عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاجكِتَابُ الأَطْعِمَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأَصْلُ فِي الْبَابِ آيَاتٌ مِنْهَا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ 1. حَيْوَانُ الْبَحْرِ السَّمَكُ مِنْهُ حَلَالٌ كَيْفَ مَاتَ، لما سلف فِي باب الصيد والذبائح، وقوله (كَيْفَ مَاتَ) أي: أنَّه لا فرق بين أن يموت حتف أنفه أو بسبب ظاهر كصدمة حجر وضغطةٍ ونحوها، وَكَذَا غَيْرُهُ، أي غير السمك من حيوان البحر مما ليس على صورته، فِي الأَصَحِّ، لإطلاق قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ 2 وقوله - صلى الله عليه وسلم -[الْحِلَّ مَيْتَتُهُ] 3، وإنما قدرتُ فِي كلام المصنف ما قدمته؛ لأنه صحَّحَ فِي أصل الروضة إطلاق اسم السمك على جميع ما فِي البحر، وَقِيْلَ: لَا، لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ خَصَّ السمكَ بالحلِّ فِي قوله [أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ] 4 فيبقى ما سواهما داخل تحت تحريم الميتة؛ لكن حَدِيْثَ حِلِّ الميتةِ عامٌّ، وَقِيْلَ: إِنْ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ حَلَّ، أي كالبقر والشاة حل، وَإلَّا فَلَا: كَكَلْبٍ وَحِمَارٍ، اعتبارًا لما فِي البحر بما فِي البر؛ ولأن الاسم يتناوله فأجرى عليه حكمه؛ فعلى هذا إن وجد ما لا نظير له فِي البر فهو حلال لقصة العَنْبَرِ؛ وهي فِي الصحيح؛ ولا نظير لها فِي البر؛ وعلى هذا لا يحلُّ ما أشبهَ الحمارَ وإن كان فِي الْبَرِّ حمارُ الوحش.

الجزء: 4 - الصفحة: 1746

فَرْعٌ: إذا حكمنا بِحِلِّ ما سوى السمك من حيوان البحر، فقيل: يشترط فيه الذكاة، والأصح: لا، بل تحلُّ مَيْتَتُهُ أيضًا.
وَمَا يَعِيْشُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ: كَضِفْدَعٍ وَسَرَطَانٍ وَحَيَّةٍ حَرَامٌ، أما الضِّفْدَعُ؛ فلأنه صحَّ النهيُ عن قتلهِ 5 وَمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مُحَرَّمٌ، ولأنه مستخبثٌ، وقيل: هو سَمٌّ.
وأما السَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ؛ فَلِما فيهما من الضَّرَرِ، وكذا ذاتُ السُّمُومِ، وقال المصنف فِي شرح المهذب: الصحيحُ المعتمدُ أنَّ جميع ما فِي البحر حلالٌ مِيْتَتُهُ إلَّا الضِّفْدَعُ، ويحمل ما ذكر الأصحاب أو بعضهم من السُّلَحْفَاةِ وَالْحَيَّةِ وَالنَّسْنَاسِ على ما يكون فِي غير البحر.
وَحَيْوَانُ الْبَرِّ يَحِلُّ مِنْهُ الأَنْعَامُ، بالإجماع: وهي الإبل؛ والبقر؛ والغنم، وَالخَيْلُ، لأنهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [رَخَّصَ فِيْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ] متفق عليه 6 [وَأُكِلَ فِي بَيْتِهِ] كما رواه أحمد 7.

