كتاب الهبة
الْهِبَةُ: أَصْلُهَا مِنْ هُبُوبِ الريح أَي مُرُورِهِ، وَاسْتَأنسُوا لَهَا بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ 1، قيل: الْمُرَادُ بِهَا الْهِبَةُ؛ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ 2 قيل: المُرَادُ بِهَا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَفِي الْبَيهَقِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ [تَهَادَوا تَحَابوا] 3.
الجزء: 2 - الصفحة: 981
التَّمْلِيكُ بِلا عِوَضٍ، أي تَبَرُّعًا في الحياة، هِبَة، فإِنْ مَلكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الآخِرَةِ فَصَدَقَةٌ، فَإن نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَاما لَهُ فَهَدِيةٌ، أي فَتَمْتَازُ الْهَدِيَّةُ عَنِ الْهِبَةِ بِالنقْلِ، فَكُلُّ هديةِ وصدقة هِبَةٌ ولا ينعكسُ، وفي اختصاص اسم الصدقةِ بالمحتاج نظرٌ، فإنها على الغنيِّ جائزة، نَعَمْ، المصنِّفُ والأصحابُ جَرَوْا على الغالبِ، والأشبَهُ أنه لا يشترطُ في الهدلِةِ أن يكونَ بينهُ وبينَ الْمُهْدَى إِلَيهِ رسول؛ والصدقةُ أَفْضَلُ هذهِ الأنواع 4. = أسنده على ضمام بن إسماعيل عن أبي قبيل المعافري عن عبد الله بن عمرو.
انتهى.
قال الزيلعي في نصب الراية: ج 4 ص 120: يحتمل أن يكون لضمام فيه طريقان: عن أبي قبيل، وعن موسى بن وردان.
انتهى.
قال ابن حجر في التلخيص: في مسند الشهاب بسنده عن أبي هريرة، وإسناده حسن.
انتهى.
• عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "تَهَادَوْا تَحَابُّوْا، وَهَاجِرُوا تُوَرثُوا أَولادَكُمْ مَجْدًا، وَأقيلُوا الْكِرَامَ عَثَرَاتِهِم].
قال الزيلعي: رواه الطبراني في معجمه الوسط.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ج 4 ص 146: وفيه المثنى أبو حاتم، ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام.
انتهى.
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: ج 3 ص 81: وفي إسناده نظر.
• رواه الإمام مالك مرسلًا عن عطاء بن عبد الله الخرساني: قال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِل.
وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا؛ وَتَذهَبِ الشحنَاءُ].
ينظر: الموطأ للإمام مالك: كتاب حسن الخُلق: باب ما جاء في المهاجرة: الحديث (16) منه.
قال ابن عبد البر: هذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها.
قاله في التمهيد: ج 8 ص 352: الحديث (577/ 3).
الجزء: 2 - الصفحة: 982
وَشرْطُ الْهِبَةِ إِيجَابٌ وَقبولٌ لَفْظًا، كما في البيع وسائِرِ التمليكاتِ، فلا يقومُ الأخذُ والإعطاءُ مقامَهُمَا كما في البيع، قال الإمامُ: ولا شَكَّ أن مَن يصيرُ إلى انعقاد البيع بالْمُعَاطَاةِ يُجْزِئُهُ في الهبةِ، وتستثنى الهبةُ الضِّمْنِية؛ فلا تحتاجُ إلى قبولٍ كأعتق عبدك عنِّي فَأعْتَقَهُ، فإنه يدخُلُ في مِلْكِهِ هِبَة ويُعْتَقُ عليهِ، وكذا لو قال: اشْتَرِ لِي بدراهِمِكَ ثَوْبًا وشراهُ لَهُ بِهَا، وصحَّحْنَاهُ، وقُلنا: يكونُ هِبَةً لا قَرْضًا على أحدِ الوجهينِ، وفي الكافي عن القفال: أنه لو اشترى حُلِيًّا لزوجتهِ وَزَيَّنَهَا بهِ لا يصيرُ مِلْكًا لها؛ وفي الْوَلَدِ الصَّغِيرِ يَكُونُ تَمْلِيكًا لَهُ.
فَرْعٌ: هل تنعقدُ الهبةُ بالكنايَةِ مع النية إذا اشترطنا فيها القَبُولَ لَفْظًا؟ قال في المطلب: يَشبهُ أنْ يكونَ فيه الخلافُ في البيع وفي كلامِ الرَّافِعِيِّ إشارة إليه.
