عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجصفحات 160-199

كِتَابُ الصَّلاَةِ

صفحات 160-199

الصَّلَاةُ أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ 1. الْمَكْتوبَاتُ خَمْسٌ، بالإجماع ولم يصرح المصنف بأعدادها إلاّ أنَّه يؤخذ من مسائل ذكرها متفرقة 2.

الظُّهْرُ، أي صلاة الظهر، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ، بزيادة الظل بعد استوائها؛ أو وجد وقته إن لم يكن عند الاستواء ظل، وذلك يتصور في بعض البلاد كمكة وصنعاء اليمن في أطول أيام السنة بالإجماع، وَآخِرُهُ مَصِيرُ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، لحديث جبريل المشهور 1، سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، أي الموجود عنده، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ] رواه ابن أبي شيبة وإسناده في مسلم 2، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَّ تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ، أي بعد ظل الاستواء لحديث جبريل المشهور، ويسمى مختارًا لما فيه من الرجحان، وقال صاحب الاقليد: لاختيار جبريل إيَّاهُ.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ قال: صلاة المغرب ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ قال: صلاة العصر ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر، ثم قرأ ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور / 58]. رواه ابن جرير الطبري في التفسير: النصوص (21261).

وَالْمَغْرِبُ بِالْغُرُوبِ، بالإجماع، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، لقوله عليه الصلاة والسلام: [وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ].
رواه ابن خزيمة في صحيحه وقال: تَفَرَّدَ بها محمد بن يزيد إن كانت حُفِظَتْ عنه 1، واحترز المصنف بالأحمر عن الأصفر والأبيض، وَفِي الجَدِيدِ يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، أي وكذا تيمم أو غسل أو طهارة خَبَثٍ، وَسَتَرَ عَوْرَةٍ، وكذا تعمم وتقمص وارتداء، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسَ رَكْعَاتٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلاّها في اليومين في حديث جبريل في وقت واحد بخلاف غيرها.
ولو عبر بالطهارة بدل الوضوء لكان أعم لما ذكرته، وجواز جمع المغرب والعشاء تقديمًا إنما ساغ؛ لأن الوقت المذكور يسع ذلك؛ خُصُوصًا إذا كانت الشرائط عند الوقت مجتمعة فيه.
فإن فرض ضيقه عنهما لأجل اشتغاله بالأسباب؛ امتنع الجمعُ لفوات شرطه وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ، أي على هذا القول، وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يَقْرَأُ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما، رواه الحاكم وصححه 2، والثاني: لا يجوز مدها كغيرها، لكن الصحيح جواز مد الصلاة ولو خرج الوقت من غير كراهة، قُلْتُ: القَدِيمُ أَظْهَرُ.
وَالله أَعْلَمُ، للأحاديث الصحيحة، فيه وعلق الشافعي - رضي الله عنه - في الإملاء وهو من الجديد القول به على ثبوت الحديث، وقد ثبت فيه أحاديث ولله الحمد 3.

وَالْعِشَاءُ بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، بالإجماع والمراد به الأحمر لرواية ابن خزيمة السالفة، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، الصادق قياسًا على العصر، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صلاّها في اليوم الثانى كذلك، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ الْوُضُوءِ وَلأخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ] رواه الحاكم وصححه 1. وكلام المصنف في شرح المهذب يقتضي أن الأكثرين على هذا القول، وبه صرَّح سليم في الفروع، ولهذا قال في شرح مسلم: أنه الأصح 2، وقال البيهقى في خلافياته: إنه الصحيح في المذهب.
وَالصُّبْحُ بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، بالإجماع، وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضَاً بِالأُفُقِ، أي لا الفجر الأول الكاذب الذى يطلع مستطيلًا كذنب السرحان وهو الذئب ثم يسودّ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ = الْمُفَصَّلِ، وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ بِطُوْلى الطُّوْلَيَيْنِ] قال ابن مليكة: طُولَى الطُّوْلَيَيْنِ الأعرافُ والمائدةُ.
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب القراءة في المغرب: الحديث (764).

تَطْلُع الشَّمْسُ، رواه مسلم 1، وَالاخْتِيَارُ أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنِ الإِسْفَارِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلاها في اليوم الثانى كذلك.
فَرْعٌ: إِذَا وَقَعَ يَوْمٌ كَسَنَةٍ وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ فليقدر له قدره، كما أمر به الشارع عند خروج الدجال رواه مسلم 2. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ المَغْرِبِ عِشَاءً، وَالعِشَاءُ عَتَمَةً، لثبوت النهي عن ذلك في حديث مسلم 3، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يكرهه متفق

عليه 1، والمعنى فيه مخافة استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح: إن هذه الكراهة تعم سائر الصلوات، ولا تبعد الكراهة أيضًا قبل دخول الوقت للمعنى المذكور، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ كان يكرهه أيضًا، متفق عليه 2، والمعنى فيه مع ما سلف أن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا وهذا يخرجه عن ذلك، إِلاّ فِي خَيْرٍ، وَالله أَعْلَمُ، أى كمذاكرة العلم ونحوه؛ لأنه مصلحة ناجزة 3، واستثنى في الروضة مع ذلك ما إذا كان معذورًا وهو ظاهر.
فَصْلٌ: وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلاَةِ لأَوَّلِ الوَقْتِ، أي إذا تيقنه؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سئل: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: [الصَّلاَةُ لأَوَّلِ وَقْتِهَا] صححه ابن خزيمة والحاكم، وهو في لفظ الصحيحين لفظ [الصَّلاَةُ لِوَقَتِهَا] 4، وفي صحيح ابن

حبان من حديث أبى مسعود [أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ صَلّى الصُّبْحَ مَرَّةً بِغَلَسٍ ثُمَّ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ كَانَتْ صَلاَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالغَلَسِ حَتَّى مَاتَ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَعُدْ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ] وهذا الحديث رواه أبو داود أيضاً وقال الخطابي: صحيح الإسناد 1. وَأعْلَمْ: أنه إنما يجوز التأخير عن أول الوقت بشرط العزم على الفعل في أثنائه على الأصح، ويستثنى من استحباب تعجيل الصلاة لأول الوقت الإبراد بالظهر كما سيأتي، والمقيمُ بِمِنَى للرمي، فإنه يستحب له تأخير الظهر عنه، وكذا المسافر إذا كان سائراً وقت الأُولى، فإن التأخير أفضل كما ذكره في بابه، ومن يدافعه الحدث، أو حضره طعام يتوق إليه وغيره مما يأتي في الجماعة، وغير ذلك مما ذكرته في الأصل، والْمُحْرِمُ إذا خاف فوت الحج يؤخرها عن الوقت كما سيأتي في صلاة الخوف.
وَفِي قَوْلٍ تَأْخِيرُ العِشَاَءِ أَفْضَلُ، أي ما لم يجاوز وقت الاختيار للحديث السالف.
وَيُسَنُّ الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [أَبْرِدُوا بِالظُّهرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فِيحِ جَهَنَّمَ] رواه البخاري 2. وخرج بالظهر الجمعة فإنه لا يبرد بها في الأصح.
والأذان أيضاً وحديث أنس في البخاري شاهد للإبراد بالجمعة وقد صححه العجلي 3، وَالأصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍ، لأن الأمر هين في غيرها.
والثاني: لا

يختص؛ لأن التأذي بإشراق الشمس حاصل في البلاد المعتدلة أيضًا، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ، أي ويمشون إليه في الشمس؛ لأن من صلى منفردًا أو بيته قريب من المسجد ليس فيه كثير مشقة، والثاني: لا يختص بذلك لظاهر الحديث 1، والمنفرد إذا قصد الصلاة في المسجد يبرد كما أشعر به كلام الرافعي؛ والخلاف فيمن قربت منازلهم.
وفي جمع لا يأتيهم غيرهم قولان! لا وجهان! كما اقتضاه لفظ المصنف، والمراد بالمسجد موضع الإجتماع للصلاة.
وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلاَتَهِ فِي الوَقْتِ، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةٌ فَالجَمِيعُ أَدَاءٌ وَإِلاَّ فَقَضَاءٌ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ] 2، والثاني: الجميع قضاءٌ اعتبارًا بآخر الصلاة؛ والثالث: وقع ما في الوقت أداء وما بعده قضاء، قال الشيخ أبو حامد: وهو قول عامة أصحابنا؛ والرابع: إن أخَّرَ بعذر، وأدرك ركعة فأداءٌ وإلاّ فلا، حكاه الماوردي.
وَمَنْ جَهِلَ الوَقْتَ اجْتَهَدَ، أي وجوباً، بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، أى كعمل صنعة 3، [كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ] يعني الجمعة.
إنتهى.
وحكاه معلقًا مبينًا سبب الورود، فقال بسنده عن خالد بن دينار قال: صَلَّى بِنَا أَمِيْرُ الْجُمُعَةِ، ثم قال لأنس - رضي الله عنه -: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلَّي الظُّهْرَ؟.

فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلاَتَهُ قَبْلَ الوَقْتِ، أي بعد أن اجتهد وصلى، قَضَى فِي الأَظْهَرِ، لفوات شرطها وهو الوقت، والثاني: لا قضاء اعتباراً بما ظنه، أما إذا كان الوقت باقياً فتجب الإعادة قطعاً، وَإِلاّ فَلاَ، وإن لم يتيقن أن صلاته وقعت قبل الوقت؛ بأن لم يتبين الحال؛ أو تبين وقوعها في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه.
فَائِدَةٌ: تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ؛ بَابٌ المسافر يصلى وهو يشك في الوقت؛ ثم روى من حديث أنس قال: [كُنّا إِذَا كُنَّا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي سَفَرٍ فَقُلْنَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَمْ تَزُلْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ] ثم روى حديثاً آخر عنه بنحوه 1. قال الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في أحكامِهِ: ولا يبعد تخصيص المسافر بذلك لمشقة السفر كما خص بالقصر.
وَيُبَادِرُ بِالفَائِتِ، تعجيلاً لبراءة ذمته؛ فإن فات بعذر فعلى التراخى؛ أو بغيره فعلى الفور على الأصح فيهما، وقيل: إن غير المعذور لا يقضي، حُكِيَ عن ابن بنت الشافعي، وقَوَّاهُ الشيخ عز الدين، وصاحب الاقليد، وأَيَّدَهُ بأَنَّ تارك الأَبْعَاضِ عمدًا لا يسجد على وجه، مع أنه أحوج إلى الْجَبْرِ 2. فَائِدَةٌ: في صحيح ابن حبان من حديث أبي قتادة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابَهُ لَمَّا نَامُواْ عَنِ الصَّلاَةِ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: [صَلُّوهَا الْغَدَ لِوَقْتِهَا] 3 ثم قال: ذكر

الخبر الدال على أن الأمر الذي وصفناه إنما هو أمر فضيلة لمن أحب ذلك لا أن كل من فاتته صلاة يعيدها مرتين إذا ذكرها.
والوقت الثاني من غيرها.
ثم روى من حديث الحسن عن عمران - رضي الله عنه - أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لما صلى بهم قلنا: يا رسول الله ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ قال: [يَنْهَاكُمْ رَبُّكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ] 1. قُلْتُ: وهذه مسألة نفيسة غريبة لم أرَ من صرح بها.
وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ، للاتباع؛ ولا يجب لأنه إنما كان لضرورة الوقت وقد زال؛ وَفِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ الْمُجَرَّدُ إِنَّمَا يَدُلُّ عِنْدَنَا عَلَى الإِسْتِحْبَابِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الحَاضِرَةِ الَّتِي لاَ يَخَافُ فَوْتَهَا، خروجًا من الخلاف؛ فإن خاف فوت الحاضرة لزمه البداءة بها لئلا تصير فائتة أيضًا.
فَصْلٌ: وَتُكْرَهُ الصَّلاَةُ عِنْدَ الاِستِوَاءِ، للنهي عنه في الصحيح 2، ووقت الاستواء لطيف جدًا؛ لا يتسع لصلاة؛ ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس، نعم التحرم قد يمكن ايقاعه فيه فلا يصح، إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ

استحب التبكير إليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء 1. وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، أي فيما يراه الناظر، وَالعَصْرَ حَتَّى تَغْرُبَ، للنهي عنهما في الصحيح 2، وأهمل المصنف وقتين ذكرهما الرافعي في الْمُحَرَّر، وهما حالة الطلوع والغروب لتوهم اندراجهما في قوله، وبعد الصبح وبعد العصر، وليس كذلك، فإنه إنما يتناول من صَلاَّهُمَا، والكراهةُ في هذين الوقتين، تَعُمُّ ذلك وغيره، وعدَّ الدَّارِمي الأوقات المكروهة سبعة هذه، ثم قال: وإثنان فيهما وجهان، وهما بعد طلوع الفجر إلى صلاتها وبعد الغروب إلى صلاتها، إِلاَّ لِسَبَبٍ،

أي متقدم أو مقارن، كَفَائِتَةٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ نَسِىَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا] متفق عليه 1. وَكُسُوفٍ، لأنها متعرضة للفوات بالإنجلاء، ولأن الأدلة الطالبة لها عامة في الأوقات؛ خاصة بتلك الصلوات؛ وأحاديث النهي بالعكس، وترجحت الأُوْلى بأنه لم يدخلها التخصيص وأحاديث النهي دخلها بالفائتة للحديث؛ وبصلاة الجنازة فإنه إجماع كما نقله ابن المنذر.

وَتَحِيَّةٍ، أي لا لقصدها بل لأمرٍ أخر من اعتكاف ونحوه، فإن دخل لقصد التحية فقط فيكرهُ على الأصحِّ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، لفواتها بالتأخير، وفي الصحيح في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة الشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس 1، قال البيهقي: وسجود التلاوة مقيس عليه.
وَإِلاَّ فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لاَ تَمْنَعُواْ أَحَداً طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، صححه الترمذي وغيره 2، نعم قال المحاملي في المقنع: الأَولى أن لا يفعل خروجاً من الخلاف، والثاني: أنها تكره لعموم الأخبار؛ والصلاة المذكورة في هذا الحديث المراد بها ركعتي الطواف، والحديثان إذا كان كُلٌّ منهما أعم من الآخر من وجه؛ لا يقدم خصوص أحدهما على عموم الآخر إلاّ بمرجح.
قُلْتُ: وحَمْلُ هذا القائل الصلاة المذكورة في هذا الحديث على ركعتي الطواف تردُّهُ رواية ابن حبان في صحيحه: [يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إِن كَانَ إلَيْكُم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ فَلاَ أَعْرِفَنَّ احَداً مِنْكُمْ أنْ يَمْنَعَ مَنْ

يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ] 1. والثالث: يباح في نفس البلد دون باقي الحرم؛ والرابع: يباح في المسجد فقط.
فَصْلٌ: إِنْمَا تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أى فالكافر لا تجب عليه، أي لا يطالب بها في الدنيا، وإن قلنا إنهم مكلفون بالفروع لتضعيف العذاب عليهم في الدار الآخرة، بَالِغٍ عَاقِلٍ، أي فالمجنون والصبي لا تجب عليهما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ؛ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ] صححه ابن حبان والحاكم 2. وفي المعرفة للبيهقي نقلاً أن الأحكام إنما صارت متعلقة بالبلوغ بعد الهجرة فاستفده، وفي معنى الجنون الإغماء وَالْبِرسْامُ 3، طَاهِرٍ، أي فلا تجب على حَائِضٍ وَنُفَسَاءٍ، وهو إجماع.
وَلاَ قَضَاءَ عَلَى الكَافِرِ، أي من كان كافرًا فأسلم؛ لأنه لم ينقل وقد يؤدى إلى التنفير 4، إِلاَّ المُرْتَدْ، تغليظًا عليه، نعم لا تقضى المرتدة زمن الحيض ونحوه بخلاف الجنون، لأن إسقاط الصلاة عن الحائض عزيمة، والجنون رخصة، والمرتد ليس من أهلها، وَلاَ الصَّبِيَّ، إذا بلغ، وكذا الصبية لانتفاء التكليف في الصبي، وَيُؤْمَرُ بِهَا

لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَيهَا لِعَشْرِ، للأمر بذلك كما صححه الترمذي وغيره 1، ولا يقتصر في الأمر على مُجَرَّدِ صيغته، بل لا بد معه من التهديد، قاله الْمُحِبُّ الطبري، وكما يؤمر بالأداء يؤمر بالقضاء أيضاً، فإذا بلغ لم يؤمر بها، قاله الشيخ عز الدين في مختصر النهايه في باب اللعان وفيه وجه حكاه الجيلي.
وَلاَ ذِى حَيْضٍ، بالإجماع كما تقدم في الحيضِ ومثلُهُ النُفَسَاءُ، أَوْ جُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، لما سلف، وفي معناهما الْمُبَرْسَمِ وَالْمَعْتُوهِ، وخالف الصوم فيما إذا أغمي عليه جميع اليوم، لأنها قد تكثر ويشق القضاء بخلافه، نعم لو ارتد ثم جُنَّ ثم أفاق فأسلم قضى مدة الجنون وما قبلها.
فَرْعٌ: قال الروياني: يكره للحائض القضاء، ويستحب للمجنون والمغمى عليه، وقال البيضاوي من أصحابنا في الأُولى: لا يجوز.
بِخِلاَفِ السُّكْرِ، لتعديه به، فإن لم يعلم بحاله أو أكره أو شربه لحاجة فلا قضاء عليه، وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الأسْبَابُ، أي الكفر الأصلى؛ والصبي؛ والجنون وما في معناه والحيض، وَبَقِيَ مِنَ الوَقْتِ تَكْبِيرَة وَجَبَتِ الصَّلاَةُ، لأن ما يتعلق به الايجاب يحصل بِجُزْءٍ كالمسافر إذا اقتدى بمقيم في جُزْءٍ من صلاته يلزمه الإتمام.
وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ رَكعَةٌ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ

الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ] متفق عليه 1، وَالأَظْهَرُ وُجُوبُ الظُهْرِ، بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةٍ آخِرَ العَصْرِ، وَالمَغْرِبِ آخِرَ العِشَاءِ، لاشتراكهما في الوقت في حال العذر ففي حال الضرورة أَوْلى، والثاني: لا يجب الظهر مع العصر إلاّ بإدراك أربع رَكَعَاتٍ زائدة على ما يجب به العصر، ولا المغرب إلاّ بإدراك ثلاث ركعات زائدة على ما يجب به العشاء، ولابد في ايجاب الصلاتين من زوال المانع مدة تسعهما معًا وكذا الواحدة، وخرج من كلام المصنف الصلاة التي لا تجمع مع ما قبلها وهي الصبح والظهر والمغرب، فإنه إذا زال العذر في أخرها وجبت فقط لانتفاء العلة السابقة وهو الاشتراك في الوقت.
وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا، أي بالسن، أَتَمَّهَا، أى وجوبًا لأنه مأمور مضروب على الترك، وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه أدى الواجب بشرطه، والثاني: يستحب الإتمام وتجب الإعادة؛ لأنه لم يَنْوِ الفرضَ، أَوْ بَعْدَهَا، أي بلغ بعدها في الوقت، إما بالسن أو بالأحتلام، فَلاَ إِعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، كالأمَة إذا صَلَّتْ مكشوفة الرأس ثم عتقت، والثاني: تجب الإعادة؛ لأن المؤدى في الصغر واقع حال النقصان فكما لو حجَّ ثم بلغ، وأجاب الأول: بأن الصبي غير مأمور به؛ وغير مضروب عليه بخلاف الصلاة، ولأنه لما كان وجوبه مرة في العمر اشترطنا وقوعه في حال الكمال بخلافها، وَلَوْ حَاضَتْ أوْ جُنَّ أَوَّلَ الوَقتِ وَجَبَتْ تِلْكَ إِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الفَرْضِ، لتمكنه منه، وَإلاَّ، أي وإن لم يدرك قدر الفرض، فَلاَ، لعدم التمكن.
فَصْلٌ: الأَذَانُ وَالإِقَامَةُ سُنَّةٌ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لم يأمر بهما في حديث الأعرابي مع ذكره الوضوء والاستقبال وأركان الصلاة، كذا ادّعاه المصنف في شرح المهذب، لكن الإقامة ثابتة فيه في رواية أبي داود 2، ولأنهما للإعلام بالصلاة

فلم يَجِبَا لقوله - صلى الله عليه وسلم -[الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ] حيث شَرَّعَ ذلك 1. وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأنهما من شعائر الإسلام فصارا كَرَدِّ السَّلاَمِ 2، فَأَذَّنَا؛ ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا] رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: الحديث (589). • قُلْتُ: الأذان والإقامة للإعلام أو منع الإغارة، وليس هما بحتم على الفرد أو الجماعة أو الإمام؛ أما للإعلام فلحديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدلِفَةِ، وَلَمْ يُنَادِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلاَّ بِإِقَامَةِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلاَ عَلَى إِثرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا] رواه البخاري في الصحيح: كتاب الحج: باب مَن جمع بينهما ولم يتطوع: الحديث (1673). • أما الأذان لمنع الإغارة فلما جاء عن ابنِ الزُّوبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: أُؤَذِّنُ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: لِمَنْ تُوَذِّنُ؟ لِلغَارَةِ! رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب جماع أبواب الأذان: باب قول من اقتصر على الإقامة في السفر: الحديث (1984) ولما جاء عن نافع: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لاَ يَزِيدُ عَلَى الإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ فِي الصَّلاَةِ، إِلاَّ فِي الصُّبْحِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ فِيهَا؛ وَيَقُولُ: إِنَّمَا الأَذَانُ لِلإِمَامِ الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ.
رواه البيهقي في السنن الكبرى: الحديث (1983)، أيَ لَيس لإمام جماعة المصلين، وإنما لإمام جماعة المسلمين، الذي يظهر به سلطان المسلمين وتقوى به شوكتهم.

والخلاف في المؤدات الواحدة كما نبه عليه صاحب الْمُعِيْنِ.
وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِمَكْتُوبَة، لأنه لم يرد في غيرها، وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحوِهِ، أي من النوافل التي شرعت فيها الجماعة كالكسوف والاستسقاء والتراويح لا الجنازة في الأصح: الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ، للفرق بين الفرائض والنوافل 1. وَالْجَدِيدُ: نَدْبُهُ، يعيى الأذان، لِلْمُنْفَرِدِ، لأنه لا يسمع مدى صوته جِنٌّ ولا إِنْسٌ إلاَّ شَهِدَ لَهُ يومَ القيامةِ كما رواه البخاري 2، والقديم: أنَّهُ لا يُندب له، لأن المقصود من الأذان إلابلاغ والإعلام وهذا لا ينتظم في المنفرد، أما الإقامة فالأصح القطع بندبيتها، وصحح في أصل الروضة أيضاً طريقةً بندبية الأذان.
وَيَرْفَعُ، أى المنفرد، صَوْتَهُ إِلاَّ بِمَسْجِدٍ.
وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ، أي وانصرفوا كما قاله الرافعي، فإن الأَولى أن لا يرفع؛ لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى لا سيما في يوم الغيم، وكان المراد بالمسجد موضع الصلاة؛ وإلاَّ فالتعليل المذكور شامل له ولغيره 3، نعم: في اشتراط وقوع الجماعة نظر لحصول الإيهام على أهل إذا تركوه) الموافقات في أصول الشريعة: القسم الثاني: المسألة الثانية: فصل: ج 1 ص 133. فالشيء أو الفعل إذا نظرت إليه بنفسه له حكمه، وإذا نظرت إليه بحسب الأمور الخارجه عنه، فيكون الحكم للحال التي هو فيها وليس له بحسبه، فيلاحظ.
لأنها من مسائل الأصول بل من دقائق أصول الفقه.

