عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجصفحات 1161-1200

كِتَابُ الْنِّكَاحِ

صفحات 1161-1200

النِّكَاحُ: لهُ عدَّةُ أسماءٍ جمعَها أبو القاسم عليٌّ بن جعفرٍ اللُّغويُّ فبلغَتْ ألفَ اسمٍ وأربعينَ اسْمًا، وَأصْلُهُ في كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ، وسُمِّيَ بِهِ الْعَقْدُ؛ لأَنَّهُ سَبَبُهُ.
والأصحُّ أنَّه حقيقةٌ في العقدِ مجازٌ في الوطءِ.
والأصلُ فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 1 وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ 2 وغيرهما؛ والسُّنَّةُ الشهيرةُ والإجماعُ.
وقيل: إن الآية الثَّانية ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً... ﴾ الآية 3. وهل النكاح عقدُ تمليكٍ أو عقدُ حلٍّ، فيه خلافُ حكاهُ المتولي وبنى عليه ما لو حلفَ أنَّه لا مِلْكَ لهُ وَلَهُ زوجةٌ.
هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، تحصينًا للدِّيْنِ، ويستحبُّ أن ينوي به المقاصدَ الشرعيَّةَ كإقامةِ السُّنةِ وصيانَةِ دِيْنِهِ وغيرهما، وقال صاحبُ الخصال: لو كان له صبرٌ على النكاح ولو كان له لم يعجزْ عنهُ، فيستحبُّ له أن يتفرَّغ للعبادة،

والمرادُ بالمحتاج التَّائِقُ.
والأُهْبَةُ بضمِّ الهمزة المرادُ بها هنا مُؤَنُ النِّكَاحِ؛ وأُهْبَةُ كلِّ شيءٍ ما يُعْتَدُّ بِهِ لَهُ، وحكمُ المرأةِ كالرجُل، لكنها لا تحتاجُ أُهْبَةً.
وقيَّد صاحبُ التنبيه الاستحبابَ في حقِّهما لمن هو جائزُ التصرف تبعًا للشافعيِّ رَحِمَهُ الله في الأُمِّ ولم يقيدْهُ بذلك في المختصر وعليه جرى الجمهورُ.
فَإِنْ فَقَدَهَا اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، أي الأولى تركُهُ لفقدِ أُهْبَتِهِ، ولما في النكاح من التزام ما لا يقدُر عليه، وَيكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ، للأمر به في الصحيحين 1؛ وهذا أمرُ إرشادٍ ولا يكسرها بالكافُورِ ونحوه، فَإِنْ لَم يَحْتَجْ كُرِهَ إِن فَقَدَ الأُهْبَةَ، لما فيه من التزام ما لا يقدُر على القيام بمقتضاهُ من غير حاجةٍ قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا... ﴾ الآية 2، وعدمُ الحاجة، إما لانتفاءِ التَّوَقَانِ، وإما العجزُ كمرضٍ ونحوه كما سيأتي، وعبارةُ الشَّافِعِيِّ: الأَحَبُّ تركُهُ ولا يلزمُ منها الكَرَاهَةُ، وَإلَّا فَلَا، أي وإنْ وجدَ الأُهْبَةَ فلا يُكره له، لَكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ، أيِ التَّخَلِّي لها اهتمامًا بها وعدم حاجته إليه، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ؛ فَالنّكَاحُ أَفْضَلُ، فِي الأصَحِّ، لِئلَّا تفضى به البطالة والفراغُ إلما الفواحش، والثاني: تركُهُ أفضلُ لما فيه من الخطر بالقيام بواجبه وفي الصحيحين: [اتَّقُواْ الله وَاتَّقُواْ النّسَاءَ، فَإِن أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ كَانَتْ في النّسَاءِ] 3.

فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أوْ تَعْنِينٍ كُرِهَ، وَالله أَعْلَمُ، لما سبق من التعليل عند عدم الحاجة؛ وفقدُ الأُهْبَةِ.
وخالفَ الغزاليُّ في الإحياءِ فقال: يُستحبُّ لِلْعَنِيْنِ وَالْمَمْسُوْحِ اقتداءً بغيره وتشبيهًا بالصالحين.
وقد يجمعُ بينهما بأنَّ كلام المصنِّفِ إذا لم تَتُقْ نفسُهُ إليه؛ وكلامُ الإحياءِ؛ إذا تَاقَتْ.
ويسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ، أي إن لم يكُنْ عذرٌ 1، نَسِيْبَةٌ لَيسَتْ قَرَابَةَ قَرِيْبَةً، = فِيهَا ليَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ.
فَاتَّقُوْا الدُّنْيَا وَاتَّقُوْا النِّسَاءَ، فإِنَّ أوَّلَ فِتنةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ كَانَتْ مَنَ النِّسَاءِ].
رواه مسلم في الصحيح: كتاب الرقاق: باب أكثر أهل الجنة الفقراء: الحديث (99/ 2742). والتِّرمذيّ في الجامع: كتاب الفتن: باب ما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه: الحديث (2191)، وقال: حديث حسن صحيح.
عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ].
رواه البُخَارِيّ في الصحيح: كتاب النكاح: باب ما يتقى من شؤم المرأة: الحديث (5096). ومسلم في الصحيح: الحديث (97/ 2740). فلعله أراد هذا الحديث.
لأن الأول لم أجده في صحيح البُخَارِيّ.

للحثِّ على ذلك 1، نعم دليلُ الأخير لا يُعرف له أصلٌ معتمدٌ؛ ويُعَكِّرُ على الأصحاب في جَزْمِهِمْ بذلك تزويجُ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ الله عَنْهُمَا وهي قرابةٌ قريبةٌ، لأنهُ ابنُ عَمِّ أَبِيْهَا، واعْلَمْ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَ عَائِشَةَ 2، وفي الحديث: [عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنتقُ أَرْحَامًا وَأَغَرُّ غُرَّةً وَأَرْضَى بِالْيَسِيْرِ] 3 رواهُ أبو نعيم في كتاب الطب من حديث عبد الرَّحْمَن بن سالم عن

أَبيه عن جده رفعه ولم يذكروا [أَغَرُّ غُرَّةً] وزادَ بعد [وَأَنْتَقُ أرْحَامًا وَأَسْمَنُ إِقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيْرِ مِنَ الْعَمَلِ] وفي بعض نسخه [وَأَسْخَنُ إِقْبَالًا] رواه البغويُّ بسنده ولم يقل [وَأَسْمَنُ إِقْبَالًا] وقال: عبد الرَّحْمَن بن سالم بن عبد الرَّحْمَن بن عُوَيْم بن ساعدةَ وعبد الرَّحْمَن بن عُوَيْمٍ ليست له صحبة، قُلْتُ: فيكون الحديث مرسلًا 1، قال الماورديُّ: [أَنتقُ أَرْحَامًا] أي أكثرُ أولادًا، وفي قوله [وَأَغَرُّ غُرَّةً] روايتان إحداهما: بالكسر أي أبعدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّرِّ وَأَقَلُّ فِطْنَةً لَهُ، والثانية: بالضم وفيه تأويلان أحدهما: أنَّه أراد غرة البياض، والثاني: أنَّه أراد حُسن الخُلق والمعاشرة 2. وقد أشارَ الله تعالى في كتابه إلى التَّرْغِيْبِ في العفيفةِ واجتناب غيرها بقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا... ﴾ الآية 3. والقرابةُ غير القريبة أَوْلى من الأجنبيَّةِ كما يُفهمهُ كلامُ المصنِّفِ، وأهملَ أوصافًا أخرى للمنكوحة ذكرتُها في الأصل فراجعها فإنَّه المهمُّ الأصلُ، وأورد القاضي والماورديُّ حديثًا أنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال لزيدٍ بن حارثَةَ: [لا تَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَلَا لَهْبَرَةً وَلَا نَهْبَرَةً وَلَا هَبْدَرَةً وَلَا لَفُوْتًا] فالأولى: الزَّرْقَاءُ البَذيَّةِ، والثانية: الطَّوِيْلَةُ الْمَهْزُوْلَةُ، والثالثة: الْعَجُوْزُ المدبِرَةُ، والرابعة: الْقَصيْرَةُ الذميْمَةُ، والخامسة: ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِكَ 4.

فَصْلٌ: وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا؛ سُنَّ نَظَرُهُ إِلَيْهَا، للأحاديث الصحيحة الشهيرة في ذلك 1، وقد رأى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عائشة في نومه وفعلُهُ في المنام كاليقظةِ وبه أستدلَّ البخاريُّ وغيرُهُ 2، قَبْلَ الْخِطْبَةِ، أي وبعد عزمِهِ على النكاح, لأنه قَبْلَ العزمِ لا حاجة إليه وبعد الخِطْبَةِ قد يقتضي الحالُ التركَ فيشقُّ عليها، وَإن لَمْ تَأْذَن، أي ويكفي إذنُ الشَّارع في ذلك للأحاديث الصحيحة 3، وَلَهُ تَكْرِيْرُ نَظَرِهِ، أي إذا احتاج إلى ذلك لِيَتَبَيَّنَ هَيْأَتَهَا فلا يندمَ بعد النكاح، وَلَا يَنظُرُ غَيرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، أي ظهرًا وبطنًا؛ لأنها مواضعُ ما يظهرُ من الزينة المشارِ إليها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 4 وهذا يُفهم أنها إذا كانت المخطوبةُ حُرَّةً, لأنه ليس بعورةٍ، فإن كانت أمَةً فيجوزُ أن ينظر إلى ما ليسَ بعورةٍ منها، وقد نقلَهُ في المطلبِ عن مفهوم كلامهم أَيضًا لكن ظاهرُ إطلاق الشَّافعيّ في الإملاء يقتضي التسوية كما نقلَهُ البيهقيُّ في مبسوطه عنهُ.
فَرْعٌ: إذا لم يتيسَّرْ له النَّظَرُ؛ بعثَ امرأةً تتأملها وتصفها له، ووصفُ المرأةِ المرأةَ حرامٌ إلَّا في هذا الموضع، وحكى في البيان عن الصَّيْمَرِيِّ: أنَّ ذلك خلافُ السُّنَّةِ

وردَّهُ عليهِ وما أَقْصَرَ فِيْهِ.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبيرَةٍ أَجْنَبيَّةٍ, لأنه إذا حَرُمَ نظرُ المرأة إلى عورة المرأة كما جاء به الخبر في الصحيح 1 فهو أولى، والعجوزُ كالشَّابَّةِ على الأصح، كما يُفْهِمُهُ عمومُ الكبيرة في كلام المصنِّفِ, لأن لكلِّ ساقطةٍ لاقطة، وقال القاضي حُسين: يجوزُ النظرُ إلى وجهها وكفَّيْها بناءً على قوله في أنَّه يجوزُ ذلك من الشَّابَّةِ، قال: ومع ذلك لا يجوزُ اللَّمْسُ لأن حكمَ النظرِ أخفُّ من حكم اللَّمْسِ، وذكرَ البيهقيُّ عن ابن عباسٍ: أنَّه تعالى استثنى القواعِدَ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غير متبرجات: الْخَلِيَّاتُ؛ وأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ بلبسِ جلابيبِهِنَّ خيرٌ لَهُنَّ 2، وذهبَ أنسٌ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أُمِّ أيمن وبعدَهُ انطلقَ إليها أبو بكرٍ، ولعلَّ من هذا دخول سفيان على رابعة رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى 3.

وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ... ﴾ الآية 1، ونقلَ الإمامُ الإجماع عليه، والمرادُ بخوف الفتنة ما يدعُو إلى الْجِمَاع وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصَّحِيْح، للاتفاقِ على مَنْع النساءِ أنْ يخرُجْنَ سافراتٍ لوجوهِهِنَّ ولو حَلَّ النظرُ لَمُكِّن كالأَمْرَدُ، قال في الْمُحَرَّرِ: وهذا أَولى الوجهين، والثاني: لا يحرُمُ، وبه قال الجمهورُ كما قال الإمامُ ومعظمُ الأصحابِ، كما عبَّر به الرافعي في شرحَيْهِ؛ لا سِيَّما المتقدمونَ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفيْنِ 2، نعم يُكره ذلك، وهؤلاء قد يمنعونَ الاتفاقَ على مَنْعِهِنَّ من الخروج سافراتٍ، وقد نَقل القاضي عياضُ = إِلَيهِ شَرَابًا، فَإمَّا كَانَ صَائِمًا، وَإمَّا كَانَ لا يُرِيْدُهُ؛ فَرَدَّهُ.
فَأَقْبَلَتْ عَلَى رَسُوْل اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تُصَاحِبُهُ -أَيْ تَرْفَعُ صَوْتَهَا إِنْكَارًا لإِمْسَاكِهِ عَنْ شُرْبِ الشَّرَابِ، وَكَانتْ تَدَلُّ (هو من الدَّلَالِ) عَلَيْهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِكَوْنِهَا حَضَنَتْهُ وَرَبَّتْهُ- فَقَالَ أَبو بَكْرٍ - رضي الله عنه - بَعْدَ وَفَاةِ رَسُوْلِ الله - صلى الله عليه وسلم - لِعُمَرَ - رضي الله عنه -: إِنْطَلِق بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُوْرُهَا، فَلَمَّا انتهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، قَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيْكِ، مَا عِنْدَ اللهِ خَيرٌ لِرَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
قَالَت: وَاللهِ لا أَبْكِي، إِلَّا أَكُونُ أَعْلَمُ مَا عِنْدَ الله خَيرٌ لِرَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَكِنْ أَبْكِي أنَّ الْوَحْيَ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ.
فَهيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ.
رواه مسلم في الصحيح: فضائل أُمِّ أيمن: الحديث (102/ 2453).

