إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعينصفحات 282-309
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب الصوم

صفحات 282-309
عن هذه الطبعة
عَلَم
البكري الدمياطي
الكتاب
إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (هو حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين)
المؤلف
أبو بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي (المتوفى: 1310هـ)
الناشر
دار الفكر للطباعة والنشر والتوريع
الطبعة
الأولى، 1418 هـ - 1997 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
  • ككذب وغيبة، ومشاتمة - لانه محبط للاجر، كما صرحوا به، ودلت عليه الاخبار الصحيحة، ونص عليه الشافعي والاصحاب، وأقرهم في المجموع، وبه يرد بحث الاذرعي حصوله وعليه إثم معصيته.
    وقال بعضهم: يبطل أصل صومه، وهو قياس مذهب أحمد في الصلاة في المغصوب.
    ولو شتمه أحد فليقل - ولو في نفل - إني صائم، مرتين أو ثلاثا - في نفسه - تذكيرا لها، وبلسانه: حيث لم يظن رياء، فإن اقتصر على أحدهما: فالاولى  الخطيب، ومثله الجمال الرملي، ونقله عن إفتاء والده - كما علمت.
    (قوله: ومما يتأكد للصائم الخ) أي من حيث الصوم، فلا ينافي ذلك وجوب الكف عن ذلك من حيثية أخرى، فإذا كف لسانه عن ذلك يثاب عليه ثوابين: واجبا - من حيث وجوب صون اللسان عن المحرمات - ومندوبا - من حيث الصوم - وإذا لم يكف لسانه عن ذلك - بأن اغتاب مثلا - حصل الإثم المرتب على الغيبة في نفسها، للوعيد الشديد عليها، وحصل بمخالفته أمر الندب بتنزيه الصوم عن ذلك إحباط ثواب الصوم زيادة على ذلك الإثم.
    وإنما عبروا بالندب تنبيها على أنه لا يبطل بفعله أصل الصوم، إذ لو عبروا بالوجوب لتوهم منه عدم صحة الصوم معه - كالاستقاءة ونحوها -. (وقوله: كف اللسان عن كل محرم) أي منعه عنه، وحفظه منه.
    (قوله: ككذب وغيبة) تمثيل للمحرم، والكذب: هو الإخبار بما يخالف الواقع.
    والغيبة: هي ذكرك أخاك المسلم بما يكره، ولو بما فيه، ولو بحضرته.
    وهي من الكبائر: في حق أهل العلم وحملة القرآن.
    ومن الصغائر: في حق غيرهم.
    وقد يجبان - كالكذب - لإنقاذ مظلوم، وذكر عيب نحو خاطب، وهذان لا يتأكد كف اللسان عنهما - لوجوبهما.
    (قوله: ومشاتمة) المراد بها أصل الفعل: أي الشتم، وهو والسب بمعنى واحد، وهو مشافهة الغير بما يكره، وإن لم يكن فيه حد: كيا أحمق، يا ظالم.
    والقذف أخص منهما، إذ هو الرمي بما يوجب الحد غالبا.
    (قوله: لأنه محبط للأجر) أي لأن المحرم من الكذب، والغيبة، والمشاتمة، وغيرها، محبط لثواب الصوم.
    (قوله: كما صرحوا به) أي بإحباطه للأجر فقط.
    (قوله: ودلت عليه الأخبار الصحيحة) منها: خبر الحاكم في صحيحه: ليس الصيام من الأكل والشرب فقط، الصيام من اللغو والرفث.
    وخبر البخاري: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.
    والمراد أن كمال الصوم إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الردئ، لا أن الصوم يبطل بهما.
    قال في التحفة.
    وخبر: خمس يفطرن الصائم: الغيبة، والنميمة، والكذب، والقبلة، واليمين الفاجرة باطل - كما في المجموع.
    اه.
    (قوله: وبه يرد) أي بما ذكر من تصريحهم ودلالة الأخبار.
    ونص الشافعي بإحباط الأجر بذلك: يرد بحث الأذرعي حصول الأجر، وعليه إثم المعصية.
    (قوله: وقال بعضهم) هو الأوزاعي - كما في التحفة.
    (وقوله: يبطل أصل صومه) أي لظاهر الحديث المار وهو: خمس يفطرن الخ.
    (قوله: وهو قياس) أي بطلان أصل الصوم قياس مذهب الإمام أحمد في الصلاة في المغصوب، فإنها تبطل عنده فيه.
    (قوله: ولو شتمه أحد فليقل الخ) أي لخبر: الصيام جنة.
    فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله، أو شاتمه، فليقل إني صائم، إني صائم - مرتين.
    أي يقوله بقلبه لنفسه، لتصبر ولا تشاتم فتذهب بركة صومها - كما نقله الرافعي عن الأئمة - أو بلسانه بنية وعظ الشاتم، ودفعه بالتي هي أحسن - كما نقله النووي عن جمع وصححه - ثم قال: فإن جمعهما فحسن، وقال إنه يسن تكراره مرتين، أو أكثر، لأنه أقرب إلى إمساك صاحبه عنه.
    وقول الزركشي: ولا أظن أحدا يقوله: مردود بالخبر السابق.
    اه.
    شرح الروض.
    (قوله: ولو في نفل) أي في صوم نفل، وهو غاية لقوله فليقل إلخ.
    وقوله: إني صائم: مقول القول.
    وقوله: مرتين، مفعول مطلق ليقل.
    (قوله: في نفسه) متعلق بقوله فليقل.
    أي فليقل في نفسه، وإطلاق القول على ما كان بنفسه ثابت في كلامهم كثيرا، ويسمى قولا نفسيا.
    قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقوله: تذكيرا لها: أي لنفسه أن صائم لتصبر.
    (قوله: وبلسانه) معطوف على في نفسه، والواو: بمعنى أو، أي أو ليقل بلسانه ذلك، زجرا لخصمه.
    (قوله: حيث لم يظن رياء) تقييد لقوله ذلك باللسان: أي فليقل ذلك به حيث لم يظن

بلسانه (و) سن مع التأكيد (برمضان)، وعشره الاخير آكد، (إكثار صدقة)، وتوسعة على عيال، وإحسان على الاقارب والجيران - للاتباع - وأن يفطر الصائمين - أي يعشيهم - إن قدر، وإلا فعلى نحو شربة، (و) إكثار (تلاوة) للقرآن في غير نحو الحش، ولو نحو طريق، وأفضل الاوقات للقراءة من النهار: بعد الصبح، ومن  رياء بذلك، فإن ظنه تركه، وقاله بقلبه.
(قوله: فإن اقتصر على أحدهما) أي فإن أراد الاقتصار على أن يقول ذلك في نفسه أو بلسانه، فالأولى أن يكون بلسانه، لكن حيث أمن الرياء، لأن القصد بذلك الوعظ، وبه يندفع ما يقال: أن العبادة يسن إخفاؤها، فكيف طلب منه أن يتلفظ بقوله إني صائم؟ وما أحسن ما قاله بعضهم هنا: اغضض الطرف، واللسان فقصر * * وكذا السمع صنه حين تصوم ليس من ضيع الثلاثة عندي * * بحقوق الصيام أصلا يقوم (قوله: وسن مع التأكيد) ق يد به، لأن ما ذكره سنة في كل زمن، فرمضان: زائد بتأكد ما ذكر فيه.
وعبارة التحفة: ويسن، أي يتأكد من حيث الصوم، وإلا فذلك سنة في كل زمن.
(قوله: وعشره الأخير إلخ) هذا مكرر مع قول المتن الآتي سيما عشر آخره، إذ هو راجع لإكثار الصدقة وما بعده - كما صرح به الشارح عقبه - فالأولى إسقاطه.
(قوله: إكثار صدقة) نائب فاعل سن.
(قوله: وتوسعة) بالجر، معطوف على صدقة: أي وإكثار التوسعة - أي زيادتها -. بالرفع: معطوف على إكثار، أي وسن توسعه.
وعبارة فتح الجواد: وكثرة صدقة، وزيادة التوسعة على العيال.
اه.
(قوله: وإحسان) فيه الاحتمالان الماران آنفا.
(قوله: للاتباع) هو أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.
والمعنى في ذلك: تفريغ قلوب الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجتهم.
(قوله: وأن يفطر الخ) المصدر المؤول معطوف على إكثار، أي وسن تفطير الصائمين، لما صح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: من فطر صائما فله مثل أجره، ولا ينقص من أجر الصائم شئ، فإن عجز عن عشائهم فطرهم بشربة، أو تمرة، أو غيرهما.
(قوله: وإكثار تلاوة للقرآن) أي وسن - مع التأكد - إكثار تلاوة القرآن - أي ومدارسته - بأن يقرأ على غيره، ويقرأ عليه غيره.
وإنما تأكد ذلك في رمضان لما في الصحيحين: أن جبريل كان يلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه - صلى الله عليه وسلم - القرآن.
وحكمة العرض لأجل أن يبين الناسخ والمنسوخ.
قال سيدنا الحبيب عبد الله الحداد في نصائحه الدينية: واعلموا معاشر الإخوان - جعلنا الله وإياكم من التالين لكتابة العزيز حق تلاوته، المؤمنين به، الحافظين له، المحفوظين به، المقيمين له، القائمين به - أن تلاوة القرآن العظيم من أفضل العبادات، وأعظم القربات، وأجل الطاعات، وفيها أجر عظيم، وثواب كريم.
قال الله تعالى: * (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) * 1 وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن.
وقال عليه الصلاة والسلام: من قرأ حرفا من كتاب الله كتبت له حسنة، والحسنة بعشر أمثالها.
لا أقول ألم حرف واحد، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف.
وقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله تعالى: من شغله ذكري وتلاوة كتابي عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.
وقال عليه الصلاة والسلام: اقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه.
وقال علي كرم الله وجهه: من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأه وهو قاعد في الصلاة كان له بكل حرف خمسون حسنة، ومن قرأه خارج الصلاة وهو على طهارة كان له بكل حرف خمس وعشرون حسنة، ومن قرأه وهو على غير طهارة كان له بكل حرف عشر حسنات.
واعلموا أن للتلاوة آدابا ظاهرة وباطنة، ولا يكون العبد من التالين حقيقة، الذين تزكو تلاوتهم، ويكون من الله

الليل: في السحر،.
فبين العشاءين.
وقراءة الليل أولى.
وينبغي أن يكون شأن القارئ: التدبر.
قال أبو الليث  بمكان، حتى يتأدب بتلك الآداب، وكل من قصر فيها، ولم يتحقق بها لم تكمل تلاوته، ولكنه لا يخلو في تلاوته من ثواب، وله فضل على قدره - فمن أهم الآداب وآكدها: أن يكون التالي في تلاوته مخلصا لله تعالى، ومريدا بها وجهه الكريم، والتقرب إليه، والفوز بثوابه.
وأن لا يكون مرائيا، ولا متصنعا، ولا متزينا للمخلوقين، ولا طالبا بتلاوته شيئا من الحظوظ العاجلة، والأغراض الفانية الزائلة.
