فَرْعٌ مُسْتَثْنَى: لَوْ نَبَتَتْ شَعْرَةْ أَوْ شَعَرَاتٍ داخلَ جَفْنِهِ وَتَأذَّى بِهَا، قَلَعَهَا ولا فدية على الراجح.
وَتُكَمَّلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعْرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، أما في الأُولى: فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ التقدير: فَحَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ فَفِديةٌ، والشعرُ جمعٌ وأقله ثلاث، والاستيعاب قام الإجماع على عدم اعتباره، وأما في الثانية: فقياسًا؛ وهذا إذا أزالها دفعة من مكان، فإن فرق زمانًا أو مكانًا فيجب مُدٌّ على الراجح.
فَرْعٌ: لو حلق جميع الرأس دفعةً مِن مكانٍ واحدٍ ففديةٌ واحدةٌ؛ ولو حلق شعر رأسه وبدنه متواصلًا ففدية؛ وقيل: فديتان؛ وكذا لو قَلَّمَ أظفار يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.
وَالأْظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعامٍ، وَفِي الشَّعْرَتَينِ مُدَّيْنِ، لأن الشرع قد عَدَّلَ الحيوان (•) بالإطعام في جَزَاءِ الصيد وغيره، والشعرة الواحدة هى النهاية في القلة، والْمُدُّ أقلُّ ما وجب في الكفارات فقوبلت به، والثاني: أنه يجب في الشعرة الواحدة ثلث دم؛ وفي شعرتين ثلثا دم عملًا بالتقسيط، والثالث: يجب في شعرة درهم؛ وفي شعرتين درهمان، والرابع: دم كامل، ومحل الخلاف إذا اختار الدم، أما إذا اختار الصيام؛ فإنه يصوم يومًا واحدًا قطعًا، أو الطعام أطعم صاعًا واحدًا قطعًا، وقد نبَّه على ذلك صاحب البيان في مشكلاته على المهذب ولا بد منه.
فَرْعٌ: الظفر كالشعرة والظفران كالشعرتين.
فَرْعٌ: لو قَصَّرَ الشعرة أو قَلّمَ من الظفر دون القدر المعتاد كان الحكم على ما تقدم، وقيل: يوزع المد على الشعرة ويجب بالقسط، حكاه الماوردي وصححهُ وطرده في شرح المهذب في الظفر.
(•) في نسخة (1): لأن الشرع قد عدله الجبران بالإطعام في جزاء الصيد.
قلت: ويبدو أن المعنى لا يستقيم.
وأثبتنا ما في النسختين (2) و (3).
فَرعٌ: لو أخذ من بعض جوانب الظفر ولم يستوعب جوانبه، فإن قلنا: في الظفر الواحد ثلث دم أو درهم وجب بقسطه، وإن قلنا: مُدٌّ لم يُبَعَّضْ.
وَللْمَعْذُورِ، أي بمرض وكثرة قمل في رأسه أو تأذٍّ بِحَرٍّ لكثرة شعره، قال في شرح المهذب: وكذا وسخ رأسه، أَن يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، وفي الصحيحين عن كعب بن عُجْرَةَ قال: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيةُ الْمَذْكُورَةُ؛ فَأتيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: [اُذنُهْ] فَدَنَوْتُ؛ فَقَالَ: [اُدْنُهْ] فَدَنَوْتُ؛ فَقَالَ: [أيؤْذِيْكَ هَوَامُّكَ] قال ابن عوف: أَظُنهُ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَأمَرَنِي بفِديةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ 1. وفي لفظ [فَاحْلُقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتةَ مَسَاكِينَ أَو انْسُكْ نُسَيْكَة] 2 في رواية لمسلم: [احْلُقْ ثُمَّ اذبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتةِ مَسَاكِيْنَ] 3.
الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ، بالإجماع يحرم على المرأة الحلال تمكينه على الأصح، لأن فيه إعانة على المعصية، وكذا يحرم على الحلال المباشرة أيضًا في حال إحرام المرأة، وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، قياسًا على الحج، وَكَذَا الحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، أما إفساده قبل الوقوف فإجماع، وبعده فبالقياس عليه.
أما إذا وقع الجماع فيه بعد التحلل الأول، فإن الحج لا يفسد به على الأصح، نعم يجب شاة على الأظهر، وكما لا يفسد الحج لا تفسد العمرة أيضًا، إذا كان قارنًا وإن لم يأت بشئ من أعمالها، لأنها تبع
له.
وقيل: تفسد وكلام المصنف يوهمه، وَيَجِبُ بِهِ، أي بالجماع الْمُفْسِد، بَدَنَةٌ، المفسد لقضاء الصحابة بذلك 1.
فَرْعٌ: لو أفسد حجَّهُ بالجماع؛ ثم جامع ثانيًا، فالأظهر يجب بالثاني شاة، لأن الإفساد حَصَلَ بالأول.
فَائِدَةٌ: البَدَنَةُ تطلق في اللغة على الذَّكَرِ وَالأنْثَى، وعلى الإِبِلِ وَالْبَقَرِ لا عَلَى الْغَنَمِ، وإن وهم المصنف فيه في تحريره وتهذيبه على الأزهري فَاجْتَنِبْهُ.
وَالمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 2 ولأن جماعة من الصحابة أفتوا بذلك ولا يعرف لهم مخالف، والمراد بالمضي فيه أن يأتي بما كان يأتي به قبل الجماع، ويجتنب ما كان يتجنبه قبله، فإن ارتكب محظورًا لَزِمَهُ الفديةُ في الأصح، وَالْقَضَاءُ، لفتوى الصحابة به، وَإِنْ كَان نُسُكَهُ تَطَوُّعًا، لأنه بالشروع فيه صار فرضًا أيضًا بخلاف باقي العبادات، وَالأصَح أنَّهُ، يعني القضاء، عَلَى الْفَوْرِ، لفتوى الصحابة به، والثاني: لا، لأن الأداء على التراخى فالقضاء أَولى 3.
تَنْبِيْهٌ: جميع ما ذكره المصنف في جماع العامد العالم بالتحريم، فأما إذا جامع
ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم فالجديد أنه لا يفسد، وكذا المكره على الأصح؛ لأن الأصح تصور الكراهة.
فَرْعٌ: يحرم على الْمُحْرِمِ أيضًا الاستمناءُ ويلزمه به الفدية على الأصح، والمباشرة بشهوة كالمفاخذة وإن كان لا يَفْسَدُ بها النُّسُكُ.
الْخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُل مَأكولٍ بَرِّيٍّ، أي طيرًا كان أو وحشيًا بالإجماع، واحترز بالمأكول عن غيره، وبالبري عن البحري للآية 1، قال الققال: والحكمة في الفرق بينهما أن البري إنما يفعل عادة للتنزه والتفرج، والإحرام ينافي ذلك بخلاف البحري؛ فإنه يصاد غالبًا للاضطرار والمسكنة فأُحِلَّ مطلقًا، ولو كان البحر في الحرم؛ كما نصَّ عليه الشافعى في الأم، واشترط الغزالي في وسيطه مع ذلك أن يكون متوحشًا؛ واستغنى المصنف عنه بلفظ الاصطياد؛ وكما يحرم الاصطياد تحرم الإعانة عليه أيضًا، ووضع اليد عليه؛ وعلى جزئه؛ وبيضهِ؛ ولَبَنِهِ؛ وَرِيْشِهِ، قُلْتُ: وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ، أي ما ذكرناه، وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالله أَعْلَمُ، تغليبًا للتحريم، وخالف الزكاة حيث لم تجب فيه؛ لأنها باب مواساة.
وقد دخل في كلام المصنف ستة أقسام:
أحدها: ما تولد بين وحشين أحدهما مأكول كالسَّبُع التولد بين الذئب والضبع.
ثانيها: التولد بين المأكولين أحدهما وحشي كالتولد بين الظبي والشاة.
ثالثها: المتولد بين وحشيٍّ مأكول وأهليٍّ غير مأكول كحمار الوحشي وحمار الأهلي؛ وكُلُّ هذه حرامٌ.
رابعها: أن يكون متولدًا بين وحشي غير مأكول وأنسي مأكول كالمتولد بين الذئب والشاة.
خامسها: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان أحدهما وحشي كالمتولد بين الحمار والزرافة.
سادسها: المتولد بين أهليين أحدهما غير مأكول كالبغل.
وهذه الثلاثة مباحة، لأن كلَّ واحدٍ منها لا يحرم التعرض لأصله، ووقع في الرافعي والحاوي ما يوهم تحريم القسم الرابع وليس كذلك.
وَيحْرُمُ ذَلِكَ، أي اصطاد المأكول البري، فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلالِ، بالإجماع؛ ويروى أن في زمن الطوفان لم تأكل كبار الحيتان صغارها في الحرم تعظيمًا له 1. وقوله (في الحَرَمِ) هو حال من الاصطياد لكن يرد عليه ما لو كان المصطاد في الحل؛ والصائد في الحرم فإنه يحرم؛ فإن أُعرب أنه حال من الصائد؛ وَرَد عليه عكسه، فَاِن أَتْلَفَ، أي من ذكرناه، صَيْدًا ضَمِنَهُ، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية 2، وجهات ضمان الصيد إما بالمباشرة أو بالتسبب أو باليد، فَفِي النَّعَّامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الوَحْشِ وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ، وَالغَزَالِ عَنْزٌ، وَالأرْنَبِ عَنَاقٌ، وَاليَربُوعِ جَفْرَةٌ، لأن جماعة من الصحابة حكموا بذلك كله وفي الضبع أيضًا كبش لحديث صحيح فيه 3، وقوله (وَفِي الغَزَالِ عَنْزٌ) هو وهمٌ كما قال في
الروضة؛ لأن الغزال ولدُ الظَّبي ذكرًا كان أو أنثى فإن كان ذكرًا فواجبه ذكر من صغار المعز كالجدى أو أُنثى كَالعَنَاقِ أو الجَفْرَةِ، فالعنز في الحقيقة واجب الظبية والتيس واجب الظبي.
فَائِدَةٌ: العنز الأنثى من المعز التي تَمتْ لَهَا سَنَة، والعَنَاقُ الأُنثى من ولد المعز إذا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَبْلُغ سَنَةً، قاله المصنف في دقائقه وتحريره وتهذيبه 1، وقبله الأزهري، وفي الرافعي عن أهل اللغة إنها الأُنثى من أولاد المعز من حين تولد إلى حين تفطم وترعى وذلك بأربعة أشهر، وتبعه في الروضة، والجَفْرَةُ بفتح الجيم وإسكان الفاء هى التي بلغت أربعةَ أشهرٍ من أولاد المعز وَفُصلَتْ عَنْ أمِّهَا، والذكر جَفرٌ؛ لأنه جَفَرَ جَنْبَاهُ التي عَظُمَا، قال الرافعي: هذا معنى الجَفْرَةِ في اللغة؛ لكن يجب أن يكون المراد بالجَفْرَةِ هنا ما دون العَنَاقِ؛ فإن الأرْنَبَ خَيْرٌ مِنَ اليَربوعِ (•).