الجزء: 4 - الصفحة: 1747

وَبَقَرُ وَحْشٍ وَحِمَارُهُ، لأنهما من الطيبات.
وَظَبْيٌ، بالإجماع، ولأنه من الطيبات أيضًا.
وَضَبْعٌ، لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [الضَّبْعُ صَيْدٌ فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيْهِ جَزَاءٌ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَتُؤْكَلُ] رواه الحاكم من حديث جابر وقال: صحيح الإسناد 8، ونابُهُ ضعيف لا يتقوى به ولا يفترس به ولا يعيش به، وقيل: أنَّه من أحمق الحيوان؛ لأنه يتناوم حتى يصطاد، وقَال أبو حنيفة ومالك بتحريمه لحديث فيه لا يصحُّ 9. وَضَبٌّ، لأنه أُكِلَ بِحَضْرَتِهِ الْكَرِيْمَةِ؛ وَقَالَ [لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ] متفق عليه 10. وَأَرْنَبٌ، لأنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [أَكَلَ مِنْهَا] كما أخرجه البخاري 11،

الجزء: 4 - الصفحة: 1748

وأغرب أبو حنيفة بتحريمها، وَثَعْلَبٌ، لأنه من الطيبات ونابه ضعيف، وَيَرْبُوعٌ، لأن العرب تستطيبهُ ونابهُ ضعيفٌ أيضًا، وَفَنَكٌ، قيل: إلحاقًا له بالثعلب وهو بفتح الفاء والنون دابَّةٌ يَفْرَى جِلْدُهَا، وحكى في الْمُحْكَمِ كسر الفاء وسكون النون، وَسَمُّورٌ، إلحاقًا بالثعلب أيضًا وهو بفتح السين وتشديد الميم قال ابن دَرَسْتَوَيْهِ: وهو دابة بريَّةٌ مثل السنور ويتخذ من جلودها الفراء للينها وخفتها ودفائها وحسنها وهو أعجمي معرب، ووقع في تهذيب اللغات للمصنف: أنه طائر معروف.
وَيَحْرُمُ بَغْلٌ؛ وَحِمَارٌ أَهْلِيٌّ، للنهي عنهما كما صححه الحاكم 12، والنهي عن الْحُمُرِ في الصحيحين 13، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ، وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ: كَأَسَدٍ؛ وَنَمِرٍ؛ وَذِئْبٍ؛ وَدُبًّ؛ وَفِيْلٍ؛ وَقِرْدٍ؛ وَبَازٍ؛ وَشَاهِيْنٍ؛ وَصقْرٍ؛ وَنَسْرٍ؛ وَعِقَابٍ، أي وجميع جوارح الطير لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ في الصحيحين 14 وَعَنْ كُلِّ ذِي مَخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ في مسلم 15. والمراد من ذي = الصيد: الحديث (2572)، وفي كتاب الذبائح والصيد: باب الأرنب: الحديث (5535). ومسلم في الصحيح: كتاب الصيد والذبائح: باب إباحة الأرنب: الحديث (53/ 1953).

الجزء: 4 - الصفحة: 1749

النابٍ الذى يَعْدُو على الحيوان ويتقوَّى بنابه، والتحريمُ منوطٌ بِعَدْوِهِ بِنَابِهِ على النص، وَكَذَا ابْنِ آوَى؛ وَهِرَّةِ وحشِ فِي الأَصَحَّ، لأن العرب تستخبث الأول والهرة الوحشية تعدو بنابها، والثاني: لا؛ لضعف ناب الأول، وأما في الهرة فبالقياس على الحمار الوحشي، واحترز بـ (الوحشي) عن الهرة الأهلية؛ فإنها حرام على المعروف؛ لأنها تعدُو وتعيش بنابها وقد ورد في الخبر أنها سَبُعٌ 16. وَيَحْرُمُ مَا نُدِبَ قَتْلُهُ: كَحَيَّةٍ؛ وَعَقْرَبِ؛ وَغُرَابٍ أَبْقَعَ؛ وَحِدَأًةٍ؛ وَفَأْرَةٍ؛ وَكُلَّ سَبُعٍ ضَارًّ، أي كأسد ونمر وغيرهما مما سلف لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابَّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلَّ وَالْحَرَمِ: الْغَرَابُ؛ وَالحِدَأَةِ؛ وَالْفَأْرَةِ؛ وَالْعَقْرَبِ؛ وَالْكَلْبِ العَقُورِ] متفق عليه 17 وفي رواية لمسلم [الغُرَابُ الأَبْقَعُ]، وفي رواية له: [أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ] 18 وفي رواية لأبي داود والترمذي؛ وقال: حسنٌ من حديث أبي سعيد الخدري، ذَكَرَ السَّبُعَ الْعَادِيَ مَعَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ 19، والسبب في حرمة ما أُمر بقتله من الحيوان: أن الأمر = والذبائح: باب تحريم أكل كل ذي ناب: الحديث (16/ 1934).

