لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ، عملًا بمقتضي العيب، وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ] رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 1. ومعناه أن ما يخرج من المبيع من غَلَّةٍ وفَائِدَةٍ فهو للمشتري في مقابله أنه لو تلف لكان من ضمانه، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأصَحِّ.
الخلاف مبني على أن الفسخ يرفع العقد من حينه أو من أصله؛ والأصح الأول.
وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ رَدَّهُ مَعَهَا في الأَظْهَرِ، بناء على أن الحمل يعلم ويقابل بقسط من الثمن، والثاني: لا؛ بناء على مقابله.
وهذا إذا لم تنقص بالولادة، فإن نقصت امتنع الرد، قاله الرافعي، واحترز بقوله (فَانْفَصَلَ) عما إذا كانت بَعْدُ حاملًا فإنه يردها لذلك جزمًا.
فَرْعٌ: باع دجاجة فيها بيضة فباضت ثم وجد بالدجاجة عيبًا هل يلزمه ردُّ البيضة مع الدجاجة؟ وجهان؛ بناءً على القولين في الحمل ذكره الروياني.
وَلاَ يَمْنَعُ الرَّدُّ اسْتِخْدَامَ، بالإجماع، وَوَطْءَ الثَّيِّبِ، أي في حق المشتري قياسًا على الاستخدام، أما غيره إذا كانت زانية فإنه عيب حادث، ووطئ الأجنبي والبائع بشبهة كوطءِ المشتري.
وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ، وهو إزالة بكارتها، بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ، أي فيمنع الردّ كسائر العيوب الحادثة، وَقَبْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أي فيفرق بين الأجنبي والبائع والمشتري والآفة السماوية وقد أوضحته في الشرح.
فَصْلٌ: التَّصْرِيَةُ حَرَامٌ، لأنها غش وتدليس 1، تُثْبِتُ الْخِيَارَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ] رواه مسلم 2، عَلَى الْفَوْرِ، كالرد بالعيب، وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، للحديث الصحيح المذكور وهذا الوجه هو الحق.
وقد نصَّ عليه إمامنا في الإِمْلاَءِ وغيره، ولو عرَفها قبل ثلاثة أيام فخياره على الفور على الأول، وعلى الثاني يمتد إلى آخر الثلاثة، ولو عرَفها في آخر الثلاث أو بعدها فعلى الثاني لا خيار لامتناع مجازوة الثلاث، وعلى الأول يثبت على الفور قطعًا، فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفٍ اللَّبَنِ رَدَّ مَعَهَا، أيْ مع البهيمة، صَاعَ تَمْرٍ، للحديث الصحيح فيه، وَقِيلَ: يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ، لأنه ورد التمر والطعام والقمح كما أخرجه أبو داود 3 فدل على اعتبار القوت مطلقًا كصدقة الفطر.
أما
إذا كانَ اللبنُ باقيًا؛ فإن طلب البائع رده لم يجبر المشتري، لأن ما حدث بعد البيع هو ملك له، وإن طلب المشتري فإن حَمِضَ لم يكلف البائع قبوله، وكذا إن لم يتغير في الأصح لذهاب طراوته، ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أن المصراة يردها مع صاع تمر إلا في حالتين: أن يكون اللبن موجودًا لم يتغير، وأن يكون اشتراها بأقل من صاع مع اللبن فلا يردَّها مع صاعٍ؛ قال: وفيه نظر.
فَرْعٌ: تَرَاضَيَا عَلى غَيْرِ التَّمْرِ مِنْ قوتٍ وغيرهِ جَازَ قَطْعًا قالهُ البغويُّ.
فَرْعٌ: يتعدد الصاع بتعدد المصراة كما نقله ابن قدامة الحنبلى عن الشافعى، ولم أرهُ في كلام أصحابنا 1.
فَرْعٌ: رَضِيَ بإمساكِ الْمُصَرَّاةِ وَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا قديمًا فالنصُّ والمذهبُ أنه يَرُدُّهَا ويردُّ اللَّبنَ، وقيل: يتعين الأرش.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لاَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَقِلَّتِهِ لإطلاقِ الخبرِ وقطعًا للنزاع، والثاني: يَتَقَدَّرُ بقدره لِوُرُودِهِ كذلك في رواية أبي داود السالفة؛ فإن فيها رد مثل أو مثلي لبنها قمحًا، وَأَنَّ خِيَارَهَا لاَ يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ، وهى أي الإبل والبقر = بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَد مَعَهَا مِثْلَ أوْ مِثلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا].
رواه أبو داود في السنن: كتاب البيوع: باب من اشترى مُصَرَّاة فكرهها: الحديث (3445) والحديث إسناده ضعيف.
وليس التمر بقيد؛ والله أعلم.
والغنم، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ وَالْجَارِيَةَ وَالَأتَانَ، أي وهي الأُنثى من الحمر الأهلية لأن في رواية أبي داود المذكورة من ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً، والثاني: تختص بالنعم، لأن ما عداها لا يقصد لبنه إلّا على نُدُورٍ، وَلاَ يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، أي مع الجارية والاتان؛ لأن الأول لا يعتاض عنه غالبًا، والثاني: نجس، وَفِي الْجَارِيَةِ وَجْهٌ، أي أنه يرد بدله، لأن لبنها مقصود، قال الإمام: ومحل الخلاف إذا لم يكن للبنها قيمة، أما إذا كان له قيمة فلا بد من بدله، وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَا الْمُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، أي والاجارة، وَتَحْميِرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ، وَتَجْعِيدُهُ، أي المحبوب، يُثْبِتُ الْخِيَارَ، قياسًا على التصرية بجامع التدليس، لاَ لَطْخِ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الأَصَحِّ، لتقصير المشتري بعدم الامتحان والسؤال عنه فليس فيه كبير تغرير، والثاني: نعم للتلبيس والتدليس.
بَابُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ
بَابٌ: الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ لبقاء سلطنته عيه، واستثنى بعض شيوخ شيوخنا من ذلك ثلاث مسائل، الأُولى: إذا اشترى أمَة فوطأها أبو المشتري قبل القبض وأحبلها ثم ماتت، فإنها تتلف من ضمان المشتري فيما يظهر، لأنها بالعلوق قدر انتقالها إلى ملك الأب، ومن ضرورة ذلك تقدير القبضْ وإن لم توجد صورته؛ الثانية: إذا اشترى السيد من مكاتبه شيئًا ثم عجز المكاتب نفسه.
قَبَلَ قبض السيد العين المبيعة، الثالثة: إذا اشترى الوارث من مورثه عينًا ثم مات المورث قبل القبض.
فَإِنْ تَلَفَ اَنْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، لأنه قبض مستحق بالبيع؛ فإن (•) تعذر انفسخ البيع كما لو تفرقا في عقد التصرف قبل التقابض، ولو باعه عبدًا وسلمَهُ (•) في النسخة (2) و (3): فإذا.
للمشتري وديعَةً وقبضهُ ولم يعلم بأنه المبيع فمات في يده فهو في ضمان البائع على أحد الوجهين قاله في البحر.
وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشترِيُ عَنِ الضَّمَانِ لَمْ يَبْرَأ فِي الأظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْحُكْمُ، لكونه إبراءً عما لم يجب، والثاني: إبراءٌ يبرأُ لوجود السبب، وَإِتْلاَفُ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ، كما لو أُتلفَ المغصوبُ في يد الغاصبِ، ويستثنى من ذلك ما إذا قتله المشتري لصياله عليه، فإنه لا يكون قبضًا على الأصح، من زوائد الروضة، وما لو ارتد وكان المشتري هو الإمام فقتله لردته، فإن قتله غيرُهُ كان قابضًا؛ لأنه لا يجوز له قَتْلَهُ، أفتى به البغوي، وفيما إذا قتله غير الإمام نظر ولو قتله المشتري قصاصًا فيظهر، كما قال صاحب المطلب: أن يكون كالآفة السماويةِ.
وإلَّا، أي وإن جهل، فَقَوْلاَنِ: كَأَكلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ الْمَغْصُوبَ ضَيْفًا، أي جاهلًا بأنه طعامه بتقديم الغاصب، فإن قلنا الغاصب لا يبرأُ لتغريرهِ لم يكن هنا قبضًا، وإن قلنا يبرأُ وهو الصحيح لأجل مباشرة المالك الإتلاف فيكون هنا قبضًا وإن لم يكن بتقديم أحد؛ فلا يبعد أن يكون كالآفة السماوية، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ إِتْلاَفَ البَائِع كَتَلَفِهِ، أي بآفة سماوية فينفسخ؛ لأن المبيع مضمون بالثمن فإذا أتلفه سقط الثمن، والثاني: لا ينفسخ، لأنه جانٍ على ملك غيره؛ فأشبه الأجنبي فيتخيّر المشتري بين الفسخ والإجازة، أي ويرجع على البائع بالبدل.
والطريق الثاني: القطع بالأول وصححها صاحب التنبيه ونقلها في المهذب عن الأكثرين.
فَرْعٌ: بيع البائع مع الإقباض وعجزه عن الاسترداد كجنايتهِ.