وَمَا لا نَقلَ فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثلِهِ عَدْلانِ، لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ = الأكثرِ مِمَّنْ لَقِيتُ، فبقولهم: إِنَّ في النَّعَامَةِ بَدَنَة، وبالقياسِ، قُلنا: في النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، لا بِهَذَا.
ينظر: الأثر (9977) من السنن الكبرى للبيهقي.
• أمَّا بَقَرُ الوَحْشِ وَحِمارِهِ بقرة؛ فلأثر ابن عباس، قال: (وَفِي الْبَقَرَةِ بَقَرَة؛ وَفِي الْحِمَارِ بَقَرَةٌ) وروى الشافعي بسنده عنه قال: (فى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ؛ وَفى الأيَّلِ بَقَرَةٌ): الأثر (9975) من السنن الكبرى للبيهقى.
• أمَّا الغزال والأرنب واليربوع؛ فلأثر جابر (أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَضَى في الضَّبْعِ بِكَشٍ، وَفِى الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفى الأرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي اليَربُوع بِحَفْرَةٍ): الأثر (9987) من السنن الكبرى للبيهقي.
• أمَّا الحديث الصحيح؛ فهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: [الضَّبْعُ حَدِيدٌ فَكلْهَا؛ وَفِيهَا كَبْشٌ سَمينٌ إِذَا أصَابَهَا المُحْرِمُ].
رواه البيهقي في السنن الكبرى: باب فدية الضبع: الحديث (9983).
مِنْكُمْ} الآية (1055)، وليكن العدلانِ فقيهين كَيِّسَيْنِ أي فَطِنَيْنِ، والعبرة في المماثلة بالخلقة والصورة تقريبًا لا تحقيقًا، فأين النعامة من البدنة؟ ! وليست المماثلة معتبرة في القيمة بل في الصورة، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلهِ (وَمَا لا نَقْلَ فِيْهِ) عن حيوان فيه نقل عن الشارع بالمماثلة أو التقويم أو حَكَمَ بهِ عدلان من الصحابة والتابعين أو غيرهم فإنه يتعين الرجوع إليه في كل عصر، وجزم ابن الرفعة: بأنه إذا حكم به واحد من الصحابة وسكت الباقون يكفى أيضًا.
وَفِي مَالا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ، أي لأن الجراد لا مثل له، وقد حكمت الصحابة فيه بالقيمة، والعبرة في هذه القيمة بموضع الإتلاف، لا بمكة على المذهب، لكن بسعر مكة على أظهر احتمالي الإمام، وهو ما جزم به الفورانى في العُمَدِ؛ ويستثنى مما لا مثل له الحمام؛ فإنه يجب فيه شاة لقضاء الصحابة بذلك 1.
فَرْعٌ: يرجع في معرفة القيمة إلى عدلين.
وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ الَّذِي لا يُسْتَنبَتُ، بالإجماع ويؤخذ من القطع القلع؛ فإنه أَولى بالتحريم، وأطلق النبات ليعم الشجر وغيره، وأخرجَ به اليابس؛ فإنه يجوزُ قطعه، وأما قلعهُ فإن كان شجرًا جَازَ أو حشيشًا فلا، ونباتُ الحرم هو ما نَبَتَ فيه،
وكذا لو كان بعض أصل الشجر فيه، وكذا لو نقل شجرة من الحرم إلى الحل لا العكس.
وَالأظْهَرُ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ، أي بالنبات، وَبِقَطْع أَشْجَارِهِ، لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فيجب به الضمان كالصيد، والثاني: لا، لأن الإحرام لا يوجب ضمان الشجر فكذا الحرم وقوله؛ وَبِقَطْع أَشْجَارِهِ، لا حاجة إليه بعد ذكره النبات، لأنه داخل فيه كما أسلفناه لكنه تبع الْمُحَرَّرَ، فَفِي الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ، للاتباع 1، قال الإمام: وأقرب قول في ضبط الشجرة المضمونة بشاة أن تقع قريبة من سُبْع الكبيرة، فإنَّ الشاةَ سُبْعُ البقرةِ؛ فإن صغرت جدًا فالواجب القيمة.
فَائِدَةٌ: لا يشترط أن تكون البقرة مجزية في الأضحية، بل يكفي أن يكون لها سنة بخلاف الشاة قاله صاحب الاستقصاء.
قُلْتُ: وَالْمُسْتَنْبَتُ، أي من الشجرة، كَغَيْرِهِ عَلَى المَذْهَبِ، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: [لا يُعْضَدُ شَوكُهُ] متفق عليه 2، والقول الثاني: لا؛ تشبيهًا له بالحيوانات الأنسية وبالزرع.
والطريق الثانى: القطع بالأول، أما غير الشجر كالحنطة والشعير والقطنية والخضروات فلمالكه قطعه ولا جزاء عليه، وإن قطعه غيره فعليه قيمته لمالكه، ولا شيء عليه للمساكين، وعبارة الخفاف في خصاله: لا يجوز قطع شجر الحرم إلّا عند خصلتين: أن يكون ما غرسه الناس؛ أو ما قطع منه مساويك، قال: والورق منه يجري مجرى الثمرة؛ والغصن يجري مجرى الأصل.