الجزء: 4 - الصفحة: 1750

بقتله إسقاطٌ لحرمتهِ ومنعٌ من اقتنائِهِ، وَكَذَا رَخْمَةٍ، لخبثِ غِذائها؛ وَبُغَاثَةٍ كَالْحَدَأَةِ وهي طائر أبيض بطيءُ الطيران أصغر من الحدأة وأوله فيه الحركات الثلاث (•).
وَالأَصَحُّ: حِلُّ غُرَابِ زَرْعٍ، أي وهو أَسْوَدٌ صغيرٌ يقال له الزَّاغُ وقد يكون مُحْمَرُّ المنقار والرجلين؛ لأنه مستطاب يأكل الزرع فأشبه الْفَوَاخِتَ، والثاني: أنه حرام؛ لأنه من جنس الغربان؛ وَيَحْرُمُ الغرابُ الأسود على الأصحِّ، وكذا الْغُدَافُ الصغير على الأصح في أصل الروضة؛ وإن كان ظاهر إيراد الرافعي تصحيحُ الْحِلِّ.
وَتَحْرِيْمُ بَبَغَا وَطَاوُسٍ نقله الرافعي عن تصحيح البغوي خاصة ولم يعلله ولا علل مقابله، وَالْبَبَغَاءُ بفتح الْبَاءَيْنِ والأُولى مفتوحةٌ والثانية مشدَّدةٌ ومنهم من ضبطها بإسكانِ الثانية، واقتصر المصنفُ فيما رأيته بخطَّهِ على تشديدِ الباء الثانيةِ وعَلَّمَ على الألف علامة القَصْرِ، قال الصَّاغَانِيُّ في عِبَابِهِ؛ ومن خطَّهِ نقلتُ: البَبَغَا هذا الطائرُ الأخضرُ المعروفُ يعني الدُّرَّةُ.
وَتَحِلُّ نَعَامَةٌ؛ وَكُرْكِيٌّ؛ وَبَطٌّ؛ وَإِوَزٌّ؛ وَدَجَاجٌ؛ وَحَمَامٌ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ وَمَا عَلَى شَكْلِ عُصْفُورٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ كَعَنْدَلِيْبٍ؛ وَصَعْوَةٍ؛ وَزَرْزُورٍ، لأنها من الطيبات والإِوزُ بكسر الهمزة حكى عن البطليوسي وِزَّةٌ، وقال صاحب الواعي: الأَوَزُّ طيرُ الماءِ واحدُها إِوَزَّةٌ وهو الطيرُ الذي يقالُ له الْبَطُّ، وكذا قال ابن خَالَوَيْهِ الإِوَزُّ الْبَطُّ صِغَارُهُ وَكِبَارُهُ فينكرُ على المصنف جَمْعُهُ بينهما، والدجاجُ مُثَلَّثُ الدَّالِ حكاه غير واحد وقوله (عَبَّ وهدَرَ) الأشبه كما قال الرافعي: أن ما عبَّ = وَالْعَقْرَبُ؛ وَالفُوَيْسِقَةُ؛ وَيُرْمَى الْغُرَابُ وَلاَ يَقْتُلُهُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ، وَالحِدَأَةُ، وَالسَّبُعُ الْعَادِي] رواه أبو داود في السنن: كتاب المناسك: باب ما يقتل المحرم من الدواب: الحديث (1848). والترمذي في الجامع: كتاب الحج: باب ما يقتل المحرم من الدواب: الحديث (838)، وقال: هذا حديث حسن.
• وَقالَ التَّرمِذِيُّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: (كُلُّ سَبُعٍ عَدَا عَلَى النَّاسِ أَوْ عَلَى دَوَابَّهِمْ، فَلِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ).
(•) بُغَاثَةٌ؛ بَغَاثَةٌ؛ بِغاثَةٌ.

