا الله،
للاتباع أيضًا، ويكون قصده بها التوحيد والاثبات والحكمة في ذلك هو إشارة إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وأما الرفع عند الهمزة فلأنه حال إثبات الوحدانية لله تعالى، والحكمة في اختصاص السبابة بذلك، أن لها أتصالاً بنياط القلب فكأنها سبب لحضوره.
وَلاَ يُحَرِّكُهَا، للاتباع كما أخرجه أبو داود 3، نعم روى البيهقي فعله وقال: لعل المراد الإشارة 4، وأما القرطبي فقال: أكثر العلماء من أصحاب مالك،
وغيرهم على التحريك إلَّا أنهم اختلفوا في الموالاة بالتحريك على قولين 1، وَالأَظْهَرُ: ضَمُّ الإِبْهَامِ إِلَيْهَا، أي إلى المسبِّحة، كَعَاقِدٍ ثَلاَثَةً وَخَمْسِينَ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في مسلم 2 فيجعل الإبهام مقبوضه تحت المسبِّحة، والمشهور عند أهل الحساب تسمية ذلك بتسعة وخمسين، والثاني: يرسلها أيضًا مع طول المسبِّحة، وقيل يضعها على اصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين لحديث ابن الزبير في ذلك عند مسلم 3.
وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، لحديث [أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ.
فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلاِتنَا؟ قَالَ: قُولُواْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ... ]، الحديث رواه ابن حبان والحاكم في الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: [ثُمَّ قَعَدَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ وَرُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مَرْفِقِهِ الأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ ثَلاَثَةً مِنْ أَصَابِعِهِ وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا] انتهى.
ثم قال البيهقي: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بالتَّحْرِيكِ الإِشَارَةُ بِهَا لاَ تَكْرِيرُ تَحْرِيكِهَا فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالله أَعْلَمُ.
ينظر: السنن الكبرى: كتاب الصلاة: جماع أبواب الصلاة: باب من روى أنه أشار بها ولم يحركها: الحديث (2845).
صحيحيهما 1، وَالأَظْهَرُ سَنُّهَا فِي الأَوَّلِ؛ لأنها تجب في الأخير فَسُنَّت في الأول كالتشهد، والثاني: لا؛ لبنائه على التخفيف، وَلاَ تُسَنُّ عَلَى الآلِ فِي الأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، لما ذكرناه، والثاني: نعم كالصلاة، وهو القوي عندي لصحة الأحاديث به، وآله هم بنو هاشم وبنو المطلب على الأصح، وَتُسَنُّ فِي الآخِرِ.
وَقِيلَ: تَجِبُ، لظاهر الأحاديث.
وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ، أي وهو رواية ابن عباس في مسلم التي اختارها إمامنا الشافعي، وَأَقَلهُ: التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ لأنه يؤدي معنى حديث ابن عباس 2. وَقِيلَ: يَحْذِفُ وَبَرَكَاتُهُ وَالصَّالِحِينَ، وَيقُولُ: وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ.
قُلْتُ: الأَصَحُّ وَأَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ،
يعني بإسقاط أشهد، وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَالله أَعْلَمُ، مراده بذلك حديث أبي موسى الأشعري فإن فيه وأن مُحَمَّدًا عبدهُ ورسولهُ 3. فمراده إسقاط لفظة
أشهد فقط، نعم في رواية لأبي داود وبعض نسخ مسلم وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وقوله (وَقِيْلَ يَحْذِفُ... ) إلى آخره، مراده أن كل كلمة من هذه الكلمات الثلاث أسقطها مُسقط لا أن شخصًا واحدًا أسقط الجميع، وأسقط ابن خيران في لطيفه قوله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
وَأَقَلُّ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، أما في الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فلأن اسم الصلاة حاصل بذلك، وأما قوله (وَآلِهِ) أي وأقلُّ الصلاة على آله ما ذكر، إذا قلنا بوجوبه على ما سلف، وفي سنن النسائي من حديث زيد ابن خارجه: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: [صَلُّواْ عَلَيَّ وَاجْتَهِدُواْ فِي الدُّعَاءِ وَقُولُواْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ] 1 وفيه دلالة على الاكتفاء بهذا القدر في الصلاة عليه وعلى آله فإن الظاهر أن قوله قولوا إلى آخره تفسير لما أمرهم به قبل الدعاء ويحتمل أن يكون إشارة إلى ختم الدعاء بذلك.
وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) سُنَّةٌ فِي الآخِرِ، للأمر به كما هو مخرج في الصحيح، ودليل عدم وجوبها فيه وعدم استحبابها في الأول الإجماع، لكن فيه قول حكاه الدارمي، وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، أي بعد التشهد الأخير فإنه مسنون أيضًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [ثُمُّ لِيَتَخَّيْر مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ] رواه مسلم 2، وسواء في الدعاء الديني أو الدنيوي، أما الأول فيكره فيه طلباً للتخفيف.
فَائِدَةٌ: روى المستغفري في دعواته عن أبي هريرة مرفوعًا: [مَا مِنْ دُعَاءٍ أَحَبُّ وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ؛ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ] من رواية أبي موسى الأشعرى.
وأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب التشهد: الحديث (972).
إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَوْلِ الْعَبْدِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّة مُحَمَّدٍ رَحْمَةً عَامَّةً] 1 وعن أبي برزة [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَقَالَ: وَيْحَكَ لَوْ عَمَّمْتَ لاسْتُجيبَ لَكَ] وعن عمرو بن شعيب [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ خَرَجَ مِنَ الصَّلاَةِ وَعُمَرُ يَدْعُو فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، فَضَرَبَ مَنْكِبَهُ ثُمَّ قَالَ: عَمِّمْ فِي دُعَائِكَ فَإِنَّ بَيْنَ دُعَاءِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ].
وَمَأْثُورُهُ، أي منقولة، أَفْضَلُ، لتنصيص الشارع عليه كما في كل دعاء، وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ... إِلَى آخِرِهِ، للاتباع كما أخرجه مسلم 2.
وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَزِيدَ، أي الدعاء، عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسلَّمَ؛ لأنه تبع لهما، وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا، أي عن التشهد والدعاء، تَرْجَمَ، لأنه لا إعجاز فيهما كما سبق في تكبيرة الإحرام، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَنْدُوبِ العَاجِزُ، ليحوز فضلهما، لاَ الْقَادِرُ فِي الأَصَحِّ، قياسًا على الواجب كالتكبير والتشهد؛ ولأنه لا ضرورة إليه في حقه، والثاني: يجوز مطلقًا، أما العاجز فلما ذكرناه، وأما القادر فقياساً على الدعاء خارج الصلاة، والجامع عدم الوجوب، والثالث: لا مطلقًا لعدم الضرورة إليه، والخلاف المذكور محله في المأثور فليس للمصلي أن يخترع دعوة ويدعو بها بالعجمية.
• الثَّانِي عَشَرَ: السَّلاَمُ، بالاتفاق كما قاله الرافعي؛ نعم حكي مجلّي وجهاً أنه شرط ويجب ايقاعه في حال القعود، وَأَقَلُّهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، للاتباع، وَالأَصَحُّ جَوَازُ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، إقامة للتنوين مقام الألف واللام كما في التشهد.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لاَ يُجَزِّئُهُ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه لم ينقل بخلاف التشهد والتنوين يضاد
الألف واللام ولذلك لا يجتمعان لأن الألف واللام للتعريف وهو للتنكير، قُلْتُ: الأول منصوص أيضًا حكاه الجرجاني وغيره، وَأَنَّهُ لاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ، كسائر العبادات، والثاني: تجب قياسًا على أولها، وَأَكْمَلُهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ مَرَّتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الأُوْلَى حَتَّي يُرَى خَدُّهُ الأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الأَيْسَرُ، للاتباع كما أخرجه الدارقطني وصحح إسناده 1، نَاوِيًا السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وِإِنْسٍ وَجِنٍّ، أي على المسلمين من الصنفين، وَيَنْوِي الإِمَامُ السَّلاَمَ عَلَى الْمُقْتَدِينَ وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ، للاتباع 2.
• الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الأَرْكَانِ، كما ذكرنا، بالأجماع، نَعَمْ: النية والتكبير لا ترتيب بينهما، ومن المعلوم أنهما بعد القيام، والترتيب في السنن شرط في الاعتداد بها، ونص الشافعي كما نقله صاحب الشفاء على أنه يجب الترتيب بين التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجزم به البغوي في فتاويه، وقال الحليميُّ: هو كبعض التشهد حتى يجوز فيه التقديم والتأخير، وارتضاه الرافعي في شرح المسند.
فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا، بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطُلَتْ صَلاَتُهُ، بالأجماع لتلاعبه، نَعَمْ: لو قدَّم الركن القوليّ على فعلىّ كتقديم التشهد على السجود أو على قوليّ كتقدم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - على التشهد لم يضر، إلاّ أنه لا يعتد بالذى قدمه بل الذي يعيده.
وَإْنْ سَهَا فَمَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لَغْوٌ، لوقوعه في غير محله، فَإِنْ تَذَكِّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ فَعَلَهُ وإلَّا تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، لوقوعه في موضعه، وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ؛ لأن كل ما يفعله قبل وقته كالمعدوم، هذا كله إذا عرف عين المتروك وموضعه، فإن لم يعرف أخذ بأدنى الممكن وأتى بالباقي، وفي الأحوال كلها يسجد للسهو، إلاّ إذا وجب الاستئناف بأن ترك ركنًا وأشكل عليه، وجوز أن تكون النية أو تكبيرة الإحرام, وإلاّ إذا كان المتروك هو السلام، فإنه إذا تذكر قبل طول الفصل سَلَّمَ ولا حاجة إلى سجود السهو.
فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، لأنه وقع بعد متروك فلم يُعْتَدّ به، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةً؛ لأن الركعة الناقصة ملفَّقةٌ بالركعة التي بعدها، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا، أي في كونها من الأخيرة أو من غيرها فإنه يجعلها من غير الأخيرة ويلزمه ركعة أخذًا بالأحوط.
وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ، فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ سَجَدَ، أي من قيام؛ لأن ذلك الجلوس فاصل، وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الاِسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ، لقصده السُّنْةَ فلا ينوب عن الفرض، والأصح الاكتفاء كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يظنه الأول، وَإِلاَّ، أي وإن لم يجلس بعد سجدته، فَلْيَجْلِسُ مُطْمَئِنّاً ثُمَّ يَسْجُدُ؛ لأن الجلوس ركن فلا بد منه، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ؛ لأن الفصل حصل بالقيام، وأجاب الأول: بأن الفصل وإن كان هو المقصود، لكن على هيأة الجلوس فلا يقوم القيام مقامه كما لا يقوم مقام الجلوس التشهد.
وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةِ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أما في الأولى فلأن الأسوأ تقدير سجدة من الركعة الأولى، وسجدة من الثالثة، فتنجبر الركعة الأُولى بسجدة من الثانية، ويلغى باقيها، وتنجبر الثالثةُ بسجدة من الرابعةِ ويلغى باقيها، وتصير الثالثةُ ثانيةً، وأما في الثانية وهي ترك الثلاث، فلأنك إذا قدرت ما ذكرناه في السجدتين، وقدرت معه ترك سجدة أخرى
من أي ركعة شئت؛ لم يختلف الحكم.
قال الدارمي في استذكاره: وهذا إذا لم يترك من كل ركعة إلا سجدة، فإن كان قد ترك الجلوس بين السجدات، فمنهم من قال: هي كما مضى؛ وهذا على الوجه الذي يقول ليس الجلوس مقصودًا، ومنهم من قال: لا يصح إلا الركعة الأُولى بسجدة؛ لأنه لم يجلس في شيء من الركعات، قال: والأول أصح.
أَوْ أَرْبَعٍ، جهل موضعها، فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، لاحتمال أن يكون قد ترك سجدتين من ركعة وسجدتين من ركعتين غير متواليتين كسجدتين من الأُولى وسجدة من الثانية وسجدة من الرابعة، أَوْ خَمْسِ أَوْ سِتٍّ فَثَلَاثٌ، لإحتمال ترك واحدة من الأُولى، وسجدتين من الثانية، وكذا من الثالثة، وكذا لو قدرنا ثنتين من الأولى وثنتين من الثَّانية وواحدة من الثالثة، هذا كله في الخمس، وأما في الست؛
فلأنك إذا قدرت ما ذكرناه في الخمس وقدرت معه ترك سجدة أخرى مما شئت من الركعات التي بقيت منها سجدة أو سجدتان لم يختلف الحكم، أَوْ سَبْعٍ فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ؛ لأن الحاصل له ركعة إلا سجدة، وإذا ترك ثماني سجدات فسجدتان ثم ثلاث، ويتصور ذلك بترك طمأنينة وسجود على عمامة ونحوها.
قُلْتُ: يُسَنُّ إِدَامَةُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، أي في جميع صلاته لأنه أشرف من غيره وأسهل وأقرب إلى الخشوع 1، قُلْتُ: إلا في التشهد؛ فإن السُّنَّة أن لا يجاوز بصره إشارته فيه بالمسِّبحة لحديث صحيح فيه أخرجه أبو داود 2، ويدخل في إطلاق المصنف الأعمى والمصلي في ظلمة وفيهما نظر، ومن صلى في المسجد الحرام استحب له أن يشاهد الكعبة قاله الماوردي والروياني في البحر في كتاب النذر.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ؛ لأنه خلاف ما يقتضيه استرسال الطبعة، وفيهما نظر، فيكون تكلفًا مُذْهِبًا للخشوع.
وَعِنْدِي لاَ يُكْرَهُ؛ لأنه لم يصح فيه نهي 1، إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا؛ لأنه سبب لحضور القلب، فإن خاف على نفسه أو غيره من عدو ونحوه فيكره أو يحرم في بعضها.
وَالْخُشُوعُ، بالإجماع، ونقل أبو عبد الله بن خفيف قولًا: إن ذهاب الخشوع يبطل الصلاة وهو غريب جدًا، نعم هو وجه للقاضي حسين وأبي زيد المروزي.
قال المحب الطبري: وإذا قلنا به فمحله في بعض الصلاة لا في جميعها.
فَرْعٌ: العبث في الصلاة مكروه، وقيل: حرام، ولو سقط رداؤه أو طرف عمامته كره له تسويته إلَّا لضرورة قاله في الإحياء.
وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ، أي تأملها، قال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ 2 وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ 3 ولأن مقصودة موقوف على ذلك، وَالذّكْرِ، قياسًا عليها، وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ؛ لأن الله تعالى قد ذم تارك ذلك فقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ 4، وَفَرَاغِ قَلْبٍ، أَي من شواغل الدنيا لأن ذلك قد يستمر معه في الصلاة، والمحسوب له منها ما عقل عليه.
وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ، لما روى ابن خزيمة عن وائل بن حُجْرِ قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ 5 وللبزار: عِنْدَ صَدْرِهِ، وَكَأَنَّ المراد آخر الصدر.
وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ،
للأمر به في الصحيح 1، وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ وُالقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ، لأنه أعون له.
وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الأُوْلَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لحديث أبي قتادة في الصحيح 2، والثاني: أنه لا يطولها.
قال في الروضة: وهو الراجح عند الجمهور، قُلْتُ: ويستثنى من محل الخلاف تطويل الأُولى من صلاة الكسوف وصبح الجمعة، والثانية إذا قرأ في العيد والجمعة ﴿يُسَبِّحُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ ويخفف في صلاة الخوف ذات الرقاع في الأولى ويستحب للطائفتين التَّخفيف فيما يبدون به، نقله في الروضة
هناك عن الأصحاب، وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا، للاتباع كما صح في عدة أحاديث 3، قال الحديث (54/ 401)؛ ونصه؛ [أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى؛ فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَرْكَعَ، أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ الثَّوْبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا ثُمَّ كَبَّرَ] وليس فيه هذه الزيادة [عَلَى صَدْرِهِ] أو [عِنْدَ صَدْرِهِ] والحديث بهذه الزيادة من رواية مؤمل بن إسماعيل العدوى مولى آل الخَطَّاب وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة، كثر الخطأ.
وقال البُخَارِيّ: منكر الحديث.
وقال مُحمَّد بن نصر المروزي: المؤمل إذا انفرد بحديث وجب التوقف ويثبت فيه؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط.
ينظر ترجمته في تهذيب التهذيب: الرقم (7311).
في الروضة: والسُّنَّةُ أن يُكثر منه، قُلْتُ: ويستحب الدعاء أَيضًا ويُسِرُّ بهما إلاّ أن يكون إمامًا يريد التعليم.
وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ لأن مواضع السجود تشهد له فاستحب تكثيرها قاله البغوي وقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 1 إن المؤمن إذا مات بكت عليه مُصَلَّاهُ من الأرض ومصعد عمله من السماء.
وهذه العلَّة التى سبقت تقتضى أن ينتقل أَيضًا إلى الفرض من موضع نفله المتقدم وأن ينتقل لكل النوافل، وَأَفْضَلُهُ إِلَى بَيْتِهِ، للأمر به في الصحيحين (437)، نعم رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاِتهِ؛ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: [اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ] قَالَ: كَيْفَ الإِسْتِغْفَارُ؟ قَالَ؛ تَقُولُ: أسْتَغْفِرُ الله أسْتَغْفِرُ الله.
رواه مسلم في الصحيح: الحديث (135/ 591). وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها: الحديث (136/ 592) والمغيرة بن شعبة: الحديث (137/ 593) وعبد الله بن الزبير: الحديث (139/ 594) وغيرهم رضي الله عن الصحابة أجمعين.
يستثنى النافلة يوم الجمعة لفضيلة البكور وركعتا الطواف وركعتا الإحرام إذا كان في الميقات مسجد.
وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُواْ حَتَّى يَنْصَرِفْنَ، للاتباع كما أخرجه البخاري (438) والقياس في الخناثى انصرافهم فرادى، إما قبل النساء أو بعدهن وقبل الرجال، وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، أيَّ جهةٍ كانت، وَإلَّا فَيَمِينِهِ، لأنها أولى (439). وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الإِمَامِ، أي التسليمة الأولى لخروجه عن الصلاة بها، نعم يستحب له أن لا يسلم الأولى إلاّ بعد التسليمتين جميعًا كما صححه في
التحقيق، فَلِلْمَأْمُومِ، أي الموافق، أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلَّمُ، أما غيره فيلزمه القيام عقب التسليمتين، وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ ثِنْتَينِ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه خرج عن متابعته بالأولى.
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ
بَابٌ: هُوَ مُنَوَّنٌ أَيْ هَذَا بَابٌ مَعْقُودٌ لِلشُّرُوطِ، وَالشَّرْطُ: لُغَةً الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ.12 الحديث (731). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: الحديث (213/ 781). وأحاديث في الباب.
شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ، قلت: وسادس وسابع، وهما معرفة فرضيَّة الصلاة وكيفيتها كما حزم به في التحقيق.
• مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ، أي يقينًا أو ظنًا، • وَالاِسْتِقْبَالُ، لما تقدم في بابه، •
وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ، أي ولو كان خاليًا في ظلمة عند القدرة لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 1 قال ابن عباس: الْمُرَادُ بِهِ الثَّيَابُ فِي الصَّلَاةِ، وقام الإجماع على الوجوب أَيضًا، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ، أي ولو عبدًا أو صبيًا، مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، لحديث فيه 2، وَكَذَا الأَمَةُ فِي الأَصَحِّ، لحديث فيه أَيضًا أخرجه البيهقي 3،
والثاني: أن عورتها كعورة الْحُرَّةِ لجامع الأنوثة إلاّ رأسها فإنَّه ليس بعورة إجماعًا.
وَالْحُرَّةُ مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكفَّيْنِ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 1 قال الْمُفَسِّرُونَ: هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ.
رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ].
ورواه العقيلي في (ضعفاءه) ولين سوار بن داود.
قال صاحب التنقيح: وسوار بن داود أبو حمزة البصري وثقه ابن معين، وابن حبان، وقال أحمد شيخ بصري لا بأس به.
إنتهى.
وله طريق أخر عند ابن عدي في (الكامل) أخرجه عن الخليل بن مرة عن ليث بن أبي سليم، ولين الخليل بن مرة.
ونقل عن البخاري أنَّه قال: فيه نظر، قال ابن عدي: وهو ممن يكتب حديثه، فإنَّه ليس بمنكر الحديث.
إنتهى؛ من نصب الراية للزيلعي: ج 1 ص 296. واعترض البيهقي على متن الحديث لا على سنده، فقال: فأما حديث عمرو بن شعيب فقد اختلف في مَتْنِهِ، فلا ينبغى أن يعتمد عليه في عورة الأَمَة، وإن كان يصلح الاستدلال به وبسائر ما يأتي عليه مَعَهُ في عورة الرَّجل وبالله التوفيق؛ إنتهى.
من السنن الكبرى: بعد الحديث (3306). قُلْتُ: ولكن الآثار عن الصَّحَابَة تعضده وهي صحيحة، ومنها ما جاء عن أنس بن مالك قال: [كُنَّ إِمَاءُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَخْدِمْنَنَا كَاشِفَاتٍ عَنْ شُعُورِهِنَّ؛ تَضْرِبُ ثُدِيُّهُنَّ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: النص [3306] وقال: والآثار عن عمر بن الخَطَّاب في ذلك صحيحة.
وفي جواز ظهور قَدَمَي الحرّة (•) الصلاة وجه في الانتصار لإبن أبي عصرون وهو غريب، واقتصار المصنف في المرأة (•) على ما ذكره يؤخذ منه أن صوتها ليس بعورة وهو الأصح، وفيه غائلة ستعرفها في النكاح.
• وعن عائشة رضي الله عنها قالت: الوجه والكفان.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب عورة المرأة الحرة: الأثر (3301). وظاهر أسانيد أحاديث الباب الصحة والله أعلم.
(•) في النسخه (1) و (2): ثَديِّ الْحُرَّةِ؛ وأثبتُّ ما في النسخة (3) (قَدَمَيِّ الْحُرَّةِ)؛ فهو الذي فيه الغرابة؛ لأن ظهور ظهر قدميها؛ قيل: بجوازه، أو أنَّه وجه في المذهب.
أما الثديين فإنَّه لا يتصور في صلاة صحيحة، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب المرأة تصلى بغير خمار: الحديث (641)، وقال: رواه سعيد بن أبي عُروبة عن قتادة عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورواه الترمذي في الجامع: الحديث (377) وقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وحديث عائشة حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم، وهو قول الشَّافعيّ: قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف؛ قال الشافعيُّ: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مكشوفان فصلاتها
جائزة.
إنتهى.
ولا يخفى أن قيل تفيد التمريض والضعف، فهو رأي ضعيف عند سيدنا الشَّافعيّ رحمه الله على ما نقل التِّرْمِذِيّ.
أما قول الشافعي في الأُمِّ: في باب جماع لبس المصلي: ج 1 ص 89: (وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل بدنها ما عدا وجهها وكفيها) وفي باب كيف لبس الثياب في الصلاة: ج 1 ص 89: (وكل المرأة عورة إلَّا كفيها ووجهها؛ وظهر قدميها عورة؛ فهذا انكشف من الرَّجل في صلاته شيء مما بين سرته وركبته ومن المرأة في صلاتها شيء من شعرها قل أو كثر ومن
جسدها سوى وجهها وكفيها وما يلى الكف من موضع مِفْصَلِهَا ولا يعدوه عَلِمَا أَمْ لَمْ يَعْلَمَا، أعادا الصلاة معًا، إلَّا أن يكون تنكشف بريح أو سقطة ثم يعاد مكانه لا لبث في ذلك).
قُلْتُ: لهذا ترجح عندنا ما أثبثناه، والله أعلم.
(•) في النسخة (3): الحُرَّة بدل المرأة، مع أني أرجح أن الحرة أولى من المرأة في هذا المقام؛ إلَّا أنى أثبت المرأة لشهادة النسختين بذلك، ولعموم لفظ المرأة.
ولكن المناسبة تقتضي الحرة؛ لأن الأمة لا عورة لصوتها على البداهة، وربما اختلف في الحرة.
فضلًا عن أن لفظ المتن الحرَّة.
والله أعلم.
