عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجكِتَابُ الْقَضَاءِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْقَضَاءُ: بِالْمَدِّ الْوِلاَيَةُ، وَجَمْعُه أَقْضِيَةٌ كَغِطَاءٍ وَأَغْطِيةٍ، وَهُوَ فِي الأَصْلِ: إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَفَرَاغُهُ؛ كَمَا قَالَهُ الأَزْهَرِيُّ وَيَكُونُ إِمْضَاءَ الحُكْمِ، وبِمَعْنَى أوْجَبُ وَقَدَّرَ، وبَمِعَنَى الإِتْمَامِ وَالأَدَاءِ.
وَالأَصْلُ فِيْهِ مِنَ الكِتَابِ آيَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ 1 وَمِنَ السُّنَّةِ أحَادِيْثُ صَحِيْحَة مَشْهُورَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ] مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ حَدِيْثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ 2. هُوَ فَرْضٌ كِفَايَةٍ، بالإجماع كما قاله الرافعي، فَإِنْ تَعَيَّنَ، أي للقضاء، لَزِمَهُ طَلَبُهُ، أي إن لم يُعْرَضْ عليه؛ لأن به يخرج من واجبه ويلزمه بذل المال في تحصيله إن احتاج إليه، وَإِلَّا, أي وإن لم يتعين عليه، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ، وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ، بناء على أن الإِمَامَةَ الْعُظْمَى تنعقدُ للمفضولِ مع وجُود الفاضل وهو الأصحُّ، وَقِيْلَ: لاَ، بناء على مقابله، وقوله: (وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ) احترز به عما إذا كان الأصلح لا يتولاه؛ فإنه كما لو لم يوجد.

الجزء: 4 - الصفحة: 1797

وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، لما فيه من الخطر، وَقِيْلَ: يَحْرُمُ، أي ولا تحرم توليته كما صرح به القاضي؛ لكن استشكله الإمام، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فَلَهُ الْقَبُولُ، أي ولا يلزمه فربما قام به غيره.
وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلًا، أي غير مشهور بين الناس، يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلْمِ؛ أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى الرِّزْقِ، أي مع الشهرة، وإذا وَلِيَ صَارَ مَكْفِيًّا من بيت المال لينتفع به، وَإِلَّا، أي وإن كان مع الشهرة مكفيًا، فَالأَوْلَى تَرْكُهُ، أي الطلب والقبول لما فيه من الخطر من غير حاجة إلى ارتكابه، قُلْتُ: وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي الطلب والقبول إن لم يطلبه؛ وعلى ذلك حُمل امتناع السلف، وهذا ما صَحَّحَهُ الرافعي في شَرْحَيْهِ أيضًا، وَالاِعْتِبَارُ فِي التَّعْيِيْنِ وعَدَمِهِ بِالنَّاحِيَةِ، أي فلا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة أخرى لا صالح بها ولا قبوله إذا ولي.
فَرْعٌ: قال الإِمامُ والغزاليُّ: يجب أن يكون في القرى من القضاة عدد بحيث لا يكون بين القاضيين مسافة العَدْوى وفي هذا التحديد نظر.
فَصْلٌ: وَشَرْطُ الْقَاضِي: مُسْلِمٌ، أي فلا يُوَلَّى كَافِرٌ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ 3 وَلاَ يُوَلَّى أيضًا عَلَى أهْلِ دِينِهِ.
مُكَلَّفٌ، فلا يُوَلَّى صبيٌ ولا مجنونٌ لنقصهما.
حُرٌّ، أي فلا يُوَلَّى رقيقٌ لنقصه أيضًا.
ذَكَرٌ، أي فلا تُوَلَّى امرأةٌ لنقصها؛ والخنثى الْمُشْكِلُ كَهِيَ.
عَدْلٌ، أي فلا يُوَلَّى فاسقٌ لنقصه.
سَمِيْعٌ؛ بَصِيْرٌ؛ نَاطِقٌ، لأن الأَصَمَّ بالكلية لا يُفَرَّقُ بين إقرارٍ وإنكارٍ، والأعمى لا يعرف الطالب من المطلوب، والأخرس لا يقدر على انفاذ الأحكام، وفي معنى الأعمى من يرى الأشباحَ ولا يعرف الصُّوَرَ، نَعَمْ؛ لو كان إذا قربت منه عرفها صح كما تصحُّ ولايةُ الأَعْشَى.
كَافٍ، أي فلا يُوَلَّى مُغَفَّلٌ ومن اخْتَلَّ نظرُهُ بكبر ونحوه.
مُجْتَهِدٌ، أي فلا يُوَلَّى جَاهِلٌ بالأحكام الشرعية وطُرُقها، المحتاجُ إلى تقليد غيره فيها، ولأنه لا يصلح للفتوى فالقضاء أولى، وَهُوَ، أي المجتهد، أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْقُرْآنِ

الجزء: 4 - الصفحة: 1798

وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، أي لا جميعها وآيُ الأحكام كما قيل خَمْسُ مِائَةِ آيةٍ، قال الروياني: وكذا الأخبار التي تتعلق بها الأحكام وفيما ذكره نظرٌ، وَخَاصَّهُ، وَعَامَّهُ، أي والعام الذي أريد به الخصوص وعكسه ومقيده ومطلقه، وَمُجْمَلَهُ، وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ، وَمَنْسُوخَهُ، أي وأسباب النزول كما قال ابن برهان، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، أي وهو الآحادُ، وَالْمُتَّصِلَ؛ وَالْمُرْسَلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، لأن بذلك يُتَوَصَّلُ إلى تقرير الأحكام، وَلِسَان الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، لأن الشرع ورد بالعربية وبهذا يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده وإجماله وبيانه؛ فيعرف ما لا بد منه من فَهْمِ الكتاب والسُّنَّةِ، وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلاَفًا، أي حتى لا يُخَالِفَ الإجماع باختيار قولِ ثالث، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ، أي جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ وَصَحِيْحِهِ وَفَاسِدِهِ، ولا يشترط التَّبَحُّرُ في هذه العلوم بل يكفي جُمَلٌ منها، وبقيت تحقيقاتٌ أوضحتُها فى الأصل فَرَاجِعْهَا مِنْهُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ، أى لخلو الزمان عن المجتهد المستقل، فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلَّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ، كَيْلاَ تَتَعَطَّلَ مصالح الناس، وهذا الحكم تبع فيه المصنَّفُ والرافعيَّ الغزاليَّ وعُدَّ من إفراده، والمنقولُ أنه لا ينفذُ قضاء الفاسق، قال ابن الرفعة: وكلامُ صاحب الكَافِي دَالٌّ عَلَى تَرَدُّدٍ فِيْهِ إذا كان ثَمَّ مَنْ يَصْلُحُ، فإن لم يكن فلا وجهَ إلا تنفيذ حكمه وهو الحقُّ، وَيُنْدَبُ لِلإِمَامِ إِذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الاِسْتِخْلاَفِ، ليكون أسهل عليه وأقضى إلى فصل الخصومات، فَإِنْ نَهَاهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، لأنه لم يرضَ بنظر غيره، فإن كان ما فوّضه إليه لا يمكنه القيام به فيقتصر على الممكن ويترك الاستخلاف على الأرجح (•) في الروضة، فَإِنْ أَطْلَقَ، أي التَّوْلِيَةَ اسْتَخْلَفَ فِيْمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لأن العرف يقتضيه، لاَ غَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ، لأن العُرف لم يقتضيه، والثاني: يستخلف فِي الكُلِّ كالإمام، نَعَمْ؛ لو أمكنه القيام بما تولاه كقضاء بلدة صغيرة فليس له الاستخلاف في الأصح؛ (•) في النسخة (1): في الأصح.

الجزء: 4 - الصفحة: 1799

لأن الإمام لم يَرْضَ بنظر غيره.
فَرْعٌ: لو جعل لرجل التزويج والنظر في أمر اليتامى؛ لم يكن له أن يستنيبَ فيه؛ قاله القاضي شُرَيْحٍ في أَدَبِ الْقَضَاءِ له.
وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي، لأنه نائبه، إِلَّا أَنْ يُسْتَخْلَفَ فِي أَمْرٍ خَاصًّ: كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمَ، يعني الخليفة، بِاجْتِهَادِهِ أَوِ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ، أي بفتح اللام، إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ خِلاَفَهُ، هذا مَبْنِيٌّ على جواز استخلاف من يخالفه فى الحكم وهو المعروف.
فَائِدَةٌ: القضاةُ الثَّلاَثَةُ حَدَثُواْ في سنة أربع وستين وستمائة مع وجود القاضي تاج الدين ابنُ بنتِ الأَعَزِّ واستمرار ولايته ونظره واستقر في ذلك الوقت في الدولة الظاهرية: أن الشافعي ينفرد بأربعة أشياء: الأوقاف؛ والأيتام؛ والنواب؛ وبيت المال، ويشارك الثلاثة في الباقي 4. فَصْلٌ: وَلَوْ حَكَّمَ، أي بتشديد الكاف، خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدَّ اللهِ تعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، لأنه وقع بجمع من الصحابة ولم ينكر أحدٌ 5، وخرج بقوله (فِي غَيْرِ حَدًّ للهِ تَعَالَى) حدُّ الله؛ فإنه لا تحكيم فيه؛ إذ ليس لها طالب معين، وقوله (مُطْلَقًا) أي سواء كان هناك قاضٍ أمْ لم يكن، وسواءً المحكم فيه قصاصًا أو نكاحًا أو غيرهما مما سيأتي، وخرج بالأهلية فاقدها؛ فإن حكمه لا ينفذ

