عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجصفحات 568-607

اَلْحَجُّ: هُوَ لُغَةً القَصْدُ، وشرعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسِكِ الآتي بيانُهُ، وَالأَصْلُ فيه قَبْلَ الإِجْمَاعِ وَالسُنَّةِ الشَّهِيْرَةِ الصَّحِيْحَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا... ﴾ الآية 1 وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 2 وقال ابن إسحق: ولم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيت صلوات الله عليهم؛ وحكى بعض من ألَّفَ في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبًا على الشرائع قبلنا؟ وادعى أن الصحيح أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، وهو غريب.
وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر مرفوعًا [أَنَّ الْحَاجَّ حِيْنَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ أَنَّ رَاحِلَتَهُ لاَ تَخْطُو خُطْوَةً إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةً، فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ؛ فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أُنْظُرُواْ إِلَى عِبَادِيَ أَتوْنِي شُعْثًا غُبْرًا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجَ، وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ لاَ يَدْرِي أَحَدٌ مَا لَهُ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا قَضَى آخِرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ] رواه الأزرقي في تاريخ مكة من حديث أنس بزيادة وقال: [لاَ تَضَعُ نَاقَتُكَ خُفًّا وَلاَ تَرْفَعُهُ إلَّا كَتَبَ اللهُ لَكَ بِهِ حَسَنَةً وَمَحَى عَنْكَ سَيِّئَةً، وَأَمَّا رِكْعَتَاكَ بَعْدَ الطوَافِ فَعِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ وِلْدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فَيَعْدِلُ سَبْعِيْنَ رَقَبَةٌ] وزاد في الوقوف [أَفِيْضُوا عِبَادِيَ مَغْفُورًا لَهُمْ

وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ، وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَيَغْفِرُ لَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا كَبِيْرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوْبِقَاتِ، وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ] وقال في الطواف [فَيَأْتِي مَلَكٌ فَيَضَعُ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ وَيَقُولُ لَكَ: إِعْمَلْ لِمَا بَقِيَ فَقَدْ غَفَرَ لَكَ مَا مَضَى] وعن ابن مسعود رفعه: [مَنْ جَاءَ حَاجًّا يُرِيْدُ وَجْهَ اللهِ فَقَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشُفِّعَ فِيْمَنْ دَعَا لَهُ] ذكره المنذري في جزئه وفيه أيضًا عن جابر رفعه: [مَنْ قَضَى نُسَكَهُ وَسَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ].
وفيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها رفعته: [إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ كَانَ فِى حِرْزِ اللهِ؛ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ نُسَكَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ] وإنفاق الدرهم الواحد في ذلك الوجه يعدل أربعين ألف ألف فيما سواه (•)، قال: هُوَ فَرْضٌ، أي مفروض بالإجماع، وَفُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ، لما روى عن أصحاب السنن الأربعة عن أبي رَزِيْن العُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِعُ الْحَجَّ وَلاَ الْعُمْرَةَ وَلاَ الظَّعْنَ.
قَالَ: [حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ] صححه الترمذي وابن حبان والحاكم 1، قال الإِمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود منه ولا أصح 2، (•) في هامش نسخة (3): بلغ مقابلة.

والثانى: أنها سُنَّةٌ لحديث [وَإِنْ تَعْتَمِرُواْ فَهُوَ أَفْضَلُ] ضعفوه، وأُنْكِرَ على الترمذيِّ تصحيحه 1، وحكى عن بعض الحنفية أنها فرض كفاية وهو غريب.
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ، أي صحة ما ذكرت من الحج والعمرة: الإِسَلاَمُ، أي لا غير فلا يصح من كافر كغيره من الفروع ولا يصح له أيضًا لعدم أهليته، فَلِلْوَليِّ أنَ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوحَاءِ فَقَالَ: [مَنِ الْقَوْمُ؟ ] فَقَالُواْ: مُسْلِمُونَ فَقَالُواْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: [رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ إِلَيْهِ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: [نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ] 2، وَالَمَجْنُونَ، قياسًا على الصَّبيِّ، والأصح أن الولي الذي يحرم عنهما هو ولي مالهما على الترتيب، ولا يصح من الأُمِّ إلا أن تكون وصية، ولا يشترط كون الولي حلالًا ولا حضور الصبي على الأصح ولا يصير الولي باحرامه عن الصبي محرمًا.
فَرْعٌ: لو أذن الولي لمن يحرم عنه؛ فالأصح من زوائد الروضة الجواز.
فَرْعٌ: إذا أحرم الولي عن الصبي أحضره المواقف وأمره بأن يأتي بما يقدر عليه.
فَرْعٌ: لو أحرم عن الصبي المميز وليُّهُ؛ صحَّ على الأصح أيضًا؛ خلافًا لما وقع في = على وجوب العمرة نظر.
فإنها صيغة أمر للولد؛ بأن يحج عن أبيه ويعتمر، لا أمر له بأن يحج ويعتمر عن نفسه.
وحجته عن أبيه ليس بواجب عليه؛ بالاتفاق.
فلا يكون صيغة الأمر فيها للوجوب.
إنتهى.

شرح مسلم للمصنف من تصحيح المنع 1. فَرْعٌ: المغمى عليه لا يصح الإحرام عنه كما أفهمه تقييدُ المصنف بالصبي والمجنون.
وَإِنَّما تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ، كسائر عباداته وينبغى للصبي أن يستأذن وليه 2، فإن لم يَسْتَأْذِنْهُ وَاسْتَقَلَّ (•) بِالإِحْرَامِ لم يصح على الأصح؛ لأنه يفتقر إلى المال وهو محجور عليه فيه.
وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلاَمِ، أي وعمرته، بِالْمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ، فَيُجْزِىُء حَجُّ الْفَقِيرِ، كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، ومراده المكلف من حيث الجملة لا المكلف بالحج، دُونَ الصَّبِيَّ وَالْعَبْدِ، بالإجماع ومحله إذا حصل البلوغ والعتق بعد الفراغ من الحج فإن حصل قبل الوقوف أجزاهما، نعم لو سعى بعد القدوم أعاده على الأصح، لوقوعه في حال النقصان، وإن حصل بعده وعاد إليه في وقته أجزاهما وإلّا فلا على الأصح.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الإِسْلاَمُ، وَالتَّكْلِيفُ، وَالْحُرِّيَّةُ 3 وَالاِسْتِطَاعَةُ، بالإجماع،

نعم المرتد يجب عليه لالتزامه إياه بإسلامه، وإذا اجتمعت هذه الشروط وجب مرة على التراخى خلافًا للأئمة الثلاثة، وَهِيَ نَوْعَانِ: • أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، أي حتى السُفْرَةُ كما قاله القاضى، وَمُؤْنَةِ ذِهَابِهِ وَإيَّابِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لما سُئل عن السبيل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: [الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ] رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين 1، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ لَمْ تُشْتَرَطْ نَفَقَةُ الإِيَابِ، لأن البلاد في حقه سواء، والأصح الاشتراط وهو نصه في الإملاء، لما في الغربة من الوحشة، والخلاف جارٍ في اشتراط الراحلة للرجوع.
والأَهْلُ: هو كُلُّ مَن تلزمه نفقته، والعشيرة: الأقارب، ولو قال المصنف أهل أو عشيرة بـ (أو) كما فعل في الروضة كان أَولى، فَلَوْ كَان يَكْتَسِبُ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَفِي بِزَادِهِ، وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ، لَمْ يُكَلَّفِ الْحَجَّ، لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض، وبتقديرٍ أن لا ينقطع، فالجمع بين الكسب والسفر تعظم فيه المشقة، وَإِنْ قَصَّرَ وَهُوَ يَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامِ كُلِّفَ، لانتفاء المشقة وقدرته على الكسب المذكور في الحضر هل يلحق بالسفر، فيه نظر.
الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ، أي ملكًا أو إجارة، لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، للحديث السالف قريبًا، وسواء قدر على المشي أم لا، والراحلة هنا كل ما يركب = وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
• وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: اِحْفَظُواْ عَنِّي، وَلاَ تَقُولُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ! [أَيَّمَا عَبْدٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ اُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجٌّ].
رواه ابن أبي شيبة في المصنف: كتاب الحج: باب في الصبي والعبد: الحديث (14872) وإسناده صحيح.

