الفِسْقُ، بِبَيِّنَةٍ أَوِ اتفَاقِ الزوْجَيْنِ، على أنهما كانَا فاسقين، ولم يعلما أو نَسِيَا فِسْقَهُمَا، فأمَّا لو قال: عَلِمْنَا فِسْقَهُمَا حينئذٍ تَبَيَّنَ البُطلانُ قطعاً ذكرَهُ الإمامُ، لأنهُمَا لم يكونَا مَسْتُوْرَيْنِ عندَ الزَّوجينِ.
والتعوِيْلُ عليهِمَا.
فَرْعٌ: لو طلقَها ثلاثاً ثم توافَقَا على فسَادِ النكاحٍ بهذا السببِ أو غيره، قال الْخَوَارِزْمِيُّ في كافِيْهِ: لا يجوزُ أن يُوقِعَا نكاحاً جديداً من غير تحلِيْلٍ لمكانِ التهْمَةِ، ولأنهُ حق الله فلا يسقُط بقولهِمَا.
وَلاَ أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ كُنَّا فَاسِقَيْنِ، كما لو قالاَ بعد الحكمِ بشهادتهما: كُنا فاسقَين، وَلَوِ اعتَرَفَ بِهِ، أي بالفسق، الزوْجُ وَأَنْكَرَتْ فُرقَ بَيْنَهُمَا، أيْ فِرقةَ فسخ لا ينقصُ به العددُ كما صحَّحَهُ في الروضة، وَعَلَيْهِ نِصْف الْمَهْرِ إِن لَمْ يَدخُلْ بِها، وَإِلَّا فَكُلُّهُ، لأنه لا يُقبل قوله عليها فيه.
فَرْعٌ: لو اعترفت الزوجةُ وأنكرَ، فالأصحُّ في الروضة قبولُ قولهِ وصحَّحَ الفارقي أنَّ القولَ قولُها، قال صاحب الْمُعِيْنِ من فُقهاء اليمَنِ: وربما كان أقيسُ، فإنَّ الخلافَ هو الخلافُ في اجتماع الأصلِ، والظاهرُ قولها، قال: إذ الأصلُ عدمُ العدالةِ والظاهرُ وجودُها.
فَرْعٌ: نظيرُ هذا ما لو زوَّج أُختَهُ وماتَ الزَّوْجُ فادعى ورثتُهُ أنَّ أخاها زوَّجها بغيرِ إذنِها، فقالت: بل زوَّجني بإذنى، فالقولُ قولُها كما نصَّ عليه في الإملاءِ نقلَهُ عنه في الروضة قُبَيْل الطرفِ الثانى هنا من زياداته، والرافعىُّ ذكرَهُ قُبَيْلَ الصَّداقِ، وبحَثَ في مجئ وجه فيه مما إذا ادَّعى أحدُهما صحَّة البيع، والآخرَ فسادهُ، وردَّهُ فِى الروضة هناك بأنَّ الغالب في النكاح الاحتياطُ.
ويُستحَبُّ الإِشْهادُ عَلَى رِضَا الْمرأةِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ رِضَاها، احتياطاً، وَلاَ يُشْتَرَطُ، لأن رضاها ليس من نفسِ النكاح وإنما هو شرطُهُ فإذا وُجد من غيرِ إشهادٍ كفى، وثبوتهُ يحصُل إما بإقرارها أو بِبَينةٍ، والمقصودُ أنه ليس كالشهادةِ على النكاح حتى لا يصحُّ إلا به.
فَصلٌ: لاَ تُزَوِّجُ امرَأة نَفْسَهَا بإِذْنِ، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 1 وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ 2 وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ 3. ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه - هذه الآياتِ الثلاثةِ؛ ودليلُهُ من حيثُ السُّنة الحديثُ السالفُ في الكلامِ على اشتراط الشاهدَين، قال الترمذيُّ: وهو الذي عليه العملُ عند أهلِ العلمِ من أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - فمن بعدهم 4.
فَرْعٌ: وَكَّلَ بِنتهُ بأنْ تُوكِلَ رَجُلًا في تزويجِها فوَكلَت؛ نُظِرَ إن قال: وَكِّلِى عَنْ نَفْسِك لم يَصُح، وإن قَال: وَكلِي عَنِّى أو أطْلَقَ فوجهان؛ لا ترجيحَ فيهما في الروضة تبعًا للرافعى، وصحَّحَ في الشَّامِلِ وَالتتِمَّةِ الجوازَ وصحَّحَ المُزَنِيُّ والقاضى المنعَ، وفي فتاوى البغوي عن التقريب: أنَّ الوليَّ إذا وَكلَهَا أنْ تُوكِلَ رَجُلًا في الإيجابِ أو وَكلهَا بالزوج في أنْ تُوكِلَ في القبولِ جازَ.
فَرْعٌ: لو أذِنَتْ للوليِّ بصيغةِ الوَكَالَةِ صَحَّ؛ نصَّ عليه خلافًا للبغويِّ.
فَرْعٌ: لو لم يكنْ لها وليٌّ، وكانت في موضع لا حاكِمَ فيه، فالمختارُ أنها تَرُدَّ أمْرَهَا إلى عَدْلٍ وإنْ لم يَكُنْ مُجْتَهِدًا، أو تُحَكمَ فَقِيْهًا بناء على الأصحِّ في جوازِهِ في النكاح، كما ستعلَمُهُ في القضاءِ.
ولابد من تحكيمِ الزوج أيضًا، وسيأتى هُناك أيضًا أن التحْكِيْمَ جائزٌ فيه مع وجودِ الحاكمِ على الأصحِّ، فعلى هذا لا يختصُّ بما إذا كانت بموضعٍ لا حَاكِمَ فِيْهِ.
وَلاَ غيرَهَا بِوَكَالَةٍ، لقوله عَلَيهِ الصلاة وَالسَّلاَمُ: [لاَ تُزَوِّجُ المَرأَةُ المَرأَةَ، وَلاَ المَرأةُ نَفْسَهَا، فإن الزَّانِيَةَ التِى تُزَوج نَفْسَهَا] رواهُ ابنُ ماجه وأخرجهُ الدارقطني أيضًا بإسنادٍ على شرطِ الشيخينِ 1، وَلاَ تَقبَلُ نِكاحًا لأحَدٍ، أي لا بوكالةٍ ولا بولايةٍ، فمحاسنُ الشَّرع تقتضي فَطْمَهُنَّ عن ذلك لما يحصل (•) منهُنَّ من الحياء وعدم ذكر ذلك بالكلية.
وَالوَطء في نِكاحِ بِلاَ وَليٍّ يُوجِبُ مَهْرَ المِثلِ، لقوله عليه الصلاة والسلام: [أَيَّمَا امْرأةٍ نَكَحَت بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلاَثًا، فَإنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُواْ فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ] حسَّنهُ الترمذي وصحَّحَهُ الحاكمُ وابنُ حبان 2، وقال ابن معين: إنه أصح ما في الباب، لاَ الْحَد، أي سواء صدَرَ ممن يعتقدُ تحريمه أو إباحته باجتهادٍ أو تقليدٍ لشبهةِ اختلافِ العلماءِ ولكن يُعَزَّرُ معتقدُ التحريمِ، وقيل: يُحَدُّ معتقدُ الإباحَةِ حكاهُ الغزاليُّ في وسيطه في الحدودِ، ومحِلُّ الخلافِ ما إذا حضَرَ العقدَ شاهدانِ كما قال القاضى، فإن لم يحضُراهُ؛ ولا حصلَ فيه إعلانٌ، فالحَدُّ واجبٌ لانتفاء شُبْهَةِ العلماءِ، وإنْ وُجد الإعلانُ خاصَّةً؛ فإن لم يكن وليٌّ (•) وجبَ وإلا فلا.
ومحلهُ أيضًا إذا لم يَقْضِ به قاضٍ كما قال الماورديُّ، فإن قضَى قاضٍ شَافِعِيٌّ ببطلانِهِ في الأولِ وفرَّق بينهما فاجتمعا حُدًّا يعني قطعًا لارتفاع شُبْهَةِ العقدِ بحكمِ الحاكِمِ بالفرقةِ، فلو ترافَعَا بعد ذلك إلى حاكمٍ
حَنَفِيٍّ لم يكُنْ له أن يحكُمَ بجوازِهِ لنفُوذِ الحكْمِ بإبطالِهِ، قال: وإنْ ترَافَعَا إلى حَنَفِيٍّ ابتداءً فحَكَمَ بِصِحَّتِهِ فلا حَدَّ، فلو تَرَافَعَا بعدَ ذلكَ إلى شَافِعِيّ فهل ينقض حُكم الحنفيِّ، فيه وجهان وصحَّحَ الرافعيُّ عدمَ النقْضِ.
ويقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَلِي بِالنِّكَاح إِنِ اسْتَقَل بِالإِنْشَاءِ، أي وإن لم توافقْهُ البالِغَةُ.
لأن من ملكَ الإنشاءَ ملكَ الإقرارَ بِهِ، إلا ما استثنيَ في بابه، وَإِلَّا، أيْ وإنْ لم يستقلَّ بالإنشاءِ إما لكونِهِ غيرَ مُجْبَرٍ، أو لكونِ الزوج غيرَ كفوءٍ، فَلاَ، لعدم قدرتهِ على الإنشاءِ.
فَرْعٌ: لو قال وهى ثيِّبٌ: كنتُ زَوَّجْتُها في وقتِ بكارتها لم يقبل واعتُبر وقتُ الأداءِ، كذا أطلقَهُ الإمامُ وهو الظاهرُ، كما قاله الرافعي.
قال: ويمكنُ جعلُهُ على الخلافِ فيما لو أقرَّ مريضٌ لوارثِهِ بهبةٍ في الصحة، وهذا الفرعُ يدخل في قول الْمُحَرَّرِ، ويقبلُ إقرارُ الوليِّ بالنكاح إذا كان مستقلًا بالإنشاءِ، فإنَّ معناهُ وصفَهُ بذلك حين الإقرارِ بخلافِ عبارةِ المصنِّفِ.
ويُقْبَلُ إِقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعاقِلَةِ بِالنِّكَاحِ عَلَى الْجَدِيْدِ، أي مع تصديقِ الزوج لأنه حقُّهُما فيثبتُ بتصادقِهما كغيره، والقديمُ إن كانا غريبين ثَبَتَ، وإلا طُوْلبَا بِالْبَينَةِ لسهولَتِهَا، وعن القديم أيضًا عدمُ القبولِ مُطلقًا، ومنهم من حَمَلَ القديمَ على الحكايةِ عن الغير.
فَرعٌ: إقرارُ السَّفِيْهَةِ بِالنِّكَاحِ كالرَّشِيْدَةِ وفيه احتمالٌ للإمَامِ.
فَصْلٌ: وَللأبِ تَزْويجُ الْبِكْرِ صَغِيْرَةٌ أَوْ كبِيْرَةٌ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، أيْ مِن كفوءٍ بمهرِ المثلِ ولا عَدَاوَةَ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الثيبُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أبوْهَا] رواه الدارقطني ورواه مسلم إلى قوله [مِنْ وَلِيِّهَا] زاد [وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ (•) وَإِذنهَا سُكُوتُهَا] 1 وهو إجماع في الصغيرة كما حكاهُ ابنُ المنذر، فلو زوّجها من غير (•) في النسخة (1): تستأذن.
كفوءٍ فلا إجبارَ، وفي فتاوى القاضى: أنه لو زوّج بنتَهُ البكر بغير إذنها بمهر مثلها رجلًا معسرًا بغير رضاها لم يصحَّ النكاحُ على المذهب، لأنه بخَس حقَّها لتزويجها بغير كفوءٍ، وأقرَّهُ الرافعيُّ عليه.
ورأيتُ القفال في فتاويه؛ جزم به أيضًا؛ فقال: إذا زوّج ابنتَهُ الصغيرة ممن لا يقدِرُ على أداء مهرِهَا بطَلَ النكاحُ، ثم علَّلَهُ بأنَّ المالَ معتبرٌ في الكفاءة، والأبُ إذا زوَّجَها بغير رِضاها ممن لا يُكافؤها بطلَ، قُلْتُ: فلو طلبتْ البالغة تزويجها منهُ فالذي يظهر وجوبُ إجابتها، كما لو طلبتْ منهُ التزويجَ بدون مهْرِ المثل، فإنه يجبُ عليه كما نصَّ عليه، ولو زوَّجها بدون مهر المثل، أو بغير نقدِ البلدِ فلا إجبار أيضًا كما جزم به ابنُ الرِّفْعَةِ؛ ولو زوجها بدونه، فقد ذكرَهُ المصنِّفُ في الصَّدَاقِ كما سيأتي, وفي زوائده من الروضة نقلًا عن البيان عن أصحابنا المتأخرينَ أنهُ إذا استأذَنَ الوليُّ البكرَ فِي أن يزوِّجها بغيرِ نقدِ البلدِ أو بأقل من مهرِ المثل لم يكنْ سُكوتُها إذنًا في ذلك، ولو كان بين الأبِ وبنتِهِ عداوَةْ ظاهرةٌ فليس له إجبارُها كما قاله ابنُ كَجٍّ وابنُ الْمَرزبَانِ وفيه احتمال للحناطيِّ وجزمَ به الماوردي والروياني، لأن الوليَّ يحتاط لأجل نسبِهِ.
وقالَ ابنُ الرِّقْعَةِ في كلامه على تزويج اليهودي للنصرانية كما سيأتى: إِنه المذهبُ، ويستحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا، أي الكبيرة للحديث السالف.
أمَّا الصغيرة فلا إذن لها عند جمهور العلماء، وعند أحمدَ أن المميِّزَةَ تُسْتَأذَنُ فيصحُّ على هذا عودُه إليهما تنبيهًا على الخلاف، قالَ الشَّافِعِي؛ كما حكاه في الروضة: أَسْتَحِبُّ للأبِ أن لا يزوِّج البكرَ حتى تبلُغَ ويستأذِنُهَا، قال الصيمريُّ: فإن قاربت البلوغ وأرادَ تزويجها أَستحبُّ أنْ يُرسل إليها ثِقاب يَنْظرنَ (•) ما في نفسِها؛ ومحلُّ ما ذكرَهُ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه - من التأخيرِ إلى البلوغ مَحِلُّهُ إذا لم تكن حاجةً أو مصلحةً كما قيَّدَهُ في الروضَةِ.
فَرْعٌ: قالَ الشَّافِعِيُّ في الأمِّ: يكرَهُ لأبيها أن يزوِّجها من تكرهُهُ، قُلْتُ: وبالصحةِ = في الصحيح: كتاب النكاح: باب استئذان الثيب: الحديث (66/ 1421) و (67 - 68). وأبو داود في السنن: كتاب النكاح: باب في الثيب: الحديث (2098).
(•) في النسخة (2): ينظرون.
قالَ مالكٌ وأحمدُ في أصحِّ الروايتين، وروى ابنُ حزم من حديث جابر [أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابنَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ مِنْ غَيْرِ أمْرِهَا فَأَتَتِ النبِي - صلى الله عليه وسلم - فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا] 1 وفي حديث ابن عباس [أنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: إِنَّ أبِي زَوَّجَنِي وَأنَا كَارِهَةٌ فَرَدَّ نِكَاحَهَا] 2 وفي حديثِ ابنِ عمر مثله 3 فيحتاج إلى الجواب عنها 4.