الجزء: 4 - الصفحة: 1800

اتفاقًا، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ، لأنه تقليد القضاء من مناصب الإمام فلا يثبت للآحاد، وَقِيْلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ قَاضٍ فِي الْبَلَدِ، للضرورة؛ فإن كان! فالقولان، وقيل: عكسُهُ محافظة على منصب القاضي، وَقِيْلَ: يَخْتَصُّ بِمَالٍ، لأنه أخفٌّ، دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، أي كَلِعَانٍ وَحَدَّ قَذْفٍ؛ لأنها أمور خطيرةٌ فَتُنَاطُ بنظر القاضي ومنصبه، والأصح: عدم الاختصاص؛ لأَنَّ مَنْ صَحَّ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ صَحَّ فِي غَيْرِهِ كَالمُوَلَّى من جهة الإمام، وقوله (وَقيْلَ) في هذين الموضعين هو طريقةٌ؛ فهذا مما أطلق الوجه على اصطلاحه والمراد الطريقة، وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِلَّا عَلَى رَاضٍ بِهِ؛ فَلاَ يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أي بل لا بد من رِضَى الْعَاقِلَةِ، وَإنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ؛ امْتَنَعَ الْحُكْمُ، حتى لو أقام المدعي شاهدين؛ فقال المدعى عليه: عزلتك؛ لم يكن له أن يحكم، وَلاَ يُشْتَرَطُ الرَّضَا بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الأَظْهَرِ، كحكم الحاكم، والثاني: يشترط؛ لأن رِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ في الحكم فكذلك في لزومه.
فَصْلٌ: وَلَوْ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ وَخَصَّ كُلاَّ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ نَوْعٍ، أي بأن جعل أحدهما يحكم في الأموال والآخر يحكم في الدماء والفروج، جَازَ، قال ابنُ كَجًّ: وكذا لو وَلَّاهُمَا على أن يحكم كُلٌّ منهما في الواقعة التي يرفعها المتخاصمان إليه، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُخَصَّ فِي الأَصَحَّ، أي بل عمَّم ولايتهما مكانًا وزمانًا وحادثة كنصب الوكيلَين والوصيَّيْنِ، وهذا ما صححه الأكثرون، ورواه الروياني في النص (•)، والثاني: لا يجوز كالإمامة العُظمَى؛ وصححه الإمام والغزالي وابن أبي عُصْرُونَ، ونقل مُجَلَّي في تصحيحه عن الأصحاب، فعلى هذا إن ولاّهما معًا بطلت ولايتهما؛ أو متعاقبين صحَّتْ توليةُ الأول دون الثاني، إِلاَّ أَنْ يَشْرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ، أي فإنه لا يجوز؛ لأن الاختلاف يكثر في مواقع الاجتهاد فتتعطل الحكومات.
فَرْعٌ: الحكم المذكور جارٍ فِي أكثر من قاضيين بشرط أن يقل عددهم، فإن كثر لم يصح قطعًا قاله الماوردي والروياني.
(•) في النسخة (1) فقط.

الجزء: 4 - الصفحة: 1801

فَصْلٌ: جُنَّ قَاضٍ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَمِيَ أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، لأن هذه الأمور تمنعُ ولاية الأب، فالحاكم أَولى، وما جزم به الرافعي والمصنف في الإغماء حكاهُ الروياني وجهًا وَوَهَّاهُ حيث قال: لو أُغْمِيَ على القاضي لم يؤثر في ولايته لأنه مرض، قال: وفيه وجه بعيد؛ أنه ينعزل به وليس بشيء، قُلْتُ: والقول بعدم انعزاله وجه مُحْكَى في الوكالة وفي الحكمين في الشقاق، وقد حكاه الرافعي فيه ولم يحكه في القضاء، والقضاء أقوى من الوكالة وأولى بعدم الانعزال كما قاله الروياني في البحر فَتَنَبَّهْ له، وَكَذَا لَوْ فُسَّقَ فِي الأَصَحَّ، أي بخلاف الإمام الأعظم لما في إبطال ولايته من اضطراب الأمور وحدوث الفتن، والثاني: ينفذ كالإمام الأعظم وقد تقدمت هذه المسألة في الوصايا أيضًا، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ لَمْ تَعُدْ وِلاَيَتُهُ فِي الأَصَحَّ، أي إلا بالاستئناف لأنه بالانعزال صار على ما كان عليه قبل التولية فاحتاج إلى تجديدها، والثاني: يعود من غير استئناف كما تعود ولاية الأب إذا جُنَّ ثم أفاق، وَلِلإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ، لأنه عين المصلحة، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ، وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ، أي خلل وهناك أفضل منه، لما في ذلك من تحصيل مصلحة زائدة، أَوْ مِثْلُهُ، أي وكذا دونه، وَفِي عَزْلِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِيْنِ فِتْنَةٍ وَإِلَّا فَلاَ، أي وإن لم يكن فيه مصلحة فليس له عزله، لَكِنْ يَنْفُذُ الْعَزْلُ فِي الأَصَحَّ، للمصلحة وطاعة السلطان، والثاني: لا؛ لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله، أما إذا لم يكن ثمَّ من يصلح للقضاء غيره فإنه ليس له عزله، ولو عزله لم ينعزل، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ، لعظم الضرر في نقض أقضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر، والطريق الثاني: حكاية قولين كالوكيل، وَإِذَا كَتَبَ الإِمَامُ إِلَيْهِ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ فَقَرَأَهُ انْعَزَلَ، لوجود القراءة، وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحَّ، لأن الغرض إعلامه بصورة الحال لا قراءته بنفسه، والثاني: لا ينعزل لصورة اللفظ؛ وهو المصحح (•) في نظيره من الطلاق والفرق ظاهر.
وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيَّتٍ, أي أو (•) في النسخة (1): وهو الصحيح.

الجزء: 4 - الصفحة: 1802

غائب كالوكيل فإنه ينعزل بموت الموكل، وَالأَصَحُّ: انْعِزَالُ نَائِبهِ الْمُطْلَقِ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي اسْتِخْلاَفٍ، لأن الاستخلاف في هذا لحاجته إلى من يعاونه في العمل وقد زالت بزوال ولايته، أوْ قِيْلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ أَوْ أَطْلَقْ، لظهور غرض المعاونة؛ وبطلانها بطلان ولايته، فَإِنْ قَالَ: اسْتَخْلِفْ عَنَّي فَلاَ، لأنه مأذون من جهة الإمام، وكان الأول سفير محض في التولية والوجه، الثاني: ينعزل مطلقًا؛ كما ينعزل الوكيل بموت الموكل، والثالث: لا مطلقًا؛ رعاية لمصلحة الناس، وَلاَ يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الإِمَامِ، أي ولا بانعزاله لشدة الضرر في تعطيل الحوادث، وكذا لا ينعزل الولاة بذلك أيضًا، وَلاَ نَاظِرُ يَتيْمٍ وَوَقْفٍ.
بِمَوْتِ قاضٍ، أى وكذا بانعزاله؛ لئلا تتعطل أبواب المصالح؛ فَهُمْ كالمتولي من جهة الواقف.
فَصْلٌ: وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ بَعْدَ انْعِزَالِهِ: حَكَمْتُ بكَذَا، لأنه لا يملك إنشاء الحكم يومئذ؛ فكذا إقراره به, فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ لَم يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه يشهد على فعل نفسه، والثاني: يقبل؛ لأنه لا تجرُّ شهادته نفعًا إلى نفسه ولا تدفع ضررًا، ومحل الخلاف في غير الإقرار، أما إذا شهد أنه أقر في مجلس حكمه فتقبل شهادته قطعًا كما نبّه عليه صاحب المعين اليمني، أوْ بِحُكْمِ جَائِزِ الْحُكْمِ؛ قُبِلَتْ فِي الأَصَحَّ، كما لو شهدت المرضعة برضاع محرّم ولم تذكر فعلها، والثاني: المنع؛ لأنه قد يريد نفسه فيجب البيان ليزول اللبس، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، لأنه يملك الإنشاء إذن، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلَّ وِلاَيَتِهِ فَكَمَعْزُولٍ، لأنه ليس له إنشاء الحكم ثم فلا يقبل إقراره به.
وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَدَ مَالَهُ بِرِشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدَيْنِ مَثَلاً أُحْضِرَ وَفُصِلَت خُصُومَتُهُمَا، لأن هذا الأخذ كالغصب وله أن يوكل ولا يحضر، قال ابن كج: والرشوة عطية بشرط أن يحكم له بغير حق أو يمتنع عن الحكم عليه بحقًّ؛ بخلاف الهدية فإنها عطية مطلقًا.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا أُحْضِرَ، أي ليجيب عن دعواه كما لو

الجزء: 4 - الصفحة: 1803

طلب إحضار غيره، وَقِيْلَ: لاَ حَتَّى يُقِيْمَ بَيَّنَةً بِدَعْوَاهُ، أي يكون له بَيَّنَةٌ؛ لأن الظاهر جريان حكمه على الصواب، وهذا أصح عند البغوي، وقال في الْمُحَرَّرِ: رجحه مرجحون، ولم يذكر غير ذلك، لكنه في الشَّرْحِ قال: إن الأول أصح عند الروياني وغيره؛ فلذلك صححه المصنف هنا، فَإِنْ أُحْضِرَ، أي بعد البَيَّنَةِ أو مِن غيرِ بَيَّنَةٍ، وَأَنْكَرَ صُدَّقَ بِلاَ يَمِيْنٍ فِي الأَصَحَّ، صيانة له على التَّحْلِيْفِ والابتذال بالمنازعات الباطلة، قُلْتُ: الأَصَحُّ بِيَمِيْنٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كالمودع وسائر الأمناء إذا ادَّعَيْتَ عليهم خيانةً.
ولَوِ ادَّعَى عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمٍ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ بَيَّنَةٌ، لأنه أمين شرعًا، ولو فتح باب التحليف لتعطل القضاء، وكذا الشاهد إذا ادّعي عليه أنه شهد بالزور وأراد تحليفه كما ذكره المصنف في الدَّعَاوَى، وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ، أي كَأَنِ ادَّعَى تلفًا أو غيره، حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ، لفصل الخصومة بذلك.
فَصْلٌ: لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلَّيهِ، للاتباع 6، وَيُشْهِدُ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ، أي سواء قرُبَ مَحِلُّ الْوِلاَيَةِ أَمْ بَعُدَ، يَخْرُجَانِ مَعَهُ إِلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالْحَالِ، لأهل العمل، وَتَكْفِي الاِسْتِفَاضَةُ فِي الأَصَحَّ، لأنه لم يؤثَرْ عن الشارع ولا عن الخُلفاء بعده الاشهاد؛ بل كانوا يقنعون بالاشتهار وتكفي الاستفاضة، والثاني: لا يكفي؛