من الإبل ذكرًا كان أو أنثي وفي معناها الحمولة من برذون ونحوه، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقّةٌ شَدِيدَةٌ اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الآخَرِ، دفعًا لمشقة الركوب كما اعتبرت الراحلة دفعًا لمشقة المشي، ويفهم من هذا أنه لو شق عليه ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة 1، قُلْتُ: وبه صرح ابن الصباغ، وضابط المشقة أن يكون ضررًا موازيًا للضرر الذي بين الركوب والمشى، وإنما اعتبر وجود شريك لتعذر ركوب شق لا يعادله شيء، والظاهر أنما يحتاج إليه في سفره كالزاد وغيره يقوم مقام الشريك وكذا الأمتعة المستأجر على حملها، وذكر المحاملي وغيره من العراقيين أن في حق المرأة يعتبر المحمل، وأطلقوا القول فيه لأنه أستر لها وأليَق بحالها.
وَمَن بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، لعدم الضرر، فَإِنْ ضَعُفَ فَكَالْبَعِيدِ، أي فيما سلف لوجود الضرر، وخرج بالمشي الحبو فإنه لا يلزمه وإن أمكن على الأصح.
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَن دَيْنِهِ، أي حالًا ومؤجلًا ولو رضي صاحبه بتأخيره؛ لأن الْمَنِيَّةَ قَدْ تَحْتَرِمَهُ فتبقى ذِمَّتُهُ مشغولة مرهونة، ومقتضى كلامه أنه لا فرق بين دَين الله ودَين الآدمي، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَفَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، كيلا يضيعوا، وَالأَصَحُّ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ، وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ، أي لزمانته أو لمنصبه كما يبقيان عليه في الكفارة، وعلى هذا لو كان معه نقد يريد صرف إليهما مكن، وظاهر كلامه اعتبارهما، ولو كانت المرأة مُزَوَّجَةً لاحتمال انقطاع الزوجية، أو كان الشخص يسكن بيتًا في مدرسة ونحوها، والثانى: لا يشترط؛ بل يباعان؛ لأن الاستطاعة مُفَسَّرة في الخبر بالزاد والراحلة وهذا وَاجِدٌ لَهُمَا، والفرق بين الحج والكفارة أن العتق في الكفارة له بدل معدول إليه، والحج بخلافه، وهذا ما حكى عن نصه في الأُمِّ، فإن قلنا بالأَوَّل فذلك فيما إذا كانت الدار

مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله والعبد عبد مثله، أما إذا أمكن بيع بعض الدار وَوَفى ثَمَنهُ بِمُؤْنَةِ الْحَجِّ أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما لوفى التفاوت بمؤنة الحج فإنه يلزمه ذلك، وَأنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تجَارَيهِ إِلَيهِمَا، أي إلى الزاد والراحلة، وإن بطلت تجارته؛ كما يُكَلِّفُ صرفه في الدَّين، ويخالف السكن والخادم فإنه يحتاج إليهما في الحال وما نحن فيه يتجدد خيره، والثاني: لا؛ لئلا يلتحق بالمساكين؛ وهو ظاهر فيما إذا لم يكن له كسبٌ.
فرعٌ: تَبْقَى لِلْفَقِيهِ كُتُبُهُ.
الثالِثُ: أَمْنُ الطْرِيق، لأن خَوْفَهُ يَنْفِى اسْتِطَاعَةَ السَّبِيلِ، والأمن في كل مكان على حسب ما يليق به، ولا بد من اشتراط رفقة تخرج معه وقت العادة إن احتيج إليها، فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا؛ أَوْ عَدُوًّا؛ أَوْ رَصَدِيًا، أي وهو الذي يرقب الناس مسلمًا كان أو كافرًا، وَلاَ طَرِيقَ سِوَاهُ لَم يَجِبِ الحَجُّ، لحصول الضرر ولو كان الرَّصَدِىُّ يرضى بشيء يسير فلا وجوب أيضًا، وَالأظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحرِ إِن غَلَبَتِ السَّلاَمَةُ، أي فإن غلب الهلاك أو استوى الأمران لم يجب قياسًا على البر في الحالين، والثاني: لا يجب مطلقًا للخطر، والثالث: يجب مطلقًا لعموم الأدلة، هذا كله إذا لم يكن في البر طريق آخر؛ فإن كان فيلزمه قطعًا، نَعَمْ؛ لو امتنع سلوك البر لعارض كجدب أو عطش فجزم الجوري بأنه لا يجب ركوب البحر؛ بل ينتظر زوال العارض.
فَرْعٌ: ليست الأنهار العطمة كجيحون 1 في حكم البحر على الأصح، لأنَّ الْمُقَامَ فيها لا يطول والخطر فيها لا يعظم.
فَرْعٌ: لو كان البحر مغرقًا أو كان قد اغتلَمَ وهاجَ حُرِّمَ ركوبهُ لكل سفرٍ.
وَأنَّهُ يَلْزَمُهُ أجْرةُ البَذرَقَةِ، لأنها من أهب الطريق مأخوذة بحق فكانت

كالراحلة، وينبغى أن يتقيد بأجرة المئل، والثاني: لا، لأنه خسران لدفع الظلم فأشبه التسليم إلى الظالم، وهذا هو المنصوص كما نقله ابن الرفعة، قال: وهو ما أورده العراقيون والفاضى، والبذرقة بذال معجمة ومهملة: الْخُفَارَةُ فارسية أُعربت، وقوله (وَالأظْهَرُ) خالف فيه في الروضة فعبر بالأصح وهو أصوب.
ويشتَرَطُ وُجُود الماءِ وَالزادِ في الْمَوَاضع المُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ المِثْلِ وَهُوَ الْقَدر اللائقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزمَانِ وَالمَكَانِ، أي وإلا عظمت المؤنة، وَعَلَفَ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ، لأن المؤنة تعظم أيضًا في حمله لكثرته، وفي ذلك نظر، وينبغى اعتبار العادة فيه كالماء.
وَفِي الْمَرأةِ أَن يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ، أي إما بنسب أو غيره 1، أَوْ نِسْوَة ثِقَاتٌ، لأن سفرها وحدها حرام، وإن كانت في قافلة لخوف استمالتها وخديعتها، وفي الصحيح اعتبار الزوج أو الْمَحْرَمِ، وأما النسوة الثقات فلأنهن إذا كثرن انقطع الأطماع عنهن بخلاف غير النسوة الثقات وهذا في حج الفرض، أما النفل فليس لها الخروج إلى سائر الأسفار مع النساء الخلص في الأصح المنصوص، بل رأيتُ في الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنها لا تحج متطوعة إلّا مع ذي مَحْرَمٍ هذا لفظه، وما جزم به الشيخ من اشتراط النسوة هو شرط للوجوب،

أما الجواز فيجوز لها أن تخرج لأداء حجة الإسلام مع المرأة الثقةِ كما قاله الماوردي وغيره، وينبغي الاكتفاء بالعبد، لأنهم ألحقوهُ في النظر بالْمَحْرَمِ، وظاهر كلام المصنف يقتضى اشتراط ثلاث نسوة غيرها ويظهر الاكتفاء باحتماع ثلاثة بها، ويقتضي اشتراط بلوغهن؛ لأن الصبية ليست بثقة، وهل ذلك شرط في المحرم وغيره ممن يخرج معها أم لا؟ فيه نظر.
وَالأصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لأِحدَاهُن، لما تقدم من انقطاع الأطماع عنهن عند كثرتهن، والثاني: يشترط؛ لأنه قد ينوبهن أمر فيستعنَّ به، والزوج عند هذا القائل كالمحرم بخلاف ما يوهمه كلام المصنف والرافعى، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ المَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا، كأجرة المبذرق وأَولى باللزوم، والثاني: المنع؛ وأجرة الزوج يظهر إلحاقها بأجرة المحرم، وهو صريحُ إيراد الحاوي الصغير، وفي أجرة النسوة نظر.
فَرْعٌ: لو امتنع الْمَحْرَمُ من الخروج بالأجرة؛ لا يجبر عليه؛ ذكره الرافعى في حد الزنا.
فَرْعٌ: الخنثى المشكل لا يلزمه الحج إلّا إذا كان له محرم من الرجال أو النساء يخرجون معه ولا أثر لنسوة ثقات؛ فإنه لا يجوز له الخلوة بهن.
الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أي أو المحمل، بِلاَ مَشَقةٍ شَدِيدَةٍ، أي فإن لم يثبت أصلًا أو كان يثبت ولكن بمشقة شديدة فليس له استطاعة المباشرة سواء فرض ذلك لمرض أو غيره 1، وَعَلَى الأعْمَى الحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، أي مع الزاد والراحلة لاستطاعته حينئذ، وَهُوَ، أي القائد، كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرأَةِ، أي فيأتي فيه ما سلف.

فَرْعٌ: يجب أيضًا على مقطوع اليدين والرجلين إذا وجد مُعينًا وأمكنه الثبوت على الراحلة بلا مشقة.
وَالْمَحْجُورُ عَلَيهِ بِسَفَهٍ كَغَيرِهِ، في وجوب الحج لقيام التكليف به، لَكِنْ لاَ يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ، لئلا يبذره، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَليُّ، أي لينفق عليه في الطريق بالمعروف ويكون قوامًا عليه، أَوْ يَنْصِب شَخْصًا لَهُ، لقيامه مقامه، ويظهر أن يلتحق الخارج معه بمحرم المرأة فيما سلف.
تَنْبِيهٌ: أهمل المصنف شرطًا خامسًا وهو سعة الوقت لتمكنه من السير لأدائه، وقد أهمله الغزالي واستدركه الرافعي عليه، وأما ابن الصلاح فأنكر على الرافعي وقال: إنه شرط لاستقرار الوجوب لا للوجوب ورده عليه في الروضة، نعم كلام الماوردي موافق لما قاله ابن الصلاح 1. • النؤعُ الثانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحصيلِهِ بِغَيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٍّ، أي حجة الإسلام وغيرها وكذا العمرة، وَجَبَ الإحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ ترِكَتِهِ، لأن امرأة قَالَت: يا رَسُولَ اللهِ إِنَ أمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ قطْ أَفَأحُج عَنْهَا؟ قَالَ: [حُجِي عَنْهَا] رواه مسلم 2 وفي البخارى مثله في النذر، وقوله من تِركَتِهِ فيه إشارة إلى أنه عند عدمها لا يجب على الوارث ولا على بيت المال، ولو مات بعد الوجوب وقبل التمكن من الأداء لم يقض من تِركَتِهِ على الأصح.

