كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ- أي في قنوت الوتر-: [اللَّهُمَّ اهْدِني فِيْمَنْ هَدَيْتَ... إلى آخره] كما تقدم في قنوت الصبح، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين 1، وهذا الوجه قوي مختار، وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، في لفظه ومحله والجهر به واقتضاء السجود بتركه ورفع اليد وغيره، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ... إِلَى آخِرِهِ، أي وَنَسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدَّ بِالْكُفّارِ مُلْحَقٌ، هذا ما ذكره في الْمُحَرَّرِ ورواه البيهقي بنحوه 2 وزاد في أصل الروضة، والرافعي أن أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ أَمَّهُمْ يعني في رمضان وكان يقنت في النصف الأخير من رمضان، وفي الباب عن علي وابن عمر وأبى حليمة معاذ القارئ - رضي الله عنهم - جميعاً.
نقله عن أصحاب القاضي أبي الطيب وغيره: اللَّهُمَّ رَبِّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيِلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ وَالْحِكْمَةَ وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُواْ بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَّهُمْ عَلَيْهِ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلَهَ الْحَقِّ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ، قال في الروضة: ينبغي أن نقول: اَللَّهُمَّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ للحاجة إلى التعميم في أزماننا، وأشار بذلك إلى إدخال التتار فإنهم كانوا قد استولوا في زمانه على كثير من أقاليم المسلمين وكانوا إذ ذاك كفاراً لا كتاب لهم، وقال ابن القاضي: يزيدُ في القنوت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾... إلى آخر السورة 1، واستحسنه الروياني واستغربه المصنف في شرح المهذب وضعفه بأن المشهور كراهة القراءة في غير القيام.
قُلْتُ: الأَصَحُّ بَعْدَهُ، لثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان تقديمه أولى، وما ذكره المصنف من استحباب الجمع بين القنوتين شرطه أن يكون منفرداً أو أمام قوم محصورين وإلا فيقتصر على قنوت الحسن، قاله الأصحاب.
فَائِدَةٌ: في ابن ماجة عن أبي الحسن الطنافسي: قُلْتُ لوكيع: اَقْنُتُ في الوتر بحديث ابن عباس: [رَبِّ أَعِنِّي وَلاَ تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلاَ تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، ربِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّاراً، لَكَ ذَكَّاراً، لَكَ رَهَّاباً، لَكَ مِطْوَاعاً، لَكَ مُخْبِتاً، إِلَيْكَ أَوَّاهاً مُنِيْباً، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ
قَلْبِي وَاسْلُلْ سَحِيْمَةَ صَدْرِي] قال: نَعَمْ، هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة واللفظ للترمذي وقال: حسن صحيح 1. وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ، لنقل الخلف ذلك عن السلف، وأشار بقوله (عَقِبَ) إلى أنه لو كان له تهجد، أنه لا يوتر معهم وبه صرح في شرح المهذب، وأما وتر غير رمضان فلا يُستحب فيه الجماعة على الأصح كغيره من السنن، واقتضى كلام المصنف أنه إذا صلى التراويح فرادى لا يستحب له الجماعة في الوتر، وليس كذلك بل استحبابها فيه دائر مع استحبابها في التراويح كما ذكره في الروضة تبعاً للرافعي لا مع فعلها فيها، وَمِنْهُ، أى ومن القسم الذي لا يُسَنُّ جماعة، الضُّحَى وَأَقَلْهَا رَكْعَتَانِ، لحديث أبي هريرة: [أوْصَانِي خَلِيْلِي بِثَلاَثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوْتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ] متفق عليه 2، وفي كتاب العقيلي بإسناد ضعيف عن ابن مسعود [مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ [مِنْ] رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِيْهَا، بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾] 3 وروى الحاكم؛ أبو عبد الله في مصنفه في الضحى حديثاً أنه
[يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مِنْهُمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ وَالضُّحَى] وفيه مناسبة وإن كان الحديث ضعيفاً 1.
وَأَكْثَرُهَا ثْنَتَا عَشْرَةَ، ركعة لحديث [مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْراً فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَهَبٍ] رواه الترمذي واستغربه، وأما ابن السكن فصححه 2، أبواب الصلاة: باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب: الحديث (431) وقال: وفي الباب عن ابن عُمَرَ- قلت: وقد رواه في الحديث (417) وإسناده حسن- وقال: حديث ابن مسعود حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن معدان عن عاصم.
