اَلْكِتَابُ: أَصله الجمعُ، وَالطَّهَارَةُ: في اللغة النَّظَافَةُ، وفي الشرع فِعْلُ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاَةُ (77)، وكان ينبغي للمصنف أن يقول بعد ذلك باب المياه والاجتهاد والأوانى، لأن الطهارة عامة وأراد نوعًا منها كما ترجم لغيره من الأنواع.
بَابُ الْمِيَاهِ وَالاِجْتِهَادِ وَالأَوَانِي
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ 2، بدأ بها للتبرك وللمناسبة، وعادة اَلْمُحَرَّر تبعًا للشافعي افتتاح الأبواب بآية أو خبر وحذف ذلك المصنف.
يُشْتَرَطُ لِدَفْعِ الْحَدَثِ، وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ، للإجماع في الحدث كما نقله ابن1
المنذر، وللنص في النجس وهو الأمر بصب ذنوب من ماءٍ على بول الأعرابى في المسجد 1. قلتُ: ويشترط الماء أيضًا في طهارة دائم الحدث والمسنونات، وَهُوَ، أي الماء المطلق، مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءِ بِلاَ قَيْدِ، أي بخلاف ماء الورد ونحوه، فإنه لا يذكر إلّا مقيدًا 2، فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنَى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ غَيْرُ طَهُورِ، قُلْتُ: ويستثنى من المستغنى عنه المتغير باللح المائي، فإنه لا يضر على الأصح، وَلاَ يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لاَ يَمْنَعُ الاِسْمَ، وَلاَ مُتَغَيِّرٌ بِمَكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبِ، أي متصل به
لعسر الاحتراز، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ، لتعذره، وَكَذَا مُتَغَيِّرٌ بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِيهِ فِي الأَظْهَرِ، لأنه لا يزول به إطلاق اسم الماء، والثاني: يضر، لتغيره بمستغنى عنه.
أما التراب الذي هو مع الماء؛ فلا يضر قطعًا 3.
فَرْعٌ: المتغير بالمني ليس بطهور في الأصح.
وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ، خوف البرص، وقيل: تعبدًا، والمختار أنه لا يكره، وقال العجليُّ: الأَوْلى تركه، وإنما يكره بقطر حار في وقت حار في إناء منطع إلّا الذهب والفضة ومنهم من أجراها فيهما، حكاه ابن الصلاح في مشكله عن الجويني فاستفدْهُ، والأصح: أن القصد لا يشترط فيه، وقد يجب استعماله إذا يجد غيره، والظاهر: أن تأخير الوضوء به عن أَوَّل الوقت ليتيقّن غيره آخر أفضل 1، والمشمّس في الحياض السنن والآثار: ج 1 ص 132 الحديث (2): قال البيهقي- أحمد بن الحسين بن علي البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، لاختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة.
ولذلك قال الشافعي: في إسناده مَن لا أعرفه.
وقال في السنن: إلا أن الذي أقام إسناده ثقة وأودَعَه مالك بن أنس (الموطأ) وأخرجه أبو داود (في السنن) السنن الكبرى للبيهقي: ج 1 ص 6: الحديث (2). قلتُ: قال أبو عيسى الترمذي: سألت مُحَمَّد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح.
ينظر أيضًا: سنن الترمذي: الحديث (69) وسنن أبي داود: الحديث (83) وموطأ الإمام مالك: الحديث (12): ج 1 ص 22.
والبرك غير مكروه بالاتفاق، وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ، أي في الحدث، قِيلَ: وَنَفْلِهَا غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ، لتأَدِّي الفرض به، وقيل: العبادة، والقديم: أنه طهور لاقتضاء لفظة طهور التكرار كالقُتول ونحوه، وقوله (قِيْلَ: وَنَفْلِهَا) أي غير طهور لِتَأَدِّي العبادة به، والأصح: المنع؛ لعدم تأدي الفرض به، ويوخذ من قوله (غَيْرُ طَهُورٍ) أنه لا يستعمل في الخبث وهو الأصح، فَإِنْ جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَطَهُورٌ فِي الأَصَحِّ، كالنجسَ وأَوْلى 1، والثَّانِي: لا، لأن وصف الاستعمال لا يزول 2. سننه باب زكاة العسل: ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما؛ قلت: ينظر السنن الكبرى للبيهقي: كتاب الزكاة، باب ما ورد في العسل: الحديث (م [7548]) وهو صدقة بن عبد الله السمين.
ويعضده النص الأول.
وكلاهما ليس بحجة على الأحكام الشرعية ما لم يأخذا حكم الرفع.
أَمَّا النَّصُّ الثَّالِثُ: فنصه عن عائشة - رضي الله عنه -؛ قالت: أسخنت ماءً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشمس ليغتسل به، فقال لي: الحديث.
قال الزيلعى في نصب الراية: فله خمس طرق أربع منها موضوعة والخامس لا يصح: ينظر منه: ج 1 ص 102. قال ابن الملقن في التحفة: وتركت الحديث السائر لضعفه بل لوضعه أي حديث [لاَ تَفْعَلِي يَا حُمْيَراءُ].
ينظر: ج 1 ص 141 النص (9). فالنص الأول صحيح موقوف على عمر - رضي الله عنه - ويحمل على الكراهة التنزيهية؛ وهي غير الكراهة الشرعية.
وهي كراهة من أجل الصحة والطِب، قال الشافعي - رضي الله عنه -: ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب: الأُم: ج 1 ص 3.
وَلاَ تَنْجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلاَقَاتِ نَجِسٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ] صححه الحفاظ 1، فَإنْ غَيَّرَهُ، أي حِسّاً أو تقديرًا، فَنَجِسٌ، بالإجماع، فإن تغير بعضه فظاهر المذهب نجاسة الجميع، والأصح عند المحققين تنجس المتغير فقط، ويصير مع الباقى كنجاسة جامدة فيه، فإن كان دون قلتين فنجس وإلّا فطاهر، فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَاءٍ طَهَرَ، لزوال علة النجاسة 2، وفي الأول فَتَوَضَأَ؛ ثُمَّ نَضَحَ عَلَيَّ مِن وَضُوئِهِ؛ فَأَفَقْتُ! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّمَا لِي أَخَوَاتٌ، فَنَزَلَتْ آيةُ الفَرَائِضِ] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الفرائض: باب ميراث الأخوات: الحديث (6743) ومسلم في الصحيح: كتاب الفرائض: باب ميراث الكلالة: الحديث (7/ 6161).
وجهٌ، والخلاف راجع إلى أن الزائل العائد؛ كالذي لم يزل؛ أو كالذي ما لم يعد، وفيه صور ذكر المصنف بعضها في الكتاب مفرقًا، أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ؛ فَلاَ، لأن الظاهر أنهما ستراهُ، وجزم القفال في فتاويه بعودها فيما إذا زال بالعود ونحوه، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الأَظْهَرِ، لأنهما مكدران فيستتر التغيير، والثاني: يطهر لزوال التغيير، ومحلُّ الخلاف في حال الكدورة دون الصفاء، وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ بالْمُلاَقَاةِ، لمفهوم الحديث السَّالف، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلاَ تَغَيُّرَ بِهِ؛ فَطَهُورٌ، لأن الغلبة دافعة للنجاسة، وقوله (بِالْمَاءِ) يخرج المائعات (•)، فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيْرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلَغْهُمَا؛ لَمْ يَطْهُرْ، لأنه ماء قليل وفيه نجاسة، وَقيلَ: طَاهِرٌ لاَ طَهُورٌ، لأنه نجس وردَ عليه الماء فطهَّرَهُ كالثوب النجس.
وَيُسْتَثْنَى مَيْتَةٌ لاَ دَمَ لَهَا سَائِلٌ فَلاَ تُنَجِّسُ مَائِعًا، أي ماء وغيره إذا يكثر ولم تغيره ولم تطرح (•)، عَلَى الْمَشْهُورِ، للمشقة وعسر الاحتراز 1، والثَّانِى: تنجسه قياسًا على سائر الميتات، وَكَذَا في قَوْلٍ: نَجِسٌ لاَ يُدْرِكُهُ طَرْفٌ، لعسر الاحتراز الفقهي على الواقع، بطريقة فهم الواقع وفهم الواجب في الواقع.