وَلَا يُشْتَرَطَانِ في الْهَدِيَّةِ عَلَى الصحِيح، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا، أي ويكونُ كالإيجابِ؛ وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ، أي ويكونُ كالقَبُولِ اتِّبَاعًا لِمَا جَرَى عَلَيهِ الناسُ في الأعصارِ، والثاني: يُشترطان كالبيع والوَصيَّةِ.
فَرْعٌ: الصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ.
فَرْعٌ: في فتاوي البغويّ: يحصل مِلك الهدية بوضع الْمُهْدَى بَينَ يَدَيهِ إِذَا أَعْلَمَهُ بِهِ، قال: ولو أَهْدَى إلى صَبِيٍّ ووضعَ بين يديهِ؛ أو أخَذَهُ الصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُهُ!
فَرْعٌ: اشترى الحاجُّ شيئًا في سَفَرِهِ بأسماء أصدقائِهِ وَمَاتَ؛ فَوَرَثتهُ بِالْخِيَارِ فِيمَا اشْتَرَاه وَسَمَّاه لأصدقائِهِ؛ قاله القاضي أبو الطيب؛ ويؤخذ من كلام المصنّفِ أيضًا.
تَنْبِيهٌ: أَهْمَلَ المصنِّفُ الكلام على العاقدينِ لِوُضُوح حالهِمَا وما يُعتبر فيهما، وقد اعْتَذَرَ الرافعيُّ عن إِهْمَالِ الغزاليِّ لهما بذلك، ومرادُ المصنِّفِ بالشرطِ فيما ذَكَرَهُ لا بد منهُ دونَ حقيقتهِ.
= الطبراني في الصغير وفي الكبير بنحوه وفيه سعيد بن بشير وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون وبقية رجاله ثقات.
انتهى.
ينظر: المعجم الصغير: الرقم (687): ج 2 ص 10. وفي المعجم الكبير: الرقم (757): ج 1 ص 260.
الجزء: 2 - الصفحة: 983
وَلَوْ قَال: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ؛ فَإِذَا مُتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ، أو لعقبك، فَهِيَ هِبَة، أي لكنه طَوَّلَ العبارَةَ، فإذا ماتَ فالدارُ لورثتِهِ.
فإن لم يكونوا فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال لقوله عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [أَيَّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنهَا للَّذي أُعْطِيّهَا؛ لا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا, لأنَّهُ أَعْطى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ] رواهُ مسلم 5، وتمثيلُ المصنِّفِ بالدار تَبِعَ فِيهِ أكثرَ الأصحابِ، ولا فَرْقَ بينها وبين غيرها وهو ظاهرُ الحَديثِ.
وَلَو اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَرْتُكَ، أي ولم يَتَعَرَّضْ لِمَا بعدَ الموتِ، فَكَذَا في الْجَدِيدِ، أي يَصِحُّ ولَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ لقوله عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لأهْلِهَا] متفق عليه 6، والقديمُ البطلانُ لقول جابر - رضي الله عنه -[إِنمَا الْعُمْرَى الَّتِي أجَازَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَال هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا] رواه مسلم 7، وهذا أشهر الأقَوال في القديم.
وَلَوْ قَال: فَإِذَا مُتَّ عَادَتْ إِلَيَّ، فَكَذَا في الأصَحِّ، لإطلاقِ الأحاديثِ الصحيحةِ، قال الرافعي: وكأَنَّهُمْ عَدَلُوا بهِ عن قياسِ سائِرِ الشروطِ الفاسدةِ، والثاني: تبطلُ لأنهُ شَرَطَ مَا يُخَالِفُ مُقتضَى الْمِلْكِ، والثالث: تَصِحُّ وَلَا يُلْغَى الشَّرْطُ حكاهُ صاحبُ التنبيهِ، وعبارةُ الْمُحَرَّرِ: أنَّ هذهِ الصورةَ تَتَرَتَّبُ على صورةِ الإطلاقِ وَأَولى بالبطلانِ وكان ينبغي للمصنِّفِ هناكَ أَنْ يُعَبِّرَ بالمذهبِ بَدَلَ الأصَحِّ.
الجزء: 2 - الصفحة: 984
فَرْعٌ: لو قال: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرِي أوْ عُمْرَ زَيدٍ؛ فالأصحُّ: البطلانُ لخروجِهِ عنِ اللفظِ المعتادِ.
