وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا، لثبوته في الإغماء 1، والجنون من باب أَوْلى لأن قلَّ مَنْ جُنَّ إلاَّ وَأَنْزَلَ، وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، أي بعده تعظيماً للإسلام، وقد أمر به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قيس بن عاصم وغيره 2، وإنما لم يجب لأن جماعة أسلموا فلم يأمرهم به - صلى الله عليه وسلم - 3، ثم هذا إذا لم يجنب في حال كفره، وإلاّ فالأصح أن يلزمه، ولو اغتسل في كفره، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ، لما سيأتي في بابه إن شاء الله.
فَرْعٌ: ينوي بهذه الأغسال أسبابها إلاّ الإغتسال من الجنون فإنه ينوي الجنابة والمغمى عليه، كذا نقل عن صاحب الفروع وفيه نظر.
وَآكَدُهَا غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمُعَةُ، لأن غسل الميت عنده واجب على المشهور، والغسل من غسل الميت اشْتَهَرَ الْخِلاَفُ فيه، وَعَكْسُهُ الْقَدِيمُ، أى فقال: واللفظ لابن حبان كما جاء في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب نواقض الوضوء: ذكر الأمر بالوضوء من حمل الميت: الحديث (1185).
إن غسل الجمعة آكد منه، لأن الأخبار فيه أصح وأثبت.
قُلْتُ: اَلْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللُّه أَعْلَمُ، قُلْتُ: في هذه الدعوة أعني أنه ليس للجديد حديث وقفة عظيمة تتضح لك بمراجعة الشرح وتصحيح الترمذي وابن حبان وابن السكن، لحديث أبي هريرة فيه 1. وابن خزيمة والحاكم والبيهقي، لحديث عائشة فيه 2.
وَيُسَنُّ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، للحديث السالف، ويستثنى الإمام من ذلك، مَاشِياً بِسَكِينَةٍ، أي إن لم يضق الوقت للحث عليها، وخالف الماوردي فقال في إقناعه: يمشي إليها بسكينة وإن خاف الفوات 3، وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمَدُ
إِلَى الصَّلاَةِ فَهُوَ فِي صَلاَةٍ] رواه مسلم 4 وفي الصحيحين [وَأَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا
دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ] 1 وفي التنزيل ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ... ﴾ 2، وَلاَ يَتَخَطَّى، للنهي عنه، نعم إن كان إماماً أو بين يديه فرجة فإنه لا كراهة، ويستثنى من الثانية ما إذا زاد التخطي على صفين كما نص عليه في الأم 3، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَطِيبٍ وَإِزَالَةِ الظُّفْرِ، أي إن طال لأحاديث في ذلك 4، وَالرِّيحِ، أي الكريهة لئلا يؤذي الناس.
قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، للحث عليه 5، وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ، رجاء أن يصادف ساعة الإجابة،
وَالصَّلاَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، للأمر بالاكثار منها كما صححه الحاكم وغيره 1، وفي مقدم فضائل الأوقات للبيهقي من حديث أبي عميس عن عون بن عبدالله عن أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنها قالت: [مَنْ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللُّه أَحَدٌ وَالْمُعَوَّذَتَيْنِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حُفِظَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى]، وفي رواية: [مَنْ قَرَأَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ] 2. وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ، أي من تلزمه، التَّشَاغُلُ بالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، أي كالصنائع وكل ما يشغل عن السعي إليها، بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَينَ يَدَيِّ الْخَطِيبِ، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ 3 ولو تبايع رجلان أحدهما تلزمه، والآخر لا تلزمه، حرم عليهما على الأصح، وخرج بقوله (بَيْنَ يَدَيِّ الْخَطِيْبِ) النداء الأول، فَإِنْ بَاعَ صَحَّ، لأن النهى لمعنى خارج عن العقد فلم يمنع الصحة كما في الصلاة في الدار المغصوبة، الإسناد ولم يخرجاه.
وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه دخل وقت وجوب الجمعة، أما قبل الزوال فلا يكره بحال.
فَائِدَةٌ: في فضائل الأوقات للبيهقي من حديث عمر رفعه: [إِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ عِنْدَ اللهِ صَلاَةُ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي جَمَاعَةٍ] وفيه عن سهل بن سعد رفعه: [إِنَّ لَكُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ، فَالْحَجَّةُ الْهَجِيْرُ لِلْجُمُعَةِ وَالْعُمْرَةُ انْتِظَارُ الْعَصْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ] 1 ثم قال: هذا حديثان غريبان، فنسأل الله استعمالهما، وفي الدعوات للمستغفري عن عراك بن مالك؛ أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف في باب المسجد فقال: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتَ فَرِيْضَتَكَ وَانْتَشَرْتُ لِمَا أَمَرْتَنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِيْنَ.
فَصْلٌ: مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ، أي المحسوب للإمام لا كالمحدث كما سلف، أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلَّيَ بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ رَكْعَةً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى] رواه الحاكم، وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين 2، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ فَاتَتْهُ، لمفهوم الحديث المذكور، فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلاَمِهِ ظُهْراً أَرْبَعاً، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ، أي هذا المدرك بعد ركوع الثانية، يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ، موافقة للإمام، والثاني: الظهر، لأنها التي تحصل له، وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا، أي من الصلوات، بِحَدَثٍ، أي تعمده أو سبقه، أوْ غَيْرِهِ، أي كرُعاف وبلا سبب أيضاً، جَازَ الاِسْتِخْلاَفُ فِي الأَظْهَرِ، لأن عمر - رضي الله عنه - استخلف في صلاته كما رواه البيهقي 3، والثاني: المنع، لأنها صلاة واحدة فلا تجوز
بإمامين، كما لا يجوز الاقتداء بهما معاً.
فَرْعٌ: لو لم يستخلف في الجمعة وجب على القوم في الأُولى دون الثانية.
وَلاَ يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إِلاَّ مُقْتَدِياً بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ، لأنه لا يجوز افتتاح جمعة بعد جمعة، وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلاَ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا، أما الاولى فوجه الاشتراط فيها القياس على ما إذا استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها ليصلي بهم فإنه لا يجوز، ووجه عدمه أنه بالإقتداء صار في حكم من سمع الخطبة، وأما الثانية: فوجه الاشتراط بناء على أنه غير مدرك الجمعة، ووجه عدمه أن الخليفة
الذي كان مقتدياً بالإمام بمثابة الإمام، وقوله: على الأصح صحيح في الأُوْلى دون الثانية فَصَوَابُهُ: التعبير فيها بالأظهر كما ذكره في أصل الروضة وغيرها، ثُمَّ إِنْ كاَنَ أَدْرَكَ الأُوْلَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ وَإلَّا فَتَتِمْ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة فيتمها ظهراً، والثاني: تتم له جمعة أيضاً، ونقله العمراني والمتولي عن أكثر الأصحاب لأنه صلّى ركعة من الجمعة في جماعة فتتم الجمعة كما لو صلّى ركعة منها مأموماً، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلَفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُواْ، لأنه قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَلاَ يَلْزَمُهُمْ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ، لأن الغرض من الإستخلاف إِدَامَةُ الْجَمَاعَةِ التي كانت وتنزيل الخليفة منزلة الأول، والثاني: يلزمهم استئنافها لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، ألا ترى أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
فَصْلٌ: وَمَنْ زُوحِمَ عَنِ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَعَلَ، لقول ابن عمر - رضي الله عنه -: (إِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيْهِ) 1 ولا نعرف له مخالفاً، ولا بُدَّ من رعاية هَيْئَةِ السَّاجِدِيْنَ وإلّا فلا يفعله، وحكم ظهر البهيمةِ كَالإِنْسَانِ قاله الشيخُ وكذلك عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ الأثر (5359).