(•) في نسخة (3): مُخْرِجٌ للمائعات.
(•) في نسخة (3): إذا لم تكثر وتغيره ولم تطرح.
أيضًا.
قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَالله أَعْلَمُ 1، ووجه مقابله القياسُ على غيرها من النجاسات، قُلْتُ: ويستثنى أيضًا مسائل أخرى مذكورة في الشرح.
وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ، أي فالقليل منه ينجس بالملاقاة لضعفه، وَفِي الْقَدِيمِ لاَ يَنْجُسُ بِلاَ تَغَيُّرٍ، إعطاء له حكم الكثير.
وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بَغْدَادِيِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتيْنِ مِنْ قُلاَلِ
هَجْرٍ لَمْ يُنْجِسْهُ شَئٌ] 2 وهما بالأرطال ما ذكره المصنف، وقيل: ستمائة؛ وقيل:
ألف، تَقْرِيبًا فِي الأَصَحِّ، أي فلا يضر نقص رطل أو رطلين ويضر نقص ما زاد، والثاني: أنه تحديد كنصاب السرقة.
وَالتَّغيُّرُ الْمُؤَثَّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسِ، طَعْمٌ؛ أَوْ لَوْنٌ؛ أَوْ رِيحٌ، أي ولا يشترط اجتماعها وهو في النجس إجماع، وفي الطاهر أصح الأقوال، والثانى: لا بد من تغيير الثلاثة، والثالث: يضر تغير اللون وكذا الطعم والرائحة معًا، وفي الشرح الصغير: أن اللون والطعم يضر على انفراد بخلاف الرائحة 1.
فَصْلٌ: وَلَوِ اشْتبَهَ مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ اجْتَهَدَ وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَاَرَتَهُ، كما في القبلة، وقيل: لا يجوز في الحضر، حكاه ابن كج والقفال في فتاويه؛ ويشترط بقاؤهما، فلو تلف أحدهما لم يجتهد في الباقى على ما صححه المصنف خلافًا للرافعي، ولو وقع التعارض له في خبر التنجيس، فالأصح الحكم بطهارة الإناءين.
وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ؛ فَلاَ، كوجود الحاكم النص 2، والأصح: نعم، لأنه يجوز له ترك ما يتيقن طهارته والعدول إلى ما يشك فيه 3، وهذا قول عامة حبان في المجروحين: ج 3 ص 8: (كان ممن يخطئ ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، فغلب على حديثه المناكير والأوهام فاستحقَّ الترك).
ولهذا فالحديث غير صحيح.
الأصحاب كما في البيان وغيره، ووقع في تعليق الشيخ أبي حامد: أن قول عامتهم الأول، نعم؛ لو خشي من الطاهر ضررًا كالشمس مثلاً، فيبني على جواز التيمم، أنه إن أبحناه له اجتهد 1، وإلّا فعلى الوجهين؛ قاله صاحب المُعين من متأخرى فقهاء اليمن، وَالأعْمَى كَبَصِيرٍ في الأَظْهَرِ، كما يتحرى في الأوقات، والثاني: لا كالقبلة.
أَوْ مَاءٌ وَبَولٌ لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، لأن البولَ لا أصلَ لطهارته، بَلْ يُخْلَطَانِ، أي أو يريقهما، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، لئلا يتيمم ومعه ماء طاهر بيقين، والثاني: يجتهد، لأن الماء كالبول بعد تنجيسه، أَوْ مَاءُ وَرْدٍ تَوَضَّأَ بِكُلِّ مَرّةً؛ أي ليتيقن استعمال الطهور، ولا يجتهد لأنه لا أصل له في التطهير، ويندفع تردده في النية بأن يأخذ غرفة من كما منهما وَيَستَعْمِلُهُمَا في وجهه دفعة واحدة ناوياً في تلك الحالة.
وَقِيلَ: لَهُ الاِجْتِهَادُ، كالماء الطهور مع المتنجس، وِإذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ أرَاقَ الآخَرَ، أي ندبًا، فَإنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنَّهُ، أى ظن طهارة الثاني، لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ، لئلا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، وقال ابن سريح: يعملُ به كالقبلة، وهذا حكم جديد فلا نقض إذاً، ولهذا لا تعاد الصلاة الأُولى، بَلْ يَتَيَمَّمُ؛ لأنه ممنوع من استعماله، بِلاَ إِعَادَةٍ فِي الأَصَحِّ؛ أي للصلاة الثانية؛ لأنه يتيمم لها وليس معه ماء طاهر بيقين، والثاني: يعيد، لأن معه ماء طاهر بحكم الاجتهاد.
ومحل الخلاف إذا لم سيأتى في قول أبي حامد رحمه الله؛ أما حال الصحابة رضوان الله عليهم؛ كان بعضهم يسمع من بعضٍ مع قدرته على الْمُتَيَقِّنِ؛ وهو سماعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليس هذا بحجة على مثل المسألة، لأن ذلك موضوع آخر ليس فيه علَّة ولا نص، فضلاً عن أصله اليقين؛ لأنَّه لا يعرف الكذب عندهم أو التقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يقول.
يكن بقىَ من الأول بقية، وإلَّا فيعيد على الأصح، ومحل الخلاف في الإعادة للمسافر، أما الحاضر فيعيد قطعاً، نبَّه عليه صاحب المعين.
وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ، كالعبد والمرأة والأعمى، لا كافرٍ وصبيّ ومجنون وفاسقٍ، وَبَيَّنَ السَّبَبَ؛ أي سواء كان عامياً، أَوْ كَانَ فَقِيهاً، مخالفاً أو كان فقيهاً، مُوَافِقاً، أى وإن لم يبين السبب، اِعْتَمَدَهُ؛ لأنَّه غلب على ظنه تنجيسه فيجب عليه الاجتناب عند اليقين والاجتهاد عند عدمه، واحترز بالفقيه عن العامي؛ وبالموافق عن المخالف في المذهب، ولو قال مَنْ هو أهل للتعديل: أخبرني بذلك عدل، فيشبه أن يؤخذ به كما قاله الرافعي في شرح المسند.
فَصْلٌ: وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ، بالإجماع، نعم المتخذ من عظام الميتة وجلودها قبل الدباغ يكره استعماله فقط كما ذكره في الروضة من زوائده، هذا في ما يسع أكثر من قلتين؛ وإلّا فينجس، إِلَّا ذَهَباً وَفِضَّةً فَيَحْرُمُ؛ أي استعماله بالإجماع أيضاً، وسواء الرجل والمرأة والصغير والكبير، فيحرم على الولي سقيُ الصبيِّ بإناء ذهب أو فضة، وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الأصَحِّ، حسماً للباب، والثاني: لا؛ لأن النهي إنما ورد في الاستعمال دون الاتخاذ 1.
وَيَحِلُّ الْمُمَوَّهُ، الذي لا يحصل منه شيء بالعرض على النار، فِي الأَصَحِّ، لاستهلاكه، والثاني: لا؛ للخيلاء، وَالنَّفِيسُ، معطوف على المموه أي يحل النفيس، كَيَاقُوتٍ فِي الأَظْهَرِ؛ لأنه لا يعرفه إلّا الخواص فلا خيلاء، والثاني: يحرم؛ لأنه أعظم في السرف من الذهب والفضة، وَمَا ضُبِّبَ بِذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ ضَبَّة كَبيرَةً لِزِينَةٍ
حَرُمَ، لوجود الكبر في العين والخيلاء، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدَرِ الْحَاجَةِ فَلاَ، لظهور قصد الحاجة ولا يكره أيضاً، أَوْ صَغِيرَةً لِزِينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ جَازَ فِي الأَصَحِّ، للصغر وظهور الحاجة، ومثار الخلاف أن المبيح مجموع الصغر والحاجة أو أحدهما، ولو كانت الضبة بعضها للحاجة 1؛ وبعضها للزينة، حرمت أيضاً، وإن كان مقدار الزينة صغيرًا كما أَفْهَمَ كلام اَلْمُحَرَّر، والضَّبَّةُ: قطعةٌ من الذَّهب والفضة تُسَمَّرُ في الإناء ونحوه، والمراد بالحاجة غرضُ الإصلاح دون التزيين، ويرجع في الصغر والكبر
إلى العرف على الأصح، وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الاِسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ لأنَّ الاستعمال منسوب إلى الإناء كله لأنَّه يقع به، الثَّاني: أنها إن كانت في موضع الاستعمال، فإنَّه يحرم؛ لأنَّه يقع به الاستعمال؛ وإلّا فلا.