فرعٌ: لو مات المرتد وقد وجب عليه الحج هل يُخرج من تركته أم لا؟ فيه احتمالان للروياني وجزم به ابن الرفعة بالمنع وهو الظاهر لاستحالة وقوعه عنه.
وَالْمَغضُوبُ العَاجِزُ عَنِ الحَجِّ بِنفْسِهِ، أي حالًا ومالًا، إِن وَجَدَ أجْرَةَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأجرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ، لأنه مستطيع حينئذ بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل الأموال وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يحسن البناء: فلان يستطع بناءَ داره إذا كان قادرًا على ما يبذله في ذلك، وأنه إذا صدق أنه مستطيع وجب عليه للآية وأيضًا ففي الصحيحين من حديث ابن عباس أَنَّ امْرأةَ مِن خثعم قَالَت: يَا رَسولَ الله إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَذرَكَتْ أبِي شَيخًا كَبِيْرًا لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثبتَ عَلَى الراحِلَةِ أفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قال: [نَعَمْ] وذلك في حَجَّةِ الوَدَاع، متفق عليه 1. فَرْعٌ: يُستثنى المعضوبُ إذا كان بمكةَ أو بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ لا يجوز له الاستنابة؛ لأن المشقة لا تكثر عليه قاله المتولي.
ويشْتَرَطُ كَونُهَا، يعني الأجرة، فَاضِلَةً عَنِ الحَاجَاتِ المَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لاَ يُشتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذِهَابًا وَإِيَّابًا، لأنه إذا لم يفارق أهله يمكنه تحصيل نفقتهم ونفقته كنفقتهم كما حكاه ابن الرفعة عن البندنيجي، ولا خلاف أنه يشترط أن يكون فاضلًا عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار، ولو عبَّر المصنف بالمؤنة بدل النفقة لكان أشمل، وَلَو بذلَ، أي أعطى، وَلَدُهُ أَؤ أَجنَبِي مَالًا لِلأجْرَةِ لَمْ

يَجِب قبولُهُ فِي الأصَحِّ، للمنة، والثاني: يجب لحصول الاستطاعة، والخلافُ في غير الوَلَدِ مرتبٌ على وجوب الحجِّ بطاعتهِ وَأَوْلَى بأنْ لاَ يجب قاله في البيان.
فَرْعٌ: بذلُ الأبِ المَالَ لِلاِبنِ كَعَكْسِهِ عَلَى الأصَحِّ من احتمال الإمام.
فرعٌ: لو استأجرَ المطيعُ إنسانًا للحج عن المطاع المعضوب وكان للمطيع ولدٌ ألزمَهُ المطاعُ الحجَّ لتمكنه منه كما صححه المتولي وأقرَّهُ عليه في شرح المهذب.
وَلَو بَذَلَ الوَلَدُ الطْاعَةَ وَجَبَ قُبُولُهُ، أي وهو إذنه له في الحج لحصول الاستطاعة، وهذا إذا كان الولدُ راكبًا، فإنْ كانَ ماشيًا فلا يجب على الأصح مِن زوائدِ الروضة، لأن مشيَ ولده يشق عليه، وحكم التعويل على الكسب أو السؤال حكم المشي كما أجاب به صاحب الحاوى الصغير، وَكَذَا الأجنَبِي فِي الأصَحِّ، لحصول الاستطاعة كالولد، والثاني: لا يجب؛ لأن الولد بضعة منه فنفسه كنفسه بخلاف غيره.
فَرْعٌ: الأخ كالأجبى؛ وكذا الأب فِى الأصح.
فرعٌ: يشترطُ في المطيع أنْ لا يكون صَرُورَةً 1 وهو الذي لم يحج ولا معضوبًا، وأن يكون موثوقًا بصدقه، زاد القفال: وبقاء المطيع على الطاعة مدة إمكان الحج؛ فلو رجع قبله فلا وجوب.
فرعٌ: إِذَا تَوَسَّمَ الأبُ أَثَرَ الطاعَةِ لَزِمَهُ الالْتِمَاسُ عَلَى الأصَحِّ إذا وثق بالإجابةِ لحصولِ الاستطاعةِ (•).

بَابُ المَوَاقِيتِ

اَلْمَوَاقِيتُ: جَمْعُ مِيْقَاتٍ، ومعناهُ لُغَة: الْحَدُّ، وَهُنَا زَمَانُ العِبَادَةِ وَمَكَانُهَا.
وَقْتُ إِحْرَامِ الحَجِّ: شوَّالٌ وَذوُ القَعدَةِ وَعَشرُ لَيَالٍ، أي بأيامها، مِن ذِي الْحِجَّةِ، كذا فسر به ابن عباس قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وجماعة من الصحابة 1، والمرادُ وقت الإحرام به، لأن فعله لا يحتاج إلى أشهر.
فَرْعٌ: إذا مات الحاج عن نفسه في أثنائه، فقولان أظهرهما: وهو الجديد لا يجوز البناء عليه، والقديم: نعم.
فعلى هذا لو مات بعد فوات وقت الإحرام؛ فقيل: يحرم النائب بعمرة، والأصح: يحرِم بحج ويأتى ببقية الأعمال، وإنما يمنع من إنشاء الإحرام بعد أشهر الحج إذا ابتدأه وهذا بينى على سابق.
وَفي لَيلَةِ النحْرِ وَجْهٌ، لأن الليالي تتبع الأيام؛ ويوم النحر لا يصح فيه الإحرام فكذلك ليلته، وفي قول: أن ذا الحجة كله وقت الإحرام وهو شاذ، فَلَو أَحْرَمَ بِلىِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انعَقَدَ عُمْرَةَ، أي مجزية عن عمرة الإسلام، عَلَى الصحِيح، أي سواءً كان عالمًا أو جاهلًا، لأن الإحرام شديد التعلق، فإذا لم يقبل الوقت ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله، والثانى: لا ينعقد عمرة؛ بل يتحلل بعمل عمرة ولا يكون ذلك مجزيًا عن عمرة الإسلام، كما لو فَاتَهُ الحجُّ، لأن كل واحد من الزمنين ليس وقتًا للحج، وقوله (عَلَى الصَّحِيْح) صوابه على الأظهر، فإنه أصحُّ الطرق فيه.
فَرْعٌ: لو أحرم بعمرة ثم يحج في غير أشهره، فلا ينعفد إحرامه حجًا، لأنه في

غير أشهره 1، ولا عمرة، لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضى أبو الطب فَصُورَةُ مسألة الكتاب حينئذ في شخص حَلاَلٍ.
وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لإحرَامِ العُمرَةِ، لوروده في أوقات مختلفة كما هو مشهور في الأحاديث، نعم: المقيمُ بمنى للرمي لا تنعقد عمرته لاشتغاله بالرمى، والمبيت؛ نصَّ عليه، ومنه يؤخذ امتناع حجتين في عام واحد، وهو إجماع كما نقله القاضى أبو الطيب.
فَرْعٌ: يستحب الإكثار منها لا سيما في رمضان [فَإِن عُمْرَةَ فِيهِ تَعدِلُ حُجَّةً مَعَهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ] كما صححه الحاكم على شرط الشيخين 2، وسمعتُ بعض مشايخنا يحكي عن قاضى القضاة بمكة نجم الدين الطبري الشافعي ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيهما أفضل؟ ثالثها: إن استغرق زمن الاعتمار بالطواف فالطواف أفضل وإلا فالاعتمار أفضل، ولم أرَ حكايتها لغيره، قال: ولو ذكر بعد رمضان عشر ذى الحجة لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَا مِنْ أيامٍ العَمَلُ

الصَّالِحُ فِيهِنَّ أحَبَّ إِلَى الله مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ] 1 لكان حسنًا.
فرعٌ: إدخال العمرة على الحج لا يجوز في الجديد كما ذكره المصنف في آخر باب دخول مكة كما سيأتي.
وَالْمِيقاتُ المَكانِيُّ لِلْحَجِّ في حَق مَن بِمَكةَ، أي افاقيًا وغيره، نَفْسُ مَكةَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس [الآتِي حَتى أَهْلُ مَكةَ مِنْ مَكةَ] 2، وَقِيلَ: كُلُّ الحَرَمِ، لأن مكةَ وسائرَ الحرمِ سواءٌ في الحرمةِ، فلو فارق بنيان مكة ثم أحرم في الحرم ولم يرجع إلى مكة إلا بعد الوقوف كان مسيئًا على الوجه الأول دون الثاني، وَأَما غَيرُهُ فَمِيقَاتُ المُتوَجِّهِ مِنَ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ؛ وَمِصرَ؛ وَالمَغْرِبَ اَلْجُحفَةُ، وَمِن تِهَامَةِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجدِ اليَمَنِ؛ وَنَجدِ الحِجَازِ قَرْنٌ، وَمِنَ الْمَشرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ، لحديث ابن عباس لذلك في الصحيحين وهذا لفظه [وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأهلِ المَدِينةِ ذَا الحُلَيفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحفَةَ، وَلأهْلِ نَجْدٍ قَرن المَنَازِلِ وَلأهْلِ الْيَمَنِ يَلَملَمَ] 3 وأما مصر وذات عِرْقٍ ففي النسائي من حديث عائشة 4، وأما المغرب ففي رواية مرسلة أخرجها الشافعى - رضي الله عنه - وقد وصلها مرة