الجزء: 4 - الصفحة: 1804

لأن العقود لا تثبت بها كالوكالة والإجارة، ومحل الخلاف في البلد القريب؛ ومنهم من أطلقه كما هو ظاهر إيراد المصنف، قال الرافعي: ويشبه أن لا يكون في هذا خلاف، ويكون التعويل على الاستفاضة، لاَ مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه لا يعتمد على الخط، وقيل: وجهان كما حكاه في الروضة، ووجه الاعتماد بُعد الجُرأة في مثل ذلك على الإمام، وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، أي قبل دخوله ليعاملهم إذا دخل بما يليق بهم؛ فإن تعذر فبعد دخوله.
وَيَدْخُلُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ دَخَلَ فِيْهِ الْمَدِيْنَةَ 7؛ فإن فَاتَهُ فالسبت أو الخميس، وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ، لأنه أقرب إلى التسوية فلا يطول الطريق على بعضهم، وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ، لأن الحبس عذابٌ، وهذا على سبيل الاستحباب كما صرح به الرافعي في أواخر الأدب، لكن قال الإمام: إنه واجب، فَمَنْ قَالَ: حُبِسْتُ بِحَقًّ أَدَامَهُ، لأنه الحق، أَوْ ظُلْمًا فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ، أي والقول قول المحبوس بيمينه، فَإِنْ كَانَ، أي خصمه، غائِبًا كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ، لفصل الخصومة بينهما، ثُمَّ فِي الأَوْصِيَاءِ، أي إذا فرغ من النظر في المحبوسين نظر في الأوصياء ومالِ الأطفال؛ لأن الوَصِيَّ يتصرُّفُ في حَقَّ من لا يُمْكِنُهُ المرافعةُ والمطالبةُ كالأطفال وأصحاب الجهات العامة، فَمَنِ ادَّعَى وِصَايَةً سَألَ عَنْهَا، أي فإن أقام بيّنة بثبوتها أقرّه، وَعَن حَالِهِ وَتصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا أخَذَ الْمَالَ مِنهُ أَوْ ضَعِيْفًا، أي لكثرة الأموال أو لسبب آخر، عَضَّدَهُ بِمُعِيْنٍ.
تَنْبيْهٌ: ثم بعد الأوصياء يُنْظَرُ في أُمناء القاضي ثم في أَمْرِ الأَوْقَافِ وَالْمُتَوَلَّيْنَ لَهَا، وفي اللُّقَطةِ وَالضُّوَالَّ ويرتب الحكم عليها وَيُقَدَّمُ من ذلك الأَهَمَّ فَالأَهَمَّ.

الجزء: 4 - الصفحة: 1805

فَصْلٌ: وَيَتَّخِذُ مُزَكَّيًا، لشدة الحاجة إليه؛ فإنه يعرف حال من تُجْهَلُ عَدَالَتُهُ من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه، وصفته يأتي بيانها في آخر الباب، وَكَاتِبًا، للاتباع 8. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَدْلًا، لِيُؤْمَنَ مِنْ خِيَانَتِهِ، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، لِيُعْلَمَ صِحَّةُ ما يكتبه من فساده، وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، لئلا يؤتى من الجهل، وُوُفُورُ عَقْلٍ، لئلا ينخدع أو يُدَلَّسَ عليه، وَجَوْدَةُ خَطًّ، أي وأن يكون ضابطًا للحروف لِئَلَّا يقعَ الغلطُ والاشتباهُ، وأهمل فيه أمورًا أخرى ذكرتها في الأصل، وَمُتَرْجِمًا، أي ويتخذ أيضًا مترجمًا لأن القاضي قد لا يعرف لسان بعض الخصوم والشهود فلا بد ممن يطلعه عليه، وَشَرْطُهُ عَدَالَةٌ، وَحُرَّيَّةٌ، وَعَدَدٌ، لأنه ينقل إلى القاضي قولًا لا يعرفه فأشبه الشاهد والمُزَكَّي، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ أَعْمَى، لأن الترجمة تفسير اللفظ لا يحتاج إلى معاينة وإشارة بخلاف الشَّاهِدُ، والثاني: لا، كما لا يجوز أن يكون شاهدًا، وَاشْتِرَاطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ، كالمترجم، والثاني: لا؛ لأن المسمع لو غيَّر لأنكر عليه الخصم والحاضرون بخلاف المترجم، وهذا في إسماع كلام الخصم القاضي، فأما إسماع ما يقوله القاضي وما يقوله الخصم فلا يشترط فيه العدد؛ قاله القفال؛ لأنه اخبار محضٌ.
وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّأْدِيْبِ، اقتداءً بالفاروق 9، وَسِجْنًا لأدَاءِ حَقًّ وَلِتَعْزِيْرٍ، اقتداءً به

الجزء: 4 - الصفحة: 1806

أيضًا 10 وفي أدب القضاء للقاضي شُرَيْحٍ وجهان في تَقْيِيْدِ الْمَحْبُوسِ إذا كان لَجُوجًا.
= • عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: (أرَادَنِي سِيْرِيْنُ عَلَى الْمُكاتَبَةِ؛ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ؛ فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه -؛ فَذَكَر ذَلِكَ لَهُ؛ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ عُمَرُ - رضي الله عنه - يَعْنِي بالدَّرَّةِ - فَقَالَ: كَاتِبْهُ).
رواه البخاري في الصحيح معلقًا من طريق موسى بن أنس أَنَّ سِيْرِيْنَ سَأَلَ أَنَسًا، فَضَرَبهُ بِالدَّرَّةِ ويَتْلُو عُمَرُ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.
إنتهى.
ينظر منه: كتاب المكاتب: باب المكاتب ونجومه: صدر الباب.
والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب المكاتب: باب من قال يجب على الرجل مكاتبة عبده: الأثر (22234). • علق البخاري في الصحيح: كتاب الديات: باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب: الحديث (6896): (وَأقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدَّرَّةِ).
وفي شرحه، قال ابن حجر: وصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر، قال: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ بِطَرِيْقِ مَكَّةَ، فَبَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ؛ فَضَرَبَهُ بِالدَّرَّةِ! فَقَالَ: (عَجلْتَ عَلَيَّ؟ ) فَأَعْطَاهُ الْمِخْفَقَةَ، وَقالَ: (اقْتَصَّ) فَأبَى! فَقَالَ: (لَتَفْعَلَنَّ) قَالَ: فَإِنَّي أَغْفِرُهَا.
• نقل الشربيني قال: (قالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَتْ دِرَّةُ عُمَرَ أَهْيَبُ مِنْ سَيْفِ الحَجَّاجِ.
قالَ الدميريُّ: وَفِي حِفْظِي مِن شَيْخِنَا أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نَعْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وَأَنَّهُ مَا ضَرَبَ بِهَا أحَدَا عَلَى ذَنْبٍ وَعَادَ إِلَيْهِ).
مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج.

الجزء: 4 - الصفحة: 1807

وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيْحًا، أي واسعًا؛ كيلا يتأذى بضيقه الخصوم، بَارِزًا، أي ظاهرًا ليعرفه من يراه، مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرًّ وَبَرْدٍ، أي وريح ودخان وغبار كيلا يتأذى به، لاَئِقًا بِالْوَقْتِ، أي فيجلس في الصيف حيث يليقُ به، وكذا في الشتاء وزمن الرياح، زاد على الْمُحَرَّر وأن يكون لائقًا بالقضاء أيضًا، لاَ مَسْجِدًا، أي فإنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم صونًا له عن ارتفاع الأصوات وَاللَّغَطِ، وخالف فيه الأئمة الثلاث؛ فقالوا: بعدمها، كما لا يكره الجلوس فيه للفتوى وتَعَلُّمِ القُرْآنِ والعلم؛ وهو وجه عندنا، نَعَمْ: لو اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره المسجد لصلاة وغيرها؛ فلا بأس بفصلها.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشَبَعٍ مُفْرِطَيْنِ، للنهي عنه 11، وَكُلُّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ فِيْهِ، أي كَالْهَمَّ الشديد ونحوه؛ لأنه لا يتوفر على الاجتهاد إذن، وَيُنْدَبُ أَنْ يُشاوِرَ الفُقَهَاءَ، للاتباع، وَأَنْ لاَ يَشْتَرِيَ وَيَبِيْعَ بِنَفْسِهِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ وَكِيْلٌ مَعْرُوفٌ، لِئَلَّا يُحَابِي، والأجارة وسائر المعاملات كالبيع والشراء؛ بل نصَّ في الأُمَّ: أنه لا ينظر في نفقة عياله؛ ولا أمر ضيعته؛ بل يَكِلُهُ إلى غيره تفريغًا لقلبه، فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَن لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلاَيَتِهِ، أي ولا خصومة له، حَرُمَ قُبُولُهَا، لأنه يدعو إلى الميل إليه وينكسر به قلب خصمه في الصورة الأُولى ولأن الثانية سببها العمل ظاهرًا، فلو قبلها لم يملكها.
فَرْعٌ: هدية من لا خصومة له في غير محل ولايته كهدية من عهد منه الهدية قبل الولاية لقرابة أو صداقةٍ؛ ولا يحرَّم قبولها على الصحيح؛ لأنها ليست حادثة بسبب العمل.