وَلَوْ قَال: أَرْقَبْتُكَ أَوْ جَعَلْتهَا لَكَ رُقْبَى؛ أَي إِن مُتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيّ، وَإن مُتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ، فَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَينِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، أي فعلى الجديد (•) يصحُّ هبةً وَيَلْغُوا الشَّرطُ لقوله عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [لا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ] رواه أبو داود والنَّسائيّ 8، والقديم البطلانُ، والطريق الثاني: القطعُ بالبطلانِ.
وقوله (أَي) هِيَ تَفْسِيرِيَّةٌ ومقتضاهَا أنَّه لم يُصَرِّحْ بالشَّرطِ المذكورِ، وقطع الماوردي فيما إذا صَرَّحَ بهِ بالبطلانِ لمنافاتِهِ حُكمَ الْمِلْكِ لكن تعميمُ الخلاف هو الظاهرُ لأنهُ إذا كان معناها وتفسيرها كذلك فلا فَرْقَ بَينَ أنْ يُصَرِّحَ به أمْ لا، وحاصلُ المذهبِ صِحَّةُ العُمري والرُّقْبَى في الأحوالِ الثلاثِ.
فَائِدَة: الْعُمْرِي مِنَ الْعُمْرِ، وَالرُّقْبَى مِنَ الْمُرَاقَبَةِ، فكلٌّ منهما يرقبُ موتَ صاحبه؛ وكانا عقدين في الجاهلية.
فَصْلٌ: وَمَا جَازَ بَيعُهُ، أي من الأعيان، جَازَ هِبَتُهُ, لأنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ نَاجِزٌ كالبيع.
وحذف التاء من (جَازَ هِبَتُهُ) لِمُشَاكَلَةِ (جَازَ بَيعُهُ) ولأنَّ تَأْنِيثَ الْهِبَةِ غَيرُ حَقِيقِيٍّ، واحترزنا بالأعيان عن الدَّينِ، وعن بيع الأَوْصَافِ سَلَمًا في الذِّمَّةِ، فإنَّه جائزٌ؛ ولا تجوزُ الهبةُ على نَحْوهِ مثلَ أن يقول: وَهَبْتُكَ أَلْفًا في ذِمَّتِي وَيُعَيِّنُهُ في المَجْلِسِ وَيَقْبِضُهُ كما صَرَّحَ به القاضي والإِمامُ، وَمَا لا، أي وما لا يجوزُ بَيعُهُ، كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ وَضَالٍّ، أي وآبقٍ، فَلَا، لِمَا قُلناهُ، ويُستثنى من المجهرلِ هبةُ الموقوف إلى الاصطلاح للضرورة ذَكَرَهُ الرافعيُّ في الْفَرَائِضِ، وكذا مسألةُ اختلاطُ حَمَامِ الْبُرْجَينِ كما سيأتي في بابهِ.
(•) في النسخة (1): الصحيح.
الجزء: 2 - الصفحة: 985
فَرْعٌ: مما يجوزُ بَيعُهُ المنافعُ بطريقِ الإجارةِ؛ وفي هِبَتِهَا؛ هل تكونُ عَارِيَةً؟ وجهان؛ وَجَزَمَ الماورديُّ بأَنهَا عَارِيَةٌ لا تَلْزَمُ.
فَرْعٌ: قال: أنتَ في حِلٍّ مما تأخذُ مِن مَالي أو تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ، قال العبادي: جازَ الأكلُ دُونَ الأخذِ والإعطاءِ؛ لأنَّ الأكْلَ إِبَاحَةٌ، وهي تصح مجهولة بخلافهما؛ قال: ولو قال لرجل اُدْخُلْ كَرْمِي وَخُذْ مِنَ الْعِنَبِ مَا شِئْتَ أوْ خُذْ مِنْ ثَمَرِي مَا شِئْتَ لا يزيد على عنقودٍ واحدٍ، لأنَّهُ أَقَلُّ مَا يقعُ عليه الاسمُ، وفيه إشكالٌ.
وقد قال القفال في فتاويه: لو قال ادْخُلْ بُسْتَانِي وَأَبَحْتُ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ثِمَارِهِ مَا شِئْتَ كانَ إباحة.