في حديث آخر عن أحمد أن هذه المواقيت وقت عام حجة الوداع؛ لكن مع الشك في الرفع واضطرب نقل الرافعي والمصنف في أن ذات عرق هل هى ميقات بالنص أو باجتهاد عمر - رضي الله عنه - كما أوضحته في الأصل؛ والأفضل لأهل المشرق أن يهلوا من العقيق 1. تَنْبِيهٌ: الأجِيْرُ يُحْرِمُ مِنْ مِيْقَاتِ مُستَأجرِهِ؛ لاَ مَا مَرَّ بِهِ؛ ذَكَرَهُ شارح التعجيز وحكاه في الكفاية عن الفوراني بزيادة: أنه يُحْرِمُ أيضًا مما بإزائه الأبعد وأقرَّه عليه.
وَالأفضل أن يُحرِمَ مِنْ أَوَّلِ المِيقَاتِ، ليقطع الباقى محرمًا، ويجُوزُ مِن آخِرِهِ، لصدق الاسم عليه، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا، أي في البر أو البحر، لاَ يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ، فإن حَاذَى مِيقَاتًا أحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتهِ، اتباعًا لِعُمَرَ - رضي الله عنه - في ذلك في البخاري من غير إنكار 2 فإن اشتبه عليه موضع المحاذات اجتهد، أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالأصَحُّ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذاةِ أبعَدِهِمَا، أي عن مكة وهو الأقرب إليه الذي يحاذيه، وليس له الانتظار إلى الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتى من المدينة أن يجاوز ذا الحليفة لِيُحرِمَ مِنَ الجُحفَةِ، والثاني: أن يتخير إن شاء أحرم من الوضع المحاذى لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما؛ لأنه لم يمر على ميقات منصوص عليه فتركه وقد أحرم محاذيًا للميقات، وَإِن لَم يُحَاذِ، أي في علمه، أَحرَمَ عَلَى مَرحَلَتَيْنِ مِن مَكْةَ، لأنه لا شئ من المواقيت أقل مسافة من هذا القدر وهذا من تخريج الإمام.
وَمَنْ مَسكنة بَينَ مَكةَ وَالميقاتِ؛ فَمِيقَاتُة مَسكَنُهُ، يعني القرية التي يسكنها

والحلة التى ينزلها البدوىِ لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في الحديث السالف بعد ذكر المواقيت: [فَمَن كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أنشَأ] 1. وَمَن بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، أي ولا يكلف العود؛ فإن جاوزه غير محرم كان كمجاوزة الميقات، وِإن بَلَغَهُ مُرِيدًا لَم تَجُز مُجَاوَزَتهُ بِغَيرِ إِحرَام، بالإجماع، والمراد هنا المجاوزةُ إلى جهة الحَرَمِ، فأمَّا إذا جاوزه إلى جهة يمينه أو يساره وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد؛ فإنه يجوز؛ ذكره الماوردي، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ العَودُ لِيحرِمَ مِنْهُ، أي وكذا من ميقات آخر مثل مسافته، صرح به الإمام، وإذا عاد فلا دمَ عليه، وكلام المصنف يوهم عدم وجوب العود إذا أحرم؛ وليس كذلك، ووجوب تأخير الإحرام إليه، وليس كذلك أيضًا، لأن الصحيح أن العود بعد الإحرام مسقط للدم كما سيأتى، فله أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطع المسافة محرمًا.
إلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقتُ أَوْ كَان الطرِيقُ مُخَوفًا، أي فإنه لا يلزمه لخوف الضرر ويريق دمًا، وكذا لو خاف الانقطاع عن الرفقة أو كان به مرض شاقٌّ لما قلناه، فَإن لَم يَعُدْ لَزِمَهُ دمٌ، لقول ابن عباس - رضي الله عنه -[مَنْ نَسِىَ مِنْ نُسُكِهِ شَيئًا أَو تَرَكَهُ فَلْيُهرِق دَمًا] رواه مالك 2. فَرْعٌ: لو أحرم بعد المجاوزة بالعمرة لزمه الدم في أيّ وقتٍ أحرمَ؛ لأن العمرة لا يَتأقَتُ وَقْتُهَا، أو بالحج؛ فإن كان في سَنَتِهِ فكذلك، وإن حج من السَّنَةِ الثانية فلا، لأن إحرام هذه السَّنَةِ لا يصلح لحج سَنَةٍ قَابِلَةٍ أخرى؛ قاله القاضى والبغوي.
وإن لم يُحْرمْ أصلًا، لم يلزمه شيء، قاله الماوردي، لأن الدم إنما يجب لنقصان النسك لا بدلًا منه.

وِإن أَحرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالأصَحُّ أنَّهُ إِنْ عَادَ قَبلَ تلَبسِهِ بنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، لقطع المسافة من الميقات محرمًا وأداء المناسك بعده، وَإلّا فَلاَ، لِتَأدِّيهِ بإحرامٍ ناقص؛ ولا فرق بين أن يكون ذلك النسُكُ ركنًا أو سُنة، وهذا التفصيل هو ظاهر المذهب عند الأكثرين، وقيل: وجهان أو قولان: وجه عدم السقوط تَأكدُ الإساءة بإنشاء الإحرام من غير موضعه.
وكان ينبغى للمصنف التعبير بالمذهب بدل الصحيح كما قررناه وكما فعل في الروضة.
تَنْبِيْهَانِ: الأوَّلُ: ظاهر كلامه يقتضي أن الدم وجب ولكن سقط بالعود، وهو وجه في الحاوي؛ وصحح: أنه لا يجب إلا بفوات العود، والثاني: الجمهور؛ كما قال في شرح المهذب: لم يتعرضوا لزوال الإساءة بالعود، وفي البيان بعد حكاية وجهين: أن الظاهر أنه لا يكون مسيئًا، وبه جزم الروياني، وقيد المحاملى ذلك بأن تكون المجاوزة بنية العود.
وَالأفضَلُ أَن يُحرِمَ مِن دُويرَةِ أَهلِهِ، لأنه أكثر عملًا، وَفِي قَولٍ: مِنَ المِيقَاتِ، لِلتْأسِّي بِهِ -صلى الله عليه وسلم -؛ فَإنهُ أحرَمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاع مِنْهُ بالإجماع 1. قلْتُ: اَلمِيقَاتُ أَطهَرُ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلأحَادِيثِ الصحِيحَةِ، وَالله أعلَمُ، وهو كما قال: بل أطلق جماعة الكراهة على تقديم الإحرام على الميقات.
وَمِيقَاتُ العُمرَةِ لِمَن هُوَ خَارِجَ الحَرَمِ مِيقَاتُ الحَجِّ، لقوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ في حديث ابن عباس - رضي الله عنه - السالف، ممن أراد الحج والعمرة، وَمَن بِالحَرَمِ، أي مكيًّا وغيره، يَلزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى أدنَى الحِلِّ وَلَو بِخَطْوَةٍ، أي من أي جهة شاء من جهات الحرم، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التنْعِيمِ] 2، فلو

لم يكن الخروج واجبًا لاعتمرت من مكانها، لضيق الوقت.
وقد يوهم قوله (وَلَو بِخَطْوَةٍ) أنها أقل ما يكفي فليس كذلك.
فَرْعٌ: إذا أرادَ مَنْ بِمَكةَ القِرَانَ كفاهُ الإحرامُ مِنْ مَكةَ على الأصح تغليبًا للحج.
فإن لَم يَخْرُجُ؛ وَأَتَى بِأفعَالِ العُمرَةِ؛ أَجْزَأَتْهُ فِي الأظْهَرِ، لأن إِحْرَامَهُ قد انعقد وأتى بعده بالأفعال الواجبة، وَعَلَيهِ دَمٌ، لتركه الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزيه، لأن العمرة أحد النسكين، فيشترط فيه الجمع بين الحل والحرم كما في الحاج، ورأيتُ في الأم بَعْدَ نَصِّهِ على هذين القولين أن هذا أشبههما، ولم يذكر ترجيحًا في المسألة غيره فَتَنَبَّة لَهُ، والقولان متفقان على انعقاد إحرامه؛ وحكاهما الفورانى في انعقاده وهو مُؤَوَّلٌ.
فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الحِل بَعدَ إِحْرَامِهِ، أي وقبل الطواف والسعي، سقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن المسئ هو الذي ينتهي إلى الميقات على قصد النسك ثم يجاوزه، وهذا المعنى لم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف في عود من جاوز الميقات إليه محرمًا، فعلى الأول الواجب هو خروجه إلى الحل قبل الإعمال، أما في ابتداء الإحرام أو بعده، بل نصَّ المحاملي في مجموعه والجرجاني في تحريره: أنه يستحب فعله قبل الخروج؛ وهو غريب.
وعلى قولنا لا يسقط الدم الواجب؛ هو الخروجِ في ابتداء الإحرام، وقوله (سَقَطَ) يأتى فيه ما سلف في الحج وإن لم أرهُ منقولًا هنا، نعَمْ عبارةُ المهذب: لم يلزمه دمٌ؛ وعبارة البيان: لا شئ عليه.
ثُمَّ اعْلَمْ: أن هذا إذا خرج إليه بقصدِ النسُك، أما إذا خرج لبعض أشغاله، فالحكم كذلك أيضًا كما قاله القفال وبه أجاب البغوي.
وَأَفضَلُ بِقَاع الحِلِّ الجِعرَانَةُ، أي لمن أراد الاعتمار [لإِحْرَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ الحديث (1516)، وفي رواية: قَالَت: يَا رَسُولَ الله اعتمَرتُم وَلَم أعْتَمِرْ؟ فَقَالَ: [يَا عَبْدَ الرحْمَنِ؛ اذهَبْ بِأختِكَ فَأعمِرْهَا مِنَ التنْعِيمِ].
رواه البخاري: الحديث (1518).