نصر، وَإِلَّا، أي إذا لم يمكنه السجود، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَلاَ يُومِئُ بِهِ، لقدرته عليه ونُدور هذا القدر وعدم دوامه، والثاني: أنه يومئُ بالسجودِ أقصى ما يمكنه لمكان العذر، والثالث: يتخير بينهما، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ، أي في الثانية، سَجَدَ، تداركاً له عند زوال العذر، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ قَرَأَ، جرياً على متابعتهِ وتخلفه بعذر، فإن رفع الإمام قَبْلَ أن يُتِمَّ الفاتحةَ؛ فالأصح أنه يتابعه ويترك القراءة، أَوْ وَالإِمَامُ رَاكِعٌ فَالأَصَحُّ يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، لأنه لم يدرك محلها فسقطت عنه، والثاني: يلزمه قراءتها ويسعى وراء الإمام وهو متخلف بعذر؛ لأنه مُؤْتَمُّ بالإمام في حال قراءته فلزمته بخلاف المسبوق، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ، لأَنَّهُ فاتتهُ ركعة كالمسبوق، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ فَاتَتِ الْجُمُعَةُ، لأنه لم يدرك معه ركعة، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ، أي في الثانية، فَفِي قَوْلٍ يُرَاعِي نَظْمَ نَفْسِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُواْ] 1 وقد سجد الإمام في الأُوْلى فيسجد هو امتثالاً للأمر، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، لأن متابعةَ الإمامِ آكدُ، ولهذا يتبعه المسبوق إذا أدركه راكعاً ويترك القراءة والقيام، وُيحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، لأنه أتى به وقت الاعتداد بالركوع، وركوعه الثاني إنما كان للمتابعة، والثاني: بحسب الثاني لتعقبه السجود، فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الأُوْلَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَيُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ فِي الأَصَحِّ، لإطلاق الحديث السالف: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى] 2، والثاني: لا، لنقصانها، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِماً بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ، أى تفريعاً على الأظهر، بَطَلَتْ صَلاَتَهُ، لأنه سجد في موضع الركوع عالماً بتحريمه، وَإِنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، لأنه أتى به في غير موضعه، ولا تبطل به صلاته، لقيام العذر به، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِياً حُسِبَ، قاله جماعةٌ، واستشكله الرافعي وأشار إليه في (•) في النسحة (2) و (3): يَرْعَى.
الْمُحَرَّرِ بقوله المنقول: إنه يحتسب به، وَالأَصَحُّ إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلاَمِ الإِمَامِ، لما سلف في الركعة الملفقة، وَلَوْ تَخَلْفَ بِالسُّجُودِ نَاسِياً حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأَنَّهُ مُفَرطٌ بالنسيانِ فلا يجوز له ترك المتابعة، والطريق الثاني فيه القولان في المزحوم هل يتبع الإمام أم يشتغل بما عليه، وصححها الرافعي في الْمُحَرَّرِ، والأُوْلى صححها الروياني والشيخ أبو حامد.
بِابُ صَلاَةِ الْخَوْفِ
الأَصْلُ فِيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيْهِمْ... ﴾ الآية 1، وَفَعَلَتْهَا الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ، هِيَ أَنْوَاعٌ، أي تزيد على العشرة، اختار الشافعي منها ما ذكره المصنف: الأَوَّلُ: يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي، جهة، الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبُ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ، وَيُصَلّيَ بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتَيْهِ وَحَرَسَ صَفٌّ، فَإِذَا قَامُواْ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلاً، وَحَرَسَ الآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَّهَدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِعُسْفَانَ، هذه الكيفية رواها مسلم من حديث جابر، لكن فيه أن الصف الأول سجد معه في الركعة الأُولى، والثاني: في الثانية، وذكر الشافعي في المختصر عكس ذلك وكلاهما جائز، والأفضل ما ثبت في السُّنَّة 2، وَلَوْ حَرَسَ فِيهِمَا،
أي في الركعتين، فِرْقَتَا صَفِّ، أي على التناوب، جَازَ، أى قطعاً كالصفين، وَكَذَا فِرْقَةٌ، أي تحرس فيهما، فِي الأَصَحِّ، لأنه قد لا يَتَأَهَّلُ للحراسةِ إلاّ مُعَيَّنُونَ، والثاني: لا يجوز، لأن التخلف يتضاعف حينئذ ويزيد على ما ورد به الخبرُ.
• الثَّانِي: يَكُونُ فِي غَيْرِهَا فَيُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ، هذه الكيفية متفق عليها في الصحيحين 1.
• أوْ تَقِفُ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ، وَيُصَلِّيَ بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدَوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُواْ فَأَتَمُّواْ ثَانِيَتَهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلاَةُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذَاتِ الرِّقَاعِ، هذه الكيفية متفق عليها أيضاً فيهما 2، وَالأَصَحُّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ، صلاة، بَطْنِ نَخْلٍ، لأنها أعدل بين الطائفتين، والثاني: عكسه ليحصل لِكُلِّ واحدٍ فضيلة جماعة بالتمام، وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ، أى الفرقة الثانية، وَيتَشَهَّدُ، لأن السكوت مخالف لهيئة الصلاة، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ، ليدركهما معه الفرقة الثانية، ولا فرق بين الفاتحة وغيرها قاله الفارقي، فَإِنْ صَلَّى مَغْرِباً فَبِفِرْقَةٍ رَكعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ، لأن عكسه يكلف الثانية تشهداً غير محسوب لها لوقوعهِ في أَوَّلِهَا، والثاني: الأفضل والنسائي في السنن: كتاب صلاة الخوف: ج 3 ص 175 - 176. والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة الخوف: الحديث (6119). • حديث أبي عياش الزُّرَقِيِّ.
رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب صلاة الخوف: الحديث (1236). والنسائي في السنن: كتاب صلاة الخوف: ج 3 ص 77 - 178. والبيهقي في السنن الكبرى: الحديث (6118).
عكسه تأَسِّياً بعليٍّ - رضي الله عنه - ليلة الْهَرِيْرِ (•)، وَيَنْتَظِرُ، أي تفريعاً على الأظهر الفرقة الثانية،
فِي تَشَهُّدِهِ، أى الأول، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ، أى انتظاره في قيام الثالثة، أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأُولى على التخفيف، والثاني: أن انتظاره في التشهد أفضل ليدركوا معه الركعة من أولها.
وقوله (فِي الأَصَحِّ) صوابه في الأظهر كما فِي الروضة تبعاً للشرح، أَوْ رُبَاعِيَّةً، أي بأن كانوا في الحضر أو أرادوا الإتمام في السفر، فَبِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً، أي وفارقته كل فرقة من الثلاثة الأُولى، وصلَّت ثلاثاً وسلمت وهو منتظر فراغها ومجئ أخرى، وانتظر الرابعة في التشهد حتى أتموا وسلم بهم، صَحَّتْ صَلاَةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ، لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، والثاني: تبطل صلاة الجميع، وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ، أي إذا فرقهم فرقتين، مَحْمُولٌ فِي أُوْلاَهُمْ، لأنَّهُ حالُ القدوة، وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لأنه في حكم القدوة وهو منتظر لهم، فهو كَسَهْوِهِمْ في سجدة رَفع الإمام منها، والثاني: لا، لأنهم منفردون بها حقيقة، ويعبر عن الخلاف؛ بأنهم يفارقونه
حكماً أم لا؟ لاَ ثَانِيَةُ الأُوْلَى، لانقطاعهم عن الإمام حقيقة وحكماً، وَسَهْوُهُ فِي الأُوْلَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لاَ يَلْحَقُ الأَوَّلَيْنِ، لمفارقتهم له قبل السهو، وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلاَحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، احتياطاً، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لظاهر الآية، ووجه الاستحباب أن وضعه لا يفسد الصلاة قطعاً، والخلاف مخصوص بطهارة السلاح وعدم منعه صحة الصلاة وأن لا يؤذي غيره، وأن لا يظهر الخطر بتركه،
والوضع بين يديه كالحمل.
• الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ قِتَالٌ أَوْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ، أى وإن لم يلتحم القتال فلم يَأْمَنُواْ أن يركبوهم إذا انقسموا فرقتين، فَيُصَلِّيَ كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِباً وَمَاشِياً، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1 أي مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، (•) الْهَرِيْرُ: يقالُ هرِيْرُ الْكَلْبِ: صَوْتُهُ دُوْنَ نُبَاحِهِ مِنْ قِلَّةِ صَبْرِهِ عَلَى الْبَرْدِ.
وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، أي بسبب العدو للضرورة، وَكَذَا الأَعْمَالِ الْكَثِيرَةِ، أي كالضربات المتوالية، لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، كما لو اضطروا إلى المشي فمشوا، والثاني: لا لندوره، وهو ضعيف؛ لأنه إنكار للمشاهدة، والثالث: تبطل إن كُرِّر في شخص لا أشخاص، أما إذا لم يحتج إليها فإنها تبطل قطعاً، لاَ صيَاحٍ، أي فإنه لا يعذر فيه مطلقاً لعدم الحاجة إليه بل الكمىُّ الْمُقَنَّعُ السَّاكِتُ أَهْيَبُ (•)، ويلْقِي السِّلاَحَ إِذَا دُمِيَ، لأنه يبطل الصلاة، قال الإمام: أو يرده سريعاً إلى قرابه الذي تحت ركابه، وخالف الروياني، فَإِنْ عَجَزَ أَمْسَكَهُ، وَلاَ قَضَاءَ فِي الأَظْهَرِ، لأن التلطخ به غالب، والثاني: يجب لندوره، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ، لقول ابن عمر - رضي الله عنه -: (وَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكَثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَصَلِّ رَاكِباً أَوْ قَائِماً تُوْمِئُ إِيْمَاءً) رواه مسلم 1، وَالسُّجُودَ أَخْفَضَ، أي جعله أخفض من الركوع تمييزاً بينهما، وَلَهُ ذَا النَّوْعِ، أي وهو صلاة شدة الخوف 2، فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، أي فلا يجوز في القتال المحرم بالإجماع، والمراد بالمباح هنا مالا إثم فيه ولو كان واجباً كقتال البغاة، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ وَسَيْلٍ، أي إذا لم يجد معدلاً عنهما لوجود الخوف، وَسَبُعٍ، أي لَمْ تكُونُواْ تَعْلَمُونَ}.
(•) الكميُّ: الشُّجَاعُ الَّذِي كَمَى نَفْسَهُ أَيْ سَتَرَهَا بِاللُّبْسِ يُقَالُ: أَكْمَى الشَّيْءَ إِذَا سَتَرَهُ.
وَالْمُقَنَّعُ لاَبِسُ الْبَيْضَةِ.
وكذا حَيَّةٍ لما قلناه، وَغَرِيمٍ عِنْدَ الإِعْسَارِ وَخَوْفِ حَبْسِهِ، أي ولا يَجِدُ بَيِّنَةً دفعاً لضرر الحبس.
فَرْعٌ: إذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال فالأظهر لا إعادة.
وَالأَصَحُّ مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، أي صلى متمكناً العشاء؛ لأنه مُحَصِّلٌ لا خائف فأشبه متبعُ أقفيةِ الكفَّارِ؛ فعلى هذا الأشبه عند الرافعي أنه يصلي مستقراً ويفوت الْحَجَّ، وصحح المصنف خلافه، والوجه الثاني: يصلي صلاة شدة الخوف ليجمع بين الحج والصلاة وليس يبعد، وقال في شرح المهذب: إنه ضعيف وجعله هنا وجهاً قوياً، وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ، أي إبلاً أو شجراً، ظَنُّوهُ عَدُوّاً فَبَانَ
غَيْرُهُ، أي الحال، قَضَوْا فِي الأَظْهَرِ، لعدم الخوف في نفس الأمر، والثاني: لا؛ لقيام الخوف حينئذٍ، وهذا إذا صلّوا صلاة شدة الخوف، فإن صلّوا صلاة الخوف فلا إعادة قطعاً كما قاله الماوردي، ووافقه البغوى في صلاة بطن نخل وأجرى الخلاف في غيرها، ولو رأوا عدواً فخافوهم فصلّوها ثم بَانَ أنه كان بينهم خندق فالقولان، وقيل: الإعادة قطعاً، ومحل الخلاف في المسألتين إذا كان العدو زائداً على الضِّعْفِ حتى يجوزَ لهم الهرب وإلاّ فيجب الإعادةُ قطعاً، قاله الأَصْبَحِيُّ في الْمُعِيْنِ.
فَصْلٌ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، أي كاللبس والتدثر، أما اللبس فَمُجْمَعٌ عليه وأما سواه فلقول حذيفة: [نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيْرِ وَالدِّيْبَاجِ وَأنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ] رواة البخاري 1، والقز كالحرير على الأصح، والخنثى كالرجل وفيه احتمال.
وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، بالإجماع 2، وَالأَصَحُّ تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، لأنه أُبيح لهن
لبسه للتزين للزوج وهو مُنْتَفٍ هنا، والثاني: لا، لما سيأتى، وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إِلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ، لأنه ليس مكلفاً ولا في معنى الرجل، قال في البيان: وهو المشهور، قال في الروضة هنا: وصححه المحققون، وقال في الزكاة: إنه الأصح المنصوص ما لم يبلغوا، والثاني: لا، كما يمنعه من شرب الخمر ونحوه، ورَجَّحَهُ ابنُ الصلاح، والثالث: يجوز قبل سبع سنين لا بعده كيلا يعتاده ورجحه الرافعي في شرحيهِ، ومحل الخلاف في غير يوم العيد، أما يوم العيد فيجوز تزينهم به وبالذهب قطعاً لأنه يوم زينة، وليس على
الصبيان تَعَبُّدٌ، نقله المصنف في شرح المهذب في باب صلاة العيدين عن الشافعي والأصحاب.
قُلْتُ: الأَصَحُّ حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيرُهُمْ، وَاللُّه أَعْلَمُ، كاللبس ولا نسلم أن إباحته لمجرد التزيين للزوج كما علل به القائل بالتحريم ثم إذ لو كان كذلك، لاختص بذات الزوج وأجمعوا على أنه لا يختص.
وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ أَوْ فُجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحَكَّةٍ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ لِبْسَهُ لِحِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا، متفق عليه 1، وَالْحِكَّةُ بكسر الحاء قال الجوهري: هي الْجَرَبُ فينكر على المصنف جمعه بينهما 2، وَدَفْعِ قَمْلٍ، لأنه لا [أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيْرُ لإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا] رواه الإمام أحمد في المسند: ج 4 ص 394 و 407. والنسائي في السنن: كتاب الزينة: باب تحريم الذهب على الرجال: ج 8 ص 161 وإسناده صحيح وله شواهد.
• وقوله بالإجماع؛ لا يريد به دليل إجماع الصحابة، بل أراد به اتفاق علماء المذهب على هذه الفتوى بلا خلاف ولا قول ولا وجه؛ بل قولاً واحداً.
يقمل، وفي الصحيحين أيضاً أَنَّ ابن عوفٍ والزبير شَكَيَا القمل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيْصِ الْحَرِيْرِ في غزاة لهما 1، ولا يختص ذلك بالسفر على الأصح خلافاً لابن الصلاح، وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لاَ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، أي في دفع السلاح لأنه يحصنه؛ فإن وجد غيره مما يقوم مقامه؛ فالأصح التحريم لعدم الضرورة.
وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ ابْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الاِبْرِيسَمِ، تغليباً للحرام، وَيَحِلُّ عَكْسُهُ، أي كالخزِّ، وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ، لأنه لا يسمى ثوبَ حريرٍ والأصل الحلُّ، والثاني: يحرم تغليباً للتحريم، وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ، أما الأول: فلأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إنما نهى عن الثوب المصمت من الحرير، أما العَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فلا بأس به، رواه أبو داود عن ابن عباس 2،
ويشترط أن لا يجاوز الطراز قدر أربع أصابع فإن جاوزها حرم، وأما المطرف وهو المسجّف فلأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كانت له جبة مكفوفة الجيب والفرجين وَهُوَ إِمْرَارُ جِرْمٍ عَلَى جِرْمٍ صَكّاً، وَالإِسْمُ الْحِكَّةُ بِالْكَسْرِ.
وَتَحَاكَّا: اِصْطَكَّ جِرْمَاهُمَا فَحَكَّ كُلُّ الآخَرَ.
قُلْتُ: ولعل المراد في الحِكَّةِ عنده عموم وخصوص، والعموم هو اسم الفعل (الْحَكِّ) والمراد به إمرار الجرم على آخر، كما سيأتى في تأثير القمل عليهما، وبهذا يكون للجمع بينهما مناسبة، والله أعلم.
بالديباج، رواه أبو داود أيضاً 1 والشرط فيه الاقتصار على العادة، كما ذكره المصنف، وخرج بالحرير الذهب فإنه يحرم التطريز والتطريف به مطلقاً ومن أَلْحَقَهُ بِهِ فَقَدْ وَهِمَ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ، أى المتنجس، فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، أي كسجود الشكر لأنه ظاهر العين، نعم يُكرَهُ، لاَ جلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ، لأن الخنزير لا ينتفع به في حال حياته مطلقاً، وكذا الكلب إلا في أغراض مخصوصة، فلأنْ لا ينتفع بهما بعد الموت أَوْلى، وجلد فرع أحدهما ملحق بهما، إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ، أي ولم يجد سواه، وكذا إذا خاف على نفسه من حَرٍّ أو بَرْدٍ كما له أكل الميتة عند الاضطرار، وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ، أي في حال الاختيار، فِي الأَصَحِّ، مثار الخلاف أنَّ تحريم جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أو لِمَا خُصَّا به من التغليظ فيحرم على الأول ويحل على الثاني.
وَيَحِلُّ الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أى مع الكراهة سواء نجس بعارض أو كان نجس العين كَوَدَكِ الميتة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: [إِنْ كَانَ ذَائِباً أَوْ مَائِعاً فَاسْتَصْبِحُواْ بِهِ أَوْ فَانْتَفِعُواْ بِهِ] رواه الطحاوي، فقال: إنَّ رجالَهُ ثِقات 2، والثاني: لا يجوز؛ لأجل دُخَانِ النجاسة، وصحح المصنف في شرح المهذب في باب البيع: القطع بالأول؛ وهو مخالفٌ لجزمهِ هنا بطريقة القولين.
بَابُ صَلاَةِ الْعِيْدَيْنِ
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 1، قِيْلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلاَةِ صَلاَةُ عِيْدِ النَّحْرِ؛ وَبِالنَّحْرِ الأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ.
هِيَ سُنَّةٌ، لمواظبته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عليها، غير واجبة لحديث الأعرابي الصحيح: [هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ] 2، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأنها من شعائر الإسلام كرَدِّ السَّلامِ، ويُستثنى من ذلك الحاج بِمِنَى فإنه لا يخاطب بالعيد، نص عليه كما نقله الماوردي في كتاب الحج.
وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً، بالإجماع، وَلِلْمُنْفَرِدِ؛ وَالْعَبْدِ؛ وَالْمَرْأَةِ؛ وَالْمُسَافِرِ، كسائر النوافل، وَوَقْتُهَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، لخروج وقت الكراهة، وإن كان لها سبباً، ويقتضي كلام المصنف الفوات إذا شهدوا بالرؤية بعد الزوال يوم الثلاثين وعدلوا بعد الغروب، وقلنا الْعِبْرَةُ بالتعديل وهو الأصح، وليس كذلك بل يصلي من الغد أداءً
وَهِيَ رَكْعَتَانِ، بالإجماع 1، يُحْرِمُ بِهِمَا، أي بِيِنَّةِ صلاةِ العيدِ، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، كسائر الصلوات، ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كَبَّرَ في العيدين الأضحى والفطر ثنتى عشرة تكبيرة في الأُوْلى سَبْعاً وفي الاخرة خَمْساً سوى تكبيرة الإحرام، رواه الدارقطني وصححه البخاري 2.
فَرْعٌ: لو صلى خلف من يكبّر ثلاثاً أو ستاً تابعه على الأظهر لئلا يخالفه.
يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةِ مُعْتَدِلَةٍ، يُهَلِّلُ؛ وَيُكَبِّرُ؛ وَيُمَجِّدُ، لأثر فيه في البيهقي عن ابن مسعود بنحوه بسند جيد 3، قال المصنف في شرح مسلم: وجمهور العلماء على أن هذه التكبيرات ولاءً، خلافاً لعطاء والشافعي وأحمد 4.
وَيَحْسُنُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، هذا ما ذكره الجمهور، وهى الباقيات الصالحات على قول ابن عباس وجماعة 1، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لأنه استفتاح للقراءة فلتكن عَقِبَهَا، وَيَقْرَأُ، أي الفاتحة كما في سائر الصلوات، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْساً، أي سوى تكبيرة القيام، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، للحديث السالف 2، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيعِ، لحديث مرسل وأثر عن عمر - رضي الله عنه - منقطع ضعيف 3.
فَرْعٌ: يُسَنُّ أَنْ يَضَعَ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ بين كُلِّ تكبيرتين على الأصح.
(وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متواليةً متصلةً، وقال عطاءُ والشافعيُّ وأحمدُ يُستحبُّ بين كُلِّ تكبيرتين ذكر الله تعالى وروى هذا أيضاً عن ابن مسعود - رضي الله عنه -).
إهـ.
وَلَسْنَ، أي هذه التكبيرات الزائدة، فَرْضًا وَلاَ بَعْضًا، أى فلا سجود بتركهن عمدًا أو سهوًا، نعم يُكْرَهُ تركهُنَّ أو ترك واحدة منهن والزيادة فيهن نصَّ عليه، وَلَوْ نَسِيَهَا، أى التكبيرات، وَشَرَعَ فِي القِرَاءَةِ فَاتَتْ، لأن محلها قبل القراءه، فلو عاد لم تبطل صلاته والظاهر أن العمد كالنسيان، وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبَّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ، لبقاء القيام، وهو محله فإن ركع مضى في صلاته ولم يكبِّر، فإن عاد بطلت صلاته
جزمًا، قاله الرافعي ولعله مع العلم، أما الجاهل فيعذر.
وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الأُوْلَى ﴿ق﴾ وَفِي الثَّانيةِ ﴿اقْتَرَبَتْ﴾ بِكَمَالِهِمَا، اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - كما رواه مسلم 1، وثبت فيه أيضًا أنه قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ 2 قال في الروضة: وهو سُنَّة أيضًا، جَهْرًا، بالإجماع 3.
وَيُسَنُّ بَعْدَهُمَا خُطْبَتَانِ، اقتداءً به - صلى الله عليه وسلم - وبالخلفاء الراشدين فإنهم خطبوا بعدها،
والمعتمد في التكرار القياس على الجمعة 1.
أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمْعَةِ، أي كما بيناها في بابها، ولا يجب القيام هنا على الأصح، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ وَفِي الأَضْحَى الأُضْحِيَةَ، أى يذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه لأنه لائق بالحال، يَفْتَتِحُ الأُوْلَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، تكبيرات، وَلاَءً، لقول بعض التابعين أنه من السُّنَّة وهو موقوف على الأصح 2، قال الإمام: وتُشبه الخطبتين بصلاة العيد، فإن الركعة الأُولى تشمل على سبع تكبيراتٍ مع تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس تكبيرات مع تكبيرة القيام
والركوع، وهذه التكبيرات ليست من نفس الخطبة، وإنما هي مقدماتها نص عليه.
وَيُنْدَبُ الغُسْلُ، كالجمعة، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، كما في الأذان للصبح، وَفِي قَوْلِ بِالْفَجْرِ، كالجمعة والفرق ظاهر، وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، أي عند اتساعه؛ لأنه أفضل، وإنما خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى الصحراء لضيق مسجده، وَقِيلَ بِالصَّحْرَاءِ، تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ 3، إِلاَّ لِعُذْرٍ، أي
كمطر وغيره؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلَّى بِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيْدٍ لأَجْلِ الْمَطَرِ، رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد 1، واعلم أنه استثنى من ذلك مسجد مكة شَرَّفَهَا الله تعالى لسعته وفضله، وأَلْحَقَ الصيدلاني وجماعة به الصلاة في المسجد الأقصى وسكت عنه الجمهور.
وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ، يعني عند خروج الإمام إلى الصحراء اقتداءً بعلي كرَّم الله وجهه 2، وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، اقتداءً به عَلَيْهِ الْمَدِينَةِ مَطَرًا شَدِيْدًا لَيْلَةَ الْفِطْرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلِّى فِيْهِ الْفِطْرَ وَالأَضْحَى، ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الله بن عَامِرٍ بن رَبِيعَةَ: قُمْ فَأَخْبِرِ النَّاسَ مَا أَخْبَرْتَنِي، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بن عَامِر: (إِنَّ النَّاسَ مُطِرُواْ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَامْتنَعَ النَّاسُ مِنَ الْمُصَلَّى، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَيَّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَخْرُجُ بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّي يُصَلَّي بِهِمْ لأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِمْ وَأَوْسَعُ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ لاَ يَسَعُهُمْ، قَالَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَطَرُ فَالْمَسْجِدُ أَرْفَقُ).
رواه البيهقى في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب صلاة العيد في المسجد: الحديث (6350). • أما أنه في الصحراء تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ؛ لخبر بكر بن مبشر الأنصاري؛ قال: (كُنْتُ أَغْدُو مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى، فَنَسْلُكُ بَطْنَ بَطْحَان حَتَّى نَأْتِيَ الْمُصَلِّي فَنُصَلِّي مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ نَرْجِعُ مِنْ بَطْنِ بَطْحَان إِلى بُيُوتِنَا).
رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب إذا لم يخرج الإمام للعيدين من يومه: الحديث (1158).
الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، كما رواه البخاري وغيره 1، والأصح في سببه: أنه كان يذهب في أطول الطريقين، ويَرجع في أقصرهما، لأَنَّ الذهاب أفضل من الرجوع، ويقال: إنه ما مَرَّ من طريق إلّا وتفوح منها رائحة المسك، وقيل: فعل ذلك لتشهد له البقاع، فقد روي: [منْ مَشَى فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَهِدَتْ لَهُ الْبِقَاعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] 2، قال الماوردي: في معنى شهادة البقاع تأويلان، الأول: أن الله تعالى ينطقها بذلك، والثاني: أن الشاهد أهلها لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 3.
وقال ابن أبي حمزة في اقليد التقليد: هذا الحديث هو معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ 4.
فَرْعٌ: سائر العبادات كالجمعة، والصلاة وغيرها يُستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى، نبّه عليه المصنف في رياضه.
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، ليحصل القرب من الإمام، وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صَلاَتِهِ، لظاهر حديث أبي سعيد في الصحيحين 5، وَيُعَجِّلُ، إلى الخروج، فِي الأَضْحَى، للأمر لِلْخُرُوجِ) ووجه الاستدلال عنده - رضي الله عنه -، مِن جهة التنفيذ، عن الحارث الأعور - رضي الله عنه - قالَ: (مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ إلَى الْمُصَلَّى، قال: وَالْخُرُوجُ يَوْمَ الْعِيْدَيْنِ مِنَ السُّنَّةِ، وَلاَ يَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلاَّ ضَعِيْفٌ أَوْ مَرِيْضٌ).
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب صلاة العيدين: باب الإمام يأمر من يصلي بضعفة الناس: الأثر (6351 - 6353).
به، قال الماوردي في الإقناع: والاختيار أن يصلِّي الأضحى إذا مضى من النهار سُدُسُهُ وفي الفطر رُبُعُهُ 1. قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ، ويُمْسِكُ فِي الأَضْحَى، للاتباع؛ والفرق لائح، وفي الصحيح [أَنَّهُ عليه السلام كَانَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمْرَاتٍ وِتْرًا] 2 قال الداودي: إنما استحب الفطر على التمر، لأن النخلة ممثلة بالمسلم، ولأنه قيل: إنها الشجرة الطيبة.
وَيَذْهَبُ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، كالجمعة، وَلاَ يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَامِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن أنَسًا وغيره كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام كما رواه البيهقي 3، أما الإمام فيكره له التنفل مطلقًا لأنه متبوع.
فَرْعٌ: دخل المسجد والإمام يخطب صلى العيد لا التحية في الأصح، وصحح صاحب البيان مقابله، وهذا إذا فرعنا على الأصح، بأن المنفرد يصلي العيد كما جزم به المصنف، وموضع الخلاف إذا اتسع وقت العيد وإلا فلا صلاَة قطعًا قاله صاحبُ الْمُعِيْنِ.
فَصْلٌ: يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَي الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ فَيَعِظُهُمْ؛ وَيُوصِيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ.
فَإِنْ كَانَ يُرِيْدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ].
رواه البخاري في الصحيح: كتاب العيدين: باب الخروج إلى المصلي بغير منبر: الحديث (956). ومسلم في الصحيح: كتاب صلاة العيدين: الحديث (9/ 889).
وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، أما في عيد الفطر فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 1 عند إكمالها، وأما في عيد الأضحى فالقياس على الفطر، وقال الماوردي: إنه إجماع.
فَرْعٌ: المرأةُ لا ترفع الصوت وكذا الخنثى فيما يظهر.
وَالأَظْهَرُ إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلاَةِ الْعِيدِ، لأن الكلام يباح إلى تلك الغاية، والتكبير أَولى ما يشتغل بهِ، فإنه ذِكْرُ اللهِ تعالى وشعارُ اليوم، والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لاشتغالهم بالتَّأَهُّبِ حينئذ، وَلاَ يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى بَلْ يُلَبِّي، لأنها شعاره، وَلاَ يُسَنُّ، أي التكبير المقيد، لَيْلَةَ الْفِطْر عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم ينقل، ولو شرع لَفُعِل ونُقِلَ، والثاني: يُسن كالأضحى؛ فيكبر
خلف المغرب والعشاء والصبح، ونقله البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن نص الشافعي، وأنه استدل بالآية السالفة، وجزم به المصنف في الأذكار 2.
وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، لأن شعارهم التلبية، وإنما يتركونها بالتكبير مع أول حصاة يرمونها يوم النحر، والظهر أول الصلاة ينتهون إليها من وقت قطع التلبية، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ، أيام، التَّشْرِيقِ، لأنه آخر صلاة يصلونها بمنى، وَغَيْرُهُ كَهُوَ، أى غيرُ الحاجِّ كالحاجِّ، فِي الأَظْهَرِ، تبعًا لهم، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، كما أن في عيد الفطر يبتدي بالتكبير عقيب الغروب، وَفِي قَوْلِ: مِنْ صُبْحِ
عَرَفَةَ، ويَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا، اقتداء به - صلى الله عليه وسلم - كما رواه
الحاكم وصحح إسناده وفيه نظر 1، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ، أي المطلقة لأنه شعار الوقت 2، والثاني: لا، ويجعل ذلك من شعار الأداء والفرائض، والخلاف في الفوائت إذا قلنا: لا يُكبر للنوافل، أما إذا قلنا: يُكبرُ لها فيكبر هنا قطعًا، قاله في الحلية، والمراد هنا بالراتبة التابعة للفرائض وغيرها، وإن كان الأصح في غير هذا الباب الأول، وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَالله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ كَبِيرًا، أي بعد التكبيرة الثالثة، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وفي فضائل الأوقات للبيهقي بإسناده إلى أبي عثمان النَّهْدِيِّ قال: كان سلمانُ - رضي الله عنه - يعلمنا التكبير يَقُولُ: [كَبِّرُواْ الله بِقَوْلِ الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ كَبِيْرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيْرًا، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْرًا اللَّهُمَّ أغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا] 3. فَائِدَةٌ: في هذا الكتاب أيضًا من حديث أنس رفعه، [إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ عليه السلام فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ الله
تَعَالَى، فَإذَا كَانَ يَوْمُ عِيْدِهِمْ يعني يَوْمَ فِطْرِهِمْ بَاهَى بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ فَقَالَ: يَا مَلاَئِكَتِي مَا جَزَاءُ أَجِيْرٍ وَفَّي عَمَلَهُ، قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، قَالَ: مَلاَئِكَتِي عَبِيْدِي وَإِمَائِى قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُواْ يَعُجُّونَ إِلَيَّ بِالدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي لأُجِيْبَنَّهُمْ، فَيَقُولُ: ارْجِعُواْ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ.
قال: فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ]، قال البيهقي: انفرد به أصرم بن حوشب الهمذاني بهذا الإسناد 1.
فَصْلٌ: وَلَوْ شَهِدُواْ يَوْمَ الثْلاَثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ، لبقاء الوقت، وقَيَّدَ الرافعي ذلك بما إذا بقي من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة 2، وَإِنْ شَهِدُواْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أي في صلاة العيد خاصة، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا، وَفَاتَتِ الصَّلاَةُ، لخروج وقتها بالزوال، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، أي في باقي اليوم وضحوة الْغَدِ وبعده متى اتفق كالفرائض إذا فاتت لا يتعين وقت قضائها، والثاني: لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا، بخلاف ما بعده من الأيام، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلِّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً، لأن الغلط في الهلال كثير فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، يؤيده الوقوف في العاشر غلطًا، والأصح: أن العبرة
في الشهادة بالتعديل كما سلف لا بوقتها، لأنه وقت جواز الحكم بها، وَاعْلَمْ: أن القضاء واجب إذا قلنا: إنها فرضُ كفايةٍ ولم يُصَلِّ في ذلك الموضع، كما نبَّهَ عليه ابن عَجِيْلٍ وصاحبُ الْمُعِيْنِ.
بَابُ صَلاَةِ الكُسُوفَيْنِ
اَلكُسُوفُ: مَا انْكَسَفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ (•)، وَالأَشْهَرُ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ تَخْصِيْصُ الْكُسُوفِ بالشَّمْسِ، والْخُسُوفِ بِالْقَمَرِ، وَادَّعَى الْجَوْهَرِىُّ أَنَّهُ أَفْصَحُ 1.
هِيَ سُنَّةٌ، بالإجماع؛ وقول من قال: إنها فرضُ كفايةٍ شاذ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَةٌ.
ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ، أي ففي كل ركعة قيامان وركوعان صحت الأخبار بذلك ولم أر فيها قراءة الفاتحة فى كل قيام وإنما فيها أنه قرأ فيهما، وكأنَّ الشافعي أَلحق القيام الثاني بالركعة الكاملة 2، وَلاَ يَجُوزُ زَيِادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ، أي وكذا رابع وخامس وأكثر، لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلاَ نَقْصُهُ، إلى (•) في نسخة (1): الْكُسُوفُ: مِنْ كُسِفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ.
الركوع الثاني، لِلإِنْجِلاَءِ فِي الأَصَحِّ، كسائر الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها، والثاني: تجوز الزيادة حتى ينجلي، لأنه ثَبَتَتِ الزيادةُ على ذلك، ولا محمل لذلك إلاّ الحمل على تمادي الكسوف، ووجه النقص أن سببها الكسوف فيزيد بزيادته وينقص بنقصانه 1.
فَرْعٌ: لو صلى الكسوفَ كهيئة سُنَّةِ الظُّهْرِ ونحوها صَحَّتْ صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل، نقله في شرح المهذب عن مقتضى كلام الأصحاب، ولا يجتمع مع تصحيح منع النقص عند الانجلاء فَتَأَمَّلْهُ.
وَالأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، أي وسوابقها من دعاء الافتتاح والتعوذ، الْبَقَرَةَ، أي إن أحسنها أو قَدْرَها إن لم يحسنها، وَفِي الثَّاني كَمَائَتَيْ آيِةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مَائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابِعُ مَائَةٍ تَقْرِيبًا، هذا نصُّهُ في الأُمِّ والمختصر، وله نصٌّ آخر في البويطي لا يخالفه، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مَائَةٍ، آية، مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، والثَّالِثِ سَبْعِينَ، أي بتقديم السِّيْن على الباء، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تقْرِيبًا، هذا نصهُ في الأُمِّ والمختصر والبويطى، وفي موضع آخر منه أنه يسبح في كل ركوع بقدر قراءته، والظاهر: أن المراد بالآيات المذكورة المتوسطة لا الطوال ولا القصار، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ، كما لا يزيد في التشهد، ولو عبَّرَ بالأظهر كما عبر به في الروضة كان أحسن.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أي من حديث ابن عمرو وغيره 2، وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيّ أَنَّهُ يُطَوِّلُها نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَالله أَعْلَمُ، هو كما قاله وقد رأيته في موضعين منه،
واختار في الروضة أن السجود الأول كالركوع الأول والثاني كالثاني، قال:
وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي استحباب إطالة الجلوس بين السجدتين، قُلْتُ: وحديث جابر في مسلم أنه يطول الاعتدال الثانى أيضًا 1. وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، اقتداء به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، ويَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ، لأنها صلاة ليل وهو إجماع، لاَ الشَّمْسِ، اقتداء به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كمَا صححه الترمذي وغيره 2، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ، للأتباع، خُطْبَتَيْنِ، كما في الجمعة وتجزي واحدة نص عليه، بِأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، أي وشرائطهما، قال الرافعي: وكتب الأصحاب ساكنة عن التكبير في أولهما، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ، أي من فعل الأعتاق والصدقة، وقد ثبتا في الصحيح 3. فَصْلٌ: وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ، أي من الركعة الأولى أو من الثانية، أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، كما في سائر الصلوات، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، لأن الأصل هو الركوع الأول والثاني تابع، والثاني: يدركها به، لأنه ركوع صحيح
وقيام صحيح، وَتَفُوتُ صَلاَةُ الشَّمْسِ بِالإِنْجِلاَءِ، لأنَّا نصلي طلبًا له وقد حصل، وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، لزوال سلطانها وهو النهار، وَالْقَمَرِ بِالإِنْجِلاَءِ، لِما مَرَّ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لزوال سلطانه وهو الليل، لاَ الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ، لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت به لذهاب الليل وهو سلطانه، وفي موضع القولين طريقان، أحدهما، قاله ابنُ كج وأقرّه الرافعي: أنهما فيما إذا غاب خاسفًا
بين طلوع الفجر والشمس، فأما إذا لم يغب وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة قطعًا، والثاني: جريانُ القولين في الحالين وهو ظاهر إيراد المصنف تبعًا للجمهور كما نقله عنهم المصنف في شرح المهذب، وَلاَ بِغُرُوبِهِ خَاسفًا، لأن سلطان القمر الليل وهو باقٍ، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا.