الجزء: 4 - الصفحة: 1808

وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلاَ خُصُومَةَ جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، لخروج ذلك عن سبب الولاية، وَالأوْلَى أَنْ يُثِيْبَ عَلَيْهَا، أو يضعها في بيت المال وإن زاد المهدي على القدر المعهود صارت هَدِيَّتُهُ كَهَدِيَّةِ من لم تعهد منه الهدية، ثم لا يخفى أن الأَوْلى سد باب القبول حسمًا لمادة التهمة.
فَرْعٌ: نزوله على أهل عمله ضيفًا؛ كقبول هديتهم؛ قاله الماوردي.
فَرْعٌ غَرِيبٌ: هل للقاضي تخصيصُ بعض الرَّعَايَا بإهداء هديَّةٍ إليه؟ فيه وجهان حكاهُما القاضي شُرَيْحٌ في أَدَبِ الْقَضَاءِ.
فَصْلٌ: وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيْقِهِ وَشَرِيْكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، للتهمة، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، كذلك أيضًا، والثاني: لا؛ لأن القاضي أَسِيْرُ الْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ: يجوز أن يحكم عليهم لانتفائها.
وَيَحْكُمُ لَهُ، يعني القاضي، وَلِهَؤُلاَءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، دفعًا للتهمة، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه حاكم، وإن كان نائبًا فأشبه سائر الحكام، والثاني: لاَ كَهُوَ، وِإذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيهِ أَوِ نَكَلَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِيْنِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ لَزِمَهُ، لأنه قد ينكر من بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه، إن قلنا لا يقضي بعلمه، وإن قلنا إنه يقضي؛ فربما ينسى أو يُعْزَلَ فلا يُقْبَلُ قولهُ، أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَوْ سِجِلًا بِمَا حَكَمَ اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، لأن الحقَّ ثبت بالشهود لا بالكتاب، وَقِيْلَ: تَجِبُ، توثيقًا لحقِّه كالاشهاد، ويُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيْوَانِ الْحُكْمِ، أي وتختم ويكتب على رأسها اسم الخصمين ويضعها في خريطة ونحوها.
فَصْلٌ: وَإذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ بَان خِلاَفَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، أي إمَّا متواترة أو خبر آحاد، أَوِ الإِجْمَاعَ أوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، لأن الاجتهاد

الجزء: 4 - الصفحة: 1809

إنما يسوغ إذا لم يخالف ذلك، فإذا خالفه كان مردودًا، لاَ خَفِيٍّ، أى إذا ظهر له قياس خفي رجح عنده على ما حكم به ورأى أنه الصواب؛ فليحكم بما حَدَثَ بعد ذلك من أخوات الحادثة بما رآه ثانيًا، ولا يَنْقُضُ ما حكم به أولًا بل يُمْضِيْهِ؛ لأن الظنون المتعادلة لو نُقِضَ بعضُها ببعض لما استمر حُكْمٌ؛ ويشق الأمر على الناس.
وقد بَيَّنْتُ القياس الجلي والخفي في الأصل فراجعه منه.
وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا، لأنَّا مأمورون باتباع الظاهر والله يتولى السرائر 12؛ فإذا حكم بشهادة الشهود بظاهر التعديل وهم كذبة لا يفيد حكمه الحل باطنًا سواء كان الحكم بمال أو نكاح أو غيرهما، وقد وافق الخصم على الأَمْلاَكِ الْمُطْلَقَةِ، نَعَمْ؛ الانشاءات كالتفريق بين المُتَلاَعِنِيْنَ ونحوه إذ ترتبت على أصلٍ صادقٍ، فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين نفذ ظاهرًا وباطنًا، وإن كان مختلفًا فيه نفذ ظاهرًا وكذا على الأصح عند جماعة منهم البغوي، وَلاَ يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، قُلْتُ: ففيه وجه حكاه الماوردي، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو شاهدان أو شاهدٌ ويمين فبالعلم أولى، قال الماوردي ويشترط لنفوذه أن يقول قد علمت أن له عليك ما ادعاه وقد حكمت عليك بعلمي فإن أغفل شيئًا من ذلك لم ينفذ، والثاني: لا للتهمة، والأول أجاب عن معنى التهمة: بأن القاضي لو قال: ثَبَتَ عندي وصَحَّ لَدَيَّ كذا لزم قبوله ولم يبحث عما صح وثبت به؛ والتهمة قائمة.
فَرْعٌ: قال الإمام: اللَّوْثُ إِذَا عَايَنَهُ الْقَاضِي لهُ اعتمادهُ قطعًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 1810

إِلاَّ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى، لأنها تُدْرَأُ بالشبهات ويندب سترها ويجوز في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر.
تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا: أشار الإمام إلى أنه لا يقضي بعلمه في الإعْسَارِ.
ثَانِيْهَا: طَرَدَ بعضُهم الخلاف في كل شيء حتى في الجرح والتعديل، وهي طريقة في الحاوي وغيره، وظاهر كلام المصنف يشملها، والذي قاله العراقيون أنه يقضي بعلمه في الجرح والتعديل قطعًا.
ثَالِثُهَا: عن الاصطخري أنه يتعين القضاء بالعلم في مواضع منها: أَنْ يُقِرَّ عنده بالطلاق الثلاث ثم يَدَّعِي زوجتها أو يدعي أن فلانًا قتل أباه وهو يعلم أنه قتله غيره.
رَابِعُهَا: لا يقضي بعلمه فيما إذا قامت بينة على خلافه، جزم به الشاشي في الحلية للتهمة، ولا يقضي بالبينة والحال هذه أيضًا لعلمه بكذبها.
خَامِسُهَا: المراد بالعلم الظن المؤكد لا اليقين؛ خلافًا للغزالي والإمام.
فَصْلٌ: وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيْهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، لإمكان التزوير ومشابهة الخط رجوعًا إلى اليقين، وَفِيْهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، لتعذر التحريف، والأصح الأول لاحتماله، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطٍّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، أي بخلاف خطه كما سيأتي في الدعاوى، وَالصَّحِيْحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ، لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية على التوسعة، والثاني: المنع إلى أن يتذكر كما في الشهادة، ولا يكفيه رؤية السماع بخطه أو خط ثقة.
فَصْلٌ: لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أي وجوبًا، فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، أي وإن اختلفا حرية ورقًا وشرفًا وغيره؛ فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، وَقِيَامٍ لَهُمَا، أي بأن يقوم لهما أو يترك، وَاسْتِمَاعٍ، وَطَلاَقَةِ وَجْهٍ، وَجَوَابٍ، وَسَلاَمٍ، وَمَجْلِسٍ، أي وسائر أنواع الإكرام، ولا يخص أحدهما بشيء من ذلك لأنه ينكسر به قلب الآخر ويمنعه من إقامة حجته، وَالأَصَحُّ رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيْهِ، يعني في المجلس إكرامًا له

الجزء: 4 - الصفحة: 1811

وفيه قِصَّةٌ في البيهقي حَسَنَةٌ لكن في إسنادها ضعف 13. والثاني: يُسَوِّي بينهما لما سلف؛ ولأنه يسوي بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما فكذا في المجلس، قال الرافعي: ويمكِنُ أن يكون الوجهان في رفع المجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام وقد صرَّحَ بذلك الفورانيُّ قبلَهُ، وَإِذَا جَلَسَا، بين يديه، فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، لأنهما حضرا للكلام وله، وَأَنْ يَقُولَ: لِيَتَكَلَّمَ الْمُدَّعِي، لأنه ربما هَابَاهُ، فَإِذَا ادَّعَى، أي دعوى صحيحة، طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، لأن به تنفصل الخصومة، فَإنْ أَقَرَّ فَذَاكَ، وَإنْ أَنْكَرَ فَلَهُ أَن يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ لأجل فصل الخصومة، وَأَنْ يَسْكُتَ، تحرزًا من اعتقاد ميل إلى المدِّعي، فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيْدُ تَحْلِيْفَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، لأنه إن تورع عن اليمين وأَقَرَّ سهل الأمر على المدعي واستغني عن إقامة الْبَيِّنَةِ، وإن حلف! أقام البَيِّنَةَ وَبَانَ كذبه وخيانته فله إذًا في التحليف غرض ظاهر وإن قال: أَوْ لاَ بَيِّنَةَ لِي، أي حاضرة ولا غائبة أو قال: كُلُّ بَيِّنَةٍ أقيمُها فهي باطلةٌ أو كاذبةٌ أو بَيِّنَةُ زُورٍ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأنه ربما لم يعرف أو نسي ثم عرف وتذكر، والثاني: لا، للمناقضة؛ إلّا أن يذكر لكلامه تأويلًا كَكُنْتُ ناسِيًا أو جاهِلًا، ونسبه الماوردي والروياني إلى الأكثرين.
فَرْعٌ: لو قال: لاَ بَيَّنَةَ لِي! واقتصر عليه؛ فقال البغوي: هو كقوله: لا بينة لي حاضرة، وقيل: كقوله لا حاضرة ولا غائبة؛ فيكون فيه الوجهان، وهو ما أورده الغزالي؛ وهو ظاهر إيرادُ المصنِّفِ حيث قال ولا بينة لي لكني قيدته بما سلف تبعًا للرافعي في شرحه؛ فإنه ذكره كذلك؛ وصحَّحَ القبول ولم يصحح في هذه شيئًا.
فَصْلٌ: وَإذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ قُدِّمَ الأَسْبَقُ، لأنهُ الْعَدْلُ، والاعتبار بسبق المدعي دون المدّعي عليه؛ فَإِنْ جُهِلَ، أي السابق، أَوْ جَاؤُواْ مَعًا أُقْرِعَ، لتعيين ذلك طريقًا كالسفر ببعض نسائه، ولو آثر بعضهم بعضًا جاز، ثم هذا إذا أمكن الإقراع فلو