وَالسلاَمُ مِنْهَا] متفق عليه (1054). ثُمَّ التْنْعِيمُ، لأنه عَلَيهِ الصلاَةُ وَالسلاَمُ [أَمَرَ أخَا عَائِشَةَ رَضِىَ الله عَنْهَا أنْ يَعْمِرَهَا مِنْهُ] متفق عليه أيضًا (1055). ثُمَّ الحُدَيبِيَةُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أراد المدخل لعمرته منها فَصُدَّ؛ وكان إحرامه بها من ذي الحليفة، كما رواه البخارى في غزوة الحديبية في صحيحه (1056). فقدَّم الأصحابُ ما فعله؛ ثم ما أمر به ثم؛ ما هَمَّ به أي من سلوك الطريق، لا هَمُّهُ بالإحرام، كما عَلِمت.
وليس النظر فيها إلى المسافة بل إلى السُّنةِ.
خَاتِمَة: يُستحب لمن أحرم من بلده أو من مكة أن يخرج عَقِبَ إحرامِهِ، ولا يمكُثَ بَعْدَهُ.
نصَّ عليهِ كما نقله الشيخ أبو حامد.

بَابُ الإِحْرَامِ

الإحْرَامُ: هُوَ الدخُولُ فِي الحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِيْهِمَا أَوْ فِيْمَا يَصْلُحُ لَهُمَا أَوْ لأحَدِهِمَا.
يَنْعَقِدُ مُعَيِّنًا بِأنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَة أَوْ كِلَيْهِمَا، بالإجماع، وَمُطْلَقًا: بِأن لاَ يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الإحْرَامِ، لأنه أحد ما قيل في إحرام سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَالتعْيِينُ أَفضَلُ، لأنه أقرب إلى الإخلاص وليعرف ما يدخل عليه، وَفِي قَوْلٍ: الإطْلاَقُ،123

ليتمكن من صرفه إلى ما لا يخاف فوته، فإن أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيةِ، أي لا باللفظ، إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النسُكَيْنِ أوْ إِلَيهِمَا ثُمَّ اشتَغلَ بِالأعْمَالِ، أي ولا يجزى العمل قبل النية ثم هذا إذا كان الوقت صالحًا لهما، وإليه يرشد قوله (ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالأعمَالِ) أما لو ضاق الوقت؛ وخاف فوت الحج أو فات، صرفه إلى العمرة؛ قاله الروياني، وَإِنْ أَطلَقَ فِي غَيْرِ أشْهُرِهِ فَالأصَحُّ انعِقَادُهُ عُمرَةَ فَلًا يَصرُفُهُ إِلَى الْحَج فى أشْهُرِهِ، لأن الوقت لا يقبل غير العمرة، والثانى: ينعقد مُبْهَمًا فله صرفه إلى حج أو قِران، فإن صرفه إلى الحج قبل الأشهر كان كمن أحرم بالحج قبل أشهر فينعقد عمرة 1، وَلَهُ أَن يُحْرِمَ كَإحْرَامِ زَيْدٍ، لأن أبا موسى أهل بإهلال كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قدم أخبره فلم ينكر عليه، بل قال: [أحْسَنْتَ] وفعله عليٌّ كرَّم الله وجهه أيضًا وكلاهما في الصحيحين 2.

فَرْعٌ: لو عَلَّقَ على إحرام زيد في المستقبل؛ أو على طلوع الشمس ونحوه؛ ففيه وجهان؛ وميلُ الرافعي إلى الجواز.
فَإن لَم يَكنْ زَيْدٌ مُحرِمًا؛ انعَقَدَ إِحرَامُهُ مُطلَقًا، لأنه قَصَدَ الإحرامَ بصفة خاصة، فإذا بطلت الصفة بقي أصل الإحرام، وَقِيلَ: إِن عَلِمَ عَدَمَ إِحرَامِ زَيْدٍ لَم يَنْعَقِدْ، كما لو عَلَّقَ فقال: إن كان زيدٌ محرمًا فقد أحرمتُ، فلم يكن محرمًا لكن الفارق بأنه جازم بالإحرام في مسألتنا بخلاف ما إذا علق، وِإن كان زَيدٌ مُحْرِمًا انعَقَدَ إِحرَامُهُ كَإحْرَامِهِ، أي إن كان حاجًا فحج، وإن كان عمرة فعمرة، وإن كان قِرانًا فَقِرانٌ، وإن كان أحرم بعمرة بنية التمتع، كان عمرُو محرمًا بعمرة ولا يلزمه التمتع، وإن كان مطلقًا انعقد إحرامه مطلقًا، ويتخير كما يتخير زيد ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرفه إليه زيد على الأصح؛ وإن كان زيد أحرم مطلقًا ثم عينه قبل إحرام عمرو فالأصح أنه ينعقد إحرامُ عمرو مطلقًا.
فَإن تعَذْرَ مَعرِفَةُ إِحرَامِهِ، بمَوتهِ، أي وكذا بجنونه أو غيبته، جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا، أي بأن ينويه، وَعَمِلَ أَعْمَالَ الَنسُكَينِ، لأنه لا سبيل إلى الإطلاع على نية الغير والتحرى في فعله.
فصلٌ: المُحرِمُ يَنْوِي ويُلَبِّي، للحديث الصحيح المشهور [إِنمَا الأعْمَالُ بالنّيَّاتِ] ومحلها القلبُ، وكيفيتها المستحبة أن يقول بقلبه ولسانه: نَوَيتُ الحَجَّ وأحرَمْتُ بِهِ لله تَعَالَى، لبَّيكَ اللهُم لَبَّيكَ إلى آخر التلبية، ولا يجب هنا نية الفرض جزمًا.
ويستحب استقبال القِبلة عند الإحرام ويلبى أي مقترنًا بنيَّته لنفل الخلف عن السلف، فإن لبَّى بِلا نيَّةٍ لَم يَنْعَقِد إِحرامُهُ، لأن الأعمال بالنيات، وَإن نَوَى وَلَم يُلَبِّ انعَقَدَ عَلَى الصحِيح، كالطهارة والصوم في عدم اشتراط لفظ مع النية، والثاني: لا ينعقد؛ لإطباق الناس على الإعتناء بذلك عند الإحْرَامِ.
وظاهر إيراد الروياني في حكاية هذا الوجه: اشتراط المقارنة.
وُيسن الغُسْلُ لِلإحْرَامِ، للاتباع كما حسَّنه الترمذي مع الغرابة من حديث

عبد الله بن زيد بن ثابت 1 وأخرجه أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها 2، ويُكره تركه، ولا فرق في ذلك بين الحج والعمرة، والرجل والمرأة والحائض والنفساء 3، فَإِن عَجَزَ تيمَّمَ، لأن الغسل يراد للقربة والنظافة؛ فإذا تعذر أحدهما بقى الآخر، ولأنه ينوب عن الغسل الواجب، فالمندوب أَولى.
ولو ذكر المصنف هذا عقب جميع الأغسال لكان أولى لشمول الحكم لكلها.
فَرْعٌ: يستحب أن يتأهَّبَ للإحرام بحلق العانة؛ وتقليم الأظافر؛ وقص الشارب؛ ونتف الإبط، وينبغي تقديم هذه الأمور على الغسل كما في حقِّ المَيِّتِ.
وَلدُخُولِ مَكْةَ، أي حلالًا كان أو محرمًا اقتداء به - صلى الله عليه وسلم -، أما في حق المُحْرِمِ فهو في البخاري 4، وأما في حق الحلال فذكره الشافعي في الأم قال: وكان ذلك

عام الفتح 1، ورأيتُ في الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنه يُستحب أيضًا لدخول الحرم.
فَرْعٌ: لو خرج من مكة فأحرم بالعمرة واغتسل لإجرامه ثم أراد دخول مكة، فإن كان أحرم من بُعدٍ كالجعرانة والحديبية استحب الغسل للدخول، وإن أحرم من أدنى الحل كالتنعيم فلا.
وَللْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ، أي على المشعر الحرام، غَدَاةَ النحرِ، وَفِي أيامِ التشرِيقِ لِلرَّمْي، لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس فأشبه غسل الجمعة.
ولا يستحب الغسل لرمى جمرة العقبه اتفاقًا اكتفاءً بما قبله.
فَرْعٌ: زاد الشافعي في القديم أربعة أغسَال؛ لطواف القدوم؛ والإفاضة؛ والوداع؛ والحَلقِ.
وَأَن يُطيَّبَ بَدَنهُ لِلإِحرَامِ، اقتداءً به - صلى الله عليه وسلم - متفق عليه 2، وَكَذا ثَوبهُ فِي الأصَح، كالبدن، والثاني: المنع، لأن الثوب يُنْزَعُ ويلْبَسُ وإذا نزعه ثم أعادَهُ كان كما لو استأنَفَ لبس ثوب مُطيَّبٍ، والخلاف في الجواز على المشهور وحكاه المتولي في الاستحباب وهو ظاهر إيراد المصنف تبعًا لِلْمُحَرَّر، واستغربه في شرح المهذب، لكن سبقه إليه القاضي حسين؛ فأين الغَرَابة.؟ وقال المصنف في مناسكه الكبرى: الأوْلَى أن يقتصر على تطيب بدنه دون ثيابه، وأن يكون بالمسك؛ والأفضل أن