قُلْتُ: اَلْمَذْهَبُ تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقاً، وَالله أَعْلَمُ، لأنَّ باب الفضة أوسع بخلافه؛ بدليل اتخاذ الخواتيم.
فَرْعٌ: لو نصب فاهُ لميزابِ الكعبة المفضض مثلاً؛ فهل يحرم؟ أو يفرق بين القرب والبعد؛ كما في نظيره في المبخرةِ! فيه نظرٌ واحتمالٌ.
بَابُ أَسْبَابِ الحَدَثِ
هِيَ أَرْبَعَةٌ، أما النقض بها فلما ستعرفه من الأدلة، وأما عدمه فيما عداها فلأن الأصل: أن لا نقض حتى يثبت ولم يثبت فيه نص، والقياس ممتنع في هذا الباب، لأن علَّة النقض غيرُ معقولةٍ.
والتعبير بالأسباب أحسنُ من التعبير بالنقض، وإن عبَّر به المصنفُ بعدُ، لأنَّ الصَّحيح أن طهارتَهُ انتهت بالحدثِ ولا يُقَالُ بطلت، ونظيره الخلاف الأصولي في أنَّ النسخَ رَفْعٌ أو بيانٌ.
أَحَدُهَا: خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ؛ أي سواء فيه مخرج البول والحيض، أوْ دُبُرِهِ، أي معتاداً كان أو غيره، ورأيت في فتاوى القفال: أن بللَ فرج المرأة إذا وصل إلى موضع يجبُ عليها غَسْلُهُ في الْغُسْلِ، أن وضوءها يُنتقض، قال: وإن خرج إلى محل لا يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء؛ فلا؛ لأنه في حكم الباطن 1، إِلَّا الْمَنيَّ، لوجوب الأكبر به، كما في الحدِّ مع التعزير.
وادعى الماورديُّ: الاتفاق على وجوب
الوضوء بخروج دم الحيض، وليس كما ذكر، فقد حكم ابن الصلاح عن ابن خَيْرَانَ أنه قال في لطيفةٍ: إن الحيض والنفاس لا يوجبان الوضوء ثم رأيته بعد ذلك فيه، وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ؛ أي مخرج بدله، تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ نَقَضَ، لتعينه مخرجاً، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الأَظْهَرِ، لأنا جعلناه كالأصلي، ولا فرق بين المعتاد والنادر، والثاني: لا تنتقض، لأن الضرورة في جعله مخرجاً إنما هي في المعتاد، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، كالفصد والحجامة كما قاله في اَلْمُحَرَّر، والثاني: ينقض فيهما كالمخرج المعتاد والمعدة فوق السرة كما قاله ابن سينا وأهل اللغة، ثم هذا فِي الانسداد العارض دون الأصلي ويخرج بقوله (انْسَدَّ).
الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ، بالإجماع؛ وحد العقل: أنه صِفَةٌ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيْحِ؛ كما قاله الشيخ أبو إسحاق، وعن الشافعي - رضي الله عنه -: أنه آلة التمييز، وادعت الفلاسفة قِدَمَهَ، ثم قيل: إنه جوهر لطيف في البدن يثبث شعاعه فيه بمنزلة السراج في البيت، وقيل: إنه بسيط، وسيأتي الخلاف في محله في الجنايات إن شاء الله تعالى 1،
.................................. = وهؤلاء الناس ضعاف العقول، أو قد أصابهم آثار مرض الكسل العقلي.
أما العقل بالتفكير، وهو الإدراك، بأن يقبل العقل العلم جملة، فيدرك الأشياء والأفكار من غير تركز منتج أو أَنَّهُ يتجه إلى التركيز الفكري الثفافي والعلمي فقط، فالعقل بالتفكير إدراك يحصل حين استعمال الإنسان عقله بالحكم على الأشياء أو تصورها في الذهن في أقل تقدير، وهو بوصفه فاعلية ذهنية هو والإدراك والفكر بمعنى واحد.
فالعقل القدرة على مسك الأفكار بالإدراك وإنتاجها في الذهن.
وفي دلالة قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 31 - 32] يُفهم منه واقع العقل وحَدِّه؛ بأنه واقع محسوس وعلم يفسر هذا الواقع بالحكم عليه.
لهذا؛ فإن العقل هو القدرة على ربط الواقع المحسوس بالمعلومات السابقة.
وتجري عملية الربط هذه بالإدراك؛ أي بتمثل الواقع في الذهن والحكم
عليه بإثبات أو نفي وهذا هو التركيز الفكري الثقافي والعلمي؛ وإلا فهو تصوُّر.
أما العقل بالفكرة، فهو استعمال العقل لما هو نافع، نافع بذاته أو نافع لغيره؛ فإدراك الأفكار على حقيقتها الموضوعية والتعامل معها بصدق، أو إدراك الأفكار على حقيقتها الخبراتية أو الفنية والتعامل معها بهدف وقصد.
فقد تجد المرء عاقلاً في جانب خبراتي أو علمي مادي أو فني، ولكنه في الجانب الفكري لا عقل له؛ لأنه لم يستعمله بطريقته أو لأنه لم يصدق في إدراك الفكرة الموضوعية، قال القرطبي: قيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ (أي في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور / 32]) قال: تلك عقول كادها الله؛ أى لم يصحبها بالتوفيق): الجامع لأحكام القرآن: ج 17 ص 73. قلتُ: والتوفيق تهيأة الأسباب للطباعة كما تقدم.
وقال القرطبي: (وإنما يعطى الكافر الذهن فصار حجة عليه، والذهن يقبل العلم جملة.
والعقل- أي الفطري- يميز العلم ويقدر المقادير لحدود الأمر والنهي) [ج 17 ص 73] أى ينشط طبيعياً حين التعامل مع السمع، وييقى القصد في الصدق في الجد.
فإن لم يصدق ولا يجد، فكأنه لم يسمع ولم يعقل، ولهذا خسر النفع، فلم ينفعه عقله، وصار كمن لا عقل له.
روي أن رجلاً نصرانيًا تاجراً من أهل جَرَشْ كان له ثبات ووقار، قدم المدينة؛ فقال رجل: يا رسول الله! ما أعقل هذا النصراني! فقال: [مِهْ! إِنَّ الكَافِرَ لاَ عَقْلَ =
إِلَّا نَوْمَ مُمَكَّنٍ مَقْعَدَهُ، للأمن من الخروج في هذه الحالة، نعم؛ لو نام على قفاهُ ملصقاً مقعدته بالأرض انتقض، وتخرج هذه باعتبار اَلْمُحَرَّر القعود 1.
الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرأَةِ، عمدًا كان أم سهوًا أو غيرها من حيّ لَهُ! أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ؛ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيْرِ﴾].
وفي حديث ابن عمر: فَزَجَرَهُ النْبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: [مِهْ! فَإِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَعْمَلُ فِي طَاعَةِ اللهِ].
(في المطالب العالية: الرقم (3296): قال ابن حجر: موضوع؛ من كتاب العقل في مسند الحارث.
وقال القرطبي: ذكره الترمذي الحكيم.
أبو عبد الله بإسناده).