فَرْعٌ: لا تفوتُ الخطبة بكل حال؛ صَرَّحَ بِهِ الجرجانيُّ في تحريره والمصنفُ في شرح مسلم.
وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ، قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، اهتمامًا به لوجوبه، وَإِلاَّ، أي وإن لم يخف فوت الفرض، فَالأَظْهَرُ تقْدِيمُ الْكُسُوفِ، لخوف فوته بالإنجلاء، والثاني: تقديم الفرض لوجوبه، وصحح في شرح المهذب القطع بالأول، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، كما أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ استسقى في خطبة الجمعة 1، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، أي ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الكسوف معها للتشريك.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ، لما يخشى من حدوث التغيّر في الميت، ولو اجتمعت الجمعة مع الجنازة فكذلك إن لم يضِق الوقت، فإن ضاق قُدِّمَت الجمعة لافتراضها.
بَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِ
الاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا وَهُوَ أَنْوَاعٌ، أَدْنَاهُ الدُّعَاءُ بِلاَ صَلاَةٍ وَلاَ خَلْفَ صَلاَةِ، وَأَوْسَطُهُ الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَأفْضَلُهُ الاسْتِسْقَاءُ بِرَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي.
هِيَ سُنَّةٌ، أى للاتباع غير واجبة لقصة الأعرابي 1، عِنْدَ الْحَاجَةِ، أي فلو انقطعت المياه ولم تمس إليها حاجة فلا تشرع، وتُسنُّ أيضًا للإستزادة على الأصح، وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، أي وأكثر كما صرح به الماوردي، إِنْ لَمْ يُسْقَوْا، لأن الله تعالى يُحِبُّ الْمُلِحِّين فِي الدُّعاء، قال أُصبغُ: استسقى للنيل بمصر خمسة وعشرون يومًا متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وغيرهما، فَإِنْ تَأَهَّبُواْ لِلصَّلاَةِ فَسُقُواْ قَبْلَهَا اجْتَمَعُواْ لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ 2، وَيُصَلُّونَ، أي شكرًا، عَلَى الصَّحِيحِ، كما يجتمعون ويدعون، والثاني: لا، لأنها لم تُفعل إلّا عند الحاجة وصحَّحهُ ابن الصلاح وقطع الأكثرون بالأول.
فَرْعٌ: مَن نذرَ أن يستسقي فَسُقِيَ، قال الشافعيُّ فِي الأُمِّ: عليه أن يستسقي لنفسه؛ فإن لم يفعل؛ فعليه القضاءُ وليس عليه الخروج بالناس لأنه لا يملكهم، ويستحب أن يخرج بمن أطاعه منهم 1.
وَيَأْمُرُهُمُ الإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا، لأنه مَعُونَةٌ على رياضة النفس وخشوع القلب، ويجب عليهم الصوم والحالة هذه، كما صرح به المصنف فِي فتاويه، وحكى ابن التلمساني خلافًا فِي أن فرض الكفاية هل يتعين على من يعيِّنه الإمام أم لا؟ ويبني عليه مطالبته بالكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، لأنه أرجى للإجابة وقد يكون منع الغيث بسبب هذه الأمور؛ والخروج من المظالم من جملة التوبة، ونصَّ عليها لِعِظَمِ شأنها، وَيَخْرُجُونَ إِلى الصَّحْرَاءِ، تأسيًا به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، قال الخفاف من قدماء أصحابنا فِي خصاله: إلّا بمكة وهو حسن، ولم أرَ من تعرض له سواهُ.
فَرْعٌ: عند المالكية حكاية خلاف فِي التكبير عند الخروج إلى الصحراء كالعيد، ولم أرهُ عندنا والظاهر منعه لعدم وروده هنا.
فِي الرَّابِعِ صِيَامًا، لأن دعاؤُه لا يُرد كما صححه ابن حبان 2، فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، وَتَخَشُّعٍ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ خَرَجَ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، صححه الترمذي 3، والبِذْلَةُ: بكسر الباء وإسكان الذال المعجمة ثِيَابُ
الْمِهْنَةِ، وَالتَّخَشُّعُ: التَّذَلُّلُ، وفي آداب الاستسقاء التي أفردها المصنف بالتأليف أنه يحترز الخارج عن الأمور المهوشة، فيقضى أشغاله قبل خروجه، ويقرب طهارته من خروجه لئلا يعرض له مدافعة الحدث، وينبغي أن يخفف غذاءَة وشرابه تلك الليلة، ويخرج من طريق ويرجع فِي أخرى وذكر أدابًا آخر، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ، لأن دعاءَهُمْ أسرعُ للإجابة، وَكَذَا الْبَهَائِمَ فِي الأَصَحِّ، لأنها تستسقي كما ورد، والثاني: يكره إخراجها، لأنه لم ينقل، وحكاه الماوردي عن الجمهور، والثالث: لا
يستحب ولا يكره وهو ظاهر نصه فِي الأُمِّ، وَلاَ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ، لأنهم مسترزقةٌ وقد يعجل دعاء الكافر استدراجًا له لكن، وَلاَ يَخْتَلِطُونَ بِنَا، لأنهم ملعونون وربما كانوا سبب القحط واحتباسِ المطر.
وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ، أي فِي التكبيرات والجهر والقراءة وغير ذلك، لَكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، لمناسبتها وفي الأولى ﴿ق﴾، والمنصوص أنه يقرأ فيها ما يقرأ فِي العيد، وَلاَ تَخْتَصُّ، أى صلاة الاستسقاء، بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تختص بيوم فكذا وقتها، والثاني: نعم للاتباع، وقطع الأكثرون بالأول، وَيَخْطُبُ، للأتباع، كَالْعِيدِ، قياسًا، قال البندنيجي: وتكفي واحدة، لَكِنْ
يَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ، لأنه أليق بالحال منه؛ لأن الله تعالى وعد بإرسال المطر عنده، وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُوْلَى: [اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا سَحًّا طَبَقًا دَائِمًا، أي إلى انقضاء الحاجة فإن دوامَهُ عذابٌ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا فَأَرْسِلِ السَّماَءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا]، للأتباع 1، وأهمل زيادة أخرى ذكرها الرافعي فِي مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلِّى، فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يصَلِّى فِي الْعِيِدِ) رواه الترمذي فِي الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (558)، وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح.
الْمُحَرَّرِ وهي واردة فِي الحديث المذكور، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، أي وهو نحو ثلثها، فإذا فرغ من الدعاء استقبل الناس وأتى بباقي الخطبة وقال: أستغفر الله لي ولكم، وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 1، ويجعل ظهر كفه إلى السماء للتأسي.
وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسُهُ، للاتباع، كما رواه أبو داود 2 ويُكره تركه كما قاله العجلي، وَيُنَكِّسُهُ عَلَى الْجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ هَمَّ به فثقلت عليه الخميصة فقلبها على عاتقه كما صححه ابن حبان والحاكم 3، والقديم أنه لا يستحب، ومحل الخلاف فِي المربع، أما المدور فلا يستحب التنكيس بل يقتصر على التحويل قطعًا، والحكمةُ فِي كل ذلك التفاؤل بتغير الحال إلى الخصبِ والسَّعةِ.
وَيُحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ، للاتباع كما رواه أحمد 4 وَيُنَكِّسُواْ أيضًا.