وأن يكون ممتلئ السر والقلب بعظمة المتكلم عز وعلا، خاضعا لجلاله، خاشع القلب والجوارح، حتى كأنه من تعظيمه وخشوعه واقفا بين يدي الله تعالى يتلو عليه كتابه الذي أمره فيه ونهاه.
وحق لمن عرف القرآن وعرف المتكلم به أن يكون كذلك، وعلى أتم من ذلك.
كيف وقد قال الله تعالى: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) * 1؟ فإذا كان هكذا يكون حال الجبل - مع جموده وصلابته - لو أنزل عليه القرآن، فكيف يكون حال الإنسان الضعيف المخلوق من ماء وطين؟ لولا غفلة القلوب وقسوتها، وقلة معرفتها بعظمة الله وعزته وجلاله.
اه.
(قوله: في غير نحو الحش) متعلق بإكثار.
أي سن إكثار في غير نحو الحش.
أما نحو الحش فلا يسن إكثارها فيه، ومفهومه أن أصل التلاوة تسن فيه، وليس بمراد، لما نصوا عليه من كراهة الذكر والقراءة في محل قضاء الحاجة من بول أو غائط، بل اختار بعضهم التحريم، لكن حال قضاء الحاجة.
والحش - بضم الحاء، وفتحها - محل قضاء الحاجة، ويسمى بيت الخلاء.
واختلف أهل اللغة في إطلاق الحش على ما ذكر، فقال بعضهم إنه حقيقة، وقال بعضهم أنه مجاز - كما في المصباح - وعبارته: الحش: البستان.
والفتح أكثر من الضم.
وقال أبو حاتم: يقال لبستان النخل: حش.
فقولهم بيت الحش: مجاز، لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، فلما اتخذوا الكنف وجعلوها خلفا عنها أطلقوا عليها ذلك الاسم.
وقال في مختصر العين: المحشة: الدبر.
والمحش: المخرج - أي مخرج الغائط - فيكون حقيقة.
اه.
بحذف.
وانظر: ما نحو الحش؟ ولعله المكان المتيقن نجاسته - كالمزبلة والمجزرة.
(قوله: ولو نحو طريق) غاية لغير نحو الحش: أي ولو كان ذلك الغير نحو طريق، وعبارة فتح الجواد: ولو نحو طريق أو حمام توفر فيه التدبر.
اه.
(قوله: وأفضل الأوقات إلخ) قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في الأذكار (إعلم) أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة.
ومذهب الإمام الشافعي وآخرين - رحمهم الله تعالى - إن تطويل القيام في الصلاة بالقراءة أفضل من تطويل السجود وغيره.
وأما القراءة في غير الصلاة، فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة.
وأما قراءة النهار: فأفضلها ما بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة.
وأما ما حكاه ابن أبي داود - رحمه الله تعالى - عن معاذ بن رفاعة - رحمه الله تعالى - عن مشايخه أنهم كرهوا القراءة بعد العصر، وقالوا إنها دراسة يهود: فغير مقبول، ولا أصل له.
ويختار من الأيام: الجمعة، والاثنين، والخميس، ويوم عرفة.
ومن الأعشار: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من شهر رمضان.
ومن الشهور: رمضان.
اه.
(قوله: وقراءة الليل أولى) أي من قراءة النهار، لأن الخشوع والتدبر في قراءة الليل لا يحصلان في قراءة النهار.
(قوله: وينبغي أن يكون شأن القارئ التدبر) أي لما يقرؤه والتفهم له، حاضر القلب معه.
قال تعالى: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) * 2، وقال تعالى - في معرض الإنكار والتوبيخ لأقوام - * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟) * 3 وقال علي كرم الله وجهه: لا خير في قراءة لا تدبر فيها.
وصدق رضي الله عنه، لأن القرآن إنما أنزل ليتدبر.
وبالتدبر يفهم المراد منه، ويتوصل إلى العلم به، والعمل بما فيه، وهذا هو المقصود بإنزاله وبعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - به.

في البستان: ينبغي للقارئ أن يختم القرآن في السنة مرتين - إن لم يقدر على الزيادة -. وقال أبو حنيفة: من قرأ  قال بعض السلف رحمة الله عليهم: لأن أقرأ إذا زلزلت، والقارعة أتدبرهما وأتفهمهما، أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.
وعن الحسن البصري أنه قال: أن من كان قبلكم رأوا هذا القرآن رسائل إليهم من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، وينفذونها بالنهار.
اه.
ملخصا من النصائح.
(قوله: قال أبو الليث في البستان الخ) قال النووي - رحمه الله تعالى - في الأذكار ما ملخصه: ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، وقد كانت للسلف رضي الله عنهم عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال - وهذا فعل الأكثرين من السلف - وآخرون في كل ست ليال، وآخرون في أربع، وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وختم بعضم في اليوم والليلة ثماني ختمات: أربعا في الليل، وأربعا في النهار.
والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله، ومن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر - ما أمكنه - من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة.
وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرها من عبد الله بن عمر وبن العاصي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث.
وأما وقت الابتداء والختم فهو إلى خيرة القارئ، فإن كان يختم في الأسبوع مرة، فقد كان عثمان رضي الله عنه يبتدئ ليلة الجمعة، ويختم ليلة الخميس.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء: الأفضل أن يختم ختمة بالليل، وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما، ليستقبل أول النهار وآخره.
وروى ابن أبي داود عن عمرو بن مرة التابعي الجليل رضي الله عنه قال: كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل، أو من أول النهار.