وَشَرْطُهُ مَا مَنَعَ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ، أي لا حجبها فلا يكفي زجاج وماء صاف، نعم يرد عليه الظلمة فإنَّها مانعة من الإدراك ولا يكفي كما سبق 1، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ، لحصول مقصود الستر بهما، والصافي إذا غلبت الخضرة كالكدر، وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ، أي أو نحوه لقدرته على الستر، والثاني: المنع لما فيه من المشقة والتلويث، وقال الماورديُّ: إن كان ثخينًا وجب وإلاّ فلا 2. وَيَجِبُ سَتْرُ أَعْلَاهُ وَجَوَانِبِهِ لاَ أَسْفَلِهِ؛ لأنه المقصود من الستر، فَلَوْ رُؤِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ، أي وهو المنفذ الذي يدخل فيه الرأس، فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ، لعدم الشرط المذكور، فَلْيُزِرَّهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أي أو يضع عليه شيئًا وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لسلمةَ بنِ الأَكْوَعِ وقد قال إنِّي رحل أصيد أفأُصلي في القميص الواحد قال: [نَعَمْ وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ] رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة 3، وَلَهُ سَتْرُ
بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الأَصَحِّ، لحصول المقصود، والثاني: لا؛ لأن الساتر لا بد وأن يكون غير المستتر، ونظير هذا الخلاف ما لو استنجى بيده والأصح المنع، وما إذا استاك بإصبعه وقد سلف، وما إذا غطى محرم رأسه بِكَفِّ غيره، والمذهب لا فدية كَكَفِّ نفسه، وقيل: وجهان كجواز السجود على كف غيره، وقوله (بِيَدِهِ) احترز به عما إذا وضع الغير يده عليها، فإنَّه يكفي قطعًا، وإن فعل مُحَرمًا كما قال ابن الرفعه لانتفاء عله المنع.
فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ، أي قبله ودبره، تَعَيَّنَ لَهُمَا، لغلظهما، أَوْ أَحَدَهُمَا فَقُبُلَهُ؛ لأنه إلى القبلة، وَقِيلَ: دُبُرَهُ؛ لأنه أفحش في الركوع والسجود، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، لتعارض المعنيين، والخلاف لا في الوجوب على الصحيح؛ بل في الشرطية، كما قاله في شرح المهذب: حتَّى لو خالف لم تصح صلاته.
• وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ، بالإجماع، فَإِنْ سَبَقَهُ بَطَلَتْ، أي صلاته؛ لأن طهارته قد بطلت إِجماعًا، فكذا صلاته لانتفاء الشرطية 1، واحترز بالسبق عن التعمد، قال في البيان: والمكره على الحدث 2، وَفِي الْقَدِيمِ لاَ تَبْطُلُ بَلْ يَبْنِي، أي يتطهر ويبني
لعدم تقصيره 1، وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ، أي منافٍ، عَرَضَ بِلاَ تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الْحَالِ، أى كما إذا تنجس ثوبه أو بدنه واحتاج إلى غسلهما أو أبعدت الريح ثوبه، فَإِنْ أَمْكَنَ، أي دفعه في الحال، بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الْحَالِ لَمْ تَبْطُلْ، لانتفاء المحذور، وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفِّ فِيهَا بَطَلَتْ، أي جزماً من غير تخريج على القولين لأنه يُشْبِهُ من أحدث مختاراً 2. • وَطَهَارَةُ النَّجَسِ، الذي لا يعفى عنه، فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، لثبوت
الأمر باجتنابها، ولا يجب ذلك في غير الصلاة اتفاقاً فتعين أن يكون فيها، وَالأَمْرُ بِالشَّيْء نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فَيَلْزَمُ مَا ذَكَرنَاهُ 1.
وَلَوِ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ اجْتَهَدَ، كما في القبلة 1، وَلَوْ نَجَسَ بَعْضُ ثَوْبٍ، أَوْ بَدَنٍ وَجَهِلَ وَجَبَ غَسْلْ كُلِّهِ، لأن الأصل بقاء النجاسة ما بقي منه جزءٌ بغير غسل، ولا يجتهد فيه؛ لأنه إنما يكون بين عينين 2، فَلَوْ ظَنَّ طَرَفاً، كالْكُمِّ وَالْيَدِ، لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لما ذكرناه، والثاني: يكفيه؛ لأنهما عينان متميزتان فهما كالثوبين.
فَرْعٌ: لو اشتبه مكان من بيت أو بساط فالأصح منع التحري أيضاً 3.
وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَ نَجِسٍ لُمَّ بَاقِيهُ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ، أي الصحيح: كتاب الوضوء: الحديث (219 و 220 و 221).