يخلطه بماء الورد أو نحوِهِ لِيُذْهِبَ جُرْمَهُ، ثم هذا الخلاف فيمن قصد تطييب الثوب، أما في مَن طيب بدنه فتعطر ثوبه فلا بأس به قطعًا.
ولا بَأسَ بِاستِدَامَتِهِ بَعْدَ الإحْرَامِ، كما في البدن، وَلا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لحديث عائشة رضي الله عنها [كَأنّى أنظُرُ إِلَى وَبِيْصِ الْمسكِ فِي مِفْرَقِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُحْرِمٌ] متفق عليه 1، وَالوَبِيصُ بالصاد المهملة الْبَرِيقُ.
لَكِن؛ لَو نَزَعَ ثوبهُ المُطَيبَ؛ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَهُ الفِديةُ في الأصَح، كما لو أخذ الطيب من بدنه ثم ردَّه إليه على الراجح، والثانى: لا؛ لأن العادة في الثوب أن ينزع ويعاد فجعل عفوًا.
وَأن تُخَضِّبُ المَرأَةُ لِلإحْرَامِ يَدَيْهَا، أي إلى الكوعين بالحناء وكذا وجهها خَلِيَّةً كَانَتْ أَوْ مُزَوجَة؛ شَابةَ أو عَجُوزًا، إذ المعنى فيه ستر لونها، فإنها مأمورة بكشف الوجه واليدين وفيه حديث في الدارقطني ليس بمحفوظ 2، وإنما يُسْتَحَبُّ التعميمُ دون التنقيش والتسويد والتطريف، واحترز بالمرأة عن الرجل؛ فإنه يحرم عليه ذلك إلا لضرورة، وعن الخنثى أيضًا احتياطًا.
وَيتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإحْرَامِهِ عَنْ مَخيطِ الثيابِ، إذ لبس للمحرم لبس المخيط على ما سيأتى؛ والصبيُّ كالرجل في ذلك، وقوله (يَتَجَرَّدُ) هو بضم الدال كما ضبطه

المصنف بخطه وصرح الرافعي بوجوبه؛ وحذفه فى الروضة؛ وفيه نظر، ويلْبَسَ إزَارًا وَرِدَاءً، للإتباع، أبيضَينِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِلبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاض فَإنهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُم] صححه الترمذي 1، وَنَعلينِ، للأمر به 2 وهما التاسومة، ويجوز عند الحنفية لبس الشرموزة والجمجم ووافقنا مالك وأحمد على المنع.
ويصَلّيَ رَكْعَتَينِ، للإتباع ويقرأُ فيهما سورة الإخلاص، وقيل: قُل يَأيهَا الكَافِرُونَ.
وتُغنى عنهما الفريضة والسُّنة الراتبة، ثُمَّ الأفْضَلُ أَن يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَت بِهِ رَاحِلتهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشيًا، لأنه - صلى الله عليه وسلم -[كَانَ إِذَا وَضَعَ رِجلَهُ في الغرَزِ وَانْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلتهُ قائِمَةً أَهَلَّ مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ] متفق عليه 3، ومعنى انبعثت استوت قائمة.
وفي مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -[أمَرَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أَحلَلنا أنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا، 4، وَفى قَولٍ: يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلاةِ، أي جالسًا لحديث مختلف فيه 5. وبه جزم الخفاف في خصاله حيث قال: يصلي ركعتين ثم يقول: اللَّهُمَّ

إِنِّى أُرِيْدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ أوِ القِرَانَ عَلَى مَا يُوحِيْهِ كِتَابُكَ وَسُنَّةُ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -. فإن كان له ما يركبه ركب ولبَّى هذا لفظه، وفي قول ثالث: أنهما سواء؛ حكاه البندنيجى وقال الإمام: ويستحبُّ لهُ أن يحرِمَ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِمَكَّةَ فَيُسْتَثْنَى.
وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لزم تلبيته [لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ... إلى آخرها] رواه مسلم 1، ولأنها من شعار الحج، وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِى دَوَامِ إِحْرَامِهِ، للأمر به كما صححه الترمذي وغيره 2، واستثنى الجويني التلبية المقترنة بالإحرام؛ فإنه لا يجهر بها، ويخرج ذلك بقيد الدوام، والمرأة تَخْفِضُ صَوْتَهَا وكذا الخنثى.
فَرْعٌ غَرِيْبٌ: يستحب لِلْمُلَبِّي عند التلبية إدخال إصبعيه في أُذنيه؛ ذكره ابن وفيه (فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ حِيْنَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ).
والترمذي في الجامع: باب ما جاء متى أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (819)، وقال: هذا حديث حسن غريب.
والنسائي في السنن: كتاب المناسك: باب العمل في الإهلال: ج 5 ص 162. وتفصيل قصة الاختلاف في رواية أبي داود في السنن.
وضعف البيهقي حديث ابن عباس وأنكر على المحتج به، وقال: خَصَيْفٌ الْجُزرِيُّ غيرُ قوى، وقد رواه الواقدى بإسناد له عن ابن عباس، إلا أنَّه لا تنفع مُتَابَعَةُ الواقديِّ، والأحاديث التي وردت في ذلك عن ابن عمر وغيره أسانيدها قوية ثابتة.
والله أعلم.
قاله في السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الحج: باب من قال يهل خلف الصلاة: الحديث (9061).

حبان من أصحابنا في صحيجه واستدل له بفعل موسى - صلى الله عليه وسلم - 1. وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأحْوَالِ؛ كَرُكُوبٍ؛ وَنُزُولٍ؛ وَصُعُودٍ؛ وَهُبُوطٍ؛ وَاختِلَاطِ رُفْقَةٍ، أي ونحوها كفراغ صلاةٍ؛ وإقبال ليلٍ أو نهارٍ؛ ووقت السحرِ اقتداءً بالسلف في ذلك.
وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ القُدُومِ، لأن فيه أدعية وأذكار خاصة فصار كطواف الإفاضة والوداع.
وَفِي القَدِيمِ تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ، لإِطلاق الأدلة؛ والخلاف جارٍ في السعى بعده، وَلَفْظُهَا: [لَبَّيْكَ اللَّهُمْ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكُ، لَا شَرِيكَ لَكَ]، للإتباع وصحَّ [لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ] أيضًا أخرجه النسائي وصححه ابن حبان ونص الشافعي في الأم على استحبابها مع ما سلف أيضًا 2، وفي كتاب أسرار الحج إن تلبية يونس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [لبَّيْكَ

فَرَّاجَ الْكُرْبِ لَبَّيْكَ] وتلبية عيسى [لبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ بِنْتُ عَبْدَيْكَ لَبَّيْكَ] وتلبية موسى [لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُكَ لَدَيْكَ لَبَّيْكَ].
وَعَلَّمَ إِبْلِيْسُ النَّاسَ التَّلْبِيَةَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ إِلَّا شَرِيْكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ.
فلم يزالوا عليها حتَّى جاء الإسلام.
ورأيتُ في الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن داود عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يقول في تلبيته [لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ] وكان من تلبية موسى [لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ لَبَّيْكَ مَرْغُوبٌ وَمَرْهُوبٌ إِلَيْكَ لبَّيْكَ] قال: وكلُّ ذلك حسن، وحكى الروياني عن الأصحاب عن بعض صلحاء السلف أنَّه كان يقول: لَبَّيْكَ أَنْتَ مَلِيْكُ مَنْ مَلَكَ مَا خَابَ عَبْدٌ أَمَّلَكَ، قال الروياني: وهو حسنٌ 1. فَرْعٌ: يستحبُّ أن يكرر التلبية ثلاثًا نسقًا؛ وأن يقف وقفة لطيفة عند قوله [وَالْمُلْكُ] وقوله [إنَّ الْحَمْدَ] الاختيار: كَسْرُ إنَّ فيه على الاستئناف، ويجوز فتحها على معنى لأنَّ والمشهورُ نَصْبُ [النِّعْمَةَ] ويجوز رفعها.
وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ: [لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ]، للاتباع 2، وَإِذَا

فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلَّمِ، لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ أَيْ لَا أُذْكَرُ إِلَّا وَتُذْكَرُ مَعِى (1078)، وَسَأَلَ الله تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ، للاتباع (1079). فَرْعٌ: من لا يحسنُ التلبيةَ بالعربية لبَّى بلسانه، قاله في الروضة.
وزاد المتولي أنه يؤمر بالتعلم ويلبِّي بلسانه إلى أن يحسن، قال: وهل مجوز بلغة أخرى مع القدرة على التلبية؟ حكمه حكم التسبيحات في الصلاة؛ لأنه ذِكْرٌ مَسْنُونٌ.

بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ زَادَهَا اللهُ شَرَفًا

مَكةُ: هِيَ أَفْضَلُ الأرْضِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِمَالِكٍ حَاشَا مَوْضِعَ قَبْرِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الأَرْضِ.
وَلَهَا اثنانِ وَعُشْرُونَ اسْمًا فَرَاجِعْهَا مِنَ اللُّغَاتِ وَالشَّرْحِ الْكَبِيْرِ، وقالَ الْمُحِبُّ الطبَرِيُّ: إنَّ بَيْتَ خَدِيْجَةَ الَّذِي بِمَكَّةَ أَفْضَلُ مَوْضِعٍ مِنْهَا بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 3.12

الأَفْضَلُ دُخُولُهَا قَبْلَ الْوقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوَى، وَيْدْخُلُهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، أي بالمد والفتح؛ للاتباع.
أما الداخل من غير طريق المدينة فيغتسل في نحو مسافته 1، ولا فرق بين أن تكون كَدَآءٍ على طريقه أو لَمْ تَكُنْ كما صححه في الروضة وغيرها، وإن كان كلامه في الكتاب تبعًا للرافعى يقتضي اختصاص الاستحباب بالداخل من طريق المدينة (وطوى مثلث الطاء يصرف ولا يصرف).
فَائِدَةٌ: رُوِيَ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند دخول مكة: [اللَّهُمَّ الْبَلَدُ بَلَدُكَ وَالْبَيْتُ بَيْتُكَ جِئْتُكَ أَطْلُبُ رَحْمَتَكَ وَأَلْزَمُ طَاعَتَكَ مُتبِعًا لأمْرِكَ رَاضِيًا بِقَدَرِكَ مُسْلِمًا لأَمْرِكَ أَسْأَلُكَ مَسْألَةَ المُضْطَر إِلَيْكَ الْمُشْفِقِ مِنْ عَذَابِكَ أَنْ تَسْتَقْبِلَنِى بِعَفْوِكَ وَأَنْ تَتَجَاوَزَ عَنِّى بِرَحْمَتِكَ وَأَنْ تُدْخِلَنِى جَنَّتَكَ].
وَيَقُولُ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: [اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَطمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا

وَبِرًّا، اللَّهُمً أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ]، للاتباع إلى قوله [وَبِرًّا] وبدل وَعَظَّمَهُ بقوله [وَكَرَّمَهُ] والباقي اقتداءً بعمر - رضي الله عنه -. والظاهر أن مراد المصنف بالإبصار العلم حتَّى يستحب الدعاء المذكور للأعمى والداخل في ظلمة، وما أحسن قولَ الحاوي ودعا للقاء البيت [اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ... إلى أخره] 1. فَرْعٌ: يستحب رفع اليد عند رؤية البيت دون التكبير، ثُمَّ يَدْخُل الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في عهد قريش دخل منه كما رواه البيهقي 2 ولعل السبب في أنَّه في جهة الكعبة والركن الأسود.
وجهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله ابن عبد السلام في قواعده، وَيبْتَدِىُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، للاتباع 3 ولا يؤخره إلا لِمَكْتُوبَةٍ أقِيْمَتْ حين دخوله أو قَرُبَتْ إقامتها كما نص عليه في الأم أو فريضة أو سنة مؤكدة خاف فوتها.
ولِتُؤَخره المرأة الجميلة والشريفة التى لا تبرز للرجال إلى الليل لأنه أستر لها والخنثى كالمرأة.
فَائِدَةٌ: الطواف تحية البيت لا للمسجد، نعم تسقط بسُنَّة الطواف كما نبَّه عليه الرويانى ويؤخذ منه أنَّه لو أخر سُنة الطواف لوقت آخر ففد فوَّت سُنَّة التحية، وفي الأُمِّ: أنَّه لو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.
وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجِّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، لأنه تحية البيت فكانت قبل فعل الفرض، فإن وقف أولًا فليس في حقه طراف قدوم لدخول وقت

الطواف المفروض؛ ولا يختص طواف القدوم بالحاج، بل هو مستحب في حق كل من دخل مكة ولو تاجرًا، نَعَمْ: طواف العمرة يُجْزِئُ عنه وكذا المنذور.
وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ اسْتَحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، قياسًا على التحية؛ ولا يجب لحديث المواقيت السالف في بابه لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ؛ فلو وجب لمجرد الدخول لما علقه على الإرادة، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لإطباق الناس عليه، والسنن يندر فيها الاتفاق على العمل بها وصححه البغوي والمصنف في نكته، إِلَّا أَن يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ، أي فإنه لا يجب عليهما قطعًا للمشقة وقيل: على القولين، والْبَرِيْدِيُّ منهم من جعله كالحطاب، ومنهم من قال إذا قلنا لا يجب عليهم ففيه وجهان.
تَنْبِيْهَانِ: الأوَّلُ: يستثنى أيضًا من الوجوب العبدُ وَإِنْ أَمَرَهُ مَوْلَاهُ؛ وَالْحَرَمِيُّ؛ وَالْخَائِفُ؛ فإنه لا إحرامَ عليهم، الثَّانِى: يكون حكم دخول الحرم كحكم دخول مكة بالاتفاق.
فَضلٌ: لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ، من كونه طواف قدوم أو إفاضة أو وداع أو تطوع، وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجِبَاتُ؛ فَيُشْتَرَط سَتْرُ الْعَوْرَةِ؛ وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ، أي في الثوب والبدن والمكان؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سَمَّاه صلاة وفي الصحيحين [لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَرْيَانٌ] 1، والمختارُ أنَّهُ يُعْفَى عمَّا يشُقُّ الاحتراز منه في النجاسة الغالبة في موضع الطواف، فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأْنِفُ، وجه هذا

القياس على الصلاة.
ووجه الأوَّل أن الطواف يحتمل فيه ما لا يحتمل فيها كالفعل الكثير والكلام، ولو عبر بقوله تطهر لكان أَولى لشموله الأصغر والأكبر.
وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمُبْتَدِئًا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيع بَدَنِهِ، للاتباع كما أخرجه مسلم 1 وشبهه القاضي أبو الطب بتكبيرة الإِحرام في الصلاة، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجرِ، أي لو بدأ بالباب مثلًا، لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيهِ، أي إلى الحجر، ابْتَدَأَ مِنْهُ، كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضو آخر؛ فإنه يجعل غسل الوجه ابتداء وضوئه.
فَرْعٌ: لو نُحِّيَ الحجر والعياذ بالله من مكانه وجب في أدائه محاذاة الرُّكْنِ قاله القاضي أبو الطيب.
وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ في مُوَازَاتِهِ، أي في موازاة الشاذروان، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَي الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ، لأن الطائف والحالة هذه طائف في البيت لا بالبيت.
وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَطوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 2 واحترز بِقَيْدِ الموازاة عما مسَّ الجدار الَّذي في جهة الباب، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ وَجْهٌ، أي أن طوافه يصح؛ لأن معظم بدنه خارج، ويصدق أن يقال: إنه طائف بالبيت ولأن العبرة بالقدمين لا باليد والرأس، ولهذا نفوا التحريم عن الجنب ووجوب الكفارة على الحالف بفعله.
فَائِدَةٌ: للبيت أربعة أركان: رُكنانِ يَمَانِيَّانِ أحدهما فيه الحَجَر بفتح الحاء، واثنان شاميان والحِجر بكسر الحاء عندهما، وسبب إِخراج الشاذروان والحجر عن بناء البيت أنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أعادت بناءها قصرت بهم النفقة عن ذلك فتركوها كذلك،

لكن صحَّ أن ابن الزبير لَمَّا بلغه حديث عائشة - رضي الله عنه - في إعادتها على ما كانت عليه لولا قرب عهدهم بجاهلية قال: أَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ؛ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ الصُّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَدْخَلَ فِيْهَا الْحَجَرَ وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ، ثم هدم الحجَّاجُ الشق الَّذي من ناحية الحجر فقط كما قال الأزرقى وغيره، وأعاده على ما كان عليه في زمن قريش، والشق الآخر بناءُ ابنُ الزبير وهو يظهر للرائى عند رفع الأستار فحينئذ يَنبغى الصحة في الطواف على الشاذروان لا كما قاله الأصحاب.
وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، للاتباع 1. وَأَمَّا السُّنَنُ؛ فَأَنَّ يَطُوفَ مَاشِيًا، أي إن كان يطيقه حماية للمسجد والناس عن أذى الدابة؛ فإن طاف راكبًا جاز وإن لم يكن عذر ولا كراهة كما نقله الرافعى عن الأصحاب، لكن في الكفاية عن الماوردي وغيره الجزم بها، وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، أي يلمسه باليد، أَوَّلَ طَوَافِهِ، للاتباع، ولو نُحِّى الحجر استلم الركن الَّذي كان فيه وقبَّلهُ وسجدَ عليهِ قاله الدارمي؛ وَيُقَبِّلُهُ، للاتباع 2، ولا يستحب ذلك أعني الاستلام والتقبيل للنساء إلا عند خُلُوِّ المطاف ذكره في الروضة، وعبارة صاحب الخصال ليس على النساء استلام الحجر.
فَرْعٌ: قال القاضي أبو الطيب: يستلم ويُقبِّل الرُّكْنَ الَّذي فيه الْحَجَرُ أيضًا، وظاهرُ كلام الجمهور كما قاله في شرح المهذب: الاقتصار على فعل ذلك في الْحِجْرِ.

وَيضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، للاتباع 1. فَرْعٌ: قال الشافعي في الأُمِّ: لا أحب الزحام إلا في بَدْءِ الطَّوافِ وآخره؛ بل صريحهُ أنَّهُ لا تكرهُ المزاحمةُ على تقبيل الحَجَرِ؛ وهو ردٌّ على مَن كَرَّهَهُ، نَعَمْ يحمل على زحام غير مؤذٍ.
فَإن عَجَزَ، أي عِن تقبيل الحجر، اسْتَلَمَ، أي استلمه بيده أو بِعَصًا ثمْ قَبَّلَ ما استلم به للاتباع، فَإِنْ عَجَزَ، عن الاستلام، أَشَارَ، إليه، بيَدِهِ، لأنه قدر استطاعته، وفي البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (طَافَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيْرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) 2، ولا يشير إلى القُبلة بالفم لأنه لم يُنقل، وعن ذلك احترز بقوله بيده؛ لكن التقييد بذلك قد يوهم أنَّه لا يشير بما في يده مع أنَّه يشير به كما صرح به في شرح المهذب ثم نبَّه على أنَّه يقبِّل ما أشار به، ويرَاعِي ذَلِكَ في كُلِّ طَوْفَةٍ، لحديث ابن عباس المذكور.
تَنْبِيْهٌ: في صحيح مسلم أن [ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - اسْتَلَمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُهُ] قال المصنف في شرحه لمسلم: (هَذَا الْحَدِيْثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَن تَقْبِيْلِ الْحَجَرِ؛ وِإِلَّا فَالْقَادِرُ يُقبلُ الْحَجَرَ وَلَا يَقتصِرُ فِي الْيَدِ عَلَى الاِسْتِلَامِ بها) 3، هذا كلامه ولا حاجة إلى هذا الحمل فظاهر نص الشافعي - رضي الله عنه - في الأُم؛ بل صريحه يدل على طبق ما في الحديث من كونه يستلم اليَدَ

أولًا ثم يقبِّلها، وصرح به ابن الصلاح في مناسكه وأهمل ذلك المصنف في كتبه خلا المناسك تبعًا للرافعي، وكذا ابن الرفعة فَتَنَبَّهْ لهُ.
وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا، لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، وَنَقَلَ بَعْضُ مَنْ ألَّفَ عن الشافعي رحمه الله أنَّه قال: تكفيه الإشارة إليهما بيده، وهو نص غريب، نعم في الأُم: وَلَا آمُرُهُ باستلامهما ولو استلمهما أومأ بين الأركان كان البيت لم يكن عليه إعادة ولا فدية إلا أني أحب أن نقتدي بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال في مرضع آخر منها: إنه إن مسحهما رَجُلٌ كما مسح سائر البيت فحسن وإلا فالقادرُ يُقَبِّلُ الحجر، وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِي، للاتباع، وَلَا يُقَبِّلُهُ، لعدم صحة النقل به وعلى تقدير صحته فيحمل على إرادة الركن الَّذي فيه الحجر.
فَرْعٌ: يُستحب تقبيل اليد بعد استلامه للاتباع أيضًا.
فَرْعٌ: إذا لم يمكنه استلام اليماني فقال ابن أبي الصيف اليمني: لا يشير إليه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يشير إليه، قال المحبُّ الطبري: وهُوَ أَوْجَهُ لأنها تدل عنه لِتَرَتُّبِهَا عليه عند العجز في الحجر الأسود فكذا هنا.
وَأَنْ فيَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: [بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكبَرُ، اللَّهُمً إِيْمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسْنَّةِ نَبِيكِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ]، للاتباع 1 كما أورده الرافعي؛ وبعضُهُ مَرْوِيٌّ؛ وهذا الدعاء يستحبُّ أيضًا في كل طوفة.
نعم هو في الأُولى آكد كما صرح به في شرح المهذب، وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ، أي جهته: [اللَّهُمَّ إنَّ إلْبَيتَ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ]، وهذا الدعاء ذكره الجويني وزاد هذا بعد (اللَّهُمَّ)، وكذا هو في الْمُحَرَّرِ، قال: ويُشير بلفظه هذا إلى مقام إبراهيم، وقال غيره: يشير إلى نفسه أي

هذا مقام الملتجئ المستعيذ بك من النار، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّينِ: [الَّلهُمَّ آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وِقِنَا عَذَابَ النَّارِ] للاتباع 1 لكن بلفظ (رَبَّنَا) بدل (الَّلهُمَّ) وكذا هو لفظ الْمُحَرَّر، فلا أدري لِمَ غيَّره، نعم روى أبو داود من حديث ابن عباس - رضي الله عنه - رفعه [مَا مَرَرْتُ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَّا وَعِنْدَهُ مَلَكٌ يُنَادِي آمِيْنَ آمِيْن، فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُواْ: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً... إلى آخره] 2، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، رجاء الإجابة، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ، أي منقوله، أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، للتأسي، وَهِيَ أَفْضَلُ مِن غَيْرِ مَأثُورِهِ، لأن الموضع موضع ذكر والقرآن أفضل الذكر كما نقله الشيخ أبو حامد عن النص، وَأَن يَرْمُلَ فِي الأشْوَاطِ الثَّلَاثةِ الأُوْلَى، أي مستوعبًا لها: بِأَنَّ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ وَيَمْشِي في الْبَاقِي، أي على هيئته كما صرح به في الْمُحَرَّرِ للاتباع 3؛ فإن تركَهُ كُرِهَ؛ نص عليه؛ كما نقله صاحب التقريب.
فَرْعٌ: لا فرق في استحباب الرَّمْلِ بَيْنَ الرَّاكِبِ والمحمولِ وغيرهما على الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة.

فَائِدَةٌ: المختارُ عند المصنف في شرح المهذب: أنَّه لا يُكره تسمية الطواف شوطًا؛ كما نطق به هنا تبعًا لِلمُحَرَّرِ، وكذا نطق به ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيح؛ وإن نقل عن الشافعي رحمه الله والأصحاب الكراهة؛ لأن الشوطَ هو الهلاكُ.
وَيَخْتَصَّ الرَّمْلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، لانتهائه إلى تواصل الحركات بين الجبلين، وَفِي قَوْلٍ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، لأنه أول العهد بالبيت؛ فيليق به النشاط والاهتزاز؛ ولا رَمْلَ في طواف الوداع لانتفاء المعنيين، ويرمل من قدم مكة معتمرًا لوجودهما، وأما الحاج فإن كان مكيًا فيرمل على الأول دون الثانى، وإن كان أفاقيا فيرمل إن دخل مكة بعد الوقوف، وإن دخلها قبله فينظر إن أراد السعى بعده رمل قطعًا، وإن أراد تأخيره رمل على الثانى دون الأول بل يؤخره إلى طواف الإفاضة، وإذا طاف للقدوم وسعى بعده ولم يرمل فلا يقتضيه في طواف الإفاضة على الأصح، وَليَقُلْ فِيهِ، أي في رمله: [الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا] للاتباع كما ادعاه الرافعي ولم يذكره البيهقي في سننه مع كثرة اطلاعه إلا من كلام الشافعي رحمه الله وهذا في الحاج، وذكرَ الخفافُ في خصاله هذا الدعاء في السعى بين الصفا والمروة؛ وزاد [وَعَمَلًا مَقْبُوْلًا]، أما المعتمر فالذي يناسبه أن يقول: [الَّلهُمَّ اجْعَلْهَا حَجَّةً مَبْرُورَةً]، ويغتفر التعبير بالحج إرادة لأصله وهو القصد، وسكت المصنف عما يقول في الأربعة الأخيرة تبعًا للرافعى؛ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رحمه الله والأصحابُ على أنَّه يستحب أن يقول فيها: [رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعَزُّ الأَكْرَمْ اللَّهُمَّ رَبنَا آتِنَا بِالدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ].
وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيع كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، للاتباع 1 وقوله جميع أشار

به إلى أن الرمل والاضطباع وإن كانا متلازمين لكن الرمل يختص بالطوفات الثلاثة الأُول والاضطباع مستحب في السبعة 1، وَكَذَا فِي السَّعْي عَلَى الصَّحِيح، لأنه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت، والثانى: لا، لعدم وُروده.
فَرْعٌ: لا يُسَنُّ 2 في ركعتي الطواف على الأصح لكراهة الاضطباع في الصلاة، وَهُوَ، أي الاضطباع، جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنكِبِهِ الأيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَيْسَرِ، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفًا كدأب أهل الشطارة، وسمِّى بذلك؛ لأنه افتعال من الضّبع بإسكان الموحدة وهو العضد.
وَلَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ وَلَا تَضطَبِعُ، لأنهما يقدحان في الستر وليست المرأة من أهل الجَلَد؛ والخنثى كالمرأة، وَأَنَّ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيتِ، لشرفه، ونقل بعض من ألَّف في المناسك عن أصحابنا أنَّه يجعل بينه وبين البيت قَدْرَ ثلاث خطوات ليكون خارجًا عن الشاذروان وهو نقل غريب عنهم، نعم إن تأذى بالزحمة أو آذى غيره فالبُعْدُ أَولى، ونقل البندنيجي عن نصه في الأُم: أنَّه يستحب الاستلام في أول الطواف وآخره وإن تأذى في الزحام أو أوذي، وهذا كله خاص بالرجل، أما المرأة فالبُعْدُ لها أنضل إلا في خلوة المطاف، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، لأن القربَ فضيلةٌ متعلقةٌ بمكانِ العبادةِ، والرَّمْلُ فضيلةٌ متعلقة بنفس العبادة والمتعلق بنفس العبادة أَولى بالمحافظة، ألا ترى أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد في المسجد وهذا كله إذا كان لا يرجو فرجة، فإن رجاها وقف ليرمل فيها؛ كذا قيده في الروضة تبعًا للرافعي، إِلَّا أنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ، أي بأن كُنَّ في حاشية المطاف، فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى، تحرزًا من مصادمتهنَّ وملامستهنَّ، وَأَنْ يِوَالِيَ

جارٍ التحميل