قُلْتُ: وَيُتْرَكُ ص 251: عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا استسقى قال: [الحديث].
مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزَعَ الثَّيَابَ، لأنه لم ينقل أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ غيَّر رداءه بعد التحويل، وَلَوْ تَرَكَ الإِمَامُ الاِسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ، إقامة لشعارها لكن قيَّده فِي الأُم بخلو الأمصار من الولاة، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلاَةِ جَازَ، للأتباع كما رواه أبو داود 1. وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ، أي يظهر، لأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ، للاتباع 2، وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلاَ يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ، لأثر فِي ذلك خلا البرق فلم أرَ له مستندًا 3، وَيَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا، للاتباع 4، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، لأنه يستجاب الدعاء إذ ذاك، وَبَعْدَهُ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيُكْرَهُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، للتوعد عليه فِي الصحيح 5، ولا يكره فِي نَوِّ كذا، وَسَبُّ الرِّيحِ،
لِلنَّهْيِ عَنْهُ صححه ابن حبان 1.
وَلَوْ تَضَرَّرُواْ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُواْ الله تَعَالَى رَفْعَهُ: [اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا]، وَلاَ يُصَلِّي لِذَلِكَ، وَالله أَعْلَمُ، لحديث أنس فِي ذلك فِي الصحيحين 2 قال فِي شرح مسلم: ولا يشرع لذلك اجتماع فِي الصحراء 3.
وفي معنى ذلك مكثُ نِيْلِ بَلَدِنَا مِصْرَ حَمَاهَا الله تعالى، وقد اتفق ذلك فيها فِي خامس ذى الحجة من سنة ستين وسبعمائة أُمِرَ النَّاسُ بالخروج إلى الصحراء لاستهباطه، ولا أعلم وقوع مثل ذلك فِي بلدنا، وكان جاوز فِي هذه السنة تسعة عشر ذراعًا بأصابع بلغني أنها ستة، ثم اتفق ثباته إلى أول يوم من هَتْوَرِ وهو خامس ذي الحجة، ثم حصل هبوط من حينئذ ولله الحمد، ثم فِي سنة إحدى وستين حصل
نحو ذلك وعقبه وباءٌ شديدٌ، ولله الحمد على زواله، وفي سنة ثلاث وسبعين فِي خامس عشر ربيع الآخر أمر الناس بالاجتماع فِي جامع مصر وبعده بيوم بجامع الأزهر فكان بلغ ستة عشر من عشرين.
فَرْعٌ: لو نذرَ صلاة الاستسقاء لأهل ناحية بُلُوا بالجدْبِ؛ والناذر من أهل الخصب؛ فهل يلزمه الوفاء بالنذر؟ فيه تردد فِي كلام الأئمة ذكره العجليُّ.
تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربُّكُمْ؟ ] قَالُواْ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: [أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنُّ بِاَلْكَوَاكِبِ].
رواه البخاري فِي الصحيح: الحديث (1038).
بَابُ تَارِكِ الصّلاَةِ
إِنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ جَاحِدًا وُجُوبَهَا كَفَرَ، بالإجماع 1، والجاحد مَنْ أنكر شيئًا سبق اعترافه به، أَوْ كَسَلًا قُتِلَ حَدًّا، أي لا كفرًا لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ] رواه أبو داود وصححه ابن حبان 2، قال الخفاف فِي خصاله: وكلُّ مَن ترك ركنًا من العبادات لم يَجُزْ قتله إلّا تاركَ الصَّلاةِ، قال: وقد زعم بعض أصحابنا أن مَن ترك شيئًا من الصلاة أو الزكاة وجب قتله، قال: وليس بشيء.
فَرْعٌ: فاقد الطهورين إذا ترك الصلاة متعمدًا لا يقتل، لأنه مُخْتَلَفٌ فِيْهِ، وكذا لو مس الذكرَ أو لمس امرأةً وهو معتقد مذهبنا وصلَّى متعمدًا، وكذا لو توضَّأَ ولم ينوِ، قاله القفال فِي فتاويه، قال: والخلافُ هناك فِي جواز ترك الصلاة لا فِي جوازها وبطلانها فهو كشرب النبيذ، فإن كان مختلفًا فيه فإنِّي أُحِدُّهُ، وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ بِصَلاَةٍ فَقَطْ؛ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أيْ ولا يقتل بتركِ الظُّهْرِ حتَّى تغرب الشمسُ ولا بالمغربِ حتَّى يطلع الفجرُ، لأن الوقت مشترك بين أرباب الأعذار فصار شبهة فِي تأخير القتل إليه، والثاني: لا يعتبر وقت الضرورة، وزعم الروياني: أنه المذهب، والثالث: يقتل، إذا ضاق وقت الثانية، والرابع: إذا ضاق وقت الرابعة؛ والخامس: إذا ترك أربع صلوات، والسادس: إذا صار التركُ له عادة.
وَيُسْتَتَابُ، أي استحبابًا؛ لأنه ليس بأسوأ من المرتد، والأظهر أنَّها فِي الحال، ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ (•)، أي إن لم يَتُبْ لتحقق المفسدة الموجبة لقتله، وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ، حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ، كما يفعل بمن قصد النفس أو المال، وَيُغْسَلُ وَيُصَلِّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يُطْمَسُ قَبْرُهُ، كسائر أصحاب الكبائر لأنه مسلم، وقال ابنُ أَبِي الدَّم فِي شرح الوسيط: غالب ظني إني وجدتُ الأصحاب أنه يدفنُ فِي مقبرة مفردة تُعرف بهم؛ لا فِي مقابر المسلمين؛ ولا فِي مقابر أهل الذمة ليتأكد انزجارهم، قال: وهو متجه.
(•) فِي الهامش نسخة (3): بَلَغَ مُقَابَلَةً عَلَى نُسْخَةٍ قُرِأَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَعَلَيْهَا خَطُّهُ.
• وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ ضَبْطِ نَصِّ أحكام الصَّلاَةِ مِنَ الْعُجَالَةِ عَلَى أصُولِهِ الْخَطيَّة, وَتَخْرِيْجِ أَحَادِيْثِهِ وَالتَّعْلِيْقِ عَلَيْهِ, صَبَاحَ يَوْمِ السَّبْتِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ رَمَضْانَ الْمُبَارَكِ 1420 مِنَ الْهِجْرَةِ, الْمُوَافِقُ الرَّابِعَ وَالْعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ كَانُونَ الأَوَّلِ 1999 مِيْلاَدِيَّةً.
وَالْحَمْدُ لله عَلَى مَا أَنْعَمَ, وَنَسْألُهُ التَّوْفِيْقَ لإِنْجَازِ الْعُجَالَةِ وَغَيْرِهَا بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ, وَصَلِّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الرَّسُولِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
آمِيْن.
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
اَلْجَنَائِزُ: بِالْفَتْحِ لاَ غَيْرَ، جَمْعُ جَنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، قِيْلَ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ؛ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَقِيْلَ: عَكْسُهُ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَذَكَرَ هَذَا الْبَابَ هُنَا وَإِنْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لأَنَّ الأَهَمَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، وَمِمَّا يُفْعَلُ بِهِ الصَّلاَةُ؛ فَلِهَذَا ذُكِرَ فِي رُبُعِ الْعِبَادَاتِ.
لِيَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، أي استحبابًا؛ لأنه أزجر له عن المعاصي وأحضُّ له على فعل الطاعات 1، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، أي استحبابًا أيضًا كما صرح به فِي البيان، لأنه ربما فاجأَهُ الموتُ وقد سلف فِي أول الاستسقاء حكمة رَدِّ المظالم بعد التوبة 2، وَالْمَرِيضُ آكَدُ، لأنه أقرب لرجوعه عن المعاصي، وَيُضْجَعُ