لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، لأنها أهمُّ؛ شَرَعَ فِي الْمُعَامَلاتِ، لأنها ضَرُورِية، وَأَخَّرَ عَنْها رُبْعَ النِّكَاح لأنَّ شَهْوَتَهُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الأكْلِ وَنحوه، وَأَخَّرَ عَنْهُ رُبْعَ الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ؛ لأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ غَالِبًا إِنمَا هُوَ بَعدَ الْفَرَاغ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالفَرج.
والْبَيْعُ في اللغة: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بشَيْءٍ، وفي الشرع: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَنحْوِهِ مِنَ الحُدُودِ؛ والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأحَل الله الْبَيْعَ﴾ 1 مع السُنة الشهيرة الآتية والإحماع.
شَرْطُهُ الإِيْجَابُ: كَبِعتُك وَملكتكَ، وَالقَبُولُ: كاشتَرَيتُ وَتَمَلكْتُ وَقَبِلْتُ، لقوله عَلَيْهِ الصلًاة والسلام: [إِنمَا الْبَيْعُ عَن تَرَاضٍ] صححهُ ابنُ حِبَّان 1، والرِّضى أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه؛ وهو الصيغة فلا تكفي المعاطاة، والأقوى أنها تكفي في كل ما يعده الناس بيعًا، والمراد بالشرط: ما لا بد منه.
وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِيْمَا لَيْسَ بِضمنِيٍّ مِنَ الْبُيُوع، أما الضمنيُّ منها كما إذا قال أعتق عبدك عني على كذا، فيكفي فيه الالتماس.
والجواب كما ذكره في كفارة الظهار.
وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي، أي في غير قَبِلْتُ، ونَعَم لحصول المقصود تقدَّم أو تأخَّر، أما قبلتُ؛ فلا 2. وبه صرح القفال في فتاويه والإمام أيضًا؛ ومثلها: نَعَم.
وَلَوْ قَالَ: بِعنِي؛ فَقَالَ: بِعتُكَ؛ انعَقَدَ فِي الأظْهرِ، أي وإن لم يقل ثانيًا ابتعتُ؛
لدلالته على الرضى، وَالثانِي: لا، لأنه قد يقول بعني لاستبانة الرغبة.
وينْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، أي مع النية، كَجَعَلتهُ لَكَ بِكَذَا فِي الأصحِّ، قياسًا على الكتابة والخلع، والثانى: لا، لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب، وأطلق المصنف الخلاف، ومحله في بيع لم يُشترط فيه إشهاد، فإن شرط فيه فلا ينعقد بها قطعًا، لأن الشهود لا يطلعون على النيةِ، اللهُمَّ إلَّا إذا توفرت القرائن، فالظاهر كما قال الغزالي: انعقاده، قال الإمام: ومحل الخلاف السابق إذا عدمت القرائن، فإذا حصلت وأفادت التفاهم فيحب القطع بالصحة.
وُيشترَطُ أَن لا يَطُولَ الْفَصلُ بَيْنَ لَفظَيهِما، أي فإن طال وهو ما أشعر باعراضه عن القبول ضَرَّ، لأن الطول يخرج الثانى عن أن يكون جوابًا عن الأول، ولو عَبَّرَ بقوله بين الايجاب والقبول بدل بين لفطيهما لكان أولى؛ ليدخل الخط والإشارة من الأخرس، والمعاطاة إذا جَوَّزْنَاها، وقد عَبَّرَ بذلك في الروضة، قُلْتُ: ويشترط أيضًا أن لا يتخلل بينهما كلام أجنبى عن العقد، وأن لا يتغير الايجاب قبل القبول، ويشْتَرَطُ فِي الطَّلاقِ أَنْ يَقصدَ لَفْظَهُ أَوْ معنَاهُ؛ ولا بد من ذلك هنا أيضًا.
وَأن يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: بعتُكَ بِألْفٍ مُكَسَّرةٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِألْفٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَصِحَّ، لأنه قَبِلَ غير ما أوجبه البائع، وكذا لا يصحُّ عكسهُ من طريق أَولى، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بمئة فقبل أحدهما وعيَّنَهُ، ففيه احتمالان في فتاوى القفال، قُلْتُ: ولا يشترط الاتفاق في اللفظ، نعم يشترط أن يقع القبول ممن وقع معه الخطاب؛ وبقاء الأهلية إلى تمام الصيغة.
وِإشَارَةُ الأخْرَسِ بالعَقْدِ كَالنُّطْقِ، أي فيه للضرورة وكذا كتابته في الأصح، والحل لعقد كما ذكرهُ في الطلاق، وَشَرطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ، أي فلا ينعقد بعبارة الصبي والمجنون وكذا السفيه، لما ستعرفه في بابه، نَعَم: يُرَد عليه ما إذا بذر بعد بلوغه رشيدًا فإنه لا يعود الحجر عليه إلّا بالحاكم، كما صححه في بابه، فهذا قبل الإعادة غير رشيد ويصحُّ بيعه.
قُلْتُ: وَعَدَمُ الإِكرَاهِ بِغَيرِ حَق، للحديث
السالف 1، أما إذا أُكْرِة بحق، كما إذا كان عليه دين، وامتنع من أدائه، فإن الحاكم يجبره على البيع ويصح، فإن امتنع تولاه الحاكم، ويستثنى من كلام المصنف ما إذا أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه فباع، فإنه يصح كما قاله الفاضى.
ولا يَصحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصحَفَ وَالْمُسلِمَ فِي الأظْهرِ، لما فيه من العار، والثانى: يصح كالأرث، وأصح الطريقين في المصحف طريقةُ القَطْع بِالمَنع كما رجحه في الروضة تبعًا للرافعي؛ لأن المصحف أكثر حرمة، قُلْتُ: ولا يصح شراؤه للمرتد أيضًا على الأصح لبقاء علقة الإسلام.
فرع: كتب الفقه التي فيها آثار السلف كالمصحف خلافًا للماوردي.
إِلَّا أَن يعتِقَ عَلَيْهِ، أي كأبيه وابنه، فَيَصحُّ، أي الشراء، فِي الأصَح، لانتفاء الإذلال لعدم استقرار الملك، والثانى: لا يصح، لما فيه من ثبوت الملك على المسلم، ولا الْحَربِيُّ سلاحًا، وَالله أَعلَمُ، لأن الحربىَّ مستعد لقتالنا فيكون تسليمه إليه معصيةً وحينئذ فيكون معجوزًا عن تسليمه شرعًا فلا يصح، وخرج بالسلاح الحديدُ؛ لأنه لا يتعين للقتال؛ وبالحربى الذميُّ؛ لأنه في قبضتنا.
فَصلٌ: وَللْمَبِيع شرُوط، أي خمسة كما سيأتي، وقد يستغنى بالملك عن الطهارة فإن النجس لا يثبت فيه ملك بل اختصاص، والقدرة على التسليم والعلم به شرط في العاقد؛ وكذا كون الملك لمن له العقد فيبقى الملك والمنفعة.
أَحَدها: طَهارَةُ عَيْنهِ، أي أو يَطْهرُ بالغسل، لأن النجس محرم الأكل اتفاقًا وَمَا
حُرِّمَ أَكْلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْخَمرِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم -[نَهى عَنْ ثَمَنِ الأوَّلِ وَحَرَّمَ بَيْعَ الثانِي] متفق على صحته 1، وَالْمُتَنجسِ الذِي لا يُمكِنُ تَطهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللبَنِ، بالإجماع؛ أما ما يمكن كالثوب فيصح إلّا أن تستره النجاسة، وَكَذَا الدُّهْنِ فِي الأصَحِّ، لما تقدم في آخر النجاسات 2، وهذا معطوف على الْخَل واللبَنِ مما لا يمكن تطهيرُهُ لا على المتنجس، واقتضى كلامه جواز بيع الدهن إذا فرعنا على إمكان تطهيره، وهو وجه.
والأصح المنع، ويشكل عليه القطع بصحة بيع الثوب المتنجس.
فَرْعٌ: باع لحمًا على أنه لحم ميتة فبان لم مذكاة 3، ففيه احتمالات لوالد
الإمام الرويانى وكان مأخذهما أن العبرة بما ظنه أو بما في نفس الأمر، والظاهر: الصحة؛ كبيع مال أبيه على ظن حياته؛ فبان موته.
الثانِي: النفْعُ، لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه سفه 1، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، لعدم النفع، ويستثنى من ذلك العلق لمنفعة امتصاص الدم، وَكُلِّ سَبُعٍ لا يَنْفَعُ، أي لا يؤكل ولا يصطاد ولا يقاتل عليه كالأسد ونحوه، ولا حَبَّتَي الحِنْطَةِ، لسقوط منفعتهما لقلتهما، وَنَحوها.
آلَةَ اللهْوِ، أي المحرم كالطنبور وغيره لسقوط منفعتها شرعًا، وَقِيلَ: يَصِح فِي الآلَةِ إِن عُدَّ رُضَاضُها مَالًا، أي مكسرها مالًا؛ لأن فيها نفعًا متوقعًا فأشبه الجحش الصغير، أما مَا لا يُعَدُّ رضَاضُهُ مالًا كالمزمار الصغير من القصب فلا يصح على وجه شاذ، وَيصِحُّ بَيْعُ المَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصحرَاءِ فِي الأصَحِّ، لوجود النفعة فيهما، وكثرتهما لا يخرجهما عن كونهما مالًا، والثاني: لا يصح، لأنَّ بَذْلَ المالِ فيهما مع وجود مثلهما بلا تعبٍ سفةٌ، ولا يبعد تخصيص هذا الوجه بما إذا لم يكن في المبيع صفة زائدة كبرد الماء؛ وصفوه؛ وكربلة التراب؛ ونحت الصخرة؛ ونظير هذا الخلاف بيع نصف دار شائع بنصفها الآخر والأصح الصحة أيضًا، ولهذا العقد فوائد: منها عدم رجوع الوالد فيما وهب لولده وعدم رجوع البائع إلى عين ماله.
الثالِثُ: إِمكَان تَسْلِيمِهِ، أي حسًا وشرعًا ليوثق بالمقصود منه ولو عَبَّرَ بالتسلُّم بضم اللام كان أقرب، لأن التسليم فعل البائع، وستعرف في بيع المغصوب أن قدرة البائع ليست شرطًا، فلا يَصِح بَيْعُ الضَّالِّ وَالآبِقِ، أي وإن عرف موضعهما، لأنه غير مقدور على تسليمهما في الحال، وَالْمَغْصُوبِ، لما قلناه، فَإِن بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى = بيع الخمر والميتة: الحديث (71/ 1581).
انْتِزَاعِهِ، أي والمالك عاجز؛ صَح عَلَى الصحِيح، لأن المقصود وصوله إليه وهو متيسر، ونقله القفال في فتاويه عن النص، ولو كانت القدرة تحتاج إلى مؤنة فلا يبعد البطلان، قال القفال في فتاويه: ولو قال كنتُ أظن القدرةَ وأنا الآن لا أقدر فيحلفُ، ولا بيع بخلاف ما إذا قال حدث بيني وبينه عداوة ولا أقدر فها هنا يحلف ويفسخ البيع.