وَيحِلُّ الإِذْخِرُ، أي بكسر الهمزة والدال المعجمة: نباتٌ معروفٌ لاستثناء الشارع له، وَكذَا الشَّوْكُ كَالعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ،
فإنه ذو شوك فأشبه ما يؤذي من الصيود، وقيل: يحرم لعموم الحديث السالف [لا يُعْضَدُ شَوكُهُ] ولأن غالب شجر الحرم كذلك، والفرق بينه وبين الصيود المؤذية أنها تقصد الأذى بخلاف الشجر.
وَالأصَحُّ حِلٌّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلْفِ البَهَائِمِ، كما يجوز تسريحها فيه، والثانى: المنع لقوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: [ولا يُختلَى خَلاهَا] متفق عليه 1، قال الإمام: والقائل الأول، يقول: إنما يحرم الاختلاءَ والاحتشاشَ للبيع وغيرهِ من الأغراض، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إلَّا أن يقطع الفروع لسواك أو دواء فيحوز بيعها حينئذ؛ قاله القفال في شرحه للتلخيص، وتعقبه في الروضة قبل باب الربا فقال: فيه نظر، وينبغي ألّا يجوز كالطعام الذى أبيح له أكله، لا يجوز له بيعه.
قال صاحب التلخيص: وحكم شَجَرِ النَّقِيْع بالنون الذي هو الحمى حكم أشجار الحرم فلا يجوز بيعه.
فَائِدَة: العلْف هنا بسكون اللام كما رأيته بخط مؤلفه مضبوطًا؛ لأن المراد به المصدر وهو الإطعام وهو بفتح اللام ما تعتلفه البهائم.
وَللدَّوَاءِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن هذه الحاجة أعم من الحاجة إلى الإِذخِرِ، والثاني: المنع؛ لأنه ليس في الخبر إلّا استثناء الإِذْخرِ ومنهم من قَطعَ بالأول.
فَرْعٌ: في معنى الدواء ما يُتَغَذَّى به كَالبَقلةِ وَالرِّجْلَةِ ونحوهما وهما في معنى الزرع.
فَرْعٌ: لو قطع للحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف، وفي قطعه للدواء لا جرم جوَّز الحاوي الصغير للحاجة مطلقًا ولم يخصه بالدواء.
وَصَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ، أي وكذا حرمها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيْمُ مَكةَ] متفق عليه 1، وفي قول بعيد: لا يحرم بل يكره.
فَرْعٌ: حُكْمُ نَبَاتِهِ حُكْمُ صَيْدِهِ.
ولا يُضْمَنُ فِي الجَدِيدِ، لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يضمن كصيد وَجْ بفتح الواو وإسكان الجيم واد بصحراء الطائف، والقديم أنه يسلب القاتل لصيدها والقاطع لشجرها لثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه مسلم في الشجر وأبو داود في الصيد 2 وهو المختار، والأكثرون على أنه يسلب منه ما
يسلبه القاتل من قتيل الكفار, والأصوب في الروضة: أنه يُترَكُ له ما يستر عورته، وقال في شرح المهذب: إنه الأصح، وخالف في المناسك فصحح الأول والأصح أن السلب للسالب.
فَائِدَةٌ: نظم بعضُ الشعراء حرم مكة في بيتين فقال:
وَللْحَرَمِ التحْدِيْدُ مِنْ أرْضِ طَيْبَة... ثَلَالَةُ أَميالٍ إِذَا رُمْتَ إِتقَانَهْ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ... وَجِدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرانَهْ (•)
وأما حرمُ المدينة شرفها الله تعالى، ففي الصحيح [أَنَّهُ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ] وفي رواية الطبراني في أكبر معاجمه [مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ] واستشكلت الرواية الأُولى ولا إشكال، فثور موجود فيها وهو وراء أُحد 1. (•) في هامش نسخة (3): قال: وزاد بعضهم: وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيْمِ سِيْنِهِ... وَقَدْ كمَلْتَ فَاشْكُر لِرَبِّكَ إِحْسَانَهْ
فَصْلٌ: وَيتَخَيَّرُ فَي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَبَينَ أَن يُقَوَّمَ الْمِثْلُ دَرَاهِمَ وَيشْتَرِى بِهِ طَعَامًا لَهُمْ، أي لأجلهم، أوْ يَصُومَ عنْ كُلِّ مُدٌّ يَوْمًا، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله ﴿صِيَامًا﴾ 1 وهذه الكفارة تسمى مخيرة معدلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ولا يجوز إخراج المثل حيا كما أخرجه بقوله (ذبْحِ مِثْلِهِ) ولا أكل شئ منه ولا يقوّم الصيد كما قاله مالك، ولا إخراج الدراهم كما قاله أبو حنيفة، وقوله (دَرَاهِمَ) ذكره على الغالب وإلّا فالمعتبر النقد الغالب والشراء ليس مُتَعَيِّنًا وإنما المراد التصدق بما يساوي النقد من الطعام كما أشار إليه الإمام وغيره، والمجزي في الطعام هو ما يجزي في الفطرة قاله الإمام، وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ، أي ولا يخرج الدراهم، لأنه لا مدخل لها في الكفارات أصلًا، وقد تقدم أن العبرة في هذه القيمة بموضع الإتلاف لا بمكة على المذهب، وَيَتَخَيَّرُ فِي فِديَةِ الْحَلْقِ بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثةِ آصُع لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 2 التقدير فحلق شعر رأَسه ففدية كما سلف، ثم أن هذه الآية مجملة بيَّنها حديث كعب بن عجرة السالف في الباب قبل النوع الرابع؛ فدلَّت الآية على تخيير المعذور بين هذه الأمور التي بَيَّنَتْهَا السُّنةُ فكذلك غير المعذور، لأن كل كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببها مباحًا ثبت فيها التخيير، وإن كان سببها محرمًا ككفارة اليمين وقتل الصيد وغيرهما، وأغرب الخطابي فحكى عن الشافعى أن غير المعذور عليه الدم فقط وهذا مشهور عن أبى حنيفة.
