عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجصفحات 451-461

وَيُنْدَبُ لِلْمَرأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ، أي وهو النَّعْشُ كالقبة على السرير لما فيه من الصيانة، وَلاَ يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا، للتأسي 1، أما الذهاب فالمشي أفضل كما سلف، ويكره الركوب إلاّ لعذر كبعد المكان، وَلاَ بَأْسَ بِاتِّبَاعِ الْمُسْلِمِ جَنَازَةَ قَرِيبهِ الْكَافِرِ؛ لأنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ أمر علياً أن يواري أبا طالب كما رواه أبوَ داود 2، ولا يُكره أيضًا خلافًا للروياني.
فَرْعٌ: لا تَحْرُمُ زيارةُ قبرهِ على الأصح.
وَيُكْرَهُ اللَّغَطُ فِي الْجَنَازَةِ؛ لأن الصحابة كرهوا رفع الصوت عندها كما رواه البيهقي 3، وَاِتْبَاعُهَا بِنَارٍ، أي يُبَخَّرُ بين يديها فِي مجمرة إلى القبر بالإجماع 4، والمعنى فِي ذلك التفاؤل.
فَرْعٌ: ويُكرهُ أنْ يكونَ عند القبرِ مجمرةٌ حالَ الدفن أيضًا.
وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ، أي وكذا مسلم، بِكُفَّارٍ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلاَةُ، توصلاً إلى الواجب، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، أي صلاة واحدة، بِقَصْدِ الْمُسلِمِينَ وَهُوَ الأَفْضَلُ وَالْمَنْصُوصُ، عليه؛ لأنه ليس فيه صلاة على كافر حقيقة،

أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِياً الصَّلاَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَاَن مُسْلِمًا.
وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، أي ويعذر فِي تردده فِي النية للضرورة.
فَرْعٌ: الحكم كذلك إذا اختلط الشهيد بغيره.
فَرْعٌ: يدفنون بين مقابر المسلمين والكفار.
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ تَقَدُّمُ غُسْلِهِ، وَتُكْرَهُ قَبْلَ تَكْفِينِهِ، فلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ، أي كأن وقع فِي بئر، وَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، لفقد الشرط، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجَنَازَةِ الْحَاضِرَةِ وَلاَ الْقَبْرِ، عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، تنزيلاً لها منزلة الإمام، وقد تقدم لك ما فِي تقدم المأموم عليه فِي بابه، قال الإمام: ولا يبعد أن يقال التجويز هنا أَولى؛ لأنها ليست إمامًا متبوعًا حتى يتيقن (•) تقدمه، واحترز بالحاضرة عن الغائبة؛ فإن ذلك يُحْتَمَلُ فيها للحاجة، وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، أي من غير كراهة، بل صرَّح الشيخ أبو حامد وغيره بالاستحباب للاتباع، فِي سهيل بن بيضاء وأخيه كما أخرجه مسلم، قال ابن حبان: وما يعارضه باطل 1. وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفِهِمْ ثَلاَثَةً فَأَكْثَرَ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -[مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلاًثةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ], صححه الحاكم وفي لفظ [فَقَدْ غُفِرَ لَهُ] 2، وَإِذَا صُلَّيَ عَلَيْهِ (•) فِي النسخة (3): يَتَعَيَّنُ.

فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَّى؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلَّى على قبور جماعة، ومعلوم أن هؤلاء ما دفنوا إلاّ بعد الصلاة عليهم، وَمَنْ صَلَّى لاَ يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ، أي لا تستحب الإعادة، وإن صلّى منفردًا, لأن الجنازة لا يُتَنَفَّلُ فيها بخلاف غيرها، فلو صلَّى صحَّت، وفيه احتمال قوي للإمام، والثاني: يستحبُّ كغيرها، والثالث: تَحْرُمُ، حكاه الرويانى.
فَرْعٌ: تقع الثانية نفلاً، وقيل: فرضاً.
وَلاَ تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ، أي ولا لانتظار أحد غير الولي، ولا بأس بانتظار وليها إن لم يخف تغيرها، فإذا صُلِّيَ عليه بودر إلى دفنه فتلك كرامته، ولو قيل بالتأخير لأجل كثرتهم لم يبعد.
وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلاَةِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ] قال البيهقي: هو أصح ما فِي الباب إلاّ أن فيه إرسالًا 1، وَلَوْ نَوَى الإِمَامُ صَلاَةَ غَائِبٍ، وَالْمَأْمُومُ صَلاَةَ حَاضِرٍ، أَوْ فِي الجامع: كتاب الجنائز: باب ما جاء فِي الصلاة على الجنازة وَالشَّفَاعَةُ للميت: الحديث (1028). والحاكم فِي المستدرك: كتاب الجنائز: الحديث (1341/ 77)، ولفظه: [مَا صُفَّ صُفُوفٌ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى جَنَازَةٍ إِلَّا أَوْجَبَتْهُ], وقال: هذا اللفظ حديث ابن عليه فِي لفظ المحبوبي: [إِلَّا غُفِرَ لَهُ], ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي بقوله: على شرط مسلم.

