عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجصفحات 240-279

كِتَابُ الصَّلاَةِ

صفحات 240-279

قُلْتُ: الْمَذْهَبُ طَهَارَتُهُ، وَالله أَعْلَمُ؛ تشبيهاً له بالعرق، ورجح فِي شرح المهذب القطع به ثم قال: وحيث نَجَّسْنَاهُ فهو كالبثرات 1. وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ، أى غير معفو عنه، لَمْ يَعْلَمْهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ، كما لو بَانَ له بعد الفراغ من الصلاة أنه كان محدثاً، والقديم لا يجب، لحديث فيه مُؤَول 2، وِإنْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لتفريطه بتركها لما

علم بها، وقيل القولان.
فَرْعٌ: لو مات قبل القضاء ففضل الله أن لا يؤاخذه مع وعده بأن الخطأ والنسيان عن الأُمة مرفوع وقد نص على ذلك البغوي في فتاويه.
فَرْعٌ: رأيت في فتاوى أبي عبد الله الحناطي أنه سئل عَمَّنْ رأى في ثوب غيره نجاسة ولم يكن لابسه خبيراً به هل يجب عليه الإعلام؟ فأجاب بأنه إذا رآهُ يصلّي فيه يلزمه الإعلام، وكذا يَلْزَمُهُ تَعْلِيمُ أركان الصلاة من رأه يصلِّى مُخِلاَّ بها ولا يكملها ويتحتم عليه ذلك إذا لَمْ يقم به غيره وَتَعَيَّنَ عليه 1. فَصْل: تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ، أي سواءً أَفْهَمَا أَمْ لَمْ يُفْهِمَا لأنهما من جنس الكلام، لأنه أقل ما بني عليه الكلام، أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ، أي كـ (قِ) من الوقاية و (عِ) من الوعاية، لاشتماله على مقصود الكلام وإن أخطأ بحذف هاء السكت بخلاف حرف غير مفهم، فَإِنَّ أقل ما يبنى عليه الكلام حرفان كما سلف، وَكَذَا مُدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الأَصَحَّ، لأن الْمَدَّة ألفٌ أو واوٌ أو ياءٌ وهى حروف مخصوصة فَضَمُّهَا إلى الحروفِ كضمِّ حرفٍ أخرٍ إليه، والثاني: لا، لأنها قد تَتَّفِقُ لأشباعِ الحركةِ ولا تُعَدُّ حَرْفاَ 2. فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا] قال البيهقي: وليس بالقوى.
السنن الكبرى: كتاب الصلاة: الحديث (4188 و 4189). واحتج الشافعي بهذا الحديث لرأيه في القديم ثم رجع عنه في الجديد، لأنه احتمل عنده أن إخبار جبريل بالأذى على معنى ما يُسْتقْذَرُ منه من الطاهرات، فالحديث عنده مُؤولٌ إلى معنى الأذى المستقذر من الطاهرات وليس إلى النجسات.

فَرْعٌ: التلفظ بالنذر عامداً لا يبطل الصلاة على الأصح في شرح المهذب والصدقة والعتق وسائر القُرب مثلهُ قياسًا إذا لم يكن فيها خطاب.
فَرْعْ ثَانٍ: لو دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - فِي عصره مصليًا فأجابه لم تبطل صلاته على الصحيح، والذى يَظْهَرُ أن إجابته بالفِعلِ الكثير كالقولِ.
فَرْعٌ ثَالِثٌ: في نداء أحد الوالدين ثلاثةُ أَوْجُهٍ: في البحر في باب إمامة المرأة أصحها عنده أن الإجابة لا تجب، وثانيها: تجب وتبطل الصَّلاة، وثالثها: تجب ولا تبطل.
وَالأَصَحُّ أَنَّ التَّنَحْنُحَ، وَالضَّحِكَ، وَالْبُكَاءَ، وَالأَنِينَ، وَالنَّفْخَ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ بَطَلَتْ، كما لو أتى بحرفين على وجه أخر 1، وَإِلاَّ فَلاَ، ووجهُ مقابلهِ أنَّهُ • ولحديث معاوية بن الحكم السُّلَميِّ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَا أَنَاْ أُصَلِّى مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ؛ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله! فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثَكْلَ أُمَّيَاهُ؛ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُواْ يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ؛ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكَّنِي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ، فَوَالله مَا كَهَرَنِي -نَهَرَنِي- وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي، ثُمَّ قَالَ: [إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ، لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ] أو كما قال رسول الله.
أما حديث زيد بن أرقم، رواه البخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (4534)، ورواه مسلم في الصحيح: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: الحديث (35/ 539). وأما حديث معاوية بن الحكم السلمي، تفرد به مسلم في الصحيح: كتاب المساجد: الحديث (33/ 537).

ليس من جنس الكلام، ولا يكادُ يُبَيَّنُ مِنْهُ حَرْفٌ مُحَقِّقٌ فَأَشْبَهَ الصَّوْتَ الغُفْلَ، ولا فرق في النفخ الحاصل بين الفم والأنف، وخصص في شرح المهذب والتحقيق • أما الضحك؛ فلحديث جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْكَشْرُ، وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا الْقَرْقَرَةُ] رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (3450)، ولفظ الطبراني في الصغير: [وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا الْقَهْقَهَةُ]: الحديث (999) و (1000)، وقال الهيثمي: رجاله موثوقون: فى الزوائد: ج 1 ص 82. • أما البكاء؛ فلحديث مُطرف عن أبيه؛ قال: [رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِنَ الْبُكَاءِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب البكاء في الصلاة: الحديث (904). والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (3446). • أما الأَنِينُ والنفخ؛ فلحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله فَصَلَّى قَالَ: ثُمَّ فِي آخِرِ سُجُودِهِ فَقَالَ: [أُفٍّ أفٍّ] ثُمَّ قَالَ: [رَبَّ أَلَمْ تَعِدْنِي ألا تُعَذبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] فَفَرَغَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ صَلاَتِهِ وَقَدْ أَمْحَصَتِ الشُّمْسُ.
إهـ. قال البيهقي في رواية عطاء قال: وَجَعَلَ يَنْفُخُ فِي آخِرِ سُجُودِهِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ وَيَبْكِي، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّأْفِيفَ.
وكذلك في رواية السائب بن مالك عن عبد الله لم يذكر التأفيف.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب من قال يركع ركعتين: الحديث (1194)، والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (3452) قال البيهقي أيضاً: وَالَّذِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا.
نَفْخاً يُشْبِهُ الْغَطِيطَ، وذلك لما عرض عليه من تعذيب بعضِ مَن وجب عليه العذاب، فليس غيره في التأفيف.
إهـ. قلت: أي هو أنين التألم والشفقة، وهى من مظاهر الرحمة والرأفة لنبوته - صلى الله عليه وسلم -. • أما النفخ؛ فلحديث أم سلمة رضى الله عنها، قَالَتْ رَأَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غُلاَماً لَنَا يُقَالُ لَهُ أَفْلَحَ؛ إِذَا سَجَدَ نَفَخَ؛ فَقَالَ: [يَا أفْلَحَ! تَرِّبْ وَجْهَكَ] رواه الترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: باب ما جاء في كراهية النفخ: الحديث (381) وقال الترمذي: وحديث أُمِّ سلمة إسناده ليس بذاك.
وميمون أبو حمزة قد ضَعَّفَهُ بعض أهل العلم.
قُلْتُ: له ترجمة في تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (7339). ثم لحديث أيمن بن نابل؛ قال: قلت؛ لقدامة صاحبِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّا نَتَأَذّى بِرِيْشِ الْحَمَامِ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا سَجَدْنَا؛ فَقَالَ: انْفُخُواْ.
رواه الببهقى في السنن الكبرى: الأثر (3455).