قلت: عبد الملك بن الوليد بن معدان: نسب هنا إلى جده، ضعفه أبو حاتم، وقال البخاري: (فيه نظر)، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن عَدي: روى أحاديث لا يتابع عليها؛ له ترجمه في تهذيب التهذيب: الرقم (4350).
ونقل في شرح المهذب عن الأكثرين أن أكثرها ثمان وما جزم به هنا هو قول الروياني 1.
وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ، أي للداخل فيه القاصد للجلوس لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا
دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ] متفق عليه 2، ويستثنى من ذلك الخطب عند صعوده المنبر على الأصح، ويُكره إذا دخل والإمام في مكتوبة أو والصلاة تقام أو قربت إقامتها، وكذا إذا دخل المسجد الحرام أو خاف فوات سُنَّة راتبة كما في نظرهِ من الطواف، ولو صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز، وكانت كلها تحية، نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، والظاهر أنه لو أحرم بهما قائماً ثم أراد القعود لإتمامهما جاز، وإن الداخل زحفًا يؤمر ذَهَبٍ] كما هو في كتب ابن الملقن.
قال الترمذي: حديث أنس حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والغريب نوع من أنواع الضعيف.
• عن أُمِّ حَبِيْبَةَ رضى الله عنها؛ قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: [مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَي عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ فَرِيْضَةٍ، إِلاَّ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ أو إلاَّ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ] رواه مسلم في الصحيح؛ كتاب صلاة المسافرين: باب فضل السنن: الحديث (101 و 102 و 103/ 728).
بالتحية 1، وأنه لو دخل وسمع آية سجدة أو انتهى إليها وسجدها فاتت التحية.
فَائِدَةٌ: التحيات أربع: تحية المسجد بالصلاة، والبيت بالطواف، والحرم بالإحرام، ومنى بالرمي، قُلْتُ: وتحيَّةُ اللقاء بالسلام.
وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، أي وإن لم ينوها معه لأن المقصود بالتحية أن لا تُنْتَهَكَ حرمة المسجد بالجلوس بغير صلاة وقد حصل ذلك، لاَ بِرَكْعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، للحديث السالف، والثاني: تحصل بها لحصول الإكرام.
قُلْتُ: وَكَذَا الْجَنَازَةُ، وَسَجْدَةُ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ، أي لا تحصل التحية بها على الصحيح لما ذكرناه في الركعة، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّوِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الأَصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ، لتجدد السبب، والثاني: لا؛ للمشقة، فإن طال الفصل تكرر الأمر بهما قطعًا لزوال المشقة، وهذا بخلاف نظير إحرام الْحَطَّابِيْنَ وغيرهم كما سيأتى، وما سبق في سجدة التلاوة، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ، لأنهما تابعان له، نعم؛ الاختيار تقديم المقدمة، وَلَوْ فَاتَ النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَظْهَرِ، للاتباع في قضاء سُنَّةِ الظهر
والفجر فيقضى أبدًا 2، وقيل: مؤقتاً، والثاني: لا يقضى كغير المؤقت، والثالث:
يقضى ما استقل كالعيد والضحى، دون الرواتب، واحترز بالمؤقتة عما يفعل لسبب عارض كالكسوف وتحية المسجد فلا مدخل للقضاء فيه، ووقع في الروضة تبعًا للرافعي: عَدُّ الاستسقاء من ذلك وليس يجيد، لأنها لا تفوت بالسقيا، كما ستعرفه في بابه.
وَقِسْمٌ يُسَنُّ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ؛ وَالْكُسُوفِ؛ وَالاِسْتِسْقَاءِ، لما ستعلمه في أبوابها، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لاَ يُسَنُّ جَمَاعَةً، لتأكدها بمشروعية الجماعة فيها، لَكِنِ الأَصَحُّ تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها دون التراويح، كما قاله الرافعي، والثاني: أن التراويح أفضل منها إذا قلنا الجماعة تُسَنُّ فيها، كما سيأتي لشبهها بالعيد حينئذ، أما إذا قلنا الانفراد أفضل، فالراتبة أفضل منها قطعًا، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ، بإجماع الصحابة كما نقله صاحب الشامل، وإنما صلاّها - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك فرادى لخشية الافتراض، أى لخشية تَوَهُّمِهِ، وقد زال ذلك المعني، ونقله البيهقي في كتاب فضائل الأوقات عن أكثر الصحابة أيضًا، قال: وفي حديث أبى ذر
مرفوعًا: [إِنَّ الإِنْسَانَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَتْ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ] 1 وكان عليٌّ - رضي الله عنه - يجعل للرجال إمامًا، وللنساء إمامًا، وجعل عرفجة الثقفي إمام النساء 2، لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّيْهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ] رواه الترمذي في الجامع: أبواب الصلاة: الحديث (423) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روى عن ابن عمر أنه فعله، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم.
وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث عن هَمَّام بهذا الإسناد نحو هذا إلا عَمْرو بن عاصم الكِلاَبِيَّ.
إهـ. قُلْتُ: هو ثقة حافظ، فانفراده بالرواية لا يضر.
له ترجمة في تهذيب التهذيب: الرقم (5223) وليس عليه مَطْعَنٌ.
ورواه الحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: الحديث (1015/ 342) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وواففه الذهبي.
والثاني: أن الانفراد فيها أفضل كسائر النوافل، والثالث: إن كان حافظاً للقرآن، آمناً من الكسل، ولم تختلْ الجماعة بتخلفه، فالانفراد أفضل وإلا فالجماعة، وعَبَّرَ في البحر عن الشرط الثاني بقوله: وأن يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام، ونقل ابن عبد البر عن الشافعي: أن الانفراد في البيت أفضل، وعن المزني وغيره: أن الجماعة فيها في المسجد أفضل، ونقل الترمذي عن الشافعي أخباراً: أن يصلي وحده إذا كان قارئاً، وتبعه البغوي، وهذه المسألة أصل الأُولى، كما عرفته فلو قدمها كان أحسن،
واعلم: أن المصنف رحمه الله لم يتعرض لأصل استحباب التراويح، ولا لكيفيتها، ولا لوقتها وكل ذلك موضح في الأصل، فراجعه.
ومما لم أذكره فيه ما حكاه الروياني عن القديم: أنه لا حصر للتراويح، وهو غريب، وقال في الحلية: أقلها عشرون ركعة، وقال أبو الحسن الجوزي: عدد الركعات في شهر رمضان لا حد له عند الشافعي، وقال البيهقي في كتابه فضائل الأوقات: ذكر ما روى في عدد ركعات القيام في شهر رمضان: في عهد عمر - رضي الله عنه - وبعده، ثم روى من طريق مالك عن
السَّائِبِ بْنِ يَزِيْدٍ: [أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أُبَيّاً وَتَمِيْماً الدَّارِيَّ بِأَنْ يَقُوْمَا بِإحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِيْنَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُوْلِ الْقِيَامِ وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ فِي بُزُوْغ الْفَجْرِ] قال البيهقي: كذا في هذه الرواية 1، وهي موافقة لرواية عائشة رضي الله عنها في عدد قيامه في شهر رمضان وفي غيره [وَكَأَنَّ عُمَرَ أمَرَ بِهَذَا الْعَدَدِ زَمَاناً ثُمَّ كَانُواْ يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِهِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَكَانُواْ يَقْرَءُونَ بِالْمِئِيْنِ، وَكَانُواْ يَتَوَكَّوُنَ عَلَى عِصِيِّهِمْ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ مِنْ شِدَّةِ الْقِيَامِ] رواه السائب
ابن يزيد أيضاً 2، ورواه يزيد بن رَوْمَانَ عن عمر مرسلاً، وروينا عن شُتَيْرِ بنِ شَكَل وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - أَنَّهُ [كَانَ يَؤُمُّهُمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَيُصَلِّيَ وَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إِمَامًا، وَللنِّسَاءِ إِمَامًا، قال عرفجة: فَكُنْتُ أَنَا إِمَامَ النِّسَاءِ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الصلاة: باب قيام شهر رمضان: الأثر (4710).
خَمْسَ تَرْوِيْحَاتِ عِشْرِيْنَ رَكْعَةً] 1، وروينا عن أبي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: [دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ - رضي الله عنه - بِثَلاَثِ قُرَّاءٍ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ ثَلاَثِيْنَ آيَةً، وَأَمَرَ أَوْسَطَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَأَمَرَ أَبْطَأَهُمْ أَنْ يَقْرَأَ عِشْرِيْنَ آيةً] 2، وروى مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج أَنَّهُ [كَانَ الْقَارِئُ يَقُومُ بِسُوْرَةِ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي اثْنَتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ] 3.