وَالأظْهَرُ: أَنَّ إِتْلاَفَ الأجْنَبِيِّ لاَ يَفْسَخُ، لقيام القيمة مقام المبيع، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُشْترِي بَيْنَ أَن يُجِيزَ وَيَغْرَمَ الأَجْنَبِيُّ أَوْ يَفْسَخَ فَيَغْرَمَ الْبَائِعُ الأجْنَبِيُّ، لفوات العين المقصودة، والثاني: يكون فسخًا لتعذر التسليم، ثم هذا إذا كان الإتلاف عدوانًا، فإن كان بحقٍّ بأن أتلف عبده فاقتص منه فهو كالآفة السماوية قطعًا.
وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، كما لو كان مقارنًا للعقد،
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي فَلاَ خِيَارَ، لحصوله بفعله بل يمتنع بسببه الرد بالعيوب القديمة، أَوِ الأَجْنَبِيُّ فَالْخِيَارُ، لكونه مضمونًا على البائع، فَإِنْ أَجَازَ غَرِمَ الأجْنَبِيُّ الأرْدشَ، أي وهو المقدار المذكور في الدِّيَاتِ لأنه الجانى.
وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ؛ فَالْمَذْهَبُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لاَ التغْرِيمِ، إِعْلَمْ: أن ثبوت الخيار لا خلاف فيه وقد جزم به الرافعي وغيره، لأن فعل البائع، إما كالآفة، وإما كفعلِ الأجنبيِّ، وكلاهما مثبت للخيار قطعًا.
وإنما الخلاف في التغريم؛ والمذهب: أنه لا يثبت بناء على أنه كالآفة السماوية، والثاني: يثبت بناء على جعله كالأجنبي، فالصواب في التعبير أن يقول: ثبت الخيار لا النغريم على المذهب؛ وقد أوقعه في ذلك ظاهر عبارة الْمُحَرَّرِ (•).
فَصْلٌ: وَلاَ يَصِح بَيْعُ الْمَبِيع قَبْلَ قَبْضِهِ، لصحة النهى عنه 1، ثم قيل: المنع (•) في هامش النسخة (3): بلغ مقابلةً على نسخة قريت على المصنف وعليها خطه.
معلل بضعف الملك، وقيل بتوالي الضمانين، وَالأصَحُّ أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِع كَغَيرِهِ، مراعاة للمعنى الأول، والثانى: يجوز بناءً على الثاني، ومحل الخلاف فيما إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقصان أو تفاوت صفة، وإلا فهو إقالة بلفظ البيع قاله المتولي، وَأَنَّ الإِجَارَةَ وَالرهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْع، بناءً على المعنى الأول، والثاني: يصح بناء على الثاني، وَأَنَّ الإِعْتَاقَ بِخِلاَفِهِ، أى بخلاف البيع فيصح، ولو كان للبايع حق الحبس لفوته؛ وضعف حق الحبس.
والثاني: لا يصح؛ لأنه إزالة ملك كالبيع.
فَرْعٌ: الترويج والاستيلاد والوقف كالعتق لا الكتابة.
وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنِ كاَلْمَبِيع، فَلاَ يَبِيعُهُ الَبائِع قَبْلَ قَبْضِهِ، لعموم النهي، وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةٌ، كَوَدِيعَةِ؛ وَمُشْتَرَكٍ؛ وَقِرَاضٍ؛ وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ؛ وَمَوْرُوثٍ؛ وَبَاقٍ فِي يَدِ وَليِّهِ بَعْدَ رُشدِهِ، وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَأخُوذٌ بِسَوْمٍ، لتمام الملك والقدرة على التسليم؛ ويستثنى من الموروث ما إذا كان الْمُوَرِّثُ لا يملكُ بيعهُ بأنْ اشتراهُ أو ماتَ قَبْلَ أنْ يقبضه، ومن الأمانة ما إذا استأجر صباغًا لِصَبْغِ ثوبٍ، وسلمه إليه.
فليس للمالك بيعه قبل صبغه، لأن له حبسه لعمل ما تُسْتحَقُّ بِهِ الأجرة، وإذا صبغه فله بيعه قبل استرداده إن وفر الأجرة وإلّا فلا.
قاله البغوي والرافعي؛ قالا: والقصارة كالصبغ إلّا إذا قصر.
وقلنا: القصارة أثرٌ.
وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلِمِ فِيهِ وَلاَ الاِغتِيَاضُ عَنْهُ، لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض، وَالْجَدِيدُ جَوَازُ الاسْتِبْدَالِ عَنِ الثمَنِ، أي الذي في الذمة لحديث ابن عمر: كُنْتُ أَبِيْعُ الإِبِلَ بِالْبَقِيْع - وهو بالباء الموحدة - بِالدَّنانِيرِ وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ؛ وَأَبِيْعُ بالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيْرَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فَسَألتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: [لاَ بَاَسَ إِذَا تَفَررَّقْتمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ] صححه ابن حبان وغيره 1 والقديم:
المنع؛ لإطلاق النهى عن بيع ما لم يقبض.
فَرْعٌ: الأصح أن الثَّمَنَ النقْدُ؛ وَالْمُثَمَّنُ مَا يُقَابِلُهُ؛ فإن لم يكن نقدًا أو كانا نقدين، فالثمن ما اتصلت به الباء.
فَإنِ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ اشتُرِطَ قَبضُ الْبَدَلِ فِي الْمَجْلِسِ، حذرًا من الربا، وَالأصَحُّ.
أنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التعْيِينُ فِي العَقْدِ، لأن الصرف على الذمة جائز، والثانى: يشترط ليخرج عن بيع الدين بالدين، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لاَ يُوَافِقُ فِي الْعلَّةِ كَثوْبٍ عَن دَرَاهِمَ، أي لا يشترط أيضًا في الأصح كما لو باع بدراهم في الذمة لا يشترط قبض الثوب، والثانى: يشترط؛ لأن أحد العوضين دين فيشترط قبض الآخر كرأس مال السَلَمِ.
فَرْعٌ: لو لم يعين العوض، بل وصف في الذمة، اشترط التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان.
وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ، أي عن دين القرض، وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ، أي إن كان متقومًا، جَازَ، لاستقراره؛ فإن وجب فيه المثل فكذلك أيضًا، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضهِ فِي الْمَجْلِسِ مَا سَبَقَ، أي من كونه مخالفًا في علة الربا وموافقًا، وكذا يأتي في اشتراط تعيينه ما سبق.
وَبَيْعُ الدِّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الأظهَرِ، بِأَن يَشْتَرِي عَبْدَ زَيْدٍ بِمَائَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرو، لأنه لا يقدر على تسليمه، والثاني: يجوز لاستقراره كبيعه ممن عليه = وَأبِيْعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيْرَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [لاَ بَأْسَ أنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَينَكمَا شَيءٌ].
• رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب البيوع: باب أخذ العوض عن الثمن الموصوف: الحديث (10836)، وأصله في سنن أبي داود: باب في اقتضاء الذهب من الورق: الحديث (3354). والترمذى في الجامع: الحديث (1242).
• رواه ابن حبان في الإحسان: كتاب البيوع: الحديث (4899).
وهو الاستبدال كما تقدم، وصححه في الروضة من زؤائده، وَلَوْ كَان لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَبْنَانِ عَلَى شَخْصٍ فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ بَطَلَ قطعًا، للنهى عن بيع الكَالِئ بِالكَالِئ وهو بيع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ 1، وقيل: بيع النسيئة بالنسيئة.
وَقَبْضُ الْعَقَارِ تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي، أي تركه له، وَتمْكينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِع، لأن الشرع أطلق القبض وأناط به أحكامًا، ولم يُبَيِّنْهُ وَلاَ له حدّ في اللغة.
فيرجع فيه إلى العرف كالإحياء وغيره، والعرف قاض كما ذكره، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ، أي وقلنا بالأصح أنه لا يشترط حضورهما عنده لما فيه من المشقة، اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ المُضِيَّ إِلَيْهِ فِي الأصَحِّ، أي سواء كان في يد المشتري أم لا؛ لأنا أسقطنا الحضور للمشقة ولا مشقة في الزمان فَاعْتُبِرَ، والثاني: لا يعتبر؛ لأنه لا معنى لاشتراطه عند عدم الحضور.
وَقَبْض الْمَنْقُولِ تَحْوِيلُهُ، لحديث ابن عمر: (كُنَّا نشْتَرِي الطْعاَمَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَبِيْعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ) 2. قُلْتُ: وإتلاف
المشتري قبض؛ كما تقدم.
وكذا إذا كان المبيع خفيفًا يتناول باليد فقبضه بالتناول واحتواء اليد عليه، فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمُوْضِعٍ لاَ يَخْتَصُّ بِالْبَائِع كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، لوجود التحويل، وقوله البيع لو أبدله بالمبيع لكان أصوب، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِع لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ، لأن يد البائع عليها وعلى ما فيها، نَعَمْ: يدخل في ضمانه لوجود الاستيلاءِ، إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِع، أي في القبض والنقل معًا، فَيَكُونُ مُعِيْرًا لِلْبُقْعَةِ، إي التي أذن في النقلَ إليها كما لو استعار من غيره.