ثم شرطَ الشاة أن تجزي في
الأضحية؛ قال الرافعي: وكذا حيث لزمت هي أو البدنة إلا في جزاء الصيد فيجب المثل، وكل من لزمه شاة جاز أن يذبح بدنة أو بقرة مكانها؛ إلّا في جزاء الصيد.
واقتصر المصنف على الصرف للمساكين؛ لأن الفقر يؤخذ منه من باب أَولى.
فَرْعٌ: الْقَلْمُ كَالحَلْقِ فيما قلناهُ؛ وكذا الدم الواجب في الاستمتاعات كالطيب ونحوه على الأصح، وهذا النوع يسمى دم تخيير وتقدير.
وَالأصَحُّ أَن الدَّمَ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ كالإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، أي والرمي والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي التشريق والدفع من عرفة قبل الغروب وطواف الوداع، دَمُ تَرْتِيبٍ، إلحاقًا له بدم التمتع لما في التمتع من ترك الإحرام من الميقات؛ ويسمى أيضًا دم تعديل جريًا على القياس، فَإِذَا عَجَزَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإن عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، والوجه الثانى: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب، فإن عجز عن الدم صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا ما صححه الرافعي في شرحيه وتذنيبه، والمصنف في شرح المهذب والمناسك.
وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التمَتُّعِ، أي في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام، لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم، وفيه أثر صحيح عن عمر - رضي الله عنه - أيضًا في الموطأ 1، وَيذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ القَضَاءِ فِي الأَصَحِّ، لفتوى عمر رضي الله عنه بذلك (1211)، والثانى: يجوز ذبحه في سنة
الفوات قياسًا على دم الإفساد.
وقوله (الأصَحِّ) صوابه الأظهر كما جزم به في الروضة تبعًا للرافعي ورجحه في شرح المهذب.
فَرْعٌ: إذا قلنا بذبحه في حجة القضاء ففي وقت وجوبه وجهان؛ أصحُّهما: وقته إذا أحرم بالقضاء.
كما يَجِبُ دَمَ التمتع بالإِحْرَامِ بِالحَجِّ، فعلى هذا إذا كفَّر بالصومِ، لا يقدم صوم الثلاثة على القضاء، لأَن العبادات البدنية لا تقدم على وقتها ويصوم السبعة إذا رجع.
تَنْبِيْهٌ: تفاصيلُ الدماءِ سبعةُ أنواعٍ؛ ذكر المصنف هنا منها أربعة: جزاءُ الصيد؛ ودمُ الحلق؛ وَالمَنُوط بتركِ المأمورِ؛ ودمُ الفواتِ؛ وبقي عليه دمُ الاستمتاع؛ وقد ذكرتهُ؛ ودمُ الجماع؛ وقد ذكرَهُ في الكلام على تحريمه كما سلف؛ وَدَمُ الإِحْصَارِ، وسيأتى في الباب الآتى.
وَالدَّمُ الوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لا يَختَصُّ بِزَمَانٍ، أي بل يفعل في يوم النحر وغيره؛ لأن الأصل عدم التخصيص، ولم يرد ما يخالفه، وكذا أطلق الرافعي وغيره عدم الاختصاص، وهو في الإجزاء ظاهر، وأما الجواز فينبغي لمن يقول الكفارات التي سببها معصية على الفور أن يقول هنا بذلك.
وَيَختَصُّ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ فِي الأظْهَرِ، لأن الذبح حق متعلق بالهدى فيختص بالحرم كالتصدق، والثانى: لا يختص؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته في الحرم على مساكينه حصل الفرض، والخلاف جار في دم التمتع والقِران أيضًا.
وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إِلَى مَسَاكِينِهِ، أي إلى مساكين الحرم؛ لأن المقصود من الذبح هو إعطاء اللحم؛ وإلَّا فنفس الذبح مجردُ تلويثٍ للحرم وهو مكروهٌ، كما قاله ابن الرفعة، ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا يجوز أن يأكل شيئًا منه، وهو كذلك.
والجلد كاللحم في وجوب صرفه وهو بالخيار إن شاء فرق المذبوح عليهم وإن شاء دفعه بجملته لهم.
فَرْعٌ: سواء في المساكين الغرباء والقاطنين، لكن الصرف إلى القاطن أولى، والصرف إلى الفقير يؤخذ من كلام المصنف من باب أَولى.
فَرْعٌ: يجب النية عند تفرقته كسائر العبادات؛ قاله الروياني وغيره.
فَرْعٌ: أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة قاله الروياني.
وَأفْضَلُ بُقْعَةٍ، أي من الحرم، لِذَبْحِ المُعْتَمِرِ المَرْوَةَ، وَلِلْحَاجِّ مِنَى، لأنهما محل تحللهما كذا علله الرافعي؛ وهو يفهم أن المراد بالمعتمر هنا معتمر ليس بقارن، وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنَ هَدْيٍ مَكَانًا، لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام أهدى في عمرة الجعرانة هديًا نُحر عند المروة، كما ذكره صاحب أعلام المناسك، وأهدى عام حجته مالة بدنة نحرت بمنى كما ثبت في الصحيح (1191)، وَسَوْقُ الهدي سُنة عظيمة أهملها الناس، وَوَقْتُهُ وَقْتُ الأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيح، وَالله أَعْلَمُ، قياسًا على الأضحية، والثاني: لا يختص بوقت كدماء الجبرانات؛ وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أثناء الباب قبله قبيل قوله (فَصْلٌ: إِذَا عَادَ إِلَى مِنَى) فراجعه منه.
وإن محل الخلاف المذكور في الهدى الذي يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم، ثُم اعْلَمْ هُنَا: أن الهدي ثلاثة أقسام؛ أحدها: هذا، ثانيها: ما يسرقها مَنْ قَصَدَ الحرم غير مُحْرِمٍ، والظاهر أنه لا يختص بزمانه، ثالثها: ما يسوقه المعتمر تطوعًا أو نذرًا، والظاهر أنه لا يتقيد بوقت الأضحية أيضًا، بل وقته وقت التحلل منها، ولا يكلف من اعتمر أول العام وساق الهدي تأخير ذبحه إلى أيام منى.
بَابُ الإحِصَارِ وَالفَوَاتِ
المراد من الإِحْصَارِ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أوْ مِنْ بَعْضِهِ؛ والمشهور أَحْصَرَهُ المرضُ بالهمز وَحَصَرَهُ الْعَدُو بدونِهِ.
ولو مُنِعَ من الرمي والمبيت؛ فلا يجوز له1
التحلل؛ لتمكنه من التحلل بالطواف والحلق وجبر الأولين بالدم، وَالْفَوَاتُ مصدر فَاتَ فَوْتًا وَفَوَاتًا: إذا سبق فلم يدرك، والمراد هنا فواتُ الحجِّ، فإن العمرة لا تفوتُ لإتساع وقتها، نَعَمْ: القارنُ قد تفوته العمرة تبعًا لفوات الحج.
مَنْ أُحْصِرَ، أي منعه من إتمام نُسُكِهِ عَدُوٌّ، تَحَلّلَ، لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ 1 أي فإن أحصرتم وأردتم التحلل، لأن مجرد الإحصار لا يوجب الهدي، فإن الآية نزلت بالحديبية حين صَدَّ المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البيت، وكان قد أحرم بعمرة؛ فنحر ثم حلق ثم رجع وهو حلال 2، قال الماوردي: ولا يتحلل إذا علم أن العدو ينكشف في زمان يتسع للحج أو في زمن قريب إذا كان معتمرًا وهو ثلاثة أيام، وَقِيلَ: لا تَتَحَلَّلُ الشِرذِمَةُ، لأنه لم يَعُمَّ الكُلَّ فأشبه المرض وخطأ الطريق، وهذا قول كما بيّنه في الروضة تبعًا للرافعي لا وجه، ولا تَحَلُّلَ بِالمَرَضِ، أي بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان محرمًا بعمرة أتمها أو بحج وفاته تحلل بعمل عمرة وذلك إجماع الصحابة كما قال الماوردى، ومال الشيخ عز الدين في قواعده إلى جواز التحلل به من غير اشتراط لما في البقاء على الإحرام من مشقة والعسر الدائم، فَإنْ شرَّطَهُ، أي مقارنًا لإحرامه، تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لحديث ضُباعة في الصحيحين 3، والثاني: لا يجوز؛ لأنها عبادة لا يجوز الخروج
منها بغير عذر؛ فلا يجوز بالشرط كالصلاة المفروضة، ومن قال بهذا أجاب عن الحديث بأن المراد بالحبس الموت أو هو خاص بضباعة وكلاهما باطل، والصواب الجزم بالصحة لصحة الحديث ولا عبرة بمن طعن فيه.
فَرعٌ: غير المرض من الأعذار كضلال الطريق ونفاذ النفقة والخطأ في العدد ونحو ذلك كالمرض وعن الجويني أنه لغو.
فرعٌ: حيث صححنا الشرطَ، فإنْ كان الشرطُ التحَلُّلَ بالهدى لزمه؛ أو بلا هديٍ فلا؛ وكذا إن أطلق على الأصح.
فَرعٌ: لو شرط أن يقلب حَجهُ عمرَة عند المرض فهو أولى بالصحة من شرط التحلل ونصَّ عليه.
فَرعٌ: لو قال إذا مرضت فأنا حلال صار حلالًا بنفس المرض على الصحيح المنصوص، وقيل: لا بد من التحلل.
وَمَنْ تحللَ، أي أراد التحلل، ذَبَحَ شَاةً، للآية السالفة ويقوم مقامها بدنةٌ أو بقرة أو سُبْعُ أحَدِهِمَا، حَيْثُ أخصِرَ، أي سواء كان الحصر في الحل أو الحرم؛ لأنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام ذبح هو وأصحابه بالحديبية وهي من الحل.
فَرعٌ: ما لزمه من الدماء وساقه من الهدايا حُكْمُهُ حكمُ دم الإحصار.
قلت: إِنمَا يحصُل التحَللُ بِالذبح، لفوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (1195)، وَنيَّة التَّحَلُّلِ، لأن الذبح قد بكون للتحلل وقد يكون لغيره فلا بد من قصد صارف، وَكَذَا الْحَلْقُ إِن جَعَلناهُ نُسُكًا، لأنه ركن من أركان الحج قدر على الإتيان به فلا يسقط عنه.