والروضة الخلاف بالتنحنح، وحزم فيما عداه بالتفصيل، ومقتضى كلام الرافعي في شرحيه لا سيما الصَّغير ما في الكتاب، وبه صرح في التتمة نقلًا عن الأصحاب، إلاّ أنه حكاه قولين.
نعم تعبير المصنف يُوْهِمُ جريانَ الخلافِ فِيه؛ وإن لم يَبِنْ حَرْفَانِ وليس كذلك.
وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلاَمِ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ أَوْ نَسِيَ الصَّلاَةَ أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ إِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالإِسْلاَمِ، لقصة ذي اليدين الثابتة فِي الصحيحين فإنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان غير ذاكر أنَّهُ في الصلاة وذو اليدين كان جَاهِلًا بتحريم الكلام، ومن سبق إلى الكلام لسانُهُ أوْلَى مِنَ النَّاسِى لِعَدَمِ قَصْدِهِ، أمَّا لو كان بعيد العهد بالإسلام فلا 1 يعذر به لتقصيره بترك التعلم، والناشئ بقرية بعيدة عن العلماء كقريب العهد كما فِي نظائره، لاَ كَثِيرُهُ فِي الأَصَحِّ، أي لا يعذر فِي كثير الكلام إن سبق لسانه إلى أخر ما تقدم؛ لأنه يمكن الاحتراز عنه، والثاني: لا تبطل؛ لأنه لو أبطل كثيره لأبطل قليله كالعمد.
فَرْعٌ: يرجع في القليل والكثير إلى العرف، وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ، أي مما تقدم معه، لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذْرِ الْقِرَاءَةِ، أي قراءة الفاتحة، وإن بَانَ منه حرفان لمكان العذر، لاَ الْجَهْرِ، أي بالقراءة، وكذا بالقنوت، في الأَصَحِّ، لأنه أدب وسُنَّةٌ ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له، والثاني: يعذر به إقامة لشعار الجهر، كذا علله الرافعي ومقتضاه أنه إذا قرأ من السورة ما يتأدى به أصل السنة ثم عرض بعد ذلك لم يعذر به قطعاً، أما الجهر بأذكار الانتقالات عند الحاجة إلى إسماع المأمومين فلا يبعد أن يكون عذراً.

وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلاَمِ بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، لندرته، والثاني: لا كالنسيان، وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَ ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾، أي لمن استاذن على أخذه ونحوه ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ إِنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةَ لَمْ تَبْطُلْ، لأنه قرآن فصار كما لو قصد القرآن وحده 1، وَإِلَّا، أي وإن لم تقصد معه قراءة، بَطَلَتْ، كما لو أفهمه بعبارة أخرى، فإن قصد القراءة فقط فظاهر أي صحيحه، أو أطلق فتبطل.
ومسألة الإطلاق من زيادات المصنف على الرافعي وقال في شرح المهذب: إنَّ البطلان ظاهر كلام المصنف وغيره، ونازعه في ذلك أبن الرفعة، وقال: كلام المهذب منصرف إلى الإعلام لا إلى الإطلاق، ونظير هذه المسألة تقدمت في الغسل وأنه لا يحرم إذا أطلق، قال ابن الرفعة: وهو صحيح لكن الفرق بينه وبينه المصلى أن كونه في الصلاة قرينة تصرف ذلك إلى القرآن.
وَعَبَّرَ المُصَنِّفُ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ لِيُدْخِلَ فِيهِ ما إذا قصد غير القراءة 2 ويحترز به عَمَّا لو أتى بكلماتٍ منه من مواضع مُفَرقَةٍ ليست في القرآن على النظم الذى أتى به كقوله: يا إبراهيم سَلاَمٌ كُنْ فَإِنَّهَا تبطل فلو أتى بها مُفَرَّقَةَ لم تبطل أى إذا قَصَدَ بِهَا القرآنَ كما قاله في شرح المهذب.
فَرْعٌ: قراءةُ آيةِ منسوخةٍ تبطل صلاته، وقيل: لا تبطل بقراءة آية الرَّجْمِ 3

حكاهُ الرافعيُّ في حَدِّ الزنا، وَلاَ تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، لِمَطْلُوبِيَّتِهِمَا، الَّلُهُمَّ إلاّ أن يترجم لها عند القدرة كما سبق في بابه، ويشترط ألاّ يقصد به شيئاً أخر، فإن قصد كسُّبْحَان الله بقصد التنبيه وتكبرات الانتقالات من المبلَّغ بقصد التبليغ ونحوها؛ كان على التفصيل السابق في القراءة كما صرح به في الْمُحَرَّرِ، نعم؛ قال الماورديُّ: إن ما لا يصلح لكلام الآدميين من القرآن والأذكار لا يُؤَثُرُ وإن قصد به الإفهام فقط.
فَرْعٌ: عَطَسَ في الصلاة حَمِدَ الله تَعَالَى فِي نَفْسِهِ ولا يحرك لِسَانَهُ قاله في الأحياء.
وفي زوائد الروضة في كتاب السير: أنه يسمِعُ نفسه، إِلاَّ أَنْ يُخَاطِبَ، كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: يَرْحَمُكَ الله، لأنه كلام وضع لمخاطبة الآدمى فهو كردِّ السَّلاَمِ فإن قال: رَحِمَكَ الله، لم تبطل، وقيد الرافعي والمصنف في الروضة المسألة بغير خطاب الله ونبيه - صلى الله عليه وسلم - وأهمله المصنف؛ لأنه يؤخذ من التشهد، ومن تمثيله أيضاً هنا، ويؤخذ من كلام الرافعي أنها تبطل بما عدا النبي - صلى الله عليه وسلم - من الملائكة والأنبياء (•).
وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا بِلاَ غَرَضٍ، أي عمداً في ركن طويل، لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ، لأنَّهُ لاَ يُخْرِمُ هَيْئَةَ الصَّلاَةِ وما يليق بها من الخضوع والاستكانة، والثاني: تبطل؛ لاشعاره بالإعراض عن الصلاة ووظائفها، فإن سكت يسيراً أو كثيراً لِغَرَضِ التذكر!.
فلا.
وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبِيهِ إِمَامِهِ، أي إذا سهى، وَإذْنِهِ لِدَاخِلٍ وَإنْذَارِهِ أَعْمَى، أن يقع في محذور ونحو ذلك كغافل وصبي لا يميز، ومن قصده ظالمٌ أو سَبُعٌ ونحوهم، وكذا من أراد إعلام غيره أمراً كما قاله الرافعي، أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفّقُ الْمَرْأَةُ، للأمر به فِي الصحيح 1، ولو عكسا فخلاف السُّنْةِ، ولا تبطل صلاتهما، (•) في هامش النسخة (1): فَرْعٌ: قال الشيخ في التنبيه: وإن سُلَّمَ عليه رَدَّ بِالإِشَارَةِ؛ قاله في التوشيح؛ وهذا مندوب، وفي وجه يَحِلُّ، وفي كتاب السير: أنه واجب؛ وفي التتمه خلاف الأَوْلى، وفي الذخائر عن الشافعي: مكروه وإن جاز.

والخنثى كالمرأة، بِضَرْبِ الْيَمِينِ، أى بطنها، عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ، وهذا هو الأشهر في كيفيته، وفي معناها أن تعكس فتضرب بطن الشمال على ظهر اليمين.
تَنْبِيْهٌ: إذا لم يحصل الأنذار بالتسبيح ونحوه فله أحوال؛ أحَدُهَا: أن لا يحصل إلَّا بالكلام فيجب، نعم؛ تبطل صلاته عند الأكثرين كما قاله الرافعي، وتبعه عليه في الروضة، لكنه صحح في التحقيق عكسه.
ثَانِيْهَا: أن لا يحصل إلَّا بالفعل الكثير كثلاث خطوات فصاعداً، فالظاهر كما قاله المحب الطبري أنه يتخرج على الخلاف في القول، وحينئذ إذا لم يحكم ببطلان الصَّلاةِ فَيُتِمُّ صَلاُتهُ في الموضع الذي انتهى إليه ولا يعود إلى الأول إلاّ حيث جوزناه في سبق الحدث.
الثَّالِثُ: أن يمكن حصوله بهما، فإن قلنا بالأبطال تخير بينهما، وإلاّ فيتعين القول أو الفعل لقوته أو يتخير فيه نظر.
وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلاَتِهِ غَيْرَهَا، أي غير أفعال الصلاة، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا، أي كزيادة ركوع أو سجود لا على وجه المتابعة، بَطَلَتْ، لتلاعبه ولو كان قائماً فانتهى إلى حد الركوع لقتل حَيَّةٍ أو عَقْرَبٍ لم يضر؛ قاله صاحب الكافي، ولو نقل ركناً قولياً كفاتحة لم تبطل بعمده في الأصح، كما ذكره في الباب الآتي وَيَخْرُجُ أَيضاً هُنا بقوله ولو فعل ولم يقل ولو أتى، إِلاَّ أَنْ يَنْسَى، لأنه معذور 1، وَإِلَّا، أي وإن لم يكن من حنس أفعال الصلاة، فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ، لأن الحاجة لا تدعو إليه وهذا في صلاة الأمن دون صلاة الخوف كما سياتي في بابه، لاَ قَلِيلِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَعَلَهُ وَرَخْصَ فِيهِ 2، وَالكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، أي فلا يضر ما يعدونه قليلاً، صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ.
وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: الحديث (684).