والوجه الثانى: لا يصح؛ للعجز عن التسليم.
فإن كان المالك قادرًا على انتزاعه صحَّ قطعًا إلا أن يكون فيه كلفة فينبغى البطلان، ولو باع المغصوب من الغاصب صحَّ قطعًا، ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده ففيه الوجهان في المغصوب.
ولا يَصِحُّ بَيعُ نصفٍ، أي وكذا رُبُع وغيرِهِ، مُعَيَّنٍ مِنَ الإنَاءِ وَالسيف وَنَحوِهِمَا، أي مما ينقص قيمته بقطعه أو كسره كالنصل والثوب النفيس، لأن الشرع منع من إضاعة المال وجواز البيع يفضي إليه.
ويصِحُّ فِي الثوْبِ الذِي لا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ، أي كغليظ الكرباس، فِي الأصَحِّ، لزوال المحذور، والثانى: لا يصح؛ لأن القطع لا يخلو عن تغيير لعين المبيع، ولا الْمَرهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ مرتَهنِهِ، لأنه عاجز عن تسليمه شرعًا لما فيه من تفويت حق المرتهن، ويلحق بالمرهون كل عين استحق حبسها كالقصار ونحو، ولا الْجانِي الْمُتَعَلقِ بِرَقَبَتِهِ مال، أي لكون الجناية خطأ أو شبه عمد أو عمد أو عفى مستحق القصاص على مال، فِي الأظْهرِ، قياسًا على المرهون وأولى؛ لأن حق الجناية يقَدم على حق المرتهن، والثانى: يصح، لأن السيد لم يحجر على نفسه بخلاف الراهن، والثالث: أنه موقوف إن فدى نفد، وإلا فلا.
وهذا كله إذا باعه قبل اختيار الفداء وكان موسرًا، فإن كان معسرًا بطل على المذهب، وإن كان بعد اختيار الفداء صح وفيه نظرٌ، ولا يضُرُّ تَعَلقُهُ بِذِمتِهِ، أي كما إذا اشترى شيئًا بغير إذن سيده وأتلفه؛ لأن البيع إنما يُرَدُّ على الرقبة ولا تعلق لرب الدين بها، قُلْتُ: ولا يضر أيضًا التعلق بكسبه كما إذا زوجه، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقصاصِ، أي برقبته، فِي الأظْهرِ، لأنه يرجى سلامته ويخاف تلفه بالقصاص فيصح بيعه قياسًا على المريض، ومنهم من قطع بهذا
وصححه في الروضة تبعًا للرافعي، والثاني: لا يصح، لأن المستحق يجوز له أن يعفو على مال.
وقد تقدم أن تَعَلُّقَ المالِ مانعٌ.
الرَّابِعُ: الْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لا بَيْعَ إِلَّا فِيْمَا تملُكُ] رواه أبو داود 1، ولا بد من زيادة قيد التمام ليخرج ببيع المبيع قبل قبضه؛ فإنه لا يصح كما سيأتى مع وجود الملك.
ولو عَبَّرَ بقوله: أن يكون للعاقد عليه ولاية لكان أولى لئلا يدخلَ الفضوليُّ ومراده إخراجه، فَبيع الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، لما سلف، وَفِي الْقَدِيمِ، أي والجديد أيضًا، مُوقُوفٌ، أي المُلك، إِن أجَازَ مَالِكُهُ نَفَذَ، وَإلَّا فلا، لحديث عروة البارقى في ذلك في صحيح البخاري 2، ولو عبَّرَ بقوله: فَعَقْدُ الْفُضُولِيِّ كان أَولى؛ فإن الخلاف جارٍ في كل عقد يقبل الاستنابة كما لو زوَّج أمَةَ غيره أو ابنَتَهُ، وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرّثهٍ، يعني ظاهرًا، ظَانًا حَيَاتَهُ وَكَان مَيِّتًا صَحَّ فِي الأظْهرِ، لصدوره من مالكه، والثانى: لا، لأنه كالعابث.
الْخَامِسُ: الْعِلْمُ بِهِ، أي عينًا وقدرًا وصفة للنهي عن بيع الغَرَرِ رواه مسلم 3، ويستثنى بيع الصاع من الصَّبْرَةِ المجهولة فإنه مبهم كما سيأتى؛ واختلاط حمام البرجين كما ذكره في باب الصيد، فَبَيْع أحَدِ الثوبينِ بَاطِل، لما فيه من الغَرَرِ.
ويصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صبْرَةٍ، أي وهى الكومة من الطعام، تُعلَمُ صِيعَانُها، لعدم الغرر والأصح أنه ينزل على الإشاعة، وَكَذَا إن جُهِلَتْ فِي الأصح، لتساوي أجزائها فتغتفر جهالة العين هنا، والثانى: لا يصح كذراع من أرض مجهولة الذِّرعَانِ وهو القياس كما لو فرقها وباع واحدًا منها، قال القفال في فتاويه ومنها نَقَلتُ: نَص الشافعيُّ على الجواز؛ وعندي لا يجوز.
فقيل له: كيف تفتي في هذه المسألة؟ فقال: على مذهب الشافعي، فإن من سألني إنما يسأل عن مذهب الشافعي لا عن مذهبي.
وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أو بِزِنَةِ هذِهِ الحَصَاةِ ذَهبًا، أوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلان فَرَسه، أي ولم يعلم أحدهما قبل العقد المقدار، أَوْ بِألْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانيرَ لَمْ يَصِح، البيع للجهل بأصل المقدار، والشرط في الثالثة أن يقول بِمِثْلِ ما باع أو بقصد المثلية، وإلا ففيه الخلاف فيما إذا قال: أوصيت له بنصيب ابنى؛ والأصح فيه الصحة.
وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ، وفِي الْبَلَدِ نَقد غَالِبٌ تعَيَّنَ، لأن الظاهر إرادتهما له، أَوْ نَقْدَانِ، أي وتفاوتت قيمتهما، لَمْ يَغْلِب أَحَدُهُمَا؛ اشتُرِطَ التعِينُ، أي باللفظ، لأنه ليس بعضها أولى من بعض.
ويصِح بَيْعُ الصُّبْرَةِ الْمَجهُولَةِ الصيعانِ كُل صَاع بِدِرهمٍ، لأن الصبرة مشاهدة وهى كافية للصحة ولا يضر الجهل بمبلغ الثمن؛ لأن تفصيلَهُ مَعلُومٌ وَالغَرَرُ يَرتَفِعُ بِهِ، وَلَوْ بَاعَها بِمَائَةِ دِرهمٍ كُل صَاع بِدرهمٍ صَحَّ إِن خَرَجَتْ مَائَةً، لحصول الفرضين وهما بيع الجملة بالجملة ومقابلة كل واحد بواحد، وِإلَّا، أي ولم يخرج مائة، فلا عَلَى الصحِيح، لتعذر الجمع بين الأمرين المذكورين، والثاني: يصح تغليبًا للإشارة إلى الصبرَةِ فإن خرجت ناقصة خُيِّرَ أو زائدة فالزيادة للمشتري على الأصح، وقوله على الصحيح صوابه على الأظهر كما عبر به في الروضة.
وَمَتَى كان الْعِوَضُ مُعَينًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ، أي ولا يشترط معرفة قدره بالكيل والوزن اعتمادًا على التخمين، وَالأظْهرُ أَنهُ لا يَصح بَيْع الْغَائِبِ، لأنه غَررٌ وقد نُهى عنه كما تقدم، والثاني: يَصِحُّ، وَيَثبُتُ الخيارُ عِندَ الرُّؤيةِ، لحديث [مَنِ
اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِذَا رَآهُ] لكنه حديث باطل كما قاله الدارقطني 1، نعم هذا القول قال به جمهور أصحابنا كما قال الماوردي، وعلى هذا لا بد من ذكر جنس المبيع ونوعه على الأصح، والأصح طرد الخلاف فيما لم يره المتعاقدان أو أحدهما بلا فرق.
فرعٌ: الخلاف جارٍ في الوقف؛ لكن صحح ابن الصلاح في فتاويه الصحة والمصنف في الروضة من زوائده، وجزم القفال في فتاويه بالمنع، فقال: إذا اشترى عبدًا أو دارًا فعتق العبد ووقف الدار لا يصح لأنه لو صحَّ لأدى إلى انبرام العقد ولا ينبرم قبل الرؤية.
وَتَكْفِي الرُّؤيةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لا يَتَغيرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، أي كالأرض والأواني ونحوهما، إذا كان حال البيع ذاكرًا للأوصاف، كان منعنا بيع الغائب لحصول العلم الذي هو المقصود والغالب بقاؤه على ما شاهدَهُ عليه، دُون مَا يَتَغيرُ غَالِبًا، أي كالأطعمة؛ لأن الرؤية السابقة لم تفد معرفته حال العقد، ولو مضت مدةٌ يحتمل فيها التغيير وعدمُهُ كالحيوانِ فالأصح الصحة، لأن الظاهر بقاؤهُ بحاله.
وَتَكْفِي رُؤيةُ بَعضِ الْمَبِيع إِن دَل عَلَى بَاقِيهِ كظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، لأن الغالب أجزاؤها لا تختلف وتعرف جملتها برؤية ظاهرها، واحترز بقوله: (إِنْ دَل عَلَى بَاقِيْه) عن صبرة البطيخ والباذنجان ونحوهما مما يختلف؛ فإنه لا بد من رؤية كل واحد منها حتى لا تكفي رؤية أحد جانبي البطيخة، وَأنْمُوذَج الْمُتَمَاثِلِ، أي وهو عين القمح مثلًا كرؤية بعض الصبرة بشرط إدخاله في المبيع بعد إلقائه في الصُّبْرَةِ؛ وإلا فلا يصح، لأن المبيع غير مرئي، والمراد بالمتماثل المتساوي الأجزاء لا المثلى، أَوْ كَان صِوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَة كَقِشْرِ الرُّمانِ وَالْبَيْضِ، وَالْقشرَةِ السُّفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللوْزِ، لأن
بقاءَه فيه من صلاحه وكذا بيع الخشكنان، واحترز بالخلقي عن جلد الكتاب فإنه لا تكفى رؤيته بل لا بد من تقليب كل ورقة، واحترز بِالْقِشْرَةِ السُّفْلَى عن العُليا؛ فإنه لا يصح البيع قبل إزالتها.
وَتعتَبَرُ رُؤيةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، لاختلاف الغرض بذلك وقد أوضحت ذلك في الأصل، وَالأصَح أَنَّ وَصفَهُ بِصِفَةِ السلَمِ لا يَكْفِي، أي عن الرؤية وكذا سماع وصفة بطريق التواتر، لأن الرؤيةَ تُفِيْدُ أُمُورًا تَقْصُرُ عنها العبارة؛ فليس الخبر كالعيان، والثانى: تكفى؛ لأن ثمرة الرؤية المعرفة وهما يفيدانها.