فَرْعٌ: لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ الْمَبِيع إِن كَان الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، أي في ابتداء العقد، أَوْ سَلَّمَهُ، إليه كما للمرأة قبض الصداق بغير إذن الزوج إذا سلمت نفسها فإن حَلَّ قبل التسليم فلا حبس (•)، وَإِلَّا فَلاَ يَسْتَقِل بِهِ، أي بل لا بد من إذن البائع، وعليه الردُّ.
لأن البائع يستحق الحبس لاستيفاء الثمن.
وَلَوْ بِيعَ الشيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَاَرْضٍ ذَرَعًا؛ وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا؛ اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ، أي إن بيع ذرعًا، أَوْ كَيْلُهُ، أي بأن يبيع كيلًا، أَوْ وَزْنُهُ، إن بيع = باب ما ذكر في الأسواق: الحديث (2123).
• (لَقَدْ رَأَيْتُ الناسَ في عَهْدِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَبْتَاعُونَ جِزَافًا - يعني الطعامَ - يُضَربونَ أنْ يَبِيعُوهُ في مَكَانِهِمْ حَتى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ): باب من رأى إذا اشترى طعامًا: الحديث (2137).
• (فَنَهَاهُمْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبِيْعُوهُ في مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ): باب منتهى التلقي: الحديث (2167).
(•) في النسخة (3) زيدت عبارة على المتن؛ وهى:
وهو ما قاله الشيخ أبو حامد وعلى ذلك جرى البغوي وصاحب التتمة وأكثر الأئمة، وفيه وجهٌ أنَّ لها الحَبْسُ في الصداقِ قاله الرافعي، وما ترجم هنا في قدر الحبس ذكره في الْمُحَرَّرِ وخالفهما في الشرح الصغير وصحح الجواز وهو الصواب.
إنتهى.
وعلى ما يبدو لي أنها عبارة في الهامش أُدخلت على النسخة.
لأنها توضيحية وبيانية، أو ربما هي من الشرح الكبير لابن الملقن، والله أعلم.
والشرح الكبير مخطوط (عُمْدَةُ المُحْتَاج إِلَى شَرْحِ الْمِنهَاجِ).
وزنًا وكذا عدّه في المعدود بورود النص في المكيل وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكتالَهُ] رواه مسلم 1. والباقي بالقياس عليه ثم مثل المصنف للمكايلة فقال، مِثَالُهُ: بِعْتُكهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ عَلَى أنَّهَا عَشْرَةُ آصُعٍ، ومثال الباقي لا يخفى، وَلَوْ كَان لَهُ، أي لِبَكْرٍ مثلًا، طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ وَلعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُم يَكِيلُ لَعَمْرٍو، وليكون قبضه قبل اقباضه، فَلَوْ قَالَ، أي الذي له الطعام وهو بَكْرٌ، إِقْبِضْ، أي يا عمرو، مِنْ زَيْدٍ مَالِي عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ، أي لعمرو قطعًا لاتحاد القابض والمقبض؛ فإنه يصير قابضًا من نفسه لنفسه، والأصح صحته بالنسبة إلى زيدٍ 2.
فَرْعٌ: قَالَ البَائِعُ: لاَ أسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ.
وَقَالَ الْمُشْتَرِي فِي الثمَنِ مِثْلَهُ، أُجْبِرَ الْبَائِعُ، لتعلق حقه بالذمة، وَفِي قوْلٍ: الْمُشتَرِي، لتعلق حقه بالعين، وَفِي قَوْلٍ: لاَ إِجْبَارَ، فمن سلم أجْبِرَ صاحبه، لأنهما سواء، وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ، لأن التسليم واجب عليهما فيأمر الحاكم كل واحد منهما بإحضار ما عليه إليه، أو إلى عدل، فإذا سلما سلم الثمن إلى البائع والمبيع إلى المشتري؛ لا يضره بأيهما بدأ، قُلْتُ: فَإنْ كَان الثمَنُ مُعَيَّنًا سَقَطَ الْقَوْلاَنِ الأوَّلاَنِ، وَأجْبِرَا فِي الأظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لاستواء الجانبين، وهذا كله إذا كان الثمن حالًا، فإن كان مؤجلًا أُجْبِرَ البائع
قطعًا، وفي بيع الولي أو الوكيل لا يأتى إلّا اجبارهما أو إجبار المشترى، وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي إِن حَضَرَ الثَّمَن، أي نوعه، لأن الكلام فيما إذا كان الثمن في الذمة، لأن التسليم واجب ولا مانع منه، وَإلَّا، أي وإن لم يكن حاضرًا، فَإِنْ كَان مُعْسِرًا فَلِلْبَائِع الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، لما سيأتى في بابه فيحجر الحاكم عليه حينئذ، أَؤ مُوْسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ، أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةِ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَموَالِهِ حَتى يُسَلّمَ، لئلا يتصرف فيها بما يبطل حق البائع، وهذا حجر غريب رواه الشافعى - رضي الله عنه -، فَإن كَان بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ, لتضرره به، وَالأصَحُّ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، لتعذر تحصيل الثمن كإفلاس المشتري به، والثانى: يباع ويؤدي حقه من ثمنه كسائر الديون، فَإِنْ صَبَرَ فالْحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا، لاحتمال تفويت المال كما قدمناه، وَلِلْبَائِع حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَإنَّمَا الأقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الاِبْتِدَاءِ، لأن الإجبار عند خوف الفوات بالهرب أو تمليك المال أو نحو ذلك فيه ضرر ظاهر، قال الرافعي: وهكذا الحكم في المشتري أيضًا.
بَابُ التوْلِيَةِ وَالإِشْرَاكِ وَالْمُرَابَحَةِ
التَّوْليَةُ: مَصْدَرُ وَلَّى تَرْليَةً؛ وَالإِشْرَاكُ: مَصْدَرُ إِشْرَاكِهِ أَيْ صَيَّرَهُ شَرِيْكًا؛ وَالْمُرَابَحَةُ: مِنَ الرِّبْحِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ، وذكر في الباب الْمُحَاطة أيضًا ولم يترجم لها.
اِشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثمَنِ: وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ، أي سواء قال: بما اشتريته أم سكت، فَقَبِلَ، أي بأن قال: قبلت أو توليت، لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ، أي جنسًا وقدرًا وصفةً، وَهُوَ، أي هذا العقد، بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ، أي فلا يصح قبل القبض، ويشترط فيه جميع شروط البيع، لأن حد البيع صادق عليه، وَتَرَتَّبِ أَحْكَامِهِ، أي حتى يُسَلَّمَ الزوائد لأنه ملك جديد، لَكِنْ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثمَنِ، لأن لفظ التولية يُشْعِرُ بِهِ، وَلَوْ حُطَّ عَنِ الْمُوَلّي بَعْضُ الثْمَنِ، أي بعد التولية، اِنْحَطَّ عَنِ
الْمُوَلَّى، لأنه وإن كان بيعًا جديدًا فخاصتهُ وفائدتُهُ التنزيلُ على الثمن الأول.
وَالإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ إِن بَيَّنَ الْبَعْضَ، أي فإن أبهم فلا للجهالة، فَلَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً، كما لو أقر بشئ لزيد وعمرو، وَقِيلَ: لاَ، للجهالة 1.
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ؛ بِأَن يَشْتَرِيَهُ بِمَائَةِ ثُمَّ يَقُولَ: بِعْتُكَ بمَا اشْتَرَيْتُ، أي بمثله، وَرِبْحِ دِرْهَمِ لِكُلِّ عَشَرَةٍ، أي وكذا ربح درهم في كل عشَرة 2، أَوْ رِبْحِ (دَهْ يَازْدَهْ)، لأنه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال: بعثك بمئة وعشرة و (دَهْ) بالفارسية عشرة و (يازدَهْ) أحد عشر والدال مفتوحة فيهما.
وَالْمُحَاطةُ؛ كَبِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطِّ (دَهْ يَازْدَهْ)، لما سبق من كونه ثمنًا معلومًا، ويحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ، لأن الربح في المرابحة من أحد عشر جزء فليكن كذلك الحطُّ في المحاطَّةِ أيضًا، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَه، كما ذكرنا في المرابحة على كل عشرةٍ واحد، وَإِذَا قَالَ: بعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ، أي وهو الذي استقر عليه العقد؛ لأَن الشراء هو العقد؛ والعقد لم يقع إلّا بذلك.
وَلَوْ قَالَ: بِمَا قَامَ عَلَيَّ دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ، أي إذا كان الثمن مكيلًا أو عرضًا ونادى عليه واشترى السلعة به، وَالْحَارِسِ؛ وَالْقصَّارِ؛
وَالرَّفَّاءِ؛ وَالصَّبَّاغِ؛ وَقِيمَةُ الصَّبْغِ؛ وَسَائِرُ الْمُؤَنِ الْمُرَادَةِ لِلاِسْتِرْبَاحِ، أي كتطيين الدار وأُجرة المكان والسكن، أما المؤنُ التي يقصد بها استيفاء المال دون الاسترباح كنفقة العبد وكسوته وعلف الدابة فلا يدخل على الصحيح.