فَصْلٌ: وَلَيسَ لَهُ تزْويجُ ثيبٍ إلا بإذْنِهَا، للحديث السالف 1، فَإن كانَتْ، • أمَّا القولُ بالكفاءة وأنها سبب الردِّ ونقض عقد النكاح فلحديث عائشة رضي الله عنها؛ قالت: [إِنَّ فَتَاةً دَخلَتْ عَلَيهَا؛ فَقَالَت: إِنَّ أبِي زَوَّجَنِي ابنَ أخِيْهِ لِيَرفعَ بِهِ خَسِيسَتَهُ وَأنَا كَارِهَةٌ.
قالت: اجلِسِي حَتى يَأتيَ النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فَجَاءَ رَسُوْلُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأخْبرَتهُ.
فَأرسَلَ إلَى أبيهَا فَدَعَاهُ.
فَجَعَلَ الأمرَ إِلَيهَا؛ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ أجَزتُ مَا صَنَعَ أبيَ، وَلَكِنِّي أرَدتُ أنْ أعَلمَ النسَاءَ مِنَ الأمْرِ شَيْئًا] وفي لفظ [وَلَكِني أرَدتُ أن تَعلَمَ النسَاءُ أنْ لَيسَ إِلَى الآباء مِنَ الأمْرِ شَئٌ].
رواه ابن ماجه في السنن: كتاب النكاح: الحديث (1874). قال في الزوائد: إسناده صحيح عن ابن بريدة عن أبيه.
وقد رواه غير ابن ماجه من حديث عائشة وغيرها.
ورواه النسائي في السنن الكبرى: كتاب النكاح: الحديث (5390/ 10)، وقال: هذا الحديث يوثقونه.
إنتهى.
أي الثيبُ، صَغِيْرَة لم تُزَوَّجْ حَتى تَبْلُغَ، لأنَّ عبارتَها مُلْغَاةٌ، نعم لو كانت مجنونة زوّجتْ في الأصحِّ كما سيأتي، وَالْجَدُّ كَالأبِ عِنْدَ عَدَمِهِ، لأن له ولايةٌ وعصوبةٌ كالأب، قال الخفَّاف في خصاله: وَوَكِيلُهُمَا كَهُمَا.
وهذا لفظهُ: لا يجوزُ أنْ يَعْقُدَ على الكبيرةِ إلّا بِإذنهَا، إلّا أَنْ يَعْقِدَ عليها أبوها أو جدُّها أو وكيلٌ لهما إذا كانت بِكرًا.
وَسَوَاءٌ زَالَتِ الْبَكارَةُ بِوَطْءٍ حَلاَلٍ أَوْ حَرَامٍ، يعني في حصول الثِّيُوبةِ واعتبار إذنها لأنها ثيب، وكذا لو وطئت بِشُبهَةٍ أو مجنونةٍ أو مكرهةٍ أو نائمةٍ، وعن القديم أن المصابةَ بالزنا حكمُها حكم الأَبْكَارِ، وَلاَ أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلاَ وَطْء كَسَقْطَةٍ، فِي الأصَحّ، أي بل حكمها حكم الأبكار؛ لأنها لم تمارس الرجال وهى على غباوتها وحيائها، والثانى: أنها كالثيب لزوال العذرة ومثلُ السقطة زوالُها بإصبع وبحدَّةِ طمثٍ وطول تعنيس أي وهو الكِبَرُ، وحكى الخفافُ؛ وهو من أصحابنا؛ هذا قولًا؛ والذي قبله كذا رأيته في خصاله.
فَرْعٌ: لا أثر لزوالها في الوطء في الدُّبُرِ على الصحيح.
فَرْعٌ: لو خُلقت بلا بَكارةٍ فلها حُكْمُ الأَبْكَارِ.
وَمَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ لاَ يُزَوِّجُ صَغِيْرَة بِحَالٍ، أيْ بِكرًا كانت أو ثيبًا، لأنهم ليسوا في معنى الأب والجَدِّ ولم يَرِدْ نَصٌّ في غير الأب والجد وقدْ قال - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ تُنْكِحُوا الْيَتَامَى حَتى تَسْتَأمِرُوهُنَّ، رواه الترمذي وصححه 1، ويؤخذ = المطبوع من الكتب بلفظ خذام بالذال.
والصحيح بالدال.
هكذا ضبطه ابن حجر في الفتح، وفي ترجمتها في تهذيب التهذيب: الرقم (8871). وفي الاستيعاب لابن عبد البر: الترجمة (3350).
من تنصيص المصنّف على الأخ والعمِّ أنَّ مَن هو أبعدُ منهُما كَبَنِيْهِمَا، والمعتقُ؛ والسلطانُ؛ لا يزوِّجونها من باب أَوْلى.
وَتَزْويجُ الثيبِ البَالِغَةِ بِصَرِيْح الإذْنِ، للحديث السالف [الثيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا] وفي سنن أبي داود وغيره من حديث ابن عباس مرفوعًا [لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثيِّبِ أَمْرٌ] 1 قال البيهقى في خلافياته: رواته ثِقاتٌ.
ولو أذنت بلفظ التوكيل جاز كما سلف.
وَيَكفِي فِي الْبِكْرِ سُكوتهَا، فِي الأصَح، لرواية مسلم السالفة [إِذنهَا سُكُوتُهَا]، والثاني: لا بد من النطق كما في الثيب وعَلَّلَهُ الْجُرْجَانِىُّ بأنَّ الحياءَ في حَقِّ الآباء والأجداد دون غيرهم، والثالثُ: أنه لا حاجة إلى الاستئذان أصلًا؛ بل إذا عقدَ بين يديها ولم تنكر كان رضى.
وأبعَدَ مَن قالَ من الظاهرية أنَّ نُطْقَهَا ليس بإِذْنٍ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ عبارَةَ الْمُحَرَّر ويزوّجونَ الثيبَ البالغةَ بصريح الإذن والحكمُ في البِكر كذلك أو يكتفى بالسكوت بعد المراجَعَةِ، فيه وجهان أصحُّهُما الثاني، وهي أحسنُ مِن عبارة = المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (2702/ 31)، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
• أما اللفظ الذي نصَّ عليه ابن النحوي رحمه الله؛ فهو عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما؛ أنهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ خَالِهِ عُثْمَانَ بنِ مَضْعُونٍ؛ قَالَ: فَذَهَبَتْ أمُّهَا إِلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ: إِن ابنَتِى تَكْرَهُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُفَارِقَهَا؛ وقَالَ: [لاَ تَنْكِحُواْ الْيَتَامَى حَتَّى تَستَأمِرُوهُنَّ؛ فَإِذَا سَكَتَت فَهُوَ إِذنهَا] فَتَزَوَّجَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعبةَ.
رواه الدارقطني في السنن: كتاب النكاح: ج 3 ص 229. وفيه قصة.
والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح: الحديث (3204/ 37)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
ووافقه الذهبي.
الكتاب، لأنها لو زوِّجت بحضرتها وهى ساكتَةٌ لا يصحُّ في الأصحِّ، وذلك يدخلُ في عبارته دونَ عبارةِ الْمُحَرَّرِ، ثم الخلافُ في سكوت البِكر إنما هو في غيرِ الأبِ والجدِّ كما هو ظاهر إيرادِ المصنف تبعًا للرافعيِّ وبه يُشْعِرُ تعليلُ الجُرْجَانِي السالف، أما الأبُ والجدُّ إذا استأذناها استحبابًا فيُكتفى به قطعًا، وحكى الرافعيُّ الخلافَ المذكور فيما إذا أرادَ الأبُ تزويجَها بغيرِ كفوءٍ فاستأذنها فسكتَت.
ونقلَ الرافعيُّ في آخر كتاب النكاح عن فتاوى القاضي الجزمَ بالاكتفاء به وصحَّحَهُ المتوليُّ أيضًا.
وأعادها المصنفُ في الروضة من زوائدهِ قَبلَ الطرف الثامِنِ وقال: هل يصح قطعًا أمْ يكون على الخلاف؟ فيه طريقان قال: والمذهبُ الصِّحَّةُ، وقد قدمت الجزمَ في أوَّل الفصلِ من نقل صاحب البيان ما يتعلق بهذا أيضًا فراجِعْهُ.
وَالْمُعْتِق، وَالسُّلْطَان كاَلأخِ، أيْ فيزوِّجان الثيبَ البالغةَ بصريح الإذن ولا يزوِّجان الصغيرة كما سبق في الأخ والعمِّ وكذا عصباتُ المعتق قال - صلى الله عليه وسلم -: [الوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النسَبِ] صححه ابنُ حبان والحاكم 1. وقال أيضًا: [وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِىَّ لَه] 2 وقد تقدم.
ومقتضى إيرادُ المصنف أنه يَكفي في البِكر سكوتُها بالنسبة إليهما ونقلَهُ
الْقَمُولِيُّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى عن نصِّهِ فيما إذا كانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْحَاكِمُ، وجزَمَ به البغويُّ في فتاوى في الْمُتَحَكِّمِ ثُمَّ السُّلْطَان يُزَوِّج في ستة مواضع عند عدم الوليِّ الخاصِّ وعضلهِ؛ وإحرامهِ؛ وغيبتهِ؛ وإذا أراد أن يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا؛ والمجنونة.
وقد ذكرها المصنف على هذا الترتيب في هذه الفصول كما سيأتي وجمع بعضهم هذه المواضع في بيتين فقال:
خَمسٌ مُحَرَّرَةٌ تَبَيِّنَ حُكْمُهَا... فِيْهَا يَكُوْنُ العَقْدُ لِلْحُكامِ
فَقْدُ الوَليِّ وَعَضلُهُ وَنِكَاحُهُ... وَكَذَاكَ غيبتُهُ مَعَ الإحْرَامِ
وَأَحَقُّ الأوْليَاءِ أَبٌ، لأنَّ مَن عداهُ يُدلي به ولوفور شفقته، ثم جَدٌّ، لأنه كالأب عند عدمه، ثم أبوهُ، لأن لهُ ولايةٌ وعصوبةٌ فَقُدِّمَ على مَن ليس له عصوبةٌ، ثم أَخٌ لأبوين أَوْ لأبٍ، لأنهُ يُدْلِي بالأبِ وكان أقرب.
وأتى المصنف بـ (أَوْ) بينهما؛ لأنه سيُبَيِّنُ الخلافَ بعد في المقدَّم منهما، ثم ابنُهُ وإن سَفَلَ، لأنه أقربُ من العَمِّ، ثم عَمٌّ ثمَّ سَائِرُ الْعَصَبَة كَالإرْثِ، لأنَّ المأخذَ فيهما واحدٌ ومرادُه بقوله (كالإرث) بالنسبة إلى سائر العصبة فقط.
فترتيبهم هنا كترتيبهم هُناك فيقدَّمُ بعدَ العمِّ من الأبوين أو مِن الأبِ ابنُهُ وإن سَفَلَ ثُمَّ سائرُ العَصَبَاتِ، ولا يصحُّ عودُهُ إلى جميع ما ذكره؛ لأن الجد والأخ يستويانِ في الإرثِ وهنا الجدُّ مُقَدَّمٌ، ويقَدَّمُ أَخٌ لأبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لأبٍ فِي الأظهَرِ، لزيادة القُربِ والشفقةِ كما في الميراث.
والثاني: أنهُما سواءٌ؛ لأن قرابةَ الأمِّ لا تفيدُ ولاية النكاح فلا تَرْجِيْحَ.
وَلاَ يُزَوَّجُ ابن بِبُنُوَّةٍ، لأنه لا مشاركةَ بينَهُ وبينَهَا في النسب فلا يعتني بدفع العارِ عن النسب ولهذا لم تثبتْ الولايةُ للأخ مِن الأُمِّ وخالف المزنىُّ فقال: يُزَوِّجُ بِهَا، وبه قالَ الأئِمَّةُ الثلاثةُ، فَإن كَان ابْنَ ابْنِ عَمٍّ أَو مُعْتِقًا أوْ قَاضِيًا زَوَّجَ بِهِ، أي لا بالبنُوَّة وكذا لو توالدتْ قرابةٌ أخرى من أنكحة المجوس أو وطء الشبهة بأن كان ابنُها أخاها أو ابنُ أخيها أو ابنُ عمِّها، وكذا لو كان وكيلًا لوليِّها، لأن البُنُوَّةَ لا تقتضي الولاية وليست مانعةٌ، فإذا وُجد معها سببٌ آخرٌ يقتضي الولاية لم يمنعْهُ
وحديث أم سلمة [قُمْ يَا غُلاَمُ زَوِّج أُمَّكَ] 1 إن ثبتَ، فإنما لأنه كان من بني أعمامِها ولم يكن لها وليٌّ أقربَ منهُ، وكذا ما يروى من [أَن أَنَساً زَوج أُمَّهُ] 2 إن ثبت، فإنما كان ببنوةِ العَمِّ فإنهما من الأنصار، فَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ نسِيْبٌ زَوَّجَ الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، لما سلف، كَالإِرْثِ، أيْ في ترتيبِهم كما صَرَّحَ به في الْمُحَرَّرِ فتقدَّم بعدَ عصبةِ المعتقِ معتقُ المعتقِ ثم عصبتُهُ وهكذا على ترتيبهم هُناك، وترتيبُ العَصَبَاتِ هنا كالنسب إلاَّ في ثلاث مسائلَ؛ الأُولى: جَدُّهَا أَوْلى من أَخِيْهَا؛ وفي جَدِّ الْمُعتق وأخيهِ قولان كإرثهما بالولاء أظهرهُما تقدُّم الأخ، والثانى: يستويان كذا حكى الرافعيُّ هذا القولَ.
وحكى الماورديُّ بدلَهُ أنَّ الْجَدَّ يُقدَّم عليه، ولو اجتمع جدُّ
المعتقِ وابنُ أخيه فإنْ قدَّمْنَا الأخَ على الجدِّ قدَّمْنَا ابنَهُ وإلا فَيُقَدَّمُ الجدُّ، وفي الإرث وجه: أنهما يستويانِ فيجوزُ أنْ يُطرد هنا كما قالَهُ الرافعيُّ.
الثانية: ابنُ المرأةِ لا يزوِّجها وابنُ المعتقِ يزوّج ويقدَّم على أبيهِ، لأن التَّعْصِيْبَ لَهُ، الثالثة: إذا اجتمع أخو المعتق لأبويهِ وأخوهُ لأبيه فالمذهبُ القطعُ بتقديم الأخِ لأبوَين، وقيل: يطردُ القولين كالنَّسَبِ، وقيل: يستويان قطعاً.
وَيُزَوِّجُ عَتِيْقَةَ الْمَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً، أيْ لا السُّلْطَانُ، وتجعل الولايةُ عليها تبعاً للولايةِ على الْمُعْتَقَةِ فيزوِّجها أبو المعتقة ثم جدُّها ثم ترتيبُ الأولياء ولا يزوِّجها ابنُ المعتقةِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ إِذْنُ الْمُعْتِقَةِ فِي الأصَحِّ، إذ لا ولايةَ لها ولا إجبارَ، والثاني: يُعتبر؛ لأنَّ الولاءَ لها والعصبةُ يزوِّجون لإدلائِهم بها فَلاَ أَقَلَّ مِن مُراجعتها ولا يَخفى اشتراطُ رِضَى العتيقةِ، فَإِذَا مَاتَتْ زَوَّجَ مَنْ لَهُ الْوَلاَءُ، أي من عصباتِ المعتقة ويقدَّم الابنُ على الأبِ على الصحيح.