ويصِحُّ سَلَمُ الأعمَى، أي سواء أسلم في شيء أو أُسلم إليه فيه، لأن السلم يعتمد الوصف لا الرؤية ثم يوكّل من يقبض عنه على الوصف المشروط، ولا يصح قبضه بنفسه على الأصح، لأنه لا يميز بين المستحق وغيره، وَقِيلَ: إِن عَمِيَ قَبْلَ تميِيزِهِ أي أو خُلق أعمى، فلا، لأنه لا يعرف الألوان ولا يُمَيِّزُ بينها، والأصح الصحة؛ لأنه يعرف الصفات والألوان بالسماع ويتخيل فرقًا بينها، ومحل هذا الخلاف ما إذا كان رأس المال موصوفًا في الذمة؛ فإن كان معينًا فهو كبيع الغائب.
فَرعٌ: لو كان الأعمى رأى شيئًا مما لا يتغير صحَّ بيعه وشراؤه؛ إذا صححنا ذلك من البصير وهو المذهب ذكره في الروضة.
ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أنَّ عقودَ الأعمَى غيرُ حائزةٍ إلا عندَ وجودِ سبعَ خِصَالٍ: الْكِتَابَةِ؛ وَالسَّلَمِ، وَإِذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ أوْ بَاعَ مَا شَاهدَهُ قَبْلَ الْعَمَى؛ أو زوَّج ابنتهُ أو أختهُ وكان شاهِدَهما قبلَ العمَى، وكذا إذا أجَّرَهُما وقد شاهدَهُما في صحتهِ.
وهذه درر مستَخرجة من البحر نختم بها الباب.
لو قال: بعتك هذا العبد الكبير، وكان صغيرًا صحَّ، ولو قال الوكيل عند البيع: بعتك عبدي هذا هل يجوز؟ وجهان.
ولو باع ثوبًا على أنه من قطن؛ فإذا هو من كتان؛ فإن لم يعلما لم يجز؛ وإن علما احتمل وجهان.
بَابُ الْرِّبَا
الربا: أصله من رَبَا الشيء إذا زادَ، وفي الشرع زيادة مخصوصَة، والأصل في تحريمه قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الربوْا﴾ 1 ولعن رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - آكِلَهُ وَكَاتِبَهُ ومُؤكِلَهُ وَشَاهِدَهُ 2 وفي صحيح الحاكم من حديث مسروق عن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [الربا ثَلاثة وَسَبْعُونَ بَابًا أَيْسَرُها مِثْلَ أنْ يَنْكِحَ الرجلُ أمَّهُ وَإِنَّ أَربى الربا عَرضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ] وقال: صحيح على شرط الشيخين 3. إِذَا بِيْعَ الطعَامُ بِالطعَامِ إِن كَانَا جِنْسًا اشْتُرِطَ الْحُلُولُ وَالْمُمَاثَلَةُ وَالتقَابُضُ قَبْلَ التفَرُّقِ، أَوْ جنْسَيْنِ كحِنْطَةٍ وَشعيِرٍ جَازَ التفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الحُلُولُ وَالتقَابُضُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الذهبُ بِالذهبِ؛ وَالفِضَّةُ بِالْفِضةِ؛ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ؛ وَالشعِيْرُ بِالشَعِيْرِ؛ وَالتمرُ بِالتمرِ؛ وَالْمِلْحُ بِالمِلْح؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاء بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَد؛ فإذَا اختلَفَتْ هذِهِ الأجْنَاسُ فَبِيْعُوأ كَيْفَ شِئتم إِذَا كَانَ يَدًا بِيدٍ]، رواه مسلم 4، وقوله:
يدًا بيد أي مقابضةً، ويلزم من ذلك الحلول، فلو باع الطعام بغيره لم يشترط شئ من الأمور الثلاثة السابقة.
وَالطعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُّعمِ، أي طعم الآدميين غالبًا، اقْتِيَاتًا أَوْ تَفَكهًا أَوْ تَدَاوِيًا، لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام في الحديث المذكور نص عليه في البُرِّ وَالشَّعِيْرِ، والمقصود منهما القوت، فألحق بهما ما في معناهما كالأرز والذرة.
وعلى التمر والمقصود منه التأدم والتفكه فألحق به ما في معناه كالزبيب والفواكه، وعلى الملح والمقصود منه الإصلاح فألحق به الزعفران والسقمونيا ونحوهما، وخرج بقوله قُصِدَ الجلدُ، ويرد على الضابط المذكور الماء العذب فإنه ربوي وهو مطعوم بنص القرآن وزاد في كتاب الإيمان في الحدِّ الحلواء.
وَأَدِقةُ الأصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ، وَخُلُولُها وَأَدهانُها أَجْنَاسٌ، لأنها فروع لأصول مختلفة ربوية، فأجري عليها حكم أصولها، فعلى هذا يباع دقيق الحنطة بدقيق الشعير متفاضلًا، واحترز بالمختلفة عن المتحدة كأدقة أنواع القمح فإنها جنس قطعًا، وَاللُّحُومُ وَالألْبَان، كَذَلِكَ فِي الأَظْهرِ، لأنها فروع؛ لأصول مختلفة فأشبهت الأدقة، والثانى: أنها جنس لاشتراكهما في الإسم الذي لا يقع بعده التمييز إلا بالإضافة فأشبهت أنواع الرطب والعنب، وَالْمُمَاثَلَةُ تُعتَبَرُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَالْمَوْزُونِ وَزْنًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[لا تَبيْعُوا الذهبَ بِالذهبِ؛ ولا الْوَرِقَ بِالْوَرِق، إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ] متفق عليه 1.
فَرعٌ: لو باع صاع صبرةٍ بصاع صبرة مكايلة وتقايضًا جزافًا وتفرقًا من غير كيل، فالأصح الصحة؛ ومثله ما إذا باع دراهم بدراهم موازنةً وتقايضًا جزافًا وتفرقًا من غير وزن.
الحديث (80/ 1587) عن عبادة بن الصامت.
وَالْمُعتَبَر غَالِبُ عَادَةِ أهْلِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صَلى الله عَلَيْهِ وَسلمَ، أي في كون الشئ مكيلًا أو موزونًا لأن الظاهر أنه عَلَيْهِ الصلاة وَالسَّلاَمُ اطَّلَعَ عَلَيْها وَأَقَرَّها، فَلَوْ أحدَثَ الناسُ خِلافَ ذَلِكَ فلا اعتِبَارَ بِإِحدَاثِهِم، وَمَا جُهِلَ، أي هل كان يكال في عهده أو يوزن وكذا إذا علم أنه كان يكال مرةً ويوزن أخرى ولا غالب، يُرَاعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْع، لأن الشئ إذا لم يُحَد في الشرع كان الرجوع فيه إلى عادة الناس كما في القبض والحرز، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، لأنه أعم؛ فإن أكثر ما ورد فيه النص مكيل 1، وَقِيلَ: الْوَزْن، لأنه أحصر وأقل تفاوتًا، وَقِيلَ: يَتَخَيرُ، للتساوي، وَقِيلَ: إِن كَان لَهُ أصل، أي معلوم المعيار، اعتُبِرَ، أي به مراعاة لأصله وهذا كله إذا لم يكن أكبر جرمًا من التمر، فإن كان كالجوز فالاعتبار فيه بالوزن، لأنه لم يعهد الكيل بالحجاز فيما هو أكبر من التمر قاله المتولي، وجزم به الرافعي في آخر الباب.
وَالنقْدُ بِالنقْدِ كَطَعَامٍ بِطَعَامٍ، أي في اشتراط الأمور الثلاثة السالفة عند اتحاد الجنس، والآخرين عند عدمه؛ بأن يبيع الذهب بالفضة لحديث عبادة السالف والتبر والسبائك والحلي كالنقد.
وَلَوْ بَاعَ جِزَافًا تَخْمِينًا لَمْ يَصِح وَإِن خَرَجَا سَوَاءً، أي نقدًا كان أو مطعومًا؛ لأن التساوي شرط والجهل به عند العقد مُضِرٌّ، وهذا معنى قول الأصحاب: الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيْقَةِ الْمُفَاضَلَةِ، وَتُعتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ وَقْتَ الْجَفَافِ، أي في الثمار والحبوب، وَقَد يُعتَبَرُ الْكمَالُ أَولًا، أي كما في العرايا، فإن اعتبار الجفاف في المماثلة لم يوجد آخرًا؛ بل أولًا.
فلا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ، للنهي عنه 2، ولا بِتمرٍ، ولا رطب بتمر لتعيُّنِ
التفاوت عند الجفاف ويستثنى العرايا كما سيأتى، ولا عِنَبٌ بِعنبٍ ولا بِزَبِيبٍ، لذلك أيضًا، وَمَالا جَفَافَ لَهُ كَالقثاءِ وَالْعِنَبِ الذِي لا يَتَزَببُ لا يُبَاعُ أَصلًا، أي بعضه ببعض قياسًا على الرطب بالرطب، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا، لأن معظم منافعه في رطوبته فكان كاللبن.
فَرعٌ: الزيتون يجوز بيعه بمثله كما نقله الإمام وهو وارد على المصنف فإنه لا يَجفف.
ولا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالْخُبْزِ، لخروجهما عن حالة الكمال وعدم العلم بالمماثلة لو كان العوضان على حالة الكمال، بَلْ تُعتَبَرُ المُمَاثَلَةُ فِي الْحُبُوبِ حَبًا، أيِ بعد تناهي جفافه وتنقيته، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمسِمِ حَبًّا أَوْ دُهْنًا، لأنهما غايتة، وَفِي العِنَبِ زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ، لأنهما غايتهُ أيضًا، وَكَذَا الْعَصيِرُ فِي الأصَحِّ، لأنه متهئ لأكثر الانتفاعات، فيجوز بيع العصير بمثله وعصير الرطب بمثله، والثانى: لا، لأنه ليس على حالة كمال المنفعة، وَفِي اللبَنِ لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، أي خالصًا عن الماء.
لأن كلًا منهما مقصودٌ، ولا يَكْفِي التمَاثُلُ فِي سَائِرِ، أي باقي، أَحوَالِهِ كَالْجُبنِ وَالأقِطِ، أي وكذا المصل لتأثرها بالنار ولا تخلو عن مخالطة شيء.
ولا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أثرَتْ فِيهِ النارُ بِالطبْخ أَوِ الْقَلْي أَوِ الشيِّ، لأن تأثير النار لا غاية له فيؤدي إلى الجهل بالمماثلة، ولا يَضر تأثيرُ تَميِيز كَالعَسَلِ، أي وهو عسل النحل، وَالسمنِ، لأن تأثير نار التمييز لطيفة لا تؤثر في العقد، والمقصود منها في عسل النحل تمييز الشمع، وفي السمن تمييز اللبن.
وَاِذَا جَمَعَتِ الصفْقَةُ، أىِ العقد، رِبَوِيًّا، أي جنسًا واحدًا، مِنَ الجانِبَيْنِ، أو من أوِ التمرِ بِالرطَبِ، فَقَالَ: [هلْ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ ] قَالُوا: نَعَم؛ فَنَهى عَنْهُ).