الجزء: 4 - الصفحة: 1812

كثروا كتب أسماءهم وجعلها بين يديه ثم يمد يده ويأخذ رقعة فيقدم صاحبها؛ قاله ابن الصباغ وغيره، وفسَّرَ الروياني الإقراع بهذا.
وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفِزُونَ، وَنِسْوَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرُواْ، أما في الأُولى: فلدفع الضرر عنهم، وأما في الثانية: فَلأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ، مَا لَمْ يَكْثُرُواْ، دفعًا للضرر عن المقيمين في الأُولى، وعن الرجال في الثانية فَيَتَعَيَّنُ (•) السَّبْقُ والقُرْعَةُ.
فَرْعٌ: المسافرون بعضهم مع بعض كالمقيمين فَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ وَالْقُرْعَةُ، وكذا النسوة وما أسلفناه في النساء مع الرجال والمسافر مع المقيمين.
فَرْعٌ: ينبغي أن لا يفرق بين أن يكون المسافر مُدعيًا أو مُدَّعَى عليه؛ قاله الرافعي.
فَرْعٌ: تقديم المسافر والمرأة ليس بمستحق على الصحيح؛ بل هو رخصة يجوز الأخذ به، قال في الروضة: والمختار أنه يستحب لا يقتصر فيه على الإباحة.
وَلاَ يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إِلَّا بِدَعْوَى، واحدة دفعًا للضرر عن الباقين؛ لئلا يستوعبُ المجلس بدعاويه، ثم يقال له: إن شئتَ فاجلس ليفرغ الجميع ثم يسمع خصومته الثانية إن بقي وقت ولم يَضْجَرْ، وسواء كانت الثانية على المُدَّعَى عليه أوَّلًا أو على غيره على الأصح.
فَرْعٌ: المقدم بالسفر لم يذكر المصنف حكم تقديمه هل يقدم بدعوى واحدة أم بأكثر؟ وفيه احتمالات للرافعي، والأرجح في الروضة: أن دعاويه إن كانت قليلة أو خفيفة لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا قُدِّم بجميعها، وإلاّ قُدَّم بواحدة لأنها مأذون فيها وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر ولتطرد هذه الاحتمالات في التقديم بالأنوثة.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِيْنَ، لاَ يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، للتضييق على الناس، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا عَمِلَ بِعِلْمِهِ، أي ولا حاجة إلى تعديل في (•) في النسخة (2): فيُعتبر.

الجزء: 4 - الصفحة: 1813

الأُولى وإن طلبه الخصم، وبحث في الثانية؛ لأنه يراد لمعرفة العدالة والفسق وهو حاصل، وَإِلَّا, أي وإن لم يعرف عدالة أو فسقًا، وَجَبَ الِاسْتِزْكَاءُ، أي والتعديل سواء طعن الخصم في الشهود أو سكت؛ لأنه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرطها كما إذا طعن الخصم؛ ثم بَيَّنَ كَيْفِيَّةِ الاستزكاء فقال: بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ، أي من اسم وكنية إن اشتهر بها، وولاء إن كان عليه ولاء، واسم أبيه وجدِّهِ وحِلْيَتِهِ وحِرْفَتِهِ وسُوقِهِ ومسجدِهِ لئلا يشتبه بغيره، وإن كان مشهورًا وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف كتبه، وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ، أي وبأن يكتب أيضًا اسم المشهود له والمشهود عليه، فقد يكون بينهما ما يمنع شهادته له أو عليه من قرابة أو عداوة، وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير، والثاني: لا يكتبهُ؛ لأن العدالة لا تَتَجَزَّأُ والأولُ يمنعُ هذا، وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا، ليعرف حاله، ثُمَّ يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، أي فإن كان جرحًا لم يظهره، وقال للمدعي: زِدْنِي في الشهود، وإن كان تعديلًا عَمِلَ بمقتضاه، وَقِيْلَ: تَكْفِي كِتَابَتُهُ، كما عليه العمل، والأصح: أنه لا بد من المشافهة؛ لأن الخطَّ لا يعتمدُ كما سبق.
وَشَرْطُهُ، أي الْمُزَكِّي، كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعدِيْلِ، لئلا يجرح العدل ويزكي الفاسق، وَخِبْرَةُ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، لأن الإنسان يخفي أسباب الفسق غالبًا فلا بد من معرفة باطن حاله، وهذه الأمور تظهر أحوال الشخص ولا يشترط التقادم في المعرفة على الأشبه، وإن كان ظاهر لفظ الشافعي يقتضي اعتباره، وقوله (خِبْرَةُ) هو برفع الهاء وجرها، وَالأصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَتِهِ، أى فيقول: أشهد أنه عدل، والثاني: لا، وَأَنَّهُ يَكْفِي: هُوَ عَدْلٌ، لأنه اثبت العدالة التي اقتضاها ظاهر اطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 14 وهذا ما نَصَّ عليه في حَرْمَلِة، وَقِيْلَ: يَزِيْدُ عَلَيَّ وَلِيٌّ، لجواز أن يكون عدلًا في شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 1814

دون شيء، وهذا ما نصَّ عليه في الأُمِّ والمختصَرِ، وحكاهُ في الشامل والبيان عن أكثرهم، والأَوَّلُونَ أَوَّلُواْ هذا النصَّ وجعلوه تأكيدًا لا شرطًا، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ، أي بخلاف التعديل لأن أسبابه مختلف فيها، وَيَعْتَمِدُ فِيْهِ، يعني في الجرح، المُعَايَنَةَ أَوِ الِاسْتِفَاضَةَ، أي بأن رآه يزني أو يشرب الخمر؛ والسماعُ كما ذكره في الْمُحَرَّرِ: بأن يسمعه يَقْذِفُ أو يُقِرُّ على نفسه بالزنا؛ أو الاستفاضة أي وكذا خبر التواتر لحصول العلم، ولا يجوز الجرح بناء على خبر عدد يسير، لكن يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة، وَيُقَدَّمُ، أي بينة الجرح، عَلَى التَّعْدِيْلِ، لأن معه زيادة علم، فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ: عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأصْلَحَ قُدِّمَ، لما ذكرناه، ويقدم أيضًا فيما إذا شهد بجرحه ببلد ثم انتقل إلى غيره فعدله آخران فيها وهو ظاهر إذا كان بين انتقاله من الأول إلى الثاني مدة الاستبراء وإلاّ لم يقدم، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَكفِي فِي التَّعْدِيْل قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ عَدْلٌ، وَقَدْ غَلِطَ، فيما شهد به بل لا بد من البحث والتعديل لحق الله تعالى ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق، والثاني: يحكم بشهادتهما بلا بحث؛ لأن البحث لِحَقِّهِ وقد اعترف بعدالتهما.

بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ

هُوَ جَائِزٌ، للحاجة إليه، إِنْ كَانَ، عَلَيْهِ، بَيِّنَةٌ، وإلا فلا فائدة لهذه الدَّعْوَى، وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإنْ قَالَ: هُوَ مُقِرٌّ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، لأنها لا تقام على مُقِرٍّ، وِإِنْ أَطْلَقَ، أي ولم يتعرض لجحوده ولا لإقراره، فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ، لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته ويحتاج إلى الإثبات فجعلت الغيبة كالسكوت، والثاني: لا تسمع إلا عند تعرض الْبَيِّنَةِ للجحود؛ لأن البَيِّنَةَ إنما يحتاج إليها عنده، وَأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبُ مُسَخَّرٍ، أي بفتح الخاء المشددة، يُنْكِرُ عَنْ الْغَائِبِ؛ لأن الغائب قد يكون مُقِرًّا فيكون إنكار المسخر كذبًا، والثاني: يلزمه لتكون البيّنة على إنكار منكر، وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ أَن الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذمَّتِهِ، احتياطًا للمحكوم

الجزء: 4 - الصفحة: 1815

عليه، لأنه لو حضر لربما ادّعى ما يبرئه، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، لأن باب التدارك إن كان هناك دافع غير مُنْحَسِمٍ، وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، أي وكذا ميّت، والوجوب فيهم أولى لعجزهم عن التدارك، وَلَوْ ادَّعَى وَكِيْلٌ عَلَى غَائِبٍ فَلاَ تَحْلِيْفَ، أي بل يعطى المال إن كان المدّعى عليه هناك مال؛ لأن الوكيل ليس له أن يحلف لفعل غيره.
وَلَوْ حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهَ وَقَالَ لِوَكِيْلِ الْمُدَّعِي: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ! أُمِرَ بِالتَّسْلِيْمِ إِلَى الْوَكِيْلِ، لأنّا لو وقفنا الأمر إلى أن يحضر الموكل لانْجَرَّ الأمرُ إلى أن يتعذر استيفاء الحقوق بالوكالة، وله أن يثبت الإبراء بعد أن كانت له حجة.
وَإذَا ثَبَتَ مَالٌ عَلَى غَائِبٍ؛ وَلَهُ مَالٌ! قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، لأنه حقٌّ وجبَ عليه وتعذر وفاؤه من جهة من عليه فقام الحاكم مقامه، كما لو كان حاضرًا فامتنع، وَإِلاَّ، أي وإن لم يكن له مال حاضر، فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إِنْهَاءَ الْحَالِ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ؟ أَجَابَهُ؛ فَيُنْهِي سَمَاعَ بَيِّنَةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِي الْمَالَ، أَوْ حُكْمًا لِيَسْتَوْفِي، وَالإِنْهَاءُ أَنْ يُشهِدَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ، مسارعة إلى قضاء الحقوق، ويُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ، أي ولا يجب؛ لأن الاعتماد على الشهادة، وفائدة الكتاب تذكُّرُ الشهود وإلزام المكتوب إليه، يَذْكُرُ فِيْهِ، يعني فِي الكتاب، مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، من اسمٍ وَكُنْيَةٍ وَقَبِيْلَةٍ وَصَنْعَةٍ وَحِلْيَةٍ، وكذا المحكوم له ليسهل التمييز، وَيَخْتِمُهُ، حفظًا له وإكرامًا للمكتوب إليه، ويدفع إلى شاهدين نسخة غير مختومة ليطالعاها ويتذكرا عند الحاجة، وَيَشْهَدَانِ عَلَيْهِ إِنْ أَنْكَرَ، أي إذا وصل كتاب القاضي وحامله إلى قاضي بلد المكتوب إليهَ أُحْضِرَ الْخَصْمُ، فإن أقر بالْمُدَّعَى به؛ فذاك؛ وإلا شهد الشاهدان بحكم القاضي الكاتب، فَإِنْ قَالَ: لَسْتُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، وَعَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ، لأن الأصل عدم تسميته بهذا الاسم، فَإِنْ أَقَامَهَا، يعني البيّنة بأنه اسمه ونسبه، فَقَالَ: لَسْتُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْحُكْمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الاِسْمِ وَالصِّفَاتِ، لأن الظاهر