وَلَوْ قَصَّرَ بِنَفْسِهِ؛ أَوْ كَالَ؛ أَوْ حَمَلَ؛ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ، لأن عمله لا أجرة له فلا يتقوم عليه، وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ عَلَى الصَّحِيح، لجهالة الثمن كغير المرابحة، والثانى: يصح، لأن الثمن الثاني مبني على الأول ومعرفته سهلة، والثالث: إن عَلِمَاهُ في المجلس صح؛ وإلا فلا، وَلْيُصَدَّقِ الْبَائِعَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالأجَلِ، لأن المشتري يعتمد فيه نظره، وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ؛ وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ، قُلْتُ: ويجب أيضًا الإخبار بالأجل وبالغبن والشراء من ابنه الطفل وكذا إذا اشتراه بدَين على البائع وكان مماطلًا، ويجب الإخبار أيضًا بكونها مزوَّجة، فَلَوْ قَالَ بِمَائَةٍ، أي وباعه بربح درهم لكل عشرة مثلًا، فَبَانَ بِتِسْعِينَ، أي بإقراره أو ببينة، فَالأَظْهَرُ: أَنهُ يَحُطُّ الزيادَةَ وَرِبْحَهَا، أي ويأخذ المبيع الباقى وهو تسعة وتسعون، لأنه تمليك باعتبار الثمن الأول؛ فيحط الزيادة عنه كما في الشفعة، والثاني: أنه لا يُحط شيئًا، لأنه يسمى ثمنًا معلومًا وعقد به.
وَأَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، لأنه رضي بالأكثر، فأَولى أن يرضى بالأقل، والثاني: يثبت، لأنه قد يكون له غرض في الشراء بذلك المبلغ لإبرار قسم أو إنفاذ وصية، أما إذا اشترى منه بلا مرابحة وَبَانَ بأقل، صحَّ البيعُ بالزائد قطعًا، ولا خيار؛ لأنه ضيع حقه حيث اعتمد قوله، قاله القاضى.
وَلَوْ زَعَمَ أَنهُ مِائَةٌ وَعَشْرَةٌ وَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الأصَحِّ، لتعذر امضائه؛ فإنَّ الْعَقْدَ لاَ يحتملُ الزيادةَ، وأما النقصان فهو معهود بدليل الأرش.
قُلْتُ: الأَصَحُّ صِحُّتُهُ، وَالله أَعْلَمُ، كما لو غلط بالزيادة فلا تثبت؛ وللبائع الخيار، وَإنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيّنْ لِلْغَلَطِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا، أي بفتح الميم، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، لأنه رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمى، وَلاَ بَيِّنَتُهُ، لأنه مكذب لها بقوله الأول، وَلَهُ تَحْلِيفُ
الْمُشتَرِي أَنهُ لاَ يَعرِفُ ذَلِلث فِي الأصَحِّ، لأنه ربما يقر عند عرض اليمين عليه، والثاني: لا، كما لا تُسمع بيّنتُهُ، وإِن بَيَّنَ، أي بأن قال مثلا: راجعت جريدتي فغلطت من ثمن متاع إلى غيره، فَلَهُ التحلِيفُ، لأن ذلك يحرك ظَنَّ صدقه (65)، ومنهم من طرد الخلاف السابق وهو أشهر كما قاله الإمام وغيره، وَالأصَحُّ سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ، قياسًا على التحليف والجامع بينهما العذر، والثاني: لا لتكذيبه لها، قال ابن الرفعة في المطلب: وهذا هو المشهور المنصوص.
بَابُ الأصُولِ وَالثمَارِ
بَابُ الأصُولِ وَالثمارِ: أي بابُ بيع الأصولِ والثِّمَارِ، والمرادُ بالأصولِ الشَجَرُ وَالأرضُ، والثِّمَارُ جمعُ ثَمَرٍ.
قَالَ: بِعتُكَ هذِهِ الأرض أَوِ الساحَةَ أَوِ الْبُقْعَةَ، أي وكذا العرصَةَ، وَفِيها بِنَاءٌ وَشَجَرٌ، أي رطب، فالْمَذهبُ أنهُ يَدخُلُ فِي الْبيع، لفوته، دُون الرَّهْنِ، لضعفه، والثانى: القطع بعدم الدخول فيهما، لخروجهما عن مسمّى الأرض، وهو أوضح في المعنى كما قال الرافعي، والثالث: قولان؛ وجه الدخول أنهما للدوام، هذا كله إذا1
أطلق، فإن قال: دونهما لم يدخلا فيها أو بما فيها دخلا، وكذا إن قال: بحقوقها في الأصح، أما إذا كانت الأشجار يابسةً، فيظهر أنها لا تدخل، لأنها لا تراد للبقاء.
فَرعٌ: الهبةُ كالبيع، والإقرارُ كالرَّهْنِ، والوقفُ كالهبةِ.
وَأصُولِ الْبَقْلِ التِي تَبْقَى سَنَتَيْنِ كَالْقتِّ، أي بالقاف ثم التاء المثناة فوق؛ وهو القِرْطُ (•)، وَالهُنْدُباء كَالشَّجَرِ، لبقائها فتجرى فيها الطرق، وَلاَ يَدخُلُ، أي في مطلق بيع الأرض، مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةَ كحِنْطَةٍ؛ وَشعَيِرٍ؛ وَسائِرِ الزُّرُوع، أي كالجزر والفجل سواء أَطلق أو قال بحقوقها، لأنه نماء طاهر لا يراد للبقاء.
ويصح بَيْعُ الأرْضِ الْمَزْرُوعَةِ، أي بزرع يؤخذ دفعةً واحدة، عَلَى الْمَذهبِ، كما لو باع دارًا مشحونة بأمتعة البائع؛ والطريق الئانى تخريجها على القولين في بيع الدار المستأجرة، وفَرَّقَ الأصحاب بأن يد المستأجر (•) حائلة، أما ما يحصد مرة بعد أخرى فيصح جزمًا، قاله المتولي؛ لأن الزرع انتقل إلى المشتري، وَللْمُشتَرِي الْخِيَارُ إِن جَهِلَهُ، أي بأن كانت رؤيته لها متقدمة على البيع لتأخر الانتفاع، فإن تركه له سقط خياره، وكذا لو فرّغ الأرض في زمن يسير، وَلاَ يَمنعُ الزَّزعَ دُخُولُ الأرْضِ في يَدِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانُهُ إِذَا حَصَلَتِ التخْلِيَةُ فِي الأصَحِّ، لوجود التسليم في الرقبة وهى المبيعة، والثانى: لا، لأنها لا تدخل في يدهِ وضمانهِ؛ لأنه لا يقدر على الانتفاع في الحال، وَالْبَذْرُ، أي يمنع، كَالزَّرع، أي فيما تقدم؛ فإن كان زرعه يدوم كنوى النخل فحكمه في الدخول تحت بيع الأرض كالأشجار، وإن كان يؤخذ دفعة واحدة فلا، ويبقى إلى أوَانِ الْحَصَادِ، ويتخيَّر المشتري عند جهله إن لم يترك البائع أو لم يفرغ كما، وَالأصَحُّ: أنَّهُ لاَ أُجْرَةَ لِلْمُشتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الرَّزع، أي لا قبل القبض، ولا بعده، كما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة لا يستحق المشتري (•) القَتُّ وَالقِرطُ؛ نوع من الكُرَّاثِ يعرف بكراث المائدة؛ وهو نبات الأرض أو اليابس منه، ويستخدم علف للبهائم.
(•) نسخة (3) بدل المستأجر: المكترى.
الاجرة لمدة التفريغ، والثاني: له لأجل المنفعة، ومحل الخلاف ما إذا كان المشتري جاهلًا وأجاز، فإن كان عالمًا فلا أُجرة له جَزْمًا قاله الإمام لعلمه بالاستحقاق، وكلام المصنف يفهم استحقاق البائع لابقاء الزرع، ومحله إذا شرطه؛ أو أطلق؛ فإن شرط القطع ففى وجوب الوفاء تردد.
وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا معَ بَذْرٍ أَوْ زَرع لاَ يُفْرَدُ، أي كل منهما، بِالْبَيْع، بأن كانا مستورين، بَطَلَ فِي الْجَمِيع، بناء على أن الاجازة في تفريق الصفقة بالقسط لتعذره هنا، وَقِيلَ فِي الأرضِ قوْلاَن، بناء على أن الاجازة بجميع الثمن، ثم هذا في بذر لا يدخل في بيع الأرض، فإن كان يدخل وهو بذر دائم النبات كالنخل فيصح البيع فيه وفي الأرض ويكون ذكر البذر توكيدًا قاله المتولي.
ويدخُلُ فِي بَيْع الأرضِ الْحِجاَرَةُ الْمَخْلُوقَةُ فِيها، لأنها من أجزائها.
كالمعادن، وكذا تدخل المَبْنِيَّةُ فيها، دُون الْمَدفُونَةِ، كالكنوز، وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِن عَلِمَ، كسائر العيوب، ويلْزَمُ البائِعَ النقْلُ، أي وللمشتري إجباره عليه تفريعًا لملكه بخلاف الزرع فإن له أمدًا ينتظره، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَلم يَضُر قَلْعُها، أي ولا تركها، وَإن ضَر فَلَهُ الْخِيَارُ، دفعًا للضرر، فَإِن أَجَازَ، أي أمضى العقد، لَزِمَ الْبَائِعَ النقْلُ، لتفريغ ملكه، وَتَسْوِيَةُ الأرضِ، أي بأن يعيد التراب المزال بالقلع فوق الحجارة (•) مكانه، قاله في المطلب، وَفِي وُجُوبِ أجْرَةِ الْمِثْلِ مُدَّةَ النقْلِ، أَوْجُهٌ: أَصَحُّها: تَجِبُ إِنْ نَقَلَ بَعدَ الْقَبْضِ، لتفويته على المشتري منفعة تلك المدة، لاَ قَبْلَهُ، والثاني: يجب مطلقًا، والثالث: مقابلهُ.