عَكَسَ؛ جَازَ؛ لأن اختلاف نيتهما لا يضر كما لو اقتدى فِي الظهر بالعصر.
وَالدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ، للاتباع، قُلْتُ: إلَّا فِي حق الشهيد، فإنه يستحب أن يدفن حيث قتل للحديث فيه 1 وإن لم أره منقولاً عندنا، قال الحناطي فِي فتاويه؛ ومنها نقلت: ولو دفن لا يجوز نبشه، ثم نقل عن القفال أنه قال فِي فتاويه: إنه يجوز، والدفن فِي البيت ابتداء مكروه، واحتج بما روى أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لامرأة فِي نقل ميتها من بدر إلى مدافن قومها 2، وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ بِهَا، لما فيها من الوحشة.
• قُلْتُ: بل هو منقطعٌ لا يحتج به.
أمَّا أنْه يُصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِهَذَا الْحَدِيْثِ، بَلْ لأنَّهُ لَمْ يُنْقلْ نَهْيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَه سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصَّلاَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ هُوَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ، وَسَكَتَ عَنْ فِعْلِ النَّاسِ فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِ وهو ما جاء فِي الحديث (6933) فِي السنن الكبرى للبيهقي، ورواه مسلم فِي الصحيح: كتاب الجنائز: باب ترك الصلاة على القاتل نفسه: الحديث (107/ 978) عن جابر بن سمرة قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ).
• عن البيهقي رحمه الله: وَرُوِيْنَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيْمَ الْحَنْظَلِيِّ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِيُحَذِّرَ النَّاسَ بِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَلاَ يَرْتكِبُواْ كَمَا ارْتَكَبَ.

وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلاً؛ لأنه أستر فربما ظهر ما يستحب إخفاؤه، وَأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ الله صَلى الله عَلَيْهِ وَسلَّمَ، للاتباع 1، وَلاَ يُفْرَشُ تَحْتَهُ شَيْءٌ؛ وَلاَ مَخَدَّةٌ، أي بل يكره؛ لأنها إضاعة مال.
وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ، بالإجماع، إِلَّا فِي أَرْضٍ نَدِيَّةِ أَوْ رِخْوَةٍ، أي فلا يكره، ولا تنفذ وصيته به، إلاّ فِي مثل هذه الحالة ثم يكون التابوت من رأس المال كذا جزم به فِي الروضة تبعًا للرافعي، ورأيت فِي فتاوى القفال: أنه إذا أوصى بأن يجعل على رأسه عِمَامَةً؛ ويجعل فِي تابوت؛ ويوضع تحت رأسه فراش ووسادة؛ إن كل ذلك يعتبر من الثلث، وَيَجُوزُ، من غير كراهة، الدَّفْنُ لَيْلاً؛ لأن الخلفاء ما عدا علياً وعائشة وفاطمة دُفِنُواْ ليلاً، وقد فعلهُ - صلى الله عليه وسلم - كما صححه الحاكم 2، وَوَقْتَ كَرَاهَةِ أبي وقاص - رضي الله عنه - بالعقيق (تبعد نحو عشرة أميال عن المدينة).
قالت: (فَرَأَيْتُهُ حُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى أُتِيَ بِهِ، فَأُدْخِلَ بِهِ الْمَسْجِدَ مِنْ نَحْوِ دَارَ مَرْوَانَ، فَوُضِعَ عِنْدَ بُيُوتِ النبِي - صلى الله عليه وسلم - بِفَنَاءِ الْحُجَرِ، فَصَلَّى الاِمَامُ عَلَيْهِ وَصَلَّيْنَ عَلَيْهِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ).
رواه البيهقي فِي السنن الكبرى: الأثر (7172). • أما أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ عن الزهري قال: (قَدْ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقْاصِ - رضي الله عنه - مِنَ الْعَقِيْقِ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، وَحُمِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا مِنَ الْجُرْفِ) رواه ابن قدامة فِي المغني والشرح الكبير: ج 2 ص 390، ولكنه قال: سعيد بن زيد.
وفي السنن الكبرى للبيهقي كما أثبتناه: الأثر (7173). والْجُرْفِ: مكان قريب من المدينة، وأهله ما تجرفه السيول من الأودية.
• أما أثر ابن عمر، فرواه ابن قدامة المقدسي رحمه الله فِي المغني: ج 2 ص 390.