فَالْخُطْوَتَانِ أَوِ الضَّرْبَتَانِ قَلِيلٌ، وَالثَّلاَثُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ، أي فإن تفرقت؛ فلا، والتفرق بالعرف، ولو تردد في فعل هل انتهى إلى حد الكثرهَ أم لا؟ قال الإمام: فينقدح فيه ثلاثة أوجه؛ أظهرها: أنه لا يؤثر، وثالثها: يتبع ظنه فإن استوى الظنان استمر في الصلاة.
فَرْعٌ غَرِيبٌ: لو نوى فعلات وفَعَلَ واحدةَ بطلت صلاته؛ قاله في البيان في آخر صلاة الخوف، وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ، أي ونحوها كالضربة المفرطة لمنافاتها، لاَ الْحَرَكَاتِ الْخَفِيفَةِ الْمُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تخل بهيئة الخشوع، والثاني: أنها إذا كثرت أبطلت كالخطوتان، وأشار المصنف بالأصابع إلى أن صورةَ المسألة أن يضع يده في محل واحد ويجر أصابعه ذَاهِبًا وَآيِبًا حتى لو جَرَّ جميع كفه ثلاثاً بطلت صلاته، إلا أن يكون به جَرَبٌ ولا يقدر معه على عدم الحك، قاله صاحب الكافي، وَسَهْوُ الْفِعْلِ، أي المبطل إما لفحشه أو لكثرته، كَعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، أي فكثيره يبطل وإن كان ساهياً لندوره، ولأنه يقطع نَظْم الصَّلاة، والثاني: لا، لقصة ذي اليدين الثابتة فِي الصحيحين وهو المختار 1، وَتَبْطُلُ بقَلِيلِ الأكْلِ، لشدة منافاته، وقيل: لا إلحاقاً له بسائر الأفعال، ومثار الخلاف أن الإبطال؛ هل هو لما فيه من العمل أم لوصول المفطر جوفه؟ وينبنى على ذلك مسألة ذوب السكرة الآتية، وتعبر المصنف بالأكل يقتضي أن النظر إلى الفعل لا إلى المأكول، وهو كذلك لأن مجرد المضغ يبطل إذا كثر.
قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِياً، أَوْ جَاهِلاً تَحْرِيمَهُ، وَالله أَعْلَمُ، كالصوم، ويرجع في القليل إلى العرف، فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيْعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا] رواه البخاري في كتاب الصلاة: باب إذا حمل جارية صغيرة: الحديث (516). رمسلم في الصحيح: كتاب المساجد: باب جواز حمل الصبيان: الحديث (41/ 543).

سُكْرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا، أي بمصٍّ ونحوه لا مضغ، بَطَلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأنه منافٍ للصَّلاة، وإن كان الأصح في الأيْمان أنه ليس أكلاً، والثاني: لا، لأنه يوجد منه فعل.
فَصْلٌ: وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِلَى جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ عَصاً مَغْرُوزَةٍ أَوْ بَسَطَ مُصَلَّى أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ دَفْعُ الْمَارِّ، للأمر به فإنه شيطان 1، وبسط المصلى مستنده القياس،

والخط يكون طولاً، وعبارة المصنف تقتضي التخيير فيما ذكره وليس كذلك، فقد قال في التحقيق: فإن عجز عن سترة بسط مصلىً، فإن عجز خطَّ خطّاً، ويندب دفع المار بالأسهل فالأسهل كالصائل، وقَدْرُ الْمُصلَّى، والخط يظهر أن يكون كالشاخص وهو قدر مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ 1، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ، أي حين وجود السترة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلَّى مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ] متفق عليه 2، والثاني: لا، بل يكره ولا وجه له، فإن الإثم إنما يلحق بالحرام، نعم في ابن ماجه أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسُّلاَمُ [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسُّلاَمُ كَانَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا (أَيْ مُشِيْراً لِلرُّجُوعِ) فَمَضَتْ، فَلَمَّا صَلَّى النْبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: هُنَّ أغْلَبُ] وجه الدلالة أن المرور لو كان حراماً لَبَيُّنَهُ لكنه حديث ضعيف 3، ولو لم شرط مسلم.
وقول الحاكم (على شرط مسلم) هذا في بعض النسخ على ما يبدو.
وقوله: أَوْ خَطٌ قُبَالَتَهُ؛ فلحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْههِ شَيْئاً؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصاً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً فَلْيَخْطُطْ خَطّاً لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ مِنْ أَمَامِهِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الخط إذا لم يجد عصاً: الحديث (689). وابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة: باب ما يستر المصلى: الحديث (943).

يكن سترةٌ أو كانت وتباعد عنها؛ فالأصح أنه ليس له الدفع لتقصيره، ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه لكن الأَوْلَى تركه كما قاله في الروضة، وقال فِي شرح المهذب والتحقيق يُكْرَهُ، قال ابن المنذر: وكان مالك - رضي الله عنه - يُصلى متباعدًا عن السترة فمر به رجل لا يعرفه فقال: أيها المصلي أدنُ من سترتك، قال فجعل يتقدم ويقول ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ 1، نعم قال في الكافي: إن حريمه إذا لم يكن ستره قدر إمكان سجوده فلو مرَّ وراءَهُ جَازَ.
فَرْعٌ: لم يفصل أصحابنا في تحريم المرور بين يدي المصلي إلى الكعبة وبين الطائف وغيرهما، واغتفر غيرنا ذلك للحاجة إليه بل ألحق بعض الحنابلة الحرم بمكة في عدم كراهة المرور.
قُلْتُ: يُكْرَهُ الاِلْتِفَاتُ، أي بوجهه للنهي عنه 2، لاَ لِحَاجَةٍ، للاتباع، ولا عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ.
فَقَالَ بِيَدِهِ.
فَرَجَعَ.
فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ.
فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا.
فَمَضَتْ.
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [هُنَّ أَغْلَبُ].
رواه الإمام أحمد في المسند: ج 6 ص 294. وابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة: الحديث (948). والحديث ضعيف لأن محمد بن قيس أو أُمُّهُ مجهولان.
ولِمُحَمَّدِ بن قيسٍ ترجمةٌ في تهذيب التهذيب: الرقم (6498).

بأس بلمح العين بدون الالتفات، ففى صحيح ابن حبان من حديث ابن شيبان الحنفي قال: قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَلَمَحَ بِمُؤَخَّرِ عَيْنِهِ رَجُلًا لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَقَالَ: [لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ يُقِيمُ صُلْبَهُ] 1، وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، للنهي عنه فمن ذلك أن يعقص شعره أو يرده تحت عمامته أو يشمر ثوبه أو كُمَّهُ ونحو ذلك كَشَدِّ الوسط وغرز العذبة، والحكمة في النهي عنه أن ذلك يسجد معه 2، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلاَ حَاجَةٍ، للنهي عنه 3، = الأمثال: الحديث (2863).