وَيَدخُلُ فِي بَيْع الْبُستانِ الأرضُ؛ وَالشَّجَرُ؛ وَالْحِيطان، لدخولها في مسماه، بل لا يسمى بستانًا بدون حائطه، وَكَذَا الْبِنَاءُ عَلَى الْمَذْهبِ، هو إشارة إلى الطرق السابقة في تبعية البناء للأرض، وَفِي بَيْع الْقَريةِ الأبْنِيَةُ، وَسَاحَاتٌ يُحِيطُ بِها السُّورُ، لدخولها في الاسم، لاَ الْمَزَارِعُ عَلَى الصحِيح، لأنها غير داخلة في مسماها، ألا (•) في نسخة (2): دون الحجارة.
ترى أنه لو حلف لا يدخل قرية؛ لا يحنث بدخول مزارعها، والثاني: تدخل وهو قول الإمام والغزالي، والثالث: إن قال بحقوقها دخلت وإلّا فلا.
وَفِي بَيْع الدَّارِ الأرضُ، بالإجماع، وُكُلُّ بِنَاء، لأن الدار اسم للأرض والبناء، حَتى حَمَّامُها، لأنها معدودة من مرافقها، لاَ الْمَنْقُولُ كَالدَّلْوِ وَالْبَكْرَةِ وَالسرِيرِ، لخروجها عن الاسم, وَتَدخُلُ الأبْوَاب الْمَنْصُوبَةُ وَحِلَقُها وَالإجَانَاتُ، أي وهى الإناء الذي يغسل فيه الثياب، وَالرفُّ وَالسُّلمُ الْمُسَمرَانِ، وَكَذَا الأسْفَلُ مِنْ حَجَرَيّ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيح، لأن الجميع معدود من أجزاء البيت لاتصالها بها، واحترز بالمنصوبة عن المقلوعه لانتفاء المعنى المذكور، ووجه عدم دخول الحجر، أنه منقول، وإنما أثبت لسهولة الارتفاق به كيلا يتزعزع ويتحرك عند الاستعمال، وهذا الوجه جارٍ أيضًا في الإجَانَةُ؛ وَالرَّفُّ؛ وَالسُّلمُ؛ وسائر المثبتات كمِعجَنِ الخبَّازين ونحوه؛ كما ذكره الرافعي في الْمُحَرَّرِ وأهمله المصنف في اختصاره، وظاهر عبارته تقييد الإجانة بكونها مثبتة، وَالأعلَى.
وَمفْتَاحُ غَلَقٍ مُثَبَّث فِي الأصَحِّ، لأنهما تابعان لشيء مثبت، والثانى: لا، كسائر المنقولات.
وَفِي بَيْع الدَّابةِ نَعلُها، لاتصاله بها، وَكَذَا ثيابُ الْعَبْدِ، أي ذكرًا كان أو أنثى وهو ما كان عليه حال العقد، فِي بَيْعِهِ فِي الأصَحِّ، للعرف.
قُلْتُ: الأصَحُّ لاَ تَدخُلُ ثِيَابُ الْعَبْدِ، وَالله أَعلَمُ، لأن اللفظ لا دلالةٍ لَهُ عليها وليست جزءًا منه، كما لا يدخل السرج في بيع الدَّابةِ، وهذا ظاهر كلام الرافعى في شرحيه، والثالث: يدخل ساتر العورة فقط، لأن ستر العورة واجبٌ فما يسترها تابع له.
فَرعٌ: بَاعَ شَجَرَةً دَخَلَ عُرُوقُها وَوَرَقُها، أي يابسة وغيرها؛ لأنهما معدودان من أجزائها، وَفِي وَرَقِ التُّوثِ، أي الربيعي الأبيض، وَجْهٌ، لأنه لا يقصد منه غير الورق لتربية الدود، والأصح الدخول كما في سائر الأشجار، أما الخريفى والأحمر فللمشتري قطعًا وفي معناه ورق الذكر من التوث الأبيض، وَأَغْصَانُها، لأن ذلك معدود منها، إلَّا الْيَابِسِ، أي فإنه لا يدخل في بيع الشجرة الرطبة، لأن العادة فيه
القطع كالثمرة، وَيصِحُّ بَيْعُها بِشَرطِ الْقَلْع أوِ الْقَطْع، أي رطبة كانت أو يابسة، وَبِشَرطِ الإبقَاءِ، أي إذا كانت رطبة، وَالإِطْلاَقُ يَقْتَضِي الإِبقَاءَ، تحكيمًا للعادة، وَالأصَحُّ: انهُ لاَ يَدخُلُ الْمَغْرِسُ، أي بكسر الراء، حيث استحق الإبقاء سواء كان بالاشتراط أم بالإطلاق، لأن اسم الشجرة لا يتناوله، كذا عللوه، وهو موجود في بيع الأرض، وقد صححوا الدخول كما تقدم، والثانى: يدخل لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية فدل على الملك إذ لو كان إعارة لنافاه اللزوم، أو اجارة لنافاه التأبيد، لَكِنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ مَا بَقِيَتِ الشَّجَرَةُ، أي فلا يلزمه شيء في مدة الابقاء.
وَلَوْ كَانَتْ يَابِسَةً لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْقَلْعُ، لاقتضاء العرف ذلك، وَثَمَرَةُ النخْلِ الْمَبِيع إِن شُرِطَتْ لِلْبَائِع أوِ لِلْمُشْتَرِي عُمِلَ بِهِ، وفاءً بالشرط، وَإلا، أي وإن لم يقع شرط، كان لَمْ يَتَأبر مِنْها شَيْءٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَإلا، أي، وإن تأبر منها شئ، فَلِلْبَائِع، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أبرَتْ فَثَمَرَتها لِلْبَائِع إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ] منفق على صحته 1 والتأبير تَشَقُّقُ الطلْع، وَمَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ بِلاَ نَوْرٍ، وهو الزهر على أي لون كان، كَتِينٍ وَعِنبٍ إِن بَرَزَ ثَمَرُهُ أي ظهر، فَلِلْبَائِع وَإِلَّا فَلِلْمُشْتَرِي، لأن الظهور هنا كالتشقيق في النخل، وَمَا خَرَجَ فِي نَوْرِهِ ثُمَّ سَقَطَ كَمِشْمش وتُفاح فَلِلْمُشْتَرِي إِن لَمْ تَنْعَقِدِ الثمَرَةُ، لأنها كالمعدومة، وَكَذَا إِنِ انْعَقَدَتْ وَلَم يَتَنَاثَرِ النوْرُ فِي الأصَحِّ لأن استتارها بالنَّوْرِ بمنزلةِ استتار ثمرة النخل بكمامه، والثانى: أنها للبائع تنزيلًا لاستتارها بالنَّوْرِ منزلة استتار ثمرة النخل بعد التأبير بالقشر الأبيض، وَبعدَ التناثُرِ لِلْبَائِع، لظهورها.
وَلَوْ بَاعَ نَخْلاَتِ بُسْتَان مُطْلِعَة وَبَعضها مُؤبرٌ فَلِلْبَائِع، أي ثمرتها وكذا ما اطلع بعد البيع، فإن أفْرَدَ مَا لَمْ يُؤَبر، أي من البستان الواحد فباعه، فَلِلْمُشْتَرِي
فِي الأصَحّ، لأنه بإفراده بالييع انقطع عن حكم التبعية، والثانى: لا، اكتفاء بوقت التأبير عنه، وَلَوْ كَانَت فِي بَسَاتِينَ، أي وباعها صفقة واحدة واتحد المالك، فَالأصَحُّ: إِفْرَادُ كُلّ بُسْتَانٍ بِحُكمِهِ، لأن لاختلاف البقاع أثرًا في وقت التأبير، والثاني: لا بل يتبع، لأنهما اجتمعا في صفقةٍ واحدةٍ فأشبها نخيل البستان الواحد، وَإِذَا بَقِيَتِ الثمَرَةُ لِلْبَائِع، أي إما بالشرط، وإما بالحكم عند التأبير، فَإِن شَرَطَ الْقَطْعَ لَزِمَهُ، وفاءً بالشرط، وَإِلا، أي كان لم يشترط القطع، بل شرط البقاء أو أطلق، فلَهُ تركُها إِلَى الجَدَادِ، وفاءً بالشرط في الأول؛ والعادة فِى الثاني، وَلكُلّ مِنْهُمَا السقْيُ إِنِ انْتَفَعَ بِهِ الشجَرُ وَالثمَرُ، وَلاَ مَنْعَ للآخَرِ، لأن مَنْعَهُ والحالةُ هذه سَفَهٌ (•)، وَإِن ضَرهُمَا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، لأنه يدخل على صاحبه ضررًا بغير نفع يعود عليه.