قلتُ: وليس الضربين الثاني والثالث، هما المراد في قوله: (زَوَالُ الْعَقْلِ).
وإنما المراد فقد الذهن خاصة العقل والقدرة على الإدراك، أي ذهاب العقل مع غيبوبة إغماء أو جنون.
أما أنَّ وجود حضور الذهن بكمون خاصة العقل للإدراك، يجعل المرء في موضوع الخطاب وموضع التكليف، فلأنه يميز العلم بالسماع ويميز الأشياء به، ويميز ما يسمع ويبصر من جهته.
أما قوله (أنه صفة يميز بها بين الحسن والقبيح) فليس بإطلاق، لأن الثواب والعقاب لا يعرفان بالعقل، وإنما يعرفان بالشريعة والنقل؛ وهذا له مبحثه في أصول الفقه.
أما قول الشافعي - رضي الله عنه -: (إنه آلة التمييز) فصحيح؛ ولكنه ليس حدّاً للعقل ولا تعريفاً له؛ وإنما هو وَصَفُ العَقلِ من حيث وظيفته بأنه أداة التفكير وآلة التمييز بين الأشياء وشرط التكليف في عرف الشريعة.
هذا المبحث للضرورة فاقتضى التنويه إليه.
أو ميت عالماً أو جاهلًا مختاراً أو مكرهًا لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 1 عطف اللمْسَ على المجئ من الغائط، ورتب عليها الأمر بالتيمم عند تعذر الماء، تدل على أنه حدث كالغائط ولا يختص اللمس بالجماع لقوله - صلى الله عليه وسلم - لماعز: [لَعَلَّكَ لَمَسْتَ] 2 والمراد بالبشرة ظاهر الجلد وفي حكمها، وليس بينهما ستر ولا حجاب لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية.
واللمسُ هو الْجَسُّ باليد، والمعنى فيه أنه مظنة لثوران الشهوة، إِلَّا مَحْرَماً فِي الأَظْهَرِ، لأنها ليست مظنة الشهوة فأشبهت الرجل، والثاني: ينقض لعموم الآية، والخلاف مبنى على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أم لا؟ وَالْمَلْمُوسُ كَلاَمِسٍ فِي الأَظْهَرِ، لاستوائهما في اللذة.
والثاني: لا؛ كما في مسِّ ذَكَرِ غيرهِ، وَلاَ تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ؛ أي لا تُشتهى، وَشَعْرٌ؛ وَسِنٌّ، وَظُفْرٌ فِي الأصَحِّ، لأنها لا تقصد بالشهوة غالباً، والثاني: ينتقض، أما في الصغيرة فلظاهر الآية، وأمَّا في الباقي فلأن الشعر له حكم البدن في الحل بالنكاح وغيره.
الرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ الآدَمِي بِبَطْنِ الكَفِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى
فَرْجهِ؛ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلاَ حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأ] رواه ابن حبان 3، والإفضاءُ لا يكوَن إلّا بباطن الكف، كما قاله أهل اللغة، والمراد بباطن الكف الراحة مع بطون الأصابع، والمراد بقُبُلِ المرأة كما قاله الإمام: ملتقى الشفرين على المنفذ، وَكَذَا فِي
الْجَدِيدِ حَلَقَةُ دُبُرِهِ؛ لأنَّه أحد السبيلين فأشبه القبل، والقديم: أنه لا ينقض؛ لأنه لا يلتذ بمسِّه، ولا ينتقض بمس العانة والانثيين والإليتين وما بين القُبل والدبر؛ لأنَّه لا يسمى فرجاً، لاَ فَرْجُ بَهِيمَةٍ؛ لأنه لا حرمة لها ولا تعبد عليها.
وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، لشمول الأسم، وَمَحَلُّ الْجَبِّ؛ لأنَّه أصل الذكر، وَالذِّكَرُ الأَشَلُّ، وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الأَصَحِّ، لوجود الأسم، والثاني: لا ينقض لزوال الحياة في الأولى، وخروجه عن مظنة الشهوة، وفي الصغيرة حديث ضعيف 1 ووجهه في محل الجب أنه مس موضع الذكر لا الذكر 2، ووجهه في الباقى عدم اللذة، وَلاَ يَنْقُضُ رَأْسُ الأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لأنَّه خارج عن سمت الكف.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ الصَّلاَةُ، بالإجماع، وفي معناها سجدة التلاوة والشكر، وكذا خطبة الجمعة، وَالطَّوَافُ؛ لأنه صلاة 3، وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ،
أما المس فلقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ 1، وأما الحملُ فلأنه مسٌّ وزيادة، وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لأنه كالجزء من المصحف، والثاني: لا يَحْرُمُ إلحاقاً بكيسه، وَخَرِيطَةٌ، وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، إلحاقاً بجلده، والثاني: لا، لأنهما ليسا من أجزائه، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الأَصَحِّ؛ لأنَّه قصد للدراسة، والثاني: لا، لأنَّه لا يقصد به الدوام بخلاف المصحف، وَالأَصَحُّ حِلُّ حَملِهِ فِي
أَمْتِعَةٍ، لأنَّ المقصود حمل غيره فلا إخلال بالتعظيم، ومن هنا يؤخذ الجواز فيما إذا حُمِلَ من حَمَلَ مصحفاً، والثاني: يحرم تغليباً لحرمته فإن قصد حمله لم يجز قطعاً قاله الماوردي، وَتَفْسِيرٍ؛ لأنَّه ليس بمصحف، والثاني: يحرم لتضمنه قرآناً كبيراً، وهذا إذا كان التفسير أكثر؛ فإن كان القرآن أكثر حرم قطعاً، وَدَنَانِيرَ، أي الأَحَدِيَّة، لأنَّ القصد من ذلك غير القرآن، والثاني: يحرم لأنَّه حامل للقرآن، والخلاف جار في كتب الفقه التي فيها آيات من القرآن أيضاً ذكره الرافعي في اَلْمُحَرَّر وأهمله المصنف
لاَ قَلْبَ وَرَقِهِ بِعُودٍ؛ لأنَّه نقل للورقة فهو كحملها، والثاني: لا يحرم لما سيأتى؛ فإن قلبه بكمه حرم قطعاً، ورأيت في الاستذكار للدارمى حكاية وجه فيه وهو غريب، وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لاَ يَمْنَعُ؛ أي من مسه وحمله للدراسة للمشقة، والثاني: يمنع كغيره.
قُلْتُ: الأَصَحُّ حِلُّ قَلْبِه، ورقه، بِعُودٍ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقيُّونَ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنَّه = ص 630: الحديث (1686) وفي لفظ [إِنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إِلَّا أَنْكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ]، الحديث (1687) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة؛ وينظر من المستدرك الحديث (3058)؛ ووافقه الذهبي في التلخيص.
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: ج 1 ص 139: صحيح.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج: جماع أبواب دخول مكة: باب إقلال الكلام: الحديث (9373) مرفوعاً والحديث (9384) و (9385).
ليس بحامل ولا ماسِّ، كذا علله في الروضة وفيه نظر ظاهر.
فَائِدَةٌ: في فتاوى الحناطي ومنها نقلْتُ: لا يجوز جعل الذهب والفضة في كاغد كتب عليه بسم الله الرحمن الرحيم فإن فعل ذلك مع العلم بالكراهة أثم.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: قال الشيخ عز الدين: القيام للمصحف بدعة لم تعهد في الصدر الأول، وأما الصنف فقال في التبيان: القيام له مستحب لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار فالمصحف أَولى.
فَصْلٌ: وَمَنْ تَيَقْنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ عَمِلَ بِيَقِينِهِ، لأن اليقين لا يزول بالشَّكِّ، فَلَوْ تَيَقْنَهُمَا وَجَهَلَ السَّابِقَ فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الأُصَحِّ، أي إن عرفه وإلاّ توضأ، ومن لا يعتاد تجديد الطهر لا يأخذ بضده، والثاني: يتوضأ بكل حال، أخذًا بالاحتياط وهو مختار، وصححه النووي في شرحه المهذب والوسيط.