الجزء: 4 - الصفحة: 1751

وهدَرَ، وَالْعَبُّ شِدَّةُ جُرَعِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَالْهَديْرُ: تَرجِيْعُ الصَّوتِ وَمُوَاصَلَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْطِيْعٍ لَهُ، وَالْعُصْفُورُ بضمِّ العين وحكى فتحها، وَالعَنْدَلِيْبُ بفتح العين والدال وهو طائرٌ يقال لهُ الْهَزَّارُ، والجمعُ الْعَنَادِلُ؛ لأنك ترده إلى الرباعي ثم تبني منه الجمع، وَالْبُلْبُلُ يُعَنْدِلُ إِذَا صَوَّتَ قاله الجوهري، والصَعَوَةُ بفتح الصاد والعين المهملتين، لاَ خُطَّافٌ، لورود النهي عن قتله 20 وهو الْخُفَّاشُ كما نص عليه أهل اللغة، وإن كان كلام المصنف في الروضة تبعًا للرافعي يقتضي تغايرهما، وَنَمْلٌ وَنَحْلٌ، للنهي عن قتلهما 21، وعن الخطابي: أن النهي الوارد في قتل النمل المراد به السُليماني أي لانتفاء الأذى منه دون الصغير 22، وكذا نقل عن شرح السُّنَّةِ أيضًا، وَذُبَابٌ وَحَشَرَاتٌ كَخُنْفَسَاءَ وَدُودٍ، لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ 23، وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، تغليبًا للتحريم، وَمَا لاَ نَصَّ فِيْهِ

الجزء: 4 - الصفحة: 1752

إِنِ اسْتَطاَبَهُ أَهْلُ يَسَارٍ وَطِبَاعٍ سَلِيْمَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، أي مَنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، فِي حَالِ رَفَاهِيَةٍ حَلَّ، وَإنِ اسْتَخْبَثُوهُ فَلاَ، لأن القرآن أُنْزِل بلغتهم وهم المخاطَبون به، ويشترط فيهم الشروط المذكورة فلا عبرة بأهل الحاجة ولا بالأجْلاَفِ ولا بحال الْجَدْبِ، وَإن جُهِلَ اسمُ حَيَوَانٍ سُئِلواْ وَعُمِلَ بِتَسْمِيَتِهِمْ، أي حِلًا وحُرمًا، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ عِنْدَهُمْ اعْتُبِرَ بِالأَشْبَهِ بِهِ، أى إما صورةً أو طبعًا أو طعمًا 24. فَصْلٌ: وَإِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرُ لَحْمِ جَلَّالَةٍ حَرُمَ أَكْلُهُ، لأنها صارت من الخبائث، وَقِيْلَ: يُكْرَهُ، لأن النهي الوارد فيه إنما كان لتغير اللحم وهو لا يوجب التحريم بدليل المذكى إذا جاف وهذا ما نقله الرافعي في الشرح والتذنيب عن إيراد الأكثرين، لا جَرَمَ عقّبه المصنف بقوله: قُلْتُ: الأَصَحُّ يُكْرَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ، وتبع الرافعي في المُحَرَّرِ الإمام والبغوي والغزالي لكنه اعترض عليه في التذنيب، والجلاّلة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم والدجاج، ثم قيل: إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة، وإن كان الطّاهر أكثر فلا، وهذا قضية كلام المصنف في تحريره، والصحيح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة والنتن كما جزم به المصنف فإن وجد في عرقها وغيره ريح الجلالة فهو موضع النهي وإلاّ فلا، فَإِنْ عُلِفَتْ طَاهِرًا فَطَابَ، لَحْمُهَا، لزوال التغيير، حَلَّ، لزوال العلة.
فُرُوعٌ: كما يمنع لحمها يمنع لبنها، وكذا بيضها، ويكره الركوب عليها بدون حائل، وحكمُ السَّخْلَةِ الْمُرَبَّاة بِلَبَنِ كَلْبٍ كَالْجَلَّالَةِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 1753