المالكيُّ عن العلماء مطلقًا: أنَّه لا يجبُ على المرأة سَتْرُ وَجْهِهَا في طريقها، وإنما ذلك سُنَّة، وعلى الرجال غضُّ البَصَرِ عنهُنَّ للآية السالفة، وحكاه عنه المصنّفُ في شرح مسلم في باب نظر الفجاءة وأقرَّهُ عليه 1؛ لكنه حكى الأول في أصلِ الروضة عن حكايته الإمامِ وأقرَّهُ أَيضًا، واعْلَمْ: أن المصنِّفَ وغيره فرضوا الخلاف عند الأمْنِ، والإمامُ فرضه فيما إذا لم يظهرْ خوف فتنةٍ؛ وهو حسنٌ فالأمنُ عزيزٌ إلاّ ممن عُصِمَ.
فَرْعٌ: صوتُها ليس بعورةٍ على الأصحِّ كما مضى في الصلاة، لكن يحرُمُ الإصغاءُ إليه خوفَ الفتنةِ، وقال القاضي حُسين في تعليقه: فأما إذا كان لها نَغْمَةٌ حسنةٌ فلا خلاف أنَّهُ عورةٌ، ويحرُمُ على الرَّجُلِ استماعُهَا، وقد يوافق ما نقله صاحب عوارفِ المعارفِ عن أصحابنا من اتفاقهم على تحريم سماع الغِنَاءِ من الأجنبيَّةِ مُطلقًا.
وَلَا يَنْظُرُ مِن مَحْرَمِهِ، أي بالنسبِ والرَّضَاع والمصاهَرَةِ، بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ, لأنه عورة، وَيحِلُّ مَا سِوَاهُ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا... ﴾ الآية 2، وَقِيْلَ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ فَقَطْ, لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه؛ فاقتصر على موضع

الضرورة، ويُعلم من هذا أنَّ نظرَهُ إلى ما يبدو في حال الْمِهنَةِ جائزٌ قطعًا وإلى ما بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حرامٌ قطعًا والخلافُ فيما بَيْنَ ذلك.
فَرْعٌ: يجوزُ للمَحْرَمِ الخلوةُ والمسافرةُ بها.
فَائِدَةٌ: الْمِهْنَةُ بفتح الميم وكسرها: الْخِدْمَةُ.
وأنكَرَ بعضهم كسرها.
وَالأصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الأمَةِ، أي قنةٍ كانت أو أُمّ ولدٍ، إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ, لأن رأسها ليس بعورةٍ فلا يكون ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كالرَّجل، نعم: يُكره، والثاني: يحرُم ما لا يبدو في حال الْمِهْنَةِ، إذ لا حاجة إليه دون غيره، والثالث: أنها كالْحُرَّةِ لاشتراكهما في الأُنُوثَةِ وخوف الفتنة، ففي الإِمَاءِ التُّرْكِيَّاتِ ونحوهِنَّ من خوف الفتنة أشدُّ من كثيرٍ منَ الْحَرَائِرِ، وصحَّحَهُ المصنِّفُ هنا وفي غيره كما سيأتي وهو الْحَقُّ، وِإلَى صَغِيْرَةٍ، أي التي لا تُشتهى, لأنها ليست في مظنَّةِ الشهوة، والثاني: لا يحلُّ لأنها من جنس الإناث، وهذا وجهٌ واهٍ لا كما اقتضاهُ إيراد المصنِّفِ من كونه قويًّا، وكيف يُتصوَّرُ أن يُقال به وما زال النَّاس في جميع الأعصار ينظرون إلى الصغار، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل أُمَامَةَ في الصَّلاة بين النَّاس وهم ينظرون إليها 1، ولعلَّ قائل هذا الوجه لا يطلقه هذا الإطلاق على أن هذا الوجه لم يحكِهِ إلَّا الغزاليُّ فمن بعده، قال ابن الصلاح: لم أجدْ حكاية الخلاف في وجهها يعني وجه الصغيرة التي لا تُشتهى لغير الغزاليّ ويكادُ أن يكون خرقًا للإجماع، قال: وهذا التعليلُ باطلٌ بذوات المحارم، فإنَّه لا خلاف في جواز النظر إلى وجهها وهذه أَوْلى بذلك لخروجها عن مظنةِ الشَّهْوَةِ في حقّ جميع النَّاس وذواتُ المحارم إنما خرجت

عن الشهوة في حقِّ مَحْرَمِهَا، إِلَّا الفَرْجَ، أي بالاتفاق كما ادَّعاهُ صاحب العُدَّةِ والفورانيُّ وجزَمَ به الرافعيُّ في كتبه والمصنِّفُ، لكن ردَّ عليه في الروضة: بأنَّ القاضي جزَمَ بجوازه في الصغر أَيضًا، وقطع المرْوَزِيُّ بجوازه في الصغير، وصحَّحَهُ المتوليّ لتسامح النَّاس بذلك قديمًا وحديثًا، قال: وإباحةُ ذلك يبقى إلى بلوغِهِ سنَّ التَّمييزِ ومصيره بحيث يمكن سترُ عورته عن النَّاس، ومتى قاربتِ الصَّبِيَّةُ البلوغَ بحيث يحتملُ بلوغُها قال ابنُ الرِّفْعَةِ: لا شَك أنها كالبالغة، قُلْتُ: وبه صرَّحَ الْجَاجُرْمِيُّ في كِفَايَتِهِ، فقال: والمراهقةُ كالبالغةِ.
وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبدِ، أي سواء كان فحلًا أو خصِيًّا أو مجبُوبًا أو ممسُوحًا، إِلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ، أي سواء كان عبدًا لغيرِها أمْ حُرًّا، كَالنَّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ، أما الأوَّلُ: فلقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ 1 وهو ما رجَّحَهُ الأكثرون كما قاله الرافعي، قال في الروضة: وهو المنصوصُ وظاهرُ الكتاب والسُّنَّةِ (26)، وإن كان فيه نظر من حيث المعنى، وقال البيهقي بعد أن حكى خلاف من خالَفَ: ظاهرُ الكتابِ أوْلى بالاتباع مع ما فيه من السُّنَّةِ 2، وأما الثاني: فعليه حُمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾، والثاني: لا فيهما، أما الأول: فلأنه لو ثبتت المحرميَّةُ لاستمرَّتْ كالرضاع والمرادُ بما ملكت أيمانُهُنَّ الإماءُ المشركات كما سيأتي، وإن سلَّمنا أنَّهم المرادون في الآية فمَنْ ذكرَهُ قيَّد بما إذا كانا عفيفين كالواحديِّ وهو

شافعيٌّ فينبغى تقييدُ الجواز بذلك وصحَّحَهُ الشيخُ أبو حامد وقال: إنه الصحيح عند أصحابنا، والقاضي أبو الطيبِ وابن أبي عصرونَ والمصنفُ في مسودةٍ لهُ على المذهب وهو قولُ سعيدٍ ابن المسيِب والحسنِ وطاووسَ ومجاهدٍ والشعبي وهو مذهبُ أبى حنيفة، وأما الثاني: فلأنَّهُ يَحِلُّ لهُ نكاحها فهو كالفحل مع الأجنبية، وصحَّحَهُ الشيخُ أبو حامد وقال الفارقيُّ: إنهُ القياسُ وهو قويٌّ، أما غيرُ أُولي الأربةِ فاختارَ المصنِّفُ أنَّهُ الْمُغَفلُ في عَقْلِهِ الذي لا يَشتَهِى النِّسَاءَ، ونقلهُ عن ابن عبَّاس وغيره 1 وذكَرَ القاضي حُسين فيه ثلاثة أوجهٍ أَصَحّها أنهُمُ الشيُوخُ، ثانيها: الصِّبيانُ، وثالثها: الْخصيَانُ، وخرج بالمسوح المجبوبُ والخصى والمسلولُ فإنهم كالفحل بل ضررُ الأخِيْرَيْنَ أكثرُ من ضرر الفحلِ، وقال القاضي بعد حكاية الخلاف في الممسوح: لا خلف أنه يجوزُ له الدخُولُ عليهِنَّ بغير حجابٍ.
واقتضى كلامُهُ أنه يجوز النظرُ إلى الوجه والكفين قطعاً، وأن الخلاف في نظر ما يبدُو عند الْمِهْنَةِ، قال في البيان: الخلافُ جارٍ في خلوة العبد بسيدته أيضاً كالنظر، وجزَمَ المرعشى في الأقسام في كتاب الحج بجواز الخلوة وجواز نظره إلى شعرها دُون سائر بَدَنها وصرَّحَ الْجُرجَانِى في شَافِيْهِ يحوازِ مسافرته.
فَرعٌ: الْعَنِيْنُ وَالْمُخَنثُ وهُو الْمُتَشَبِّهُ بِالنسَاءِ كالفَحلِ، وقيل: في المخنثِ والخصىِّ وجهان.
فَرع: المكاتَبُ ليس مَحرَماً لها كما نقلهُ في الروضة من زوائده عن القاضي حُسين وأقرَّهُ وسبقهُ إليه ابنُ الصَّلاح فنقله عنه في مُشْكِلِهِ وجزَمَ ابنُ الْقُشَيْرِيّ في تفسيرِهِ بأنه مَحرم لَها ونقل بعضُ المتأخرين بعد السبعمائة أَنَّ الشَّافِعِىَّ نَصَّ فِى

كُتبِهِ على أنهُ مَحْرَم لَها وأن ما نُقل عن القاضي حسين الموجود في تعليقه خلافُه، قُلْتُ: وحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: [إِذَا كَانَ إحدَاكُنَّ مُكَاتب وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلتحتَجِبْ مِنْه]، رواهُ الأربعة وصحَّحَهُ الترمذىّ 1. قال البيهقىُّ: قال الشافعيُّ: قد يجوزُ أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَها بالحجاب من مُكَاتَبِها إذا كان عندهُ ما يُودي، على ما عَظمَ الله به أزواج نَبِيِّهِ أمّهاتُ المؤمنين وخَصهُم بِهِ 2. فَرعٌ: المبعَّضُ هل يلحق بالْحُرِّ؟ فيه نظر، ثم ظفرتُ بعد ذلك أنهُ كالأجنبىِّ مَعَها.
وَأَن الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغ، لظهوره على العورات، والثاني: له النظَرُ كما له الدخول بلا استئذان إلاّ في الأوقات الثلاثة المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ... ﴾ [النور: 58] الآية 3، وعلى هذا هو كالْمَحرَمِ وصحَّحَهُ الفارقيُّ، ومعنى جعله كالبالغ أنه يلزم المنظورَ إليها الاحتجابُ، أو يمنعَهُ الولي من النظر كما يمنعه من سائر المحرماتِ، أما الصبيُّ فلا احتجاب منه لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطفْلُ... ﴾ الآية، وقال ابنُ الصَّلاح: الذي فهمته من كلام الإمام والغزاليِّ أن الذي بلغ حدَّ الحكاية والتشوُف إن أظهرَ التَّشَوِّفَ فهو كالرجل قطعًا وإلاّ فالخلافُ.