فَرْعٌ: المبعَّضةُ يزوِّجها مَالِكُ الْبَعْضِ ومعهُ وَلِيُّهَا القريبُ؛ فإن لم يكن فمعتقُ بَعْضِهَا، وإلاَّ فالسلطانُ وهو أصحُّ الأوجهِ الخمسةِ.
وثانيها: يكون معه معتقُ البَعْضِ، وثالثها: يكونُ معهُ السلطانُ، ورابعها: يستقلُّ مالِكُ البَعْضِ، وخامسها: لا يجوزُ تزويجُها أصلاً لضَعْفِ الْمِلْكِ والولايةِ بِالتَّبْعِيضِ.
فَإِن فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ زَوَّجَ السُّلْطَانُ، لأنه وليُّ مَن لا وليَّ لهُ وهو نائبٌ عن الشرع في ذلك.
والمرادُ به مَن لهُ الولايةُ العامَّةُ؛ واليًا كان أو قاضيًا في محل حكمهِ خاصةً دون غيره؛ وسواءً كانت مستوطِنَةً مَحِل ولايتهِ أمْ غيرها؟ وَكَذَا يُزَوِّجُ إذَا عَضَلَ، أيْ منعَ، الْقَرِيْبُ وَالْمُعْتِقُ، لأن التزويج حقٌّ عليهما فإذا امتنعا من وفائهِ وَفَّاهُ الحاكمُ.
وهل هذا التزويج منه بطريق الولاية أو النيابة عن الوليِّ؟ فيه خلاف، تظهرُ ثمرتُهُ فيما إذا كانت ببلدٍ وأَذِنَتْ لحاكم بلدٍ آخر في تزويجها والوليُّ فيه، وَإِنَّما يَحْصُلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً إِلَى كُفْءٍ، وَامْتَنَعَ، لأنهُ إنما يجبُ عليه تزويجها من كفوء، فإن دعت إلى غيره فلَهُ الامتناعُ ولا يكونُ عضلاً، وإذا
حصلتِ الكفاءَةُ فليس لهُ الامتناعُ من نقصانِ المهرِ، لأنه محضُ حقِّها ولا بُدَّ من ثبوت العضل عند الحاكم ليزوِّجها كما أوضحتُهُ في شَرْح التَّنْبِيْهِ فراجِعْهُ منهُ.
وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفْوءًا وَأرَادَ الأبُ غَيْرَهُ، وهو كفوءٌ أيضًا، فَلَهُ ذَلِكَ في الأصَحِّ، لأنهُ أكملُ نظراً مِنْهَا، والثانى: لا، إعفافاً لها وهو قويٌّ وظاهرُ نصه في المختصر يقتضيهِ، فإنه قال: والعَضْلُ أن تدعو إلى مثلها فيمتنعُ.
ونقلَهُ صاحبُ الْمَطْلَبِ عن ظاهر نصِّه في الأُمِّ أيضاً، وعبارةُ الشَّامِلِ الصَّغِيْرِ: مُعَيَّنُهَا أوْلى وَإِنْ نَقَصَ مَهْرُهَا مِمَّا عَيَّنَهُ الْوَلِيُّ، وعُلِمَ من فرضِ المصنِّفِ في إرادة الأبِ غيرهُ أنَّ الكلام في الْمُجبر ليخرِّج غَيرَهُ؛ فإنَّ مَنْ عَيَّنَتْهُ أَوْلى قطعاً، لأن إذنها شرطٌ وكما هو شرطٌ في أصل التزويج هو شَرْطٌ فِي عَيْنِ مَنْ عيَّنَتْهُ؛ إذا لم تُطْلِقْ.
وقول الغزاليِّ: الكفوءُ الذي عَيَّنَتْهُ أوْلى مِنَ الَّذي عَيَّنَهُ على وجهٍ يجبُ حملُهُ على إرادةِ الْمُجْبِرِ فَقَطْ.
فَصْلٌ: لاَ وِلاَيَةَ لِرَقِيْقٍ، لنقصِهِ، نعم يصحُّ أن يكون وكيلاً في القبولِ فقط كما سلَفَ فِى بابه، وَصَبِيٍّ، لسلب عبارته، وَمَجْنُونٍ، كذلك أيضًا وهو في الجنونُ المطبقُ، وكذا المتقطعُ؛ على ما صحَّحَهُ في أصل الروضة وإن كان الأشبَهُ في الشَّرحِ الصغير أنه لا يُزيل الولايةَ كالإغماء.
قال في المطلبِ: وهو ظاهرُ نَصِّهِ في الأُمِّ فعلى هذا يُنتظر حتَّى يفيقَ على الصحيح.
وقيل: يزوجها الحاكمُ كالغيبة، وَمُخْتَلِّ النَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ، أي أصليٍّ أو عارضٍ للعجز عن اختيار الأكِفَّاءِ، وَكَذَا مَحْجُورٍ عَليْهِ بِسَفَهٍ، عَلَى المَذْهَبِ، لأنَّ الْحَجْرَ عليه لنقصانهِ فلا يحسنُ أن يُفَوَّضَ إليهِ أمرَ غيرهِ، والطريقُ الثانى وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: نعم، لأنه كاملُ النظرِ في أمر النكاح وإنما الْحَجْرُ عليهِ لحفظ ماله؛ وهذا التعليلُ مُخْتَصٌّ بالسفيهِ في المال؛ والسفيهُ في الدَّيْنِ حُكْمُهُ مثلُهُ، واحترزَ بالمحجورِ عليه عمَّا إذا كان غرَ محجورٍ عليه، فإنَّ ولايتَهُ باقيةَ كذا اقتضاهُ كلامهُ وذكرَهُ الرافعيُّ بحثاً.
لكن صحَّحَ صاحبُ الذخائرِ سلبَها، وكذا ابنُ الرفعةِ فِى مطلبِهِ، وهو ظاهرٌ لزوالِ أهليتهِ بتبذيره، واحترزَ بالسفيهِ عن المفلس، وبه قطعَ الرافعيُّ في الشرح الصغير، لكن فيه وجهٌ حكاهُ في الرَّوضة عن الشَّاشِيِّ.
فَرْعٌ: توكيلُ المحجورِ عليه بسفهٍ في طرفيِّ النكاحِ كتوكيل العبد، فيصحُّ في القَبُول دُوْنَ الإيجابِ.
وَمَتَى كاَن الأقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَالْوِلاَيَةُ لِلأبْعَدِ، لخروج الأقرب عن أن يكونَ وليًا فإذا زالَتْ عادَتْ كما أَفْهَمَهُ لَفْظُ (مَتَى)، وَالإِغْمَاءُ إِنْ كَان لاَ يَدُومُ غَالِبًا انْتُظِرَ إِفَاقَتُهُ، أيْ ويكونُ كالنومِ ولا يُزوِّج غيرهُ، ومجرد الغشية من هيجانِ الصَّفْرَاءِ ونحوُها من ذلكَ، كما صرح به الإمامُ.
قال: ومِن جملةِ ذلك الصَّرَعُ، وَإنْ كَان يَدُومُ أَيَّامًا انْتُظِرَ، لأنه قريبُ الزوال كالنوم، وَقِيْلَ: يَنْقُلُ الولاية، لِلأبْعَدِ، كالجنون، وقولُه (أيامًا) فيه مخالفةٌ لعبارته في الرَّوضَةِ تبعاً للشَّرْحِ، وإن كان مما يدومُ يومًا ويومين وأكثرَ فوجهان، وفِي تقتضي جريانَ الخلاف فيما يدوم يومًا أيضاً، والغزاليُّ ذكَرَ اختيارَهُ للتقدير بالثلاث بعدَ أن حكى مقالة الإمام الآتية، وقال الرافعيُّ في الشَّرح: التقديرُ بالثلاث لم يتعرض إليه غيرُ الغزاليِّ.
وقال الإمام: ينبغى أن تُعتبر مُدَّتُهُ بالسَّفر، فإن كانت مدَّةً يُعتبر فيها إذْنُ الوليِّ الغائبِ وقطعَ المسافة ذهابًا ورجوعًا انتظرتْ إفاقتُهُ وإلا فيزوِّج الحاكمُ.
ويرجع في معرفة مدته إلى أهل الخبرة.
فَرْعٌ: الأسْقَامُ والآلامُ الشَّاغِلَةُ عن النظرِ ومعرفةِ المصلحةِ تَمْنَعُ الولايةَ أيضاً وتنقلُها إلى الأبعد، نصَّ عديه، وتابعُوهُ وهو داخلٌ في قول المصنف (ومُختلِّ النِّظَرِ).
فَرْعٌ: في معنى الإغماءِ السُّكْرُ الحاصلُ بلا تَعَدٍّ فلا يزوِّجُ وينتظرُ إفاقتُهُ على المذهب، وهذا إذا بَقِىَ لهُ تمييزٌ ونظرٌ، أما الطافحُ فكلامُهُ لغوٌ، وَلاَ يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الأصَحِّ، لحصول المقصود بالبحث والسَّماعِ وإنما رُدت شهادتُهُ لعدمِ التَّحَمُّلِ، والثانى: يقدحُ، لأنه نقصٌ يؤثّر في الشهادة فأشبهَ الصَّغير، وقال الفارقي: إنْ عرفَتِ الزَّوجةُ الزوجَ ورضيَتْ بهِ جازَ أنْ يكونَ الوليُّ أعمَى قطعًا لقصةِ موسى مع شُعيب، وإلاَّ فلا.
وعلى الوجه الثانى، قال الإمامُ: يُنْتَقَلُ إِلَى الأبْعَدِ.
فَرْعٌ: الأخرسُ إنْ كانت لهُ كتابةٌ أو إشارةٌ مُفْهِمَةٌ جرَى الخلاف المذكور فيه، أعنى الوجهَ الأصحّ، والثاني: وقيل: يزوِّج قطعاً، فإن لم تكن مُفْهِمَةً فلا ولايةَ لهُ.
وَلاَ وِلاَيَةَ لِفَاسِقٍ، عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنهُ نقصٌ يقدحُ في الشهادة فتمنَعُ الولايةُ كالرِّقِّ.
وبالقياسِ على ولايةِ المالِ؛ والقولُ الثانى: لهُ الولايةُ؛ لأن الفسقَةَ لم يُمنَعُوا من التزويج في عصر الأَوَّلِينَ، وفي هذا الاستدلالِ نَظرٌ، لأن ذلك مُخْتَلَفٌ فيه، فلا يُنْكَرُ، وقد يتعذَّرُ الإنكارُ وبهِ أفتَى أَكَابِرُ المتأخرينَ لا سيما الْخُرَاسَانِيُّونَ.
والطريقُ الثانى: القطعُ بالأول، والثالثُ: القطعُ بالثاني، ومجموعُ ما فِى المسألةِ من الطرقِ أحدَ عشرَ طريقًا فراجعها مِن الأصلِ، ويُستثنى من ذلك الإمامُ الأعظمُ إذا لم ينعزل بالفسق، وهُو الأصحُّ، فإنهُ يزوِّج بناتَهُ وبناتَ غيرِهِ بالولاية العامَّةِ على الأصحِّ تفخيمًا لشأنهِ، وقال المتولِّي: كان القاضى حُسين يقول: عندي الإمامُ الفاسقُ لا يزوِّج الأيَامَى ولا يَقْضِي، كما لا يشهدُ، ولكنَّهُ يُنَصِّبُ القُضاةَ حتى يزوِّجوا.
قال: وَكَأَنَّ المعنى في ذلك أنَّ تنفيذَ ولايةِ الإمامِ مع الفِسْقِ لخوفِ وُقُوع الفتنةِ والقتالِ بينَ الناسِ وليس في مَنْعِهِ مِن القضاءِ والتِّزويج خوفُ فِتْنةٍ؛ لأنه يفوِّضُ ذلك إلى من يصلح لهُ.
واستفتيَ الغزاليُّ في ولاية الفاسق، فقال: إنْ كانتْ بحيثُ لو سلبنَاهُ الولايةَ لانتقلَتْ إلى حاكمٍ يرتكبُ ما نُفَسِّقُهُ بِهِ وَلِىَ، وإلاَّ فلا.
قال في الروضة: وهذا الذي قالَهُ حسنٌ، وينبغي أن يكونَ العملُ به.
فَرْعٌ: لا خلاف أنَّ المستورَ يَلِي، قالهُ الإمامُ.
فَرْعٌ: من الأصحاب من أجرَى الخلافَ في ولايةِ الفاسقِ لمالِ ولَدِهِ، والمذهبُ القطعُ بالمنعِ، لأن المالَ مَحِلُّ الجناياتِ الخفِيَّةِ، وأمرُ النكاح خطير، فالاهتمامُ بشأنِهِ وإنْ كانَ الشخصُ فاسقًا أقربُ.
فَرْعٌ: إذا تابَ الفاسقُ، قال البغويُّ: هنا لهُ التزويجُ في الحال.
والقياسُ وهو المذكورُ في الشَّهَادَاتِ اعتبارُ الاِسْتِبْرَاءِ لعودِ الولايةِ حيثُ يعتبرُ لقبولِ الشَّهَادَةِ.
فَرْعٌ: المذهبُ من زوائدِ الرَّوضة القطعُ بثبوت ولاية أصحاب الحِرَفِ الدَّنيَّةِ، إذا قُلنا الفاسقُ لا يَلي.
فَرْعٌ: إذا قُلنا لا ولاية للفاسقِ، انتقلَتْ للأبعَدِ، وقيل: إلى السُّلطانِ.
فَرْعٌ: الفسقُ إنما يتحقَّقُ بِارتكابِ كَبِيْرَةٍ أو إصرارٍ على صغيرةٍ وليسَ العَضْلُ من الكبائِرِ، وإنما يفسُق به إذا عَضَلَ مراتٍ أقلُّها فيما حكَى بعضُهم ثلاثًا، وحينئذٍ فالولايةُ للأَبعَدِ ذكرَهُ الرافعيُّ، قال ابنُ الرفعةِ: وفي كلام القاضى ما يُخالِفُهُ، وصرَّحَ الرافعيُّ في موضع آخر: بأنَّ السُّلطانَ يزوِّج من غيرِ تقييدٍ بثلاث ودُونَها.
وقَالَ الإمامُ: إنْ كانَ في الخطةِ حاكمٌ فَلا يأْثَمُ بالعَضْلِ وإلاَّ فَيَأْثَمُ.
فَرْعٌ: إذا كانَ له بِنْتَانِ فَعَضَلَ واحدةً فهل لهُ تزويجُ الأُخرَى على قولنا الفاسقُ لا يَلي؟ فيه وجهان حكاهُما القاضى حُسين من قِبَلِهِ: أنَّ الفسقَ يُخرجهُ عن الولاية لكنه فسقٌ مخصوصٌ، قال: ويمتحنُ بهذه المسألة فيقالُ لرجل ابْنَتَانِ أو أُختانِ مُتَّفِقَتَانِ في جميع الصِّفاتِ إلى تختلفُ بها أَحْكَامُ النِّكاح يملكُ تزويجَ إِحداهُما دُوْنَ الأُخرَى.
وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ، لقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 1 ولأنه قريبٌ ناظرٌ، وخالفَ شهادته، لأنها محضُ ولايةٍ في الغيرِ بخلاف النكاح.