الصَّلاَةِ مَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، أي يجوز فيها قطعًا؛ لأنها ذات سبب، وحديث عقبة بن عامر فِي النَّهْي عن ذلك محمول على التحري 1، وَغَيْرُهُمَا أَفْضَلُ، أي والدفن نهارًا أفضل منه ليلاً؛ لأنه أيسر للاجتماع، وكذا الدفن فِي غير أوقات الكراهة أفضل.
فَرعٌ: يؤخذ على أهل الذمة أن لا يظهروا جنائزهم.
وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ؛ وَالْبِنَاءُ؛ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، للنهي عنه؛ ولا بأس بالتطين نص عليه 2، وَلَوْ بُنِيَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ هُدِمَ، لما فيه من التضييق على الناس؛ ومن فَرَأَى رَجُلٌ نَارًا فِي قَبْرِهِ؛ فَأَتَاهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: [هَلُمُّواْ إِلَيَّ صَاحِبَكُمْ] فَإذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ).
رواه الحاكم فِي المستدرك: الحديث (1361/ 97) والحديث (1362/ 98)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولمِ يخرجاه، وله شاهد بإسناد معضل، وهي رواية له عن أبي ذر، وفيه قال أبو ذر: (فَخَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمَقَابِرِ يَدْفِنُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَمَعَهُ الْمِصْبَاحُ).
ووافقه الذهبي وقال: هو كما قاله الحاكم.

ذلك الْقِرَّافَةُ، فإِنَّ ابنَ عَبْدِ الْحَكَمِ ذَكَرَ فِي تَارِيْخِ مِصْرَ أَنُّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَعْطَاهُ الْمُقَوقِسُ فِيْهَا مَالاً جَزِيْلًا وَذَكَرَ أَنَّا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ الأُوَلِ أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؛ فَكَاتَبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي لاَ أَعْرِفُ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ إِلَّا لأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِيْنَ؛ فَاجْعَلْهَا لِمَوْتَاهُمْ أو كما قال، وقد نقل الإفتاء بهدم ما بُنى فيها عن ابن الجميزي والظهير التِزْمَنتي وغيرهما؛ قال الشافعي: فإن كان البناءُ فِي مُلْكِه؛ فإن لم يكن محظورًا لم يكن مختارًا.
وَيُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، للإتباع 1، وخرج بالماء الماورد فإنه إضاعة مال، ويكره أيضًا أن يُطلى بالخلوق، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصَّى وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ.
وَجَمْعُ الأَقَارِبِ فِي مَوْضِعٍ، للإتباع 2، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، بالاجماع 3، ويستحب الوضوء لزيارتها؛ قاله القاضي حسين فِي شرح الفروع.
وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِىٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا: [اتَّقِي الله

وَاصْبِرِي] 1، الحديث متفق عليه، وجه الدلالة أنه لم ينهها عن الزيارة، وكذا

استدل لها بهذا الحديث، وَقِيلَ: تَحْرُمُ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَهُنَّ كما صححه الترمذي 1، وَقِيلَ: تُبَاحُ، أي إذا أمِنَت الفتنة وصححه الروياني، وقيل: إن كانت لتجديد حزن ونحوه حُرِّم، أو للاعتبار فلا، أو إلا أن تكون عجوزًا لا تشتهى كحضور الجماعة فِي المساجد وهو حسن، وزيارتهن لقبر سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستحبة قطعًا ولقبر الأولياء والصالحين والشهداء جائزة قطعًا 2، وَيُسَلَّمُ الزَّائِرُ، للاتباع 3، وَيَقْرَأُ وَيَدْعُوُ، أي عقبها رجاء الأجابة، ويكون الميت كالحاضر يُرْجَى لَهُ الرحمة والبركة.
وَيَحْرُمُ نَقْلُ الْمَيِّتِ، أي قبل دفنه، إِلَى بَلَدٍ آخَرَ؛ لأن فِي نقله تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته من وجوه، ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، حُكِىَ عن عائشةَ رضي الله عنها 4، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ

بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ، أي فإنه ينقل إليها لفضلها، وهذا ظاهر إن لم يوجب النقل تَغَيّرًا، ولو كان بقربه قرية أهلها صالحون فلا يبعد إلحاقه بها, ولو أوصى بنقله من بلد موته إلى أَحدِ الأماكن المذكورة أيضًا لزم تنفيذ وصيته، وإلا فلا، وإنما تنفذ قبل الدفن، أما بعده فلا، وفيه نظر واحتمال.
وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ، لما فيه من هتك حرمة الميت، إِلَّا لِضَرُورَةٍ: بِأَنْ دُفِنَ بلاَ غُسْلٍ؛ لأنه واجب فاستدرك وجوباً عند فوته فينبش ما لم يتغير الميت بِالنَّتَنِ (•) أو بالتقطع، أَوْ فِي أَرْضٍ، أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ؛ لأن حرمةَ الحيِّ أَوْلى بالمراعاة؛ وكذا ثوب الحرير، وفيه نظر للمصنف.
فَرْعٌ: لو تنازع الورثة فِي دفنه فِي المقبرة أو فِي بيته، وبادر بعضهم إلى الثاني، فللباقين نقله، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَالٌ، يعني فِي القبر فإنه يُنْبَشُ، ولو قَلَّ الْمَالُ؛ لأن فِي تركه إضاعةٌ له، وقد نهينا عنها، وقيَّد صاحب المهذب المسألة بما إذا طلب المال صاحبه، وتبعه ابن أبي عُصْرُون.
فَرْعٌ: لَوْ بَلَعَ الْمَيِّتُ مَالَ غَيْرِهِ شُقَّ جَوْفُهُ وَأُخْرِجَ عَلَى الأَصَحِّ، قال أبو المكارم فِي العُدَّةِ: إلَّا أن يضمن الورثة مثله أو قيمته فلا يشق على الأصح، قال فِي شرح المهذب: وهذه المقال غريبة، والمشهور: إطلاق الشَّقِّ من غير تفصيل، ولو بلع مال نفسه ومات؛ فالأصح أنه لا يُخْرَجُ.
أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؛ لأنه واجب كما سلف فاستدرك وجوباً عند فوته هذا إذا لم يتغر الميت، فإن تغير فلا ينبش، لاَ لِلتَّكْفِينِ فِي الأَصَحِّ؛ لأن غرض الكفن الستر وقد حصل بالتراب، والثاني: يُنْبَشُ لَهُ، كما إذا دفن بلا غسل بجامع الوجوب، قُلْتُ: وينبش أيضًا إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة؛ وفيما إذا علق الطلاق على صفة كما لو قال: إن ولدت ذكرًا فأنت طالق طلقة، وإن ولدت أنثى أَنِّي وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ دُفِنَ فِي مَكَانِهِ]: فِي السنن الكبرى: الأثر (7171). (•) فِي النسخة (1): بالنبش.

فأنت طالق طلقتين، فولدت ميتًا لا يعرف حاله وَدُفِنَ قبل العلم بحاله كما رجحه فِي الروضة فِي بابه.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ، للاتباع 1، ويستحب تلقينه عند دفنه أيضًا، ولا يلقن الصبي، وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَجْهَيْنِ؛ قَبْلَ إِهَالَةِ التُّرابِ أَوْ بَعْدَهُ، وقال: المختارُ الأَوَّلُ.
وسُئل الحناطي عن الأنبياء والأولياء هل يحاسبون يوم القيامة؟ فأجاب؛ ومن فتاويه نقلتُ: إنهم يحاسبون بأعمالهم، وقال: كذلك الكُفَّارُ يُعَرَّفُونَ ما عملوا ثم يُؤْمَرُ بهم إلى النار، قال: والصحيح أن الكافر وُكِّلَ به مَنْ يكتب عمله من المَلَكَين كما على المسلم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ 2 فهؤلاء هم الكفار عند أكثر العلماء وهو الصحيح، وأما من أوتي كتابه بيمينه كان مؤمنًا مصلحًا، وأما من أوتي كتابه بشماله كان فاسقًا فاجرًا.
وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعَهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، أي وكذا أقرباؤه الأباعد للنص فيه، ولو كان الْمَيِّتُ فِي بلد آخر خوطب بذلك جيران أهله، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ فِي الأَكْلِ، أي استحبابًا 3، وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه إعانة على المعصية، وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحبة.

كِتَابُ الزَّكَاةِ الزَّكَاةُ: هِيَ لُغَةً النَّمَاءُ، وَقِيْلَ: الطَّهَارَةُ، وَفِي الشَّرْعِ اسمٌ لِمَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَالِ طُهْرَةً لَهُ، وَالأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَغَيْرَهَا (898)، وَالسُنَّةُ الشَّهِيْرَةُ الْمُستَفِيْضَةُ.

بَابُ زَكَاةِ الْحَيْوَانِ

بَدَأَ بها اقتداء بكتاب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - الَّذي كتبه لأنس؛ وقد أخرجه البخاري بطوله مفرَّقًا.
إِنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ فِي النَّعَمِ: وَهِيَ الإِبِلُ وَالْبَقَرُ، أي الأهلية، وَالْغَنَمُ.
أما دليل وجوب الزكاة فيها فالإجماع شاهدٌ له، وأما انتفاء الوجوب عمَّا عداها فدليلُه الإجماعُ فِي البغال والحمير وذكور الخيل المفردة، لَا الْخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ]، متفق عليه 2 ولا يرد ما إذا كانت الخيل والبغال والحمير للتجارة؛ لأن الكلام فيما يجب فِي العين لا فِي القيمة، وَالْمُتَوَلَّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ، لأنها لم تتمخض نعمًا، وَلَا شَيْءَ فِي الإِبِلِ حَتَّى تَبْلُغَ1

جارٍ التحميل