فرعٌ: يجب على المرأةِ الاحتجابُ من المجنون قطعاً؛ لأنه بالغ ذو شهوةٍ.
وقد يكون الخوفُ منه أكثرَ.
فرع: استئذانُ العبد والطفلِ في الأوقات الثلاثة لا بُدَّ منه حين يخلُو الرَّجُلُ بأهله حتى الابن يستأذِنُ أُمَّهُ في الأوقات الثلاثة مُطلقًا، وفي كُل الأوقات بعد بلوغِهِ وإن لم يتعرَّضْ له الأصحابُ، قال ابنُ مسعودٍ: عَلَيْكُم إذْن عَلَى أمهاتِكم 1. ويحِلُّ نَظَرُ رَجُلِ إِلَى رَجُلٍ، بالاتفاق وذلك عند أَمنِ الفتنة وعدمِ الشَّهْوَةِ، إِلَّا مَا بَينَ سُره وَرُكْبةٍ، لأنه عورة ولا فرق عندنا بين الحمَّام وغيره، ونقل القاضى حُسين عن على - رضي الله عنه -: (أَنَّ الْفَخِذَ فِي الحمامِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) 2. وَيَحرُمُ نَظَرُ أَمرَدَ بِشَهْوَةٍ، كالمَحرَمِ بل أولى لأن الإِنَاثَ محلَّ ذلك فِى الجملة بخلاف الذكور، ولا يختصُّ ذلك بالأمرد بل النظر إلى الرجل وإلى المحارم وإلى كُل من جَوَّزنَا النظرَ إِلَيهِ بِشَهْوَةٍ حَرَامْ.
قلتُ: وَكَذَا بِغَيْرها فِي الأصَحِّ الْمَنْصُوصِ، لأنه مظنةُ الفتنة فهو كالمرأة بل أعظمُ وقد نَفرَ منهم السَّلَفُ؛ وسموهم الأنتَانِ، لأنهم مستقذرون شرعاً، وقد ذَكَرَ عن أبي عبيد الله الْخَلال مال: كنتُ أمشى يوماً مع أستاذي فرأيت حَدَثا جميلاً فقلت: يا أستاذي أَتُرى يعذّبُ الله هذه الصُّورَةَ؟ فقال: أوَنَظَرتَ سَتَرَى غبَّها، قال: فنسيتُ القُرآنَ بعد ذلك بعشرين سنة.
واعلَم: أن الذي ذكرَهُ الرافعي في شرحَيْهِ أنه إذا لم يكن بشهوةٍ، فإن خاف الافتِتَان حَرُمَ في الأصحِّ تحرزًا عن الفتنة، والثانى: هو اختيارُ الإمام أنه لا يحرمُ وإلاّ أُمر بالاحتجابِ كالنِّسوَةِ، وإن لم يُخَفْ لا يَحرُمُ

قطعاً، وردَّ عليه المصنِّفُ في الروضة بأن قال الذي أطلقَهُ الأصحاب وصاحب المهذب وغيره: أنه يحرُمُ النظرُ إلى الأمرد لغير حاجةٍ ونقله الدَارِكِي عن نصٍّ الشافعىِّ رَحِمَهُ الله، قُلْتُ: والمحامليُّ حكاهُ عن رواية الشيخ أبي حامد عنه أيضاً، لكنه قال: ولا أعرفه للشافعي كما نبَّه عليه صاحبُ المطلب ولم يذكرهُ البيهقىُّ في معرفته ولا سُنَنِهِ ولا مبسوطه أيضاً، فهذا نصّ مستغرب، وأجاب ابنُ الصَّلاح عما ألزموا به في الأمر بالاحتجابِ بالمشقةِ في تركهم الأسبابَ ووجبَ الغضُّ على من يخاف الافتتان به رعاية للجانبين وهو ظاهر، أما الصعبُ إيجابُ الغضِّ مُطلقاً كما يقولُهُ المصنِّفُ يرده أحوال الناس ومخالطتهم الصبيان من عصرِ الصحابة إلى الآن، مع العِلْمِ بأنهم لم يُؤمروا بغضِّ البصر عنهم في كل حالٍ كالنساء بل عند توقع الفتنةِ وذلك نادرٌ لغالب الناس، وغالبُ المردَان ليسوا ممن يقع في قلوبهم شهوة بنظرهم ولا يُخشى منهم فتنة، وعبارة القاضي حُسين: عورَةُ الرَّجُلِ مِنَ الرَّجُلِ مِنَ السرة إِلَى الرُّكبَةِ وهكذا عندنا حكمُ الأمرد والغلام والمراهق وغيره إلاّ إذا كان حسنَ الوجهِ نَقِى البَدَنِ يُخشى منه حينئذٍ الافتتانُ، يحرُمُ النَّظرُ إليه، وكذا عبارة المتولي: الغلامُ إذا كان وضيء الوجه ناعم البدن؛ فإن كان يخاف من النظر الفتنة لا يجوزُ؛ وإن كان لا يخاف فالأولى أنْ لاَ ينظرَ، وكذا قيَّده الفوراني في الإِبَانَةِ بكونه حسنَ الوجهِ، وقال: إن خاف الفتنة فلا يجوزُ، وإلاّ فيجوزُ من غير تأمُّلٍ، وعبارة ابن أبى عصرون: أن الْمُردَ الْحِسَانَ يخاف منهم الفتنة ولم يؤمرُوا بالتنقيب، وهذا التقييدَ أهملَهُ المصنفُ هنا وفي الروضة تبعاً للمُهذب والرافعيِّ، نعم ذكرَهُ في تبويب رياضِهِ وهو حسن، وعبارةُ الْجَاجَرمِى في الكفاية: إلى ما بين وراءِ الإزارِ من الأمرَدِ بالشهوةِ حرامٌ وبغيرها حلالٌ، والغزاليُّ في كتبِهِ الفقهِيَّةِ ذكَرَ مثلَ ما أسلفناهُ عن الرافعيِّ، قال ابنُ الصَّلاح: ولهُ في الإحياءِ كلامٌ خير من كلامِهِ هُنا.
قال: كل من يَتَأثرُ قَلْبُهُ بجمالِ صورة الأمرد بحيث يُدرِكُ من نفسه الفَرق بينَهُ وبينَ الملتَحِي يعني من حيث الشَّهوة فلا يحِلُّ لهُ النَّظَرُ؛ ومقتضى هذا الكلام تحريم النظر إلى الأمرد على كل مَن يخاف الفتنة، وعلى بعضِ من لا يخاف الفتنة، ولا فَرقَ عند الشَّهوة بين

أن يكون معها خوفُ فتنةٍ أو لا، والمرادُ من النظر بشهوةٍ أن يكونَ النظرُ لقصدِ قضاءِ وطرٍ في الشَّهوةِ؛ يعنى أن الشخصَ يحِبُّ النظرَ إلى الوجْهِ الجميلِ ويلتَذُّ به، فإذا نظرَ لِيَلتذ بذلك الجمال فهو النظرُ بشهوةٍ، وليس المراد أن يشتهي زيادة على ذلك؛ مثل الوقاع ومقدماته؛ فذلك ليس بشرط وهو زيادةٌ في الفسق، فمن لم يفعل فاحشة واقتصر على ذلك فهو أثِمٌ لا محالة، قال ابن الصلاح: وليس المعنى بخوفِ الفتنةِ غلبَةُ الطن بِوقُوعِها، وتكفِى أن لا يكون ذلك نادراً فيكون النظر إليه بشهوة على ثلاثة مراتب إِحدَاها: أنْ يأمَنَ الفتنة فيجوزُ، وثانيها: أنْ يغلِبَ على ظَنِّهِ وقوعها فلا مجوزُ، وثالثها: أنْ يخافَ من غير ظهور وغلبة وقوع؛ فهو مَحِلُّ الْخِلاَفِ.
وعبارةُ الوسيط: الوجهُ الإباحةُ إلا في حقِّ من أَحَسَّ من نفسه الفتنةَ فعند ذلك يحرُم عليه فيما بينَهُ وبينَ الله تعالى إعادةُ النظر، قال ابن الرفعة؛ قوله: إِعَادَةُ النظرِ أشار به إلى أنَّ وقوعَ النظرِ إليه اتفاقاً لا يحرُمُ، أي وهو نظرُ الفُجَاءَةِ كما في الأجنبيةِ، وإنما الكلام في إعادة النظر إليه قَصداً واقتضى كلامُ الإمامِ جَرَيَانَ الخلافِ عند خوف الفتنة في نظر الرَّجُل إلى الرَّجُلِ وتَبِعَهُ ابن أبى عصرون.
وَالأصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ أنّ الأمَةَ كَالْحُرةِ، وَالله أعلَمُ، لما سلف، وقال ابن أبي عصرون: إنه المذهبُ؛ واستغرابُ الرافعي لَهُ غريب، وَالْمرأةُ مَعَ امرَأةٍ كَرَجُل وَرَجُلِ، أي فتنظرُ منها ما عدا ما بين السُّرَّةِ وَالركْبَةِ، ورأيتُ في أحد تعليقَيْ القاضي أنَّهُ يُكْرَهُ للمرأةِ إذا كانت تميلُ إلى النساء النظَرَ إلى وجهِ النسَاءِ وَأبْدَانِهِنَّ وأَنْ تُضَاجِعهُنَّ بلا حائل كما في الرجال.
وَالأصَحُّ تَحْرِيْمُ نَظَرِ ذِميةٍ إِلَى مُسْلِمةٍ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ... ﴾ وهي ليست كان نسائنا فلا تدخُل مَعَهُنَّ الْحَمَّامَ، قال المصنفُ في فتاويه: إلا أن تكون مملوكةً لها، قُلْتُ: يؤيّدُ أنَّ ابن جرير ذكَرَ عن ابن جُرَيح أنَّ المراد بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ في الآية الإِمَاءُ الْمُشْرِكَاتُ إذا لم يدخلن في نسائِهِنَّ، والثانى؛ هو كنظر المسلمة إلى مسلمة لأن الجنسَ واحدٌ؛ وبالقياس على الرِّجَالِ فإنا لم نُفَرِّقْ فيهم بين نظر المسلم منهم إلى المسلم أو نظر الذمىِّ إليه، وصحَّحَهُ الغزاليُّ، فعلى هذا لا ترى

منها إلا ما يبدو في الْمِهْنَةِ على الأشبَهِ، وقيل: هي كَالرَّجُلِ الأجْنَبِى.
وَاعلم: أنَّ ظاهر إيراد المصنف يقتضى التحريم على الذِّمِّيَّةِ وهو صحيح إذا قلنا الكفارُ مخاطبون بالفروع، وإذا كان حراماً على الذِّمِّيَّةِ حَرُمَ على المسلمة التمكينُ منه، ويحتمل أنه أرادَ التَّحرِيْمَ على الْمُسْلِمَةِ؛ وهو ظاهرُ كتاب عُمَرَ إلى أبى عُبيدة يأمُرُهُ أن يمنعَ المسلماتِ مِن أنْ يدخُلْنَ الْحَمَامَاتِ مَعَ الْمُشْرِكَاتِ 1. فَزع: سَائِرُ الكافراتِ في هذا كَالذِّمِّيَّةِ.
وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إِن لَمْ تَخَفْ فِتْنَةَ، أي وليس كنظر الرجل إليها، لأن بدنها عورةٌ في نفسه، ولذلك يجبُ سترُهُ في الصلاة، ولأنهما لو استويا لأمِرَ الرجالُ بالاحتجاب كالنساء وهذا ما صحَّحَهُ الغزاليُّ، قال المتوليّ: ويكرهُ لها النظر إلى وجهه وبدنه، قُلْتُ: الأصَح التحرِيْمُ كهُوَ إِلَيْها، وَالله أَعلمُ، لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ 2 ولقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ [أَفَعَفيَاوَانِ أَنتمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصرَانِهِ؟ ] حديث صحيح كما قاله الترمذيُّ وغيره 3، ولا عبرة.
ممن طَعَنَ فيه وتسوية بينهما وهذا ما

صحَّحَهُ جماعة، وقطع به صاحب المهذب وغيره، وقال المصنّفُ في شرح مسلم في باب المطلقة البائن لا نفقة لها: وإنَّهُ الصَّحِيْحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ وأكثرُ أصحابنا 1، وقال الشيخ تقي الدين القُشَيرِيُّ في كتاب الطلاق من شرح العمدة: في دلالة الآية المذكورة نظر؛ لأن مِن للتبعيضِ فيحمل على ما إذا خافت الفتنة فلا دلالةَ حينئذِ على وُجوب الغَضِّ مُطلقاً كما اختارَهُ بعضُ المتأخرينَ ولعلهُ عنى به النووي فينه استدلَّ بها في روضته، وحديثُ عائشة [رَأَيْت رَسُوْلَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُم يَلْعبوْنَ وَأَنَا جَارِيَة] 2 لعلهُ كان قبل نُزول الحجاب أو كانت عائشة لم تبلغ مبلغ النساء؛ إذ ذاك.
وفي المسألة وجه ثالث: أن لها النظرُ لما يبدو منه عند المِهْنَةِ دون غيره إذ لا حاجةَ إليه، أما إذا خافتْ فتنةً فلا يجوزُ قطعاً، وحديث [أَفَعمياوَانِ أَنتمَا؟ ] يُحمل على هذا أو على الاحتياط.
= الترمذي في الجامع: كتاب الأدب: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال: الحديث (2778)، وقال: حسن صحيح.