وهذه العبارةُ أعمُّ من عبارَة الْمُحَرَّرِ: ويَلى الكافرُ ابْنَتَهُ الكافرَةُ، لأنَّ الحكمَ عامٌّ سواءٌ كانت المزوَّجة بِنْتَهُ أو قريبتَهُ، ثم هذا إذا كان لا يرتكبُ محظوراً في دِينه، فإنِ ارتكبَ فتزويجُهُ إيَّاها كتزويج الْمُسْلِمِ الفاسِقِ ابنتَهُ، وعن الحليمى: أنَّ الكافرَ لا يَلي التزويجَ وأنَّ المسلِمَ إذا أراد تزويجَ ذِمِّيَّةٍ زوَّجه القَاضِى، والصحيحُ ما جزَمَ به في المصنفِ وإن كان ابنُ يُونس صحَّحَ المنعَ وادَّعى المتولِّى أنهُ لا خلاف أنه يزوِّجُها من ذِمِّيٍّ، وإنما الخلافُ في تزويجِها من مسلمٍ وَأَفْهَمَ كلامُ المصنِّفِ أن الكافرَ لا يَلي الْمُسْلِمَةَ وهو كذلك، وإنما يزوِّجها الأبْعَدُ وهو صريحُ كلامِ الْمُحَرَّرِ حيثُ قالَ: والكافرُ يَلي نكاحَ ابنتِهِ الكافرةِ؛ فعبارته مفيدةٌ للحصرِ فكأنَّهُ قالَ: إِنَّ الكافرَ لا يلي إلاَّ الكافرةَ، والمصنفُ قدَّمَ الفعل فلا يُؤْخذ ذلك صريحاً منهُ، فعبارةُ كل منهُما أحسنُ من الأُخرى من وجهٍ.
ولا يجوزُ أن يكون وليُّ الكافرةِ مُسْلِمًا أيضاً لانقطاع الموالاة بينهما.
وقيل: يجوزُ بالولاية الخاصَّةِ حكاهُ في الكفاية، قُلْتُ: قد ذكرها الرافعيُّ في فصْلِ ولاية السَّيِّدِ، قال في الروضة: ولا يزوجُ مسلم كافرةً إلا السُّلطانُ والسَّيِّدُ على الأصحِّ،
وإذا زوَّج أَمَةَ موليته، قال: ولا يزوِّجُ كافرٌ مسلِمَةً إلا أُمَّ ولدِهِ على وجه قاله الفورانيُّ.
قُلْتُ: وإلاَّ إذا كانَ لهُ أَمَةٌ مُسْلِمَةٌ، فقال ابن الحدَّاد: يزوِّجها بالمِلْك، وقد ذكرَهُ بعد ذلك مع أُمِّ الولَدِ.
فَرْعٌ: هل للحاكمِ أَنْ يزوِّج المجوسِيَّةَ الْحُرَّةَ؟ فيه وجهان.
في طبقاتِ الْعَبَّاديِّ وفي فتاوى القفال: أنَّ تزويجَ الحاكمِ كافرةً لا وليَّ لها من كافرٍ يخالفُها في الدِّينِ كيهوديٍّ من وَثَنِيَّةٍ أو مجوسيةٍ أو نصرانيةٍ دَارَتْ بينَ القفالِ وأبي الفَضْلِ العراقِيِّ، فأفتى الأوَّلُ بالجوازِ، كما أَنَّا نُفِرُّهُمْ لو فعلوهُ وترافَعُوا إلينا.
وأفتَى الثَّاني بالمنعِ.
فَرْعٌ: لو أرادَ المسلمُ أن يتزوَّج ذِمِّيَّةً فلهُ أن يتزوَّجها من ولِيِّها الذِّمِّيِّ، فإن لم يكُنْ فالقاضِى، فإن لم يكن فقيل: يجوزُ للمسلِمِ قبولُ نِكَاحِهَا من قاضيهم.
والمذهبُ المنعُ.
قال الإمامُ: لأنه لا وَقْعَ لِقَضَائِهِمْ.
فَرْعٌ: هل يزوِّجُ اليهوديُّ النصرانيَّةَ؟ ظاهرُ إطلاقِ المصنفِ: نعم، وقال الرافعيُّ: يمكنُ أنْ يُلحق بالإِرثِ، ويمكنُ أنْ يُمْنَعَ، لأن اختلافَ الْمِلَلِ وإن كانت باطلةً، مَنْشَأْ العداوَةِ، وسقوطُ النظرِ.
قال ابن الرفعة: العداوةُ لا تَمْنَعُ الولايَةَ ولا الإِجبارَ على المذهبِ، والاحتمال الأوَّلُ الذى ذكرَهُ الرافعيُّ سبقَهُ إليه المتولِّى، فإنه قال: اليهوديُّ هل تَثْبُتُ لهُ ولاية على النصرانيَّةِ وعكسُهُ أمْ لا؟ ينبني على أنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدةٌ أو مِلَلٌ، فإن قلنا بالأوَّلِ ثبتَتْ؛ وإلاَّ فلا، وجزمَ بإلحاقِهِ بالإرْثِ الإمامُ والماوردِيُّ والرويانيُّ.
فَرْعٌ: الْمُرْتَدُّ لا ولايَةَ لهُ على مُسْلِمَةٍ ولا على مُرْتَدَّةٍ ولا على غَيْرِهِمَا مِن الكافراتِ.
فَرْعٌ: إذا كان للنصرانية أخٌ نصرانيُّ وأخٌ مجوسيُّ وأخٌ يهوديُّ، قال الماورديُّ: كانوا في الولاية علَيْها سواءٌ كما يشاركون في ميراثها فلو كانَ في إخْوَتِها مَن يدَّعِى الإِسلامَ فلا ولاية لهُ كما لا ميراثَ.
وَإحْرَامُ أحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، أي سواءٌ كان وليًّا أو زَوْجاً أو وكيلاً، أوِ الزَّوْجَةِ،
أي بالحَجِّ والعُمرةِ أو أحدِهما، يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاح، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لاَ يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُنْكَحَ] رواه مسلم 1. وهذا في غيرِ الإمامِ وكذا الإمامُ والقاضِي على الأصحِّ لإطلاقِ الحديثِ، قال الخفافُ من قدماء أصحابنا في خِصَالِهِ: كلُّ نكاحٍ عَقَدَه وكيلُ الْمُحْرِمِ فهُو باطل إلاَّ الحاكمُ إذا عقدَ خلفاؤُهُ النكاحَ وهو مُحْرِمٌ وكذا الخليفةُ إذا أَحْرَمَ يَعقدُ خلفاؤُه النكاحَ وفي هذا وجهٌ حكاهُ الماورديُّ.
فَرْعٌ: يجوزُ أن تُزَفَّ إليه زوجتُهُ التى عَقَدَ عليها قبلَ إحرامِهِ، وأنْ تُزَفَّ الْمُحْرِمَةُ إلى زوجِها الحلالُ والْمُحْرِمُ.
وَلاَ ينْقُلُ الْوِلاَيَةَ فِي الأَصَحِّ، لبقاءِ الرُّشْدِ والنظرِ، والثاني: يَنْقُلَهَا إلى الأبْعَدِ كالجنون، قال في المطلب: وهُو الذى يظهَرُ رَجحَانَهُ، فِيُزَوِّجُ السُّلْطَان عدَ إِحْرَامِ الْوَليِّ لاَ الأبْعَدُ، كما لو غابَ.
قُلْتُ: وَلَوْ أحْرَمَ الْوَليُّ أَوِ الزَّوْجُ فَعَقَدَ وَكِيْلُهُ الْحَلاَلُ لَمْ يَصِحَّ، وَاللهُ أعْلَمُ، لأنهُ يبعد أن ينصرفَ النائبُ مع عجز الأصليِّ فيزوِّج بعدَ التَّحَلُّلِ بالوكالةِ السابقةِ ولا ينعزلُ على الأصحِّ، وَلَوْ غَابَ الأقْرَبُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ زَوَّجَ السُّلْطَانُ، لأنه حقٌّ عليه فإذا تعذَّرَ استيفاؤُهُ منهُ نابَ عنهُ القاضِي، وهذا إذا عرف مكان الغائبِ، فإنْ لم يعرِفْ مكانهُ ولا حياتهُ ولا موتَهُ زوَّجَها أيضًا، وإنِ انتهَى الأمرُ إلى غايةٍ يُحْكَمُ فيها بالموتِ وقُسِّمَ مالُهُ بينَ ورثتِهِ على ما تقرَّرَ في الفرائضِ انتقلَتْ الولايةُ إلى الأبعَدِ، وَدُوْنَهُمَا لاَ يُزَوِّجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ المسافةَ القصيرةَ كالإقامةِ.
ولو كان مقيمًا في البلدٍ لم يزوجها الحاكمُ.
فكذا هُنا وهذا ما نصَّ عليه في الإمْلاَءِ.
والثاني: يزوِّج لِئَلاَّ تتضرَّرَ بفواتِ الكفُوءِ الرَّاغِبِ
كالمسافة الطويلة، وفي تعليق الشيخ أبي حامدٍ والبيانِ أنَّهُ المذهبُ، والثالثُ: إن كان بحيثُ يتمكن المبكِّرُ إليها مِن الرجُوع إلى منزلِهِ قَبْلَ الليلِ اشترطَ مراجعتُهُ وإلاَّ فلا.
فَرْعٌ: ليكن تواري الوليُّ وسجنُهُ بحيث يتعذَّرُ استئذانُهُ كالغيبة.
فَرْعٌ: الأصحُّ في الروضة تصديقُ المرأةِ في غيبة الوليِّ وخُلُوِّ المانِع، ولا يشترطُ فيها شهادة خبيرين بالباطن، فلو أَلَحَّتْ بالمطالبَةِ ورأى السلطانُ التأخير فهل لهُ ذلك؟ وجهان في الرَّوضة والرافعيِّ قال: رواهُما الإمامُ عن أهلِ الأُصولِ، قُلْتُ: ولفظُهُ: ذهب قُدْوَتُنَا في الأُصول إلى أنَّها تُجَابُ، وقال القاضي أبو بكر الباقلانيِّ: لا يُجيبها إنْ رأى ذلك.
انتهى.
والقاضي هذا مالكيُّ المذهَبِ والظاهرُ أنَّ الآخر هو الأشعريُّ وحينئذ فالمسألة ليست ذات وجهين فَاعْلَمْهُ، قال الإمامُ: ولو زوَّجَ قَبْلَ إِلْحَاحِهَا نَفَذَ تزويجُهُ وكانَ مُسِيْئًا.
فَرْعٌ: إذا غابَ الوليُّ الأقربُ الغيبةَ المعتبرةَ، فالأولى للقاضي أنْ يَأْذَنَ للأبعَدِ أنْ يُزوِّجَ أو يَسْتَأْذِنَهُ ليزوِّج القاضى، للخروج من الخلاف.
فَصْلٌ: وَللِمُجْبِرِ التَّوْكِيْلُ فِي التَّزْويْج بِغَيرِ إِذْنِهَا، كما يزوِّجها بغيرِ إذنها، وقيل: لا يجوزُ إلا بإذنها، وقال أبو ثور: لا يجوزُ للوليِّ التوكيلُ كما لا يوصى بالولاية، ولأنه نائب فلا يستنيبُ.
واستدلَّ الماورديُّ على جوازِهِ بالحديثِ السالف [أيَّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ] 1 وإذنُ وليِّها هو التوكيلُ لغيرها لا لها، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِيْنُ الزَّوْج فِي الأظْهَرِ، لأنه يملِكُ التعيينَ في التوكيل فيملك الإطلاق كما في البيع وسائر التَّصَرُّفَاتِ وشفقتُهُ تدعو إلى أنه لا يُوْكِلُ إلا من يَثِقُ بنظرِهِ وَاخْتِيَارِهِ، والثانى: يُشترط ذلك لاختلاف الأغراضِ واختلافِ الأزواج وليس للوكيل شفقة تدعو إلى حُسن الاختيار وصحَّحَهُ الفارقيُّ، ولو أَذِنَتِ الثَّيِّبُ في النكاح أو البِكْرُ لغير الأبِ والجدِّ، ففي اشتراط التَّعيينِ القولانِ، وقيل: لا يُشترط قطعًا، لأن الوليَّ يعتني بدفْع العارِ عن النَّسَبِ بخلافِ الوكيل، قال الإمامُ:
وظاهرُ كلام الأصحابِ يقتضي طرد الخلاف وإنْ رضيَتِ المرأةُ بترك الكفاءة، لكن القياس تخصيصُهُ بمَنْ لم تَرْضَ، فأما من أسقطت الكفاءَةَ، فلا معنَى لاشتراط التعيين فيها.
فَرْعٌ: لو وَكَّلَهُ أن يتزوَّج لهُ امرأةً، ففى اشتراط تعيينها وجهان، صحَّحَ في الروضة في الوكالة: الاشتراطَ؛ ورجَّح هنا عَدَمَهُ.
وَيَحْتَاطُ الْوَكِيْلُ فَلاَ يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ، رعايةً للنظر، فلو زوَّج بغير كفوءٍ لم يصحَّ على الصحيح.
فَرْعٌ: لو خطبَ كفُوءَان وأحدُهما أشرَفُ فزوَّجَ الآخَرَ لم يصِحَّ، لأنه خلافُ الحظِّ.
فَرْعٌ: إذا جوَّزنا الإِذْنَ المطلَقَ؛ فقالت: زوِّجى ممَّن شِئْتَ، فهل له تزويجُها غير كفوءٍ؟ وجهان أصحُّهُمَا عندَ الإِمامِ والسَّرْخَسِيِّ وغيرهما: نعم، إنما تظهَرُ الصِحَّةُ إذا كانت المشيئةُ في مُعَيَّنَيْنِ، أمَّا إذا كانت مُطْلَقَةً فَلا؛ كما لو قَالَتْ: زوِّجنى ممَّنْ شِئتَ كفوءٌ كان أو غيرَهُ.
فَرْعٌ: قال الوليُّ للوكيل وَزَوِّجْهَا مَن شَاءَتْ بِكَمْ شَاءَتْ؟ فزوَّجها برضاها بغيرِ كفوءٍ بدونِ مَهرِ الْمِثْلِ صَحَّ، ذكرَهُ الرافعيُّ في الصَّدَاقِ.
وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ، إما لكونه غيرَ الأب وإما لكونِها ثيِّبًا، إِنْ قَالَتْ لَهُ: وَكِّلْ، وَكَّلَ، وَإن نَهَتْهُ فَلاَ، كما يراعى إذنها وعدمُه في أصل التزويج، وادَّعى الإمامُ والبغويُّ أنه لا خلافَ في الثانى لكن قال الماوردي: إذا قُلنا لا يعتبرُ إِذْنُهَا في التوكيل كما لا يُؤثر منعُها منهُ لكن ليس للوكيل أنْ يزوِّجها إلا بِإِذنِهَا، وِإنْ قَالَتْ: زَوِّجْنِي، وأطلقَتْ فلم تأمرهُ بالتوكيل ولا نهتْهُ، فَلَهُ التَّوْكِيْلُ فِي الأصَحِّ، لأنه متصرِّفٌ بالولاية فأشبهَ الوصيَّ والقَّيِّمَ يتمكَّنانِ من التوكيل بغير إذنٍ بل أَوْلى منهُما، لأنهما نائبان وهو ولايتُهُ أصليَّةٌ بالشرع، وإذنُها في التزويج شَرْطٌ في صحةِ تصرفهِ وقد حَصَلَ، والثاني: لا، لأنه متصرِّفٌ بالإِذْنِ فلا يُوَكِّلُ إلاَّ بالإِذْنِ كالوكيل، وَلَوْ
وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانَهَا فِي النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنهُ لا يَمْلِكُ التَّزْوِيْجَ بنفسِهِ حينئذٍ فكيفَ يُوَكِّلُ غيْرَهُ، والثانى: يصحُّ، لأنه يَلي تزويجَها بشرطِ الإذنِ فلهُ تفويضُ ما لَهُ لغيرِهِ ويبقى موقوفًا على ذلك الشرط.