البلد، نعم هو أخف.
وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، لأنها لاستفتاح الصلاة وهو موجود، وَلاَ يُؤَذِّنُ فِي الجَدِيدِ، لزوال الوقت، قُلْتُ: القَدِيمُ أَظْهَرُ، وَالله أَعْلَمُ.
لثبوته في الصحيح 1، فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الأُوْلَى، أى قطعًا، وفيه وجه في كتاب ابن كج وفي الأُوْلى الخلاف.
فَائِدَةٌ: لنا مؤداة لا يؤذن لها، وهي ما إذا كان عليه فائتة وقدمها؛ ففي الأذان لها الخلاف المذكور، ولايؤذن للحاضرة على المذهب إلاّ أن يؤخرها ويطول الفصل، فإنه يؤذن لها قطعًا.
وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الإِقَامَةُ، لأنها لاستفتاح الصلاة، لاَ الأَذَانُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لأنه إعلام، والمرأة لا ترفع صوتها، والثاني: يستحبان اقتداءٌ بعائشة، والثالث: لا يستحبان، وقوله (لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ) المنفردة لذلك، إذا استحببنا الأذان للمنفرد قاله الرافعي، والخنثى كالمرأة 2. وَالأَذَانُ مَثْنَى وَالإِقَامَةُ فُرَادَى، أي معظمها، إِلاَّ لَفْظُ الإِقَامَةِ، لحديث أنس رواه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الأذان في السفر: الحديث (1203). والنسائي في السنن: كتاب الأذان: باب الأذان لمن يصلي وحده: ج 2 ص 20. ابن حبان في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: باب الأذان: باب ذكر الإخبار عما يستحب للمرء من المواظبة على التأذين: الحديث (1658).

[أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ] متفق عليه 1، والمعنى في تثنية لفظ الإقامة كونها مصرحة بالمقصود، وَيُسَنُّ إِدْرَاجُهَا وَتَرْتِيلُهُ، للأمر بذلك كما أخرجه الحاكم 2، وَالإِدْرَاجُ: هُوَ الإِتْيَانُ بِالْكَلِمَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ وَالتَّرْتِيْلُ: التَّأَنِّي، وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ، لثبوته في حديث أبي محذورة 3: وهو ذكر الشهادتين سِرّاً قبل

الجهر قاله الرافعي؛ وكلامه يقتضي أنه أسم للمجموع من السِرِّ والجَهْرِ، وتبعه في الروضة، لكنه صرح في شرح المهذب والتحقيق والدقائق والتحرير أَنَّهُ اسْمِّ للأوَّلِ، وفي شرح مسلم أَنَّهُ اسْمٌ لِلثّانِي 1. فَائِدَةٌ: الحكمة في اختصاص الترجيع بالشهادتين تَذَكُّر إخفائهما في أوَّل الإسلام؛ ثم ظهورهما ففي ذلك نعمة ظاهرة.
وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْح، لثبوته في خبر أبي محذورة كما صححه ابن حبان 2 وهو أن يقول في الأذان بعد الحَيْعَلَةَ (الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ) مرتين أي اليقظة للصلاة خير من النوم أو الراحة التي تعتاضونها في الآجل خير من النوم.
فَرْعٌ: يُثَوِّبُ في الأول والثاني كما صححه في التَّحْقِيْقِ.
وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا لِلْقِبْلَةِ، لاستمرار الخلق عليهما، ويُسن الالتفات في الحيعلتين الأُولى بكمالها يميناً والثانية بكمالها شمالاً بعنقه لا بصدره، وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ وَمُوَالاَتُهُ، لأن تركهما يوهم اللعب ويخل بالاعلام، وَفِي قَوْلٍ لاَ يَضُرُّ كَلاَمٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلاَنِ، كسائر الأذكار المطلوبة، والراجح أنه يضر بخلاف الكلام في الخطبة؛ لأن كلماتها غير متعينة وكلماته متعينة، فَيُعَدُّ قَاطعُهُ مُعْرِضاً عنه، وفي اشتراط النية في الاذان وجهان حكاهما الروياني قبل صلاة المسافر من بحره.
وَشَرْطُ الْمُؤَذِّنِ: الإِسْلاَمُ، أي فلا يصح أذان الكافر لأنه عبادة، وَالتَّمْيِيزُ، أي فلا يصح أذان من لا تمييز له لأن كلامه لغو، وَالذُّكُورَةُ، أي فلا يصح أذان المرأة للرجال كإمامتها بهم، وينبغي أن يصح أذانها للمحارم.

وَيُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ، لأنه دعاءٌ وذكرٌ، وَللْجُنُبِ أَشَدُّ، لأنها أَغْلَظُ.
قُلْتُ: والحائض أغلظ من الجنب؛ لأن حدثها أغلظُ من حدثه، وَالإِقَامَةُ أَغْلَظُ، لقربها من الصلاة.
وَيُسَنُّ صَيِّتٌ، أي شديد الصوت ورفيعه لأنه أبلغ في الأعلام، حَسَنُ الصَّوْتِ، لأنه أبعث على الأجابة 1، عَدْلٌ، ليصدق في الوقت؛ ويغض بصره عن عورة من يعلوه.
وَالإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ، أي من الأذان والإقامة، فِي الأَصَحِّ، لأنها أشق، ولمواظبة الشارع والخلفاء الراشدين عليها، ولأن القيام بالشئ أَوْلَى من الدعاء إليه وهو قائم بفرض الكفاية على ما صححه المصنف في بابه فيكون راجحًا على الأذان إذ هو سنة على الصحيح.
قُلْتُ: الأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، لدعائه له عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلاَمُ بالمغفرة وللإمام بالإرشاد، وهو قول أكثر الأصحاب، واستنبط ابن حبان في صحيحه من قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ] 2 أن المؤذن يكون له مثل أجر من صلّى بأذانه.
قُلْتُ: ونصَّ الشافعىُّ - رضي الله عنه - في الأُمِّ على أنَّه إذا قام بحقوق الإمامة كانت أفضل.
وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ، لأنه إنما يراد للإعلام بدخول الوقت؛ فلا يجوز قبله، وذلك إجماع في غير الصبح، إِلاَّ الصُّبْحَ، للاتباع، فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، لأنّ معظمه قد ذهب

وقرب الأذان من الوقت فهو منسوب إلى الصبح، ولهذا يقال فيه عند التحية صباحٌ مباركٌ 1. قُلْتُ: والظاهر من حيث الدليل أنَّه يؤذن قُبَيْلَ طلوع الفجر، وصحح الرافعي في شرحيه وجهًا آخر، وهو أنَّه يؤذن في الشتاء لسُبعٍ يبقى من الليل وفي الصيف لنصف سُبْعٍ يبقى، وَعبَّرَ عنه في الْمُحَرَّر بقوله في أخر الليل فغيرهُ المصنف إلى نصف الليل، وقال: إنها أوضح، وقيل: بعد ثلثي الليل كذا حكاه المصنف في الإذكار وهو غريب، والذي حكاه في غيره أنَّه بعد وقت العشاء المختار وهو ثلث الليل في قول، ونصفه في قول.
وَيُسَنُّ مُؤَذْنَانِ لِلمَسْجِدِ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ، كما في مسجده - صلى الله عليه وسلم - فإن أُحْتَيجَ إلى أكثر رُتِّبَ قَدْرَ الحاجة، ونقل الترمذي عن الشافعي أنَّه إذا أذن أولًا أجزاه ولا يعيد 2. وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُواْ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ] 3 ويستحب ذلك في الإقامة أيضًا، إِلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ، فَيَقُولُ: لَاحَوْلَ وَلَا

قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، لثبوته كذلك في صحيح مسلم 1 وهو مبين لإطلاق الحديث الَّذي قبله.
قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَالله أَعْلَمُ، لأنه مناسب، وَادَّعَى ابنُ الرِّفْعَةِ وُرُودَ الخبرِ بهِ وهو عجيبٌ غريبٌ؛، والظاهر عندى أنَّه يقول كما يقول.
وَلكُلِّ، أي ويُسَنُّ لكل من السامع والمؤذِّن، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [ثُمَّ صَلُّواْ عَلَيَّ فَإنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةَ صَلَّى الله عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا] رواه مسلم 2. قُلْتُ: ويستحب السلام عليه أيضًا لأنه يكرهُ إفراد الصلاة دونه، ثُمَّ يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه البخاري 3. = باب استحباب قول مثل قول المؤذن: الحديث (10/ 383) ولفظه: [إِذًا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُواْ مِثْلَ مَا يَقُولُ].
واللفظ الذي أتى به المصنف رحمه الله: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -: رواه مسلم: الحديث (11/ 384).

فَرْعٌ: يُستحب الدعاء بين الأذان والإِقامة؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ؛ كَمَا حَسَّنَهُ التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ 1. فَصْلٌ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ، أي على الاستقبال لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطر الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 2، أي نحوه، والاستقبال لا يجب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها، وأجمعوا أنَّه لا بد منه، وقيل: إنه ركن، والاستقبال الواجب معتبر بالصدر لا بالوجه 3، واحترز بالقادر عن المريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة والمربوط على خشبة والغريق، إِلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، أي فإنه لا يشترط لا في الفرض ولا في النفل لما سيأتي في بابه.
فإن المصنف أعادها هناك، نعم لو أَمِنَ وهو راكب؛ يشترط في البناء أن لا يستدبر القبلة فإن استدبرها بطلت أتفاقًا = عن جابر بن عبد الله.
وفي رواية لابن حبان في الإحسان بلفظ: [وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ] بالتعريف: في باب الأذان: ذكر إيجاب الشفاعة يوم القيامة: الحديث (1687).

كما نقله في الروضة، وَنَفْلِ السَّفَرِ، للاتباع 1، فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا، بالنص 2، وَمَاشِيًا، بالقياس؛ ولأنه أشق، واحترز بالمسافر عن الحاضر.
ويشترط أن لا يكون السفر معصية؛ وأن يكون له مقصد معلوم 3. وَلَا يُشَتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لعموم الحاجة، والثاني: يشترط كالقصر، والفرق أن النفل أخف ولهذا جاز فعلها قاعدًا في الحضر مع القدرة على القيام، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَزِمَهُ، لِيُسْرِ ذلك عليه، وَإِلَّا، أي وإن لم يمكِنْهُ ذلك، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ سَهُلَ الإِسْتِقْبَالُ، أي المعهود وهو استقبال الراكب، وَجَبَ، أي بأن تكون واقفةً وأمكنَ انحرافه عليها، وَإِلَّا فَلَا، أي بأن كانت مقطورةً أو صعبةَ الإدارةِ، والثاني: يجب مطلقًا ليكون الابتداء على صفة الكمال، والثالث: لا يجب مطلقًا، كما في دوام الصلاة.
وَيَخْتَصُّ، أي وجوب الاستقبال، بِالتَّحَرُّمِ، لأنه حال العقد 4، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا، لأنه أحد طرفي الصلاة؛ والأصح: المنع كما في سائر الأركان، قال ابن الصباغ: والقياس أنَّه مهما دام واقفًا فلا يصلى إلَّا إلى القبلة، فإذا أراد السير انحرف إلى طريقه، وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيقِهِ، لأنهُ بَدَلٌ عَنِ الْقِبْلَةِ، إِلَّا

إِلَى الْقِبْلَةِ، لأنَّهَا الأَصْلُ، وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ، للاتباع 1، وَسُجُودِهِ أَخْفَضُ، تمييزًا بينهما، وَالَأظْهَرُ أَنَّ الْمَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، لسهولة ذلك عليه، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إِحْرَامِهِ، وَلَا يَمْشِي إِلَّا في قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ، لطولهما، والثاني: لا يمشى إلَّا في القيام، والثالث: لا يشترط اللبث بالأرض في شيء، ويومئ بالركوع والسجود كالراكب.
فَرْعٌ: يمشي في حالة اعتداله دون جلوسه بين السجدتين، لأن قيامه غيرُ جائزٍ، قاله البغوي وغيره كما نقله عنهم في الكفاية.
وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ وَاسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، أي بأن كان هو في هودج ونحوه، وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ، كالسفينة، وقيل: لا يصح، ونقله في البيان عن نصه في الأم، ولا يشترط أن تكون معقولة، وإن أوهمه لفظ الْمُحَرَّر والتهذيب، أَوْ سَائِرَةٌ فَلَا، لأنها لا تُعَدُّ قرارًا في هذه الحالة، ولأن سيرها منسوبٌ إليه بدليل جواز الطواف عليها.
وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، أي فرضًا أو نفلًا، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ، أي فيما إذا كان الباب مفتوحًا، جَازَ، لأنه في كل ذلك متوجه إلى جزء من البيت 2.

وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ، أي بمعاينة، حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالإِجْتِهَادُ، كَالْقَادِرِ عَلَى العَمَلِ بِالنَّصِّ، نعم: الحاضرُ بمكة إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصلى أو طارئ فيجتهد للمشقة في تكليف الْمُعَايَنَةِ، وَإِلَّا، أي وإن لم يمكنه علم القبلة، أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةِ، أي كامرأةٍ وعبدٍ لا فاسق وصبي، يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، أي ولا يجتهد كما في الوقت 1، فَإِنْ فَقَدَ، أي الثقة المخبر عن علم، وَأَمْكَنَ الاِجْتِهَادُ، أي بأن كان بصيرًا، حَرُمَ التَّقْلِيدُ، لأن المجتهدَ لايقلدُ بل يجتهدُ بالأدلةِ وهيَ كثيرة، وأضْعَفُها الرياح لاختلافها وأقواها القطب، ولابن سراقة العامري من أصحابنا فيها مصنف مفرد وكذا لابن القاص، فَإِنْ تَحَيَّرَ، لغيم أو ظلمة أو تعارض أدلة، لَمْ يُقَلِّدْ فِي الأَظْهَرِ، لأنه مجتهد، والتحير عارض قد يزول عن قرب، وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ، لحرمة الوقت 2، وَيَقْضِي، لأنه عذرٌ نادرٌ، والقول الثاني: يقلد كالأعمى بجامع العجز.
= قال: كُنَّا نُصَلِّي وَالدَّوَابُ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ فَقَالَ: [مِثْلُ مُؤَخِرَةِ الرَّحْلِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ] وفي لفظ: [إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُبَالِي مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ] رواهما مسلم في الصحيح: كتاب الصلاة: باب سترة المصلي: الحديث (242 و 241/ 499).

وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الاِجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ عَلَى الصَّحِيحِ، كالحاكم إذا حكم في واقعة بالاجتهاد ثم وقعت مرة أخرى على الأصح إذا لم يكن ذاكرًا للدليل الأول، فإن كان ذاكرًا كفى قطعا كما قاله في الروضة من زوائده في القضاء، والثاني: لا يجب، إذ الأصل بقاء الظن الأول، وقوله (تَحْضُرُ) احترز به عن النافلة؛ فإنه لا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها قطعًا.
فَرْعٌ: إعادة التقليد في حق المقلد كالاجتهاد؛ ذكره في الكفاية.
وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الاِجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الأَدِلَّةِ كَأَعْمَى قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا، أي بالأدلة كالعامي في الأحكام، لأن أدلة القبلة تتعلق بالبصير، فالواجب التقليد، واحترز بالثقة عن الكافر والصبي، وَإِنْ قَدَرَ، أي على تعلم الأدلة، فَالأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ، لإمكانه لِتَعَلُّمِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ، والثاني: أن يعلم أن أدلة القبلة فرض كفاية كالعلم بأحكام الشريعة، والثالث: أنَّه فرضُ كفاية للمقيم وفرض عين للمسافر وصححه المصنف في شرح المهذب واختاره في الروضة.
وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ قَضَى فِي الأَظْهَرِ، كما ينقض الحاكم اجتهاده إذا خالف النص، والثاني: لا؛ لأنها جهة يجوز الصلاة إليها بالاجتهاد فأشبه = ثُمَّ قَالَ: وَأَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو الرَّبِيعِ السَّمَّانِ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى هَذَا، وَقَالُواْ: إِذَا صَلَّى فِي الْغَيْمِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ بَعْدَ مَا صَلَّى أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ.
إنتهى.
قال الشَّيْخُ أَحْمَد مُحَمَّد شَاكر رحمهُ اللهُ: وبذلك يظهر أن الحديث معروف من غير حديث أشعث، ولعل الترمذي لم يطلع على رواية: عمرو بن قيس وأشعث السمان إنما تُكلم فيه من قِبَلِ حفظه؛ وهو صَدُوقٌ، والحديث حسنُ الإِسنادِ؛ لأن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضَعَّفُوهُ مِنْ قِبْلِ حفظهِ، وقد روى عنه مالك وشعبة مع تشددهما في الشيوخ.
وقد جاء نحو هذا الحديث عن جابر بن عبد الله.
وإسناده ضعيف ولكنه يصلح شاهدًا، فعلم منه أن له أصلًا معروفًا.
إنتهى.
النقل بتصرف.
ينظر: تعليقات الشيخ أحمد مُحَمَّد شاكر على الحديث في الجامع الصحيح للترمذي: ج 2 ص 176 - 177.

إذا لم يتيقن الخطأ، وبه قال الأئمة الثلاثة ونقله الترمذي عن أكثر أهل العلم (351) واحترز بالتيقن عن الظن فإنه لا قضاء قطعًا، لأنَّ الإجْتِهَادَ لَا يُنفَضُ بِالاِجْتِهَادِ، والمراد باليقين هنا ما يمتنع معه الاجتهاد، فيدخل فيه خبر الثقة عن المعاينة.
وقوله (قَضَى) يُشعر بأن صورة المسألة ما إذا بان بعد الوقت؛ فإن بَانَ فيه وجب قطعًا كما نقله في نظيره من الاجتهاد في وقت الصلاة والصوم، وفي كلام الرافعي في الباب ما يدل عليه، لكن في كتاب ابن القاص في دلائل القبلة ما حاصله جريان القولين مطلقًا، فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا وَجَبَ اسْتِئنَافُهَا، أي سواء عرف الصواب معه أم لم يعرفه، وِإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي، لأنه الصواب في ظنه الناجز، وَلَا قَضَاءَ، لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالاِجْتِهَادِ فَلاَ قَضَاءَ، لما قلناه.

بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ

الصِّفَةُ هُنَا الْكَيْفِيَّةُ، أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ: الأَوَّلُ: النِّيَّةُ: لأنها واجبةٌ في بعض الصلاة وهو أولها فكانت ركنًا كالتكبير وغيره، فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ، ليمتاز عن سائر الأفعال، وَتَعْيِينُهُ، من كونه ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما ليمتاز على سائر الصلوات، ولو عبر بقوله قصد فعلها بضمير المؤنث وتعيينها كما في الْمُحَرَّر لكان صوابًا ليعودَ الضميرُ على الصلاة، لأن الفرض ذكره بعده، وَالأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرَضِيَّةِ، لتمتاز عن صلاة الصبي والصلاة المعادة في جماعة، والثاني: لا؛ لأن الصبي إذا صلى ثم بلغ في الوقت يجزيه1

ما أتى به ولو كانت نيةُ الفرضيةِ مشترطةً لما أجزاهُ ذلك؛ لأنه لم يَنْوِ الفرضية.
قُلْتُ: لكن صحح المصنف في التحقيق أن نية الفرضية لا تشترط في صلاة الصبي، والنذر كالفرض كما حكاه ابن الرفعة عن بعضهِم وأقره، دُونَ الإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، لأن العبادة لا تكون إلّا لله، والثاني: تجب لتحقق معنى الإخلاص قال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا... ﴾ الآية 1. وَأَنَّهُ يَصِحُّ الأَدَاءُ بنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ، لأن القضاء والأداء يستعمل كل منهما بمعنى الآخر.
قال تعالى: ﴿فَإذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ... ﴾ 2 أيما أدّيتم، والثاني: يشرطان ليتميز كل منهما عن الآخر وهو قوي، قَال المصنفُ: ومرادُ الأصحاب من نوى ذلك وهو جاهل بالوقت لغيم ونحوه دون العالم بالحال، وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ، أي من قصد الفعل والتعيين.
قُلْتُ: لكن تحية المسجد يكفي فيها نية مطلق الصلاة كما قاله ابن الرفعة، ولعل مراده الاطلاق مع التقييد بعددها.
وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ، أي كما في التعرض في الفرض للفرضية ليتميز عنها.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لعدم المعنى الذي علل به الاشتراط في الفرضية، وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ، لأنها أدنى درجات الصلاة، فإذا قصد الصلاة وجب أن تحصل له، وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ، بالإجماع، وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ، لِيُسَاعِدَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ.
الثَّانِي: تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، بالاتفاق كما قاله الرافعي، نَعَمْ قيل: إنها شرط حكاهُ الرويانى 3، وَيَتَعَيَّينُ عَلَى الْقَادِرِ: اللهُ أَكْبَرُ، لأَنَّهُ عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ

إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: [الله أَكْبَرُ] رواه ابن ماجه وإسناده صحيح 1، فلا ينعقد بقوله الله الكبير لفوات مدلول أَفْعَلُ وهو التفضيل، ولا بقوله الرَّحْمَنُ أو الرَّحِيمُ أَكْبَرُ، والحكمة في افتتاح الصلاة به استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه لِيِمْتَلِئَ هَبْيَةً فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب، وَلاَ تَضُرُّ زِيَادَةٌ لاَ تَمْنَعُ الأِسْمَ كَالله الأَكْبَرُ، أى بل هو أبلغ في التعظيم، وَكَذَا لله الْجَلِيلُ أَكْبَرُ فِي الأَصَحِّ، كزيادة أل، والثاني: يضر لِتَغَيُّرِ النَّظْمِ، لاَ أَكْبَرُ الله عَلَى الصَّحِيحِ، لأنه لا يسمى تكبيراً بخلاف عكس السلام، والثالث: لا يضر، لأن تقديمَ الخبرِ جائزٌ.
فَرْعٌ: لو قال: والله أكبر؛ لم تصح صلاته، بخلاف والسلام عليكم في آخر الصلاة، لأنه زاد حرفاً كذا رأيته في فتاوى القفال.
فَائِدَةٌ: نقل الإمام فخر الدين في تفسيره عن اتفاق المتكلمين: أَنَّهُ مَنْ عَبَدَ وَدَعَا لأَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ وَالطَّمَعِ فِي الثَّوَابِ لَمْ تصح عبادته ولا دعاؤه ذكر ذلك عند قوله تعالى 2: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 3 وجزم في أوائل تفسير الفاتحة: أنه لو قال أُصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته.
وَمَنْ عَجَزَ، أي عن النطق بالعربية ولم يقدر على التعلم، تَرْجَمَ، أي بمدلول التكبير من أيِّ لغة شاء ولا يعدل إلى ذكر؛ لأنه ركن عجز عنه، فلا بدَّ له من بدلٍ، والترجمة أقرب إليه من غيره فتعينت، وَوَجَبَ التَّعَلْمُ إِنْ قَدَرَ، أي ولو بالسفر كسائر فروض الصلاة.
= جاء في تحريم الصلاة: الحديث (238) وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في السنن: كتاب الطهارة: الحديث (276). والحاكم في المستدرك: الحديث (457/ 12) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
وحديث علي - رضي الله عنه -، وراه الترمذي في الجامع: كتاب الطهارة: الحديث (3) وإسناده صحيح.

وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيهِ فِي تَكْبِيرِهِ، بالإجماع، والمراد باليدين هنا الكفان، حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، للاتباع كما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر 1، وَالأَصَحُّ رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ، أي مع ابتداء التكبير ولا استحباب في الانتهاء، والثاني: ييتدء به مع ابتدائه وينهيه مع انتهائه أيضاً، وصححه المصنف في شرح المهذب، والثالث: يرفع بلا تكبير ويكبر مع حط يديه.
وَيَجِبُ قَرْنُ النّيَّةِ بِالتَّكْبيِرَةِ، أي بجميعه وذلك بأن يستحضر جميع ما أوجبناه فيها من نية الفعل والتعيين؛ والفرض من أول التكبير إلى أخره بحيث تقارن هذه الثلاث كل حرف منه، لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الاتيان بشئ منه قبل تمام النية، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ، لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة.
واستصحاب النية في حميع دوام الصلاة لا يجب ذكراً، وهو ما رأيته في فتاوى القفال، وأجاب الأول: بأن النية شرط في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلاّ بتمام التكبير، وهذا الوجه صححه الرافعي في الطلاق، وقال ابن العَرَبي المالكي: - سمعت أبا الحسن القَرُّويِّ يقول: سمعت إمامَ الحرمين يقولُ: يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية، ويُجَرَّدُ النظر في قِدَمِ الصانع وحدوث العالَم والنَّبُوَّاتِ حتى ينتهي نظره إلى نِيَّةِ الصَّلاَةِ، قال: ولا يحتاج ذلك إلى زمن طويل، بل يكون في أَوْحَى لحظة، لأنَّ تَعليمَ الجُمَلِ يفتقر إلى زمان طويل، وتذكرها يكون في لحظة.
الثَّالِثُ: اَلْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ، بالأجماع، وخرج بالفرض النفل، وبالقادر العاجز، وسيأتي حكمهما، وَشَرْطُهُ نَصْبُ فَقَارِهِ، أي وهو عظام الظهر أي مفاصله، لأن اسم القيام دائر معه، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِياً، إلى قدامه، أَوْ مَائِلاً، أي إلى اليمين أو

إلى اليسار، بِحَيْثُ لاَ يُسَمَّى قَائِماً لَمْ يَصِحَّ، لأنه مأمور بالقيام وهذا لا يسمى قياماً، فَإِنْ لَمْ يُطِقْ انْتِصَاباً وَصَارَ كَرَاكِعِ، أي كالمتقوس ظهره ونحوه، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، لأنه أقرب إلى القيام، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ، تمييزاً بينهما، ومقابله هو قولُ الإمام أنه يلزمه الصلاة قاعداً، فإذا وصل إلى الركوع لزمه الارتفاع إليه، لأن الذي أمكنه هيئة تخالف هيئة القيام، قال: وهذا ما دل عليه كلام الأئمة.
وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ دُونَ الرَّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أي لعلة بظهره تمنع الإنحناء، قَامَ وَفَعَلَهُمَا بقَدَرِ إِمْكَانِهِ، للحديث الصحيح: [وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُواْ مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ]، 1 فيحني صلبه قدر الإمكان، فإذا عجز فرقبته ورأسه، فإن عجز وأمكنه باعتماد شيء وجب وإلا أَوْمَأَ.
وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ قَعَدَ، بالإجماع، كَيْفَ شَاءَ، لإطلاق قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لعمران وكانت به بواسير: [صَلِّ قَائِماً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ] رواه البخاري 2، زادَ النَّسَائِيُّ [فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فمُسْتَلْقٍ لاَ يُكَلَّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا] 3، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ، أي وتوركه وغيرهما، فِي

الأَظْهَرِ، لأنه قعود العبادة فكان أولى من التربع الذي هو قعود العادة، قال الماوردي: هذا مخصوص بالرجل، وأما المرأة فالأولى لها التربع لأنه أستر لها، والثاني: أن تربعه أَوْلى لئلا يلتبس بالتشهد.
وَيُكْرَهُ الأِقْعَاءُ، للنهي عنه كما أخرجه الحاكم وصححه 1، بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ، أي والورك أصل الفخذ، نَاصِباً رُكْبَتَيْهِ، لما فيه من التشبيه بالكلاب والقردة، ويكره أن يقعد أيضاً مادّاً رجليه.
ثُمَّ يَنْحَنِي لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، أي من الأرض، وَالأَكْمَلُ أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، أي لأنه سيأتى: أنَّ أقل ركوع القائم أن ينحني قدر بلوغ راحتيه ركبتيه، وأكمله تسوية ظهره وعنقه، ومن فعل الأول حاذت جبهته ما قدام ركبتيه، ومن فعل الثاني حاذت جبهته موضع سجوده، فيكون أيضاً أقل ركوع القاعد، وأكمله بأن ينتهي إلى هذه الحالة.
فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ صَلَّى لِجَنْبِهِ، للحديث السالف، الأَيْمَنِ، لفضله، فَاِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِياً، للحديث السالف، وَللْقَادِرِ التَّنَفُّلُ قَاعِداً، بالإجماع، وَكَذَا مُضْطَجِعاً فِى الأَصَحِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [وَمَنْ صَلِّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ] رواه البخاري 2، والمراد به المضطجع، والثاني: لا يجوز؛ لأنه يُذْهِبُ صُورَتَهَا لغير = الْمَرِيضُ قَائِماً إِنِ اسْتَطَاعَ، فَاِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِداً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُوَدَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِداً صَلِّى عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّىَ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِياً رِجْلَيْهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ]، رواه الدارقطني في السنن: ج 2 ص 42 - 43 وإسناده ضعيف.

عذر.
وإذا قلنا بالأول فهل يجزي الاقتصار على الايماء بالركوع والسجود أم يشترط أن يركع ويسجد ويتم كالقاعد؟ فيه وجهان؛ أصحهما الثاني.
قال في شرح مسلم: وَإِذَا اضْطَجَعَ فَعَلَى يَمِيْنِهِ، فَإِنِ اضْطَجَعَ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ، وَهُوَ خِلاَفُ الأَفْضَلِ، قَالَ: فَإِنِ اسْتَلْقَى مَعَ إِمْكَانِ الإِضْطِجَاعِ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيْلَ: الأَفْضَلُ مُسْتَلْقِياً وَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ صَحَّ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ 1. فَرْعٌ: أفتى بعض المتأخرين بأن عشرين ركعة من قعود أفضل من عشر من قيام لما في الأول من زيادة الركوع وغيره، ويحتمل خلافه لأنها أكمل 2. الرَّابِعُ: القِرَاءَةُ، لما سيأتي، وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الاِفْتِتَاحِ، أي وهو: [وَجَّهْتُ وَجْهِي... إلى آخره] للاتباع.
كما أخرجه مسلم 3. ومن نقل عن = الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ؟ فَقَالَ: [مَنْ صَلَّى قَائِماً فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِداً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِد] رواه البخاري في الصحيح: كتاب تقصير الصلاة: باب صلاة القاعد بالإيماء: الحديث (1116) وقال: نائماً عندى مضطجعاً هنا.