وَنَظَرُها إِلَى محرَمها كَعَكْسِهِ، أي كنظر الرَّجل إلى المرأة المَحرَمِ فلا يحرمُ إلَّا ما بينَ السُّرَّةِ وَالركبَةِ، وَمَتَى حَرُمَ النْظَرُ حَرُمَ المَسُّ؛ لأنه أبلغُ في اللذةِ وأغلظُ؛ بدليل: أنه لو لَمَسَ فأنزلَ بَطَلَ صومُهُ، ولو نظرَ فأنزلَ لم يبطُل، فيحرُمُ على الرجلِ دَلْكُ فَخِذِ الرَّجُلِ بلا حائل، وإن كان فوق إِزَارٍ جازَ إن لم يخف فتنة، وعبارةُ القاضي حُسين: لا يجوزُ لِلدَّلَّاكِ أنْ يُدخل يدَهُ تحت إزارِهِ، وعبارةُ القفال في فتاويه؛ ومنها نقلتُ: لا يجوزُ للدَّلَّاكِ في الْحمَامِ أنْ يُدخل يدَهُ تحتَ إزارهِ ليغمز فخذَهُ ولا يمكِّنْهُ الرَّجُلُ، ومقتضى هذه العبارة التحرِيمُ، وإن كان في اليَدِ مِفْرَكَةَ ونحوها مما يحولُ بينها وبين مسِّ البشرة.
تَنْبِيْهانِ: الأوَّلُ: عبارةُ الْمُحَرر والروضَةِ هي: وحيثُ حَرُمَ النظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ، وهي أحسنُ من عبارة المصنِّفي هنا، لأنَّ حَيْثُ اسمُ مكان وهذا هو المقصودُ أنَّ المكان الذي يحرُمُ نظرهُ يحرُمُ مَسُّهُ، وَمَتَى اسمُ زمانٍ ولا يلزم منها المكانُ، الثانِى: قد يحرُمُ النظر على وجه ويجوزُ الْمَسُّ قطعاً وهو نظرُ الرجلِ إلى فرج أمَتِهِ وَزَوْجَتِهِ كما ستعلمهُ، أو يُحمل كلام المصنِّف على الأجْنَبِياتِ.
فَرع: قد يحرم المسُّ دون النظر فلا يجوزُ للرجُل مسَّ وجهِ الأجنبيَّةِ وإن حازَ النظرُ، ولاَ مسَ كل ما يجوزُ النظر إليه من المحارمِ والإِماء بل لا يجوزُ للرجُل مَسُّ بطنِ أمِّهِ ولا ظهرها ولا أن يغمز سَاقها ولا رِجْلَها ولا أن يُقبلَ وجهها، حكاهُ الرافعى عن العبادي عن القفال، قال: وكذا لا يجوزُ للرجلِ أن يأمُرَ ابنتَهُ ولا أختَهُ بغمز رجْلِهِ أي من كيرِ حائلٍ وأجازَهُ بعضهم إذا لم تكن شهوةً حكاهُ في المطلب، وعن القاضي حسين: أنه كان يقول للعجائز اللائي يُكَحِّلْنَ الرجالَ يوم عاشوراء: مرتكباتْ للحَرَامِ، وفي شرح مسلم للمصنِّف: في باب فضل الغزو في البحر: أجماعُ العلماء على جواز مسِّ الْمحرَمِ في الرأس وغيره مما ليس بعورة 1، وفيه مخالفةٌ لما

أسلفناهُ عن القفال فإنه نقله عنه في الروضة تبعاً للرافعي وأقرَّهُ، ومس الرَّجُلِ بطنَ أُمِّهِ وظَهْرَها ينبغى جوازُهُ إذا كان لشفقة وحُنُوّ وكذا غَمزُ السَّاقِ وَالرِّجْلِ وَالتَّقْبِيْلِ.
ويبَاحَانِ، يعنى النظرُ والْمَسُّ، لِفَصَدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلاَج، للحاجة الملجِئَة إلى ذلك، وليكُنْ بحضورِ مَحْرَمٍ أو زوجٍ، قُلْتُ: وينبغي الاكتفاءُ بحضور امرأةٍ أخرى معها، لأن الحكاية عن الأصحاب جوازُ خُلُوَّةِ رجل بامرأتين، ويشترطُ أيضاً عدمُ المعالج من كلِّ صِنْفِ، ولا يكشفُ إلا قدرَ الحاجةِ كما قاله القفال في فتاويه، قال القاضى حُسين والمتولي: ولا يكون ذِمِّيًّا مع وُجود مُسْلِمٍ، وفي معنى الفصد والحجامة نظرُ الخاتِنِ إلى فرج الصبىِّ الذي يَخْتِنُهُ، ونظر القابلة (•) إلى فرج التي تولدها، قُلْتُ: ويبَاحُ النظَرُ لِمُعَامَلَةٍ، أي كبيع وشراءٍ وإجارةٍ ونحوها، لأنه يُحتاج إلى معرفتها فيقتصرُ على الوجه فقطْ، وَشَهادَةٍ، ليغرِفها عند الحاجة وكذا عند الأداءِ، فإن امتنعت أمَرَ امرأةً بكشفِ وجهها، وكذا عند العقدِ عليها لابُدَّ أن تكون معروفةً عند الشاهِدَيْنِ بالنسَبِ أو يُكشف عن وجهها، لأن التجمل عند النكاح منزل منزلة الأداء، وَتَعلِيْمٍ، هذه المسألةُ من زياداته على الروضة بل وعلى تعليق الشيخ أبى حامد والقاضى حُسين والتتمة والإبانة والمهذب والحاوي والبيان والنهاية والشامل والمطلب، وهو ظاهر فيما يجبُ تعليمهُ وتعلُّمه كقراءة الفاتحة، وما يتعيَّنُ بعلمه من الصنائع المحتاج إليها بشرط أن لا يمكن التعليم من وراء حجابٍ، أما غير ذلك = يَوْماً فَأَطعَمَتْهُ، ثُم جَلَسَتْ تُفَلِّى رَأسهُ، فَنَامَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ استَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ.
قَالَت: مَا يُضحِكُكَ يَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: [نَاسٌ مِنْ أُمَّتِى عُرِضُوْا عَلَىَّ غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، يَركَبُونَ ثج هذَا البَحرِ مُلُوكًا عَلَى الأسِرَّةِ -أو مِثْلَ الْمُلُوْكِ عَلَى الأَسِرة-] فَقُلتُ: يَا رسول اللهِ ادعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِى فِيهم فَدَعَا.
رواه مسلم في الصحيح: كتاب الإمارة: باب فضل الغزو في البحر: الحديث (160/ 1912). قال النووي رحمه الله: وفيه جوازُ ملامسَةِ المَحرَمِ في الرأسِ وغيره مما ليس بعورةِ، وجوازُ الخلوةِ بالمَحرَمِ والنوم عندها وهذا كله مجمَعٌ عليه.
(•) في النسخة (2): الداية.
وأشار أنه في نسخة أخرى: القابلة.
فأثبتناه.

فكلامهم يقتضى المنعَ، ومنهم المصنِّفُ حيث قال في الصداق: وَلَوْ أَصدَقَ تَعلِيْمَ قُرآنٍ وَطَلقَ قَبْلَهُ فَالأصَحُّ تَعَذُّرُ تعلِيْمِهِ، وعلَّلَهُ الرافعي: بأنها صارت مُحَرَّمَةً عليه، ولا يؤمَنُ الوقوعُ في التُّهْمَةِ.
والخلوةُ الْمُحَرَّمَةُ لو جَوَّزنا التعليم فالوجهان متفقان على تحريم النظرة، وَنَحوِها، أيْ كالنظرِ إلى فرج الزَّانِيَيْنِ للشهادة على الزِّنَا وإلى فرج المرأةِ للشهادة على الأولاد وإلى ثديها للشهادة على الرضاع لظهور الحاجة، وكذا النظرُ لجاريةٍ أو عبدٍ يريدُ شراءَهُمَا فينظرُ ما عدا ما بين السُّرَّةِ والركبَةِ، وكلُّ ما ذكرنا أنه يجوزُ للرجُل نظره من المرأة للحاجة يجوزُ لها منه أيضاً إذا تحقَّقَتْ حاجتها، كما إذا باعتْ أو اشترتْ منهُ أو استأجرتْ منهُ أو آجرتهُ، لأنها تحتاج إلى معرفتِهِ لمطالبَتِهِ وغير ذلك، بِقَدرِ الْحَاجَةِ، وَالله أَعْلَمُ، أي فينظرُ عند الشهادة أداء وتحملاً، وكذا عند الْمُبَايَعَةِ إلى الوجْهِ فقط، قال في البحر: والذي ذهبَ إليه الجمهور أنه يستوعبَ جملةَ الوجهِ، لأن جميعَهُ ليس بعورةٍ، وقال الماورديُّ: الصحيحُ أنه ينظرُ إلى ما يعرفها به، فإن كان لا يعرفها إلا بالنظر إلى جميع وجهها جازَ لَهُ النظَرُ إلى جميعِهِ، وإن كان يعرفها بالنظر إلى بعضه لم يكن له أن يتجاوز إلى غيره، قال: ولا يزيدُ على النظرة الواحدة إلا أن يحتاجَ إلى ثانيةٍ للتحققِ فيجوزُ، وقال الحسنُ البصرِيُّ والشعبىُّ في المرأةِ بها الجرحُ ونحوه: تخرق الثوب على الجرح ثم ينظرُ الطبيب إليه.
وَللزَّوْج النَّظَرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِها، لأنه مَحِلُّ اسْتِمتَاعِهِ والنظرُ فيما يُستمتع به حتى الفَزجَ ظاهراً وباطناً على الأصحّ لكن يُكره.
وباطن الفرج أشدُّ كراهةً قالت عائشة: [مَا رَأَيْتُهُ مِنْهُ وَلاَ رآهُ مِنّي] 1 وقيل: يَحرُمُ وصحَّحَهُ الْجُرجَانِىُّ في شافيه

لحديث جيِّدٍ كما قال ابنُ الصَّلاح أخرجه البيهقيُّ وغيره [إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَلاَ يَنْظُر إِلَى فَرْجِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُوْرِثُ الْعَمَى] 1 وأكثرُ طُرقه مقيَّد بحالة الجِماع واختلفوا في قوله [يُوْرِثُ الْعَمَى] فقيل: في النَّاظِرِ، وقيل: في الولدِ، وقيل: في القلبِ، فحيث لا وطءَ ولا ولدَ قد يقال بالتخصيص فيه، ورأيتُ في الْمُعِيْنِ لبعضِ فقهاء اليمن عن الشيباني أن مَحِلَّ الخلاف في غير حالةِ الاستمتاعِ، وأما فيه فيجوزُ قطعاً، ورأيتُ في كلام الْقَمُوْليِّ أنَّ بعضهم حكاهُ عن النَّصِّ وهو مصادِمٌ للحديث المذكور، وأما حلَقَةُ الدُّبُرِ فلا يجوزُ النظرُ إليها قطعاً، لأنها ليستْ مَحِلَّ استمتاعِهِ كما نقل عن الدَّارِمِىُّ في استذكاره، ثم رأيتُهُ منهُ بعد ذلك فيهِ، لكن في النهاية في باب إتيانِ النساء في أدبارهن ما نصُّهُ: والتلذُّذُ بالدُّبُرِ من غيرِ إيلاجٍ حائزٌ، فإنَّ جملةَ أجزاءِ المرأةِ محِل استمتاعِ الرجُلِ إلا ما حرَّمَ الله من الإيلاجِ، وقال في أثناء ما جاء في الترغيب في النكاح: فإن كانت المرأةُ مستباحةً لهُ فلهُ النظر إلى جميع متجردها وإلى ما وراء الإزار، ثم حكى الخلاف في الفرج.
وقول المصنفِ (وَلِلزَّوْجِ النَّظرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِهَا) يُستثنى ما إذا كان بها مانعٌ بأن كانت معتدَّةً عن وطءِ أجنبيٍّ بشبهةٍ؛ فإنه يحرُمُ عليه أن ينظُرَ إلى ما بين السُّرَّةِ والرُّكُبَةِ ولا يحرُمُ ما زاد على الصحيحِ كما ذكرَهُ في الروضة تبعاً للرافعى.
فَرْعٌ: نظرُ السَّيِّد إلى أَمَتِهِ التي يجوزُ استمتاعُهُ بها كنظرِ الزَّوجِ إلى زوجَتِهِ؛ فإن كانت مرتدَّةً أو مجوسيَّةً أو وثنيةً أو مزوَّجَةً أو مكاتَبَةً أو مشتركة بينه وبين الغير؛ فكما أسلفناه في المعتدة عن وطء أجنبيٍّ بشبهةٍ.
فَرْعٌ: نظرُ الزوجة إلى زوجها كنظرِهِ إليها، وقيل: يجوز نظرها إلى فرجه قطعاً، لأنَّ الخبر وردَ في الفرجِ وهو الشَّقُّ، وممن صرَّح بالخلاف فيها الجرجاني في شافيه؛