فعلى هذا يستأذنُ الوليُّ المرأةَ أو الوكيلَ للوليِّ ثم يزوِّجُ، ولا يجوزُ أن يستأذِنَ لنفسِهِ، لأنهُ حينئذٍ يكونُ وكيلًا عنها والمرأةُ ليسَتْ لها ولايةَ التوكيلِ في النكاح، جزَمَ به الرافعيُّ، وقال ابنُ الرفعةِ: الأشبهُ أنْ يُجَوِّزَ أنْ يَسْتَأْذِنْهَا لنفسِهِ.
فَرْعٌ: قالَتْ: وَكّلْ بتزويْجِى واقتصرت عليه فله التوكيلُ، وهل لهُ أن يزوِّج بنفسهِ؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما في أصل الروضة: نعم؛ لأنه يبعد منعُهُ ممَّا له التوكيلُ فيه، وعبارةُ الرافعيِّ كأنَّهُ الأظهَرُ، لأنه قال في النهاية: لو قالَتْ أَذِنْتُ لَكَ في تزويجِي ولا تزوِّجْنِي بنفسِكَ، فالذى ذهَبَ إليه الأئمَّةُ أنه لا يصحُّ الإذنُ على هذا الوجهِ، لأنها منعَتِ الوليَّ وجعلت التفويضَ لِلأجْنَبِيِّ ابتداءً.
وجعَلَ المصنِّفُ في الروضة هذا فرعًا مُستقلًا.
فَرْعٌ: إذا وُكِّلَ غيرُ الْمُجبرِ بعد إذنِ المرأةِ فهل يُشترط تعيين الزوج إنْ أطلقَتِ الإذنَ؟ فيه وجهان كما في توكيل الْمُجبرِ.
فَرْعٌ: لو رجعَتْ في الإذنِ بعدَ التوكيلِ بطلَتِ الوكالةُ ولم يكُنْ لهُ التزويجُ، وفيه نظرٌ لابنِ الرفعةِ.
فَرْعٌ: في فتاوى البغوي: إذا وكِّل في التزويجِ بمائة دينار ينصرفُ إلى أعمِّ نقودِ البلدِ، فإن كان في البلدِ نقودٌ متساويةٌ فلا بدَّ مِن أنْ تُعَيِّنَ نقدًا حتى يصِحَّ التوكيلُ والتزويجُ.
قال: ولا بدَّ من عِلْمِ الشُّهُودِ بأنَّ العاقدَ وكيلٌ حتَّى لو زُوِّجَتِ ابْنَهُ فلانٍ ولم يعلَمِ الشُّهودُ أنهُ وكيلُهُ لا يصِحُّ ما لم يَقُلْ إنِّى وكيلُ فلانٍ بالتزويجِ.
وَلْيقُلْ وَكِيْلُ الْوَليِّ زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلاَنٍ، وَلْيَقُلِ الْوَلِيُّ لِوَكِيْلِ الزَّوْجِ: زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلاَنًا، فَيَقُولُ وَكِيْلُهُ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ، أيْ فإنْ لم يَقُلْ لهُ فعلى الخلاف السَّالف فيما إذا قال: قبلتُ، ولم يقل: نِكَاحَهَا أو تزويجَها، ولو قال: قَبِلْتُ لَهُ، ولم
يقل: نكاحَها، قال ابن الرفعة: يتعيَّنُ أن يقالَ في الصحَّةِ طريقان القطعُ بالبطلانِ والتخريجُ على الوجهين في قولِ الزوج قَبِلْتُ.
فَرْعٌ: لو قالَ وكيلُ الزوجِ أوَّلًا: قبلتُ نكاحَ فلانةٍ منكَ لفلانٍ، فقال وكيلُ الوليِّ: زَوَّجْتُهَا فُلانًا.
جازَ.
قال الرافعيُّ: قال ابنُ الرفعةِ: وَأَغْرَبَ في ذلكَ من جهَةِ الاكتفاءِ بالابتداءِ بالقَبُولِ وهو فرعٌ الإيجابِ والفرعُ لا يسبِقُ الأصلَ.
فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْمُجْبِرَ تَزْويْجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ، أيْ بظهورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ أي ويتوقَّعُ الشِّفَاءَ عندَ إشارةِ الأَطِبَّاءِ بظهورِ المصلحةِ المترتِّبةِ على ذلك، ولو قال: ظهرَتْ حاجتُهُما كان أحسنَ، فإنه لا فرقَ بينهُما في ذلك، صرَّح به في الروضة تبعًا للرافعىِّ، وعبارةُ الْمُحَرَّرِ محتملَةٌ فَتَبِعَهُ المصنِّفُ واشترطَ البلوغَ في المجنونَةِ، لأنه مَحِلُّ الحاجَةِ ولم يذكرهُ المصنِّفُ في المجنون اكتفاءًا.
مما قبلَهُ وما بعدَهُ في الدلالَةِ عليه، لاَ صَغِيْرَةٍ وَصَغِيْرِ، لعدم الحاجة في الحالِ، نَعَمْ لو ظهرت الْغِبْطَةُ ففي الوجوبِ احتمالٌ للإمامِ مَالَ إليه كما إذا طلَبَ ما لَهُ بزيادةٍ يجبُ البيعُ، والوجوبُ في الصغير أبعَدُ لِلُزُومِ الْمُؤَنِ، وَيلْزَمُ الْمُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيْجِ، تَحْصِيْنًا لَهَا.
فائدة: الإجبارُ من الجانبين في صورٍ منها الأبُ والجدُّ يُحبران البِكرَ بشروطه كما سَلَفَ، وهىَ تُجبرهُما، ومنها العبدُ يجبرُهُ سَيِّدُهُ على قولٍ ويُجبرُ هُو السيِّدَ على قول كما سيأتي.
فَإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإخْوَةٍ فَسَأَلَت بَعْضَهُمْ لَزِمَهُ الإجَابَةُ فِي الأَصَحِّ، لئلا يتواكلُوا فيتعطَّلَ الحقُّ، والوجهان كالوجهين فيما إذا كان في الواقعة شهودٌ فدُعي بعضهم إلى أداءِ الشهادة والأصحُّ هناك الوجوبُ أيضًا، وَإذَا اجْتَمَعَ أَوْليَاءٌ فِي دَرَجَةٍ، أي كَأَعْمَامٍ وأخوةٍ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَفْقَهُهُمْ، لأنه أَعْلَمُ بشرائطِ العقدِ وبعده أورعُهم، لأنه أَشْفَقُ وأَحْرَصُ على طلَبِ الحَظِّ، وَأَسَنُّهُمْ، لأنه أَخْبَرُ بالأمورِ لكثرة تجربتهِ، بِرِضَاهُمْ، لتجتمع الآراءُ ولا يتأَذَّى بعضُهم باستيثارِ البعضِ، ولو زوَّج غير
الأَسَنِّ؛ والأفضل برضاها بكفوءٍ صحَّ ولا اعتراضَ للباقينَ، فَإنْ تَشَاحُّواْ أُقْرِعَ، أي عند اتحادِ الخاطِبِ كما يُقرع بين أولياء القِصَاصِ فيمن يتولاَّةُ منهُم، فإن تعدَّدَ فالتزويجُ مِمَّنْ ترضاهُ المرأةُ، فإن رضيتهُما جميعًا، نَظَرَ القاضِي في الأصلَحِ وأمر بتزويجِهِ، فإن تشاحُّوا بعدَ ذلكَ فهو عَضْلٌ فَيُزَوِّجُ القاضِي الأصلَحَ منهُما قالَهُ الفورانىُّ وغيرُهُ، فَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلِّ مِنْهُمْ صَحَّ فِي الأصَحِّ، لأنَّ القُرْعَةَ ليسَتْ لِسَلْبِ ولايةِ البعضِ وإنما هي لقطعِ المنازعَةِ.
والثاني: لا تصحُّ، لتظهر فائدةُ القُرْعَةِ، قال الماورديُّ: فعلى هذا إذا فُوِّضَ مَن خرجَتْ قُرْعَتُهُ التزويجَ إلى غيرِهِ مِنَ الأولياءِ كان نَائبًا عنهُ، وعلى الأوَّل لا يكونُ نائبًا، أمَّا إذا أَذِنَتْ لواحدٍ فزوَّج غيره لم يصحَّ قطعًا، ولو قالَتْ: زَوِّجُونِى، اشترط اجتماعهُم على الأصحِّ، وصحَّحَ مُجلّي مقابلَهُ، وإذا قُلنا بالصحة، قال الإمامُ: فيتجهُ أن يكونَ التزويجَ مكروهًا إذا كان الإقراعُ مِن السُّلطانِ وإن كان من غيرِهِ فلا، وكذا إذا ابتدرَ أحدُهما إلى التزويج مع التنازُعِ فيمن يُزَوِّجُ قَبْلَ الإِقْرَاع.
فإنهُ يَصِحُّ قطعًا ولا يكون مكروهًا وقد صرَّح بذلك مُجلِّي.
وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَآخَرُ عَمْرًا فَإنَّ عُرِفَ السَّابِقُ، أيْ بالبَيِّنَةِ أو التَّصَادُقِ، فَهُوَ الصَّحِيْحُ، أي ويكونُ الثانى باطلًا دَخَلَ بها الثانى أمْ لا لقوله - صلى الله عليه وسلم -[إِذَا نَكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالأوَّلُ أَحَقُّ] صحَّحَهُ الحاكمُ على شرط البخاري 1، ومحل ذلك إذا كان كل من الزوجين كفوءًا، فإن كانا غيرَ كفءٍ فلا نكاح، وإن كان أحدُهما غيرَ كفوءٍ والآخرُ كفوءًا فنكاحُ الكفوءِ هو الصحيحُ، وإن تأخَّرَ نَصَّ عليه وهو محمولٌ على ما إذا لم يُسقطوا الكفاءةَ، وَإنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالْمَعِيَّةُ
فَبَاطِلاَنِ، أمَّا في الأُوْلى؛ فلأنَّ الجمعَ ممتنعٌ وليس أحدهما أَوْلى من الآخر فتعيَّنَ بُطْلاَنَهُمَا، وأما الثانية؛ فلأنَّهُما إنْ وقعا معًا تدافعا مُرَتَّبًا فلا اطلاعَ على السَّابِقِ منهُما، وإذا تعذَّر إمضاءُ العقدِ لُغِيَ، وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أحَدِهِمَا، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْمَذْهَبِ، كما لو احتملَ السَّبْقَ والمعيَّةَ لتعذُّرِ الإمضاءِ، والعلمُ بتقدُّمِ أحدِهما لا يُغني إذا لم يُعلم المتقدِّمُ، والطريقُ الثاني: قولان؛ أحدهُما هذا، والثاني: مخرَّجٌ من الْجُمْعَتَيْنِ في مثل هذه الصُّورةِ أنه يتوقفُ كما في الصُّورة الآتية، وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتَبَهَ وَجَبَ التَّوقُّفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، لأنَّا تَحَقَّقْنَا صحَّةَ العقدِ.
والهجومُ على رفعهِ والحكمُ بارتفاعه لا معنى له إلا بطريق شرعي، وحكمُ الشَّرع أن يثبتَ فيما يثبتَ ويتوقفُ فيما يُشكلُ أصْلُهُ، وفي التهذيب: أنَّ الأحوطَ أن يقولَ الحاكمُ فَسَخْتُ نكاحَ مَن سبَقَ أو يَأْمُرُهُمَا بالتَّطْلِيْقِ أو يُطَلِّقَ أحدُهما ثُمَّ يُزَوِّجَهَا من الآخر، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الْجَدِيْدِ، أي السالف، وَهُوَ قَبُولُ إِقْرَارِهَا بِالنِّكَاح، أي فإن لم تقبلْهُ فلا، إذ لا فائدة، وقولُه (كُلُّ زَوْجٍ) هو بيانٌ للمسألة ولم يقصِدْ أنهُ شرطٌ، فإنه لو ادَّعى أحدُهما عِلْمَهَا سُمِعَتْ.
وقولُهُ (عِلْمَهَا) يعني عليها كما صرَّح به في الْمُحَرَّرِ وهو احترازٌ من دَعواهُما على الوليِّ وحكمُهُ أنه إنْ كان مُجبرًا سُمِعَتْ على الأصحِّ؛ وإلا فلا؛ لأن إقرارَهُ لا يُقْبَلُ، واحتراز أيضًا من دَعْوَى أحدهما على الآخر وحُكمُهُ أنها لا تُسمَعُ ولا يُحَلَّفُ أحدُهما للآخر كما قاله الجمهور، وقوله (بِسَبْقِهِ) يحترزُ به عما إذا ادَّعيا أنها تَعْلَمُ سَبْقَ أحدِ النِّكَاحَيْنِ، فإنها لا تُسمعُ للجهل، فَإنْ أَنْكَرَتْ حُلِّفَتْ، أي أنها تَجْهَلُ السَّابِقَ.
فَإذَا حَلَفَتْ، فالمنصوصُ في الأُمِّ وبه قال العراقيون والماوردي كما أفادَهُ ابنُ الرفعةِ: بطلانهما؛ وقال الإمامُ: النكاحُ لِمَنْ حَلَفَ منهُما إذا نكلَ الآخَرُ وَتَبِعَهُ الرافعىُّ والحاوِيُّ الصغيرُ، وَإنْ أَقَرْتْ لأَحَدِهِمَا ثَبَتَ نِكَاحُهُ وَسَمَاعُ دَعْوَى الآخَرِ، وَتَحْلِيْفُهَا لَهُ يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ، السابقين في باب الإقرار، فِيْمَنْ قَالَ: هَذَا لِزَيْدٍ؛ بَلْ لِعَمْرٍو؛ هَلْ يَغْرَمْ لِعَمْرٍو؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ فَنَعَمْ، رجاءَ أنْ تُقِرَّ فتغرمُ؛ وإن لم يحصل لِلْمُدَّعِى الزوجيَّةِ.
وإن قلنا: لا، فقولانِ بناءً على أنَّ يمينَ المدعي بعد نكولِ المدعَى
عليه كإقرار المدعَى عليه أو كبيِّنة يقيمُها المدعي.
وفيه قولان يأتيان في بابهما حيثُ ذكرَهُما المصنِّفُ إن شاءَ الله أظهَرَهُما الأوَّل، فعلى هذا لا تُسْمَعُ دَعْوَاهُمَا، لأنَّ غايَتَها أنْ تُقِرَّ وَيُحَلَّفَ هو بعدَ نُكولِها وهو كإقرارِها، ولا فائدةَ منهُ على هذا القول.