وَإِن ضَرّ أَحَدَهُمَا وَتَنَازَعَا فُسِخَ الْعَقْدُ، لأنه ليس أحدهما أَولى من الآخر، إِلَّا أَن يُسَامِحَ الْمُتَضرِّرُ، أي فلا فسخ لزوال النزاع، وفيه نظر لأنها إضاعة مال وهى محرمة، وَقِيلَ: لِطَالِبِ السَّقْي أَن يَسْقِيَ، لدخول الآخر في العقد على ذلك، وَلَوْ كَان الثمَرُ يَمتَصُّ رُطُوبَةَ الشجَرِ لَزِمَ الْبَائِعَ أَن يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ، دفعًا لضرر المشتري.
فصل: يَجُوزُ بَيْعُ الثمَرِ بَعدَ بُدُوِّ صَلاَحِهِ، أي ظهوره، مُطْلَقًا، أي بلا شرط قطع ولا تبقيتهِ، وَبِشَرطِ قَطْعِهِ، بالإجماع، وَبِشَرطِ إِبْقَائِهِ، لاطلاق النهي عن بيع الثمرة حتى بيدو صلاحها، وَقَبْلَ الصلاَح إِن بيع مُنْفَرِدًا عَنِ الشجَرِ لاَ يَجُوزُ إلّا بِشَرطِ الْقَطْع، للحديث المذكور فإنه يدل بمنطوقه على المنع مطلقًا، وخرج البيع المشروط فيه القطع بالإجماع فبقينا فيما عداه على الأصل، ويستثنى ما إذا كان على شجرة مقطوعة، لأنها لا تبقى عليها، ولا تمتص من أجزاء الشجرة شيئًا، وَأَن يَكُون الْمَقْطُوعُ مُنتَفِعًا بِهِ لاَ كَكُمثْرَى، جريًا على قاعدة البيع، وهذا الشرط مأخوذ من الشرط الثانى في البيع وهو النفع، وَقِيلَ: إِن كَان الشجَرُ لِلْمُشْتَرِي، أي والثمرة (•) في نسخة (2) بدل (سَفَهٌ): مَشَقةٌ.
للبائع، جَازَ بِلا شَرطٍ، لأنهما يجتمعان في ملك شخص واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معًا، وهو وجه قوي متأيد بما سيأتى؛ أنه إذا شرط القطع لا يجب الوفاء به، وصححه في الروضة في باب المساقاة.
قُلْتُ: فَإِن كَان الشجر لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنَا الْقَطْعَ لاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بهِ، والله أعلَمُ، لأنه لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره، وَإِن بِيعَ مَعَ الشجر جَازَ بِلاَ شَرطٍ، لأن الثمَرَ هنا يتبع للأصل وهو غير متعرض للعاهة، وهذا إذا لم يفصل الثمن، فإن فَصَلَهُ بِأَنْ قال: بعتك الشجرة بدينار والثمرة بعشرة فلا يصح قطعًا لانتفاء التبعية، وَلاَ يَجُوزُ بِشَرطِ قَطْعِهِ، لأن فيه حجرًا على المشتري في ملكه، والفرق بينه وبين ما إذا باعها من صاحب الأصل ما ذكرناه من التبعية.
فَرع: باع البطِيْخَ ونحوه مع أصله، فلا بد من شرط القطع، لأن الأصل متعرض للعاهة بخلاف الشجر والثمر، فإن باعه مع الأرض استغنى عنه، قاله الامامُ والغزالي وفيه بحث للرافعي.
وَيحرُمُ بَيْعُ الزرع الأخْضَرِ فِي الأرضِ إلّا بِشرطِ قَطْعِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [نَهى عَنْ بَيْع السُّنْبُلِ حَتى يَبْيَضَّ، وَيأمَنَ الْعَاهةَ، نَهى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ] رواه مسلم 1، فَإن بِيعَ، أي الزرع الأخضر، مَعَها، أي مع الأرض، أَوْ بَعدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، أي وحده، جَازَ بِلاَ شَرط، أما الأول: فكبيع الثمرة مع الشجرة، وأما الثانى: فكبيع الثمرة بعد بدو الصلاح، وَيُشترَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْع الثمَرِ بَعدَ بُدُوِّ
الصَّلاَح ظُهُورُ الْمَقصُودِ، أي لئلا يكون بيع غائب، كَتِينٍ؛ وَعِنَبٍ؛ وَشَعِيرٍ، أيْ وكذا سُلْت؛ لأن حباته ظاهرةٌ، وَمَا لاَ يُرَى حَبُّهُ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ دُون سنْبُلِهِ، لاستتاره، وَلاَ مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ، لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، فأشبه الحنطة في تبنها بعد الدياس فإنه لا يصح قطعًا.
والقديم: الجواز، لأن بقاءه فيه من مصلحته.
فَرع: الأرُز كالشعيرِ على المذهب، وقيل: كالحنطة.
وَلاَ بَأسَ بَكمَّامٍ لاَ يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الأكْلِ، أي كالرمان لأن بقاءه فيه من مصلحته والكِمام بكسر الكاف أوعيةُ طلع النخل، وَمَا لهُ كَمَّامَانِ كَالْجَوْز؛ وَاللوْزِ؛ وَالباقلَّاءِ فَلاَ يُبَاعُ فِي قشرهِ الأسْفَلِ، لأن بقاءه فيه من مصلحته، وَلاَ يَصِحُّ فِي الأعلَى، لأنه مستتر بما ليس من مصلحته، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِن كَان رطبًا، لأن الشافعى - رضي الله عنه - أمر الربيعَ أن يشتري له باقلاء؛ وصححهُ جماعة بل نقله الرويانى بعد اختياره عن تصحيح الأصحاب، فإن بقي في قشره الأعلى فيبس لم يجز بيعه قطعًا إذا لم نجوز بيع الغائب، وَبُدُوُّ صَلاَح الثمَرِ ظُهُورُ مبادِئِ النضْج وَالْحَلاَوَةِ فِيمَالاَ يَتَلَون، أي بأن يصفو ويلين، وَفِي غَيْرِهِ بِأَن يأخُذَ فِي الحمرَةِ أَوِ السوَادِ، الأصل في ذلك حديث أنس - رضي الله عنه -: أَنَّ النبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عَنْ بَيْع الثمَرَةِ حَتَّى تُزْهِي، قَالُوا: وَمَا تُزْهِى؟ قَالَ: (حَتى تَحمَرَّ) 1. وفي رواية: فَقُلنا لأَنَسَ وَمَا هُوَ زَهْوُها؟ قَالَ: (تَحمَرَّ وَتَصْفَرَّ) رواهما مسلم 2، والحدُّ المذكور ينتقض بالقثاء الصغار وورق
الْفِرصَادِ (•) وَالزَّرع.
والضابط أن ينتهي إلى الحالة التي يقصد منها غالبًا، وَيكْفِي بُدُو صلاَح بَعضهِ وَإن قَل، أي كبسْرَة واحدة (•)، لأن الله تعالى أمتن علينا فجعل الثمار لا تطيب دُفعةً واحدة إطالة لزمن التفكهِ، فلو اشترطنا في المبيع طيب جميعه لأَدَّى أن لا يباع شئ أو تباع الحبة بعد الحبة وفي كل منهما حرج.
فَرعٌ: لا يغني صلاحُ جنس عن جنسٍ آخر وإليه يرشد قوله بعضه.
وَلَوْ بَاعَ ثَمَرةَ بُسْتَان أَوْ بَسَاتينَ بَدَا صَلاَحُ بَعضهِ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التأبيرِ، أي فلا يتبعه إذا أفرد ما لم يَبْدُو صَلاَحُهُ، ولا إذا اختلف البُستانان على الأصح، ويتبع إذا اختلف النوع في الأصح.
وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلاَحُهُ لَزِمَهُ سَقْيُهُ، أي إذا لم يشترط القطع، قَبْلَ التخلِيَةِ وَبَعدَها، أي قدر ما ينمو به الثمار ويسلم من التلف والفساد، لأنه من تتمة التسليم الواجب، حتى لو شرطه على المشتري بطل، لأنه مخالفٌ لمقتضاه، ويتَصَرفُ مُشْتَريه بَعدَها، أي بعد التخلية ولا يشترط القطع والنقل، وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ، أي سماوي، بَعدها كَبَردٍ، أي بفتح الراء وإسكانها كما رأيته بخط مؤلفه في الأصل، فَالْجَدِيدُ أنهُ مِنْ ضَمَانِ المُشْتَرِي، لحديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدريِّ قال: أصِيْبَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ثِمَار ابْتَاعَها فَكثُرَ دَيْنُهُ؛ فَقَالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: [تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ] فَتَصَدَّقَ الناسُ عَلَيْهِ، فَلَم يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دينهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [خُذُوا مَا وَجَدتم وَلَيْسَ لَكُم إلّا ذَلِكَ] رواه مسلم 1، والقديم وينسب إلى الصرف من الجديد، أنه من ضمان البائع بشرط ألا يبيعه من مالك الأشجار وأن يحصل التلف قبل إمكان (•) الفِرصَدُ وَالفِرصَادُ: عَجمُ الزَّبيبِ، عَجمُ العِنَبِ أيِ النوَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ التُّوتُ أوْ حملَهُ؛ أو أحمَرَهُ.
(•) البَسرُ: المَاءُ البَارِدُ.