والحاجة كوضع اليد على الفم إذا تَثَاءَبَ 1، والظاهر أنه يضع اليسرى لأنها لتنحية الأذى، وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ، لأنه تكلف ينافي الخشوع، نعم إذا كان لحاجة فلا، وَالصَّلاَةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أي الأول للبول؛ والثاني للغائط، أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إِلَيهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلاَ وَهُوَ يُدَافِعُهُ الأخْبَثَانِ]، رواه مسلم 2، ويُكره أيضًا مدافعة الريح كما قاله الرافعي، وَأَنْ يَبْصُقَ قِبْلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، للنهي عنه في الصحيحين بل عن يساره 3، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، للنهي عن أن يصلي الرجل مختَصِرًا، متفق عليه 4، وذكرتُ في الأصل أن فيه أربعة أقوال، أصحها أن يضع يده على خاصرته وأهملتُ خامسًا: أن يقتصر على الآيات التي فيها السجدة ويسجد فيها، وسادسًا: أن يختصر السجدة إذا انتهى في قراءته إليها ولا يسجدها، حكاهما المحب الطبري في أحكامه، وَالْمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ = عن أبي هريرة [أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلاَةِ].
وإسناده صحيح وربما أعلَّهُ البعض بفعل عطاء.

فِي رُكُوعِهِ، وسجوده لأنه خلاف المنقول فإنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بَيْنَ ذلك 1، وَالصَّلاَةُ فِي الْحَمَّامِ، أي بمسلخه 2، وَالطَّرِيقِ، أي في البنيان للنهي عنهما، وَالْمَزْبَلَةِ، أي موضع الزبل لكثرة النجاسة فيها، وَالْكَنِيسَةِ، أي وكذا البيعة ونحوهما من أماكن الكفر؛ لأنها مأوى الشياطين، فإن لم يأذنوا لنا حرمت الصلاة وغيرها؛ لأن لهم منعنا من الدخول كما نمنعهم دخول مساجدنا، ولم يتعرض في الروضة لما ذكرنا هنا، وَعَطَنِ الإِبِلِ، للنهي عنه وعطن الغنم كمأواها ومأوى الإبل لَيْلًا كعطنها، إلا أنها أخف من العطن، وعطن البقر كالغنم قاله ابن المنذر، وَالْمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ 3، وَالله أَعْلَمُ،

للنهي أيضًا، والمعنى فيه ما تحت مصلاه من النجاسة أو لحرمة الموتى كما دل عليه كلام القاضي، قال ابن الرفعة: ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه (492)، قال: ومنه يوخذ كراهة الصلاة بجانب النجاسة وخلفها؛ وفيما ذكره نظر، واحترز بالطاهرة عن المنبوشة فلا تصح عليها بدون حائل، فإن شك فالأظهر الصحة تغليبًا للأصل.

بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ

بَابٌ: أي هذا باب، سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ، أما طلب فعله فللأحاديث الآتية، وأما عدم وجوبه فلأنه لا ينوب عن الفرض، عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلَ مَنْهِيِّ عَنْهُ، أي في الصلاة بالشرط الآتي لا لغير الصلاة من العبادات، ولا لكل مأمور به ومنهى عنه فيها على الإطلاق، وبقي سبب ثالث وهو إيقاع بعض الفرض مع التردد في وجوبه.
ولا فرق في مشروعية السجود بين صلاة الفرض والنفل على الأظهر.
فَالأَوَّلُ: إِنْ كاَنَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ، أي ولا يكفى السجود عنه؛ لأن حقيقة الصلاة لا توجد إلا به، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أي فيما إذا ترك ركنًا ساهيًا، أَوْ بَعْضًا وَهُوَ الْقُنُوتُ، أي جميعه، وكذا بعضه؛ ويستثنى قنوت النازلة، وَقِيامُهُ، وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، أي ولو في النفل كما سبق، أَوْ قُعُودُهُ، وَكَذَا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ،1

أي وهو أنه مستحب فيه، سَجَدَ، أما التشهد الأول فنصًا 1 والباقى قياسًا، ولأن هذه الأمور من الشعائر الظاهرة المخصوصة بالصلاة، واحترز بالمخصوصة عن تكبيرات العيد، فإنه لا يسجد لها، لأنها تُشرعُ في غير الصلاة، ويتصور السجود للقيام خاصة والقعود خاصة بما إذا كان لا يحسن التشهد ولا القنوت فإنه يستحب له أن يقف ويقعد بقدرهما، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَلاَ، يسجد لتقصيره، والأصح: نَعَمْ؛ لأن الْجَبْرَ حينئذ أهم.
قُلْتُ: وَكَذا الصَّلاَةُ عَلَى الآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَالله أَعْلَمُ، أي حيث قلنا: إنها سُنَّةٌ وذلك في التشهد الأخير على الأصح؛ وفي الأول على وجه، قُلْتُ: ويضم إلى ذلك أيضًا الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في القنوت، ويتصور السجود لترك الصلاة على الآل بما إذا كان مأمومًا وتحقق ترك إمامه لذلك، وَلاَ تُجْبْرُ سَائِرُ السُّنَنِ، أي باقيها لعدم النفل وهو باب توقيف، ولم يرد إلا فِي بعض الأبعاض؛ فقسنا باقيها عليه لتأكده وبقى ما عداها على الأصل.
وَالثَّانِي: أي وهو فعل المنهي عنه، إِنْ لَمْ يَبْطُلْ عَمْدُهُ كَالإِلْتِفَاتِ وَالْخُطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، لعدم النقل، وَإِلاَّ، أي إن أبطل عمده الصلاة كالكلام والركوع الزائد، سَجَدَ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم -[صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ]، متفق عليه 2، واحترز بقوله (إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ) عن كثير الفعل والأكل والكلام

فإن الصلاة تبطل بعمدها، وكذا بسهوها على الأصح، فلا سجود وهذا معنى قوله بعد ذلك: كَكَلاَمٍ كَثِيرٍ فِي الأَصَحِّ، والخلاف عائد إلى التمثيل لما يبطل سهوه وهو الكلام الكثير لا إلى قوله سجد، قُلْتُ: وإذا تنفل على الدابة وَحَوَّلَهَا عن صوب مقصده سهوًا، وعاد على الفور لا تبطل صلاته فلا يسجد له على ما صححه المصنف في شرح المهذب، فتستثنى هذه الصورة من كلامه.
وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيِر يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يخلُّ بالموالاة وسواء طوَّله بسكوت أو قنوت في غير موضعه أو ذكر آخر، والثاني: أنه لا يبطل عمده وبه صح الحديث في مسلم 1، فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، لإخلاله بصورة الصلاة، فَالاِعْتِدالُ قَصِيرٌ، أي بالنسبة إلى غير القنوت وصلاة التسبيح، وَكَذَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الأَصَحِّ، لأن المقصود الفصل، والثاني: أنه رُكْنٌ طَوِيْلٌ وصححه المصنف فِي شرح المهذب، وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًا كَفَاتِحَةٍ فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يخل بصورتها، والثاني: تبطل كما لو كرر ركنًا فعليًا، والفرق لائح؛ ويستثنى من القولي نقل السَّلام فإنه مبطل، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الأَصَحِّ، لإخلاله بصورتها، والثاني: لا؛ كسائر ما لا يبطل عمده، والعمد كَالسَّهْوِ، كما صرح به في شرح المهذب خلاف لما اقتضاه ايراده هنا، وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّوْرَةُ مِنْ قَوْلِنَا: المتقدم: مَا لاَ يَبْطُلُ عَمْدُهُ، لاَ سُجُودَ لِسَهْوِهِ، قُلْتُ: ويستثنى أيضًا ما إذا قنت قبل الركوع فإن عمده لا يبطل مع أن سهوه يقتضي السجود كما ذكره في الروضة، وكذا إذا فرقهم أربع فرق في صلاة الخوف فإنه جائز كما ذكره في بابه، ويسجد للسهو للمخالفة بالانتظار في غير موضعه كما ذكره في الروضة