وعن طلحة بن مصرف التابعي الجليل الإمام قال: من ختم القرآن أية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح.
ثم قال - رحمه الله تعالى - ويستحب الدعاء عند الختم استحبابا متأكدا شديدا، لما روينا عن حميد الأعرج - رحمه الله تعالى - قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك.
وينبغي أن يلح في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك أو كله في أمور الآخرة، وأمور المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات، وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البر والتقوى، وقيامهم بالحق، واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين، وسائر المخالفين.
اه.
وقوله: ويستحب الدعاء عند الختم إلخ.
مما يحسن إيراده هنا: الدعاء الذي يدعو به شيخنا الأستاذ علامة الزمان مولانا السيد أحمد بن زيني دحلان، عقب ختمه القرآن (وهو هذا): بسم الله الرحمن الرحيم.
صدق الله مولانا العظيم.
وبلغ رسوله النبي الكريم.
ونحن على ذلك من الشاهدين

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الشاكرين.
والحمد لله رب العالمين.
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم، وبارك لنا بالآيات والذكر الحكيم، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وجد علينا إنك أنت الجواد الكريم، وعافنا من كل بلاء يا عظيم.
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، ونور أبصارنا، وذهاب همومنا وغمومنا وأحزاننا، ومغفرة لذنوبنا، وقضاء لحوائجنا، وسائقنا وقائدنا ودليلنا إليك وإلى جناتك جنات النعيم.
اللهم ارحمنا بالقرآن العظيم، واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة.
اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته على طاعتك آناء الليل وأطراف النهار، واجعله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا، مولانا رب العالمين.
اللهم فكما بلغتنا خاتمته، وعلمتنا تلاوته، وفضلتنا بدينك على جميع الأمم، وخصصتنا بكل فضل، وكرم، وجعلت هدايتنا بالنبي الطاهر النسب، الكريم الحسب، سيد العجم والعرب، سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - - صلى الله عليه وسلم - - فنسألك اللهم ببلاغه عنك، وقربه منك، وجاهه المقبول لديك، وحقه الذي لا يخيب من توسل به إليك: أن تجعل القرآن العظيم لنا إلى كل خير قائدا، وعن كل سوء ذائدا وإلى حضرتك وجنة الخلد وافدا.
اللهم أرشدنا بحفظه، وأعذنا من نبذه ورفضه وقلاه وبغضه، ولا تجعلنا ممن يدفع بعضه ببعضه.
اللهم أعذنا به من ذميم الإسراف، ورض به نفوسنا على العدل والإنصاف، وذلل به ألسنتنا على الصدق والاعتراف، واجمعنا به على مسرة الائتلاف، واحشرنا به في زمرة أهل القناعة والعفاف.
اللهم شرف به مقامنا في محل الرحمة، واكنفنا في ظل النعمة، وبلغنا به نهاية المراد والهمة، وبيض به وجوهنا يوم القتر والظلمة.
اللهم إنا قد دعوناك طالبين، ورجوناك راغبين، واستقلناك معترفين، غير مستنكفين، إقرارا لك بالعبودية، وإذعانا لك بالربوبية، فأنت الله الذي لا إله إلا أنت، لك ما سكن في الليل والنهار، وأنت السميع العليم.
اللهم فجد علينا بجزيل النعماء، وأسعفنا بتتابع الآلاء، وعافنا من نوازل البلاء، وقنا شماتة الأعداء، وأعذنا من درك الشقاء، وحطنا برعايتك في الصباح والمساء.
إلهنا وسيدنا ومولانا: عليك نتوكل في حاجاتنا، وإليك نتوسل في مهماتنا، لا نعرف غيرك فندعوه، ولا نؤمل سواك فنرجوه، اللهم فجد علينا بعصمة مانعة من اقتراف السيئات، ورحمة ماحية لسوالف الخطيئات، ونعمة جامعة لصنوف الخيرات، يا من لا يضل من أصحبه إرشاده، وتوفيقه، ولا يزل من توكل عليه وسلك طريقه، ولا يذل من عبده وأقام حقوقه.
اللهم فكما بلغتنا خاتمته، وعلمتنا تلاوته، فاجعلنا ممن يقف عند أوامره، ويستضئ بأنوار جواهره، ويستبصر بغوامض سرائره، ولا يتعدى نهي زواجره.
اللهم وأورد به ظمأ قلوبنا موارد تقواك، واشرع لنا به سبل مناهل جدواك، حتى نغدو خماصا من حلاوة قصدك، ونروح بطانا من لطائف رفدك.
اللهم نجنا به من موارد الهلكات، وسلمنا به من اقتحام الشبهات، وعمنا به بسحائب البركات، ولا تخلنا به من لطفك في جميع الأوقات.
اللهم جللنا به سرادق النعم، وغشنا به سرابيل العصم، وبلغنا به نهايات الهمم، واقشع به عنا غيابات النقم، ولا تخلنا به من تفضلك يا ذا الجود والكرم.
اللهم أعذنا به من مفارقة الهم ومساورة الحزن، وسلمنا به من غلبة الرجال في صم الفتن، وأعنا به على إدحاض البدع وإظهار السنن، وزينا بالعمل به في كل محل ووطن، وأجرنا به من عاداتك على كل جميل وحسن، إنك أنت العواد بغرائب الفضل وطرائف المنن.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  اللهم اجمع به كلمة أهل دينك على القول العادل، وارفع به عنهم عزة التشاحن وذلة التخاذل، واغمد به عن سفك دمائهم سيف الباطل، وخر لنا ولجميع المسلمين في العاجل والآجل، وجملنا وإياهم في المشاهد والمحافل، وعمنا وإياهم بإنعامك السابغ وإحسانك الشامل، إنك على ما تشاء قادر ولما تحب فاعل.