وَلَوْ تَنَجَّسَ طَاهِرٌ كَخَلًّ وَدُبْسٍ ذَائِبٍ حَرُمَ، أي أَكْلُهُ لأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَكُونُ فِي السَّمْنِ فَقَالَ: [إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقَوْهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ] وقد سبق في النجاسات 25، وفي البيع وجه أنه يمكن تطهير الدهن، فعلى ذلك الوجه إذا غسل يزول التحريم، وَمَا كُسِبَ بِمُخَامَرَةِ نَجِسٍ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ مَكْرُوهٌ، للنهي عنه 26، وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَأْكُلَهُ وَيُطْعِمَهُ رَقِيْقَهُ وَنَاضِحَهُ، لأن مُحَيَّصَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَنَهَاهُ عَنْهُ فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: [أَعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ] حَسَّنَهُ الترمذيُّ وصححهُ ابنُ حبَّان 27

الجزء: 4 - الصفحة: 1754

وأخرجه مالك في الموطأ عن ابن مُحَيَّصَةَ وزاد [وَأَطْعِمْهُ رَقِيْقَكَ] 28 والفرق بين الحر والعبد أنه كَسْبُ دَنِيًّ والعبدُ دَنِيٌّ فصرف الدَّنِيُّ إلى الدَّنِيَّ، وقيل: يكرهُ للعبد أيضًا؛ ونسبه الماوردي إلى الأكثرين.
وَيَحِلُّ جَنِيْنٌ وُجِدَ مَيِّتًا فِي بَطْنٍ مُذَكَّاةٍ، أى سواء أشعرَ أم لا؟ لقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [ذَكَاةُ الْجَنِيْنِ ذَكاةُ أُمَّهِ] صححهُ ابن حبان 29، قال الجويني: وإنما يحل إذا سكن في البطن عقب ذَبْحِ الأُمَّ، فأما لو بقي زمانًا طويلًا يضطرب ثم سكن وتحرك فالصحيح أنه حرام.
فَصْلٌ: وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مُخَوَّفًا وَوَجَدَ مُحَرَّمًا، أى كميتة؛ ودم؛ ولحم خنزير؛ وما في معناها، لَزِمَهُ أَكْلُهُ، كما يجب دفع الهلاك بأكل الحلال، = (1277)، وقال: حسن صحيح.
وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: كتاب الإجارة: الحديث (5132).