أيضًا، وكذا إذا ترك التشهد الأول ناسيًا وتذكره بعدما صار إلى القيام أقرب فإنه يعود إليه ويسجد كما سيأتى.
وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ، أى إما مع نسيان القعود أو مع الإتيان به، فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، لأنه تلبس بفرض فلا يقطعه بِسُنَّةٍ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، أي عامدًا، بَطَلَتْ، لأنه زاد قعودًا عمدًا، أَوْ نَاسِيًا فَلاَ، لرفع القلم عنه، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لأنه زاد جلوسًا في غير موضعه، أَوْ جَاهِلًا فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، لأنه مما يخفى على العوام، والثاني: أنها تبطل، لتقصيرهم بترك التعلم 1، وَلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الأَصَحِّ، أي فيما إذا قعد الإمام للتشهد، وقام المأموم ناسيًا أو نهضا، ثم تذكر الإمام فعاد قبل الانتصاب وانتصب المأموم؛ لأن المتابعة فرض، فرجوعه رجوع إلى فرضٍ لا إلى سُنَّةٍ، والثاني: يحرم العود كما يحرم على المنفرد.
قُلْتُ: الأَصَحُّ وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن متابعة الإمام آكد 2، وَلَوْ تَذَكَّرَ، أي التشهد الأول، قَبْلَ انْتِصَابِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، لأنه لم يتلبس بفرض، والمراد بالانتصاب الاعتدال والاستواء، وَيَسْجُدُ إِنْ كاَنَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، أي منه إلى القعود لأنه أتى بفعل غَيَّرَ نَظْمَ الصَّلاَةِ، ولو أتى به عمدًا في غير موضعه بطلت صلاته، فإن كان إلى

القعود أقرب أو كانت نسبته إليهما على السواء لم يسجد؛ لأنه لا يُبطل.
قُلْتُ: والأصح عند الجمهور أنه يسجد كما ذكره في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ بَطَلَتْ إِنْ كاَنَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، أي وإن عاد قبله فلا.
وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، لتلبسه بفرض، أَوْ قَبْلَهُ عَادَ، لأنه لم يتلبس به، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ، لأنه زاد ركوعًا والعمد به مبطل، وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ، أيّ مُعَيَّنٍ، سَجَدَ، لأن الأصل أنه لم يفعله، أَوِ ارْتِكَابِ مَنْهِيِّ فَلاَ، لذلك أيضًا، وَلَوْ سَهَا؛ وَشَكَّ هَلْ يَسَجُدْ؟ فَلْيَسْجُدْ، لأن الأصل عدم السجود، وَلَوْ شَكَّ أَصَلِّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ أَتَى بِرَكْعَةٍ، بناء على الأصل 1، وَسَجَدَ، للأمر به وسببه التردد، وقيل: الْجَبْرُ ولا يظهر معناه، فلو زال تردده قبل السلام وعرف أن الذي أتى بها رابعة سجد على الأول؛ لا الثاني؛ وهذا معنى قوله، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلاَمِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا، وَلاَ يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ: شَكَّ في الثَّالِثَةِ؛ أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ، أى كونها ثالثة أو رابعة، فِيهَا، أي في الثالثة قبل أن يقوم إلى الرابعة، لَمْ يَسْجُدْ، لأن ما فعله على الشك لا بد منه على التقديرين إذ المسألة مفروضة، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ سَجَدَ، لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان موجودًا حين قام، ولو تذكر في قيامه أى إلى الرابعة، فيظهر أن يقال: إن صار إلى القيام أقرب سجد، وإلاّ فلا، ويحتمل أن يقال يسجد مطلقًا.
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأن الظاهر أداؤها على التمام، والثاني: يؤثر كما لو شك في الصلاة؛ وعزا القفال في فتاويه

هذا إلى الجديد؛ والأول إلى الإملاء، وقال: إنه يشبه القول القديم في نسيان الفاتحة، قال: وعلى الأول لو فرغ من الصلاة ثم شك في نجاسة كانت على ثوبه هل كانت معه وقت الصلاة أم لا؟ فلا قضاء، ثم محل الخلاف في الكتاب ما إذا لم يطل الفصل فإن طال فطريقان أظهرهما القطع؛ بأنه لا يؤثر لكثرة التردد والشكوك بعد طول المدة، والثاني: طرد القولين وهو مقتضى إطلاق المصنف.
وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إِمَامُهُ، كما يتحمل السورة وغيرها، ولا فرق بين القدوة الحسية والحكمية كما ستعرفه في المزحوم وصلاة الخوف، واحترز بحال القدوة عن سهوه قبل القدوة وبعدها فإنه لا يحمله، واقتضى كلامه في الروضة تبعًا للرافعي أنه يحمل الأول.
فَلَوْ ظَنَّ سَلاَمَهُ فَسَلَّمَ فَبَان خِلاَفُهُ سَلَّمَ مَعَهُ، لأنه لا يجوز تقديمه على سلام إمامه كما ستعرفه في بابه، وَلاَ سُجُودَ، لسهوه حال القدوة، وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ قَامَ بَعْدَ سَلاَمِ إِمَامِهِ إِلَى رَكْعَتِهِ، أي ولا يجوز أن يعود إلى تداركه لما فيه من ترك المتابعة الواجبة، وَلاَ يَسْجُدُ، لوجود سهوه حال القدوة أيضًا، وإنما استثنى النية وتكبيرة الإحرام لأَنَّهُ حينئذٍ ليس في صلاةٍ، وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلاَمِهِ لاَ يَحْمِلُهُ، لانتهاء القدوة، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ بِسَلاَمِ إِمَامِهِ بَنَى، أي إذا لم يطل الزمان، وَسَجَدَ، لأن سهوه بعد انتهائها، وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، لأن الخلل بذلك يتطرق إلى صلاته، قُلْتُ: ويستثنى من ذلك ما إذا تبين حدث الإمام؛ فإنه لا يسجد لسهوه ولا يتحمل هو عن المأموم سهوه، وما إذا علم المأموم سبب سهوه وغلطه في ظنه فلا يوافقه إذا سجد، فَإِنْ سَجَدَ، أي في غير ما تقدم استثناؤه، لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، لأن الإمام إنما جعل ليُؤتمَّ به، وهذا السجود لسهو الإمام، وقيل: لِمُجَرَّدِ المتابعة وينبني عليهما ما إذا لم يسجد الإمام وسيأتي، وَإِلاَّ، أي وإن لم يسجد الإمام، فَيَسْجُدُ، أي المأموم، عَلَى النَّصِّ، جْبرًا للخلل، وفي قول مخرّج: لا يسجد؛ لأنه لم يسْهَ وقد عرفت مدرك الخلاف.
وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ، فَالصَّحِيحُ

أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، للمتابعة، ثُمَّ، يسجد، في آخِرِ صَلاِتِهِ؛ لأنه محل الجبر بالسجود، والثاني: لا يسجد معه؛ لأن محل السجود آخر الصلاة، وفي قول: إنه إذا سجد معه لا يسجد في آخر صلاته لأنه لم يَسْهَ، وقوله (وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ) أَي إذا سهى قبل اقتدائه؛ فالصحيح أنَّه يسجد معه للمتابعة، وقيل: لا؛ لأنه لم يحضر السهو، والأظهر أنَّه يعيدُه في آخر صلاته؛ لأنه دخل في صلاة ناقصة، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ؛ سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النْصِّ، أي في الصورتين بعد الاقتداء وقبله لما تقدم في المأموم الموافق، وفيه القول المخرج السالف، والخلاف يبنى على ما سبق وهو أن سجود المأموم مع الإمام هل هو لسهوه أو لمجرد المتابعة؟ وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإنْ كَثَرَ، يعني السَّهو، سَجْدَتَانِ, لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سلم من اثنتين وكلَّم ذا اليدين ومشى واقتصر على سجدتين 1، وقيل: إذا سها بالزيادة والنقصان سجد أربعًا حكاه ابن عبدان في شرائط الأحكام، وقيل: يتعدد إذا تعدد سببه حكاه صاحب الوسائل وهو ابن جماعة المقدسيّ، نعم قد تتعدد صوره لا حكمًا كما سيأتي.
فَرْعٌ: لو سجد ناويًا البعض فلصاحب البحر فيه ثلاثة احتمالات، الجواز والبطلان؛ لأنه زاد سجودًا على غير المشروع، والفرق بين أن ينوي الأول فيجزي وإلا فلا.
كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، أي في الأركان والشرائط والمستحبات، وَالجَدِيدُ أَنَّ مَحَلَّهُ

بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ, لأنه آخر الأمرين من فعله - صلى الله عليه وسلم -، والقديمُ: أنهُ إنْ سهَا بزيادةٍ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ أو نقصَ فقبلَهُ، وفي ثالث: يتخيرُ بينهما، ونقل البيهقي في المعرفة أنَّه الأشبه، قال: ثم احتاط بعض أصحابنا ففعل ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قاله في كل واقعة رويت عنه 1، وحكاه الحازمي في ناسخه ومنسوخه عن سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي 2 وحكى المصنف في تحقيقه طريقة قاطعة بالأول وزاد على ذلك فصححها وحكى فيه قولًا رابعًا أنَّه بعد السلام مطلقًا وهو غريب، والخلاف في الإجزاء، وقيل: في الأفضل، وقوله: (بَيْنَ تَشَهُّدِهِ) أي مع الركن الذي بعده وهو الصلاة على النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- وكذا المستحبات كالصلاة على الآل والأدعية.
فَرْعٌ: لو اقتدى بمن يَرَى سُجُودَ السُّهْوِ بعد السلام، قال الدارميُّ: فإِنْ سَبَقَهُ ببعضها أخرج نفسه وتمم لنفسه وسجد، وإلّا فأوجه أحدها: يخرج نفسه ويسجد، وثانيها: يتبعه في السجود بعد السلام، وثالثها: لا يسلم إذا سلم الإمام، بل يصبر فإذا سجدَ سَجَدَ معهُ ثم يسلِّمُ.
فَإِنْ سَلْمَ عَمْدًا فَاتَ فِي الأَصَحِّ، أي تفريِعًا على الجديد لقطعهِ الصَّلاَةَ بِالسَّلَامِ، والثاني: لا، إن قربَ الفصل، أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ فَاتَ فِي الْجَدِيدِ، لفوات محله وتعذر البناء، والقديم: لا؛ لأنه جُبْرانٌ فلم يسقط بالتطاول كجبران الحج، وَإِلَّا، أي

وإن قصر، فَلَا عَلَى النَّصِّ, لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ], متفق عليه (502)، وقيل: نعم؛ لأن السلام وجد في وقته وهو فرض فلا يعود إلى سُنَّةٌ، وِإذَا سَجَدَ، أي هنا أو في طول الفصل على القديم، صَارَ عَائِدًا إِلَى الصَّلاةِ فِي الأَصَحِّ؛ لأن محل السجود قبل السلام، والثاني: لا؛ لأن التحلل حصل بالسلام بدليل أنَّه لا تجب اعادته.
وَلَوْ سَهَا إِمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُواْ فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّواْ ظُهْرًا، لما سيأتي في بابه، وَسَجَدُوا؛ لأن محله آخر الصلاة، وقد تبيَّن أنَّ الْمَأْتِيَّ به ليس في آخرها، وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ سَجَدَ فِي الأَصَحِّ, لأنه زاد سجدتين سهوًا، والثاني: لا، لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة فيجبر نفسه كما يجبر غيره، وصار كالشاة من أربعين تزكي نفسها وغيرها.

بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ

بَابٌ: أي

باب سجود التلاوة والشكر

، تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ: أما مطلوبيتها فإجماع، وأما عدم الوجوب فلقول عمر: (إِنَّ الله لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ) 2، ولا يقوم الركوع مقام هذه السجدة عندنا خلافًا للخطابي، وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: مِنْهَا سَجْدَتَا (اَلْحَجَّ)، لحديث عمرو بن العاص أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-[أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ1

سَجْدَتَانِ]، رواه أبو داود والحاكم 1 وعدها في الحديث خمس عشر لأجل ﴿ص﴾ فإن السجود مشروع لها بالشرط الآتي، ومواضع السجدات معروف 2؛ واختلف في ثلاثة منها كما ذكرته في الشَّرْحِ، وأهملتُ رابعًا وهو ما ذكره ابن التين في شرح البخاري أن سجدة في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ 3 هي عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ

الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} 1 أواخر السورة، وحكاه ابن الحاجب في مختصره أَيضًا فقال: والانشقاق آخرها، وقيل: ﴿لَا يَسْجُدُونَ﴾ وزاد موضعًا خامسًا فقال ﴿ص﴾ و ﴿أناب﴾ 2، وقيل: ﴿مئاب﴾ 3، وعن النقاش أن عند أبي حنيفة ويَمان بن رِئاب سجدة عند قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ 4 وهذا غريب وقد حكاه القرطبي أَيضًا 5، والقديم أنها إحدى عشرة بإسقاط سجدات المفصل لحديث فيه ضعيف 6، لاَ ﴿ص﴾، بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ، أي لله تعالى على قبول توبة داود عليه السلام، لحديث ابن عباس [سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا] رواه النسائي 7، ويقوي إرساله بقول رَاوِيْهِ في البخاري 8. تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَجَدَهَا مَرَّةً عَلَى الْمِنْبَرِ

كما رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم 1، ويدخل في إطلاق المصنف مشروعية السجود لها في الطواف وهو الظاهر وإن لم أرَ من صرح به، وَتَحْرُمُ فِيهَا عَلَى الأَصَحِّ، كغيرها من سجود الشكر، فعلى هذا إن فعله عامدًا عالمًا بالتحريم بطلت، أو ناسيًا أو جاهلًا فلا يسجد للسهو، والثاني: لا يحرم؛ لأن سببها التلاوة بخلاف غيرها من سجود الشكر 2. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ، للاتباع، نعم: لا سجود لقراءة الجنب والسكران كما قاله القاضي في فتاويه، وإذا سجد المستمع مع القارئ فلا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء وله الرفع من السجود قبله، قاله في الروضة، وحاصل كلام القاضي: أنَّه لا يجب، ولكن يجوز، وَتَتَأكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارئِ، أي وإن كان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده على الأصح.
قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَالله أَعلَمُ، أي وهو الذي لم يستمع بل سمع من غير قصد إلَّا أنَّه لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع، أما أصل الاستحباب فلقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ 3 دخل

فيه السامع والمستمع ومن لم يَسْمَع أَيضًا وإن تناوله الإطلاق أَيضًا فهو خارج بالاتفاق، وإن عَلِمَ ذلك برؤية الساجدين ونحوه، وأما عدم التأكيد فلقول ابن عباس [اَلسَّجْدَةُ لِمَنِ اسْتَمَعَ لَهَا] رواه البيهقي وعَلَّقَهُ البخاري عن عثمان وعمران 1. وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، أي في محل القراءة، سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، أي سجد كل منهما لقراءة نفسه كما سبق؛ ولا يسجدان لقراءة غيرهما؛ لأنه يكره لهما الاصغاء لها، أما إذا قرأها في الركوع أو السجود فلا يسجد بخلاف ما إذا قرأها قبل الفاتحة، ويستثنى صلاة الجنازة؛ فلا يسجد فيها قطعًا إذا قرأ آية سجدة فيها ولا بعدها على الأصح، وَالْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، أي فقط فلو سجد لقراءة نفسه أو غيره أو لقراءة إمامه كغيره لكن عند سجوده بطلت صلاته للمخالفة، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ أَوِ انْعَكَسَ، أي بأن سجد هو دُون إمامه، بَطَلَتْ؛ صَلاتُهُ، لما فيه من المخالفة، وقيل: لا تبطل في الثَّانية حكاه مجلي وقد فهم من كلام المصنف: أنَّه لا يكره للإمام قراءة آية سجدة وهو كذلك، وقد صح ذلك من فعله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ في السِّرية 2.

وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، أي أراد السجود، نَوَى، للحديث المشهور، وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ، للاتباع كما أخرجه أبو داود بإسناد حسن 1، رَافِعًا يَدَيهِ، أي كما في تكبيرة الإحرام، ولا يستحب أن يقوم ثم يكبر على الأصوب في الروضة، ثُمَّ لِلْهَوِيِّ بِلَا رَفْع وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ، وَرَفَعَ مُكبِّرًا وَسَلَّمَ، أي بعد القعود، وكل ذلك كما في الصلاة، وقوله (كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ) أي في جميع ما سبق هناك، ويؤخذ منه الاقتصار على سجدة واحدة لأن التقدير سجدة كسجدة الصلاة، وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لما سبق، والمراد بالشرط هنا ما لا بد منه، والثاني: أنها سُنَّة وهو المنصوص، وصححه الغزالي؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراده حتَّى يكون له تحرّم، ولهذا قال أبو جعفر الترمذي: لا تشرع فيه هذه التكبيرة أصلًا، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الأَظْهَرِ، قياسًا على التحرّم، والثاني: أنَّه لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة، والأصح من زوائد الروضة: أنَّه لا يستحب التشهد، وسكتَ المصنفُ عن النية؛ والمعروف وجوبها، ونقل الرافعي عن الوسيط: أنها لا تجب؛ ثم قال: وهو متأيدٌ بقول الشَّافعيّ، وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، وحكاه في النهاية وجهًا، وقال: كَانَ شَيْخِي لا يَذكُرُ غَيْرَهُ وَنَصُّ الشَّافِعِي يُوَافِقُهُ.
وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، أي كالطهارة وغيرها؛ لأنها صلاة في الحقيقة، كذا علله صاحب المهذب والبحر، ويشترط أَيضًا دخول وقت السجود بأن يكون قد قرأ الشيخين ولم يخرجاه أو هو سُنْةٌ صحيحة غريية أن الإمام يسجد فيما يُسِرُّ بالقراءة مثل سجوده فيما يعلن.
ووافقه الذهبي.

الآية أو سمعها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة، ولو بحرف واحد، لم يجز؛ صَرَّحَ به في شرح المهذب، ومقتضاه أن سماع الآية بكاملها شرط في القراءة حتَّى لا يكفي سماع كلمة السجدة فتنبه له.
قُلْتُ: ويشترط أيضًا الكف عن المفسدات كالكلام والأكل والفعل فإن المصنف لم يعدّها هناك من الشروط.
وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا، أي في الصلاة، كَبَّرَ لِلْهَوّي وَللرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، أي فيهما معًا كما في صلب الصلاة.
قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلاِسْتِرَاحَةِ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه زيادة في الصلاة لم يرد فعلها، وَيقُولُ: سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، للاتباع إلاّ أنى لم أرَ في روايته لفظة و (صوَّره) ولهذا حذفها المصنف في تحقيقه، قال الغزالي رحمه الله تعالى: يدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها وهو حسن، ونحى نحوه صاحب البحر، وقال المصنف في تحقيقه يسبّح ويدعو كغيرها ويزيد: [سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ اللَّهُمَّ أُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أجْرًا وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقبَّلْهَا مِنّي كَمَا تَقبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدْ] وهذا الدعاء رواه التِّرْمِذِيّ وحسنه الحاكم وصححه 1. وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلِّ، لتجدد السبب بعد توفية الأول ما يقتضيه، وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الَأصَحِّ، لما ذكرناه، والثاني: يكفيه الأولى كما لو كررها قبل أن يسجد للأولى، والثالث: إن طال الفصل سجد لكل مرة وإلا فلا، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، أي وإن طالت، وَرَكعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ، أي وإن قصرتا نظرًا إلى الاسم،

فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَضْلُ لَمْ يَسْجُدْ، أي لا أداء؛ لأنه من توابع القراءة، ولا قضاء على الأظهر؛ لأنه ذو سبب عارض فلم يُقْضَ كالخسوف، وسواء كان التأخير لعذر أو غيره كما اقتضاه إطلاق المصنف.
فَصْلٌ: وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لاَ تَدْخُلُ الصَّلَاةَ، أي حتَّى لو فعلها فيها بطلت صلاته؛ لأن سببها ليس له تعلق بالصلاة بخلاف سجدة التلاوة، وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أي لحدوث ولدٍ أو مالٍ وجاهٍ ونصرٍ على الأعداء، كما مثله في البحر، ومثل ذلك قدوم الغائب وشفاء المريض 1، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أي لنجاته مما ظن وقوعه به كالهدم والغرق وغيرهما 2، وكذا حدوث مطر عند قحط وزواله عند خوف التأذي به لعدة أحاديث في ذلك، ذكرتها في الأصل، واحترز بهجوم النعمة عن استمرارها فإنَّها لا تُسَنُّ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَى، أي في بدنه أو غيره شكرًا لله على سلامته، أَوْ عَاصٍ،

يتظاهر بها؛ لأن مصيبة الدين أشدُّ من مصيبة الدنيا، والسجود لرؤية الكافر من باب أَوْلى فأيُّ معصية أشد من معصيته، وبه صَرَّحَ الروياني في البحر، ولو لم يرهما بل علم بوجودهما كما لو حضرا في ظلمة أو عند أعمى أو سمع صوتهما من وراء جدار، فالذي يظهر استحباب السجود أيضاً، وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي، أي تعييراً له فلعله يتوب؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يخاف مفسدة أو ضرراً فيخفيها كما قاله في شرح المهذب، لاَ لِلْمُبْتَلَى، لئلا يتأذى به، نعم: إذا كان غير معذور كالمقطوع في السرقة أظهرها، كما قاله ابن يونس في شرحه للتعجيز، وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، أي المفعولة خارج الصلاة في كيفيتها وشرائطها لما سبق في تلك، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، أي بالإيماء بخلاف الجنازة لأنها تندر، فلا يشق النزول لها؛ ولأن حرمة الميت تقتضى النزول، واحترزت بالإيماء عما لوكان في مرقد وأتم السجود فإنه يجوز قطعاً، والأصح أن الماشي يسجد على الأرض كسجدات الصلاة، فَإِنْ سَجَدَ لِتِلاَوَةِ صَلاَةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعاً، أي بالإيماء تبعاً لها كما في سجود الصلاة، والخلاف السابق محله إذا أتى بالسجدة وحدها وهذا التفصيل لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تُفعل في الصلاة.

بَابُ صَلاَةِ النَّفْلِ

صَلاَةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: النَّفْلُ لغة الزَّيَادَةُ؛ واصطلاحاً مَا عَدَا الْفَرْض، سُمِّي بذلك لزيادته عليه، قِسْمٌ لاَ يُسَن جَمَاعَةً، أي لمواظبته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ على فعله فرادى وإن كانت الجماعة فيه جائزة من غير كراهة لحديث ابن عباس في الصحيح [أَنَّهُ تَهَجَّدَ فِي بَيْتِ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ مُقْتَدِياً بِالنبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 1،. وَجَمَاعَةً منصوبٌ

على التمييزِ لا الحال، فَمِنْهُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ، أي وهي التابعة للفرائض لا المؤقتة بوقت، والحكمة في مشروعيتها تكميل ما نقص من الفرائض 1، وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُهْرِ وَكَذَا بَعْدَهَا، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، لحديث ابن عمر، متفق عليه 2. قُلْتُ: إلاّ في حق الجامع بمزدلفة؛ فإن السُّنَّةَ ترك التنفل بعد المغرب والعشاء كما نص عليه وصح في الحديث 3، وَقِيلَ: لاَ رَاتِبَ لِلْعِشَاءِ، وكتاب الأذان: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام: الحديث (698) والحديث (699)، وفي كتاب الوتر: الحديث (992).