رواه الإمام مالك في الموطأ: كتاب البيوع: باب ما يكره من بيع التمر: الحديث (22) من الباب: ج 2 ص 624. وإسناده صحيح.
أحدهما، وَاختلَفَ الْجنْسُ؛ أي جنس المبيع، منهمَا، أي من الجانبين سواء كان ربويًا أو لم يكن، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرهمٍ بِمُدٍّ وَدِرهمٍ، وَكَمُدٍّ وَدِرهمٍ بِمُديْنِ أَوْ دِرهمَيْنِ، أَوِ النوْع، أي أو اختلف النوع، كَصِحَاح وَمُكسَّرَةِ بِهِمَا، أي بالصحاح والمكسرة، أَوْ بَأحَدِهِمَا، أي بالصحاح فقط أو بالمكسرة فقط، فَبَاطِلَةٌ، لأن العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على مالين مختلفين وُزِّع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، كمن باع شقصًا وسيفًا فيؤدي هنا إلى التفاضل أو الجهل بالتماثل، واحترز بقوله (أَجْمَعَتِ) عما إذا تعددت بتفصيل الثمن، فإنه يصح كيفما وزَّع، لأن كلًا من الصفقتين لم يوجد فيها الجمع المشار إليه، بخلاف ما إذا تعددت بتعدد البائع والمشتري، فإن كل صفقة وجد فيها ذلك فيرد عليه، ويستثنى من هذه القاعدة فروع ذكرتها في الأصل فراجعها منه.
ويحرُمُ بَيعُ اللْحمِ بِالْحَيْوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، لأنه عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسلامُ: [نَهى عَنْ بَيْع اللحمِ بِالْحَيوَانِ] رواه الشافعى مرسلًا وقد أسند بضعفٍ 1، وَكَدَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَأكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الأظْهرِ، لعموم الحديث المذكور، والثانى: لا؛ أمَّا في المأكول فبالقياس على بيع اللحم باللحم، وأما في غيره؛ فلأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه ولم يوجد ذلك هنا.
بابُ الْبُيُوع الْمَنْهِيِّ عَنْها
بَاب: أي هذا
باب البيوع المنهي عنها
.
نَهى رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيْهِ وَسلمَ عَنْ عَسْبِ الْفَحلِ، هذا النهي متفق عليه 1، وَهُوَ ضِرَابُهُ، أي طروق الفعل للإنثى، وَيُقَالُ: مَاؤهُ، ويقَالُ: أجرَةُ ضِرَابِهِ، فَيَحرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، لأنه غير متقوم 2، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الأصَحِّ، لأن فعل الضراب غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفعل، والثاني: يجوز؛ كالاستئجار لتلقيح النخل.
وَعَنْ حَبَلِ الحَبَلَةِ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 3؛ وَهُوَ نَتَاجُ النتاج؛ بِأَن يَبِيعَ نَتَاجَ النتَاج؛ أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نَتَاجَ النتَاج، أي والأولُ: تفسير أهل اللغة، والثاني: تفسيرُ راوي الحديث، وعلى التفسيرين وجه البطلان لائح، أما الأول: فلانتفاء
الْمِلك وغيره من شروط البيع، وأما الثانى: فلجهالة الأجل.
وَعَنِ الْمَلاقِيح؛ وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ، أي بطون الإبل خاصة، وَالْمَضامِينِ؛ وَهِيَ مَا فِي أصلابِ الْفُحُولِ، ووقع في كتاب الخصال لأبى بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن المضامين ما في بطون الإناث؛ والملاقيح ما في ظهور الإبل الذكران، عكس ما ذكره المصنف، وهذا النهي رواه مالك مرسلًا وأسنده غيره 1 ووجه بطلانهما انتفاء الشروط.
وَالْمُلامَسَةِ، وهذا النهي متفق عليه، بِأَن يَلْمَسَ ثَوْبًا مَطْوِيًا ثُمَّ يَشْتَرِيهِ عَلَى أَن لا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ أَوْ يَقُولَ إِذَا لَمَسْتَهُ فَقَد بِعتُكَهُ، لأنه بيع غائب في الأول وتعليق في الثانى، وَالْمنابَذَةِ، أي بذال معجمة وهذا النهي متفق عليه أيضًا؛ بِأَن يَجْعَلا النبذَ بَيْعًا، أو قائمًا مقام الصيغة 2.
وَبَيْع الْحَصَاةِ، هذا النهي أخرجه مسلم 1؛ بِأَن يَقُولَ لَهُ بِعتُكَ مِنْ هذِهِ الأثْوَابِ مَا تَقَعُ هذِهِ الْحَصَاةُ عَلَيهِ أَوْ يَجْعَلا الرميَ بَيْعًا، أَوْ بِعتُكَ وَلَكَ الخيارُ، أي وكذا، إِلَى رَميِها.
وجه البطلان الأول: جهالة المبيع، وفي الثانى: فقدان الصيغة، وفي الثالث: الجهل بالخيار.
وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، هذا النهي رواه الترمذي وصححه 2؛ بِأَن يَقُولَ: بعتُكَ بِأَلفٍ نَقْدا أَوْ أَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ، أَوْ بعتُكَ ذَا الْعَبْدِ بِألْفٍ عَلَى أَن تَبِيعَنِي دارَكَ بِكَذَا، وجه البطلان في الأول: الجهالة بالعوض، وفي الثاني: وجود الشرط وهو مبطل إلا ما استثنى.
وَعَن بَيْع وَشرطٍ كَبَيع بِشَرطِ بَيْع أَوْ قرضٍ، هذا النهي رواه عبد الله بن عمرو 3، وَلَوِ اشتَرَى زَرعًا بِشَرطِ أَن يَحصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا ويخِيطَهُ فَالأصَح = الصحيح: باب بيع المنابذة: الحديث (2146). ومسلم في الصحيح: باب إبطال بيع الملامسة: الحديث (1/ 1511). • عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -؛ قال: (أن رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عَنِ المُنَابَذَةِ: وَهِىَ طَرح الرجُلِ ثَوبهُ بِالبَيع إلَى رَجُل قَبْلَ أن يُقَلبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيهِ.
وَنهى عَنِ المُلامَسَةِ؛ وَالمُلامَسَةُ: لَمسُ الثوبَ لا يَنظرَ إِلَيهِ).
رواه البخاري في الصحيح: الحديث (2145).
بطلانهُ، لمنافاة الشرط مقتضى العقد، فإن قضيه العقد أن يكونا على المشتري، والثانى: يبطل الشرط جزمًا، وفي البيع قولًا: تفريق الصفقة.
وقوله (عَلَى الأصَحِّ) صَوَابُهُ على المذهب كما عبر به في الروضة.
ويستَثنَى، أي من النهي عن بيع وشرط، صُوَر، كَالبيع بِشرطِ الْخِيَارِ، أوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أوْ بِشَرطِ قَطْع الثمَرِ، لما يأتيك في موضعه، أوِ الأجَلِ، أي المعين لقوله تعالى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ 1 ولا بد من احتمال البقاء إليه لا كألف سنة قاله الروياني؛ وَالرَّهْنِ؛ وَالْكَفِيلِ، للحاجة إليهما؛ لأنه قد لا يرضى بمعاملته دونهما، ويشترط في الرهن أن يكون غير المبيع فإن كان فإنه يبطل، الْمعَينَاتِ، أي الثلاثة المذكورة، لِثَمَنٍ فِي الذّمة، فإن كان معينًا: كما لو قال اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فهو فاسد لأن الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمعين حاصل، وكذا لو قال على أن ترهن بها كذا أو يضمنك بها زيد فإن الأعيان لا يرهن بها ولا تضمن، وَالإشْهادِ، للحاجة، ولا يُشترَطُ تعيِينُ الشُّهُودِ في الأصَحِّ، لأن المقصود من الشهود العدالة لإثبات الحق عند الحاجة، فلا يتفاوت الغرض فيهم، والثانى: يشترط كما في الرهن والكفيل، وقد أشرنا إلى الفرق، فَإِن لَمْ يرهنْ أَوْ لَمْ يتكفلِ الْمُعَينُ فَلِلْبَائِع الخِيَارُ، لفوات شرطه وكذا إذا لم يشهد.
وَلَوْ بَاعَ عَبدًا بِشَرطِ إِعتَاقهِ، أي عن المشتري ولم يكن ممن يعتق عليه، فَالْمَشْهُورُ صحة الْبيع وَالشرطِ، لقصة بَرِيْرَةَ المتفق عليها 2 فإن فيها اشتراط = شَرطَانِ في بَيْع؛ ولا رِبحُ ما لَم يُضْمَنْ؛ ولا بَيْعُ مَا لَيسَ عِنْدَكَ].
رواه أبو داود في السنن: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده: الحديث (3504). والترمذي في الجامع: باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك: الحديث (1234)، وقال: حديث حسن صحيح.
العتق والولاء، ولم ينكر عَلَيْهِ الصلاةُ وَالسَّلام إلا اشتراط الولاء، والثانى: لا يصحان؛ كما لو شرط بيعه أو رهنه، والثالث: يصح العقد ويبطل الشرط، أما إذا قال: بشرط إن تعتقه عني فهو لاغٍ، وكذا إذا اشترى من يعتق عليه بشرط اعتاقه لتعذر الوفاء به فإنه يعتق عليه قبل إعتاقه، وَالأصَحُّ أَنُّ للبائِع مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالإعتَاقِ، فإنه يثاب على شرطه وله غرض في تحصيله، والثانى: لا، لأنه لا ولاية له على حق الله تعالى، وهذا الحلاف مبني على أن العتق المشروط حق لله تعالى كالملتزم بالنذر وهو الأصح، أما إذا قلنا بالوجه الآخر إنه حق للبائع فيطالب به جزمًا، وَأَنهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلاءَ لَهُ أَوْ شَرَطَ تدبِيرَهُ أَوْ كِتَابَتَهُ أَوْ إعتَاقَهُ بَعدَ شَهْرٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْع، أما الولاء؛ فلأن شرطه يتضمن نقل الملك إلى البائع وارتفاع العقد، وأما الباقى فلأن العتق ليس بناجز، والثاني: الصحة، أما في الولاء فلحديث بَرِيْرَةَ حيث قال: [اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاء] 1، لكن لهم هنا بمعنى عليهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ 2 أي عليها، ويدل عليه أنه أنكر الشرط، ووجه الصحة في = يَشْتَرِطُوأ وَلًاءَها) فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَها النْبِى - صلى الله عليه وسلم -: [اِشتَرِيها، فَإِنْمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعتَقَ].
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الزكاة: باب الصدقة على موالي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (1493). ومسلم في الصحيح: كتاب العتق: الحديث (12/ 1504).
الباقى حصول المقصود، واحترز بقوله (مَعَ الْعِتْقِ) عما إذا شرط الولاء فقط؛ فإن البيع باطل قطعًا، كما في التتمة هنا، وإن كان أشار في الخلع إلى الخلاف؛ لأن الولاء تابع للعتق ولم يشترط الأصل.
وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ وَالردّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لا غَرَضَ فِيهِ كَشرطِ أَن لا يَأكُلَ إِلَّا كَذَا؛ صَح، أما الأول: فلأن اشتراطه تأكيد وتنبيه على ما أوجبه الشارع عليه، وأما الثانى: فلأن ذكره لا يورث تنازعًا في الغالب، لكن نص الشافعي في الأم على البطلان في الثانية فاستفده.
وَلَوْ شَرَطَ وَصفًا يُقْصَدُ: ككَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدابةِ حَامِلًا، أَوْ لَبُونا؛ صَحَّ، لأنه شرط يتعلق بمصلحة العقد وهو العلم بصفات المبيع التي تختلف بها الأغراض، وَلَه الْخِيَارُ إن أَخْلَفَ، لفوات شرطه، واحترز بقوله (يُقْصَدُ) عفا لا يقصد كالزنا والسرقة وغيرهما فإنه لاخيار بفواتهما.
فَرعٌ: لو ماتَ الْعَبْدُ الذِي شُرِطَتْ كِتَابَتُهُ قَبْلَ اخْتيَارِهِ فالقول قول المشتري بخلاف ما إذا اشترَى عبدًا وهلك لا يده ثم ادَّعى عيبه، لأن الأصل السلامة قاله القفال في فتاويه.
وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدابةِ، لأنه شرط معها شيئًا مجهولًا، فأشبه ما لو قال: بعتُكها وحملَها، وهو باطل كما سيأتى، وأجاب الأولُ بأن المقصود الوصف به لا إدخاله في العقد، والخلاف مبني على أن الحمل يُعلم أم لا؟ والأظهر الأولُ.
وَلَوْ قَالَ: بعتُكَها وَحَملَها؛ بَطَلَ فِي الأصَحِّ، لأن ما لا يجوز بيعه وحده مقصودًا لا يجوز بيعه مع غيره، والثانى: يجوز؛ لأنه داخل في العقد عند الاطلاق فلا يضر التنصيص عليه، كما لو قال بعتك هذا الجدار وأساسه؛ والفرق ظاهر، ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْحملِ وَحدَهُ، لما مَرَّ في النهي عن بيع الملاقيح، ولا الْحَامِلِ دُونَهُ، أي دون الحمل؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد، فلا يجوز أستثناؤه كأعضاءِ الحيوان، ولا الْحَامِلِ بِحُرٍّ، لأن الحمل لا يدخل والحالة هذه في البيع، فكأنه استثناه، وَلَوْ
بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا، أي من غير شرط يدل على الدخول أو عدمهِ، دَخَلَ الْحملُ فِي الْبَيْع، تبعًا له، ومحلهُ إذا كان مملوكًا لمالك الأمِّ وإلا فيبطل.
فَصلٌ: وَمِنَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا لا يُبْطِلُ (•) لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعنَى يَقْتَرِن بِهِ: كَبَيْع حَاضِرٍ لِبَادٍ؛ بأن يَقْدُمَ غَرِيبٌ، أي سواء كان بدويًا أو قرويًا، بِمَتَاع تَعُم الحَاجَةُ إلَيهِ لِيَبِيعَهُ بِسعرِ يَوْمهِ، فَيَقُولُ بَلَدي؛ اُتْرُكْهُ عِنْدِي لأبِيعَهُ عَلَى التدرِيج، أي شيئًا فشيئًا، بِأَغْلَى، هذا النهي متفق عليه 1، ويشترط أن يكون عالمًا بالنهي وهو عام في جميع المناهي، وتقييد القادم بالغريب والترك بكونه عنده لا أَثَرَ لَهً، والبادي: مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ وفي معناه كل جالب من تركي وغيره، واحترز بقوله (تَعُمُّ الْحَاجَة إِلَيْهِ) عما لا يحتاج إليه إلّا نادرًا فإنه لا يحرم؛ وبقوله (لِيَبِيعَهُ بِسعرِ يَوْمِهِ) عما لو قصد بيعَهُ على التدريج.
وَتَلَقِّيَ الركْبَانِ: بِأن يَتَلَقى طَائِفَةً يَحمِلُون مَتَاعًا إِلَى الْبَلَدِ فَيَشْتَرِيهِ قَبْلَ قُدُومِهِم وَمَعرِفَتِهم بِالسِّعرِ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 2، قال ابن المنذر: ولا بأس (•) تضبط بضم الياء وكسر الطاء، ويجوز فتح الطاء مع الياء: يُبطَلُ، وعكسه أي يَبطُلُ.
قاله الشربيني في مغني المحتاج: ج 2 ص 35.
بالتلقي في أول السوق ومعرفتهم بالسعر.
فَرْعٌ: خروجه لأمر آخر من اصطياد ونحوه كالتلقى على الأصح.
وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبنَ، للنص الصحيح فيه، وقياسه ثبوته إذا أُخبر عن ثمن السلعة، ثم بان كذبه، لكن نصَّ القاضى في تعليقه على أنه لا خيار، لأنه ضيَّع حقه حيث اعتمد قوله فيه 1، وَالسومِ عَلَى سَوْمِ غَيرِهِ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 2، وَإِنمَا يَحرُمُ ذَلِكَ بعدَ اسْتِقْرَارِ الثمَنِ، أي وحصول التراضي صريحًا 3، وَالْبَيْع عَلَى بَيْع غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ، أي وهو زمن خيار المجلس والشرط، بِأن يأمُرَ الْمُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لَيَبِيعَهُ مِثْلَهُ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 4، نعم لو أذن البائع في البيع على بيع أخيه ارتفع التحريم على الصحيح، وَالشرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ، أي قبل لزومه، بِأن يَامُرَ البَائِعَ بِالفَسْخ لِيَشْتَرَيهُ، هذا النهي متفق عليه أيضًا 5، وَالنجَشِ
بِأَن يَزِيدَ فِي الثمَنِ لا لِرَغْبَة بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ، وهذا النهي متفق عليه أيضًا 1، وقيَّد ابن الرفعة الزيادة في الثمن بالزيادة على ما تساويه العَين وفيه نظر، وَالأصَحُّ أَنهُ لا خِيَارَ، أي للمشتري لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة، والثانى: له الخيار للتدليس كالتصرية، ومحل الخلاف ما إذا كان ذلك بمواطأة من البائع، فإن لم تكن فلا خيار، وَبَيْعُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ، أي وكبيع الرطب والعنب، لِعَاصِرِ الْخَمرِ، هذا النهي روي بسند ضعيف 2، نعم: يُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام لَعَنَ بَائِعها وَمُبْتَاعَها 3، ووجهه: أنه يدل على النهي عن التسبب إلى الحرام وهذا منه.
فَرعٌ: ولو قصد بيع مال اليتيم وقت النداء يوم الجمعة فدفع من عليه الجمعة فيه دينارًا ودفع من لا عليه جمعة نصف دينار، قال الروياني: فيحتمل أن يباع مِمَّن لا جمعةَ عليهِ لكى لا يقع الآخر في المعصية، ويحتمل أن يباع ممن يجب عليه نظرًا = مسلم في الصحيح: كتاب النكاح: باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه: الحديث (53/ 1413). ولفظ البخاري: [ولا يَزِيدَن عَلَى بَيْع أَخِيْه] في الصحيح: كتاب الشروط: باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح: الحديث (2723).
لليتيم، ولو كانت المسألة في العصير وباذل الزيادة يريد جعله خمرًا ترتب على الأولى، فإن جوزنا فيها جاز هنا، وإلّا احتمل أن يقال هنا يباع بالأكثر، والفرق أن الكراهة في مسألة العصير للتنزيه.
وَيَحرُمُ التفْرِيقُ بَيْنَ الأمِّ وَالْوَلَدِ، لِئَلَّا يَتَوَلَّه 1، نَعَم؛ لو رضيت، فالتحريم باقٍ رعاية لحق الولد، والأبُ كَالأم؛ وَأُم الأمِّ عِنْدَ عَدَمِها كَالأمِّ، ولا يحرم التفريق بينه وبين سائر المحارم كالأخ والعم على الأصح، والجد للأم هل هو كالجد للأب أو كالمحارم فيه تردد، ولو كانت رقيقة والولد حرًا أو عكسه فلا منع من بيع الرقيق؛ قاله المتولي.
فرعٌ: لا يحرم التفريق بالعتق والوصية على الأصحِّ.
فَرعٌ: لو أسلم الأب الملوك وتخلفت الأم وبينهما صغير والمالك كافر، أمر بإزالة الملك في الوالد والولد الصغير وجاز التفريق للضَّرورةِ، قاله في الاستقصاء، فلو مات الأب قبل اتفاق البيع فالظاهر أن الولد يباع أيضًا.
حَتى يُمَيِّزَ، لأنه لا يستغني حينئذ عن التعهد والحضانة، وسواء حصل التمييز قبل سبع سنين أو بعدها، وأحسن ما قيل في سن التمييز أن يصير الطفل بحيث يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجى وحده، وَفِي قَوْل: حَتى يَبْلُغَ، لنقصان تمييزه قبل البلوغ، ونقله الشيخ أبو حامد عن نصه في الأم وفي الإِبَانَةِ هو الجديد، أما بعد البلوغ فجائز قطعًا خلافًا لأحمد.
وَإِذَا فرقَ بِبَيْع أَوْ هبةٍ، أي أو نحوهما كمقاسمة، بَطَلَا فِي الأظْهرِ، لعدم القدرة على التسليم شرعًا، والثاني: لا؛ لأن النهي لما فيه من الاضرار لا لخلل في نفس المبيع، ومحل الخلاف بعد سقي الولد اللبأ، أما قبله فلا يصح جزمًا، زاد
الماوردي على سقى اللبأ وَأَن يَجِدَ مرضِعَة تُتِمُّ رِضَاعَهُ 1. ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَربونِ بِأَن يَشْتَرِيَ وَيعطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُون مِنَ الثمَنِ إِن رَضِيَ السِّلْعَةَ، وِإلا فَهِبَة، للنهي عنه كما أخرجه مالك وغيره 2. فَصلٌ: بَاعَ خلًّا وَخَمرًا، أوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ عَبْدَ غْيِرِهِ، أي أو باع عبده وعبد
غيره، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيرِ إِذْنِ الآخَرِ، أي وهو الشريك، صَح فِي مِلْكِهِ فِي الأظْهرِ، لأن الصفقة اشتملت على صحيح وفاسد فاعطى كل منهما حكمه، والثانى: البطلان، قال الربيع: وإليه رجع الشافعى آخرًا، ولم يطلع على ذلك الرافعي والمصنف، وعلة البطلان إما لغلبة الحرام أو لجهالة ما يخص كلا منهما عند العقد، ولو عبر بقوله باع حلالًا وحَرَامًا لكان أحصرُ وأخصُّ، واحترز بقوله: بِغَيْرِ إِذْنِه عما إذا أذن، فإنه يصح جزمًا ولا يصح عوده إليه وإلى عبد الغير معًا، لأنه إذا أذن له فباعه مع عبده وفَصَّل الثمن صح جزمًا لتعدد الصفقة، وإلّا فالظاهر هو البطلان، ويستثنى من هذه القاعدة فروع ذكرتها في الأصل فراجعها، فَيَتَخَيرُ الْمشْتَرِي إِن جَهِلَ، لضرر التبعيض وهو على الفور، لأنه خِيَارُ نَقْصٍ، فإن كان عالمًا فلا لتقصيره، فَإن أَجَازَ فَبِحُصتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى بِاعتِبَارِ قِيمَتهمَا، لأنه أوقع الثمن في مقابلتهما حميعًا، ولا يلزمه في مقابلة أحدهما إلّا قسط، نَعَم؛ لو كان الحرام غير مقصود كالدم فيظهر أن الاجازة بالكل كما قالوه في النكاح والخلع، وَفِي قَوْلِ: بِجَمِيعِهِ، لأن غير المملوك لاغٍ، فيقع الثمن في مقابلة المملوك، ومحل الخلاف في غير الربويات، أما الربويات فيخير فيها بالقسط قطعًا، لأن الفضل بينهما حرامٌ، ولا خِيَارَ لِلْبَائِع، لأنه المفرِّط حيث باع ما لا يملكه وطمع في ثمنه.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الآخِرِ عَلَى المَذْهبِ، أي وإن لم يقبضه؛ لانتفاء العلتين السالفتين وهما الجمع دين حلال وحرام وجهالة الثمن، وقيل: القولان تسوية بين الفساد المقرون بالعقد والطارئ قبل القبض كما سوينا بينهما في الرد بالعيب، بَلْ يَتَخيرُ، لفوات مقصوده، فإن أَجَازَ فَبِالْحصةِ قَبلَ الْقَبضِ قَطْعًا، لأن الثمن وجب في مقابلتهما في الابتداء فلا ينصرف إلى أحدهما بالدوام، كذا قطع به المصنف تبعًا لِلْمُحَرَّرِ، وعن أبي اسحاق المروزي طرد القولين فيه حكاه الرافعي.
وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةِ مُخْتَلِفَيّ الْحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْع أَوْ سَلَمٍ صَحَّا فِي الأظهرِ،
وَيُوَزعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتهمَا، قياسًا على ما إذا باع ثوبًا وشقصًا من دار، فإنه يجوز وإن اختلفا في حكم الشفعة، واحتجنا إلى التقويم بسببها، والثاني: البطلان، لأن اختلاف الأحكام يغلب على الظن وقوع الانفساخ في أحدهما وذلك يجر جهلًا إلى العوض، ومحل الخلاف أن يكون العقدان لازمين، فلو جمع بين بيع وجعالة لم يصح قطعًا، ذكره الرافعي في المسابقة، ويرد على تعبير المصنف إذا باع شقصًا وثوبًا من دار فإنه صحيح قطعًا مع اختلافهما في الحكم كما سلف وغيره مما هو موضح في الأصل، أَوْ بَيْعٍ وَنكَاحٍ صَحَّ النِّكَاحُ، لأنه لا يفسد بفساد الصداق، وَفي الْبَيْعِ وَالصدَاقِ القَوْلانِ، تقدما بتعليلهما.
وَتَتَعددُ الصفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثمَنِ كَبِعتُكَ ذَا بِكَذَا وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِع، أي كبعناك هذا بكذا، وَكَذَا بِتَعَدُّدِ الْمُشترَى، أي كبعتكما هذا بكذا، في الأظْهرِ، قياسًا على البايع، والثاني: لا، لأن المشتري يبني على الايجاب السابق، وَلَوْ وَكلَاهُ أَوْ وَكلَهُمَا فَالأصَحُّ اعتِبَارُ الْوَكِيلِ، لأن أحكام العقد تتعلق به، والثاني: اعتبار الموكل؛ لأن الْمِلْكَ لَهُ.
بَابُ الخيَارِ
يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي أَنْوَاع الْبَيْع، كَالصرفِ؛ وَالطعَامِ بِطَعَامٍ؛ وَالسلَمِ؛ وَالتوْلِيَةِ؛ وَالتشريكِ؛ وَصُلْح الْمُعَاوَضَةِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ اختر] متفق عليه 1، وفي رواية البيهقى [حَتى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا] 2،
واحترَز بالمعاوضة عن صلح الْحَطِيْطَةِ 1 فإنه لا خيار فيه، لأنه إن ورد على دين فإبراء، أو على عين فهبة، والصلح على المنفعة ودم العبد لا خيار فيهما قاله القاضي، ولا خيار في القسمة والحوالة على الأصح وإن جعلناهما بيعًا، ولا في بيع العبد من نفسه على الأصح.
وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعتِقُ عَلَيْهِ، فإن قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِع؛ أَوْ مَوْقُوفٌ، فذَلَهُمَا الْخِيَارُ، لوجود المقتضى له بلا مانع، وَإِن قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي؛ تَخيرَ الْبَائِعُ، لما سبق، دُونَهُ، لأن مقتضى ملكه له أن لا يتمكن من إزالته وأن يترتب عليه العتق فلما تعذر الثاني بقى الأول، ولا خِيَارَ فِي الإبرَاءِ وَالنكَاح وَالْهِبَةِ بِلا ثَوَابٍ، أي وهى التي صرح بنفيه عنها لانتفاء اسم البيع عنها، وَكَذَا ذَاتُ الثوَابِ، أي بعد قبض الموهوب، لأنها لا تسمى بيعًا، والنص ورد في المتبايعين، وَالشفْعَةُ، لأن المأخوذ منه لا خيار له وتخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين بعيد، وَالإجَارَةُ، لأنها عقد غرر إذ هو عقد على معدوم، والخيار غرر ولا يضمُّ غررٌ إلى غرر، وَالْمُسَاقَاةُ، كالإجارَةِ، وَالصَّدَاقُ، لأن المال تبع في النكاح لا مقصود، فِي الأصَحِّ، أي في المسائل الخمس، والثانى: أن الخيار ثابت في الجميع، أما في الهبة: فلأن الأصح أنها بيع اعتبارًا بالعنى، وأما في الشفعة: فلأن الأخذ بها ملحق بالمعاوضات بدليل الردِّ بالعيب، وهو ما صححه الرافعي في بابها، وأما الإجارة: فلأنها معاوضة لازمة = مِنْ رَجُلٍ بَيعًا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ حَتى يَتَفَرقَا مِنْ مَكَانِهِمَا، إِلَّا أنْ يَكُونَ صفَقَة خِيَارٍ، ولا يَحِل لأحَدٍ أنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ مَخَافَةَ أن يُقِيْلَهُ].
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب البيوع: باب المتبايعان بالخيار: الحديث (10586).
فأشبهت البيع، وصحح المصنف في تصحيحه ثبوت الخيار في الإجارة المتعلقة بالزمان، وأما الْمُسَاقَاةُ: فكذلك أيضًا، وأما الصَّدَاقُ: فلأنه عقد مستقل.
وينْقَطِعُ، أي الخيار، بِالتخَايُرِ بِأَن يَخْتَارَا لُزُومَهُ، أي وكذا لو قال أبطلنا الخيار أو أفسدناه على الأصح في شرح المهذب، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا، أي لزومه، سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ للآخَرِ، كخيار الشرطِ، وَبِالتفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا، للحديث السالف، وخرج بالبدن التفرق بالسروح، فإنه لا يبطل، نعم؛ لو حمل أحدهما مكرهًا لم يبطل خياره على الأصح، فَلَوْ طَالَ مُكثُهُما أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيًا مَنَازِلَ دَامَ خِيَارُهُمَا، لعدم التفرقِ، وَيُعتَبَرُ فِي التفَرُّقِ الْعُرفُ، أي فما عده الناس تفرقًا لُزِمَ به وإلّا فلا، لأن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف والعادة.
وَلَوْ مَاتَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ جُنَّ فَالأصَحُّ انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَليِّ، كخيار الشرط والعيب، والثانى: لا؛ بل يسقط، أما في الموت: فلأنه أبلغ من مفارقة البدن، وأما في الجنون: فلأنه في معناه، وقوله: الأصَحُّ صوابه الأظهر في الأُولى كما في الروضة، والصحيح في الثانية كما في شرح المهذب.
فَرعٌ: الإغماء كالجنون.
وَلَوْ تَنَازَعَا فِي التفَرُّقِ، أي بأن جاءا معًا وقال أحدُهما: تفرقنا، وأنكر الآخر، وأرادا الفسخ، أَوِ الفَسخ قَبْلَهُ، أي بأن اتفقا على التفرق وقال أحدُهما: فسخت قبله، وأنكر الآخر، صُدِّق النافِي، أي بيمينه عملًا بالأصل.
فَصْلٌ: لَهما وَلأحَدِهِمَا شَرطُ الْخِيَارِ، بالإجماع، في أَنْوَاع الْبَيْع، كبيع الحيوان والعقار وغيرهما، أما غير البيع كالفسوخ والنكاح والطلاق والعتق والابراء والإجارة فلا.
فَرع؛ يجوز شرطه أيضًا كالاجنبى على الأظهر.
إِلَّا أَن يَشْتَرِطَا الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ كَرَبَوِيٍّ وَسَلَم، أي فإنه لا يجوز شرطه
فيه لأنه إذا امتنع الأجل امتنع الخيار بطريق أَولى، قُلْتُ (•): ولا خيار أيضًا في الحوالة وإن جعلناها بيعًا، ولا فيما إذا اشترى من يعتق عليه أن ينفرد به، ولا خيار في المصراة أيضًا للبائع، لأنه يمنع من الحلب وترك الحلب يَضُرُّ بِالبَهِيْمَةِ، وَإنمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَغلُومَةٍ، نفيًا للغرر، لا تَزِيدُ عَلَى ثَلاثةِ أيامٍ 1، لاندفاع الحاجة بها غالبًا، فلو زاد عليها بطل العقد، ولا يخرج على تفريق الصفقة لوجود الشرط الفاسد وهو مبطل للعقد، قُلْتُ: ويشترط أيضًا أن تكون المدة متصلة بالعقد، وأن يكون المبيع لا يفسد فيها.
وَتُحسَبُ، أي ابتداء المدة، مِنَ الْعَقْدِ، أي إذا أطلقا، لأنه ثبت بالشرط الموجود في العقد، وَقِيلَ: مِنَ التفَرُّقِ، لأن الجمع بين خيارين متماثلين في وقت واحد لا معنى له، ونسبه الماوردي إلى الجمهور وقال الإمام: ميل النص إليه أكثر، وَالأظْهرُ، أن في خيار المجلس والشرط، أَنهُ إِن كَان الْخِيَارُ لِلْبَائِع، فَمِلْكُ الْمَبِيع لَهُ، وَإن كَان لِلْمُشتَرِي فَلَهُ، لأنه إذا كان الخيار لأحدهما كان هو وحده متصرفًا في المبيع ونفوذ التصرف دليل على الملك، وَإن كَان لَهُمَا فَمَوْقُوفٌ، لأنهما قد تساويا، فَإن تَم الْبَيْعُ بَان أنهُ لِلْمشترِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَإلَّا فَلِلْبَائِع، والثاني: أن المِلْكَ للمشتري مطلقًا لتمام البيع بالصيغة، والثالث: أنه للبائع مطلقًا استصحابًا لما كان، وتظهر فائدة الخلاف في الاكساب وما في معناها.