ونظرها إلى سيّدِها كنظرِهِ إليها.
فَرْعٌ: الخلافُ الذي في النظر إلى الفرج لا يجري في مَسِّهِ لانتفاءِ العلَّة؛ هذا هو الظاهرُ، وإن لم يصرِّحوا به، وسَأل أبو يوسف أبا حنيفة عن مسِّ الرجُلِ فرج امرأتِهِ وعكسِهِ؛ فقال: لاَ بَأْسَ بِهِ وَأَرْجُو أَنْ يُعَظِّمَ الله أَجْرَهُمَا.
فَرْعٌ: ما لا يجوزُ النظر إليه متَّصلاً كالذكرِ؛ وساعدِ الحُرَّةِ؛ وشعرِ رأسها؛ وشعر عانَةِ الرَّجُل؛ وما أشبهها، يحرمُ النظر إليه بعد الانفصال على الأصحِّ، وبه أجابَ أبو علي الشَّبُويُّ والقاضى حُسين وزاد فقال: وكذلك دَمُ الفَصْدِ والحجامَةِ، وقيل: لا يحرم، لأنه لا يخافُ من النظر إليها فتنة وهو قويٌّ، وقال الإمامُ: احتمالاً لنفسه إن لم يتميِّز أن الْمُبَانَ من المرأة بصورتِهِ وشكله عمَّا للرَّجُلِ كالقُلاَمَةِ والشَّعر والجلدِ لم يَحْرُمْ، وإن تميَّز حَرُمَ، وضعَّفَهُ في الروضة إذ لا أثَرَ للتمييز مع العلم بأنه جزءٌ ممن يحرُم نظره، قال: وعلى الأصحِّ يحرُمُ النظرُ إلى قُلاَمَةِ رِجْلِهَا دون قُلاَمَةِ يَدِها، ويَدِهِ وَرِجْلِهِ، قُلْتُ: هذا التفصيل مَبْنِيٌّ على أنَّ يَدَهَا ليست بعورةٍ، وهو قد صحَّح فيما مضى أنه عورةٌ، فهذا يخالفُ، وهذا التفصيلُ نَقَلَتْهُ بنتُ أبي عليٍّ الشَّبُويِّ عن والدها للخضريِّ لما سُئل عن ذلك ففرح به؛ وقال: لو لم أستفدْ من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة كانت كافيةً.
ونقلَ البغويُّ في فتاويه هذا التفصيل عن أصحابنا، وفي البحر وجهٌ حكاه في كتاب الصَّلاة: أنه يجبُ دفنُ شعرُ المرأة وظُفرِها، وفي طبقات العباديِّ عن عبدان من قدماءِ أصحابنا: أنَّ الْحُرَّةَ إذا وَصَلَتْ شعرها بشعر حُرَّةٍ يجبُ ستُرهُ، أو أَمَةٍ فلا، ونقلَ الإمامُ عن نصِّ الشافعيِّ رَحِمَهُ اللهُ تحريمَ النظرِ إلى شعرِ الأجنبيَّةِ إذا وَصَلَتْهُ الزوجَةُ بشعرِ نفسها، فيحتملُ أن يكون لأجل وجوب الدَّفْنِ كما سلفَ، ويحتمل أن يكون لأجل الوصْلِ فإنه حَرَامٌ، وينبغي لمن حَلَقَ عانَتَهُ أن يُوَارِىَ الشَّعْرَ لِئلا ينظر إليه أحدٌ، وفي فتاوي البغويِّ: أنه لو أُبِيْنَ شعرُ الأَمة وظُفُرها ثم عَتَقَتْ ينبغي أن يجوزَ النظرُ إليه، وإن قلنا: إنَّ الْمُبَانَ كالمتَّصِلِ لأنه حين انفصلَ لم يكُنْ عورةً؛ والعتق لا يتعدى إلى المنفصل.
فَرْعَانِ نَخْتِمُ بِهِمَا الْكَلاَمَ فِي النَّظَرِ:

الأَوَّلُ: قال في الروضة تبعاً للرافعىِّ: لا يجوزُ أن يُضَاجِعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ولا الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وإن كان كلُّ واحدٍ في جانبٍ من الفِرَاشِ، واستدلَّ لهُ الرافعيُّ بقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [لاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ]، وهو حديث صحيحٌ أخرجهُ مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - 1، ومرادُهما ما إذا كانا مجرَّدَيْنِ، ولفظُ الإفضاء يقتضيه فإنه بغير حائلٍ ورواه أحمد والحاكم من حديث جابر وقال: صحيح على شرط مسلم بلفظ [لاَ يُبَاشِرُ] 2 وهو مثله.
وقوله في الثوب الواحد يقتضيه أيضًا، وقد صرَّح بذلك القاضى حُسين حيث قال: لا يجوزُ للرجلين أن يتجرَّدَا في ثوبٍ واحدٍ، والخوارزمىُّ في كافِيْهِ حيث قال: لا يجوزُ مُضَاجَعَةُ الرَّجُلَيْنِ العَارِيَيْنِ وإن كان أحدُهما من جانبٍ والآخر من جانبٍ وكذا في حقِّ الْمَرْأَتَيْنِ وإن كانتا لابِسَتَيْنِ أو إحداهما فلا بَأْسَ، وفي هذه الأخيرة نظرٌ وينبغي أن يستثنى من التحريم الإفضاءُ بين الوالدِ وولدِهِ ووالدةٍ وولدِهَا لإنتفاء المحذور وقد صحَّ ذلك من حديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط البخاري ولفظهما: [لاَ تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلاَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِلاَّ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ] 3 وأخرجه أبو داود بلفظ [إِلاَّ

وَلَداً وَوَالِداً] 1 فهذه زيادة مخصِّصَةٌ لحديث أبي سعيد السالف.
الثاني: قالاَ أيضاً وسبقهما القاضي حُسين: إذا بلَغَ الصَّبيُّ والصَّبِيَّةُ عشرَ سنين وجَبَ التَّفرِيْقُ بينَهُ وبينَ أُمِّهِ وأبِيْهِ وأُخْتِهِ وأَخِيْهِ في المضجَعِ واستدلَّ لهُ الرافعى بقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مُرُواْ أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوْهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْر وَفَرِّقُواْ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ] وهو حديث حسنٌ رواه أبو داود 2 ولكنه ليس مطابقاً للدلالة، لأن مقتضاهُ التفريقُ بين الصبيان لا بينهم وبين آبائهم وأُمهاتهم؛ فإن أخذَ ذلك من القياس، فالفرقُ ظاهرٌ.
وتحصلُ التفرقةُ بكون كلِّ واحدٍ منهم في فِرَاشٍ ويكونُ اثنين فصاعداً في فِرَاشٍ متفرِّقَين غيرَ مُتَلاَصِقَيْنِ وحكمهما في التجرُّدِ ما سلفَ في الفرع قبله.
فَصْلٌ: تَحِلٌّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ، أيْ وموانعُ النكاحِ تعريضاً وتصريحاً وهو إجماعٌ، وقال الغزالي: إنها مستحبَّةٌ ويحتجُّ له بالإتباع، والخِطْبة بكسر الخاء.
أما المنكوحَةُ فيحرم خطتها مُطلقاً، لاَ تَصْرِيْحَ لِمُعْتَدَّةٍ، أي سواءٌ كانت رجعيَّةً أو بائِناً لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ... ﴾ الآية 3، وحكى ابنُ عطية الإجماع على ذلك، والمواعَدَةُ سِرًّا في الآية الخطبة على الصحيح، قال الشافعيُّ: ولم يُرِدْ بالسّرِّ ضِدَّ الْجَهْرِ وإنَّمَا أَرَادَ الْجِمَاعَ، ومن قال من الظاهرية أنه تجوزُ الخطبةُ علانِيَةً لا سِرًّا فقد جاوزَ الحدَّ، وَلاَ تَعْرِيْضَ لِرَجْعِيَّةٍ، لأنها زوجةٌ أو في معنى الزَّوْجَةِ.
= كتاب الحظر والإباحة: باب ذكر بعض الرجال الذين استثنوا من ذلك العموم: الحديث (5556).

وَيَحِلُّ تَعْرِيْضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، أي لو كانت بالحمل للآيةِ السَّالفة، والفرقُ بينه وبين التصريح أن التصريح تتحقق به الرغبةُ بخلافه، وضابطُ التصريح ما يقطع بهِ الرَّغْبَةَ في النِّكَاحِ كقوله أُريد نِكَاحَكِ إذا انقضتْ عدتُكِ نكحتُكِ؛ والتعريضُ ما احتمل الرغبَةَ وعدمَها قالهُ الرافعىُّ، وقال ابنُ الْقُشَيْرِيِّ في تفسيره: هو إبهامُ المعنى بالشيء المحتَمَلِ لَهُ ولغيرهِ لقوله: رُبَّ راغبٍ فيكِ إذا حَلَلْتِ فآذِنِيني ونحوهما، وَكَذَا لِبَائِنٍ فِي الأَظْهَرِ، لانقطاعِ سلطَنَةِ الزَّوج عنها.
والثاني: المنعُ، لأن لصاحب العدَّةِ أن ينكحها فأشبهتِ الرجعيَّةَ، وسواءٌ حصلتِ الْبَيْنُونَةُ بالطلاقِ أو الفسخِ، وسواءٌ كانت الْعِدَّةُ بالأقراءِ أو بالأشهر على الأصحِّ.
وقيل: إن كان بالأقراء حَرُمَ قطعاً؛ لأنها قد تكذب في انقضاء العدَّةِ لرغبتها في الخاطب.
فَرْعٌ: التي لا تحلُّ لمن منهُ العِدَّةُ بلعانٍ أو رضاع أو طلاقِ الثلاثِ كالمعتدَّةِ عن الوفاة، وقيل: كالفسخِ.
فَرْعٌ: في المعتدَّةِ عن وطءِ شُبْهَةٍ طريقان؛ أصحُّهما: القطعُ بالجواز لأنَّ مَنْ منهُ العِدَّةُ ليس له عليها حقُّ نِكاحٍ، الثاني: طردُ الخلاف.
تَنْبِيْهٌ: رُبَّما بُنِيَ الخلافُ في هذه الصورة وِفَاقاً وخِلافاً كما قال الرافعيُّ: على أن المقتضى للتحريم في الرجعيَّةِ ما إذا قالت طائفةٌ إنها بِصَدَدِ أن تراجَعَ فقد تكذبُ في انقضاءِ العِدَّة دفعاً لها، وقال آخرون: إنها مجفوةٌ بالطلاق فقد تكذبُ انتقاماً، والمعنَيَانِ مفقودانِ في المتوفَّى عنها زوجُها فجازَ.
وفي البَائِنِ وُجِدَ الثاني دُون الأول فكانَ على الخلافِ.
فَائِدَةٌ: جَمِيْعُ ما ذكرَهُ المصنِّفُ فيما إذا خطَبَها غيرُ صاحب العدَّةِ، فأما صاحبُها الذى يحِلُّ له نكاحها، فله التصريحُ بخِطبتها، وحكمُ جواب المرأة في الصورة المذكورة تصريحاً وتعريضاً حكم الخطة فيما تقدم.
فَرْعٌ: لو خالفَ الخاطبُ، فصرَّحَ أو عرَّضَ حيثُ لم يُبَحْ لهُ ثم أوقعَ العقدَ صحَّ، نصَّ عليهِ.