لأن الركعتين بعدها يجوز أن يكونا من صلاة الليل، وروى ابن مَنْدَةَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَ: رَأَيْتُ حَبِيبِي - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهَا ثُمَّ قَالَ: [مَنْ صَلَّي بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكْعَاتٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ] قال ابن مندة: غريب تَفَرَّدَ به صالح ابن قطن، قُلْتُ: ولا أعلم حاله، وأما ابن الجوزي فذكره في علله من الطريق المذكورة ثم قال: وفيه مجاهيل 1. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، لأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَانَ لاَ يَدَعُهَا، رواه البخاري من حديث عائشة 2. وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ]، رواه الترمذي والحاكم وصححاه 3، وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ يُصَلَّى فيه الصبح بمزدلفة: ج 5 ص 262. وفي سنن أبي داود: الحديث (1934). وأخرج البيهقي في المعرفة والآثار: الحديث (1645) بلفظ: [مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى صَلاَةَ قَطُّ إِلاَّ لِوَقْتِهَا إِلاَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ صَلاَتَيْنِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ وَقْتِهَا].

الْعَصْرِ، للاتباع كما رواه الترمذي وحسنه 1، وَالْجَمِيعُ سُنَّةً، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ، يعني أن الجميع سُنَّةٌ راتبة؛ وإنما الخلاف في أنها مؤكدة أم لا؟ كذلك ذكره في الروضة وشرح المهذب، فمنهم من يقول: إن الجميع مؤكد لظاهر الأدلة السالفة، ومنهم من يقول: المؤكد هو العشرة المذكورة أولاً فقط للمواظبة عليها وما ذكره المصنف، قال الرافعي: هو معنى قول المهذب وجماعة: أدنى الكمال عشرة وأتمه ثمان عشرة، وقيل: وَرَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، للاتباع كما أخرجه ابن حبان في صحيحه 2 فاستفده، ووجه مقابله قول ابن عمر: (مَا رَأَيْتُ أَحَداً يُصَلِّيهِمَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) رواه أبو داود بإسناد حسن 3. قُلْتُ: هُمَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: [مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (1269). والترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (428) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
والنسائي في السنن: في قيام الليل: ج 3 ص 265 - 266. والحاكم في المستدرك: كتاب صلاة التطوع: الحديث (1175/ 25) وقال: كلا الإسنادين صحيحان على شرط مسلم ولم يخرجاه.

سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الأَمْرُ بِهِمَا، هوكما قال؛ فإنه أخرج من حديث عبد الله ابن مغفل - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [صَلُّواْ قَبْلَ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ]، قال في الثالثة: [لِمَنْ شَاءَ] كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً 1، والمراد بالسُّنَّةِ الطريقة اللازمة لا المعنى الاصطلاحي، والجواب عن قول ابن عمر السالف أنه نفى؛ وغيرهُ اثبت؛ خصوصاً أن من أثبت أكبر عدداً ممن نفى.
ومحلُّ استحبابهما بعد دخول الوقت وقبل الشروع في الإقامةِ، وإذا قلنا باستحبابهما فَلَيْسَتَا مِن المؤكدةِ، قاله الرافعي؛ وابنُ الصلاحِ خلاف ما يَقْتَضِيهِ إِيْرَادُ الْمُصَنِّفِ؛ وَفِيِهِ نَظَر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بهما وفعلهما كما تقدم، وصح أنه كان إذا عمل عملاً أثبته، وقد حكاه الأستاذ وجهاً وإن كان غريباً، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ، للأمر بذلك كما أخرجه مسلم 2، وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَالله أَعْلَمُ، أي فإذا أراد الأكمل صلَّى أربعاً أو أدناه صلَّى ركعتين، وقد أفردت ذلك في تصنيف مفرد فراجعه.
وَمِنْهُ، أي من السنن، الْوِتْرُ، قال ابنُ المنذرِ: لا أعلم أحداً وافق أبا حنيفة على وجوبه حتى صاحبيه؛ وهو من الرواتب أيضاً كما يفهمه كلامه، وَأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اَلْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ]، رواه مسلم 3، وقال أبو الطيب: يُكره الإيتار رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلَّيهِمَا، وَرَخَّصَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (1284).

بها 1، وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشَرَةَ، وَقِيلَ: ثَلاَثَ عَشْرَةَ، لاختلاف الرواية عن عائشة في ذلك 2، وَلَمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةِ الْفَصْلُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم، رواه ابن حبان 3، وَهُوَ أَفْضَلُ، من الوصل الآتي ذكره؛ بل يكره الوصل كما جزم به صاحب اللطيف، لأن أحاديث الفصل أكثر، ابن عمر رضي الله عنهما قال: [اَلْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ] رواهما مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين: باب صلاة الليل: الحديث (155/ 753) والحديث (153/ 752).

كما قاله في شرح المهذب، ولأنه أكثر عملاً إذ يزيد بالسلام ثم بالتكبير والنية وغيرها، وفي صحيح ابن حبان من حديث أبى هريرة مرفوعاً [لاَ تُوْتِرُواْ بِثَلاَثٍ أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَلاَ تُشَبِّهُواْ بِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ] 1 وهو صريح في كراهية وصلِ الثلاث، وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرها، متفق عليه 2 وغيره من الأحايث، أي ولمن زاد الوصل أيضاً، أَوْ تشَهُّدَيْنِ فِي الآخِرَتَيْنِ، للاتباع فيهما، كما أخرجه مسلم 3، ولا يجوز أكثر من تشهدين على الأصح لأنه خلاف المنقول، ولا يجوز الاتيان بهما في غير الأخيرتين لأنه خلاف المنقول أيضاً.
فَرْعٌ: يستحب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ في الأولي ﴿سبِّح﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة (﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ والمعوذتين لحديث حسن فيه 4.

وَوَقْتُهُ بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءَ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، بالإجماع، قال المحاملي في المقنع: ووقته المختار إلى نصف الليل والباقي وقت جواز، وَقِيلَ: شَرْطُ الإيْتَارِ بِرَكْعَةِ سَبْقُ نَفْلِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، ليوتر ما قبله من السنن، والأصح المنع بل يوتر ما قبله فرضاً كان أو سُنَّةً، وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلاَةِ اللَّيْلِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [اِجْعَلُواْ آخِرَ صَلاَتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْراً] متفق عليه 1، وحينئذ فإن كان له تهجد أخر الوتر إلى أن يتهجد؛ وإن لم يكن له تهجد أوتر بعد فريضة العشاء، وراتبتها كذا أطلقهُ في الروضة تبعاً للرافعي عن العراقيين، وقال فِي شرح المهذب: إن لم يكن له تهجدٌ ولكن وثق باستيقاظ آخر الليل، يستحب تأخيرهُ لأحاديث صحيحة فيه 2، فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ يُعِدْهُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ] رواه أبو داود وصححه ابن حبان 3. يَقْرَأُ... الحديث، وفيه: و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾]: الحديث (2439).

وَقِيلَ: يُشْفِعُهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُعِيدُهُ، أي يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً ثم يتهجد ما شاء ثم يوتر ثانياً اقتداء بابن عمر وغيره ويسمى هذا نقض الوتر وذكر الغزالي فِي الأحياء أنه صح النهي عن نقضه 1. فَائِدَةٌ: قال ابن حبان في صحيحه: ذكر الأمر بركعتين بعد الوتر لمن خاف أن لا يستيقظ للتهجد وهو مسافر، ثم روى من حديث ثوبان: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سَفَرِهَ فَقَالَ: [إنَّ هَذَا السَّفَرَ جُهْدٌ وَثقلٌ فَإذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، وَإلاَّ كَانَتَا لَهُ] 2. وَيُنْدَبُ القُنُوتُ آخِرَ وِترِهِ فِي النَّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، اقتداءاً بأبي بكر - رضي الله عنه - 3 وَقِيلَ: كُلِّ السَّنَةِ، لإطلاق حديث الحسن: عَلَّمَنِي جَدِّي رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في السنن: كتاب الصلاة: باب في نقض الوتر: الحديث (1439). والترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: باب ما جاء لا وتران: الحديث (470). والنسائي في السنن: في قيام الليل: باب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوترين: ج 3 ص 229 - 230.

جارٍ التحميل