اللهم وإذا انقضت من الدنيا أيامنا، وأزف عند الموت حمامنا، وأحاطت بنا الأقدار، وشخصت إلى قدوم الملائكة الأبصار، وعلا الأنين، وعرق الجبين، وكثر الانبساط والانقباض، ودام القلق والارتماض، فاجعل اللهم ملك الموت بنا رفيقا، وبنزع نفوسنا شفيقا، يا إله الأولين والآخرين، وجامع خلقه لميقات يوم الدين، توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين.
اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك بنبيك الأمين، وبسائر الأنبياء والمرسلين، أن تنصر سلطاننا وعساكره نصرا تعز به الدين، وتذل به رقاب أعدائك الخوارج والكافرين.
اللهم وفق سائر الوزراء والأمراء والقضاء والعلماء والعمال للعدل ونصرة الدين، والعمل بالشريعة المطهرة في كل وقت وحين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم - إله الحق - واجعلنا منهم.
اللهم أهلك الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك.
اللهم شتت شملهم اللهم فرق جمعهم.
اللهم أقل حدهم.
اللهم أقل عددهم.
اللهم خالف بين كلمتهم.
اللهم اجعل الدائرة عليهم.
اللهم أرسل العذاب الأليم عليهم.
اللهم ارمهم بسهمك الصائب.
اللهم أحرقهم بشهابك الثاقب.
اللهم اجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين.
اللهم أخرجهم من دائرة الحلم واللطف واسلبهم مدد الإمهال، وغل أيديهم واربط على قلوبهم ولا تبلغهم الآمال.
اللهم لا تمكن الأعداء لا فينا ولا منا، ولا تسلطهم علينا بذنوبنا.
اللهم قنا الأسوأ ولا تجعلنا محلا للبلوى.
اللهم أعطنا أمل الرجاء وفوق الأمل، يا من بفضله لفضله، أسألك إلهي العجل العجل، الإجابة الإجابة، يا من أجاب نوحا في قومه، يا من نصر إبراهيم على أعدائه، يا من رد يوسف على يعقوب، يا من كشف ضر أيوب، يا من أجاب دعوة زكريا، يا من قبل تسبيح يونس بن متى.
نسألك اللهم بأسرار أصحاب هذه الدعوات المستجابات أن تتقبل ما به دعونا، وأن تعطينا ما سألناك، وأنجز لنا وعدك الذي وعدته لعبادك الصالحين المؤمنين.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
اللهم إنا نسألك التوبة الكاملة، والمغفرة الشاملة، والمحبة الكاملة، والخلة الصافية، والمعرفة الواسعة، والأنوار الساطعة، والشفاعة القائمة، والحجة البالغة، والدرجة العالية، وفك وثاقنا من المعصية، ورهاننا من النقمة، بمواهب الفضل والمنة.
اللهم لا تدع لنا ذنبا إلا غفرته، ولا عيبا إلا سترته، ولا هما إلا فرجته، ولا كربا إلا كشفته، ولا دينا إلا قضيته، ولا ضالا إلا هديته، ولا عائلا إلا أغنيته، ولا عدوا ألا خذلته وكفيته، ولا صديقا إلا رحمته وكافيته، ولا فسادا إلا أصلحته، ولا مريضا إلا عافيته، ولا غائبا إلا رددته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها، فإنك تهدي السبيل، وتجبر الكسير، وتغني الفقير، يا رب العالمين.

  • (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) * 1.
  • (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هدينتا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) * 2.
  • (ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) * 3 * (ربنا

القرآن في كل سنة مرتين: فقد أدى حقه، وقال أحمد: يكره تأخير ختمة أكثر من أربعين يوما - بلا عذر - لحديث ابن عمر.
(و) إكثار عبادة و (اعتكاف) للاتباع (سيما) بتشديد الياء، وقد يخفف، والافصح جر ما بعدها،  أتمم لنا نورنا، واغفر لنا، إنك على كل شئ قدير) * 1 * (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إن ك أنت التواب الرحيم) * 2. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين.

  • (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين.
    والحمد لله رب العالمين) * 3. (قوله: إكثار عبادة) أي وسن - مع التأكيد - إكثار عبادة في رمضان، وذلك لفضل أوقاته وحصول المضاعفة فيه، وكثرة الثواب وتيسير العمل بالخيرات فيه.
    أما المضاعفة: فلما ورد أن النافلة في رمضان يعدل ثوابها ثواب الفريضة، والفريضة فيه بسبعين فريضة في غيره.
    فمن يسمح بفوات هذا الربح، ويكسل عن اغتنام هذه التجارة التي لا تبور؟ وأما تيسير العمل بالخير فيه: فلأن النفس - الأمارة بالسوء - مسجونة بالجوع والعطش، والشياطين المثبطين عن الخير، المعوقين عنه مصفدون، لا يستطيعون الفساد، ولا يتمكنون منه.
    فلم يبق بعد ذلك عن الخيرات مانع، ولا من دونها حاجز، إلا لمن غلب عليه الشقاء، واستولى عليه الخذلان - والعياذ بالله تعالى -. (فائدة) روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر يوم من شعبان، فقال: أيها الناس: قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك فيه ليلة القدر، خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة.
    وهو شهر المواساة، وهو شهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له عتق رقبة ومغفرة لذنوبه.
    قلنا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم.