الجزء: 4 - الصفحة: 1755

وَقِيْلَ: يَجُوزُ، ولا يجب؛ لأنه قد يريدُ التَّوَرُّعَ لتردُّده في الانتهاء إلى حد الضرورة كَالْمَصُولِ عليهِ يتردَّدُ في القدر الدافع للصائل فيتورَّعُ.
فَرْعٌ: خوفُ طولِ مدَّةِ المرضِ كخوفِ الموتِ، وكذا الضعف عن المشي أو الركوب، وكذا الانقطاع عن الرفقة، وكذا إذا عيل صبره وجهده الجوع.
فَرْعٌ: ليس للعاصي بسفره أكل الميتة حتى يتوب على الصحيح.
فَإِنْ تَوَقَّعَ حَلاَلاً قَرِيْبًا لَمْ يَجُزْ غَيْرُ سَدَّ الرَّمَقِ، لأندفاع الضرورة به، وَإِلاَّ، أي وإن لم يتوقعه، فَفِي قَوْلِ: يَشْبَعُ، أي بحيث تنكسر سورة الجوع؛ لأن ما يحل منه القدر الذي يسد الرمق يحل القدر المشبع كالطعام المباح، وَالأَظْهرُ: سَدُّ الرَّمَقِ، لاندفاع الضرورة به، إِلَّا أن يَخَافَ تَلَفًا إِنِ اقْتَصَرَ، على سد الرمق فإنه يشبع وجوبًا قطعًا؛ وإن كان في بلد وتوقع الحلال قَبْلَ عَوْدِ الضَّرُورَةِ، قال الإمام: يجب القطع بالاقتصار على سَدَّ الرَّمَقِ.
وَلَهُ أَكْلُ آدَمِيِّ مَيَّتٍ، لأن حرمة الحي أعظم فلا يأكل منه إلاّ ما يسد الرمق، وليس له طبخهُ وشَيِّهِ كما قال الماوردي، ويستثنى ما إذا كان الميت نبيًا؛ فإنه لا يجوز الأكل منه قطعًا كما قاله المروزي، وما إذا كان الميت مسلمًا والذمي مضطرًا على الأقيس في الروضة.
وَقَتْلُ مُرْتَدًّ وَحَرْبِيًّ، لأنهما ليسا معصومين، لاَ ذِمَّيًّ وَمُسْتَأْمِنٍ وَصَبِيًّ حَرْبِيًّ، لحرمة قتلهم، قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ قَتْلِ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةِ الْحَرْبِيَّيْنِ لِلأَكْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنهما ليسا بمعصومين وليس المنع من قتلهما في غير حالة الضرورة لحرمة روحهما بل لحق الغانمين، ألا ترى أنه لا تتعلق به الكفارة.
وَلَوْ وَجَدَ طَعَامَ غَائِبٍ أَكَلَ، لدفع الإضرار، وَغَرِمَ، مراعاة لِحَقَّ الغيرِ، أَوْ حَاضِرٍ مُضْطَرًّ لَمْ يَلزَمْهُ بَذْلُهُ إِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ، إبقاءً لمهجته، اللهم إلّا أن يكون غير المالك نبيًا؛ فإنه يجب على المالك بَذْلُه له، فَإِنْ آثَرَ مُسْلِمًا جَازَ، قال تعالى:

الجزء: 4 - الصفحة: 1756

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .... ﴾ الآية 30، أما الكافر فلا، وإن كان ذميًا وكذا البهيمة، أَوْ غَيْرَ مُضْطَرًّ لَزِمَهُ إِطْعَامُ مُضْطَرًّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمَّيًّ، أى أو مستأمن، وكذا لو كان يحتاج إليه في تأتي الحال في الأصح، فَإِنِ امْتَنَعَ، أي المالك من إطعامه، فَلَهُ، أي للمضطر، قَهْرُهُ، أي على أخذه، وَإنْ قَتَلَهُ، أي ويكون مُهْدَرًا، وَإنَّمَا يَلْزَمُهُ، يعني المالك الإطعام، بِعِوَضٍ نَاجِزٍ إِنْ حَضَرَ، وَإِلَّا فَبِنَسِيْئَةٍ، أى ولا يلزمه البذل مجانًا، فَلَوْ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا فَالأَصَحُّ: لاَ عِوَضَ، حملًا على المسامحة المعتادة في الطعام سيما في حق المضطر، والثاني: يلزمه؛ لأنه خَلّصَّهُ من الهلاك بذلك فرجع عليه بالبذل كما في العفو عن القصاص.
فَرْعٌ: كما يجب البذل لإبقاء الآدمي المعصوم يجب لابقاء البهيمة المحترمة وإن كانت ملكًا للغير.
وَلَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَيْرِهِ، أَوْ مُحْرِمٌ مَيْتَةً وَصَيْدًا فَالْمَذْهَبُ أَكْلُهَا، لأنه لا ضمان فيها، وفي الأُولى وجه: أنه يأكل الطعام؛ لأنه حلال العين، ووجه ثالث: أنه يتخير بينهما، وفي الثانية قول: أنه يأكل الصيد؛ لأن تحريم الميتة آكد وأغلظ؛ لأنه يَتَأَبَّدُ وَيَعُمُّ الْمُحرِمَ وغيره وتحريم الصيد بخلافه، وفي قول أو وجه: يتخيّر بينهما كما في الأَولى، وكان ينبغي للمصنف التعبير في الأُولى بالأصح؛ لأنها ذات ثلاثة أوجه، وقيل أقوال، وأما الثانية: فيصح التَعْبِيرُ فيها بالمذهب؛ لأن الأكثر على بناء الخلاف في أن ما يذبحه المُحرَّم هل يصير ميتة، إن قلنا: نعم أكل الميتة قطعًا، وإلّا فقولان، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيْمُ قَطْعِ بَعْضِهِ لأَكْلِهِ، لأنه قطع لحم حي قد يتوقع منه الهلاك وكقطعه من غيره، والثاني: لا؛ لأنه إتلاف بعضٍ لاستبقاء الكل فأشبه قطع اليد بسبب الأكَلَةِ، قال الرافعي في شرحيه: ويشبه أن يكون هذا أظهر؛