الجزء: 4 - الصفحة: 1816

أنه المحكوم عليه، وَإِنْ كَانَ، أي بأن عرفه القاضي أو قامت عليه بيّنة، أُحْضِرَ، يعني المشارك، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ طُولِبَ وَتُرِكَ الأوَّلُ، وَإِلَّا، أي وإن أنكر، بَعَثَ، يعني الحاكم، إِلَى الْكَاتِبِ لِيَطْلُبَ مِنَ الشُّهُودِ زِيَادَةَ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وَيَكْتُبُهَا ثَانِيًا، أي فإن لم يجد مزيدًا وقف الأمر حتى ينكشف.
وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحَاكِمِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ فَفِي إِمْضَائِهِ إِذَا عَادَ إِلَى وِلاَيَتهِ خِلاَفُ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ، أي فإن قلنا: نَعَمْ فَنَعَمْ، وإن قلنا: لا؛ فعن بعضهم تجويزه أيضًا، والأصح: المنع، كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير محل ولايته.
وَلَوْ نَادَاهُ فِي طَرَفَي وِلاَيَتِهِمَا أَمْضَاهُ، لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ كَتَبَ سَمِعْتُ بَيِّنَةً عَلَى فُلاَن، وَيُسَمِّيْهَا الْقَاضِي إنْ لَمْ يُعَدِّلْهَا، أي ولا حاجة هنا إلى تحليف المدعي، وَإِلَّا، أي وإن عدلها، فَالأَصَحُّ: جَوَازُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، والثاني: لا، وهو قول الإمام والغزالي، قال الرافعي: والقياس الأول وهو المفهوم من إيراد البغوي وغيره؛ ثم قال: ويجوزُ أن يُقدَّرَ فيه خلافٌ، فجزمه هنا بحكاية وجهين مخالف لذلك، وَالْكِتَابُ بِالْحُكمِ يَمْضِي مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَبِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لاَ يُقبَلُ عَلَى الصَّحِيْحِ إِلَّا مِنْ مَسَافَةِ قَبُولِ شَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ، أي وهي مسافة العدوى لا القَصْرِ على الأصح كما سيأتي، والفرق بينهما أن الحكم هناك قد تَمَّ وليس بعده إلا الاستيفاء، وسماعُ الْبَيِّنَةِ بخلافه؛ فإنه إذا لم تبعد المسافة لم يعسر إحضار الشهود عند القاضي الآخر.
فَصْلٌ: ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنِ الْبَلَدِ يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ؛ وَعَبْدٍ؛ وَفَرَسٍ مَعْرُوفَاتٍ؟ سَمِعَ بَيِّنَتَهُ؛ وَحَكَمَ بِهَا؛ وَكَتَبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِيُسَلَّمَهُ لِلْمُدَّعِي، كما يسمع البيّنة ويحكم على الغائب، وقوله (مَعْرُوفَاتٍ) هو مما غَلَّبَ فيه ما لا يعقل على من يعقل، والقاعدة العكسُ فنقولُ مَعْرُوفِيْنَ كما نطق به الْمُحَرَّرُ وهو في

الجزء: 4 - الصفحة: 1817

الروضة تبعًا للشرح، وَيَعْتَمِدُ فِي الْعِقَارِ حُدُودَهُ، أي وموضعه كما صرح به في المحرر لأجل التمييز، وينبغي أن يتعرض للحدود الأربعة، ولا يجوز الاقتصار على حدين أو ثلاثة ذكره ابن القاصّ، وفي فتاوى البغوي: أنها إذا صارت معروفة بثلاثة حدود جاز الاقتصار على ذكرها ولا يجب التعريض للقيمة على الأصح لحصول التمييز دونه، أَوْ لاَ يُؤْمَنُ، أي كغير المعروف من العبيد والدَّوَابِّ وغيرهما، فَالأَظْهَرُ: سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، كما تسمع على الشخص الغائب اعتمادًا على الْحِلْيَةِ والصِّفَةِ؛ ولأنه يحتاج إليه كالعقار، والثاني: لا، لكثرة الاشتباه.
وَيُبَالِغُ الْمُدَّعِي فِي الْوَصْفِ، أي بما يمكن من الاستقصاء، وَيَذْكُرُ الْقِيْمَةَ، وَأَنَّهُ لاَ يَحْكُمُ بِهَا، أي بما قامت الْبَيَّنَةُ عليه؛ لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد، والثاني: نعم كالعقار، والحاصل ثلاثة أقوال؛ أظهرها: كما ذكره المصنف تسمع البيّنة ولا يَحْكُمُ، وثانيها: لا تسمع ولا يحكم، وثالثها: تسمع ويحكم، ثم فرع المصنف على الصحيح وهو السماع وعدم الحكم فقال: بَلْ يَكْتُبُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ بِمَا شَهِدَتْ بهِ فَيَأْخُذُهُ وَيَبْعَثُهُ إِلَى الْكَاتِبِ لِيَشْهَدُواْ عَلَى عَيْنِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُدَّعِي بِكَفِيْلٍ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنْ شَهِدُواْ بِعَيْنِهِ كَتَبَ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيْلِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ، والقول الثاني: أن القاضي بعد الانتزاع يَبِيْعُهُ للمدعي ويقبضُ منه الثمنَ ويضعهُ عند عَدْلٍ أو يكفله بالثمن، فإن سَلَّمَ المدَّعي بشهادة الشهود على عينه عند القاضي الكاتب كتب بردِّ الثمن أو إبراء الكفيل، وبَان بطلان البيع وإلا فالبيع صحيح ويسلم الثمن إلى المدعي عليه، وهذا بيع يتولاه القاضي للمصلحة كما يبيع الضوال، أَوْ غَائِبَةً عَنِ الْمَجْلِسِ لاَ الْبَلَدِ أمَرَ بِإِحْضَارِ مَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ لِيَشْهَدُواْ بِعَيْنِهِ وَلاَ تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ، تشبيهًا بما إذا كان المدَّعى عليه حاضرًا في البلد، ولا تسمع الشهادة وهو غائب عن مجلس الحكم، واحترز بـ (ما يمكن إحضاره) عما لا يمكن كالعقار، فإن المدَّعي يحدَّهُ ويقيم البيِّنة عليه بتلك الحدود! إلا أن يكون مشهورًا فلا حاجة إلى تحديده، وَإِذَا وَجَبَ إِحْضَارٌ فَقَالَ: لَيْسَ بِيَدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ! صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأن الأصل عدمُ عَيْنٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ

الجزء: 4 - الصفحة: 1818

لِلْمُدَّعِي، أي بعد ذلك، دَعْوَى الْقِيْمَةِ، لاحتمال أنها هلكت، فَإِنْ نَكَلَ، أي المدعى عليه عن اليمين، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً كُلِّفَ الإِحْضَارَ وَحُبِسَ عَلَيْهِ وَلاَ يُطْلَقُ إِلَّا بِإِحْضَارٍ أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ، فتؤخذ منه القيمة ويقبل منه دعوى التلف، وإن كان خلاف قوله الأول للضرورة.
وَلَوْ شَكَّ الْمُدَّعِي؛ هَل تَلِفَتِ الْعَيْن؟ فَيَدَّعِي قِيْمَةً أَمْ لاَ؛ فَيَدَّعِيْهَا فَقَالَ: غَصَبَ مِنِّي كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَإِلا فَقِيمَتُهُ سُمِعَتْ دَعوَاهُ، للحاجة، وعليه عمل القضاة، فعلى هذا يحلَّفُ أنه لا يلزمه ردُّ العين ولا قيمتها, وَقِيْلَ: لاَ، لأنها غير جازمة، بَلْ يَدَّعِيْهَا وَيُحَلِّفُهُ ثُمَّ يَدَّعِي الْقِيْمَةَ وَيَجْرِيَانِ فِيْمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِدَلَّالٍ لِيَبِيْعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ، أَمْ أَتْلَفَهُ! فَقِيْمَتَهُ، أمْ هُوَ بَاقٍ فَيَطْلُبُهُ، أي فعلى الأول يدعي أن عليه ردُّ الثوب أو ثمنه أو قيمته، ويحلف الخصم يمينًا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، فلو نكل ورُدَّتِ اليمينُ على المدّعي! فهل يَحْلِفُ على التردد كما ادَّعى على التردد أم يُشترط التعيين؟ وجهان؛ وعلى الثاني: يدّعى العين في دعوىً، والقيمة في أخرى، والثمن في أخرى.
فَرْعٌ: جميع ما ذكرناه فيما إذا كان الخصم حاضرًا، فإن كان غائبًا والمال في البلدِ كما وصفناه، أُحضر مجلس الحكم أيضًا، وأخذه ممن هو في يده لتشهد الشهود على عينه (•).
وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الإِحْضَارَ فَثَبَتَ لِلْمُدَّعِى اسْتَقَرَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَي عَلَيْهِ، لأنه المحوج إلى ذلك، وَإِلَّا فَهِيَ، يعني مؤنة الإحضار، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَّعِي، لأنه المحوج إليه.
فَصْلٌ: الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ الْبيِّنَةُ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ مَنْ بِمَسَافَةٍ بَعِيِدَةٍ، لأن القريب يسهل إحضاره، وَهِيَ، ويعني المسافة البعيدة، الَّتِي لاَ يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ إِلَى مَوْضِعِهِ (•) فرع في النسخة (1) فقط.