فَصْلٌ: يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلاَءِ يَسَارَهُ، وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ، لأن اليمين لها شرف 1 والصحراء كالبنيان، وروى الترمذى الحكيم في عِلَلِهِ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: مَنْ
بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ ابْتُلِىَ بِالْفَقْرِ 1، وَلاَ يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، تعظيمًا له والقرآنُ أَولى، وكان خَاتَمُهُ - صلى الله عليه وسلم - نقَشَهُ ثَلاَثَةَ أَسْطُرٍ؛ مُحَمَّدٌ سَطْرٌ؛ وَرَسُولُ سَطْرٌ؛ وَالله سَطْرٌ 2، فكان إذا دخل الخلاء وضعه، صححه الترمذي وغيره وترجم عليه ابن حبان في صحيحه بقوله: ذكر الخبر الدال على نفي إجازة دخول المرء الخلاء بشئ فيه ذكر الله 3، وَيَعْتَمِدُ جَالِساً يَسَارَهُ، تكريمًا لليمنى عن ذلك، ولأنه أسهل لخروج الفضلة 4، وَلاَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلاَ يَسْتَدْبِرُهَا،
وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، أي دون البنيان، جمعًا بين أحاديث الباب 1، اللهم إلاّ أن يكون الريح يهب عن يمين القبلة وشمالها فإنهما لا يحرمان لأجل الضرورة 2، وبه صرح القفال فِي فتاويه، وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ، للاتباع، قال البغوي: وينبغي أن تكون السترة فوق سترة المصلي حتى يستر أسافل بدنه، وقال الروياني في الحلية: يشترط
أن تكون قدر ذراع 1، وَلاَ يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَجُحْرٍ، وَمَهَبِّ رِيحٍ، وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ، وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلاَ يَتَكَلِّمُ، وقال ابن كج: لا تجوز قراءة القرآن فيه تعظيمًا له، وَلاَ يَسْتَنْجِى بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ، أي في غير الاخلية المعتادة، ويَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ، وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: [بِسْمِ اللهِ، اللِّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخَبَثِ وَالْخَبَائِثِ] 2، وَعِنْدَ خُرُوجِهِ: [غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الِّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي] 3 لآداب واردة في ذلك، وفي مصنف عبد الرزاق وابن أبى شيبة: أن نوحًا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يقول: الحمد لله الذي أذاقنى لذته وأبقى فيَّ منفعته
وأذهب عني أذاه 1، والسر في الاستغفار؛ أنه لما خلص من النَّجْوِ المثقل للبدن، سأل التخليص.
بما يثقل القلب، وهو الذنب لتكمل الراحة.
ومن مهاب الرياح المراحيض المشتركة، فينبغى البول في إناء وإفراغه فيها ليسلم من النجاسة، قال الترمذي الحكيم في علله: وبلغنا عن ابن عباس أن المرأة إذا تطهرت على رأس خلائها بالماء تبتلى بخروج الريح من قُبُلِهَا، وقوله (بِالْمَاءِ) يخرج الحجر، وقوله (فِي
مَجْلِسِهِ) هو في غير الأخلية لما سلف.
وَيَجِبُ الاِسْتِنْجَاءُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلاَثَةِ أحْجَارٍ] 2، بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، للحديث المذكور وغيره، والماء بطريق الأَوْلى لأنه يزيل العين والأثر 3، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، لقصة أهل قباء في ذلك وقد أخرجها البزار 4، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ
جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، لأن الذي يحصله الحجر يحصله ذلك، وخرج بالجامد المائع وبالطاهر النجس وبالقالع القصب الأملس ونحوه وبغير المحترم كالعظم وغيره من المطعومات، وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأظْهَرِ، لأنه قبله لزج لا ينشف بخلاف ما بعده، إذْ ينقله إلى طبع الثياب، والثانى: يجوز مطقاً، لأنه مزيل غير محترم، والثالث: لا يجوز مطلقاً، لأنه مأكول، وَشَرْطُ الْحَجَرِ أَنْ لاَ يَجِفَّ النَّجَسُ، لأنه إذا جف لا يزيله الحجر، وفي فتاوى القفال: أنه لو غسل ذكرَهُ بالماء ثم قبل أن يجف بال تنجس الكل بالْمُلاَقَاتِ، وإن لم يستنج حتى جف ذكره، وكان بوله بحيث يجوز الاستنجاء ثُمَّ بال مرة أخرى، فإن كان البول الثاني يبلُّ ما كان يبلُّ الأوَّلُ جاز الاستنجاء وإلاّ فلا، قال: وكذا لو تَغَوَّطَ ولم يستنج حتَّى جَفَّ ثُمَّ تَغَوَّطَ مَرَّةَ أُخرى فحكمه على ما ذكرنا، وَلاَ يَنْتَقِلَ، أي النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج، وَلاَ يَطْرَأُ أَجْنَبِيٌّ، أي نجس آخر أجنبي كما لو استنجى بشيء نجس، وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ العَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ، أي إن كان غائطاً، وَحَشَفَتَهُ، أي إن كان بولاً، جَازَ الْحَجَرُ فِي الأَظْهَرِ، أمَّا في النَّادر؛ فبالقياس على المعتاد، وأمَّا في المنتشر فلأنه مما تعم البلوى به، والثانى: لا فيهما، أما في النَّادر فلأنه لا حرج فيه، وأما في المنتشر فلأنه نادر.
رواه البزار في كشف الأستار.
والحديث ضعيف؛ معلول بـ (محمد بن عبد العزيز) قال الدارقطني: ضعيف.
وقال النسائي: متروك.
وقال أبو حاتم: هم ثلاثة أخوة مُحَمَّد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم.
قال ابن حجر في بلوغ المرام: حديث ضعيف.
والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة بدون الأحجار.
سنن أبى داود: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: الحديث (44).
وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة: باب الاستنجاء بالماء: الحديث (357). والجامع الصحيح للترمذي: كتاب التفسير: سورة التوبة: الحديث (3100). قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وله ما يعضده من رواية الحاكم في المستدرك: ج 1 ص 55، وأحمد في المسند: ج 3 ص 422. ينظر: تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني: ج 1 ص 123.
وَيَجِبُ ثَلاَثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، لأن القصد عَدَدُ المسحاتِ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَ وَجَبَ الإِنْقَاءُ، أي برابع وأكثر، وسُنَّ الإِيْتَارُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرَ] متفق على صحته 1، وُكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ، لتتوارد المسحات على المحل، وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أَوَلاَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أَحْجَارٍ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرٌ لِلْمَسْرَبة] 2، ويُسَنُّ الاِسْتِنْجَاءُ بِيَسَارِهِ، تأسيًا بالشارع وتكريماً لليمنى 3، وَلاَ اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ، وَبَعْرٍ بِلاَ لَوْثٍ فِي الأَظْهَرِ، كالريح، والثاني: نعم، لأنه لا يخلو عن رطوبة وإن خَفِيَتْ.