إلا حَبَّتَي حِنْطَةٍ وَنَحْوهِمَا، أي من المحقرات فإنَّه يجوزُ هِبَتُهَا قطعًا، وإن كان لا يجوزُ بَيعُهَا على الصحيح, لأنَّ بَدَلَ المالِ في مقابلتِهِ سَفَهٌ، وهذا التعليل مفقودٌ في الهبةِ، والمانعُ في بَيعِهِ لَيسَ في ذاتِهِ كَالْكَلْبِ؛ لأنهُ يباعُ مَعَ غَيرِهِ، وإنما المانعُ الانفرادُ، فَاغتفِرَ في الهبةِ إذ لا محذورَ، وهذا الاستثناءُ مما زادَهُ المصنفُ، وفي كلامِ الرافعيِّ في بابِ اللُّقَطَةِ في التعريف ما يقتضي أنَّه لا تجوز هِبَتُهُ.
وقال الامامُ: يظهرُ عِنْدِي تصحيحُ الْهِبَةِ فيهِ على مَعْنَى إحلالُ الموهوبِ لَهُ مَحِلَّ الوَاهِبِ في الاختصاصِ، لكي لا أقطعُ بِهِ لأنَّ لَنَا تَرَدُّدًا في هِبَةِ الْكَلْبِ، والمنعُ هنا أَقْوَى لأنَّ في الكلب إمكانُ الانتفاع.
ولا يقعُ فيما لا يُتَمَوَّلُ ولو أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ ولا مِثْلَ لَهُ لم يَجب فيه شيءٌ، وإنْ كانَ لهُ مِثْل ففي ضَمَانِهِ بِمِثْلِهِ خِلَافٌ عَلَيهِ يُخَرِّجُ الذي ذَكَرْنَاهُ في الهبةِ، قال: والأظهرُ إِبْطَالُ الْهِبَةِ.
فَرْعٌ: قال في الروضة: ينبغي القطعُ بصحة الصدقةِ بالزَّيتِ النجِسِ لِلاسْتِصْبَاحِ وَنَحْوهِ وَقَدْ جَزَمَ المتولي بِأَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوهَا.
فَرْعٌ: جِلْدُ الأضْحِيَةِ لا يَجُوزُ بَيعُهُ بَلْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يُنتفَعُ بِهِ، كما ذكرَهُ في بابهِ، وكذا ما جَازَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْهَا.
فَرْعٌ: عكس هذا إذا استولَدَ الرَّاهِنُ الجاريَةَ المرهونَةَ أو أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ جَازَ
الجزء: 2 - الصفحة: 986
لَهُ بَيعُهَا للضرورةِ ولا يجوزُ هِبَتُهَا لا من الراهنِ ولا من غيرِهِ كما صَرَّحَ به الرافعيُّ في بابِهِ.
وَهِبَةُ الدَّينِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، أي ولا يحتاج إلى قبولٍ عَلَى الْمَذْهَبِ اعتبارًا بالمعنى، وقيل: يحتاجُ اعتبارًا باللفظ، وَلغَيرِهِ بَاطِلَةٌ في الأصَحِّ، كالبيع وَصَحَّحَ في الروضة القطعَ بِهِ، والثاني: صحيحةٌ بناءً على صِحَّةِ رَهْنِهِ.
وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إلا بِقَبْضٍ, لأنه رُوي عن جمعٍ من الصَّحَابَة، نقلَهُ صاحبُ المغني الحنبليِّ عن الخلفاءِ الأربعةِ منهُمْ، ولا مخالفَ لهم وكالقرض، وفي قولٍ: يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، وكلامُ المصنِّفِ في باب الاستبراءِ يُوْهِمُ تَرْجِيحَهُ (•) كما ستعلمُهُ هناك إن شاء الله تعالى، وفي ثالث: أنَّه موقوفٌ، فإن قبض تَبَيَّنَّا أنهُ مَلَكَ بالعقدِ، بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، أي فلو قبض من غير إذنه لم يجزْ ولم يملكه قياسًا على الرَّهْنِ، وَيَضْمَنُهُ سواءً قبضَ في مجلس العقدِ أو بعده، قال القاضي وغيرُه: ولا يتوقف على إقباضٍ خلافًا للماوردي، وكيفيَّةُ القبضِ في المنقولِ والعقارِ كما مَرَّ في البيع.
فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أي الواهب أو الموهوب له، بَينَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، أي فيتخير في الأولى في الإقباض؛ ويقبضُ وارثُهُ في الثَّانية إنْ أَقْبَضَهُ الواهِبُ؛ ولا ينفسخ العقدُ لأنه عقد يَؤُوْلُ إلى اللزومِ، فلَمْ يَنْفَسِخْ بالموتِ كالبيع المشروطِ فيه الخيارُ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لجوازهِ، كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالةِ وقد أسلفتُ الفَرْقَ؛ فإنَّه يَؤُوْلُ إلى اللزومِ بخلافهما.