    قال: يعطي الله هذا الثواب من يفطر صائما على مذقة لبن، أو شربة ماء، أو تمرة.
    ومن أشبع صائما كان له مغفرة لذنوبه، وسقاه ربه من حوضي شربة لا يظمأ بعدها أبدا، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ.
    وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
    ومن خفف عن مملوكه فيه أعتقه الله من النار.
    فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما - أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه.
    وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: تسألون ربكم الجنة، تتعوذون به من النار.
    (إخواني) هذه بشارة للصوام في شهر رمضان، إذا حموا نفوسهم من الزلل والعصيان، وأخلصوا صيامهم للواحد المنان، فكيف حال المفرط الذي يصوم ويأكل لحوم الإخوان؟ ويصلي وجسمه في مكان وقلبه في مكان؟ ويذكر الله بلسانه وقلبه مشغول بذكر فلان وفلان؟ فيا من أصبح إلى ما يضره متقدما، وأمسى بناء أمله بكف أجله متهدما: ستعلم من يأتي غدا حزينا متندما، ويبكي على تفريطه في شهره بدل الدموع دما أتراك أيها الصائم - أعددت عدة حازم لقبرك؟ أم حصلت عملا ينجيك في حشرك؟ أم حفظت حدود صومك في شهرك؟ أم هتكت حرمة الحمى؟ - كم من صوم فسد فلم يسقط به الفرض؟ وكم من صائم يفضحه الحساب يوم العرض؟ وكم من عاص في هذا الشهر تستغيث منه الأرض وتشكو من أعماله السماء؟ فيا ليت شعري من المقبول ومن المطرود؟ ومن المقرب ومن المبعد المذود؟ ومن الشقي ومن المسعود؟ لقد عاد الأمر مبهما تالله لقد سعد في هذا الشهر بحراسة أيامه من كف جوارحه عن كسب آثامه، ولقد خاب من لم ينله من صيامه إلا الجوع والظمأ.
    وما أحسن قول بعضهم فيه: شهر الصيام: لقد علوت مكرما، * * وغدوت من بين الشهور معظما

وتقديم لا عليها.
وما زائدة وهي دالة على أن ما بعدها أولى بالحكم مما قبلها (عشر آخره) فيتأكد له إكثار الثلاثة المذكورة للاتباع - ويسن أن يمكث معتكفا إلى صلاة العيد، وأن يعتكف قبل دخول العشر، ويتأكد إكثار العبادات المذكورة فيه رجاء مصادفة ليلة القدر، أي الحكم والفصل - أو الشرف، والعمل فيها خير من العمل  يا صائمي رمضان هذا شهركم * * فيه أبا حكم المهيمن مغنما يا فوز من فيه أطاع إلهه * * متقربا، متجنبا، ما حرما فالويل كل الويل للعاصي الذي * * في شهره أكل الحرام وأجرما فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا ممن حافظ على حدود صيام رمضان، ففاز بالفردوس والجنان، والقصور والحور العين الحسان، بجاه سيد ولد عدنان - - صلى الله عليه وسلم - - وعلى آله في كل آن.
آمين.
(قوله: واعتكاف) أي وسن - مع التأكيد - إكثار اعتكاف.
(قوله: للاتباع) هو ما رواه ابن ماجه والبيهقي، عن ابن عباس: المعتكف يعكف الذنوب، ويجرى له من الأجر كأجر عامل الحسنات كلها.
وما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله.
ثم اعتكف أزواجه من بعده، لأنه أقرب لصون النفس عن ارتكاب ما لا يليق.
(قوله: سيما إلخ) السي: المثل.
(وقوله: والأفصح جر ما بعدها) أي على الإضافة، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، ونصبه على التشبيه بالمفعول به، أو على أنه مفعول لمحذوف، وقيل على التمييز، لكن إذا كان نكرة.
(وقوله: وتقديم لا عليها) أي والأفصح تقديم لا النافية للجنس، واسمها سي، وخبرها محذوف.
(قوله: وما: زائدة) وقيل موصولة، والاسم الذي بعدها مرفوع على أنه خبر محذوف، والجملة صلة.
(قوله: وهي دالة إلخ) أي فيقال هنا العشر الأواخر أولى بالثلاثة من غيرها، ولا يستثنى بها - على الأصح.
(قوله: عشر آخره) يقرأ لفظ عشر بالجر على أنه مضاف إليه على الأفصح، ويجوز رفعه ونصبه.
(قوله: فيتأكد له) أي في العشر الأخير.
(وقوله: إكثار الثلاثة) - هي: الصدقة، والتلاوة، والاعتكاف.
(قوله: للاتباع) هو ما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.
وما صح أنه عليه السلام: كان إذا دخل العشر الأخير أحيا الليل كله وأيقظ أهله، وشد المئزر وهو كناية عن التهيؤ للعبادة، والإقبال عليها بهمة ونشاط.
(قوله: ويتأكد إكثار الخ) مكرر مع قوله أول، فيتأكد له إكثار إلخ، فالأولى إسقاطه، ويكون قوله رجاء الخ علة لقوله ويسن أن يمكث معتكفا.
(قوله: رجاء مصادفة ليلة القدر) أي طلبا لإدراكها.
(قوله: أي الحكم) تفسير للقدر، فالمراد من ليلة القدر: ليلة الحكم.
وفي حاشية الجمل على الجلالين، وفي القرطبي، قال مجاهد في ليلة الحكم: وما أدراك ما ليلة القدر؟ قال: ليلة الحكم.
والمعنى ليلة التقدير، سميت بذلك لأن الله تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغير ذلك، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة: إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبرائيل - عليهم السلام -. اه.