وَيَحصُلُ الْفَسْخُ وَالإجَارَةُ بِلَفظٍ يَدُل عَلَيْهِمَا: كَفَسَخْتُ الْبَيْعَ؛ وَرَفَعتُهُ؛ (•) في نسخة (3): فَرعٌ.
وَاسْترجعتُ الْمَبِيعَ، وَفِي الإجَارَةِ: أَجَزْتُهُ؛ وَأَمضَيْتُهُ، أي وكذا رددت الثمن ونحو ذلك، وَوَطء الْبائِع وَإِعتَاقُهُ فَسْخٌ، لإشعار الأول باختيار الإمساك وتضمن الثاني الفسخ، وهذا إذا كان الخيار له، وخرج بالوطء مقدماته، ويستثنى وطء البائع أو المشتري الخنثى المشكل فإنه ليس فسخًا ولا إجازة فإن اختار الأنوثة بعده تعلق الوطء السابق بالحكم، وفي كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف: أنه إذا اعتق أحدهما في المجلس ارتفع الخيار، وكذا إذا أوقفها فيه، وكذا إذا أتلف السلعة بأيِّ جنايةٍ كانت؛ هذا لفظُهُ ومنهُ نقلتُهُ.
وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الأصَح، لدلالتها على ظهور الندم، والثاني: لا، لأن الأصل بقاء العقد فيستصحب إلى أن يوجد الفسخ صريحًا، وَالأصَحُّ: أَن هذِهِ التصَرفَاتِ، أي الوطء وما ذكر بعده، مِنَ المشتَرِي إِجَازَةٌ، لأن وطء البائع اختيار للمبيع فكذا وطئ المشتري، والثاني: لا، لأن الفسخ بالعيب لا يمنعه الوطء فكذا هنا، ومحل الخلاف إذا لم يأذن له البائع فيه، فإن أذن ووطئ كان إجازة منهما قطعًا، وكذلك الإذن في البيع والعتق وغرهما، وَأن العَرضَ عَلَى الْبَيْع وَالتوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِع ولا إِجَازَةً مِنَ الْمُشْتَرِي، لأنها لا تقتضى إزالة ملك وليست بعقود لازمة، والثاني: نعم قياسًا على الرجوع عن الوصية.
فَضلٌ: لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ، بالإجماع، كَخَصَاءِ رَقِيقٍ، لأن الفعل يصلح لما لا يصلح له الخصي والجب كالخصي، والخصاء في البهيمة عيبٌ، قاله الجرجاني في شافيه وهو وارد على المصنف، وَزِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ وَإبَاقِهِ، أي ذكرًا كان أو أنثى أقيم عليه الحد أو لا، تكررت منه أم لا، صغيرًا كان أو كبيرًا، واستثنى الهروي الصغر، وَبَوْلهِ بِالْفِرَاشِ، أي إن كان كبيرًا وهو ابن سبع كما في التهْذيبِ، أو يكون مثله يحترز عنه كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، ذكرًا كان أو أنثى والأصح اعتبار مصيره عادة، وَبَخَرِهِ، أي الناشئ من تغير العدة دون ما يكون من قلح الأسنان، فإن ذلك يزول بتنظيف الفم، وَصِنَانِهِ، أي المستحكم دون ما يكون لعارض عرق ونحوه، وَجِمَاحِ الدابةِ، أي وهو امتناع ركوبها، وَعَضِّها،
وَكُل مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقيمَةَ نَقْصًا يَفُوُتُ بِهِ غَرضٌ فصَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ الْمَبِيع عَدَمُهُ، هذا ضابط يكتفى به عن تفصيل العُيوبِ، فإنه لا مطمع في استيفائها وهو للإمام رحمه الله فيدخل في نقصان العين الخصاءُ وقطعُ الأنملةِ، واحترز بقوله (غَرَضٌ صَحِيْحٌ) عما لو قطع من فخذه أو ساقه قطعة يسيرة لا يفوت بها غرض، وهذا قيد في نقصان العين فقط، وخرج بقوله (إِذَا غَلَبَ في جِنْسِ الْمَبِيع عَدَمُهُ) الثيوبة في الأمَةِ الكبُيرةِ ويمكن أن يرد هذا القيد إلى العين، ويحترز به عن قلع الأسنان في الكبير؛ فإنه لا يُردُّ به بلا شك، قال في المطلب: وكذا لا رَدّ ببياض الشعر في الكببر، قال في الاستقصاء: وكذا بقطع الأنف؛ لأنه لا يخفى ولا يَخْلُو ما ذكره عن احتمال لجواز أن يخفى تَأمُّلُهُ لِدَهْشِهِ، سواءٌ قَارَن الْعَقْدَ، هذا هو المجمع عليه كما سلف، أَم حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، لأن المبيع والحالة هذه من ضمان البائع فكذا جزؤه وصفته؛ [هذا إذا كان التعيب بصفة سماوية] (•).
وَلَوْ حَدَثَ بعدَهُ، أي بعد القبض، فلا خِيَارَ، لأنه بالقبض صار من ضمانه فكذا جزؤه وصفته، إلّا أَن يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبِ متقدِّمٍ، أيْ على القبض أو العقد، كقَطْعِهِ بِجِنَايةٍ سابقَةٍ، أي كسرقة، وكذا زوال بكارة بزواج متقدم واستيفاء الحد بسياط، فَيَثْبُتُ الرَّدُّ في الأصَح، أيْ إذا كان جاهلًا بالسبب ويكون من ضمان البائع إحالة للهلاك على السبب، والثانى: لا يثبت؛ لأنه قد يتسلط على التصرف بالقبض فيدخل المبيع في ضمانه أيضًا، لكن يرجع على البائع بالارش وهو ما بين [قيمته] (•) مستحق القطع وعير مستحقه وهذا ما نصَّ عليه فى الإِملاء، والأولُ هو منصوصُ في الأُمِّ فوجب التعبير بالأظهر، أما إذا كان عالمًا فليس له الرد ولا أرش لدخوله في العقد على بصيرة، بِخِلًافِ مَوْتِهِ بِمَرَضٍ سابق فِي الأصَحِّ، لأن المرض يتزايد فيحصل الموت بالزائد فلا يتحقق إضافته إلى السابق، وقيل: فيه الخلاف في الصورة التي قبلها.
وكان ينبغي له التعبير بالمذهب، والأصح القطع بما قدمته، ثم (•) ما تحته خط موجود في النسخة (1) فقط.
قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وضعناه في هذه النسخة الإلكترونية بين معكوفتين
كلامه يوهم أن الخلاف في هذه الصورة في الرد، وليس كذلك فإنه قد تعذر بموته، وإنما الخلاف في أن المبيع من ضمان البائع حتى ينفسخ أم لا.
وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابِقَةٍ ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ، لأن التلف حصل بسبب كان في يده فأشبه ما لو باع عبدًا مغصوبًا فأخذه المستحق منه، والثاني: يضمنه المشتري؛ لأن القبض سلطه على التصرف، ولا يخفى أن الكلام بعد القبض، فإن كان قبله انفسخ قطعًا، وأن محلَّ الخلاف حالة جهل المشتري بحاله، فإن كان عالمًا فلا يرجع بشيء.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَالأظْهَرُ: أَنهُ يَبْرَأُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالْحَيْوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ، أي غير الحيوان كالعقار فلا يَبْرَأ في شيء منه، وغير الباطن من الحيوان، فلا يَبْرأ من شيءٍ ظاهرٍ بالحيوان، وغير الذي لم يعلمه من باطن الحيوان فلا يَبْرأ مما علمه وإن كان باطنًا، لأن الحيوان يتغذى بالصحة والسقم فَقَلَّ ما ينفكُّ من عيب خفي فيحتاج البائعُ إلى الشرطِ ليثقَ باستقرار العقد، وبخلاف المعلوم للبائع فإنه بإخفائه مدلس، وَالظَّاهِرُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ في حُكمِ الْمَعْلُومِ لسهولة الاطلاع عليه، والقول الثاني: يبرأُ مطلقًا عملًا بالشرط، والثالث: لا مطلقًا، لأنه خيارٌ ثَابِتْ بِالشَّرْعِ فلا ينتفى بالشرط كسائر مقتضيات العقد، وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، أي عند إطلاق الشرط، لانصرافه إلى الموجود عند العقد، وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، لأنه إسقاط للشيء قبل ثبوته فلم يسقط كما لو أبرأهُ عن ثمن ما يبيعه له،.
والثاني: يصح بطريق التبع، والثالث: إن أفرد ما لم يحدث لم يصح أو ضم إليه القديم فيصح تبعًا، وَلَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِى، أي بآفة سماوية وغيرها، أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالأرْشِ، لِتَعَذُّر الرَّدِّ إذ لا مردودَ، ولا يمكن إسقاطُ حق المشتري، فرجعنا إلى الأرش، وينبغي أن يكون مرادهُ العبد المسلم، أما الكافر فلا، لأنه لم ييأَس من الردِّ، فإنه قَدْ يلتحقُ بدار الحرب فَيُسْتَرَقُّ ثم يعود إلى ملكهِ واليَأْسُ هو العِلَّةُ الصحيحة كما ستعلمه.
فَرْعٌ: الاستيلادُ والوقفُ كالعِتْقِ.
فَرْعٌ: لو اشترى عبدًا بشرطِ العتقِ ثُمَّ وَجَدَ بهِ عيبًا بَعْدَمَا أعتقَهُ فَلَهُ الارشُ على ما رآه ابن كج، وكذا إذا اشترى من يعتق عليه ثم وجد به عيبًا.
فَرْعٌ: لو كان المبيعُ التالفُ ربويًا قَدْ بِيْعَ بمثله من جنسه ففي إثباتِ الرجوعِ وجهان، ومقتضى إطلاق المصنف ثبوتُهُ.
وَهُوَ، أي الأرش، جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ، أي من ثمن المبيع، نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ، أي نِسْبَةُ ذلك الجزء إلى الثمن نسبة، مَا نَقَصَ الْعَيْبُ، أي مثل نسبة الذي نقصَهُ الْعَيْبُ، مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَان سَلِيمًا، أي المبيع إلى تمام قيمة السليم كما ذكره في الْمُحَرَّرِ، مثاله: كانت القيمة مائة دون العيب وتسعين معه فالتفاوت العشر فيكون الرجوع بِعُشْرِ الثَّمَنِ؛ فإذا كان بمائتين فبِعُشْرَيْنِ أو بخمسين فبخمسه.
وَالأَصَحُّ اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ، أي المبيع، مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ، لأن القيمة إن كانت يوم البيع أقل فالزيادة حدثت في ملك المشتري وإن كانت يوم القبض أقل فما نقص من ضمان البائع، وكان ينبغي للمصنف أن يعبر بالمذهب كما عبر به في الروضة.