فَرْعٌ: يُكره التَّعريضُ بالجِمَاع للمخطوبَةِ ولا يُكره التعريضُ ولا التصريحُ به لزوجتِهِ وأَمَتِهِ نقلَهُ في الروضة من زوائدِهِ عن الأصحابِ.
فَصْلٌ: وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَخْطِبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ] متفق عليه من حديث ابن عمر 1، والتركُ كالإذنِ كما جاء فِى رواية البخاري.
ويشترطُ أن يكون عالماً بالنهي عنهُ قالَهُ القاضي حُسين في تعليقه.
فَرْعٌ: لو خالَفَ وتَزَوَّجَهَا صحَّ العقدُ لأنَّ الْمُحَرَّمَ الْخِطْبَةُ لا العقدُ.
فَإِنْ لَمْ يُجَبْ وَلَمْ يُرَدَّ لَمْ تَحْرُمْ فِي الأَظْهَرِ، لأنه ليس فيه إبطالُ شيءٍ تقرَّرَ بينهما، ومنهُمْ من قطعَ بِهِ، والثاني: يحرُمُ لإطلاق الحديث؛ قال الرافعيُّ: وأقَامَ مقيمونَ كلام الفريقين؛ يعني من قطعَ، ومن أثبتَ؛ قولين طريقين؛ قالَ: ويمكنُ أن لا يُجعل خلافاً محقَّقاً، ويحملُ الأول؛ يعني القطعُ بالجوازِ على سكوتٍ لم يقترِنْ به ما يُشعِرُ بالرِّضَى، وإجراءُ الخلافِ على سكوتٍ اقترنَ به ما يُشعِرُ بالرِّضَى، وقال الرافعي في كتاب البيع: هل السكوتُ من أدلة الرِّضَا إذا لم يقترنْ به ما يُشعر به بالإنكار.
أما في الخِطبة فنَعَمْ، وأما في السَّوْمِ فقال الأكثرون: لا، بل هو كالتصريح بالرَّدِّ، وعن بعضهم أنهُ كما في الخِطبة حتى يخرج على الخلاف وقول المصنف (لَمْ يُحَبْ وَلَمْ يُرَدْ) لكَ أن تجعلَهُ على إطلاقِهِ، أىْ لم يُجَبْ تصريحاً ولا تعريضاً بل سكتَ عنهُ، قال الرافعيُّ: والسَّابقُ إلى الفَهْمِ من إطلاقِ الأكثرين أنَّ سكوتَ الوليِّ عن الجوابِ على الخلاف، وخصَّصَ بعضُهم الخلافَ بسكوتِها، وقال: سكوتُ الوليِّ

لا يمنعُ قطعاً، لأنها مَجْبُولَةٌ على الحَيَاءِ، فلولا الرضا عند السكوتِ لبادَرَتْ إلى الرَّدِّ، وعن الدَّارِكِىِّ: أنَّ الخلافَ في سكوتِ البكرِ، ولا يُمنع سكوتُ الثيِّبِ؛ بحالٍ ولكَ أنْ تجعلَهُ خاصًّا بالصريحِ؛ أي إن لم تُجِبْ صريحاً، لكن وُجد ما أشعر به كلا رغبة عنك، والجديدُ فيه أيضاً عدمُ التحريم، والقديمُ التحريمُ، وقوله (وَلَمْ يُرَدْ) يخرجُ به ما إذا رُدَّ فإنه لا يحرُمُ قطعاً.
فَرْعٌ: صريحُ الإجابة أن تقولَ أَجَبْتُكَ إلى ذلكَ، أو تأذَنَ لوليِّهَا في أن يُزوجها إيَّاهُ، وهي معتبرةُ الإذنِ.
فَرْعٌ: المعتبرُ ردُّ الوليِّ وإجابتُهُ إن كانت مُجْبَرَةً وإلا فردُّها وإجابتُها، وفي الأَمة رَدُّ السَّيِّدِ وإجابتُهُ، وفي المجنونَةِ رَدُّ السلطانِ وإجابتُهُ، وقال ابنُ الرفعة: والمكاتَبَةُ إن جوَّزنا تزويجَها ينبغي أن يُعتبر إذنها وإذنُ السَّيِّدِ معها.
فَرْعٌ: يجوزُ الهجومُ على الخِطبة لمنْ لَمْ يَدْرِ أَخُطِبَتْ أَمْ لاَ؟ ولمنْ لم يَدْرِ أُجِيْبَ خَاطِبُهَا أَمْ رُدَّ؟ لأنَّ الأصلَ الإباحةُ.
فَرْعٌ: سواءٌ فيما ذكرناهُ الخاطبُ المسلمُ والذِّمِّيُّ إذا كانت كتابِيَّةً، وقيل: يختصُّ المنعُ بالخِطبة على خطبة الْمُسْلِمِ، ونقلَ ابنُ عبد البر الإجماعَ على كراهَةِ سَوْمِ الذّمِّيِّ على سَوْمِ المسلِمِ وعلى سَوْمِ الذّمِّيِّ إذا ترافعوا إلينا، وقياسُهُ أن تكونَ الخِطبة كذلك.
فَصْلٌ: وَمَنِ اسْتُشِيْرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِيهُ بِصِدْقٍ، أي إذا لم يَندَفِعْ بدون ذلك بذلاً للنصيحة، فإن اندفَعَ بدون تعيينها، كقوله لا خَيْرَ لَكَ فِيْهِ ونحوه؛ فإنَّهُ لا يَحِلُّ تعيينُها.
قاله في الأذكار.
وليسِ هذا من الْغِيْبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وهي تباحُ لستة أسبابٍ جمعها بعضُ الطلَبَةِ في هذا البيت: لَقَبٌ وَمُسْتَفْتٍ وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ... وَالظُّلْمُ تَحْذِيْرُ مُزِيْلَ الْمُنْكَرِ وقوله (ذَكَرَ مَسَاوِيَهُ) محتملٌ للجوازِ والإيجابِ؛ وظاهرُ إيراد الْمُحَرَّرِ الأولُ فإنهُ قال: فَلَهُ ذَلِكَ، وعبارتُهُ في الروضة تبعاً للشرح نحو ذلك، لِيَحْذَرَ قَالاً.
وكذا مَنْ أرادَ نصيحةَ غيره ليحترِزَ عن مشاركته ونحوها، وقال القفال في فتاويه: عليهِ أَنْ

يُبَيِّنَ، وصرَّحَ المصنِّفُ في أذكارِهِ ورياضِهِ: بِوُجُوبِ النُّصْحِ على الْمُسْتَشَارِ، وأَوجبَ في البيعِ على الأجنبي إذا علمَ بالمبيع عَيْباً، وأن يُخبر به المشتري، ولم يتعرَّضْ لهُ هنا.
والظاهرُ أنه مثلُهُ، لأنَّ كتمانَهُ غِشٌّ، وبيانُهُ من النُّصْحِ الواجبِ لأئِمَّةِ المسلمينَ وعَامَّتِهِمْ؛ إلا إذا عَلِمَ أن ذلك لا يفيدُ، فقد ترخص له في التركِ في بعض الأحوال بحسب قدْرِ المفسدَةِ وما يترتَّبُ عليها.
ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيْمُ خُطْبَةٍ، أي بضم الخاء، قَبْلَ الْخِطْبَةِ، أي بكسرها لحديث ابنِ مسعودٍ الشهيرِ في ذلك حسَّنَهُ الترمذيُّ وقد ذكرتُهُ بطولهِ في التُّحْفَةِ فراجِعْهُ منها 1، ويصلِّي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويُوصي بتقوى الله تعالى ثم يقول: جئتكُمْ رَاغِباً في كَرِيْمَتِكُمْ ويخْطُب الوليُّ كذلك ثم يقولُ: لَسْتَ بِمَرْغُوبٍ عَنْكَ أو نَحْوَ ذلكَ، وهذه إنما تكون مِن الزُّوْج أو مِن القائِمِ مقامَهُ، وَقَبْلَ الْعَقْدِ، لحديث ابن مسعود السالف، ويحصلُ الاستحبابُ سواءٌ خَطَبَ الوليُّ أو الزَّوْجُ أو الأجنبيُّ.
وَلَوْ خَطَبَ الْوَلِيُّ فَقَالَ الزَّوْجُ: الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلْتُ، صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأن المتخللَ من مصالح العقدِ ومقدماتِ الصِّيْغَةِ فلا يقطعُ الموالاةَ كالإِقَامَةِ بينَ صَلاَتي الجَمْعِ، والثانى: لا يصحُّ، لأنه تخلَّلَ بينهما ما ليسَ من العقدِ؛ وهذا ما صحَّحَهُ الماورديُّ وقال: إن الظاهرَ من

قول أصحابنا كلهم؛ ونُسِبَ الأَول إلى الشيخ أبي حامد فقط، وخطَّأَهُ فيه، وأما الرافعىُّ فنقل الأَول عن معظم الأصحابِ من العراقيين وغيرهم؛ والله أعلم، بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، قالَهُ العراقيونَ كما نقلَهُ الرافعيُّ عنهم، وقالوا: للنِّكَاحِ خُطْبَتَانِ مَسْنُوْنَتَانِ أحداهُما تتقدُّمُ العقدَ والأُخرى تتخلَّلُهُ.
قُلْتُ: الصَّحِيْحُ لاَ يُسْتَحَبُّ، وَالله أَعْلَمُ، كذا صحُّحَهُ هُنا، ووافق في الروضة الرافعى وذكر الماورديُّ [أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - زَوُّجَ فَاطِمَةَ بِعَلِيٍّ وَخَطَبَا جَمِيْعاً] 1، قال ابنُ الرفعةِ: وإذا كان لذلكَ؛ فالحجَّةُ فيه ظاهرةٌ على الاستحبابِ، لأنها إنما تكونُ من كلٍّ منهُما في مقدِّمةِ كلامِهِ، فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ لَمْ يَصِحَّ، لأنه يُشعر بالإعراضِ؛ وفيه بحثٌ للرافعيِّ.
فَرْعٌ: يُستحب الدُّعَاءُ للزوجينِ بعد العقدِ فيقالُ بَارَكَ الله لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ.
ويُكْرَهُ أنْ يُقال لهُ بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِيْنِ، لِلنَّهْيِّ عَنْهُ، ولأنه من ألفاظِ الجاهليَّةِ 2. فَرْعٌ: يُستحبُّ للزوجِ أن يأخُذَ بناصيتها أولَ ما يَلْقَاهَا ويقولُ بَارَكَ الله لِكُلٍّ مِنَّا فِي صَاحِبِهِ.

فَرْعٌ: يُستحبُّ العقدُ في شوال والدخولُ فيه أيضاً، وعن ابنِ رُشدٍ المالكيِّ أنهُ ذَكَرَ في مقدماته: أنهُ روَى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ النِّكَاحَ فِي رَمَضَانَ] قال: واستحَبَّهُ جماعةٌ في يوم الجمعة 1. قُلْتُ: وفيه حديثٌ من طريق أبي سعيدٍ مرفوعاً [يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ خِطْبَةٍ وَنِكَاحٍ] لكنه ضعيف 2. فَرْعٌ: يُسْتَحَبُّ أنْ يقولَ عندَ الجِمَاعِ: [بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا] للحديث الصحيح فيه 3، واستحبَّ الغزاليُّ في الإحياء أنْ يقولَ قبلَ هذا الدُّعاءِ: بِسْمِ اللهِ وَيَقْرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ 4 وَيُكَبِّرَ وَيُهَلِّلَ

ويقول: بِسْمِ اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، اللهُمَّ اجْعَلْها ذُريَّة طيبةً إِنْ كُنْتَ قَدَّرتَ وَلَدا يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِى، قال: وإذا قَرُبَ الإنزالُ فقُلْ في نفسِكَ ولا تحرك به شفتَيْكَ: الحمد للهِ الذي ﴿خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا... ﴾ الآية 1. فَرْعٌ: لا يُكره الجِماع مستقبلَ القِبْلَةَ ولا مستدبرها لا في البنيان ولا في الصحراء قاله في الروضة من زوائده، وقال الغزالي في الإحياء: لا يستقبلُ الْقِبلَةَ به إكراماً لها، قال: ولْيَتَغَطيَا بثوب.
فَرعٌ: يستحبُّ أنْ لا يُعَطِّلَها وأنْ لا يُطل عَهْدَها بالجِماع من غيرِ عُذرٍ، قاله في الروضة، وقال الغزاليُّ في الإحياء: ينبغى أن يأتيها في كلِّ أربع ليالٍ مرَّة وأن يزيدَ وينقصَ بحسبِ حاجتِها في التحصين فإن تحصينها واجبٌ، وإن لم تثبتِ المطالبَةُ بالوطء، قال: ويكرهُ الجماعُ في الليلة الأُولى من الشهر والأخيرة منهُ وليلة نصفه فيقالُ: إن الشيطان يحضُر الجِماع في هذه الليالي ويقال: أنه يُجامع، قال: وإذا قضى وَطْرَهُ فليمهِل عليها حتى تقضى وطرها، وذكرَ أبو نعيم في كتاب الطب أثراً عن على في الجِماع وقتَ السَّحَرِ وعن أبى هريرة رفعه [أَيعجَزُ أَحَدُكُم أَنْ يُجَامِعَ أَهْلَهُ فِى كُل يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَإن لَهُ أَجْرَيْنِ، أَجْرَ غُسْلِهِ وَاجْرَ غُسْلِ امرَأَتِهِ] 2 وعن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي: [لاَ تُجَامِع أَهلَكَ فِي النِّصْف مِنَ الشهْرِ فَإنهُ مَحضَرُ الشياطِيْنِ] 3. فرع: يستحبُّ أن لا يتركَ الجِماع عند قدومِهِ من سَفَرِهِ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: [فَإِذَا قَدِمْتَ فَأتبَع الكيْسَ الْكَيْسَ] أي اتبعَ الولدَ الولد 4. ذكرَهُ في