الجزء: 4 - الصفحة: 1819

لَيْلًا، أي فإن كان يرجع فقريبة، وتسمَّى مسافة الْعَدْوَى كما سيأتي، وللقاضي أن يحكم على من غاب إلى الأُولى؛ لأن في إحضاره مفارقة الأهل ليلاً، وَقِيْلَ: مَسَافَةُ قَصْرٍ، أي والقريبة ما دونها، وَمَنْ بِقَرِيْبَةٍ كَحَاضِرٍ فَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَيُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ، أي بل يحضر ليأتي بمطعن إن أمكن بخلاف البعيد فإن انتظاره يطول، إِلَّا لِتَوَارِيْهِ أَوْ تَعَزُّزِهِ، أي فإنها تسمع ويحكم عليه وإلا اتخذ الناس التواري والامتناع ذريعة إلى إبطال الحقوق، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَمَنْعُهُ فِي حَدِّ اللهِ تَعَالَى, لأن حقَّ الله تعالى مَبْنِيٌّ على المسامحة لاستغنائه، وحقُّ الآدمي مبني على التضييق لاحتياطه، والثاني: المنع مطلقًا؛ لأن الحدَّ يسعى في دفعه ولا يوسع بابه، والثالث: الجواز مطلقًا، كما في الأموال فيكتب إلى قاضي بلد المشهود عليه ليأخذه بالعقوبة.
وَلَوْ سَمِعَ بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يَسْتَعِدْهَا بَلْ يُخْبِرُهُ، أي بالحال، وَيُمَكّنُهُ مِنْ جَرْحٍ، أي وإن قدم بعد الحكم فهو على حجته في إقامة البيّنة بالأداء والإبراء وجرح الشهود، لكن يشترط أن يُؤَرِّخَ الجارحُ فِسْقَهُ بيوم الشهادة؛ لأنه إذا أطلق احتمل حدوثه بعد الحكم , وَلَوْ عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ ثُمَّ وُلِّيَ وَجَبَتِ الِاسْتِعَادَةُ، لبطلانها بالعزل.
فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتُعْدِيَ عَلَى حَاضِرٍ بِالْبَلَدِ، أي على طلبه، أَحْضَرَهُ بِدَفْعِ خَتْمِ طِيْنٍ رَطْبٍ؛ أَوْ غَيْرِهِ، ليعرضه على الخصم، وليكن مكتوبًا عليه أجب القاضي، أَوْ بِمُرَتَّبٍ لِذَلِكَ، أي وَهُمُ الأعوانُ سواءٌ عرف أن بينهما معاملة أم لا؟ ! صيانةً للحقوق، ولاحتمال أن له عليه حقًا بجهة إرث أو إتلاف، فَإِنِ امْتَنَعَ بِلاَ عُذْرٍ أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَعَزَّرَهُ، أي بما يراه، فإن امتنع به كمرض ونحوه بعث إليه من يحكم بينه وبين خصمه أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه، أَوْ غَائِبٍ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ، محل، فَلَيْسَ لَهُ إِحْضَارُهُ، لانتفاء ولايته عليه، أَوْ فِيْهَا وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ لَمْ يُحْضِرْهُ بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَةً وَيَكْتُبُ إِلَيْهِ, لأن في إحضاره مشقَّة مع إمكان الحكم في

الجزء: 4 - الصفحة: 1820

ذلك الموضع الذي هو فيه، أَوْ لاَ نَائِبَ، فَالأَصَحُّ: يُحْضِرُهُ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَقَطْ، وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ لَيْلاً، وثانيها: إن كان دون مسافة القصر أحضر وإلا فلا، والثالث: أنه يحضرهُ قَرُبَتِ المسافةُ أَمْ بَعُدَتْ، نَعَمْ؛ له أن يبعث إلى بلد المطلوب من يحكم بينه وبين المستعدي, ونقله الماوردي عن الأكثرين.
وَأَنَّ الْمُخَدَّرَةَ لاَ تُحْضَرُ، صرفًا للمشقة عنها، وسبيل القضاء في حقها كما سلف في المرض، والثاني: تحضر كغيرها، قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: عندي أنه لا معنى للتخدير ولا أصل له في الشرع، وَهِيَ، يعني المخدّرة، مَنْ لاَ يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ، أي متكررة لشراء قطن وخبز وبيع غزل ونحوها؛ فإن كانت لا تخرج إلا نادرًا لعزاءٍ أو زيارة أو حمام فمخدرة.

بَابُ الْقِسْمَةِ

اَلْقِسْمَةُ: وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافَ، وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ... ﴾ الآية 15، وَفِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِالْغَنَائِمِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا.
قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصُوبُهُمْ أَوْ مَنصُوبُ الإِمَامِ, لأن المقصود يحصل بكل ذلك، وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ، يعني منصوب الإمام: ذَكَرٌ حُرٌّ عَدْلٌ, لأنه يلزم كالحاكم، يَعْلَمُ الْمَسَاحَةَ؛ وَالْحِسَابَ, لأنها آلة القسمة، وهل يشترط معرفة التقويم؟ فيه وجهان: لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه، وجزم جماعة بالاستحباب منهم ابن الصباغ، وخرج بمنصوب الإمام منصوب الشركاء؛ فإنه لا يشترط فيه العدالة ولا الحرية؛ لأنه وكيل لهم، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن يكون في توكيل العبد

الجزء: 4 - الصفحة: 1821

في القسمة الخلاف في توكيله في البيع والشراء، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا تَقْوِيْمٌ وَجَبَ قَاسِمَانِ؛ لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين، قال ابن الرفعة: وقضية هذا أن الحاكم لو فَوَّضَ لواحد سماعَ البيِّنة بالتقويم وأن يحكم! أنه لا يكفي؛ وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، وَإلاَّ، أي وإن لم يكن فيها تقويم، فَقَاسِمٌ، وَفِي قَوْلٍ: اثْنَانِ، الخلاف يلتفت إلى أن منصب القاسم كالحاكم وكالشاهد، وَلِلإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيْمِ فَيَعْمَلُ فِيْهِ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ وَيَقْسِمُ، أي بنفسه، وَيَجْعَلُ الإمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ, لأنه من المصالح، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي فيه مال أو لم يُتبرَّعْ (•) له، فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ, لأنه يعمل لهم، وخالف القاضي حيث امتنع عليه أن يعتاض على الحكم؛ لأن القضاء حقٌّ للهِ بخلافها، فَاِنْ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ قَدْرًا لَزِمَهُ، أي سواء تَسَاوَوْا فيه أو تَفَاضَلُواْ, وَإِلَّا، أي وإن سَمَّواْ له أُجرة وأطلقوا، فَالأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْحِصَصِ, لأنها من مَؤُنَاتِ الْمِلْكِ فأشبهت النفقة، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرُّؤُوسِ, لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعًا، وقد يكون الحساب في الجزء القليل أغمض، ومنهم من قطع بالأول وصححه المصنف في أصل الروضة، ويستثنى من إطلاق المصنف قسمة التعديل؛ فإنها توزع بحسب المأخوذ قلة وكثرة لا بحسب الحصص على الأصح؛ لأن العمل في الكثير أكثر.
فَصْلٌ: ثُمَّ مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ؛ وَثَوْبٍ نَفِيْسَيْنِ؛ وَزَوْجَيْ خُفًّ، إِنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ لَمْ يُجِبْهُمُ الْقَاضِي, لأنهُ سَفَهٌ، وَلاَ يَمْنَعُهُمْ إِنْ قَسَمُواْ بِأَنْفُسِهِمْ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ مَنْفَعَتَهُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ، نعم لا يجيبهم في الأصح، وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ؛ وَطَاحُونَةٍ صَغِيْرَيْنِ لاَ يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ فِي الأَصَحِّ، لوجود الضرر للآخر [وَلاَ ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ] 16 والثاني: يجاب، فَإِنْ (•) في النسخة (2): يتفرغ.
في الهامش: يعطي من أجره القسام الثلثين.
قلتُ: هذا كله تصحيفٌ.