فإن هذا المذكور هو أصح الطريقين على القطع بهذا، وقيل: في المسألة ثلاثة أقوال؛ أحدهما: هذا، وثانيها: يوم القبض، وثالثها: يوم البيع، ثم كلامه أيضًا يقتضى اعتبار النقصان الحاصل بين العقد والقبض، وقد صرح به في الدَّقَائِقِ 1 وبأنه غيَّر عبارةَ الْمُحَرَّرِ لأجل ذلك، وفيه نظر: لأن النقصان الحادث قبل القبض إذا زال قبل القبض لا يثبت للمشتري الخيار فكيف يكون مضمونًا على البائع؟ ! وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ الْمَبِيعِ، أيْ واطلع على عيب بالمبيع، رَدَّه وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ، أي إذا كان مثليًا، أَوْ قِيمَتَهُ، أي إن كان متقومًا كغيره.
فَرْعٌ: خروجه عن مِلْكِهِ بالبيع ونحوه كتلفه.
وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَلاَ أَرْشَ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم ييأس من الرد فربما عاد إليه فرده، وقيل: لأنه استدرك الظُّلاَمَةَ وروَّج كما روَّج عليه، وهذه العلَّة نقلها في البيان عند الأكثرين، لكنه مخالف لما في المهذب وغيره من كون الأكثرين على أن العلَّة الأُولى، والثاني: له الأرش كما لو مات، وقوله الأصح صَوَابُهُ المشهور كما عبَّر به في الروضة، فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ فَلَهُ الرَّدُّ، لزوال التعذر وتبين أنه لم يستدرك الظُّلاَمَةَ.
وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بَعَيْبٍ، أي بأن عاد بإرثٍ أو هبة ونحوهما، فَلاَ رَدَّ، لزوال الاستدراك حينئذ، وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ، لأن الأصل في البيع اللزوم، فإذا أمكنه الرد وقصَّر لزمه حكمه، وهذا في الأعيان، أما الموصوف إذا قبض وظهر به عيبٌ فلا يعتبرُ الفورُ إن قلنا لا يملك إلا بالرضى إذ الملك موقوف عليه، وكذا إذا قلنا يملك بالقبض على الأوجه كما قاله الإمام ونقله الرافعي في الكتابة وأقرَّةُ، لأنه ليس معقودًا عليه وإنما يثبت الفور فيما يؤدي رده إلى دفع العقد ابقاءًا للعقد، ويستثنى من كلام المصنف أيضًا قريبُ العهد بالإسلام إذا ادَّعى الجهل بأن له الردّ، ومن ادعى أنه لا يعرفه على الفور لخفائه على العوام، قال في الروضة: إنما يقبل ممن يخفى على مثله، فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ أي فلا يؤمر بالعَدْوِ والركض لِيَرُدَّهُ، فَلَوْ عَلِمَهُ وَهُوَ يُصَلِّي، أي فرضًا أو نفلًا، أَوْ يَأْكُلُ، أي أو يقضي حاجته، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، لأنه لا يُعَدُّ مقصرًا، أَوْ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ، لما قَرَّرْنَاهُ من عدم التقصير.
فَرْعٌ: لو وجد عيبًا بعد الحول فبادر إلى إخراج الزكاة من غيرها عند ظهور العَيْبِ حتى يتخلص من حق الغير ولم يتطاول الزمان هل له الرد؟ فيه وجهان؛ أحدهما: نعم لقرب الزمان، والثاني: لا، لأن إخراج الزكاة اشتغال بغير الرد قاله الرويانى.
فَإِنْ كان الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيْلُهُ، أي عليه إذا لم يحصل
بالتوكيل تأخير، أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ، لأنه قائم مقامه، وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ فِهُوَ آكَدُ، لأن المالك ربما أحوجه في آخر الأمر إلى المرافعة إليه، فيكون الإِتيان إليه أولًا فاصلًا للأمر قطعًا، قال الرافعي: والتخيير المذكور هو الذي فهمته من كلام الأصحاب، وقال الإمام: المذهب إن العدول إلى الحاكم مع وجود المردود عليه تقصير، قال صاحب المطلب: وإذا علم المشتري بحضرة أحدهم كان التأخير للآخر تقصيرًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، أي عن البلد، رَفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ، أي لا يؤخر لقدومه ولا للمسافرة به، وظاهر إطلاق المصنف يشمل الغيبة القريبة أيضًا لما فيه من الحرج.
وَالأصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الاِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ، أي على طلبه، إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الْحَاكِمِ، لأنه المقدور عليه، والثاني: لا، لأنه إذا كان طالبًا للبائع أو الحاكم لا يعد مقصرًا، وصرح الغزالي بإشهاد اثنين وهو احتياط كما في المطلب لأن الواحد مع اليمين كافٍ، وقوله: حتى ينهيه، يقتضى وجوب الذهاب، لكن إذا أشهد على الفسخ نفدَ 1 لأنه لا يتوقف عندنا على خصم ولا على قاضٍ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الاِشْهَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الأصَحِّ، لأن الكلام الذي يقصد به إعلام الغير ما في النفس يبعد إيجابه من غير سامع، والثاني: يلزمه، ونقله في التتمة عن عامة الأصحاب ليبادر بحسب الإمكان.
وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الاِسْتِعْمَالِ فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا، أي البرذعة في سيره للرد أو في المدة حتى التي يُغتفر التأخير إليها، بَطَلَ حَقُّهُ، أي إذا لم يحصل بنزعه ضرر للدابة لإشعاره بالرضى، ولو خدمه وهو ساكت فظاهر كلام المصنف أنه لا يؤثر، لكن ظاهر كلامه أن مجرد الاستخدام يؤثر وإن لم يوجد؛ وفيه نظر.
وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوحٍ يَعْسُرُ سَوْقُهَا وَقَوْدُهَا، للحاجة فلو لم تكن جموحًا فلا يعذر كما لو لبس الثوب للرد.
وَإِذَا سَقَطَ رَدَّهُ بِتَقْصِيرٍ فَلاَ أَرْشَ، لأنه هو
المفوت بتقصيره.
وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، أي بجناية أو آفة، سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا، لما فيه من الإضرار بالبائع، لأنه أخذه بعيب فلا يرده بعيبين، نعم لو علم العيب القديم بعد زوال الحادث رده عليه على الصحيح، ونسيان القُرْآنِ والحِرْفَةِ بِمَثَابَةِ الْعَيْبِ لنقصان القيمة، ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ، أي بلا أرش عن الحادث، رَدَّهُ، على الصحيح، الْمُشْتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ، أي بلا أرش عن القديم كما لو لم يحدث عيب، وَإِلَّا، أي وإن لم يرضَ البائع به، فَلْيَضُمَّ الْمُشْتَرِي أَرْشَ الْحَادِثِ إِلَى الْمَبِيعِ وَيَرُدَّ أَوْ يَغْرَمْ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ، وَلاَ يَرُدُّ، لأن كلًا من المسلكين فيه جمع بين المصلحتين، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا، أي على أحد هذين المسلكين، فَذَاكَ، لأن الحق لهما، وَإِلَّا أي وإن تنازعا فدعا أحدهما إلى الرد مع أرش الحادث والآخر إلى الإمساك وغرامة الأرش القديم، فَالأصَحُّ إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الإِمْسَاكَ، أي والرجوع بأرش العيب، سواء كان هو البائع أم المشتري، لما فيه من تقرير العقد، والثاني: يجاب البائع، لأنه إما غارم أو آخذ ما لم يرد العقد عليه، والثالث: يجاب المشتري، لأن البائع قد لبَّسَ عليه.
فَرْعٌ: لو اطلع على عيب الثوب بعد صبغه فأراد البائع إعطاء الأرش وأراد المشتري رد الثوب وأخذ قيمة الصبغ أو عكسه فالمجاب البائع على الأصح.
وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ الْمُشْتَرِيُ الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالْحَادِثِ لِيَخْتَارَ، أي هل يقبله بالأرش أم لا، فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلاَمَهُ بِلاَ عُذْرٍ فَلاَ رَدَّ وَلاَ أَرْشَ، كما في الرد بالعيب حيث جوزناه.
نعم لو كان الحادث قريب الزوال غالبًا كالرمد والحمى فلا يعتبر الفور على أحد القولين بل له انتظار زواله ليرده سليمًا عن العيب الحادث.
وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لاَ يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ، أو وهو بيض النعام، وَرَانِجٍ، بكسر النون وهو الجوز الهندي، وَتَقْوِيرِ بَطِّيخٍ مُدَوَّدٍ رُدَّ، كالمصرات، وَلاَ أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ، لأن البائع سلطه على كسره إذ لا يعلم عيبه إلا به فهو معذور في تعاطيه.
والثاني: يردُّ ويردُّ معه الأرش رعايةً للجانبين، والثالث: لا يرد
أصلًا كسائر العيوب الحادثة، أما بيضُ الدجاج المذرة والبطيخ المدود كله أو المعفن؛ فإنه يرجع بجميع الثمن ويلزم البائع بتنظيف المكانِ، وتبين فساد البيع لوروده على غير متقوم، فَإِن أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلِّ مِمَّا أَحْدَثَهُ فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ، لعدم الحاجة إليه، وذلك كما إذا قوّر البطيخ الحامض وقد أمكن الوقوف على حاله بغرز شيء فيه.
فَرْعٌ: اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً رَدَّهُمَا، كالعين الواحدة، فلو أراد افراد أحدهما بالرد ففيه القولان الآتيان في المسألة أثرها، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا رَدَّهُمَا، لما فيه من تفريق الصفقة عليه.
لاَ الْمَعِيبُ وَحْدَهُ فِي الأظْهَرِ، لما فيه من تفريق الصفقة على البائع من غير ضرورة، والثاني: له ذلك لاختصاصه بالعيب، والخلاف جارٍ في كل شيئين لا تتصل منفعة أحدهما بالآخر.
فَرْعٌ: لو رضي البائع بالافراد جاز على الأصح.
وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، تعدد البائع يوجب تعدد العقد وفيه وجه في البحر، وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ فَلأحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الأَظْهَرِ، لأنه رد جميع ما ملك، والخلاف مبني على تعدد الصفقة بتعدده، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ، أي إذا ادعى الحدوث وأمكن، لأن الأصل لزوم العقد، وعدم العيب في يده.
واستثنى في الوسيط ما إذا اختلفا بعد التحالف وانفساخ البيع، وقال: إن القول قول المشتري، ولو ادعى المشتري وجود عيبين في يد البائع فاعترف بأحدهما؛ وادعى حدوث الأخر في يد المشتري فإن القول قول المشتري؛ لأن الرد يثبت بإقرار البائع بأحدهما فلا يبطل بالشك، قاله ابن القطان في مطارحاته، بِيَمِينِهِ، لاحتمال صدق المشتري، عَلَى حَسَبِ جوَابِهِ، أي على مثل جوابه فإن قال في جوابه: ليس له الرد علَيّ بالعيب الذي يذكره أو لا يلزمني قبوله حلف على ذلك، وإن قال: ما بعته إلا سليمًا أو ما أقبضته إلا سليمًا حلف كذلك، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَالسَّمْنِ تَتْبَعُ الأَصْلَ، لعدم أمكان إفرادها، وَالْمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالأُجْرَةِ