من الجلد فيقتل به لقربه من فعله، وتكون الخشبة قريبة من آلته كما صرح به الرافعي وغيره، وظاهر كلام الجمهور: أنها لا تتقدر بذلك، بل يعمل خشبة تقتل مثل القاتل، قال المتولي في الثانية: هذا إذا توقع موته بالخشبة، وإلا فبالسيف، نقله الرافعي عن المتولي.
واقتصر عليه، وهو في النهاية أيضًا مع إشارة إلى احتمال فيه.
فَرع: لو سقاه بولًا فكالخمر على الأصح في أصل الروضة.
فَرع: لو أَوْجَرَهُ ماءً نجسًا أُوْجِرَ طاهرًا.
وَلَو جُوعَ كَتَجوِيْعِه فَلَمْ يَمُتْ زِيدَ؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به ولا يبالي بزيادة الإيلام، وَفي قَوْلٍ: السَّيْفُ؛ لأن المماثلة قد حصلت، ولم يبق إلّا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل فالأسهل، وَمَنْ عَدَلَ إِلَى سيْفٍ، عن غيره مما ذكر كخنق وتجويع، فَلَهُ؛ لأنه أوحى وأسهل، وَلَو قَطَعَ فَسَرَى، أي إلى النفس، فَلِلْوَليِّ حَز رَقبتِهِ؛ لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحَزِّ، وَلَهُ القَطْعُ ثُمَّ الحَز، طلبًا للمماثلة، وَإن شاءَ انْتَظَرَ السِّرَايَةَ، أي بعد القطع، وليس للجاني أن يقول: أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي لثبوت حق القِصَاص ناجزًا.
وَلَو مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَؤ كَسْرِ عَضُدٍ فَالحَزُّ؛ لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة بدليل عدم إيجاب القِصَاص في ذلك عند الاندمال فتعين السيف، وَفِي قَولٍ: كَفِعلِهِ، تحقيقًا للمماثلة، وهذا ما عليه الأكثرون كما في الرافعي؛ فإنه لم ينقل تصحيح الأول إلّا عن البغوي وحده، ونقل تصحيح الثاني عن الجويني وغيره من العراقيين والروياني أيضًا، ووقع في الْمُحَرَّر نسبة الأول إلى ترجيح كثيرين فتبعه المصنف، وكأنه سبق قلم، فإنه قال: فيستوفي القِصَاص بمثل ذلك أو يعدل إلى السيف، فيه قولان رجح كثيرون منهما الثاني يعني: السيف، فسبق القلم من الأول إلى الثاني، ولما رأى المصنف في الروضة ما قدمناه عن الرافعي، قال الأكثرون على الثاني؛ وهو وافٍ بما فيه، وأفهم كلام الرافعي (•) أن محل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال: (•) في النسخة (2): الفارقي.
أجيْفُهُ ثم أقتلهُ إن لم يَمُتْ فله ذلك قطعًا؛ قال البغوي: ولو أجافه ثم عفى عنه عُزِّرَ على ما فعل ولم يجبر على قتله، فإن مات بَانَ بطلان العفو.
وينتظم من هذا لغز؛ فيقال: رجل مُطْلَقُ التصرف وارث القِصَاص في غير المُحَارَبَةِ ومتى عفى عنه عُزِّرَ؟ فإن لَم يَمُتْ، أي بعد أن فعل به كفعله، لَم تُزَدِ الجَوَائِفُ فِي الأَظْهَرِ؛ لاختلاف تأثير الجوائف باختلاف محالها فهي كقطع الأطراف المختلفة، والثاني: نعم؛ فيكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه عدوانًا وهو مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما.
وَلَوِ اقْتَص مَقْطُوعٌ، أي من قاطعه، ثُم مَاتَ، أي المقطوع الأول، سِرَايَةَ فَلِوَليِّهِ حَزُّ، أي في مقابلة نفس مورثه، وَلَهُ عَفْوٌ بِنِصْفِ دِيَّةٍ، أي واليد المستوفاة مقابلة بالنصف.
وَلَو قُطِعت يَدَاهُ فَاقتَص ثُمَّ مَاتَ، أي المجني عليه بالسراية، فلِوَلِيهِ الحَزُّ، أي من القاطع، فَإن عَفَى فَلَا شَيء لَهُ؛ لأنه استوفى ما يقابل الدية، وهذه صورة يستحق فيها القِصَاص ولا تستحق فيها الدية لو عفى عليها.
وَلَو مَاتَ جَانٍ مِن قَطع قِصَاصِ فَهَدَرٌ، كالقطع في السرقة، وإن مَاتا سِرَايَةَ، أي بعد الاقتصاص في اليدين، مَعَا أوْ سبقَ المَجنِي عَلَيهِ فَقد اقْتَص، أي حصل قصاص اليد باليد وَالسِّرَايَةُ بِالسِّرَايَةِ ولا شيء على الجاني؛ لأن السراية لما كانت كالمباشرة في الجناية فكذلك في الاستيفاء، قال الرافعي: وهذا هو المشهور؛ ونسبه ابن كج إلى أبي علي الطبري، وحكى عن عامة الأصحاب: أن لولي المجني عليه نصف الدية في تركة الجاني؛ لأن سراية الجاني مهدرة وسراية المجني عليه مضمونة، وإِن تَأَخرَ، أي بأن مات الجاني أولا، فَلَهُ نِصفُ الديةِ، أي في تركة الجاني، فِي الأصَح، أي إذا استوفى قدر ديَّة الجاني والمجني عليه، ولا يحصل القِصَاص بما جرى؛ لأن القِصَاص إنما يجب في النفس بالزهوق، فتصير كالتلف في القِصَاص، وهو ممتنع كما لو قال: اقطع يدك حتى إذا قَطَعتَ يدي لا يكون لي عليك شيء، والثاني: لا
شيء له، ويحصل القِصَاص بما جرى؛ لأن الجاني مات بسراية فعل المجني عليه وحصلت المقابلة، وادعى الروياني أن هذا هو الصحيح!
فَصلٌ: وَلَو قَالَ مُستَحِقُّ يَمِينِ: أَخرِجهَا، فَأَخرَجَ يَسَارَهُ وَقَصَدَ إِبَاحَتَهَا فَمُهدَرَة، أي لا قصاص ولا دية، وإن علم القاطع بالحال على الأصح؛ لأن صاحبها بدلها مجانًا، وأما قصاص اليمين فيبقى كما كان، وَإن قَالَ: جَعَلْتُهَا عَنِ اليَمِينِ، وَظَنَنتُ إِجْزَاءَهَا، فَكَذَّبهُ، أي القاطع وقال: عرفت أنها اليسارُ وأنها لا تجزئ عن اليمين، فَالأصَحُّ: لَا قِصَاصَ فِي اليَسَارِ؛ لأنا أقمنا ذلك مقام الإذن في القطع، وهو لو قال لغيره اقطع يدي فقطعها لا قصاص عليه، والثاني: نعم؛ لأنه قطع بلا استحقاق عن علم بالحال، بخلاف مسألة الإذن في القطع؛ لأنه عَلِمَ (•)، وإذنه هنا، إنما هو ليكون عوضًا عن اليمين، فإذا لم يقنع بها فهو كالإذن، وجزم الماوردي: بأنه إذا أخذها القاطع بدلًا عن حقه لا قصاص، وإن أخذها لا بدلًا عنه وجب.
وَتَجِبُ دِيَّةٌ؛ لأنه لم يبدلها مجانًا، وَيَبْقَى قِصَاصُ اليَمِينِ، أي على الوجهين، وَكَذَا لَوْ قَالَ: دُهِشْتُ، فَظَنَنْتُهَا اليَمِينَ، وَقَالَ القَاطِعُ: ظَنَنتهَا اليَمِينَ، أي فلا قصاص في اليسار على الأصح لأن هذا الاشتباه قريب، والثاني: نعم؛ كما لو قتل رجلٌ رجلًا؛ وقال: ظننتهُ قَاتِلَ أبي؛ لكن الفرق تقصير المخرِج هاهنا عنها (•).
فَصْلٌ: مُوجبُ العَمدِ القَوْدُ، وَالديةُ بَدَلٌ عِندَ سُقُوطِهِ؛ لأنه بدل متلف فتعين جنسه كسائر المتلفات، وَفِي قَوْل: أَحَدُهمَا مُبْهَمًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْل؛ فَهُو بخَيْرِ النظريْنِ، إِمَّا أَنْ يُؤدي وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ] متفق عليه من حديث أبي هريرة 1، وَعَلَى القَولَينِ لِلوَليِّ عَفْو عَلَى الديةِ بِغَيْرِ رِضَى الجَانِي؛ للحديث (•) في النسخة (1): عام بدل علم.
(•) في النسخة (1) أضاف: أي عن اليمين.
وكأنها زيادة من الناسخ.
المذكور، وَعَلَى الأول، أي وهو أن الواجب القود عينًا، لَوْ أطْلَقَ الْعَفْوَ، أي فلم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات، فَالمَذهَبُ لَا دِيَّةَ؛ لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول، والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم، والثاني: يجب، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 1 أي اتباع المال وذلك يشعر بوجوب المال بالعفو فعدل إلى بدله كما لو مات الجاني، وأجاب الأول: بحمل الآية على ما إذا عفى على الدية، قال الرافعي: وهذه الطريقة هي أظهرهما، وهي حاكية لقولين أو وجهين ولم يذكر الطريقة الأخرى هنا، وقال في آخر كلامه: وقوله -يعني الوجيز- وإن عفى مطلقًا فقولان، مُعْلَم بالواو لأجل الطريقة القاطعة لم يبيّن هل هي قاطعة بالصحيح أم بمقابله؟ وَلَو عَفَى عَنِ الدِّيَّةِ لَغَا، بناءً على أن الواجب القود المَحضُ، وَلَهُ الْعَفْو بَعْدَهُ عَلَيهَا، لما قلناه، وَلَو عَفَى عَلَى غَيرِ جِنسِ الدِّيَّةِ ثَبَتَ، أي المال وسقط القود، إِن قَبلَ الجاني، وَإلا فَلَا، أي وإن لم يقبل الجاني لم يثبت المال، وَيسقُطُ القَوْدُ فِي الأصَح، لأنه رضي به على العوض ولم يحصل، والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض، فإن قلنا بهذا فهل تثبت الدية؟ قال البغوي: هو كما لو عفى مطلقًا.
فَرْعٌ: لو عفى عن القود على نصف الدية، قال القاضي: هذه معضلة أسهرت الجلة، وقال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية فيسقط القود ونصف الدية، وَاعلَم: أن المصنف فرَّعَ هذه الفروع على القول الصحيح: أن الواجب القود عينًا والدية بدل عند سقوطه، وتركَ التفريع على القول المرجوح لطوله، وقد ذكره في الروضة تبعًا للرافعي.
الحديث (112). ولفظ [إِمَّا أنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أنْ يُقِيْدَ]: الحديث (2434)، ولفظ المتن في كتاب الديات: باب من قُتِلَ لَهُ قتِيل: الحديث (6880). ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب تحريم مكة وصيدها: الحديث (447/ 1355).
فَائِدَةٌ: قيل: إنه كان في شرع موسى -عليه السلام- تحتم القِصَاص جَزْمًا، وفي شرع عيسى -عليه السلام- أخذ الدية فقط، فخفف الله عن هذه الأمة وخيَّرَها بين الأمرين لما في الإلزام بأحدهما من المشقة.
وَلَيسَ لِمَحْجُورِ فَلَس عَفْوٌ عَن مَالٍ إِن أَوجَبنَا أَحَدَهُمَا، أي أحد الأمرين للتفويت على الغرماء، وَإلا، أي وإن قلنا: الواجب القود عينًا، فإن عَفَى عَلَى الدِّيَّةِ ثَبَتَت، وَإن أَطْلَق فَكَمَا سَبَقَ، أي فيما إذا عفى مطلقًا، فإن قلنا: إنه يوجب الدية ثبتت وإلا فلا، والمذهب عدم الوجوب كما سلف، فَإن عَفَى عَلَى أن لا مَالَ، فالمَذْهَبُ: أَنهُ لا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لأن العفو مع نفي المال لا يقتضي مالًا، فلو كلفنا المفلس أن يُطلق ليثبت المال كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب، وليس على المفلس أن يكتسب، وأشار بقوله (فَالمَذْهَبُ) إلى ذكر طريقين، وبيان ذلك أنا إذا قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال فالمقيد بالنفي أولى، وإلّا فوجهان أصحهما هذا، والثاني: الوجوب؛ لأنه لو أطلق العفو لوجب المال، فالنفي كالاسقاط لما له حكم الوجوب وقد اقتضى كلام المصنف في باب التفليس الجزم بالصحة أيضًا فإنه قال: يصح اقتصاصه وإسقاطه، ومقتضاه: أنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون مجانًا أو على مال.
وَالْمُبَذِّرُ فِي الديةِ كمُفْلِسٍ، أي في حكمه الذي قررناه آنفًا، وَقِيلَ: كَصَبِي، أي فلا يصح عفوه عن المال مجانًا.
لأنا؛ وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فإذا تصدى له مال لم يَجُز له تركه كما لو وهب له شيء أو أوصي له بشيء فلم يقبل؛ فوليه يقبل عنه.
بخلاف المفلس، لا يقبل الغرماء عنه، ولا الحاكم.
وَلَوْ تَصَالَحَا عَلَى القَودِ عَلَى مِائَتَي بَعِيْرٍ لَغَا، إِن أوْجَبنَا أحَدَهُمَا، يعني القِصَاص أو الدية؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من ألف على ألفين، وَإلا، أي وإن قلنا بالأصح وهو أن الواجب القود عينًا والدية بدل عند سقوطه، فَالأصَحُّ: الصِّحةُ؛ لأنه مال يتعلق باختيار المستحق والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره كبدل
الخلع، والثاني: لا؛ لأن الدية هي التي تخلف القِصَاص عند سقوطه فلا يزاد عليها.
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ رَشِيْدٌ: اقْطَعنِي، فَفَعَلَ، فَهَدَرٌ، أي لا قصاص ولا دية، كما لو أذن في إتلاف ماله، فإنه لا ضمان بإتلافه، فَإن سَرَى، أي القطع، أوْ قَالَ: اقتُلْنِي، فَهَدَر.
وَفِي قَولٍ: تجِبُ دِيَّة، هذا الخلاف مبني على أن الدية هل تجب للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول أم تجب للمقتول في آخر جزء من حياته؛ ثم تنتقل إليهم؟ إن قلنا بالأول وجبت، ولم يؤثر إذنه وإلّا فلا، وهذا الثاني: أظهر، أعني الانتقال إليهم؛ لأنه تنفذ منها ديونه ووصاياه، ولو كانت للورثة لم يكن لذلك، وهذا كله فِي الدية، أما القِصَاص ففيه طريقان أشهرهما القطع بنفيه، كما جزم به المصنف، وجعل الإذن شبهة دارئة، والثاني: طرد الخلاف فيه، ووجه الوجوب بأن القِصَاص ثبت للورثة ابتداءً.
فَرْعٌ: إذا قلنا: لا دية فالكفارة واجبة على الأصح، ولا تؤثر فيها الإباحة.
وَلَو قُطعَ، عضو إنسان كأصبعه أو يده، فَعَفَى عَن قَوَدِهِ، وَأرشِهِ، فَإن لَم يَسْرِ فَلَا شَيْءَ، أي من قصاص أو ديَّة؛ لأن المستحق أسقط الحق بعد ثبوته فيسقط، وإن سَرَى، أي إلى النفس، فَلَا قِصَاصَ، أي كما لا قصاص في الطرف؛ لأن السراية تولدت من معفوٍ عنه، فصارت شبهة دارئة (•)، وَأما أرْشُ العُضوِ فَإن جَرى لَفْظُ وَصِيًةِ كـ (أَوْصَيْتُ لَهُ بِأرش هَذِهِ الْجِنايَةِ) فَوَصِية لِقاتِل، أي وقد سبق الخلاف فيها في كتاب الوصية، فإن أبطلناها لزمه أرش اليد، وإن صححناها سقط الأرش إن خرج من الثلث وإلّا سقط منه قدر الثلث، أَو لَفظُ إِبرَاءٍ، أي وإن جرى لفظ إبراء أوْ إِسقَاط، أَوْ عَفْوٌ، أي بأن قال: أبرَأتُهُ عن أرش هذه الجناية، أو أسقطته، أو عفوت عنه، سَقَطَ، أي قطعًا؛ لأنه إسقاط حق ناجز، والوصية هي التي تتعلق بحال الموت، وَقِيلَ: وَصِيَّة، بدليل الاعتبار من الثلث فيعود الخلاف في الوصية للقاتل، والطريقة الأولى هي الصحيحة، وهي القطع بعدم مجيء الخلاف، وَتجِبُ (•) في النسخة (1): دامغة.
الزيادَةُ عَلَيهِ، أي على أرش العضو، إِلَى تمَامِ الدَّيةِ، وَفِي قَوْلٍ: إِن تَعَرَّضَ فِي عَفْوِهِ لِمَا يَحدُثُ مِنْهَا سقَطَت، اعلَم: أن ما تقدم في أرش العضو، وأما الزيادة عليه إلى تمام الدية فهي واجبة إن اقتصر على العفو عن موجب المال، ولم يقل وما يحدث منها، فإن قال وما يحدث! نُظِرَ، إن قاله بلفظ الوصية ففيه الخلاف في الوصية للقاتل، ويجيء في جميع الدية ما ذكرناه في أرش العضو، وإن قال عفوت عنه أو أبرأته عن ضمان ما يحدث أو أسقطته ففي تأثيره فيما يحدث قولان أظهرهما: لا، فيلزمه الضمان، وهما القولان في الإبراء عما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، وهذا كله إذا كان الأرش دون الدية، فأما إذا قطع يديه فعفى عن أرش الجناية وما يحدث منها، فإن لم تصحح الوصية وجبت الدية بكمالها، وإن صححناها سقطت بكمالها إن وفّى بها الثلث، سواء صححنا الإبراء عما لم يجب، أو لم نصححه؛ لأن أرش اليدين ديةٌ كاملةٌ فلا يزيد بالسراية شيء، فَلَو سَرَى إِلَى عُضْوِ آخَرَ فاندَمَلَ، أي بأن قطع أصبعه فتآكل باقي الكف منها ثم اندمل، ضَمِنَ دِيةَ السرَايَةِ فِي الأصَحِّ؛ لأنه عفى عن موجب الجناية الحاصلة في الحال فتقتصر عليه، والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقطت الجناية بالعفو صارت الجناية غير مضمونة، وإذا كانت الجناية غير مضمونة كانت السراية أيضًا غير مضمونة، كما إذا قال لغيره: اقطع يدي فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر، أما سقوط دية العضو المقطوع بالعفو فلا يختفي، ولا قصاص أيضًا والحالة هذه، ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف ما إذا اقتصر العفو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: عفوتُ عن هذه الجناية، وما يحدث منها، فيسري قطع الأصبع إلى قطع الكف، فإن لم نوجب ضمان السراية إذا أطلق فهنا أولى، وإن أوجبناه فيخرج هاهنا على الإبراء عما لم يجب، وجرى سبب وجوبه وقد تلخص من كلام المصنف من عند قوله ولو قطع فعفى إلى هنا أن للمسألة ثلاث حالات، أحدها: أن يندمل ولا يسري، وثانيها: أن يسري القطع إلى النفس، وثالثها: أن يسري إلى عضو آخر، وقد أوضحنا ذلك.
فَصلٌ: وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَة طَرَفٍ، أي بأن كان الجاني قد قطع يد
المجني عليه، ومات بالسراية، لَو عَفَى عَنِ النفسِ فَلَا قَطْعَ لَهُ؛ لأن المستحق هو القتل والقطع طريقه وقد عفى عن المستحق له، أَوْ عَنِ الطرَفِ فَلَهُ حَز الرَّقبة فِي الأصَح، لأنه متمكن من العدول إلى حزِّ الرقبة فلعله قصد ذلك، والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه.
وَلَو قَطَعَهُ، أي الولي بسبب القطع السارى، ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَانًا، فَإن سَرَى القَطْعُ بَان بُطْلَان العَفْوِ، وَإِلا، أي وإن وقف، فَيَصحُّ، العفو ولم يلزمه بقطع اليد شيء، وكذا لو كان قتله بغير القطع وقطع الولي يده متعديًا ثم عفى عنه لا ضمان عليه لأنه قطع يد من يباح له دمه فلا يلزمه قصاص ولا ضمان، كما لو قطع يد مرتد.
والعفو إنما يؤثر فيما تبقى لا فيما استوفى، فلا يخفى أن قول المصنف (وَلَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا...) إلى آخره من تمام حكم قوله (وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَةِ طَرَفٍ) فإنه تارة يعفو، وتارة يقطع، فذكر الأول ثم الثاني، وَلَو وَكلَ، أي باستيفاء القِصَاص، ثم عَفَى فاقتص الوَكيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصاص عَلَيهِ، لقيام العذر به، أما إذا كان عالمًا به فالقِصَاص واجب قطعًا، وَالأظْهَرُ: وُجُوبُ دِيَّة؛ لأنه تبين أنه قتله بغير حق فتجب دية مغلظة، وقيل: مخففة، والثاني: لا؛ لأنه عفى بعد خروج الأمر من يده فوقع لغوا، وأنها عليه لا على عاقلته؛ لأنه متعد، وإنما سقط القصاص للشبهة فتجب حالةً لا مؤجلة على الأصح من زوائد الروضة، والثاني: أنها على العاقلة لأنه فعلَ (•) جاهلًا بالحال فكان كالمخطئ، وقوله (وأنه تجب عليه) عطف على الأظهر، وصوابه في هذا إبدال الأظهر بالأصح كما فعله في الروضة تبعًا للرافعي، وَالأصحُّ أنَّهُ لَا يَرْجِعُ، أي الوكيل الغارم، بِهَا، أي بالدية، عَلَى العَافِي؛ لأن العافي محسن بالعفو غير مغرّرٍ بخلاف الغاصب إذا قدم الطعام المغصوب إلى الضيف، والثاني: يرجع، والثالث: يرجع الوكيلِ دون العاقلة، وَلَو وجَب قصَاصٌ عَلَيهَا، أي بأن جنت على شخص، فَنَكحَهَا عَلَيْهِ، أي هو أو وارثه، جَازَ؛ لأنه عوض مقصود، (•) في النسخة (1): قتل.
وَسَقَطَ، أي القِصَاص لملكها قصاص نفسها، فإن فارَقَ قَبلَ الوَطء رَجَعَ بِنِصف الأَرْشِ؛ لأنه المسمى فِي العقد وقد فات، وَفي قَوْل: بِنِصْفِ مَهْرِ مِثلٍ، والخلاف شبيه بما إذا أصدقها عبدًا فظهر حرًا هل ترجع عليه بالمهر أو بقيمة العبد؟
كِتَابُ الدِّيَّاتِ
الدِّيَّاتُ: هِيَ جَمْعُ دِيَّةٍ، وَهِيَ الْمَالُ الواجِبُ بِالجِنايَةِ عَلَى الحُر في نَفْسٍ أوْ طَرَفٍ، وَهِيَ مَصْدَرٌ، وَوَزْنُها فِعْلَة عَلَى وَزْنِ فِدية مُشْتَقة مِنَ الْوَدِي: وَهُوَ دَفْعُ الدِيَّةِ كالْعِدَّةِ مِنَ الوَعْدِ، والشِّيَةِ مِنَ الوَشِي وَنَظائِرِهِ، والأَصْلُ في البابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 1 وَكِتابُ عَمرِو بنِ حَزْم وَقَد ذَكَرتُهُ مُطَولًا في التحفَةِ دَلَائِلُ هَذَا الكِتابِ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيح (168)؛ وَسَيأتِي مِنْهُ في البابِ ما يَحتاجُ إِلَيهِ.
في قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسلِمِ مِائَةُ بَعِيْرٍ، بالإجماع، ولحديث عمرو بن حزم المذكور، وهو بيان المُجمَلِ في قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وروى ابنُ قتيبةَ: أن أوَّلَ مَنْ قَضَى بأنها مِائَة مِنَ الإِبلِ أبو سيَّارَةَ، وقيل: عبد المطلب، فجاءت الشريعةُ مُقَرِّرَةً لها، مُثَلَّثَة في الْعَمدِ: ثَلاثون حِقة، وَثَلاثون جَذَعَةً.
وَأَربعُون خَلِفَةً: أَيْ حامِلًا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَن قَتَلَ مُتَعَمدا دُفَعَ إِلَى أوْلياءِ المَقتُولِ، فَإِنْ شاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شاؤُوا أَخَذُوا الْدِيَّةَ وَهِيَ ثَلاُثونَ حِقَّةً؛ وَثلاثونَ جَذَعَةً؛ وَأَربَعُونَ خَلِفَةً] رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حسنٌ غريب 2،3