الجزء: 4 - الصفحة: 1822

أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ، أي وطاحونين، أُجِيْبَ، لانتفاء الضرر، ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد أجيب أيضًا على الأصح لتيسر التدارك، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لاَ يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لآخَرَ، فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشرِ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ، لأن الطالب ينتفع بها، وضرر صاحب العُشر لا ينشأُ من مجردها بل سببه قلّة نصيبه، والثاني: المنع، للضرر الذي يلحقه، دُونَ عَكْسِهِ, لأنه مُضَيِّعٌ لِمَالِهِ مُتَعَنِّتٌ، والثاني: يجبر الآخر، لتمييز ملكه، وَمَا لاَ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ! قِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ: • أَحَدُهَا: بِالأَجْزَاءِ، أي وتسمّى قسمة المتشابهات، كَمِثْلِيًّ، أي كالحبوب والدراهم والدنانير، وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الأَبْنِيَةِ، وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الأَجْزَاءِ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ، أي سواء كانت الأنصباء متساوية أو متفاوتة لينتفع الطالب بماله على الكمال ويتخلص من سوء المشاركة مع أنه لا ضرر فيها على الشريك كما لو اختلط له درهم بعشرة، فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا، أي في المكيل، أَوْ وَزْنًا، أي في الموزون، أَوْ ذَرْعًا، كالأرض المتساوية، بِعَدَدِ الأَنْصِبَاءِ إِنِ اسْتَوَتْ، أي كما إذا كانت بين ثلاثة أثلاثًا؛ فتجعل ثلاثة أجزاء متساوية؛ ثم يؤخذ ثلاث رقاع متساوية، وَيَكْتُبُ فِي كُلَّ رَقْعَةٍ اسْمَ شَرِيْكٍ، أي من الشركاء، أَوْ جُزْءًا، أي من الأجزاء، مُمَيَّزًا بِحَدًّ أَوْ جِهَةٍ، أي وغيرهما كما قاله في الروضة تبعًا للرافعي، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُسْتَوِيَةٍ، أي وزنًا وشكلًا من طين مجفف أو شمع، وتجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والادراج، فإن كان صبيًا أو أعجميًا كان أَولى، ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا، كذا هو في النسخ بضمير مفرد، وعبارته في الروضة تبعًا للرافعي من لم يحضر الكتابة والادراج، فكان ينبغي أن يقول من لم يحضرهما؛ وما أحسن عبارة الْمُحَرَّرِ: مَنْ لَمْ يُحْسِنْ ذَلِكَ، رُقْعَةٍ، أي يخرجُ رقعة، عَلَى الْجُزْءِ الأَوَّلِ إِنْ كَتَبَ الأَسْمَاءَ، على الرقاع، فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ، أي ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يلي الأول، فمن خرج اسمه من الآخرين أخذهُ؛ ويتعين الثَّالِثُ لِلثَّالِثِ، أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إِنْ كَتَبَ الأَجْزَاءَ، أي وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء؛ أخرجت رقعة باسم زيد ثم أخرى باسم عمرو، ويتعين الثالث للثالث، ويتعين من يبتدئ به من الشركاء أو

الجزء: 4 - الصفحة: 1823

الأجزاء منوط بنظر القسام، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ؛ وَثُلُثٍ؛ وَسُدُسٍ؛ جُزِّئَتِ الأَرْضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ؛ وَقُسِّمَتْ كَمَا سَبَقَ، وَيَحْتَرِزُ عَنْ تَفْرِيْقِ حِصَّةِ وَاحِدٍ، إعْلَمْ: أن هذا الكلام يقتضي أنه يكتب اسم الشريك أو الجزء كما سبق لكن رجح في الروضة تبعًا للرافعي: إنه لا يكتب والحالة هذه الأجزاء على الرقاع بخلاف العتق؛ لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس فيفرق بين ملك من له النصف والثلث، ثم الخلاف في الأولوية لا في الجواز على الأرجح.
• الثَّانِي: بِالتَّعْدِيْلِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيْمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إِنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ، أي وفي أن بعضها يسقى بالنهر وبعضها بالناضح فيكون ثلثها لجودته كثلثيها بالقيمة مثلًا، فيُجعل هذا سهمًا وهذا سهمًا إن كان بينهما نصفين، وإن اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس جعلت ستة أسهم بالقيمة دون المساحة، وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا في الأَظْهَرِ، إلحاقًا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، والثاني: لا، لاختلاف الأغراض والمنافع، وَلَوِ اسْتَوَتْ قِيْمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلِّ لِوَاحِدٍ فَلاَ إِجْبَارَ، أي سواء تجاور الحانوتان والداران أم تباعدا لشدة الاختلاف في الأغراض باختلاف المحال والأبنية، أَوْ عَبِيْدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ أُجْبِرَ، لقلة الأغراض فيها بخلاف الدور، أَوْ نَوْعَيْنِ، أي كعبدين تركي وهندي، وثوبين ابريسم وكتّان، وكذا إن كانا جنسين كعبدٍ وثوب وحنطة وشعير ودابة ونحوها, فَلَا، إجبار لشدة تعلق الأغراض بكل جنس وبكل نوع.
• الثَّالِثُ: بِالرَّدِّ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ، أي وكذا إذا كان في الدار بيت، لاَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُهُ قِسْطَ قِيْمَتِهِ، أي كما إذا كان كل جانب يساوي ألفًا فيرد آخذه خمسمائة، وَلاَ إِجْبَارَ فِيْهِ, لأنه دخله ما لا شركة له فيه، وَهُوَ بَيْعٌ، أي وهذا النوع بيع؛ وهو قسمة الردِّ بيع؛ لأنه يأخذ عما يُؤخذ من ماله عوضًا هو مال وذلك حقيقة البيع، وَكَذَا التَّعْدِيْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن كل جزء مشترك بينهما، وإنما دخلها الإجبار للحاجة كما يبيع الحاكم مال

الجزء: 4 - الصفحة: 1824

المديون جبرًا، والطريق الثاني: طرد القولين في قسمة الأجزاء، وَقِسْمَةُ الأَجْزَاءِ إِفْرَازٌ فِي الأَظْهَرِ, لأنها لو كانت بيعًا لما دخلها الإجبار، ولما جاز الاعتماد على القرعة، ومعنى قولنا إفراز: أنَّ القسمةَ تُبَيِّنَ أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه، والثاني: أنها بيع؛ لأنه ما من جزء من المال إلا وكان مشتركًا بينهما، فإذا اقتسما! فكأنه باع كُلٌّ منهما ما كان له في حصة صاحبه بحصته، ووقع في الرافعي في أوائل باب الربا تصحيحه, وكذا في زكاة المعشرات.
وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ، كما في الابتداء، وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لاَ إِجْبَارَ فِيْهِ اشْتُرِطَ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الأَصَحِّ، كَقَوْلِهِمَا: رَضِيْنَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ، أَوْ بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ، الخلاف كالخلاف فيما إذا حكَّما رجلًا فحكم بينهما هل يكفي الرضا الأول أم لا؟ ثُمَّ اعْلَمْ بَعْدَ ذَلِكَ: أن مُراد المصنِّف بقسمة ما لا إجبار فيه قسمة الرد فقط؛ فإنه يقطع بأنه لا إجبار فيها، وصحح في قسمة الأجزاء والإفراز (•) والتعديل الإجبار، ففيه حينئذ تكرار؛ لأنه قطع قبل ذلك فيها باشتراط الرضى بعد خروج القرعة، والرافعي في الْمُحَرَّرِ فرضَ المسألة في قسمة ما يجبر فيه، فكأن (مَا) في الكتابة من طُغْيَانِ الْقَلَمِ، ثم أنه عبر في الروضة في الأظهر خلاف ما فعل هنا، نَعَمْ: تَبِعَ هُنَا الْمُحَرَّرَ.
وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ غَلَطٌ أَوْ حَيْفٌ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ نُقِصَتْ، كما لو قامت بيّنة على ظلم القاضي وكذب الشهود، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ وَاحِدٌ، أي من الشريكين، فَلَهُ تَحْلِيْفُ شَرَيْكِهِ, لأن له فيه غرضًا ظاهرًا، فإن نكل وحلف المدعى نقضت القسمة، وَلَوِ ادَّعَاهُ، يعني الغلط أو الحيف، فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ، أي بأن نصبا قاسمًا أو اقتسموا بأنفسهم، وَقُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ، فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِلْغَلَطِ، فَلاَ فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى، كما لا أثر للغبن في البيع والشراء، والثاني: أنها تنقض؛ لأنهما تراضيا لاعتقادهما أنها قسمة عدل، قُلْتُ: وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ نُقِضَتْ إِنْ ثَبَتَ, لأن الإفراز (•) في النسخة (1): بدل الإفراز التعديل.

الجزء: 4 - الصفحة: 1825

لا يتحقق مع التفاوت، وَإِلاَّ، أي وإن لم يثبت، فَيَحْلِفُ شَرِيْكُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وهذا كله إذا اعتبرنا الرضى بعد خروج القرعة، فإن لم نَعْتَبِرْهُ! فالحكم كما لو ادَّعى الغلط في قسمة الإجبار، وَلَوِ اسْتَحَقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا، أي كالربع مثلًا، بَطَلَتْ فِيْهِ وَفِي الْبَاقِي خِلاَفُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، أي ففي قول تبطل فيه أيضًا، وفي قولٍ: تصح ويثبت الخيار وهذا هو الأصح، أَوْ مِنَ النَّصِيْبَيْنِ مُعَيَّنٌ سَوَاءٌ بُقَّيَتْ، وَإِلاَ بَطَلَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ, لأن ما تبقى لكل واحد لا يكون قدر حقه بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعود الإشاعة.

الجزء: 4 - الصفحة: 1826

فصول الكتاب · 77 فصل
فصول عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
المقدمةكِتَابُ الطَهَارَةِكِتَابُ الصَّلاَةِكِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكِتَابُ الاِعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكتاب البيعكِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهنِكتاب التفليسكِتَابُ الْصُّلْحِكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكِتَابُ الْوَكَالةِكتاب الإقراركِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكتاب الشفعةكِتَابُ الْقراضِكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكِتَابُ الْلُّقَطَةِكِتَابُ الْلَّقِيطِكتاب الجُعَالةِكتاب الفرائضكتاب الوصاياكِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قَسْم الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِكِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِكِتَابُ الْنِّكَاحِكتاب الصَّدَاقكِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَكِتَابُ الْخُلْعِكتاب الطلاقكتاب الطلاقكتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الإِيْلاءِكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعانكِتابُ الْعَدَدِكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدم والقسامةكِتَابُ البُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ الزِّنَاكِتَابُ حَدَّ الْقَذْفِكِتَابُ قَطْعِ الْسَّرِقَةِكِتَابُ قَاطِعِ الْطَّرِيقِكتاب الأشربةكِتَابُ الصِّيَالِ وضَمَانِ الوُلاَةِكِتَابُ السِّيَّرِكِتَابُ الْجِزْيَةِكِتَابُ الْهُدْنَةِكِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِكِتَابُ الأضْحِيَّةِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الْمُسَابَقَةِ والْمُنَاضَلَةِكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب النذركِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكتاب الدعوى والبيناتكتاب العتقكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أمَّهَاتِ الأوْلاَدِ
جارٍ التحميل