الشافعي وجوبه فقد غلط، كما نبّه عليه الشيخُ تَقِيُّ الدِّيْنِ في شرح العمدة، ثُمَّ التَّعَوُّذُ، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ... ﴾ (367) أي إذا أردت القراءة، وستعرف في العيد استحباب التكبيرات بعد دعاء الافتتاح وقبل التعوذ، وفي صلاة الجماعة أنه لا يأتي بهما إلاّ إذا علم إدراك الفاتحة، وَيُسِرُّ بِهِمَا، كسائر الأذكار المستحبة، وَيَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه قراءة جديدة يبتدي في كل ركعة، وَالأُوْلَى آكَدُ، للاتفاق عليها ولأن افتتاح القراءة في الصلاة إنما هو فيها، والطريق الثاني قولان: أحدهما هذا، والثاني: يتعوذ في الأُولى فقط، لأن القراءة في الصلاة واحدة، وَتَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لما عَلَّمَ المسيء صلاته قال له: [إِذَا اسْتَقْبَلْتَ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ] رواه ابن حبان في صحيحه 1، إِلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، = لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ لَبِّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَاْ بِكَ وَإِلَيْك تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ] رواه مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: الحديث (201/ 771). (389) النحل / 98.

أي لأنه إذا أدرك الإمام راكعاً أدرك الركعة كما سيأتى بشرطه في الجماعة، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [إِذَ، قَرَأْتُمُ الْحَمْدَ فَاقْرَأُواْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعِ الْمَثَانِي، فَبِسْمِ اللهِ الرُّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَى آيَاتِهِ] رواه الدارقطني بإسناد كُلُّ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ، وذكره ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة 1، وَتَشْدِيدَاتُهَا، أي منها أيضاً، لأن المشدد حرفان أوَّلُهما ساكن فإذا خفف أسقط أحدهما، وَلَوْ أَبْدَلَ ضَاداً بِظَاءٍ لَمْ تَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، كما لو أبدلَ غيرها، والثاني: يصح لعسر التمييز ومقتضى إطلاقهم الجزم بالبطلان في الأتيان بالدال المهملة عوضاً عن المعجمة في الذين فَافْهَمْهُ! وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا، لأنه مناط البلاغة والإعجاز، وَمُوَالاَتُهَا، لأنها التلاوة المعتادة فإن تركها ناسيًا فلا استئناف، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ، أي كتسبيح لداخل ونحوه ولو كان قليلاً، قَطَعَ الْمُوَالاَةَ، للإعراض وتغيير النَظْمِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلاَةِ كَتَأْمِينهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ، أي ونحوها كسؤاله لقراءة آية رحمة أو عذاب؛ وسجود لتلاوة، فَلاَ فِي الأَصَحِّ، لأنه نُدِبَ إلى هذه في الصلاة لمصلحتها فالاشتغال بها عند عروض أسبابها لا يُجعل قطعاً، والثاني: تبطل كما لو فتح على غير إمامه أو أجاب المؤذن، والفتح هو تلقين الآية عند التَّوَقُّفِ فيها، قال في التَّتِمَّةِ: ولا يرد عليه ما دام يردد الآية وإنما يَرُدُّ إذا سكت، وَيَقْطَعُ، أي المولاة، السُّكُوتُ الطْوِيلُ، لإشعاره بالأعراض، قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: وجاز أن يقال تبطل صلاته، أيضاً إلاّ أنه مشكل لأن قراءة غير الفاتحة في خلالها يقطعها ولا تبطل به الصلاة، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، لاجتماع السكوت والقصد، والثاني؛ لا تبطل؛ لأن القصد وحده لا يؤثر، وكذا السكوت اليسير فكذا إذا اجتمعا.
فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ، أي ولم يمكنه التعلم ولا النظر في مصحف ولا التلقين، فَسَبْعُ

آياتٍ، أي ولا يترجم عنها ولا ينتقل إلى الذكر؛ لأن القرآنَ بالقرآنِ أشبهُ، وإنما أوجبناه سبع آيات لأن هذا العدد مرعيّ في الفاتحة فراعيناه في بدلها، مَتَوَالِيَةٌ، فَإِنْ عَجَزَ، عنها، فَمُتَفَرِّقَةٌ، لأن المتوالية أشبه بالفاتحة، واعتبر الإمام أن تكون مفهمة.
قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، أي في الأُمِّ، جَوَازُ الْمُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَالله أَعْلَمُ، كما في قضاء رمضان، فَإِنْ عَجَزَ، أي عن المتوالية المتفرقة، أَتَى بِذِكْرٍ، للأمر به كما أخرجَهُ الترمذيُّ وَحَسَّنَهُ 1، والأصحُّ: أنه لا يتعين شيء من الذكر.
وَلاَ يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ عَنِ الْفَاتِحَةِ فِي الأَصَحِّ، أى سواء كان المبدل قرآناً أو ذكراً كما لا يجوز النقص عن آياتها، وحروف الفاتحة مائة وخمس وخمسون حرفاً بالبسملة إلا لمن أدغم أو قرأ مالك فإنها تنقص حرفاً وتزيد حرفاً، والثاني: يجوز كما يكفي يوم قصير عن يوم طويل، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئاً وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ، لأنه كان يلزمه عند القدرة قيام وقراءة، فإذا فات أحدهما بقى الآخر.
وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ آمِينَ، للاتباع 2 واختص التأمين بالفاتحة، لأن بعضها

دعاء فاستحب أن يسأل الله إجابته، قال البيهقي في كتاب فضائل الأوقات: وروينا من حديث عائشة مرفوعاً [حَسَدَتْنَا الْيَهُودُ عَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هُدِينَا لَهَا وَضَلُّواْ عَنْهَا، وَعَلَى الْجُمُعَةِ وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الإِمَامِ آمِينَ] 1، خَفِيفَةِ الْمِيمِ بِالْمَدِّ.
وَيَجُوزُ الْقَصْرُ، قُلْتُ: والإمالة والتشديد أيضاً، وآمين: اسمُ فِعْلٍ، يَعْنِي اسْتَجِبْ؛ وهي مبنية على الفتح؛ كَلَيْتَ فإن وقف عليها سكَّنَ.
وَيَؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إِمَامِهِ، لأنه يؤمِّن لقراءته لا لتأمينه، وَيَجْهَرُ بِهِ، أي المأموم في الجهرية، فِي الأَظْهَرِ، كإمامه، والثاني: يُسِرُّ بِهِ كَسَائِرِ الأَذْكَارِ، أما المنفرد والإمام فيجهران قطعاً، ولا يعتد بخلاف فيه، والسرية يُسِرُّ فيها جميعهم كالقراءة، قال صاحب الخصال من قدماء أصحابنا: أربع خصال يجهر بها المأموم خلف إِمامِهِ: قوله آمين، وكذا القنوت في صلاة الصبح، وكذلك في التراويح وكذلك إذا فتح على إمامه.
وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، للاتباع، واحزز بقوله (بَعْدَ) عَمَّا إذا قدمها عليها فإن السورة لا تحسب على المذهب المنصوص، ولو كرر الفاتحة وقلنا لا تبطل صلاته لم تحسب الثانية عن السورة كما ذكره في شرح المهذب فكان ينبغي تقييد السورة بكونها غير الفاتحة.
إِلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، أي من الرُّبَاعِيَّةِ، وكذا الثَّالِثَةِ من المغرب، فِي الأَظْهَرِ، لحديث أبي قتادة [أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأَوَّلَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُوْرَتَيْنِ وَفِي الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ] متفق عليه 2، والثاني: يُسَنُّ فيهما لحديث تَأْمِيْنُهُ تَأْمِيْنَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ].
رواه البخاري في الصحيح: كتاب الأذان: باب جهر الإمام بالتأمين: الحديث (780). وبلفظ [إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِيْنَ؛ وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِيْنَ.
فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ]، باب فضل التأمين: الحديث (781) والحديث (782).

جارٍ التحميل