تحفة.
وفي تحفة الإخوان للفشني: ومعنى أن الله تعالى يقدر الآجال والأرزاق: أنه يظهر ذلك للملائكة، ويأمرهم بفعل ما هو من سعتهم وضيقهم بأن يكتب لهم ما قدره في تلك السنة، ويعرفهم إياه.
وليس المراد منه أنه يحدثه في تلك الليلة، لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض.
وقيل للحسين بن الفضيل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: بلى قيل له: فما معنى ليلة القدر؟ قال سوق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر.
اه.
(قوله: والفصل) بالصاد المهملة، وما يوجد في غالب النسخ من أنه بالضاد المعجمة تحريف من النساخ، وهو بمعنى الحكم، فعطفه عليه مرادف.
(قوله: أو الشرف) عطف على الحكم وهو غيره، فهو تفسير آخر للقدر.
فمعنى ليلة القدر: ليلة الشرف.
وسميت تلك الليلة بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها - من قولهم: لفلان قدر: أي شرف ومنزلة.

في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وهي منحصرة عندنا فيه، فأرجاها: أو تاره، وأرجى أوتاره عند الشافعي: ليلة الحادي أو الثالث والعشرين، واختار النووي - وغيره - انتقالها.
وهي أفضل ليالي السنة، وصح: من قام ليلة  قاله الأزهري وغيره.
ثم إن شرفها يحتمل أن يكون راجعا للفاعل فيها على معنى أن من أتى فيها بالطاعة صار ذا قدر وشرف، ويحتمل أن يرجع إلى نفس العمل.
(قوله: والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر) هذا من جملة التعليل، بل هو محطة.
أي وإنما تأكد إكثار العبادات فيه رجاء مصادفة ليلة القدر، التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه: ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر فتعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا، وأقلها أعمالا فأعطاه الله تعالى ليلة القدر خيرا من ألف شهر.
وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر، فأعطوا ليلة إن إحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد.
وما أحسن قول بعضهم: هي ليلة القدر التي شرفت على * * كل الشهور وسائر الأعوام من قامها يمحو الإله بفضله * * عنه الذنوب وسائر الآثام فيها تجلى الحق جل جلاله * * وقضى القضاء وسائر الأحكام فادعوه واطلب فضله تعط المنى * * وتجاب بالإنعام والإكرام فالله يرزقنا القبول بفضله * * ويجود بالغفران للصوام ويذيقنا فيها حلاوة عفوه * * ويميتنا حقا على الإسلام (قوله: ليس فيها ليلة القدر) الجملة صفة لألف شهر، أي ألف شهر موصوفة بكونها ليس فيها ليلة القدر، وإنما قيد به ليصح ما ذكره، وإلا بأن دخلت ليلة القدر في ألف الشهر: لزم تفضيل الشئ على نفسه بمراتب.
قال ق ل: ظاهر كلامهم أن ألف الشهر كاملة، وأنها تبدل ليلة القدر بليلة غيرها، ويحتمل نقصها منها.
ولعل المراد بالشهور: العربية، لأنها المنصرف إليها الاسم شرعا وعرفا.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وهي منحصرة إلخ) كالعلة للعلة السابقة.
(وقوله: عندنا) أي معاشر الشافعية - أي جمهورهم، وهو الأصح - وعلى مقابله قيل إنها ليلة تسع عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ليلة النصف، وقيل جمع رمضان.
وادعى المحاملي أنه المذهب، وصح فيه حديث.
وقيل جميع السنة - وعليه جماعة - وقيل غير ذلك.
اه.
كردي، نقلا عن الإيعاب.
(وقوله: فيه) أي في العشر الأخير لا تنتقل منه إلى غيره، وتلزم ليلة منه بعينها في المذهب.
قال البجيرمي: ومعناه أنها إذا كانت في الواقع ليلة حادي وعشرين مثلا تكون كل عام كذلك، لا تنتقل عن هذه الليلة، فمن عرفها في سنة عرفها فيما بعدها.
اه.
(قوله: فأرجاها: أوتاره) أي أقرب الأوقات لليلة القدر من العشر الأخير: أوتاره، وهي الحادي والعشرون، والثالث والعشرون، والخامس والعشرون، وهكذا.
(وقوله: وأرجى أوتاره) أي العشر.
(قوله: واختار النووي وغيره انتقالها) أي من ليلة من العشر إلى ليلة أخرى منه.
وإنما اختار ذلك جمعا بين الأخبار المتعارضة في محلها.
قال الكردي: وكلام الشافعي - رضي الله عنه - في الجمع بين الأخبار يقتضيه، وعليه قال الغزالي وغيره إنها تعلم فيه باليوم الأول من الشهر، فإن كان أوله يوم الأحد أو يوم الأربعاء: فهي ليلة تسع وعشرين.
أو يوم الاثنين: فهي ليلة إحدى وعشرين.
أو يوم الثلاثاء أو الجمعة: فهي ليلة سبع وعشرين.
أو الخميس: فهي ليلة خمس وعشرين.
أو يوم السبت: فهي ليلة ثلاث وعشرين.
قال الشيخ أبو الحسن: ومنذ بلغت سن

القدر إيمانا - أي تصديقا بأنها حق وطاعة - واحتسابا - أي طلبا لرضا الله تعالى وثوابه - غفر له ما تقدم من ذنبه وفي رواية: وما تأخر.
وروى البيهقي خبر من صلى المغرب والعشاء في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان:  الرجال ما فاتتني ليلة القدر بهذه القاعدة المذكورة.