فَرْعٌ: الخلافُ جارٍ في جُنونِ أحدهِمَا وإغمائِهِ.
فَصْلٌ: ويُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ في عَطِيّةِ أَوْلَادِهِ، لِئَلَّا يُفضي بهم الأمرُ إلى العقوقِ، فإنْ تَرَكَ العدلَ فقد فَعَلَ مكروهًا، وقال ابن حبان: فعل حرامًا، نَعَمْ لو تفاوت أولاده في الحاجةِ فليس فيهِ المحذورُ السَّالِفُ كما نبَّهَ عليه صاحبُ المطلبِ (•) في النسخة (3): حيث قال: ولو قضى زمَنَ استبراء قبل القبض.
الجزء: 2 - الصفحة: 987
والأُمُّ فيما ذَكَرَهُ، كالوالدِ وكذا الْجَدُّ وَالْجَدَّة وَأَفْهَمَ كلامُ الغزاليِّ وغَيرُهُ أن الأقَارِبَ كالأخوةِ لا يجري فيهم الحكمُ المذكورُ ويحتملُ طردُهُ فِيهِمْ لِما فيه من الإيحَاشِ، وقد يفرقُ بأنَّ المحذورَ في الأولادِ عدمُ الْبِرِّ وهو واجبٌ نَبَّهَ عليهِ صاحبُ المطلبِ ثُمَّ ذكرَ المصنِّفُ كيفيَّةَ عَدَمِ التَّفْضِيلِ فقال: بِأنْ يُسَوِّيَ بَينَ الذكَرِ وَالأنْثَى, لأنه إذا فاضل أَدَّى إلى الْوَحْشَةِ وَالْعُقُوقِ 9، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الإِرْثِ، نَظَرًا لإعطاء الله تعالى ما وجبَ لَهُمْ فَإنَّهُ الْعَدْلُ، والأَوَّلُ فَرَّقَ بِأَنَّ الوارثَ رَاضٍ بِمَا فَرَضَ الله لَهُ بخلافِ هذَا، والخنثى كالذكر لا كالأنثى حتَّى يجري فيه الخلاف كما نبَّهَ عليه المصنِّفُ في نواقِضِ شَرْع المهذَّبِ.
وَللأَبِ الرُّجُوعُ فِيٍ هِبَةِ وَلَدِهِ، لقوله عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَة فَيَرْجِعَ فِيهَا إلا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ] صححه التِّرْمِذِيّ وغيره 10، نَعَمْ يُكرهُ إنْ كان الولد عفيفًا بارًّا، وَكَذَا لسائِرِ الأُصُولِ، أي كالأُمِّ
الجزء: 2 - الصفحة: 988
والأجدادِ والجدَّاتِ من الجهتينِ، عَلَى الْمَشْهُورِ, لأنهم كالأبِ في العِتقِ والنَّفَقةِ وَسُقُوطِ الْقَصَاصِ فكذا في الرجوع، والثاني: لا رُجوعِ لهم؛ لأنَّ الخبر خاصٌّ بالأبَ كذا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ، والوالدُ في الخبرِ يَشْمَلُ الْجَدَّ أَيضًا، نعَمْ هل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟ فيه خلافٌ سَتَعْرِفُهُ في الفَرَائضِ إن شاء الله، واحترز بالأصولِ عن الإخوةِ والأعْمَامِ وغيرهم من الأقارِبِ، فإنَّهُ لا رُجوع لهم قطعًا كما لا رُجوع للأجَانِبِ وَذَكَرَهُ المصنفُ بَعْدُ.
فَرْعٌ: حُكمُ الرجوع في الهديَّةِ كالهبَةِ، وكذا في الصَّدَقَةِ على الأصَحّ المنصوصِ، لأنهَا هِبَةٌ؛ كذا صَحُّحَهُ الرافعيُّ هنا، ومقابِلُهُ جَزَمَ به في أوائل العارية، وصحَّحَهُ في الشرح الصغيرِ هنا لأنَّ قَصْدَ المتصدق الثوابَ في الآخرةِ وهُو مَوْعُود بِهِ، وجَزَمَ القفالُ في فتاويه: بِأَنَّ للمُهدي الرجعُ في المُهْدَى ما دامَ باقيًا؛ لأنهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الإِبَاحَةِ.