وَابتِدَاءُ الشيء، وَهُوَ الغضُّ مِنْ كُلِّ شيءٍ، وَأولُ البسرِ طلعٌ، لِيَمُرَّ بِمَرَاحِلِ نُمُوِّهِ وَنُضوجِهِ.
الجداد لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح كما رواه مسلم 1، والأول حمله على الاستحباب جمعًا بينهما، واحترز بقوله بعدها عما إذا حصل قبلها فإنه من ضمان البائع.
فَلَوْ تَعَيبَ بِتَرك الْبَائِع السقْيَ فَلَهُ الْخِيَارُ، أي للمشتري، لأن السقى لما كان لازمًا للبائع كان التعيب الحادث كالمتقدم على القبض حتى لو تلف بذلك انفسخ العقد أيضًا، وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلاحِهِ بِشرطِ قَطْعِهِ وَلَم يُقْطَع حَتى هلَكَ فَأَوْلَى بِكوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، لتفريطه، وَلَو بِيعَ ثَمَر يَغْلِبُ تَلاَحُقُهُ وَاخْتِلاَطُ حَادِثِهِ بِالْمَوْجُودِ كَتِينٍ وَقِثاء لَم يَصِح، لأنه غير مقدور على تسليمه، إِلَّا أَن يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ، أي عند خوف الاختلاط فيصح لإنتفاءِ المحذور، وَلَوْ حَصَلَ الاِخْتِلاَطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ فالأظْهرُ أَنهُ لاَ يَنفَسِخُ البَيْعُ، لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتى، والثاني: ينفسخ لتعذر التسليم المستحق، وهو تسليم المبيع وحده، وهذا ما صححه الأكثرون، والأول نقل الرافعي ترجيحه عن الوجيز خاصة وتبعه في الْمُحَرَّر فالأصح الثاني، بَلْ يَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي، لأن الاختلاط أعظم من اباق العبد المبيع، فإن سمَحَ لَهُ الْبائِعُ بِمَا حَدَثَ سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الأصَحِّ، لزوال المحذور، والثاني: لا يسقط، لما في قبوله من المنة وهو الأقيس، واعلم أن ما ذكره المصنف ذكره الغزالي تبعًا لإمامه وهو يقتضى أنّ الخيار ثبت أولًا للمشتري، حتى يجوز له المبادرة بالفسخ، فإن بادر البائع بالفسخ سقط خياره، قال صاحب المطلب: وهو مخالف لنص الشافعي والأصحاب فإنهم عكسوا فخيروا البائع أولًا.
فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ وَهُوَ الْمُحَاقَلَةُ، وَلَا أالرُّطَبُ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ، للنهي عنهما متفق عليه 1، والمحاقلة مأخوذةٌ من الحقل وهى السَّاحَاتِ الَّتي تُزرع، فسميت محاقلة لتعلقها بزرع في حقل، وقال الماوردي: الحقلُ هو السنبل وهو في لسان العرب الموضع الذى يكون فيه الشيء كالمعدن.
والمزابنة من الزبن وهو الدفع؛ لأن الغبن يكثر فيها لبنائها على التخمين، فيريد الْمَغْبُونُ دفعَهُ والغابنُ إمضاءَهُ فيتدافعان، ووجه البطلان فيهما عدم العلم بالمماثلة.
ويرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [نَهَى عَنْ بَيْع التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَرَخَّصَ في بَيْع الْعَرَايَا: أَن يُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أهْلُهَا رُطَبًا] متفق عليه 2، ومحل ذلك إذا لم يتعلق بها الزكاة لأجل الخرص أو غيره، وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الأَرْضِ، للحديث المذكور، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ، قياسًا، وقيل: نصًّا.
فَرْعٌ: لو باع رطبًا بمثله فالأصح المنع.
فَرْعٌ: حكم البُسْر حكم الرطب في الجواز، قاله الماوردي، وعلى هذا ينبغي إلحاق الحصرم بالعنب.
فِيمَا دُون خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أي بتقدير الجفاف، وإن كان الرطب الان أكثر للشك في الخمسة في الحديث (74) والأصل التحريم، وَلَوْ زَادَ، أي ما دون الخمسة أوسق، فِي صَفْقَتَيْنِ، أي كل منهما دون خمسة أوسق، جَازَ، قياسًا على الصفقة الأُولى، أما إذا زاد في صفقة فإنه يبطل في الجميع.
وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بتَسْلِيمِ الثَّمَرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ، أي والمماثلة لأنه مطعوم بمطعوم، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، أي كالخوخ وغيره مما يدخر يابسه، لأنها متفرقة ومستورة بالأوراق، فلا يتأتى الخرص فيهما، والثانى: يجوز قياسًا على الرطب كما جوزناه في العنب بالقياس عليه، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ، لاطلاق الأحاديث، والثانى: يختص لأنهم سبب الرخصة كما ذكره الشافعي - رضي الله عنه - في الأُم لكن بغير إسناد، وعبارة الدارمي في استذكاره: وسواء كان مشتريها معه نقد أم لا، وقال الْمُزَنِيُّ: لا يجوز إلا للمعسر، ومثار الخلاف أن اللفظَ العامَّ إذا وردَ على سببٍ خاصٍّ هل يُخصصهُ أم لا؟.
بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ
أَصَحُّ حديث في الباب قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ] رواه أبو داود والنسائى وقال الحاكم: صحيح الإسناد 2.1
إِذَا اتفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْع، أي وكذا على غيره من عقود المعاوضات إلّا قبل عمل القراض والجعالة كما قاله الامام وخص المصنف البيع بالذكر لغلبته ولذلك ترجه بالمتبائعين دون المتعاقدين، ثُمَّ اختلَفَا فِي كَيْفِيَّتهِ كَقَدْرِ الثمَنِ أَوْ صِفَتِهِ، أي وكذا جنسه، أَوِ الأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ قَدْرِ الْمَبِيع، أي وكذا جنسه وصفته، وَلَا بَيِّنَةَ؛ تَحَالَفَا، لقوله عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ] رواه البيهقى بإسناد حسن أو صحيح 1، وكل منهما منكرٌ ومُدَّعِى، لأن البائع يدعى زيادة الثمن مثلًا وينكر النقص، والمشتري يعكسُ، واحترز بقوله (وَلاَ بَيِّنَةَ) عما إذا كانت له بيِّنة؛ فإنه يُقْضَى له بها، فإن أقاما بيِّنتين قضي بأسبقهما تاريخًا وإلّا تحالفا تفريعًا على قول التساقط (•).
فَرْعٌ: لو اختلفا في عين المبيع فقط، فإن كان الثمن معينًا تحالفا، وكذا إن كان في الذمة على الأصح في الشرح الصغير.
فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْي قَوْلِ صَاحِبهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلِهِ، لأنه يدعى عقدًا وينكر عقدًا فينفي ما ينكره ويثبت ما يدعيه، وُيبْدَأُ بِالْبَائِع، أي ندبًا على الأصح، لأن المبيع يعود إليه بعد التحالف، وَفِي قَوْلٍ: بِالْمُشتَرِي، لأن المبيع في ملكه فيقوى جانبه، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ، لأن كل واحدٍ مُدَّعِى وَمُدَّعَى عَلَيْهِ فلا ترجيح، فَيَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، = والنسائي في السنن: كتاب البيوع: باب اختلاف المتبايعان: ج 7 ص 303. والحاكم في المستدرك: الحديث (2293/ 164)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي قال: صحيح.
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
أي تفريعًا على هذا كما لو تداعيا عينًا في أيديهما، فَإن الحاكم يبدأ بيمين من شاء منهما قطعًا، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، كما يقرع بينهما في الدعوى إذا جاءا معًا إلى مجلسه، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدِ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإثْبَاتًا، لأنه أقرب إلى فصل القضاء، والثانى: أنه يفرد النفى بيمين؛ والإثبات بأخرى، لأنه مدعي ومدعى عليه، ويقَدَّمُ النَّفْيُ، أي استحبابًا على الأصح لأنه الأصل في اليمين، وإنما ينقل إلى الإثبات لنكولٍ أو شاهدٍ أو لَوثٍ، فَيَقُولُ: مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا، أي وكذلك المشتري أيضًا يقول ما اشتريت بكذا أو لقد اشتريت بكذا، وَإِذَا تَحَالَفَا فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ، أي بنفس التحالف لحديث ابن مسعود؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أَمَرَ بِالبَائِعِ أَنْ يُسْتَحْلَفَ ثمَّ يَتَخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ إِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ] رواه النسائى وصححه الحاكم وفيه انقطاع 1، والثانى: ينفسخ، لأن التحالف يحقق ما قالاه، بَلْ إِن تَرَاضَيَا وِإلَّا فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لأنه فسخ لاستدراك الظلامة فأشبه الرد بالعيب، أَوْ الْحَاكِمُ، لقطع النزاع، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، لأنه فسخٌ مجتهدٌ فيه، فأشبه العنَّةَ وهذا الوجه رجحه جماعة، ثُمَّ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيع، ليصل إلى مالكه، فَإِنْ كَان وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ مَاتَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، لقيامها مقامه، قال في المطلب: والمشهور وجوب المثلِ في المثلى، قُلْتُ: وبه جزم صاحب الْمَعِيْنِ وقال: إنه محل وفاق، وَهِيَ قِيمَتُهُ يَوْمَ التَّلَفِ فِي أَظْهَرِ الأَقْوَالِ، لأن مورد الفسخ العين والقيمة بدل عنها، فإذا فات الأصل تعين النظر في القيمة إلى ذلك الوقت، والثانى: قيمة يوم القبض؛ لأنه يوم دخوله في ضمانه، والثالث: أقصى قيمة من يوم البيع إلى التلف كالبيع الفاسد، والرابع: أقل قيمة من يوم العقد إلى القبض، وَإن تَعَيَّبَ رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، أي وهو ما نقص من القيمة، لأن الكل مضمون على المشتري بالقيمة، فكان بعضه مضمونًا ببعضها، وَاخْتِلاَفُ
وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا، أي كاختلافهما؛ لأنها يمين في المال، فقام الوارث مقام المورث، كاليمين في دعوى المال، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِكَذَا، فَقَالَ: وَهَبْتَنِيهِ فَلاَ تَحَالُفَ، أي إذا لم يتفقا على عقد، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الآخَرِ، فَإِذَا حَلَفَ رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةَ بِزَوَائِدِهِ، أي المتصلة والمنفصلة إذ لا ملك له ولا يحتاج إلى فسخ.
وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْع وَالآخَرُ فَسَادَهُ فَالأَصَحُّ تَصْدِيقُ مُدَّعِيَ الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ، لأن الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين هو الصحةُ، والثاني: يصدق مدعى الفساد، لأن الأصل عدم العقد الصحيح، وقول المصنف (الْبَيْعِ) لو أبدله بالعقدِ كان أصوب، لأن الخلاف جارٍ أيضًا في عقود المعاوضات؛ كالإجارة والنكاح ونحوهما، نعم يستثنى من ذلك مسائل موضحة في الأصل فراجعها.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَجَاءَ بعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا الْمَبيعَ صُدِّقَ الْبَائِعُ بيَمِينِهِ، لأن الأَصل السلامة وبقاء العقد، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ الْمُسْلِمُ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم يعترف بقبض ما ورد عليه العقد، والأصل اشتغال ذمة الْمُسَلَّم إليه، وفي البيع اتفقا على قبضِ ما اشْتَرَاهُ، وتنازعا في سببِ الفسخِ، والأصلُ عدمه، والثانى: يصدق الْمُسَلَّمُ إليه كالبيع.
بَابُ مُعَامَلَاتِ الْعَبِيدِ
بَابٌ: هُوَ بَابُ مُعَامَلاَتِ الْعَبِيدِ وهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمُدَايَنَةِ.
اَلْعَبْدُ إِن لَمْ يُؤْذَن لَهُ فِي التّجَارَةِ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سيِّدِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنه محجورٌ عليه لنقص فَأَشْبَهَ السَّفِيْهَ، والثانى: يصح؛ لأنه يعتمد في الذمة ولا حجر عليه في ذمته، ونَسَبَهُ الماوردي وأبو الطيب إلى الجمهور، والخلاف جارٍ أيضًا في عقود المعاوضات خلا النكاح، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ، أي إذا قلنا بعدم الصحة، سَوَاءٌ كَان فِي يدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ، لأنه ملكهُ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، أو في يد العبد، تَعَلَّقَ الضَّمَان بِذِمَّتِهِ، أي سواء رآه مع العبد فتركه أم لا! لأنه ثبت برضى من له الحقّ، ولم يأذن السَّيِّدُ فيه
فيتبع به إذا عتق، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلِلْبَائِع تَضْمِينُهُ، أي تضمين السيد باليد، وَلَهُ، أي للبائع، مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ، لتعلقه بذمته لا قبل العتق لأنه مُعْسِرٌ، وَاقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ، أي في جميع ما سبق؛ لأنه عقد معاوضة مالية فكان كالشراء، وِإِنْ أَذِن لَهُ فِي التِّجَارَةِ تَصَرَّفَ، بالإِجماع؛ وشرط الماورديُّ: أنْ يصح تصرفه لنفسه لو كان حُرًا، بِحَسَبِ الإِذْن، لأن تصرفه بالاذن، فيقتصر على محل الاذن كالمضارب، فَإِنْ أَذِنَ، له، فِي نَوْعٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، أي وكذا في وقت لما ذكرناه، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحٌ، كما ليس للمأذون في النكاح أن يَتَّجِرَ لأن اسمَ كُلٍّ منهما غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلآخَرِ، وَلَا يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، لأنه لا يملك التصرف في رقبتهِ، فكذا في منفعتهِ، وله إجارةُ أموالِ التجارةِ في الأصحِّ، كما أشار إليه بقوله (نَفْسُهُ) لأنَّ التُّجَّارَ يعتادونَهُ.
وَلاَ يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي تِجَارَةٍ، أي للعبد الذي اشتراه لها؛ لأن السيد لم يأذن فيه، وَلاَ يَتَصَدَّقُ، لعدم الأذن، وَلاَ يُعَامِلُ سَيِّدَهُ، لأن تصرفه له بخلاف المكاتب، وَلَا يَنْعَزِلُ، بَإِبَاقِهِ، أى بل له التصرف في البلد الذي خرج إليه، إلّا إذا خَصَّ السَّيِّدُ الإذنَ ببلدٍ، لأنَّ الاباقَ معصيةٌ، فلا يوجب الحجر، كما لو عَصَى السَّيِّدَ من وجهٍ آخرٍ، وَلاَ يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، كما لو رآه ينكح لا يكون سكوته اذنًا فيه.
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُون الْمُعَامَلَةِ، لقدرته على الإنشاء وقد أعادها في الإقرار وسيأتي، وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ لَمْ يُعَامِلْهُ حَتَّى يَعْلَمَ الإِذْن بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، لأن الأصل عدم الأذن؛ والمراد بالعلم الظن، وَفِي الشُّيُوع وَجْهٌ، لأن الحجر محقق وزواله مشكوك فيه، وأجاب الأول بأن السماع من السَّيِّدِ أو الثبوت بالبَيِّنَةِ في حَقِّ كُلِّ مَنْ أرادَ المعاملةَ فيهِ عُسْرٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ، أي في الإذن؛ لأن الأصل عَدَمُهُ؛ فأشبه زعم الراهن إذن المرتهن في بيع العَينِ المرهُونَةِ، أما قوله في الحجر فمقبول وإن أنكره السَّيدُ في الأصحِّ؛ لأنهُ العاقدُ والعقدُ بَاطِلٌ بزعمهِ.
فَزعٌ: لو عزل العبدُ نفسَهُ لم ينعزل، لأنَّ التصرفَ حَقُّ السيدِ فلم يقدر على إبطاله قاله المتولي.
فَإِنْ بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ وَفَبَضَ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّة رَجَعَ الْمُشْتَرِى بِبَدَلِهِ، أي الثمن، عَلَى العَبْدِ، لأنه المباشر للعقد، وَوَقعَ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ (بِبَدَلِهَا) أَيْ بَدَلِ الْعَيْنِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا، لأن العقد له؛ فكأنه البائع والقابض، وَقِيلَ: لَا، لأن السَّيِّدَ بالاذنِ لَهُ أعطاهُ استقلالًا وقصر الطمع على ما في يده وذمته، وَقِيلَ: إن كان فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ! فَلَا، لحصول الغرض مما في يده.
وَلَوِ اشْتَرَى سِلْعَةً فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلاَفُ، لما ذكرناه من التعليل، وَلاَ يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، لأنه ثبت برضى مستحقه، وَلَا بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ، لأنه لزم بمعاوضة مقصودة بإذنه فيكون متعلقًا بالكسب كنفقة النكاح، بَل يُؤَدِّي مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، لاقتضاء العرف وإلاذن ذلك، وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ بِاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِ فِي الأصَحِّ، كما يتعلق به المهر ومؤن النكاح، والثاني: لا كسائر أموال السيد، وَاعْلَمْ: أنَّ ما ذكره المصنف هنا من كونه لا يتعلق بالسيد مخالف لقوله قبله أنه يطالب السيد ببدل الثمن التالف في يد العبد وبثمن السلعة التي اشتراها أيضًا، وأشار صاحب الطلب إلى تضعيف الكلام الأول بقوله: زعمَ الإمامُ أنه الأصح.
وَلاَ يَمْلِكُ العَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ، كما لا يملك بالارث، والثاني: يملك لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ... ] الحديث 1. أضاف المال إليه لكنه ملك ضعيف يملك المولى انتزاعه منه، واحترز بالسيد عن الأجنبي فإنه لا يملك بلا خلاف كما قاله الرافعي في الوقف وغيره، لكن الماوردي والقاضي أجريا الخلاف فيه أيضًا.
فَرْعٌ: مِنَ الْبَحْرِ نَخْتُمُ بهِ الْبَابَ: لو أن رجلين أذِنا لعبديهما في التجارة فاشترى كل منهما عبد الآخر ولم يعلم السابق لم يصح واحد منهما؛ لأن عبدَ أَحَدِهِمَا إذا اشترى عبدَ الآخرِ صَارَ الْمُشْتَرَى لمالكِ المشترِى فلا يصح شراء الثاني بَعْدَهُ.