الروضة من زوائده.
فرع: لاَ يحرُمُ وَطْءُ الْمُرضِع وَالْحَامِلِ 1. فرع: فيما يقوى الانعاظ ويزيد في الباه؛ فيه أحاديثُ؛ منها عن علىّ في أكلِ البيضِ فقيل: يا رسول الله؛ وأي بيضٍ؟ فقال [كُل بَيْضٍ وَلَوْ بَيظَ النملِ] 2 ومنها عن ابن عباس في أكلِ اللحمِ، ومنها عن معاذ وأبي هريرة في أكل الهريسةِ وأنها تزيد قوة أربعين رجلاً فيه 3، ومنها الوضوءُ من الْجِمَاعَيْنِ فإنه أنشطُ للعودِ = الرضاع: باب استحباب نكاح البكر: الحديث (55) وما بعده من الباب.
والدارمى في السنن: كتاب النكاح: باب في تزويج الأبكار: الحديث (2216).

كما رواهُ أبو سعيد، ومنها عن أبي رافع وأنسٍ في الحَفَا، ومنها عن الهذيل بن الحكم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: [جَزُّ الشَّعرِ يَزيدُ فِي الْجِمَاع] رواهُنَّ أبو نعيم في كتاب الطب وترجم عليها.
بما قدمناه.
فَعل: إِنْمَا يَصِحُّ النكاح بإِيجَابِ وَهُوَ: زَوَّجْتُكَ أو أنكَحْتُكَ، وَقبولِ بِأَن يَقُولَ الزوْجُ: تزَوَّجتُ أو نَكَحتُ أو قَبِلْتُ نكاحَها أَوْ تَزْوِيجَها، أيْ وكذا قَبِلْتُ هذَا النكَاحَ كما صرَّح به الغزاليُّ في وسيطه كغيره من العقود وأَولى، ورَضِيْتُ نِكَاحها كَقَبِلْتُ نِكَاحَها على ما حكاهُ ابنُ هُبَيْرَةَ عن إجماع الأئمَّةِ الأربعةِ وفيه وقفةٌ.
وَيَصِحُّ تقدمُ لَفظِ الزوْج عَلَى الوليِّ، أي في غيرِ قَبِلْتُ كما إذا قال الزوجُ: تَزَوَّجْتُها أوْ نَكَحتها، فقال الولي: زَوجتُكَ أَوْ أَنْكَحْتُكَ، لحصول المقصودِ تقدَّمَ أو تأخرَ، أما لفظُ قَبِلتُ فلا يجوزُ تقديمُهُ لأنهُ يستدعي مقبولاً متقدماً عليه، وقد تقدَّم مثل ذلك في البيع.
وَلاَ يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ التزويج أوِ الإِنكَاحِ، لأنهما اللفظان اللذان وَرَدَ بهما القُرآنُ وصحَّ أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في خُطبة الوداع: [اتقُوا الله فِي النسَاءِ، فَإِنكُم أَخَذتمُوهُنَّ بِأمَانَةِ اللهِ، وَاستحلَلتم فُرُوْجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ] 1 وكلمتُهُ التَّزْوِيْجُ أَوِ الإِنكَاحُ.
والنكاحُ نوع من العبادات لورُوْدِ الندبِ فيه؛ والأذكارُ في العبادات تتلقى من الشَّرع، فلا ينعقدُ بلفظ البيع والهبة والتمليك، ومما استدلَّ به أصحابنا قولهُ تعالى ﴿خَالِصَة لَكَ﴾ 2 جَعَلَ النكَاحَ بلفظِ الهِبَةِ من خصائصهِ - صلى الله عليه وسلم -.

وَيَصحُّ بِالْعَجَمِيةِ فِي الأصَحِّ، اعتباراً بالمعنى، والثانى: لا، كقراءَةِ القرآنِ، والثالث: إن عَجَزَ عن العربيةِ صحَّ وإلا فلا كالتكبير.
وعبّر في المُحَرَّرِ بدل العجمية بسائِرِ اللُّغَاتِ؛ وهو هُوَ؛ لأن العِجْميةَ ضدَ العَربيةِ، وإذا صحَّحناهُ فذاك إذا فَهِمَ كلٌّ منهُما كلامَ الآخر؛ فإن لم يَفْهم، وأخبرَهُ ثقة عن معناهُ ففى الصحة وجهان.
وفي اشتراط تَوافق اللغَتَيْنِ وجهان، لاَ بِكنَايَةِ قَطْعاً، لأنهُ لا مطلعَ للشهودِ على النيَّةِ، كذا عللوهُ.
وقد يجابُ عنه بأن المقصود تمييزُ النكاح عن سائر العقود باعتبار الشَّهادَةِ فيه، لا لغرَضِ الإثباتِ، بدليل أنه لا يُشترط الإشهادُ على رضى المرأة حيث يُعتبر رضاها كما سيأتى، ثم ما جَزَمُوا به من عدم الانعقاد يُشكل.
مما إذا قال: زَوجتُكَ بِنْنِى وَنَوَيَا فاطمةَ فإنهُ يَصِح قطعاً، وقوله (قَطْعاً) زيادةً من المصنِّف على الْمُحَررِ ألحقَها بِخَطِّهِ.
فرْعٌ: لا ينعقدُ النكاحُ بالكتابةِ؛ وقيل: يصح في الغائب.
وهذا يجعلُ الكنابة صريحاً لا كناية.
وَلَوْ قَالَ: زَوجْتُكَ.
فَقَالَ: قَبِلْتُ، أي واقتصر عليه فلم يقُل نكاحها ولا تزويجها، لَمْ يَنعَقِدْ عَلَى الْمَذْهبِ، لأنهُ لم يوجدْ منه التصريحُ بواحدٍ من لفظَى النكاح والتزويج، والنكاحُ لا ينعقدُ بالكنايات، وأشارَ في الْمُحَرَّرِ إلى أنَّ الاقتصارَ على قوله قَبِلْتُ في معنى الكناية.
والثاني: يصحُّ، لأنه ينصرفُ إل ما أوجبَهُ الوليُّ، فكان كالمعادِ لفظاً هو الأصحُّ في نظيره من البيع هذا أصحُّ الطرقِ، والطريقُ الثانى: القطعُ بالمنع، والثالث: القطعُ بمقابِلِهِ.
فرع: لو قال: قبلْتُ النكاحَ أو قَبِلتها، فخلافٌ مرتب وَأَوْلَى بالصحة (•).
فرع: لو قال: زَوِّجْنِى أو أنكِحْنِى، فقال الولي: قَدْ فَعَلْتُ ذلكَ أبي نَعَم، أو قال = يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)}.
(•) النسخة (1)؛ قلْتُ: ونص الشافعى في الأصحِّ على البطلان.

الوليُّ: زَوَّجْتُكَها أو أَنكحتُكَها أَقَبِلَتْ؟ فقال: نَعَم، أو قال: نَعَم من غيرِ قولِ الوليّ: أَقَبِلتَ، فقيل: بالمنع قطعاً، وقيل: بطرد الخلاف، قال الرافعىُّ: وهو أقيس.
قُلْتُ: وأما صاحبُ البيان، فنَسَبَ ما ذكرَ الرافعيُّ في الصُّورة الأخيرةِ أنهُ أقيسُ إلى الضَّيْمَرِيِّ وحدَهُ ثم قال: وقال الشيخُ أبو حامد: وأكثرُ أصحابنا لا يصحُّ قطعاً، ولم يذكُر تعليلَهُ.
وعلى كل حال فالصحيحُ البطلانُ، لأن المعتبرَ أن يكون لفظُ كُل واحد من العاقِدَينِ يشتملُ على لفظِ التزْوِيج أَوِ الإِنْكَاح.
فرع: لو خاطبَ غائباً بلسانه فقالَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، ثم كتَبَ فبلغَهُ الكتابُ، أو لم يبلُغْهُ وبلغَهُ الخبرُ، فقالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَها لم يصح على الصحيح، وإذا صححناهُ فشرطُهُ القبولُ على الفورِ وأن يكونَ بحضرَةِ شاهدَى الإيجابِ.
فرع: إذا استخلفَ القاضي فَقِيهاً في تزويج امرأة لم تَكْفِ الكتابة بل يشترطُ اللفظُ على المذهب، وقيل: وجهان، وليس للمكتُوبِ إليه اعتمادُ الخط على الصحيح.
فرع: إذا قلنا يصحُّ في قوله قَبِلْتُ، قال الماورديُّ: يكونُ قبولاً للنكاح والصداقِ معًا بخلاف ما إذا قال قَبِلتُ نِكَاحَها، وسكتَ عن المهرِ؛ فإنه لا يثبتُ لها إلا مهرُ المِثْلِ، وصحَّحَهُ في بابِ الْخلْع، وادعى البارزيُّ: أنه إذا لم يذكُرِ الْمُسَمَّى في القبول، أنَّ النكاحَ لا يصحُّ، لأنه يجوزُ أن يكونَ قَبِلَهُ بدونِ الْمُسَمى؛ فلا يكونُ مطابقاً للإيجابِ، وإن نَوَى ذلكَ فهو كناية، والنِّكَاحُ لا ينعقدُ بها وما ذكرَهُ لا يساعَدُ عليه.
وَلَوْ قَالَ: زَوجْنِي.
فَقَال زَوَّجْتُكَ أَوْ قَالَ: الْوَلي تَزَوَّجْها.
فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ، صَحَّ؛ لوجود الاستدعاء الجازم، وقيل: على الخلاف في البيع ذكره الرافعى في الأولى نقلًا؛ وفي الثانية بحثاً.
نَعَم: صرَّحَ الماورديُّ بعدم الصحة وفرق بين استيجاب الزوج واستيجاب الولي وبه قال في البيع أيضاً ولو قال في الأولى بعده قَبِلتُ صحَّ قطعاً.
فَرْعٌ: لو قال الزوجُ للولي: قُل زَوَّجتُكَها.
قال الشيخُ أبو محمدٍ: ليس هو استيجاباً لأنه استَدْعَى اللفظَ دون التزويج فإذا تلفظَ اقتضى القبولَ، قال ولده الإمامُ: وهو حسن لطيفٌ لا يخلو عن احتمالِ.