وَلاَ حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ، أى لا لأعداده، ولا لعدد ركعات الواحدة منه فالصلاة خير موضوع، فمن شاء استقل ومن شاء استكثر، فإن نوى ركعة أو أكثر جاز، وإن لم ينوِ شيئًا صح، وصلى ما شاء على الأصح، فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، كما في الفرائض الرباعية، وكذا في كل ثلاث وكل أربع، قاله في التحقيق، ولوكان العدد وتراً فلا بد من التشهد أخراً، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لأن له أن يصلي ركعه ويتحلل منها، وإذا جاز له ذلك جاز له القيام إلى أخرى.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ مَنعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنا لا نجد في الفرائض صلاة على هذه الصورة.
فَرْعٌ: إذا صلى بتشهد واحد قرأ السورة في الركعات كلها، وإن صلى بتشهدين ففى القراءة فيما بعد التشهد الأول القولان في الفرائض.
وِإذَا نَوَى عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تَغَيِرَ النَّيِّةِ قَبْلَهُمَا، أي قبل الزيادة والنقصان لأنه لا حصر للنفل المطلق كما سلف، وكذا لو نوى ركعة فله أن يزيد بهذا الشرط ولا يدخل في كلامه، لأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ مِنَ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا هُوَ مَبْدَؤُهُ، وَإِلاَّ، أي وإن لم يغير النية قبلهما، فَتَبْطُلُ، لأن الذي أحدثه لم تشمله نيته، فَلَوْ
نَوَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إِلَى ثَالِثَةِ سَهْوًا فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إِنْ شَاءَ، أي إن يشأ الزيادة لأن القيام إليها لم يكن معتدًا به فأشبه القاصر إذا قام سهوًا، ثم نوى الإتمام فإنه يلزمه القعود على الصحيح، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته، والثاني: لا يحتاج إلى القعود؛ لأن القيام في النافلة ليس بشرط.
قُلْتُ: نَفْلُ اللَّيْلِ، أي المطلق، أَفْضَلُ، من نفل النهار المطلق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أفْضَلُ
الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ صَلاَةُ اللَّيْلِ] رواه مسلم 1 وفيه أيضًا [أَنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهُ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ] 2 ولأن الليل محل الغفلة، وَأَوْسَطُهُ أفْضَلُ، إذا قسمه أثلاثًا؛ لأن الغفلة فيه أكثر وأفضل منه السدس الرابع والخامس، ثبت في الصحيحين في حق داود 3 ولأن النوم فيه على التهجد أكثر مما سبق فيكون أنشط له، ثُمَّ آخِرُهُ، أى أفضل من الثلث الأول ومن النصف الأول أيضًا؛ لأن الله تعالى حَثَّ على الاستغفار بالأسحار
فهو محل الرحمة والمغفرة ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ 1 وسببه أن أهل المعاصي تنتهى معصيتهم غالباً قبل السحر، وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، أي ليلاً كان أو نهارًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَّى مَثْنَّى] صححه البخاري وابن حبان وغيرهما 2. وَيُسَنُّ التَّهَجُّدُ، بالإجماع واستنبط أبو الوليد النيسابوري من قوله تعالى: {وَمِنْ
اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} 1 أن المتهجدَ يشفعُ في أهل بيته، والْهُجُودُ لُغَةً: النَّوْمُ؛ واصطلاحاً: صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، وقال الماوردى: هو من الأضداد؛ يقال: تَهَجَّدَ؛ إِذَا سَهِرَ؛ وَتَهَجَّدَ؛ إِذَا نَامَ.
وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِماً؛ لأنَّه مضر للعين ولسائر البدن كما قال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله ابن عمر: [وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقَّاً] الحديث في الصحيحين 2 وهو ظاهر ممن يجد به مشقة يخشى بسببها محذوراً وإلا فهو مستحب لاسيما التلذذ بمناجاة ربه، ومن يشق عليه ولا يخاف به محذوراً لم يكره له ورفقه بنفسه أولى 3، واحترز بقوله (دَائِماً) عن إحياء بعض الليالي كالعشر الأخير وليلتي العيد، وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ
الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ، للنهي عنه كما أخرجه مسلم 1، وَتَرْكُ تَهَجُّدِ اِعْتَادَهُ، وَالله أَعْلَمُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبدالله بن عمرو رضي الله عنهما [لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْل ثُمَّ تَرَكَهُ] متفق عليه 2.