فَصْلٌ: وَلَوْ تَوَلَّى طَرَفَىَ عَقْدٍ فِي تَزْوِيْج بِنْتِ ابْنِهِ بابْنِ اِبْنِهِ الآخَرِ، أي وكانَ الجدُّ يَلِيهِما بولاية الإجبارِ، صَحَّ في الأَصَحِّ، لقوَّةِ ولايتِهِ فيشترطُ الإتيانُ بشِقَّي الإيجابِ والقبولِ، وقيل: يكفي أحدَهما، والثاني: لا يصحُّ، لأن خِطَابَ الإنسانِ معَ نفسِهِ لا يَنْتَظِمُ.
وبنَى القاضي حُسين الخلافَ على الخلافِ في بيعِ الأبِ مالَ أحدِ الوالدين مِن الآخرِ وهما تحت حُجْرِهِ، ولو أرادَ أن يُزَوِّجَ بنتَ بنتِهِ وهو وليُّها من جهَةِ العُمُومَةِ بابنٍ لهُ تحت حجرهِ ففيهِ وجهانِ حكاهُما الإمامُ؛ وقال: إنهما مشهوران وكأنَّهُ أشارَ إلى مسألةِ الكتابِ، ورأى أنهُ لا يختصُّ بكونهما مجبورين، وفي الحاوي: أنَّ الوليَّ لو أرادَ أن يزوِّجَ وليَّتَهُ بابنه كوليٍّ هُو عَمٌّ فأراد أن يزوِّجَ بنتَ أخيهِ بابنِهِ، فإنْ كانت صغيرةً لم يُجْزِ لأنه لا يَمْلِكُ إجبارَها، وإن كانت كبيرةً وابنُهُ صغيرٌ لم يُجْزِ أيضًا، لأنه يصيرُ باذلًا للنكاح عليها وقابلًا لهُ عن ابنِهِ فاجتمَعَ الْبَذْلُ والقبولُ مِن جهتِهِ فلمْ يصحَّ كما في نفسه، وإن كان ابنُهُ كبيرًا ففي جواز تزويجه بها وجهان.
وجهُ المنعِ: أنهُ يميلُ بالطبعِ إلى حَظِّ الابنِ دونَها، قال ابنُ الرفعةِ: وهذا قريبٌ إنْ كان عند إطلاقِ الإذنِ وبعيدٍّ مع التنصيصِ عليه.
فَرْعٌ: وقال الرافعىُّ: لِلْعَمِّ تزويجُ بنتِ أخيهِ بابنِهِ البالِغِ، ولابن العَمِّ تزويجُها بابنِهِ على المذهب، فيهما هذا إذا أطلقَتِ الإذنَ وجوَّزناه، فإنْ عَيَّنَتْهُ في الإذنِ جازَ قطعًا لانتفاء التُّهْمَةِ، وإن زوَّجها بابنِهِ الطفلِ لم يصحَّ على المذهب، لأنهُ نكاحٌ لم يحضُرْهُ أربعةٌ وليس له قوَّةُ الْجُدُودَةِ.
وَلاَ يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَل يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمِّ في دَرَجَتِهِ، فإنْ فُقِدَ فَالْقَاضِي، لِفَقْدِ المعنَى الذي في الْجَدِّ والمعتقُ كابنِ العَمِّ، فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهَا زَوَّجَهُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْوُلاَةِ أَوْ خَلِيْفَتُهُ، هذا هو الأصَحُّ وذهبَ أبو يحيَى البلخيُّ
القاضي إلى أنهُ يتولاَّهُ وَفَعَلَهُ فَرُئِىَ وَلَدَهُ مِنْهَا بِكَذَى.
وتزويجُ خليفتِهِ لهُ جزَمَ به الأصحابُ، وحاولَ ابنُ الرفعةِ تخريجَ وجهٍ فيهِ إذا قُلنا ينعزِلُ بِمَوْتِهِ.
فَرْعٌ: في الإمامِ الأَعْظَمِ هذا الخلافُ أيضًا.
وجه الجواز: أنه ليسَ فوقَهُ من يزوِّجُها.
والأصحُّ أن القاضي يزوِّجَها منهُ بالولاية كما يزوِّجُ خليفةُ القاضِي من القاضي، وَوَافَقَنَا على المنعِ داودُ الظاهريُّ وخالَفَهُ ابنُ حزمٍ فقال بالجوازِ فيه، وفي الوليِّ مطلقًا، ونقلَهُ عن أبي حنيفةَ ومالكٍ قال: ولم يشترطِ الشارعُ أن الوليَّ غيرُ الناكِحِ ولا جاءَ نَصٌّ بالمنعِ.
وقد أعتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَها.
فَرْعٌ: لو أرادَ أحدُ هؤلاءِ تزويجَها بابنهِ الصغيرِ فَكَنَفْسِهِ.
فَرْعٌ: حيثُ جوَّزْنا لنفسه فذلك إذا سَمَّتْهُ في إذْنِهَا، فإن أطلقَتْ وجوَّزْنا الإطلاقَ فوجهان.
وَكَمَا لاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الطْرَفَينِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيْلًا فِي أَحَدِهِمَا أَوْ وَكِيْلَيْنِ فِيْهِمَا فِي الأَصَحِّ، لأنَّ فِعْلَ الوكيلِ فعْلُ الموكِّل بخلافِ القاضِي وخليفتِهِ فإنهما يتصرَّفانِ بالولاية لا بالوَكالةِ، والثاني: يجوزُ لوجودِ العدَدِ، والثالث: يجوزُ للجَدِّ لِتَمَامِ ولايتِهِ من الطرفين.
فَرْعٌ: لو وكَّل الوليُّ رَجُلًا ووكَّلَهُ الخاطِبُ أو وكَّلَهُ في تزويجِهِ لنفسِهِ فتولَّى الطرفين لم يصحَّ في الأصحِّ.
فَرْعٌ: زوَّجَ أَمتَهُ لعبدِهِ الصغيرِ وجوَّزنا لهُ إجبارَهُ، فهو كتولِّي الجدِّ طرفَيْهِ.
فَرْعٌ: ابنا عمِّ أحدُهما لأبٍ والآخرُ لأبوينِ أرادَ الأوَّلُ نكاحَها يزوِّجه الثاني، وإنْ أرادَ الثاني وقُلنا هُما سواءٌ، زوَّجهُ الأول وإلاَّ فالقاضِي.
فَرْعٌ: قالتْ لابن عمِّها أو معتقِها: زوِّجني أو زِّوجني ممَّنْ شِئْتَ، ليس للقاضي تزويجُه بها بهذا الإذن، لأنَّ المفهوم منهُ التزويجُ بأجنبيٍّ، وإنْ قالتْ: زوِّجني نفسَكَ، حكى البغويُّ عن بعض الأصحاب أنه يجوزُ للقاضي تزويجُه إيَّاها.
قال: وعندي لا
يجوز، لأنها إنما أذِنَتْ لهُ لا للقاضي.
قال في الروضة: والصوابُ الجوازُ، لأن معناهُ فوِّض إلى مَن يزوِّجُكَ إيَّايَ.
فَصْلٌ: زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا أَوْ بَعْضُ الأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِيْنَ، أي كإخوةٍ وأَعمامٍ، بِرِضَاهَا وَرِضَى الْبَاقِيْنَ صَحَّ، لأن الكفاءَة حقُّها وحقُّ الأولياء فإذا رضوا بإسقاطِها فلا اعتراضَ عليهم، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة [انْكِحِي أُسَامَةَ]، وفاطمةُ قُرَشِيَّةٌ وأسامَةُ كَلْبِيٌّ قُضَاعِيٌّ ومِن الموالِي أيضًا 1. وفي الصحيحين [أنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ زَوَّجَ مَوْلاَهُ سَالِمًا الذِي كَانَ تَبَناهُ بِابْنَةِ أخِيْهِ الوَلِيْدِ بْنِ عُتْبَةَ] 2 [وَأنَّ المِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيِّ تَزَوَّج ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ وَهُوَ بَهْرَاوِيٌّ أَوْ حَبَشِيٌّ وَهِىَ قُرَشِيَّةٌ] 3 نعم كان الأَسودُ تبنَّاهُ وهو من بني زهرة من قريش.
وفي
الدارقطني [أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهِيَ هَالَةُ تَحْتَ بِلاَلٍ] 1 وبلالٌ مولى الصِّدِّيقِ، نعم: لنا خلاف في أنَّ موالي قُريش أكفاءٌ لهم.
والجمهور على المنع كما نقله في الروضة من زوائده، ورُوِيَ (أنَّ الصِّدِّيقَ زوَّجَ بنتَهُ بالأشعَثِ بن قيس) كذا ذكرَهُ الماورديُّ 2. والظاهرُ أنهُ وَهْمٌ وإنما هي أختُهُ أمُّ فَرْوَةٍ بِنْتُ أَبِي قُحَافَةَ تيميةٌ = الأَسْوَدِ.
رواه البخاري في الصحيح: كتاب النكاح: الحديث (5089). ومسلم في الصحيح: كتاب الحج: باب جواز اشتراط المحرم التحلل: الحديث (104/ 1207). والبيهقى في السنن الكبرى: الحديث (14087)، وقال في الحديث (14088): والمقدام هو عَمْرُو بن ثَعْلَبَةَ بن مَالِكٍ حليفُ الأَسود رجلٌ من بني زهرة منسب إليه، ولم يكن من صُلبهم، وقد زُوِّجَتْ منه ضُبَاعَةُ بنتُ الزبير بن عبد المطلب بن هاشمٍ.
• • في النسخة (1 و 2) نهروانى ونهراني.
وليس كذلك، وهو: بَهْرَاوِيُّ؛ ضبطناه من ترجمة ابن عبد البر وابن حجر له.
وعلى ما يبدو أن ابن النحوي نقل من نسخة ترجمته (النهراني) لأن محقق كتاب الاستيعاب أشار إلى أن في نسخة (اوحـ) من أصول كتاب الاستيعاب المطبوع: النهراني؛ فتلاحظ.
• المقدادُ بنُ عمرِو بن ثَعْلَبَة بن مالكٍ بن ربيعةٍ بن ثُمَامَةَ بن مطرود البَهْرَانِيّ.
ينظر ترجمته في تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (7148). وفي الاستيعاب لابن عبد البر: الرقم (2590). وقال: والقول بأنه كان عبدًا حبشيًا ضعيف، قال ابن عبد البر: ولا يصح قول من قال فيه: إنه كان عبدًا؛ والصحيح أنه بهراوي، من بهراء، يُكَنَّى أبا معبد.
قُرَشِيَّةٌ والأشعثُ كِنْدِيٌّ وليست كِنْدَةُ أكفاءٌ لقريشٍ 1. وكذلك هَمَّ عمرُ بأن يزوِّجَ بنتَهُ من سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ 2، ومما اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أنَّ الكفاءَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ تزويجُ النبيِّ بناته لغيره ولا أحدٌ يكافِئُهُ إلاَّ أن يقال إن ذلك جَازَ لِلضَّرُورَةِ لأجْلِ نسلهِنَّ وما حصلَ مِن الذُّرِيَّةِ الطَّاهِرَةِ كما جازَ لآدَمَ عليه السلام تزويجَ بناته من بنيهِ 3. وَلَوْ زَوَّجَهَا الأَقْرَبُ بِرِضَاهَا، فَلَيْسَ لِلأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ، إذ لا حقَّ لهُ في الولاية كذا علَّلُوهُ، ومقتضاهُ أنَّ الأبعَدَ لا يكونُ وليًّا مع الأقربِ وحينئذٍ فلا حاجَةَ إلى الاحترازِ عنهُ بقوله (الْمُسْتَوِيْنَ)؛ نعم: هو زيادةُ إيضاحٍ، وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ، يعني أحدَ الأولياءِ المستويين، بِهِ، أي بغير كفوءٍ، بِرِضَاهَا دُوْن رِضَاهُمْ لَمْ يَصِحَّ، لأنهُم أصحابُ حقوقٍ في الكفاءَة فاعتُبِرَ إذْنهُمْ كإِذْنِ المرأةِ، وَفِي قَوْلٍ يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ، لأنَّ النُقْصَانَ يقتضِي الخيارَ لا البُطلانَ كما لو اشترى معيبًا، وقال = وفي النسخة المطبوعة سقط حرف الهاء من (بنته) والصحيح ما أثبتناه عن ابن النحوي -ابن الملقن رحمه الله-.
الماوردي: إن كان العاقدُ عالمًا بأنَّ الزوجَ غيرَ كفوءٍ بطلَ، وإن لم يعلمْ إلاَّ بعدَ العقدِ ثبتَ الخِيَارُ، وَيَجْرِي الْقَوْلاَنِ في تَزْوِيْجِ الأَبِ، والجدِّ، بِكْرًا صَغِيْرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَفِي الأظْهَرِ بَاطلٌ، لأنهُ خلافُ الغِبطةِ، وإذا كان وليُّ المال، لا يصحُّ تصرُّفهُ فيهِ بغيرِ الغبطةِ فوليُّ البُضْعِ أوْلى، وَفِي الآخَرِ يَصِحُّ، لأنَّ النُقصان يقتضي الخيار، لا البطلان كما تقدَّم.
وَللْبَالِغَةِ الْخِيَارُ، وَلِلصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَت، يعني إذا صحَّحنا وفاءٌ لحقها، وقيل: إنْ عَلِمَ الوليُّ عدم الكفاءة فالنكاحُ باطلٌ وإلا فيصحُّ ويجري الخلافُ أيضًا في تزويج غير المُجبر إذا أذِنَتْ في التزويج مطلقًا، وقلنا: لا يشترطُ تعيينُ الزَّوْج.
فَرْعٌ: لو زوَّجها بعضُ الأولياءِ بكفوءٍ دونَ المهرِ برضَاها دُوْنَ رِضَى بقيَّةِ الأولياءِ صَحَّ قطعًا، إذ لا حق لهُمْ في المهرِ ولا عَارَ.
فَرْعٌ: رضيَ الجميعُ بتزويجها بغيرِ كفوءٍ ثم خالَعَها ثم زوَّجَها أحدُهم بهِ برضَاها دونَ إذْنِ الباقين، فقيل: يصحُّ قطعًا، لأنهُم رَضُوا به أولًا، وقيل: على الخلاف، لأنه عقدٌ جديدٌ حكاهُ البَغَوِيُّ.
وَلَوْ طَلَبَتْ مَن لاَ وَليَّ لَهَا أَن يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ بِغَيرِ كُفءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصحَّ في الأصَحِّ، لأنهُ كالنائب، فلا يُترَكُ الحظُّ.
والثانى: يصحُّ كالوليِّ بالنسبِ والولاءِ وتؤيدُهُ قصَّة فاطمةُ بنتُ قيسٍ السَّالفة إذا فرَّعْنَا على أنَّ موالي قريشٍ لَيسُوا أكفاءَ قريشٍ وهُو رأيُ الجمهورِ كما سلف، والظاهرُ أنهُ لم يكن لها وليٌّ خاصٌّ أعني مستحِقًّا للولاية، لأن أخاها الضَّحاكُ إمَّا كانَ صغيرًا أو لَم يُسلِمْ وهي قُرَشِيَّةٌ وهو كَلْبِي كَمَا سلَفَ 1. لكن للأوَّلِ أن يُجيب عن هذه بأنهُ ليس في الحديثِ أنه - صلى الله عليه وسلم -
زوَّجَها بَلْ أشَارَ عليها فقطْ.