وَشَرْطُ رُجُوعِهِ بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ في سَلْطَنَةِ الْمُتَّهَبِ فَيَمْتَنِعُ بِبَيعِهِ وَوَقْفِهِ، صيانة لحقِّ الغيرِ وكذا لو أعْتَقَهُ أوْ كَاتَبَهُ أَو اسْتَوْلَدَهَا، لا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، لبقاء السلطة بخلافِ ما إذا أقبضهما، وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْويجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، لما ذكرناهُ مِن بقاءِ السلطةِ، وَكَذَا الإِجَارَةُ عَلَى الْمَذهَبِ، كما لو أَعَارَهُ أو زَوَّجَهَا وهذا جوابُ الأكثرينَ ومقابِلُهُ قولُ الإمامِ: إِنا إنْ صَحَّحْنَا بيعَ المستأجرِ رجعَ وإلّا فإنْ جَوَّزْنَا الرجوعَ في المرهونِ فكذلك، وإنْ مَنَعْنَا ففي المستأجرِ تَرَدُّدٌ.
وَلَوْ زَال مِلْكُهُ وَعَادَ لَم يَرْجِعْ في الأصَحِّ, لأنهُ في يَدِهِ الآن مِن غيرِ جِهَةِ الأبِ فهو كما لو وَهَبَ لَهُ دراهِمَ فاشْتَرَى بها سِلْعَةً، والثاني: يرجع لوجودِ العَينِ في يَدِهِ على صِفَتِهَا، والخلافُ مَبْنِيٌّ على الخلافِ في أنَّ الزَّائِلَ الْعَائِدَ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ أَوْ كَالَّذِي لَمْ يَعُدْ.
فَرْعٌ: لو ارتَدَّ الوَلَدُ وَقُلنا بِزَوَالِ الْمِلْك بِالرِّدَّةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الإسْلَامِ فَالْمَذْهَبُ الرُّجُوعُ.
الجزء: 2 - الصفحة: 989
فَرْعٌ: لو وَهَبَ له عَصِيرًا فَصَارَ خمرًا ثُمَّ صارَ خَلًّا فالصحيحُ الرجوعُ.
وَلَوْ زَادَ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ, لأنها تتبعُ الأصلَ، لا الْمُنْفَصِلَةِ، أي كالكَسْبِ لأنها حَدَثَتْ في خالِصِ مِلْكِهِ.
وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ أَو اسْتَرْجَعْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي أوْ نَقَضْتُ الْهِبَةَ، أي وما أَشْبَهَهُ كَأَبْطَلتهَا, لأنَّ ذلك كله يفيدُ المقصودَ.
قال الرويانيُّ: وصريحُهُ رَجَعْتُ وكنايته أَبْطَلْتُ الْهِبَةَ وَفَسَختهَا، وقال القاضي: الفَسْخُ صريحٌ، وذكر البندنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد: أنَّ كُلَّمَا كانَ رُجوعًا في الفَلَسِ كان رُجوعًا في الهِبَةِ وما لا فَلَا، لا بِبَيعِهِ؛ وَوَقْفِهِ؛ وَهِبَتِهِ؛ وَإِعْتَاقِهِ؛ وَوَطْئِهَا في الأصَحِّ، لِكَمَالِ مِلْك الابنِ بدليل نفُوذ تَصَرُّفهِ، والثاني: أنَّهُ رُجوعٌ وينفذُ التصَرُّفُ كما أن هذه التَّصَرفَاتِ فَسْخٌ للبيع في زَمَنِ الخِيَارِ، وَالأَوَّلُ فَرّقَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ضَعِيفٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنّفُ في الْهِبَةِ ظَاهِرٌ إِنْ وُجِدَ مَعَهَا إِقْبَاضٌ، فإنْ لم يوجدْ فَهَلْ يلتحقُ بما إذا قبضَ أو يقطعُ بأنَّهُ لا يكون رُجُوعًا؟ فيه احتمال لصاحبِ المطلبِ، قال الإمامُ: ولا خلافَ أنَّ الوطءَ حرامٌ على الأبِ وإن قَصَدَ به الرُّجُوعَ لاستحالةِ اسْتِبَاحَةِ الوَطْءِ لِشَخْصَينِ.