الجزء: 4 - الصفحة: 1757

وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره لا جرم اعترض المصنف عليه بقوله: قُلْتُ: الأَصَحُّ جَوَازُهُ، ثم قال: وَشَرْطُهُ، أي شرط قطع بعضه لأكله، فَقْدُ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، أي فإن وجد شيئًا يأكله حرم قطعًا، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مِنْ قَطْعِهِ أَقَلَّ، أي فإن كان أكثر حُرَّم قطعًا، وَيَحْرُمُ قَطْعُهُ، أي من نفسه، لِغَيْرِهِ وَمِنْ مَعصُومٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، إذ ليس فيه إتلاف البعض لإبقاء الكل.

الجزء: 4 - الصفحة: 1758

فصول الكتاب · 77 فصل
فصول عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
المقدمةكِتَابُ الطَهَارَةِكِتَابُ الصَّلاَةِكِتَابُ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب الصيامكِتَابُ الاِعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكتاب البيعكِتَابُ السَّلَمِكِتَابُ الرَّهنِكتاب التفليسكِتَابُ الْصُّلْحِكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكِتَابُ الْوَكَالةِكتاب الإقراركِتَابُ الْعَارِيَّةِكِتَابُ الْغَصْبِكتاب الشفعةكِتَابُ الْقراضِكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء المواتكتاب الوقفكتاب الهبةكِتَابُ الْلُّقَطَةِكِتَابُ الْلَّقِيطِكتاب الجُعَالةِكتاب الفرائضكتاب الوصاياكِتَابُ الْوَدِيعَةِكِتَابُ قَسْم الفَيْءِ وَالغَنِيمَةِكِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِكِتَابُ الْنِّكَاحِكتاب الصَّدَاقكِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَكِتَابُ الْخُلْعِكتاب الطلاقكتاب الطلاقكتَابُ الرَّجْعَةِكِتَابُ الإِيْلاءِكتاب الظهاركتاب الكفارةكتاب اللعانكِتابُ الْعَدَدِكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب الجراحكتاب الدياتكتاب دعوى الدم والقسامةكِتَابُ البُغَاةِكِتَابُ الرِّدَّةِكِتَابُ الزِّنَاكِتَابُ حَدَّ الْقَذْفِكِتَابُ قَطْعِ الْسَّرِقَةِكِتَابُ قَاطِعِ الْطَّرِيقِكتاب الأشربةكِتَابُ الصِّيَالِ وضَمَانِ الوُلاَةِكِتَابُ السِّيَّرِكِتَابُ الْجِزْيَةِكِتَابُ الْهُدْنَةِكِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِكِتَابُ الأضْحِيَّةِكِتَابُ الأَطْعِمَةِكِتَابُ الْمُسَابَقَةِ والْمُنَاضَلَةِكِتَابُ الأَيْمَانِكتاب النذركِتَابُ الْقَضَاءِكِتَابُ الشَّهَادَاتِكتاب الدعوى والبيناتكتاب العتقكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الْكِتَابَةِكِتَابُ أمَّهَاتِ الأوْلاَدِ
جارٍ التحميل