فَائِدَةُ: ذكر أبو عبد الله الترمذي الحكيم في كتاب العلل أداباً حسنةً لقاضي
الحاجة؛ لم أَرَ مِنْ أصحابِنا من تعرض لها فاستفدها، فقال: سُمِّيَ الخلاء لاسم شيطانٍ موكلٍ بذلك الموضع اسمُه خلا وأورد فيه حديثاً مرفوعا من رواية بُريدة قال: [فَإِذَا أَتَيْتَ الْخَلاَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ تَقْصِدُ الشَّيْطَانَ فَاحْذَرْكَيْدَهُ وأقِلْ مِنْ إِتْيَانِهِ بِقِلَّةِ الطَّعَامِ وَكُنْ وُجِلاً مُسْتَحِيًا مِنْ خَالِقِكَ مُسْتَحْقِرًا لِنَفْسِكَ] فقد قال فضيل ابن عياض: إنِّي لأَمْقُتُ 1 نفسي من كثرة ترددي إلى الخلاء؛ وعِظ نفسك حياءً من ربك، وامشِ متواضعًا متفكرًا في نعمة الله عليك حين أطعمكَ وسقاكَ؛ وأَخْرَجَهُ عَنْكَ حِيْنَ آذَاكَ، ولا تعدُ إليه عدْوًا من غير عذر، فقد روي أن من عدا إليه فكأنما استقبل الشيطان، وقِفْ على باب الخلاء وقلْ: اللهم اجعل دخولي عبرة، وأمط الأذى عني رحمة ترحمني بها، فعن أنس: أن الشيطان يتباعد عنك إذ ذاك، ولا تبصق في بولك، ولا على ما يخرج منك من العذرة، فقد روي: أنه يبتلى بالوسوسة وصفرة الأسنان، وعن عطاء أنه قال: مَنْ بصق على ما يخرج منه بلي بالدم هو وأولادُه أو
أحد من عَقبه، ولا يستاك على رأس الخلاء، فعن ابن عباس: أنه يورث النسيان، وعنه أنه من فعل ذلك فذهب بصرُه فلا يلومنّ إلاّ نفسه، ولا يمتخط، فعن أنس: أنه يورث الصمم، ولا تقلب خاتمك مرة بعد أخرى فقد روي: أنه يأوي إليه الشيطان، وتقوم موليًا عما يخرج منك، فقد روي: أن فيه شفاء من تسعة وتسعين داء أدناها البرص والجذام، وتجتهد أن تجعل بينك وبين السماء سترة، فعن الضحاك قال: إن من فعل ذلك أمطرت عليه الرحمة من عنان السماء، فماذا قمت اعتمد على يمينك،
فقد روي عن كعب أنه قال: يؤتى الحكمة.
ولا تنظف فرجك بالأرض، فقد روي عن عقبة بن عامر: أن الأرض تخاصمه يوم القيامة، ولا تقتل قملة بل ادفنها؛ فقد روى محمد بن على بن أبي طالب أنه قال: [مَنْ قَتَلَ القَمْلَ وَهُوَ عَلَى رَأْسِ خَلاَئِهِ بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ شَيْطَانٌ يُنْسِيْهِ ذِكْرَ اللهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحاً]، ولا تلقى ما تستنجي
به على رأس ما يخرج منك من بول أو عذرة، فعن مكحول: أن من فعل ذلك تدودت أسنانه وغلبت الرياح عليه، ولا تقم حتى تشد سراويلك، فعن قتادة: أن من دام على ذلك تدود بطنه وغلب الدم عليه حتى يكون موته منه، ولا تشتغل بشيء من الأعمال ولا تغمض عينيك فإن ذلك أعني التغميض يورث النفاق فِي القلب كما قاله الحسن، ولا تحمل معك الماء إلى الخلاء بيسارك فعن كعب أن ذلك
فعل الشيطان ويفقد ثواب وضوئك، ولا تضع يديك على صدغيك وتجعل رأسك بينهما، فعن أويس القرني: أن ذلك يورث قساوة القلب والبرص، ويذهب الرحمة والحياء، ولا تستند إلى حائط وغيره كفعل الجبابرة والشياطين فإنه يذهب ماء الوجه وينفخ البطن، بل تقعد على قدميك معتمداً عليهما وتأخذ فرجك بين إصبعيك السبابة والوسطى حتى تفرغ، فأما المرأة فإنها تضع طرف أصابع يدها اليسرى على عانتها فهو أقطع لبولها وأنظف لذلك، بلغنا عن قتادة: أنه أمر النساء والرجال به، والرجل يفرج بين رجليه وفخذَيْهِ ليستوي ظهره ويخرج بوله مستوياً، وأما المرأة فإنها تضم أطراف ركبتيها بعضها إلى بعض فيخرج بولها مستوياً لا يصيبها، وأما البندنيجي من أصحابنا فقال: يضمُّ إحدى فخذيه إلى الأخرى، قال الترمذي: ولا تضع يدك اليسرى على اليمنى، فإن ذلك مقعد الشيطان.
ولا تضع رأسك على ركبتيك، فقد قال الحسن بلغني: أن من فعل ذلك كان موته بداء البطن.
بَابُ الوُضُوءِ
الوُضُوءُ: هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ؛ لأَنَّهُ بِفَتْحِهَا الْمَاءُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الوَضَاءَةِ وهي: النَّظَافَةُ؛ وَالنَّضَارَةُ؛ وَالضِّيَاءُ مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ، وَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ؛ لأنَّ قِيَاسَ الْمَصْدَرِ التَّوَضُّوءُ عَلَى وَزْنِ التَّعَلُّمِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُصُوصِيَّتِهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ 1.
فَرْضُهُ سِتَّةٌ، أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أىِ رفع حكمه؛ وإلاّ فالحدث إذا وقع لا يرتفعُ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ، قلتُ: وكذا نية أداء الوضوء فقط، أو الطهارة عن الحدث، أو أداء فرض الوضوء، أو الطهارة للصلاة أو لغيرها مما يتوقف على الوضوء، قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [إِنَّمَا الأعْمَالُ بالنّيَّاتِ] 1 وشرط النية العلم بالمنويِّ به، وقوله (مُفْتَقِرٌ إِلَى طُهْرٍ)؛ لو أبدله بقوله: مفتقر إليه؛ كما فعل في الغسل لكان أحسن، لأن المكث في المسجد وقراءة القرآن يتوقفان على طهرِ وهو الغسلُ، ولا يصح الوضوء بِنِيَّةِ استباحتهما.
وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الاِسْتِبَاحَةِ، قلتُ: وكذا نية أداء الوضوء كما صرَّح به في الحاوي الصغير، وهذا ما نص عليه في البويطي أيضًا، دُونَ الرَّفْعِ، لبقاء الحدث، عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، أى في الصحة بنِيَّة الاستباحة؛ والمنعُ بنيَّةِ الرفع، جاء نصٌّ يفيد معنى فينظر بحسبه.
والذى يُعنى به الفقيه في هذا المقام، ما جاء بسند صحيح عن أبي مالك الأشعري؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالله أكبَرُ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ؛ وَالصَّوْمُ جُنْةٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النْاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أوْ مُوبِقُهَا] رواه مسلم في الصحيح: كتاب الطهارة: الحديث (1/ 223). والبيهقى في السنن الكبرى: كتاب الطهارة: جماع أبواب سُنَّة الوضوء: الحديث (186).
والثاني: يجوز الاقتصار على أيهما شاء، لأن نية رفع الحدث تتضمن الاستباحة.
وَمَنْ نَوَى تَبَرُّداً مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه يحصل، وإن لم ينوِه فأشبه ما لو نوى الفرض وتحية المسجد، والثانى: لا، لأنه اشترك بين الفرض وغيره، ومراده بالنية المعتبرة أن يكون ذاكراً لها سواء كان في أول الوضوء أم في أثنائه، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ فِلاَ الأَصَحَ، لأنه لا يتوقف على نية رفع الحدث، والثاني: نَعَمْ، لتوقف الاستحباب عليه، أمَّا ما لا يُنْدَبُ له الوضوء؛ فلا يصح جزمًا.
وَيَجِبُ قَرْنُهَا بأَوَّلِ الْوَجْهِ، أي بِأوَّل ما يغسل منه لِتَقْتَرِنَ بأَوَّل الفرض كالصلاة، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ، لاقترانها بجزء من الوضوء، والأصح المنع؛ لأنها لم تقترن بفرض، والسنن توابع.
ثم محل الخلاف: ما إذا غربت النّيَّةُ قبل غسل الوجه، أما لو استمرت حتى شرع في غسل الوجه جاز وهو الأفضل، وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الأصَحِّ، كما في تفريق أفعاله، والثاني: لا؛ كالصلاة.
الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، أي انغساله بالإجماع، وَهُوَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ رَأسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، أي إلى آخرهما، وَمَا بَيْنَ أذُنَيْهِ، لأن الوجه ما تقع به المواجهة، والمواجهة تقع بما ذكره، وخرج بقوله غالبًا الأصلع، وقال الإمام: لا يحتاج إلى هذا القيد، لأنه منبت وإن انحسر عنه الشعر لسبب، قلتُ: ويستحب غسل الْمَاقَيْنِ بالسبابتين لحديث فيه 1.
فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، لحصول المواجهة به، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الأصَحِّ، لمحاذاته بياض الوجه، ولذلك يعتاد النساء والأشراف تنحية الشعر عنه، لاَ النَّزْعَتَانِ وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ، لأنهما في تدوير الرأس.
قُلْتُ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأسِ، وَالله أعْلَمُ، لاتصال الشعر به، وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ، وَحَاجِبٍ؛ وَعِذَارٍ؛ وَشَارِبٍ؛ وَخَدٍّ؛ وَعَنْفَقَةٍ؛ شَعْرًا وَبَشَرًا، كَالسِّلْعَةِ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ (•)، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ، كاللِّحية؛ والأصح الوجوب؛ لأن كثافتها نادرة، وَاللِّحْيَةُ، أي من الرجل، إِن خَفتْ كَهُدْبٍ، وَإِلَّا فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، أي ولا يجب غسل باطنها للمشقة، والخفيفة ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب على الأصح، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ، لخروجه عن محل الفرض كالذوآبة من الرأس، والراجح الوجوب لحصول المواجهة به.
= [الأُذُنَانِ مِنَ الرُّأْس].
سنن أبى داود: كتاب الطهارة: باب صفة وضوء الرسول - صلى الله عليه وسلم -: الحديث (134). والجامع الصحيح للترمذي: كتاب الطهارة: باب ما جاء أنَّ الأذنين من الرأس: الحديث (37). وسنن ابن ماجه: كتاب الطهارة ونيتها: باب الأذنان من الرأس: الحديث (444) بلفظ: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: [الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْس]، وَكَانَ يَمْسَحُ رَأسَهُ مَرَّةً، وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ.
قال الترمذى: هذا حديث حسن، وليس إسنادُهُ بذاكَ القائِمُ.
ولكن في نصب الراية: ج 1 ص 18: الحديث الثامن من أحاديث الأمر بالمضمضة والاستنشاق: قال الزيلعي: وقال ابن دقيق العيد في الإمام: وهذا حديث معلول بوجهين: أحدهما: الكلام في شهر بن حوشب.
والثانى: الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة.
وسنان بن ربيعة أخرج له البخاري.
وهر وإن كان قد لُيِّنَ فقال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به.
وقال ابن معين: ليس بالقوي، فالحديث عندنا حسن والله أعلم.
إ. هـ. وخلاصة الخلاف في الحديث أن إسناده صحيح؛ لاتصاله وثقة رواته.
(•) السلعة: المتاع؛ وما يتجر به.
وليس هو المراد هنا.
والسلعة أيضًا تطلق على زيادة تحدث في البدن كالغدة تتحرك إذا حركت.
أو خراج في العنق، وتكون بأحجام مختلفة من حمصة إلى بطيخة.
ينظر مختار الصحاح للرازى، والقاموس المحيط للفيروزآبادي: مادة (س ل ع).
الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ، بالإجماع، مَعَ مِرْفَقَيْهِ؛ لأن (إلى) في الآية 1. بمعنى (مع)
.................................. = قلتُ: الصحيح في دلالة (إلى) في قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الإضافة؛ والسُّنَّة بيَّنتْ ذلك؛ كما جاء في حديث جابر، وكما جاء في حديث عثمان - رضي الله عنه - قال: (هَلُمُّواْ أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَغَسَلَ وَجْهَهُ؛ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ ثُمَّ أمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ) رواه مسلم في الصحيح.
والدَّارُقَطْني في السنن؛ وغيره.
قال ابن حجر: إسناده حسن.
وعلى هذا؛ فإن السُّنَّةَ بَيَّنَتْ المراد الشرعي، فتكون دلالة (إلى) فيه كما أراد الشارع؛ وليس من الضرورة تكلف هذا التفصيل وما ذهب إليه بعض الفقهاء في معنى (إلى) سيما أن السنة بيان لقصد مراد الشارع في الأحكام.
والله أعلم.
أما قولهم (إلى) بمعنى (مع) فهو مما لا سبيل لوضع حرف موضع حرف في التأويل على الصحيح، وإنما يكون كلُّ حرف بمعناه، وتتصرف معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل فيها لا في الحروف؛ لأن الحرف يدل على معنى بغيره لا بنفسه، أي في دلالة سياق النص، ويأخذ الأصولي دلالته في القواعد من تقريرات السياق كما سيأتي إن شاء الله.
أما قولهم في تأويل قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال السدي والثوري وغيرهما: المعنى مع الله.
قال الحسن: من أنصاري في السبيل إلى الله.
وهذا القول على بابها، هو الجيد قاله القرطبي وابن عربي المالكي رحمهما الله.
وقيل معناه: مَن أنصاري فيما يُقَرِّبُ إلى الله.
أما تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.
قال القرطبي: قال ابن فورك عن الحسن: تَأَوَّلَ النَّاسُ في هذه الآية النهي الخلط فاجتنبوه مِن قِبَلِ أنفسهم، فخفف عنهم في آية البقرة -أي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة / 220]- وقالت طائفة من المتأخرين: إنَّ (إلى) بمعنى مع؛ كقَوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ وليس بجيد، وقال الحذاق: (إلى) على بابها وهي تتضمن
الإضافة؛ أي لا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم في الأكل.
إهـ. فالمعنى: اغسلوا أيديكم مضافة إلي المرافق؛ وقد روى الدَّارقطني عن جابر: أَنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا تَوَضَّأَ، أدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ، فيتحقق هذا المعنى.
قال القرطبي: ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا، كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه؛ ويقول سمعت خليلى - صلى الله عليه وسلم - يقول: [يَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ =
كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 1، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ، أي غسل ما بقي لأنه من اليد، أَوْ مِنْ مِرْفَقَيْهِ فَرَأْسُ عَظْمُ الْعَضُدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه من محل الفرض، والثاني: لا يجب؛ لأن غسل المرفق لما فيه من عظم الذراع وقد زال، أَوْ فَوْقَهُ نُدِبَ بَاقِي عَضُدِهِ، أي غسله كما لو كان سليماً لتطويل التحجيل.
الرَّابِعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأسِهِ، أَوْ شَعْرٍ في حَدِّهِ، أي حد الرأس؛ لأن المسح في الآية مجمل؛ وهو ينطلق على القليل والكثير، وكل من الشعر والبشرة يصدق عليه اسم الرأس عرفًا؛ إذ الرأس اسم لما رأس وعلا؛ بخلاف الوجه؛ فإنَّه لو غسل بشرته وترك الشعر لم يجزه؛ لأن الوجه من المواجهة وذلك إنما يقع على ظاهر الشعر، وَالأَصَحُّ جَوَازُ غَسْلِهِ؛ لأنه مسح وزيادة، والثاني: لا؛ لأنه مأمور بالمسح،
والغسل ليس بمسح، وَوَضْع الْيَدِ بِلَا مَدٍّ؛ لأن المقصود وصول الماء، ولا نظر لكيفية الاتصال، والثاني: لا؛ لأنه لا يسمى مسحًا.
الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ، للآية 2. الْمُؤمِنِ حَيْثُ بَلَغَ الْوُضُوءُ] قال القاضي عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وألا يتعدى الوضوء حدوده؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: [فَمَنْ زَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَّمَ].
وقال غيره: كان هذا الفعل مذهبًا له، ومما انفرد به؛ ولم يحكه عن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-.
وإنما اسْتَنْبَطَهُ من قوله عليه الصلاة والسلام: [أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ] ومن قوله: [تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ] كما ذكر.
ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج 2 ص 327 وج 4 ص 97 وج 5 ص 10 وج 6 ص 86 - 87 وج 18 ص 90، وأحكام القرآن لابن عربي: ج 2 ص 567. أما حديث جابر فرواه الدارقطني في السنن: ج 1 ص 83 وإسناده حسن.
اللسان 1، فإن الشيخ تقي الدين، قال في شرح العمدة: إنه ورد منصوصًا في بعض الروايات أن الاستياك فيه طولًا 2، بِكُلِّ خَشِنٍ، لحصول المقصود به، نعم: الأفضل الأراك تأسيًا به صلى الله عَلَيْهِ وَسلَّمَ كما أخرجه ابن حبان في صحيحه 3،
ورأيتُ في كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أنَّه يُحَرِّمُ السواك بما فيه سُمٌّ من العيدان، وأنه يكره بعود الريحان الذي يؤذي، إِلَا أُصْبُعَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تسمى سواكًا، ولا هي في معناه وهذا إذا كانت متصلة، أما إذا انفصلت؛ وقلنا بطهارتها وهو الأصح، فلا يبعد الإجزاءُ بها، وإن كان دفنها على الفور واجبًا، والثاني: يحصل؛ لأحاديث فيه واردة وهو المختار 1. وقد اكتفى به المصنف والأصحاب في غسل الميت كما سيأتي في بابه.
واحترز بإصبعه عن اصبع غيره الخشنة، فإنَّها تجزي قطعًا قاله في الدقائق 2.
فَائِدَةٌ: في كيفية إمساك السواك ووضعه وقدره وموضعه، قال الترمذي الحكيم: تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته، والبنصر والوسطى والسبابة فوقه، واجعل الإبهام أسفل رأس السواك تحته كذلك السُنَّة فيه، كما روي عن عبد الله بن مسعود [وَلَا تَقْبِضِ الْقَبْضَةَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ الْبَوَاسِيْرَ] قال: وَابْلَعْ رِيّقَكَ أَوَّلَ مَا تَسْتَاكُ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُ مِنَ الْجَذَامِ وَالْبَرَصِ وَكُلُّ دَاءِ سِوَى الْمَوْتِ؛ ولا تبلع بعده شيئًا فإنَّه يورث الوسوسة، ولا تمص السواك مصًا فإن ذلك يورث العمى، ولا تضع السواك إذا
وضعته بالأرض عرضًا، ولكن اِنْصِبْهُ نَصْبًا فإنَّه يروي عن سعيد بن جببر أنَّه قال: أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.
إ. هـ. وحديث ابن مسعود في صحيح ابن حبان: عن زر بن حبيش: أن عبد الله بن مسعود؛ كان يجتنى لرسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سواكًا من آراك.
ج 9 ص 120: باب ذكر تمثيل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - طاعات ابن مسعود: الحديث (7029).
مَنْ وَضَعَ سِوَاكَهَ بِالأرْضِ عَرضًا فَجُنَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ، قال: ولا تزيد في طول سواكك على شبر ولو قدر اصبع فما زاد عليه يركب عليه الشيطان، واقتصر على شبر ودونه؛ فإن ذلك السنة.
وفي البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: [كَانَ السِّوَاكُ مِنْ أُذُنِ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مَوْضِعَ
الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ]، 1 ثم قال رفعه ابن إسحاق: وفعله زيد بن خالد الجهني الصحابي أَيضًا كذلك كما أخرجه التِّرْمِذِي وغيره 2. وروى الخطيب في كتاب من روى عن مالك عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: [كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَهِ - صلى الله عليه وسلم - أَسْوِكَتَهُمْ خَلْفَ أَذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُل صَلَاةٍ] 3.
وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ، أي وإن لم يكن الفم متغيرًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمَّتِي
لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ] متفق عليه 4، وصحَّ من غير طريق الحاكم [رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ] رواه الحميدي بإسناد كل رجاله ثِقَاتٌ 5.
وإذا ضممت إلى ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: [صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ] 1
الحديث- كانت صلاة الجماعة بسواك بألف وثمانمائة وتسعين ويتضاعف ذلك بالفضل في القراءة والخشوع وكمال الطهارة وغير ذلك من الأمور المطلوبة في الصلاة مما لا يحصيه إلاّ الله تعالى وإذا ضم إلى ذلك رواية أبي داود [الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْريْنَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةٌ]، 2 وصححها ابن حبان والحاكم؛ زادت المضاعفة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم والحديث المذكور قال على أن السواك أفضل من صلاة
الجماعة؛ لأن الفضل الوارد فيه أكثر من فضلها وفيه وقفةٌ.
فَرْعٌ: لا يبعد استحبابه للطواف وسجدة التلاوة والشكر والجنازة أَيضًا.
وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[السِّواك مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ] علقه البخاري 3، قلتُ: ويتأكد أَيضًا لقراءة القرآن؛ واصفرار الأسنان؛ ولدخول منزله؛ وعند نومه ابن عباس، ومن حديث جابر.
وإسناد كلُّ منهما جيد، قاله المنذري في الترغيب.
ثم أن الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج 1 ص 98؛ قال: رواه البَزَّار (بسند عن عائشة رضي الله عنها) ورجاله موثوقون.
واستيقاظه، واعْلَم: أن السواك سُنَّة مطلقًا، ويتأكد في المواضع المذكورة، وَلاَ يُكْرَه إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَخلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، متفق عليه؛ إلاّ [يَوْمَ القِيَامَةِ] فلمسلم 1. وإطلاق هذا الحديث مخصوص بحديث جابر بن عبد الله أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: [أُعْطَيِتْ أُمَّتِي فِي رَمَضَانَ خَمْساً... وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يَمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ] رواه الحسن بن سفيان في مسنده وقال السمعاني في أماليه حديث حسن 2. والمساء بعد الزوال، قلتُ: ونزول الكراهة بالغروب على الأصح، كما يُفهمه كلامه أيضًا.
فَرْعٌ: يسنُّ السواك باليمين لما رواه أبو داود عن عائشة قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُلِهِ وَنَعْلِهِ] زاد أحد رواته [وَسِوَاكِهِ] 3 وهي فائدة جليلة.
قال الترمذي الحكيم: الاستياك باليسار من فعل الشيطان قال: ولا ينظر في السواك ولا يستاك بطرفي السواك ولا بسواك غيرك وإن غسلته، فعن ابن عمران: [مَنِ اسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ فَقَدَ الحِفْظَ وَلاَ تَضَعِ السِّوَاكَ حَتَّى تَغْسِلَهُ] فعن الحسن: أن الشيطان يَسْتَاكُ بِهِ إِذَا لَمْ تَغْسِلْهُ؛ وَاكْبِسْ رِيقَكَ بَعْدَ السِّوَاكِ بِالتُّرَابِ أَوْ تُطَهِّرَهُ بِالْمَاءِ تَضَعْهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الأَبْرَارِ وَلِئَلاَّ يَلْعَبَ بِهِ الشَّيْطَانُ.
وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلُهُ، فَإِنْ تَرَكَ، أي عمدًا أو سهوًا، فَفِي أَثْنَائِهِ، كما في الأكل 1، وَغَسْلُ كَفْيْهِ، أي إلى كوعيه 2، وهذا الاستحباب ليس لأجل الحدث، بل لتوقع الخبث وإن بَعُدَ قاله الإمام 3، فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا، كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَباءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا، للأمر به في الحديث الصحيح، ولا تزول الكراهة إلاّ بغسلهما ثلاثًا 4، كما نصَّ عليه في البويطي والأصحاب وإنما لم تزل بالأُولَى، وإن كان تيقن طهارة يده بها، لأن الثانية والثالثة مكملة لمعناها، فالتطهير المقصود وإن لم
يتم، فإن تيقن الطهارة فلا كراهة، واحترز بالاناء عن البركة ونحوها، والإناء المراد؛ إناء فيه دون قلتين.
وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، للأتباع 5، وعدم وجوبهما يدل عليه قوله عَلَيْهِ