وأفتَى بعضُ المتأخرين بأنَّ المرأةَ إنْ كانَتْ تَتَضَرَّرُ من عدمِ تَزْوِيجِهَا من غيرِ الكفوءٍ بأن قَلَّ الرَّاغِبُ فيها من الأكِفَّاءِ زُوِّجتْ من غيرِ كفوءٍ، وإلَّا فلا، وهو حسنٌ.
وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ: سَلَامَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ المُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ، لأنَّ النفسَ تَعَافُ صُحْبَةَ مَن بهِ تلك العيوبِ، ويختَلُّ بها مقصودُ النِّكَاح قال - صلى الله عليه وسلم -[فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ] 1 وقال [لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ] 2 ولا فرقَ بين التعيين وغيرِهِ خِلافًا للبغويِّ، وَحُرِّيَّة.
فَالرَّقِيْقُ لَيْسَ كُفْؤًا لِحُرَّةٍ، أي أصلِيَّةٌ كانت أو عتيقةٌ؛ لأنَّ الْحُرَّةَ تَتَعَيَّرُ بأنْ تكونَ تحتَ عبدٍ، ولهذا خُيِّرَتْ بُرَيْرَةُ لَمَّا عُتِقَتْ تحتَ زوجِها وكانَ عَبْدًا لما سَتَعْلَمُهُ فِي الخيار، وَالعَتِيْقَ لَيْسَ كُفْوءًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةِ، لأنها رُبما تَتَعَيَّرُ بِهِ، قالهُ فِي الروضة، والمفهومُ مِن كلامِ الأصحابِ أنَّ الرِّقَّ في الأُمَّهَاتِ لا يُؤَثِّرُ وقد صرَّح به صاحبُ البيانِ، وَنَسَبٌ، لأنَّ العربَ تَفْخَرُ بَأَنْسَابِهَا أَتَمَّ الفَخَارِ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: = كانت امرأة نجودًا -والنجود النبيلة-.
قاله ابن عبد البر فِي الاستيعاب: الترجمة (3496) وابن حجر فِي تهذيب التهذيب: الرقم (8951). أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ بْنِ حَارثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الكَلْبِيّ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ الحِبُّ بْنُ الحِبِّ مَوْلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأُمُّهُ أُمُّ أيمَنَ حاضِنَةُ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. قال عمر بن الخطاب لابنه: (إِنَّ أُسَامَةَ كَانَ أحَبَّ؛ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْكَ، وَأَبُوهُ كَانَ أحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أبِيكَ).
ينظر: ترجمته فِي الاستيعاب لابن عبد البر: الرقم (21). وفي تهذيب التهذيب لابن حجر: الرقم (344).
[تَجدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ] 1 والاعتبار فِي النَّسَبِ بالأَبِ، فَالْعَجَمِيُّ لَيسَ كُفْءَ عَرَبيَّةٍ، لأنَّ الله تعالى اصطفَى العربَ على غيرهم، وَلَا غَيْرُ قُرَشِيٍّ قُرَشِيَّةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا] رواه الشافعي بلاغًا وحديثُ [الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ] مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ 2، وَلَا غَيْرُ هَاشِمِيِّ وَمُطَّلِبِيٍّ لَهُمَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمَ] رواه مسلم 3، لكنَّ الْمُطَّلِبِىَّ كفوء للهاشميَّة لقوله - صلى الله عليه وسلم -[نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَىْءٌ وَاحِدٌ] رواه البخاري 4 وهُما جميعًا أشرفُ مِن عَبْدِ شَمْسٍ ونَوْفَل، ولا يفضَّلُ بَنُو عبدِ شمسٍ على بي نوفل ولا بَنُو عَبْدِ الْعُزَّى على بنى عَبْدِ الدَّارِ ولا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ على بَنِي زُهْرَةَ.
لأنهم كلهم صريحُ قرَيْشٍ، قال الماورديُّ: ولو كان فيهم بَنُو أبٍ لهم سابقةٌ فِي الإسلام كبني أبي بكر؛ هل يكافؤونهم من فوقهم من بنى عَدِيٍّ؟ يحتملُ وجهين، قال فِي الروضة: ومقتضى كلام كثيرين أنَّ غيرَ قريشٍ مِن العربِ أكفاءُ بعضٍ، وذكرَ الشيخُ إبراهيم المرورُوزي: أنَّ غير كِنانة ليسوا أكفَّاء لكِنانة، قُلْتُ: ووجهُهُ قوله - صلى الله عليه وسلم -[إنَّ الله اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِى إِسْمَاعِيْلَ، رواه مسلم] 5.
وَالأَصَحُّ اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ، أي فالفُرسُ أفضلُ من القِبْطِ (•)
لقوله - صلى الله عليه وسلم -[لَوْ كَانَ الدِّيْنُ مُعَلَّقًا فِي الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ] 1. وبنُو إسرائيلَ أفضلُ مِن القُبْطِ لِسَلَفِهِمْ وكثرةِ الأنبياءِ منهُم، قال الماورديُّ: والثاني: لا، إذ لا يعتنونَ بحفظِ الأنْسَابِ، ولا تدْوِينِها.
فَرْعٌ: قال الرافعيُّ: قضيةُ كَلَامِ النَّقَلَةِ أنَّ النَّسْبَةَ إلى عُظَمَاءِ الدُّنيا والظَّلَمَةِ المُسْتَوْلِينَ على الزمانِ معتبرةٌ، وخالفَ فيه الإمامَ والغزاليَّ.
وَعِفَّةٌ، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية 2، فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ عَفِيفَةٍ، لما ذكرناهُ، قال الغزاليُّ: والصلاحُ فِي الزوج يكفِي فيه التَّنَقّى مِن الفِسْقِ، قال ابنُ الصلاح: ولا يُعتبر كونهُ عدلًا، بل يكفي أن لا يكون فاسقًا مردودَ الشهادةِ فحسب، وإنْ كان مستورًا؛ قال ابنُ الرِّفْعَةِ: وذلك صريحٌ فِي أنَّ ارتكابَ بعض الصَّغَائِرِ لا يمنعُ، وأكرَبَ أبو الحسن الْجُورِيُّ من أصحابنا فاختارَ أنَّ الزاني والزانيةَ لا يصحُّ نكاحَهُما إلَّا لِمَن هُو مِثْلُهُمَا، وإنَّ الزِّنا لو طَرَأَ مِن أحدِهما انفسخَ النِّكَاحُ.
فَرْعٌ: لا اعتبار بالشهرة، بل الَّذي لم يشتهر بالصَّلاح كفوءٌ للمشهور به.
فَرْعْ: إذا لم يكن الفاسقُ كفوًا للعفيفة، فالمبتدعُ أوْلى أنْ لا يكونَ كَفُوًا لِلسُّنِّيةِ، وبه صرَّحَ الرويانيُّ، والكافرُ ليس كَفُؤًا للمسلمةِ من باب أوْلى وأحْرَى ولا فرقَ فِي اعتبار هذا الشرط بين المسلمين والكفَّار حتَّى لا يكون الكافرُ والفاسقُ فِي دِينهِ كفُؤًا للعفيفة فِي دِينها منهُم.
قالهُ ابنُ الرفعةِ قال: والاعتبارُ فِي هذا بالزوج والزوجة أنفُسُهُما، لا بِمَنْ سَلَفَ مِن آبائِهِما، وذلك مطردٌ فِي أصل الدِّينِ، حتَّى نقولُ: مَن = قَوْمٌ يَنْزِلُونَ بِالبَطَائِحِ بَيْنَ العِرَاقَيْنِ.
وأنهُ فِي الصِّحَاح للرازي، وهو كما قال.
كانَ أبوهُ كافرًا كَفُوءٌ لمن كانَ أبوها مُسْلمًا خلافًا لأبي حنيفة، لأنَّ فَضْلَ الدِّيْنِ لا يتعدَّى إلى الأبناءِ بخلافِ فضلِ النَّسَبِ، لكن فِي الروضة: ومَنْ أسلَمَ بنفسِهِ ليس كفوءً لمن لها أبوانِ أو ثلاثةٍ فِي الإسلام على الأصحِّ.
وَحِرْفَةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ 1، فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيسَ كُفءَ أَرْفَعَ مِنْهُ، فَكَنَّاسٌ؛ وَحَجَّامٌ؛ وَحَارِسٌ؛ وَرَاعٍ؛ وَقَيِّمُ الْحَمَّامِ، لَيسَ كُفءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ، وَلَا خَيَّاطٌ بِنتِ تَاجِرٍ أَو بَزَّارٍ؛ وَلَا هُمَا بِنْتَ عَالِمٍ وَقَاصٍ، لاقتضاءِ العُرفِ ذلك.
وهل المؤثرُ من الحِرَفِ ما اتَّصفَ به الزوج أو ما اتصف به أحدُ آبائه؟ قال ابنُ الرفعةِ: لا شَكَّ أنَّ اتصافَ الزوجِ بها مؤثِّر إذا فُقِدَ اتصافُ المرأةِ بهِ، نَعَمْ: لو كان أبوها غيرَ متصفٍ بذلك، وَوَلِيُّهَا الحاضرُ كأخيها متصفٌ بها، إطلاقُ الأصحابِ يقتضي أنَّه غيرُ كفوءٍ لها ويُشبهُ أنْ يقال: إنْ كانَتِ الكفاءةُ معتبرةً لِحَقِّ المرأةِ فقطْ، بأن يكون أطْلَقَتِ الإِذنَ فِي التزويج، وصحَّحناهُ، فالكفاءةُ غيرُ حاصلةٍ، وإنْ كان الحقُّ للوليِّ فقط، بأنْ عَضَلَ أو غابَ ورَضِيَتْ هِيَ فيخرُجُ على الخلافِ فيما إذا وجدَ أحدُ الزوجين فِي الآخرِ عَيْبًا وبهِ مِثْلَهُ هل يثبُتُ لهُ الخيارُ؟ فإن قلنا: يثبتُ فلا كفاءةَ، وإنْ قلنا: لا يثبُتُ فالكفاءةُ حاصلة، فلو كانت حرفةُ الرجلِ كحرفة أَبِى المرأةِ لكن حرفةُ أبي الزوج دونَ ذلك.
كلامُ الإمامِ يُفْهِمُ: أنَّ ذلك يؤثُرُ فِي الكفاءَةِ وعليه جَرَى الرافعيُّ.
وَالأصَحُّ؛ أَنَّ اليَسَارَ لَا يُعْتَبَرُ، لأنَّ المالَ غادٍ ورائحٍ، فَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ وَالبَصَائِرِ، والثانى: يعتبر، لأنه إذا كان مُعسرًا لم ينفق على الولدِ وتَتَضَرَّرُ هي بنفقتِهِ عليها نفقةَ المُعْسِريْنَ، وادَّعَى الرويانىُّ أنهُ المذهبُ وصحَّحَهُ سليمٌ والفارقيُّ واستدَلَّ لهُ بقوله - صلى الله عليه وسلم -[أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، 2 فعلى هذا قيل: يعتبرُ اليسار بقدرِ المهرِ والنفقةِ، والأصحُّ أنهُ لا يكفي ذلك بل الناسُ أصنافٌ غَنِيٌّ وفقير ومتوسطٌ، وكُلُّ صنفٍ أكفاءُ، وإنِ اختلفَتِ المراتِبُ.
قال ابنُ الرفعة: فإذا
اعتبرنا اليَسَارَ فذلك إذا كانت الكفاءَةُ مطلوبةً لِحَقّ المرأةِ، أما إذا كانت معتبرةً لِحَقِّ الوليِّ لِعَضُلِهِ أو غَيْبَتِهِ ورضيَتِ المرأةُ فهل يُعْتَبَرُ أو لا؟ يظهرُ أنْ يكونَ فيه احتمالان أرجَحُهُمَا: لا.
وَأَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ لَا يُقَابَلُ بِبَعْضٍ، أي حتَّى لا تُزَوَّجَ سليمةٌ من العيوبِ دَنِيَّةٌ مِنْ مُعَيَّبٍ نَسِيبٍ، ولا حُرَّةٍ فاسقَةِ مِن عَبْدٍ عفِيفٍ، ولا عربيَّةٍ فاسقَةٍ مِن عَجَمِيٍّ عَفِيْفٍ، ولا عفيفةً رقيقةً من فاسقٍ حُرٍّ، بل يكفي صفةُ النقصِ فِي المنع من الكفاءَةِ، وفَصَلَ الإِمامُ فقال: السَّلامَةُ مِن العيوبِ لا تُقَابَلُ بسائِرِ فضائِلِ الزَّوج، وكذا الْحُرِّيَّةُ لا تُقابلُ بفضيلةٍ أخرى، وكذا النَّسَبُ.
وفي انجِبارِ دَنَاءَةِ نَسَبِهِ بِعِفَّتِهِ الظاهرةِ وجهان أصَحُّهُما المنعُ.
قال: والتَّنَقّى مِن الحِرف الدنيَّةِ يُقابلهُ الصَّلاح وفاقًا واليسارُ إنِ اعتبرناهُ يُقَابَلُ بكلِّ خَصْلَةٍ والأمَةُ العربيَّةُ بالْحُرِّ العَجَمِيِّ على هذا الخلاف، وقولُ الإِمامِ هذا؛ هو قولُ المقابلِ لكلام المصنف فَاعْلَمْهُ، وقال ابنُ الرفعة فِي العيوب: هذا إذا كانَتِ الكفاءَةُ مطلوبةً لِحَقّهَا فقطْ وإن كانت مطلوبةً لِحَقِّ الوليِّ فقط، فيظهرُ أنْ يَنْجَبِرَ العيبُ بالفضائل، وكذا بالصَّلاح الظَّاهرِ إذا قُلْنَا يَنْجَبِرُ بِهِ فَقْدُ النَّسَبِ، نَعَمْ: لو كانَ بالزوجَةِ عَيْبٌ مِثْلُ عَيْبِ الرَّجُلِ أو دونَهُ فهل يمنعُ من التزويج بدون رضَاها؟ فيه خلاف، والأصحُّ المنعُ.
وقال الغزاليُّ: إن كان الغالِبُ الانتسابَ إلى رَسُولٍ - صلى الله عليه وسلم - فلا يوازِيهِ الانتسابُ إلى غيرهِ من العلماءِ والصُّلحاءِ، وهل يُوازِيْهِ الصَّلاحُ الظاهرُ المشهورُ فِي الخاطِبِ؟ الأصحُّ: لا، وقيل: يَنجَبِرُ بِهِ، وجعلَ صاحِبُ الذَّخَائِرِ هذا الخلافَ فِي الانتسابِ إلى غيره، هل يوازيه الصَّلاحُ فِي الخاطبِ، وهو أحسَنُ.
فَائِدَةٌ: فِي البُويطي قولٌ: أَنَّ الكَفَاءَةَ فِي الدِّيْنِ وَحْدَهُ، وَدَلِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ السُّنَّةِ قَوِيٌّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم -[إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِيْنَهُ وَخُلُقَهُ فَانْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُواْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، رواه الترمذى من حديث أبي حاتمٍ المزنيِّ وقال: حسنٌ غريبٌ وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة 1 وفي صحيح ابن حبان من
حديث أبي هريرة رفعه: [يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبا هِنْدِ وَانْكِحُواْ إِلَيْه] 1 وكان حَجامًا.