وَلَا رُجُوعَ لِغَير الأُصُولِ في هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْي الثَّوَابِ، لما سلف، وقوله (مُقيَّدَةِ بِنَفْي الثَّوَابِ) ومقصودُهُ بِهِ بَيَانُ مُجْمَلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الكلامِ فيه؛ إلى لا تُسَلَّطُ للأجنبيِّ على الرُجوع فيها، ومقصودُهُ أَيضًا التدَرجُ إلى الكَلامِ في الثَّوَابِ، وَمَتَى وَهَبَ مُطلَقًا، يعني ولم يُقيِّدْهُ، فَلَا ثَوَابَ إِن وَهَبَ لدُونهِ، أي في الرُّتْبَةِ إذ لا يقتضِيهِ لفظٌ ولا عادةٌ، وذلك كهبةِ الأميرِ والقاضي لمن دُوْنَهُمَا، والثوابُ هو العوضُ، وَكَذَا لأَعْلَى مِنْهُ في الأَظْهَرِ، أي كما إذا وَهَبَ الْمَرؤُوْسُ لِلرَّئِيسِ, لأنَّهُ لو أعَارَهُ دَارًا لا يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ شيءٌ فكذلكَ إذا وَهَبَ إِلْحَاقًا لِلأعْيانِ بِالْمَنَافِع، والثاني: يجبُ الثوابُ لإطراد العادَةِ بِهِ، وأصلُ الخلافُ أنَّ العادَةَ الجاريَةَ هل تُجْعَلُ كَالْمَشْرُوطَةِ؟ وفيه قولان، وَلنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ, لأنَّ القصدَ في مثلِهِ الصِّلَةُ وتأكيدُ الصَّدَاقَةِ، هذا
الجزء: 2 - الصفحة: 990
أصحُّ الطرُقِ، وقيل: يُطْرَدُ الخلافُ السابقُ، لأَنَّ الأَقْرَانَ لا يَتَحَمَّلُ بَعْضُهُمْ مِنَّةَ بَعْضٍ عَادَة، بَلْ يُعَوِّضُونَ، وقيل: إِنْ قَصَدَ الثَّوَابَ اسْتَحَقَّهُ، وإلا فقولان حكاهُ صاحبُ البَيَانِ، فَإِنْ وَجَبَ، يعني الثَّوابَ، فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ في الَّأصَحّ؛ لأنَّ العقدَ إذا اقتضى العوضَ ولم يَسَمِّ فيه، وَجَبَتْ فيه القِيمَةُ كَالنِّكَاح، وعلى هذا فَالأصَحُّ اعْتِبَارُ قِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ لا يومَ الثوابِ ولا تلزمُ القيمةُ على ما صَحَّحَهُ المصنفُ بل الموهوب له مخيرٌ بين دفعها وَردِّ الموهوبِ إذا طلبَ الواهبُ القيمةَ، فإن لم يطلبها لم يكن له الرَّدُّ؛ وليس للواهبِ استرجاعُ الموهوب إذا بَذَلَ الموهوبُ لَهُ القِيْمَةَ، والوجه الثاني: أنَّه أقلُّ ما يتموَّلُ لوقوع اسم الثوابِ عليهِ، وهذا الوجهُ لم يعمل بمقتضى اللفْظِ، فإنَّهُ لا يَقتضِي عِوَضًا الْبَتَّةَ ولا بمقتضى الْعُرْفِ إذ يَسْتَقْبِحُ أهلُ العُرْفِ دَفْعَ أقلَّ ما يتموَّلُ عند إهداءِ الكبرِ، والثالث: أنَّهُ مَا يُعَدُّ ثوابًا لمثلِهِ في العادَةِ، والرابع: ما يَرضى به الواهِبُ، وقول المصنف (فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ) كان يَنْبَغِي له أنْ يقول قَدْرَ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ كما عبَّر بهِ في الْمُحَرَّرِ, لأنَّ الواجبَ القيمةُ نَفْسُهَا، وكيف يكون ذلك والموهوبُ قد يكون مثليًّا.
فَرْعٌ: لا ثوابَ في الصدقةِ بِكُلِّ حَالٍ، وأما الهديَّةُ فالظاهرُ أنّها كالهبةِ كما ذكرهُ في الروضة من زوائدِهِ، وكأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَفَقُّهًا، وقد صَرَّحَ به البندنيجي كما أفادَهُ في الكفاية.
فَإِن لَمْ يُثِبْهُ فَلَهُ الرجُوعُ، أي إن كان الموهوب بحاله لقوله عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال: [مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا] صححه الحاكم 11، فإن كان تَالِفًا فالرجوعُ إلى القيمةِ.
وَلَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ، أي كَوَهَبْتُكَ هَذَا عَلَى أنْ تُثِيبنِي كَذَا، فَالأظْهَرُ:
الجزء: 2 - الصفحة: 991
صِحَّةُ الْعَقْدِ، نظرًا إلى المعنى، والثاني: بطلانه نظرًا إلى اللَّفْظِ لِتَنَاقُضِهِ، وَيكُونُ بَيعًا عَلَى الصَّحِيح، نظرًا إلى المعنى فَيُثْبِتُ أَحْكَامُهُ، والثاني: يكونُ هبةً نظرًا إلى اللفظ، فَيَثْبُتُ فيهِ أحكامُها، قال الإمامُ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، ولو صَحَّ لَم يَكُنْ في دَفْع الشُّفْعَةِ حِيلَةٌ رْفَعَ مِنْ هَذِهِ لِسَلَامَتِهَا مِنَ الْخَطَرِ، أَوْ مَجْهُولٍ؛ فَالمَذْهَبُ بُطْلانهُ, لأنَّهُ خَالفَ موجبَ الهبَةِ بالعوضِ؛ والبيع لجهالةِ العِوَضِ، وملخَّصُ الخلافِ في المسألة: أنَّا إنْ قُلنا: إِنَّ الهبة لا تقتضي ثوابًا فالعقدُ باطلٌ لتعَذُّر تصحيحه بيعًا وهبةً؛ وإنْ قلنا يَقتضِيهِ صَحَّ وهو تصريحٌ بمقتضى العقدِ، وهذا ما أوردَهُ الأكثرون كما قاله الرافعي، وقال المصنّفُ في الروضة: إنَّه المذهبُ وبِهِ قَطَعَ الجمهورُ، وحكى الغزاليُّ وجهًا: أنَّه يبطل بناءً على أن العوضَ يلحقه بالبيع وإنْ كان بيعًا وجبَ أنْ يكون العِوَضُ معلومًا، والأوَّلُونَ يقولونَ: إنما يُجْعَلُ بيعًا على رأيٍ، إذا تعذرَ جعلُهُ هبةً، وذلك إذا قلنا: إِن الهبةَ لا تقتضي الثوابَ، أما إذا قلنا: تقتضيه فاللَّفْظُ والمعنى متطابقان فلا معنى لجعلِهِ بَيعًا.
وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَقُوْصَرَّةِ تَمْرٍ فَهُوَ هَدِيَّة أَيضًا، وإلَّا فَلَا، تحكيمًا للعادةِ وقد يتميزُ القسمان بكونه مشدودًا فيه وغيرُ مشدودٍ كما قاله الرافعيُّ، وَيحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ, لأنه أمانةٌ في يدِهِ، إلا فِي أَكْلِ الْهَدِيّةِ مِنْهُ إِنِ اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ، أي ويكون عاريةً كما قاله البَغَويّ وإن لم تقتضيه العادةُ لزمَهُ تَفْرِيغُهُ.
فَائِدَةٌ: القوصرَّةُ بتشديد الراء على الأفْصَح وعاءُ التمْرِ ولا تسمّى بذلك إلَّا وفيها التَّمْرُ وإلا فهي زَنْبِيلٌ.
فُرُوعٌ نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ: ختن رجلٌ ولده واتخذَ دعوةً فحُمِلت إليه الهدايا ولم يسمِّ أصحابُها الأبَ ولا الابنَ فلمن تكونُ؟ فيه وجهان أصحهما من زوائد الروضة أنها للأبِ، وأما العباديُّ فصحَّحَ أنها للابن، وبه أفتى الفاضي قال: ويجب على الأب القبول، فإن لم يقبل أثِمَ وهو ظاهرٌ إذا لم يقصد التقريب للأب، فإن قصده فينبغي أن لا يجب لا سيما إذا كان قاضيًا، وروى عن ابن عباس [مَنْ أهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ
الجزء: 2 - الصفحة: 992
نَاسٌ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيهِ] وروي مرفوعًا، والموقوف أصحُّ 12، وبه قال أبو يوسف في المأكول ونحوه؛ وفي الحديث الصحيح [مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأنْتَ غيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ] 13 فقال ابن حزمٍ الظاهري بوحوبه، وقال: قبول الهدية واجبٌ وردُّها حرام بهذا الحديث، وما أهداهُ إلى أمير الْجُنْدِ يصيرُ فيئًا للمسلمين فإنَّه يقوِّيهم، والهديةُ لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملكها ويختص بها؛ لأن قوته ومنعته بالله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ 14 فالمقصود ذاته وبركته بخلاف غيره من ولاة الأمور، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنَّه ليس للمهدي إليه بيعُ الهدية.
الجزء: 2 - الصفحة: 993