فرعٌ: لو قال: أَتُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ أو زَوَّجْتَنِى ابْنَتَكَ، فقال الوليُّ: زَوَّجْتُكَ لم ينعقدْ، إلا أن يقولَ الخاطبُ بعدهُ: تَزَوَّجْتُ، وكذا لو قال الوليُّ: لِتَتَزَوَّج بِنْتِى أو تَزَوُّجتَها، فقالَ: تَزَوَّجْتُ لا ينعقدُ إلا أن يقولَ الولي بعدَهُ: زَوَّجْتُكَ؛ لأنهُ استفهام.
فَرْعٌ: لو قال المتوسطُ للوليِّ: زَوَّجْتَهُ ابْنَتَكَ، فقال: زَوَّجْتُ.
ثم أَقبلَ على الزوج فقالَ: أَقَبِلْتَ نِكَاحَها؟ فقال: قَبِلْتُ صَحَّ على الأصح لوجُود الإيجابِ والقبولِ مترابطين، ومنعَهُ القفالُ لعدمِ التخاطُبِ، وقطعَ الماوردي بالمنع فيما إذا قال المتوسط للولي: زَوِّجْ بِنتكَ مِنْ فُلاَن، فقال: نَعَم، وقال للزوج: قَبِلْتَ نِكَاحَها؟ فقال: نَعَم، قال ابنُ الرفعةِ: والأشبهُ أنَّ يُقال إن قلنا فيما إذا قال: زَوَّجْتُكَ فقال: قَبِلْتُ لا يصح، فهنا أَولى وإلا فوجهان.
فرعٌ: لو قال الرُّوح للولي: زوَّجتُ نَفْسِي مِنْ ابْنَتِكَ، فقال الولي: قبِلْتُ النِّكَاحَ.
أو قال أبو الطفلِ: زَوَّجْتُ ابْنِي مِنْ ابْنَتِكَ، فقال الولى: قبِلْتُ النكَاحَ، قال المتَوليِّ: يَنْبَنِي على أن الزوجَ في النكاحِ معقودٌ عليه، وفيه طريْقان؛ إن قُلنا أنه غيرُ معقودٍ عليهِ فالعقدُ باطلٌ، وإن قلنا معقودٌ عليه، فعن الشيخ أبى سهل الأبيوَردي أنَّ العقدَ صحيح وساعدَهُ عليهِ الشيخُ أبو عاصم وذكَرَ القاضى حُسين أن العقدَ لا يَصحُّ، لأنهُ غيرُ معهودٍ.
فُرُوع نَختِمُ بِها الْكَلاَمَ عَلَى الصيغَةِ: لا يشترطُ اتفاقُ اللفظينِ من الجانبين، ويُشترطُ الموالاةُ بين الإيجابِ والقبولِ، وقيل: يكفى وقوعُ القبولِ في مجلسِ الإيجابِ، وقيل: لا يضر صبرَ نصف ساعةٍ حكاهُ في البيان.
ويُشترطُ أن لا يتخلَّلَ بينهما كلامُ أجنبىّ وبقاءُ الموجبِ على إيجابه إلى تمامِ القبولِ، وكذا أهلِيتُهُ، فلو أوجبَ ثم جُن أو أُغْمِىَ عليه لغا إيجابُهُ وامتنَعَ القبولُ، وكذا لو أذِنَت المرأَةُ في تزويجها حيثُ يعتبرُ إذنُها ثم أُغْمِىَ عليها قبلَ العقدِ بطَلَ إذنُها.
قَاعِدَةٌ: يُشتَرَطُ فِي كُل وَاحِدِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ التعيِيْنُ.
فَصْلٌ: وَلاَ يَصِحُّ تَعلِيقُهُ، كالمعاوضات وأَولَى، وَلَوْ بُشرَ بِوَلَدِ، فَقَالَ: إِن كَان

أُنْثَى فَقَد زَوَّجْتُكَها.
أَوْ قَالَ: إِن كَانت بِنْتِي طَلُقَتْ وَاعتدتْ فَقَد زَوَّجْتُكَها، فَالْمَذْهبُ بُطْلانهُ، أيْ وإِنْ كانَ الواقعُ ما ذكرَهُ لوجود التعليقِ وفسادِ الصِّيغَةِ، والطريقُ الثاني فيه وجهانِ كمَنْ باعَ مالَ أبيهِ ظانًّا حياتَهُ فبانَ موتُهُ كذا حكاهُما في الروضة وقطعَ القاضى حُسين بالبطلانِ ونقل الصحةَ عن أبي حنيفة وأنه قاسَهُ على ما لو قالَ لعبدِ مورّثه: إن ملكتُكَ بعدَ موتِ مورثى فأنتَ حُرٌّ، وفرَّقَ القاضي بأنَّ العتقَ مبناهُ على الغلبةِ والسرايةِ بخلاف النكاح، وَلاَ تَوْقِيْتُهُ، أى.
بمدَّةٍ معلومةٍ أو مجهولةٍ للنهى عن نكاح المتعةِ.
وَلاَ نِكَاحَ الشِّغَارِ، للنهى عنه في الصحيحين 1 وجعلَهُ الإمامُ من أنكحَةِ العَرَبِ وفيه نظر، والشغارُ بكسر الشين وبالغين المعجمتين سُميَ بِهِ لِخُلُوِّهِ عنِ المَهرِ أو عن بعضِ الشرائِطِ.
وَهُوَ: زَوجتُكَها عَلَى أَن تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وبُضع كُلِّ وَاحِدَةِ صَدَاقُ الأخْرَى فَيُقْبَلُ، كذا فُسِّرَ في آخرِ الحديثِ وهو يجوزُ أن يكون مرفوعاً وأن يكون من عند راوية ابن عمر وهو أعلمُ بتفسيرِ الحديثِ من غيرِهِ، ومن جهةِ المعنى أن فيه تشريكاً في البُضْع وتعليقاً، وشبَّهَ أبو على بن أبى هريرة الشغار برَجُلٍ يزوِّج ابنتَهُ واستثنى عُضواً منها لأن كلَّ واحد زوَّج ابنتَهُ واستثنى بُضْعَها حيثُ جعلَهُ صِداقاً، والبُضْعُ بضمِّ الباء الفرجُ.
فإِن لَم يَجعَلِ الْبُضْعَ صَدَاقاً، أي بأنْ قال: زَوَّجْتُكَ ابنَتِى على أن تُزَوجنِى ابنتك، فالأصَحُّ الصِّحَّةُ، لعدم التشريك فِى البُضع وليس فيه إلاّ شرطَ عقد في عقدٍ وذلك لا يُفسد النكاح فيصحَّان ولكل مَهْرُ مِثل، والثاني: لا يصح لِمَغنَى التعليقِ والتوقيفِ، وخصَّصَ الإمامُ الخلافَ بما إذا كانت الصيْغَةُ هذه ولم يذكُرَا مَهْراً وقطعَ بالصحةِ فيما لو قال: زَوجتكَ بنْتِي بألْف على أنْ تُزَوِّجَنِى بِنتكَ وفيما قالَهُ نظرٌ، وَلَوْ سمَّيَا مَالاً مَعَ جعلِ البضع صَدَاقاً بَطَلَ في الأصَح، لقيامِ معنى التشريك والتوقيف، والثاني: يصح، لأنه ليس

على تفسيرِ صُورةِ الشِّغَارِ؛ ولأنه لم يخلُ عن المهرِ.
فَصلٌ: وَلاَ يَصِحُّ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَينِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ نِكَاحَ إِلَّا بِوليٍّ مُرشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدلٍ وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاح عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُرَ بَاطل فَكانْ تَشَاجَرُوْا فَالسلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لاَ وَلِىَّ له]، رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عائشة وقال: لا يصحُّ في ذكْرِ الشاهدين غيره 1، والمعنى فيه الاحتياط للإبضاع وصيانة الأنكحة عن الجحود والتواطؤ بالكتمانِ لا يقدحُ خلافاً لمالك حيث قال: إنَّ الشرطَ الإعلانُ وتركُ التواطُؤِ بالكتمان دون الشهادة، واشترطَ ابنُ حزمٍ الظاهري إما الإشهادُ وإما الإعلان، وخرج بالحَضرَةِ في كلامِ المصنف الإحضارُ نأنَّه غيرُ شرطٍ، بل إذا حَضَرَا بأنفسهما وسمِعَا الإيجاب والقبولَ صَحَّ وإن لم يسمَعَا الصدَاقَ.
فَرْعٌ: يستحبُّ إحضارُ جمع من أهلِ الصلاح زيادةَ على الشاهدين، وَشَرطُهُمَا: حُرِّيَّة؛ وَذُكُورَة، وَعَدَالَة؛ وَسمع؛ وَبَصَرٌ، لأن المقصودَ الإثباتُ ولا يثبتُ بدون ذلك، والخنثى كالمرأة، نَعَم: لو عقد بخنثيين فَبَانَا ذكرين فالأصحُّ من زوائد الروضة الصحَّةُ بخلافِ نظيرِهِ من الصَّلاةِ، فإن عدمَ جزمِ النِّيَّةِ يؤثِّرُ فيها، وَفِي الأعمَى وَجهٌ، لأنهُ عدل فَاهِمٌ، ونسبَهُ الروياني إلى النصِّ.
والأصحُّ النزاع كالأصَمِّ، فإنَّ الأقوال لا تثبتُ إلا بالمعاينَةِ والسَّمَاع، وقال الفارقىُّ: إن كان يَعرِفُ الزَّوْجَينِ انعقدَ بشهادتِهِ، وإلا فَلا، وذكَرَ في الْمُحَرَّرِ مع ذلك الإسلامَ والتكْلِيفَ واكتفى عنهما المصنِّفُ بالعدالة، لأنهُما شرطانِ فيها ولذلك لم يذكر المصنِّفُ عدمَ التغَفُّلِ وهو من شروطه؛ نَعَم: لا بُدَّ أن يعرِفَا لغَةَ المتعاقدَيْنِ في الأصح.
وفي الأخْرَسِ وذوي المِهنِ الدَّنِيَّةِ والصَّباغ والصَّائغ وجهانِ، قال ابن الرفعةِ: والظاهرُ أنه تفريع على أنه لا تقبل شهادَتهم، وكلامُ ابن الصباغ يفْهِمُ بناءَهُ عليهِ.
وَالأصَحُّ انْعِقَادُهُ بِاِبْنَي الزَّوْجَينِ وَعَدُويْهِمَا، اكتفاءَ بالعدالة والفَهمِ وثبوتِ

الأنكِحَةِ بقولهما في الجملَةِ، والثانى: لا ينعقدُ، لتعذُّرِ إثباته بشهادتهما وينعقد بحضور ابنيهِ مع ابنيها وعدُوَّيْهِ مع عَدُوَّيها بلا خلافٍ كما قاله في الروضة لأمكان إثباتِ شَقيْهِ، وَينْعَقِدُ بِمَسْتُوْرَيِ الْعَدَالَةِ عَلَى الصحِيْح، أيْ وهو من عُرفتْ عدالته ظاهراً لا باطناً، لأن النكاحَ يجري فيما بين أوساطِ الناسِ والعوام، ولو كُلِّفُوا بمعرفة العدالة الباطنة لطالَ الأمرُ وشقَّ بخلافِ الحكمِ وحيثُ لا تجوزُ شهادَةُ المستورين، لأنه يسهلُ على الحاكم مراجعة المزكّيين ومعرفة العدالة الباطنة.
والثانى: لا ينعقدُ، بل لا بدَّ من معرفة العدالة الباطنة وهى المستندة إلى التَّزكِيَةِ لتمكُّنِ الإثبات بشهادتهما، والثالث: إن كان الحاكمُ عاقداً (•) لم يَكْفي المستورُ لسهولة البحثِ عليهِ وهى طريقةٌ في التَّتِمَّةِ جزَمَ بها ابنُ الصَّلاح والمصنّفُ فِى نكتِهِ على التنبيه، قال: ومَحِل الخلافِ في غيرِهِ وصحح المتولي: أنَّ الحاكِمَ كغيرِهِ، لأنَّ الحاكم فيما طريقُهُ المعاملةُ كغيرِهِ.
فَرْعٌ: استتابة المستورَيْنِ قبلَ العقدِ احتياطاً واستظهاراً، وكان الْجُوينيُّ يفعلُهُ، ورأيت في فتاوى الحناطي أنهُ سُئل هل يجبُ على الفقِيْهِ الفحصُ عن حال الوليِّ وشهودِ العقدِ أم لا؟ فأجابَ: بأنَّهُ يفحصُ، ولو تساهلَ أساءَ وجازَ ما لم يظهر فِسْقُهم، ولو ظهرَ حكمَ ببطلان النكاح في أصحِّ الوجهين.
لاَ مستُورِ الإِسْلاَمِ وَالْحُريةِ، أي بأنْ يَكُونَ فِي مَوْضِع يَختلِطُ فِيْهِ الْمسلِمُوْنَ بِالْكُفَّارِ، والأَحرَارُ بالأرقَّاءِ ولا غالبَ.
والفرقُ سُهولَةُ الوقوفِ عليهما بخلافِ العدالةِ والفسقِ، وَلَوْ بَان فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَبَاطلٌ عَلَى الْمَذهبِ، لفواتِ الشرطِ كما لو بَانَا كَافِرَيْنِ، والطريقُ الثانى: فيه قولان، أحدُهما هذا، والثانى: لا، اكتفاء بالسَّتْرِ يومئذٍ، ولم يرجِّع الرافعىُّ واحداً من هذين الطريقين، وقال بعد حكايتهما: هُما كالطريقين فيما إذا حكمَ الحاكمُ بشهادةِ شاهدَيْنِ فبَانَا فاسقين هل يُنقضُ الحْكمُ؟ قال: والأصحُّ تبين البطلان وإن ثبتَ الخلافُ، وَإِنمَا يَبِيْنُ، أي (•) في النسخة (1): العاقد حاكمًا.

جارٍ التحميل