فالحديثً الأوَّلُ يَقْتَضِي اعْتَبَارَ الدِّيْنِ فَقَطْ وإنْ خُصَّ منهُ شيء بدليلِ نَفْيِّ ما عداهُ.
فَائِدَةٌ أُخْرَى: نَظَمَ بَعْضُ الْقُضَاةِ الفُقَهَاءِ خِصَالَ الْكَفَاءَةِ فِي بَيْتٍ مفردٍ فقال رحمه الله (•):
شَرْطُ الْكَفَاءَةِ سِتَّةْ قَدْ حُرِّرَتْ... يُنْبِيْكَ عَنْهَا بَيْتُ شِعْرٍ مُفْرَدِ
نَسَبٌ، وَدِيْنٌ، صِنْعَةٌ، حُرِّيَّةٌ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي اليَسَارِ تَرَدُّدِ
وَلَيْسَ لَهُ تزْويْجُ ابْنِهِ الصَّغِيْرِ أَمَةً، لأنهُ لا يخافُ العَنَتَ، وَكَذَا مَعِيْبَةَ عَلَى الْمَذهَبِ، أي بعيبٍ يثبتُ الخيار، لأنه على خلافِ الغبطةِ، وقيل: لا يصحُّ إنكاحُهُ الرَّتْقَاءَ وَالْقَرنَاءَ قطعًا، لأنه بَدَل مالٍ فِي بُضعٍ لا يُنْتَفَعُ بهِ بخلافِ تزويجِ الصغيرةِ بمجبوبِ، وَيَجُوزُ مَنْ لَا تُكَافِئُهُ بِبَاقِي الْخِصَالِ فِي الأَصَحِّ، إذ لا عارَ على الرجُل فِي استفراش من دُونَهُ، نَعَمْ: لهُ الخيارُ إذا بلَغَ، ذكرهُ الرافعيُّ فِي أوائلِ الخيار حيثُ قالَ: ولو زوَّج الصغيرَ مَن لا تكافئهُ وصحَّحناهُ فلهُ الخيارُ إذا بلغَ.
وذكرهُ أيضًا هنا حيثُ قال: فإنْ صحَّحنا فالتفريعُ كما سبقَ فِي الصغيرة، والثانى: لا يجوزُ، وهُما كالقولين فِي تزويجِ البنتِ الصغيرة مِمَّنْ لا يُكافِئُها، لكن الأصحُّ هُنا الصحَّةُ؛ لما أشرنا إليه مِن الفَرْقِ.
وأيضًا الصغير يتمكنُ من الطلاقِ وقد يكونُ لهُ مصلحةٌ فِي ذلك.
= صُحْبَةٌ، ولا نعرف له عند النبي - صلى الله عليه وسلم - غير هذا الحديث.
قلتُ: وليس فيه [كَبْيرٌ].
حديث أبي هريرة: فِي الجامع الصحيح للترمذى فِي الرقم (1084) وفيه: [تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيْضٌ].
فَرْعٌ: لو زوَّجهُ عمياءَ أو عجوزًا أو مفقودةَ بعضِ الأطرافِ؛ فوجهان حكاهُما الرافعيُّ قالَ: ويجبُ أن يكونَ فِي تزويج الصغيرةِ بالأعمَى والأَقْطَع والشيخِ الهَرِمِ الوجهان.
خَاتِمَةٌ: لو طلبَتِ التزويجَ برجلٍ وادَّعَتْ كفاءتَهُ، وقال الوليُّ: ليسَ بكفوءٍ رفعَهُ إلى القاضِى، فإنْ ثَبَتَتْ كفاءتُهُ ألزمَهُ تزويجَهَا وإن امتنعَ زوَّجَها به وإن لم يَثْبُتْ فلا، ذكرهُ فِي الروضة من زوائدِهِ، نَعَمْ: لو أثبتَهَا القاضِي والوليُّ يعلَمُ ضِدَّها ولم يمكنْهُ إثباتُهُ فَيَنْتَهِضُ عُذْرًا لهُ فِي الامتناعِ فيما يظهرُ.
فَصْلٌ: لَا يُزُوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيْرٌ، لعَدَمِ الحاجَةِ إليهِ فِي الحالِ، وبعدَ البُلُوغِ لا يَدْرِى كَيْفَ يكونُ الأمرُ بخلافِ الصغيرِ العاقلِ، فإنَّ الظاهِرَ حاجتُهُ إليه بعدَ البلوغ، قال ابنُ داوُد فِي شرح المختصرِ: إِلَّا أنْ يحتاجَ إليه للخدمَةِ، وقيل: يُزَوِّجُهُ الأبُ أو الجدُّ كالعاقلِ وطردَ الجوينيُّ الخلافَ فِي الصغيرِ العاقلِ الممسوح، وَكَذا كَبِيْرٌ، لما فيه من لُزوم المهرِ والنفقَةِ بلا حاجة، والظاهرُ أنَّ الوجهَ المذكورَ فِي الصغيرِ لا يأتى هُنا، يفرقُ أنَّ الولايةَ على الصغير المجنونِ بسببين فهُو أقوَى من الولاية على المجنون البالغ، إِلَّا لِحَاجَةِ، هو راجعٌ إلى الكبيرِ خاصَّةً، والحاجةُ بأنْ تَظْهَرَ رغبتُهُ فِيهِنَّ بدورانِهِ حَوْلهِنَّ وتعلُّقِهِ بهِن ونحو ذلك، أو بأنْ يُتَوَقَّعُ شفاؤُهُ بالنِّكَاح، كما ذكرَهُ الرافعيُّ بحثًا، وجزمَ به فِي الروضة أو بأن يحتاجَ إلى مَن يخدمُهُ ويتعهَّدُهُ ولا يوجَدُ فِي مَحَارِمِهِ مَن يُحَصِّلُ هذا.
وتكون مُؤْنَةُ النِّكَاح أخَفَّ مِن ثمن جاريةٍ، وتَوَقُّعُ الشِّفاءِ يكون بشهادَةِ عَدْلَينِ كما قاله فِي المَطْلَبِ.
فَرْعٌ: إذا جازَ تزويجُهُ زوَّجَهُ الأبُ ثم الجدُّ ثم السُّلطانُ دون سائر العصبات كولايةِ المالِ، فَوَاحِدَةً، أي يزوَّجُ عندَ الحاجَةِ واحدَةً، لأنَّ الحاجَةَ تندفِعُ بها.
فَصْلٌ: وَمَنْ حُجِرَ عَلَيهِ بِسَفَهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ، لِئَلَّا يَفْنَى مالهُ بمؤَنِ النِّكَاح، فلا بُدَّ لهُ مِن مراجعَةِ الوليِّ، واحترزَ بالحَجْرِ عن السَّفيهِ بلا حَجْرٍ، إما بأنْ يكونَ بلغَ سفيهًا ولم يتصلْ به حكمٌ وهو المهمَلُ، فتزويجُهُ كسائِرِ تصرفاته، وفيها خلافٌ.
وإما
بأنهُ بلغَ رشيدًا ثم سَفِهَ فِي الدِّيْنِ أو المالِ أو فِيهِمَا ولم يُعَدَّ الْحَجْرُ عليهِ وشرطناهُ.
فتصرفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ نافِذٌ، قال ابنُ الرفعةِ: وإنْ كان يجوزُ أن يكون فِي نفوذِهِ خلافٌ يؤخذُ مِن الخلافِ فِي أنَّ المُشرِفَ على الزَّوَالِ كالزَّائِلِ، ومن الخلاف فِي أنَّ دخُولَ وقتِ الشئِ هلْ يقومُ مقامَهُ كما فِي رَمْيِّ الجِمَارِ فِي الحجِّ، عن ابن سُريج وغيره وفي الجيليِّ: أنَّ السفيهَ إذا لم يُحْجَرْ عليهِ ولم يكنْ فِي الموضعِ الَّذي هُو فيه حاكمٌ نفذَت تصرُّفاتُهُ وصحَّ نكاحُهُ، بَل يَنكِحُ بإذْن وَليِّهِ، لأنهُ مُكَلَّفٌ صحيحُ العبارةِ، وإنما حُجِرَ عليهِ حِفْظًا لمالِهِ، أَوْ يَقبَلُ لَهُ الوَلِيُّ، أي وهو الأبُ ثم الجدُّ إن بلغَ سفيهًا والقاضِي أو منصوبُهُ إنْ بلغَ رشيدًا ثم طَرَأَ السَّفَهُ كما صححَهُ فِي أصلِ الروضَةِ وأهمَلَ الوصيَّ.
والرافعىُّ ذكرَهُ فِي الوصايا وأَسْقَطَهُ هو هناك، فَإنْ أَذِنَ لَهُ وَعَيَّنَ امْرَأَةً لَمْ يَنْكحَ غَيرَهَا، لأنَّ الإذنَ مقصورٌ عليها، وَيَنْكِحَهَا بمَهْرِ المِثْلِ أوْ أَقَلَّ، لأنهُ حَصَلَ لنفسه خيرًا، فَإِنْ زَادَ فَالمَشْهُورُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، لأنَّ خَلَلَ الصَّدَاقِ لا يُفْسِدُ النِّكَاحَ، والثانى: وهو مُخَرَّجٌ أنهُ باطلٌ، بِمَهْرِ الْمِثلِ، أي بقدْرِ مهْرِ المِثلِ، مِنَ الْمُسَمَّى، أي وتسقط الزيادَةُ التي لا يملِكُ التصرفَ فيها.
وقال ابنُ الصَّباغِ: القياسُ بُطلانُ المسمَّى، فالرجوعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ، والفرقُ أنَّ على التقديرِ الأوَّلِ تَسْتَحِقُّ الزَّوجَةُ مَهْرَ المِثْلِ مِن الْمُعَيَّنِ، وعلى قوله: يَجِبُ مَهْرُ المِثلِ فِي الذِّمَّةِ وما ذكرهُ ابنُ الصَّباغ هُو ما صحَّحَهُ المصنِّفُ وغيرُهُ فِي الصَّدَاقِ فيما إذا نكحَ طِفْلٌ بِفَوْقِ مَهْرِ مِثْلٍ أو نَكَحَ ثَيِّبًا لا رشيدةً أو رشيدَةً بِكْرًا بلا إذنٍ بدونه كما سَتَعْلَمْهُ هناك.
وَلَوْ قَالَ: انْكِح بِأَلْفٍ وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً نَكحَ بِالأَقَلِّ مِن أَلْفٍ وَمَهْرِ مِثْلِهَا، أيْ فإنْ نَكَحَ امرأةً بألفٍ، فإن كانَ مهرُ مِثْلِها ألفًا أو أكْثَرَ صَحَّ النِّكَاحُ بالمسمَّى، وإنْ كانَ أقَلَّ صحَّ النِّكَاح بمهرِ المثلِ وسقطَتِ الزيادَةُ، لأنها تَبَرُّعْ ولا مجالَ للتبرُّع فِي مالِ السفيهِ وإنْ نكَحَ صحَّ بألفين، فإنْ كانَ مهرَ مثلها أكثرَ مِن ألفٍ لم يصحَّ النِّكَاحُ، وإن كان ألفًا أو أقلَّ صحَّ النِّكَاح بمهرِ المثلِ وسقطَتِ الزيادةُ.
فَرْعٌ: لو جمعَ الوليُّ فِي الإذن بين تعيين المرأةِ وتقديرِ المهرِ، فقال: انكحْ بألفٍ، فإن كان مهرُ مثلِهَا دونَهُ فالأذنُ باطلٌ، وإنْ كانَ ألفًا نكحَهَا بألفٍ أو أقَلَّ صَحَّ
النِّكَاحُ بالمسمَّى، وإن زادَ سقطَتِ الزيادةُ، وإنْ كانَ أكثرَ مِن ألفٍ، فإنْ نَكَحَ بألفٍ صحَّ النِّكَاحُ بالمسمُّى، وإن زادَ لم يصِحَّ، قالهُ البغويُّ وبهذا الفرع مع ما سيأتِي تَكْمَلُ لِلْمَسْأَلَةِ أربعُ حالاتٍ، لأنَّ المصنِّفَ ذَكَرَ ما إذا عَيَّنَ امرأةً فقط أو مهرًا فقطْ وذَكَرَ الإطلاقَ بعدُ وأهملَ تعيينهما معًا.
وَلَوْ أَطْلَقَ الإِذْن فَالأصَحُّ صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ، كما لو أَذِنَ السَّيِّدُ لعبدِهِ فِي النكاحِ يكفِى الإطلاقُ، والثاني: لا يصحُّ، بل لا بُدَّ مِن الإِذْنِ المُقَيَّدِ، لأنهُ لو اعتبرنا الإِذنَ المطلَقَ لم نَأْمَنْ أنْ ينكِحَ شريفةً يستغرقُ مَهْرُ مثلِهَا، فعلى الأوَّل لو تَزَوَّجَ بأكثرِ مِن مهْرِ المثلِ صَحَّ النِّكَاحُ وسقطَتِ الزيادَةُ، وإذا تزوَّجَ بمهْرِ المثلِ أو أقلَّ صحَّ النِّكَاحُ بالمسمَّى، لكن لو نكَحَ شريفةً يستغرقُ مهرُ مثلِهَا مالَهُ فوجهان؛ اختيارُ الإِمامِ.
وبه قطعَ الغزاليُّ المنعَ، ويتقيَّدُ بموافقةِ المصلحةِ، وذكرَ ابنُ كجٍ تفريعًا على اعتبارِ الإِذنِ المطلقِ وجهين فيما لو عَيَّنَ الوليُّ امرأةً فعدَلَ السفيهُ إلى غيرها فنكحَها بمثلِ مهرِ الْمُعَيَّنَةِ، لأنهُ لا غَرَضَ للوليِّ فِي أعيان الزوجاتِ، قُلْتُ: جزمَ بِهِ صاحبُ البحْرِ وعَبَّرَ بقوله لَا يجوزُ، ولو أراد الوليُّ أنْ يُزَوِّجَهُ شريفة يستغرقُ فلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بالصحَّةِ عند وجودِ المصلحةِ إذا قلنا يجوزُ تزويجُهُ بها أو لم يَجِدْ غيَرهَا وهُوَ محتاجٌ.
فَرْعٌ: لو قال: انكحْ مَن شِئْت بما شِئْتَ! ذكرَ بعضُهم أنهُ يبطُلُ الإِذْنُ، لأنهُ رَفَعَ الْحَجْرَ بالكُلِّيَّةِ؛ قاله الرافعيُّ، وفَهِمَ ابنُ الرفعةِ من كلام القاضي أنهُ باطلٌ بلا خلافٍ وأنه قَاسَ عليهِ.
فَرْع: قال ابنُ كج: الإذنُ للسفيهِ فِي النكاح لا يفيدُ جوازُ الوكيلِ، لأنه لم يرفع الْحَجْرَ إلا عن مباشرته، ولابنِ الرفعةِ احتمالٌ فِي ذلك.
فَإِن قَبِلَ لَهُ وَلِيُّهُ اشْتُرِطَ إِذنُهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه حُرٌّ مكلَّفٌ فلا بد مِن استئذانِهِ، كذا علَّلَهُ الرافعيُّ، والثانى: لا يشترطُ، لأنهُ فَوَّضَ إليه رعايَةَ مصلحتِهِ فإذا عرفَ حاجتَهُ زوَّجهُ كما يطعِمُهُ ويكسُوهُ وبه جزم الماورديُّ.
والظاهرُ أنَّ مَحِلَّهُ إذا لم