من النصف الأول، طَهُرَ كُلَّهُ، وَإلاَّ، أي وإن غسل الباقى من غير أن يغسل معه من النصف الأول ما يُجَاوِرُهُ، فَغَيْرُ الْمُنْتَصَفِ، أي طهّر الطرفان وبقي المنتصف نجساً على حاله فيغسله وحده لأنه رطب ملاقٍ للنجس، والثاني: لا يطهر حتى يغسله كله دفعة واحدة؛ لأن الرطوبة تسري، وهذا مبني على أن الثوب الرطب إذا وقعت عليه نجاسة هل يتنجس كله أو موضع الإصابة فقط؟ على وجهين في التتمة، والثالث: أنه يطهر مطلقاً، والرابع: إن علق الثوب وصب الماء على أعلاه إلى النصف ثم صب على النصف الباقي طهر لأن الماء لا يترادّ إلى الأعلى، وإن لم يكن كذلك لم يطهر لأنه يتراد، حكاهما في الكفاية قال في شرح المهذب: والثاني هو الصحيح فيهما إذا غسل نصفه في جفنة، وإن غسل نصفه بصب الماء عليه في غير جفنة طهر، قال: وعليه يحمل ما نقله الرافعي والْمُنْتَصَفُ بفتح الصاد 1. وَلاَ تَصِحُّ صَلاَةُ مُلاَقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً، أي في قيامه أو قعوده أو ركوعه أو سجوده لما سبق، ويؤخذ من اشتراط ذلك في الثوب اشتراطه في البدن من باب
أَولى، وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، أي كذنابة العمامة الطويلة؛ لأن المعتبر أن لا يكون ثوبه المنسوب إليه ملاقياً للنجاسة 1، وَلاَ قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ، كحبل، عَلَى نَجِسٍ إِنْ تَحَرَّكَ، ذلك الشيء الكائن على النجس بحركته؛ لأنه حامل للشئ النجس أو لما هو متصل به، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الأَصَحِّ، كما في الْعَمَامَةِ، والثاني: أنَّها لا تبطل، لأن الطرفَ غير محمول له؛ قاله الرافعي في الشرح الصغير وهو أَوْجَهُ الوجهين، والشدُّ كالقبضِ، فَلَوْ جَعَلَهُ، أى طرف الحبل المذكور، تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ مُطْلَقاً، أي سواءً تحرك بحركته أو لم يتحرك، لأنه ليس حاملاً للنجاسة ولا ما هو متصل بها، وَلاَ يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ، أي ونحوه كبطنه أو شيء من بدنه، فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ، كما لو صلى على بساط طرفه نجس تصح صلاته؛ وإن نسب إليه أنه مصلاه، والثاني: يضر، لأن القَدَرَ الذي يوازيه منسوب إليه لكونه مكان صلاته فتعتبر طهارته كالذي يلاقيه، أما إذا لاقاه النجس فتبطل جزماً.
وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ، أي كعظم كلب ونحوه، لِفَقْدِ الطَّاهِرِ، أي وكذا مع وجوده، وقول أهل الخبرة إنه لا ينفع غيره 2، فَمَعْذُورٌ، للضرورة وكذا لو قالوا: إنه ينجبر سريعاً بعظم الكلب دون غيره فيما يظهر، وهو نظير التيمم لبطئ البرء، وَإِلاَّ، أي وإن وصله به مع وجود الطاهر، وَجَبَ نَزْعُهُ، للضرورة، وكذا إن لم يحتج إلى الجبر وجبر فيحب النزع أيضًا، إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَراً ظَاهِراً، أي وهو ما أباح
التيمم، قِيلَ: وَإِنْ خَافَ، أي ما ذكرناه فإنه ينزع أيضًا لتعديه ويؤدي إلى أنه يصلي عمره كله بنجاسة فَرَّطَ بحملها؛ ونحن نقتله بترك صلاة واحدة، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ، أي وجوباً؛ لأن فيه مُثْلَةً للميت وهتكاً لحرمتهِ، والثاني: يُنزع لئلا يلقى الله حاملًا للنجاسة.
وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، لِجواز الاقتصار على الْحَجَرِ لِمَا سبق، وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِراً بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأن العفو عن أثر النَّجْوِ 1 للحاجة ولا حاجة به إلى حمل الغير، والثاني: لا تبطل كما في حق المحمول.
وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، لأن الناس لا بد لهم من الانتشار في حوائجهم، وكثير منهم لا يملك إلّا ثوباً واحداً فلو أمروا (•) بالغسل كلما أصابهم ذلك لعظمت المشقة 2، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ
وَمَوْضِعِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، أي فقد يتعذر الاحتراز في زمن الشتاء عن مقدار لا يتعذر الاحتراز عنه في زمن الصيف 1، ويعفى في الرِجْل وذيل القميص عَمَّا لا يعفى عنه في الْيَدِ وَالْكُمِّ، قال الرافعي: والمعفو عنه ما لا ينسب صاحِبُهُ إلى سَقْطَةٍ أَوْ قِلَّةِ تَحَفُّظٍ، واحترز المصنف بالمتيقنِ النجاسةِ عَمَّا يغلب على الظَّنِّ اختلاطه بها لغالب الشَّوارع، فإن الأظهر فيه وفي أمثاله الطهارةُ تغليباً للأصلِ على الظاهرِ، أما غيرِ المتيقنِ إذا لم يَظن نجاسَتَهُ فَطاهر قطعاً، وَعَن قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وكذا القمل كما ذكره في الْمُحَرَّرِ، لعموم البلوى به وعسر الاحتراز، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، كذلك أيضاً وهو رَوْثُهُ، وَالأَصَحُّ، أنه، لاَ يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، لندرته وسهولة الاحتراز عنه 2. = المستدرك بلفظ قريب: الحديث (483 - 486) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وَلاَ قَلِيلِ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ، لمجاوزته محلَّهُ، ولأن البلوى به لا تعم، وبهذا ظهر الفرق بين هذا وبين ما إذا عَرق مَحِلُّ النَّجْوِ فتلوث به غيره حيث صحح الرافعي فيه العفو، وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ، أي فيما إذا يقع التلطخ به غالباً ويَعْسُرُ الاحتراز عنه؛ قَلِيلٌ، وإن زاد: فَكَثِيرٌ، لأن أصل العفو إنما اثبتناه لتعذر الاحتراز؛ فينظر أيضاً في الفرق بين القليل والكثير إليه، وعلى هذا فيختلف بالبلاد والأوقات، قال الإِمام: والذى أقطع به أنه لا بد أيضاً من أعتبار عادة الناس في غسل الثياب ويُرْجَعُ فِي هَذَا كُلِّهِ إِلَى رَأْيِ الْمُصَلِّي.
فَرْعٌ: لو كانت النجاسة متفرقة، ولو جمعت لبلغت قدراً لا يعفى عنه، ففيه احتمالان للإمام؛ وميله إلى العفو.
قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقاً, وَالله أَعْلَمُ، لأن هذا الجنس يشق الاحتراز منه في الغالب، فأُلْحِقَ نادره بغالبه.
وَدَمُ البَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ، لأن الإِنسان قَلَّ ما يخلو عنها، فلو وجب الغسل لِكُلِّ مَرَّةٍ لَشَقَّ، وَقِيلَ: إِنْ عَصَرَهُ فَلاَ، للاستغناء عنه، وَالدَّمَامِيلُ، وَالْقُرُوحُ، وَمَوْضِعُ الْفَصَدِ، وَالحَجَامَةِ؛ قِيلَ: كَالْبَثَرَاتِ، لعسر الاحتراز عن لطخها 1، = قَالَ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ.
رواه البخاري معلقاً في كتاب الوضوء من الصحيح: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر.
قال ابن حجر: وهذا التلعيق وصله ابن أبي شيبة وغيره بنحوه وإسناده صحيح: ينظر: الفتح: ج 1 ص 371، وينظر: المصنف لابن أبي شيبة: النص (412).
وَالأَصَحُّ إِنْ كاَنَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِباً فَكَالاِسْتِحَاضَةِ، أى فيحتاط له بقدر الإمكان كما فيها، ويعفى عما يتعذر أو يشق من غير جريان خلاف، وَإلاَّ فَكَدَمِ الأَجْنَبِيِّ، لأنها تندر بخلاف البثرات، فَلاَ يُعْفَى، عنه أي عن دم الأجنبي لانتفاء المشقة فيه، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، أي وهو ما عده الناس عفواً؛ لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو؛ فيقع القليل منه وفي محل المسامحة.
قُلْتُ: الأَصَحُّ أَنّهَا، أي الدَّمَامِيْلُ إلى أخر
ما تقدم، كَالبَثَرَاتِ, لما سلف، وَالأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الأَجْنَبِيِّ، وَالله أَعْلَمُ، لما سلف أيضاً، قُلْتُ: ويستثنى من الدماء دم الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما فلا يعفى عن شيء منه قطعاً كما أشار إليه صاحب البيان، وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ، أي في جميع ما ذكرناه في نفسه وأجنبي، لأنهما دمان استحالا إلى زيادة فساد، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالْمُتَنَفِّطُ الَّذِي لَهُ رِيحٌ، قياساً على القيح والصَّدِيدِ،
وَكَذَا بِلاَ رِيحٍ فِي الأَظْهَرِ، لأنه تحلل بعلَّة فهو كالقيح والصديد الذي لا رائحة له.
• أمَّا الْحَجَامَةُ والبزق وقليل الدم، فإنها ليست بحدث؛ وعلق البخاري في صحيحه قال: قال طاووس ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وعطاءُ وأهلُ الحجاز: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ.
قال ابن حجر: طاووس ابن كيسان التابعي المشهور: وأثره هذا وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ولفظه: (أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى فِي الدَّمِ وُضُوءاً؛ يَغْسِلُ عَنْهُ الدَّمَ وَحَسْبُهُ) إهـ. وهو كما قال؛ أسنده ابن أبي شيبة في الكتاب المصنف: النص (1473) وفيه: (الدَّمُ السَّائِلُ وُضُوءاً).
وقال في الفتح: ومحمد بن علي أي ابن الحسين بن على أبو جعفر الباقر: وأثره هذا رويناه موصولاً في فوائد الحافظ أبي
بشر المعروف بسمويه من طريق الأعمش، قال: سألت أبا جعفر الباقر عن الرُّعَافِ، فقال: لو سال نهر من دم ما أعدت منه الوضوء.
وعطاء هو ابن أبي رباح، وأثره هذا وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه.
وأما رأي أهل الحجاز فقال: رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد بن جبير، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيَّب، وأخرجه إسماعيل القاضي من طريق أبي الزناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهو قول مالك والشافعي.
ينظر: الكتاب المصنف: الباب (167) بنصوصه: من كان يرخص فيه ولا يرى فيه وضوءاً.