= ومسلم في الصحيح: باب جواز اشتراط المحرم التحلل: الحديث (104/ 1207). (1195) البقرة / 196.
فَرعٌ: لا بد من مقارنة النية للذبح وكذا الحلق إن أوجبناه نقله في الكفاية عن الأصحاب.
فَرعٌ: لابد من تقديم الذبح على الحلق للآية، فَإن فقِدَ الدم، أي حسًا أو شرعًا، فَالأظْهرُ أن لَهُ بَدلًا، كغيره من الدماء الواجبة على المحرم، والثاني: لا، لعدم النص فيبقى في ذمته إلى أن يجده، وَأنهُ، أي البدل، طَعامٌ، لأنه أقرب إلى الجبران من الصيام لاشتراكهما في المالية، فكان الرجوع إليه عند الفقد أولى، بِقِيمَةِ الشاةِ، لأنا رَاعَيْنَا القرب كما تقدم، ولا شك أن الإطعام بقدر قيمة الهدي أقرب إليه من اعتبار ثلاثة آصع كما هو؛ وجه لنا، فاِن عَجَزَ صَامَ عَنْ كُل مُدٍّ يُوْمًا، قياسًا على الدم الواجب بترك المأمور، هذا كله تفريع على الأظهر: أن لدم الإحصار بدلًا، والقول الثاني: أن بدله الصوم كدم التمتع.
لأن التحلل والتمتع شُرِّعَا للتخفيف، وعلى هذا أقوال لا ترجيح فيها للرافعي ولا للمصنف، نعم صحيح الفارقي: أنه صوم التعديل عن كل مُدٍّ يومًا؛ لأنه أقرب إلى الهدي، وَلَهُ التْحَللُ فِي الحَالِ، أي قبل أن يصوم عند فقد الهدي بالنية، والحلق، فى الأظْهرِ، وَالله أَعلَمُ، لأن التحلل إنما شرع لدفع المشقة؛ فلو وقفناه على ذلك لحقته المشقة، والثاني: لا؛ بل يتوقف تحلله على فراغه منه؛ لأنه قام مقام الاطعام، ولو قدر على الإطعام لتوقف التحلل عليه فكذلك ما قام مقامه، وَإِذَا أَحرَمَ العَبد بِلا إِذْن؛ فَلِسَيِّدِهِ تَحلِيلُهُ، صيانة لحقه؛ فإن إحرامه انعقد كصلاته، أما إذا أحرم بإذنه فلا، وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفةٍ وأُم الولدِ ومن بعضُه حرٌّ كالقن.
والمراد بتحليل السيد أن يأمره به، لا أنه يتعاطى الأسباب بنفسه، فإن امتَنَعَ ارتفعَ المانعُ بالنسبة إلى السيد حتى يجوز الوطئ والاستخدام، وقال الروياني: إذا قال: حللتك عن الإحرام تحلل، فإن أَلبَسَهُ مخيطًا أو ضَمَّخَهُ بطيبٍ فليس ذلك بتحليل؛ خلافًا لأبي حنيفة.
فَرعٌ: يتحلل بالحلق مع النية فقط.
وَللزوْج تحلِيلها مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأذَن فِيهِ، لاستيفاء حقه كما له أن يخرجها
من صوم النفل أما إذا أحرمت بإذنه فلا، والعمرة في ذلك كالحج بلا شك، وَكَذَا مِنَ الْفرضِ فِي الأظْهرِ، بناء على أن له منعها من إنشائه؛ لأن حق الزوج على الفور، والحج على التراخى، والثانى: لا؛ قياسًا على فرض الصلاة والصوم.
فَرعٌ: معنى تحليلها أمرها به كما قلنا في العبد، وتحللها كتحلل المحصر بلا فرق، فلو لم تتحلل فللزوج أن يستمتع بها على الصواب والإثم عليها.
ولا قَضَاءَ عَلَى المُحصَرِ المُتَطَوِّع، لأنه لو وجبَ لَبُيِّنَ في القُرآنِ أو السُّنة، وسواء كان الحصر عامًا أو خاصًا، نعم: لو أفسد النُّسُكَ ثم أحصر فتحلل لزمه القضاء كما استثناه ابن الرفعة من كلام الشيخ ولا يحتاج إليه، فإن كان نُسُكُهُ فَرضًا مُسْتَقِرًّا، أي كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وكالنذر والقضاء، بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، كما لو شرع في صلاة فلم يتمها تبقى في ذمته، وإذا أتى به بعد زوال الاحصار وقع أداء لا قضاء، صرح به ابن يونس في التنْويهِ على التنْبِيْهِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، أي كَحَجَّةِ الإسلامِ في السَّنَةِ الأولى من سِنيِّ الإمكانِ، اعْتُبِرَتِ الاِستطاعَةُ، أي، بَعدُ، أيْ بعد زوال الإحصار.
وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ تَحللَ بِطَوَافٍ وَسَعي، أي إن لم يكن سَعَى بعد طوافِ القُدُومِ، وَحَلْقٍ، لأن ذلك مروى عن جاعة من الصحابة ولا نعرف لهم مخالف، ولا يجب عليه المبيت بمنى ولا الرمى على الأصح، ولو أراد صاحب الفوات استدامة الإحرام إلى السَّنَةِ القَابِلَةِ، فليس له ذلك، كما قاله الماوردي وغيره، لئلا يصير محرمًا بالحج وغيره في غير أشهره، وعبارة الرافعى هنا تشعر يحواز ذلك حيث قال: وإذا حصل الفوات فله التحلل كما في الإحصار فإن سعى لم يفده كما نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، وأما ابن الرفعة فجزم في الكفاية بإعادته، وَفِيهِمَا قَولٌ، يعني في السعى والحلق لأنه يحتاج إليهما، أما السعى فلأنه ليس من أسباب التحلل ولهذا يصح تقديمه على الوقوف ولو كان من أسبابه لما جاز تقديمه عليه، وأما الحلق فبناء على أنه استباحة محظور، وَعَلَيْهِ دَمٌ، لأمر عمر - رضي الله عنه - بذلك كما رواه مالك في
الموطأ 1، وَالْقَضَاءُ، لأمره به أيضًا، ولأنه لا يخلو عن تقصير بخلاف الإحصار، فإنه لا قضاء فيه كما سلف لعدم التقصير، وأطلق المصنف القضاء فَشَمَلَ الْفَرضَ وَالتطَوعَ، وليس في عبارة الرافعي في شرحه ومحرره ما يدل على أن الفرض يكون قضاء بل صرح ابن يونس في التنْوِيهِ على التنْبِيْهِ بأنه يكونُ أداءً.
فَرعٌ: إذا تحلَّلَ بأعمال العمرة لا ينقلب حَجُّهُ عُمرَةً على الصحيح ولا يجزيه عن عمرة الاسلام.
فَرعٌ: لا فرق في الفوات بين المعذور وغيره فيما ذكرناه، لكن يفترقان في الإثم وقد نجز شرح كتاب الحج ومتعلقاته وختمه بفروع منثورة.
فَرعٌ: لا يجزي الحج بمال حرام عند الإمام أحمد خلافًا للثلاثة.
فرعٌ: إذا فعل المحرم محظورَيْنِ أو أكثر هل يَتَدَاخَلُ؟ ولا شك أن المحظور قسمان: استهلاك كالحلق؛ واستمتاع كالطيب، فإن اختلف النوع كالحلق واللبس تعددت الفدية، وكذا إتلاف الصيود، وكذا إتلاف الصيد مع الحلق أو اللبس، لكن لو لبس ثوبًا مطيَّبًا لم تتعدد الفدية على الأصح، ولو حلق رأسه في مكانين أو في مكان في زمانين ففديتان، ولو حلق شعر بدنه ورأسه متواصلًا ففدية على الأصح كما تقدم في موضعه، ولو تطيب بأنواع من الطيب أو لبس أنواعًا كالقميص والعمامة والسراويل وألخُفَّ أو نوعًا واحدًا مرة بعد أخرى فإن كان ذلك في مكان واحد على التوالي فعليه فدية واحدة، فإن كان في مكانين أو مكان وَتَخللَ زَمَان فعليهِ فديتان، سواء تخلل بينهما تكفير عن الأول أم لا، وفي قول: إذا لم يَتَخللْ تكفير تَكْفِيْهِ فِديةٌ.
فرعٌ: يستحب لمن دخل مكة حاجًا أو معتمرًا أن يختم القرآن فيها قبل رُجُوعِهِ.
فرعٌ: المختار استحباب المجاورة بمكة إلّا أن يغلب على ظنه الوقوع في محذور
كخوف ملابسة ذنب؛ فإن الذنب فيها أقبح من الذنب في غيرها؛ أو خوف ملل أو قلة حرمة للأُنْسِ.
فرعٌ: المختار في سترة الكعبة أن الأمر فيها إلى رأي الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعًا أو عطاءً.
فرعٌ: ثَبَتَ عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا فرغ (•) من الحج أو العمرةِ كبَّر على كل مكان مرتفع ثلاثًا ثم قال: [لا إِله إِلَّا الله وحدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْر، آيِبُونَ تَائِبونَ عَابِدُونَ سَاجدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وهزَمَ الأحزَابَ وَحدَهُ] 1. ويكره الطروق على الأهل ليلًا، ولا يقدم بغتة 2 وإذا أشرف على بلده فالسُنة أن يقول: [آيِبونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ] 3 ويكررها حتى يدخل بلده؛ فإذا دخل بدأ بالمسحد فصلّى ركعتين فيه وكذا يصليهما إذا دخل بيته أيضًا إن لم يكن وقت كراهة 4، ويدعو عقبهما، ويستحب الطعام عند القدوم، فروى عن جابر أنه (•) في نسخة (2): (قفل)، وفي نسخة (3): (فضل).
عَلَيْهِ الصلاة وَالسَلامُ لما قدم المدينة [نَحَرَ جَزُورًا أوْ بَقَرَةً] 1، ويستحب إعتناق القادم وَمُصَافَحَتُهُ، وكَرِة مالك المعانقة وإذا سلم على القادم قال: قَبِلَ الله حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
وفروع كتاب الحج كثيرة لا يسعنا إيراد المهم منها هنا؛ وفِى النفس إفراده بتصنيفٍ مُهِمٍّ جَامِع لأحكامهِ مُشتَمِلٍ عَلَى نَفَائِسَ لا توجدُ إلّا بعد الفحص الشديد يَسَّرَ الله ذلك وسَهَّلَهُ إنه بيده والقادر عليه.
(آخر الربع الأول) (•).
= الجهاد: الحديث (3087).