قال الشهاب القليوبي في حاشيته على المحلى شرح المنهاج، وقد نظمتها بقولي: يا سائلي عن ليلة القدر التي * * في عشر رمضان الأخير حلت فإنها في مفردات العشر * * تعرف من يوم ابتداء الشهر فبالأحد والأربعاء: التاسعة، * * وجمعة مع الثلاثا: السابعه وإن بدا الخميس: فالخامسة، * * وإن بدا بالسبت: فالثالثة وإن بدا الاثنين فهي الحادي * * - هذا عن الصوفية الزهاد وقد رأيت قاعدة أخرى تخالف هذه، وقد نظمت فلا حاجة لنا في الإطالة بها.
اه.
قوله وقد رأيت قاعدة أخرى: وقد نظمها بعضهم بقوله: وإنا جميعا إن نصم يوم جمعة * * ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر وإن كان يوم السبت أول صومنا * * فحادي وعشرين اعتمده بلا عذر وإن هل يوم الصوم في أحد فذا * * بسابعة العشرين ما رمت فاستقر وإن هل بالاثنين فاعلم بأنه * * يوافيك نيل الوصل في تاسع العشري ويوم الثلاثا إن بدا الشهر فاعتمد * * على خامس العشرين تحظى بها فادر وفي الأربعا إن هل - يا من يرومها - * * فدونك فاطلب وصلها سابع العشري ويوم الخميس إن بد الشهر فاجتهد * * توافيك بعد العشر في ليلة الوتر وفي التحفة ما نصه: وحكمة إبهامها في العشر: إحياء جميع لياليه، وهي من خصائصنا، وباقية إلى يوم القيامة، والتي يفرق فيها كل أمر حكيم.
وشذ وأغرب من زعمها ليلة النصف من شعبان، وعلامتها أنها معتدلة، وأن الشمس تطلع صبيحتها، وليس لها كثير شعاع، لعظيم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلين فيها، وفائدة ذلك معرفة يومها: إذ يسن الاجتهاد فيه - كليلتها.
اه.
(قوله: وهي) أي ليلة القدر.
(وقوله: أفضل ليالي السنة) لما مر من أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وللحديث الذي ذكره بقوله: وصح الخ.
(قوله: من قام إلخ) (فإن قلت) لفظ قام ليلة القدر، هل يقتضي قيام تمام الليلة، أو يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام فيها؟ (قلت) يكفي الأقل، وعليه بعض الأئمة، حتى قيل بكفاية أداء فرض العشاء في دخوله تحت القيام فيها، لكن الظاهر منه عرفا أنه لا يقال قام الليلة إلا إذا قام كلها أو أكثرها.
(فإن قلت) ما معنى القيام فيها: إذ ظاهره غير مراد قطعا؟ (قلت) القيام الطاعة فإنه معهود من قوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * 1 وهو حقيقة شرعية، فيه.
كرماني على البخاري.
اه بجيرمي.
(وقوله: إيمانا) هو وما بعده منصوبان على المفعول لأجله، أو التمييز، أو الحال بتأويل المصدر باسم الفاعل.
(وقوله: أي تصديقا) تفسير لإيمانا، وقوله بأنها: أي ليلة القدر.
(قوله: واحتسابا) معطوف على إيمانا.
(قوله: أي طلبا الخ) تفسير مراد لاحتسابا.
(قوله: غفر له الخ) جواب من.
والنكتة في وقوعه ماضيا مع أن الغفران واقع في المستقبل أنه متيقن الوقوع، فضلا من الله تعالى على عباده.
(وقوله: ما تقدم من ذنبه) أي من الصغائر، أو الأعم، دون التبعات، وهي حقوق الآدميين، أما هي: فلا يكفرها إلا الاستحلال من مستحقها

فقد أخذ من ليلة القدر بحظ وافر.
وروى أيضا: من شهد العشاء الاخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر.
وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان.
(تتمة) يسن اعتكاف كل وقت، وهو لبث فوق قدر طمأنينة الصلاة، ولو مترددا في مسجد أو رحبته التي لم  إن كان موجودا أهلا للاستحلال منها، فإن لم يكن أهلا، أو لم يكن موجودا، فوارثه.
(قوله: وشذ من زعم أنها ليلة النصف من شعبان) أي من زعم أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شعبان: فقد شذ، أي خالف الجماعة الثقات.
(قوله: تتمة) أي في بيان حكم الاعتكاف.
وقد أفرده الفقهاء بكتاب مستقل.
وذكره عقب الصوم لمناسبته له من حيث إن المقصود من كل منهما واحد، وهو كف النفس عن شهواتها، ومن حيث أن الذي يبطل الصوم قد يبطل الاعتكاف، ولأنه يسن للمعتكف الصيام.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) * وخبر الصحيحين: أنه - صلى الله عليه وسلم - اعتكف العشر الأوسط من رمضان، ثم اعتكف العشر الأواخر ولازمه حتى توفاه الله تعالى.
ثم اعتكف أزواجه من بعده.
وأركانه أربعة: لبث، ونية، ومعتكف، ومعتكف فيه.
ويشترط لها شروط.
فشرط اللبث: أن يكون فوق قدر طمأنينة الصلاة، فلا يكفي لبث أقل ما يجزئ من طمأنينة الصلاة كمجرد العبور، لأن كلا منهما لا يسمى اعتكافا.
وشرط النية: المقارنة للبث - كما في الصلاة وغيرها - والتعرض للفرضية إن كان منذورا ليتميز عن النفل، فيقول: نويت فرض الاعتكاف، أو: الاعتكاف المنذور.
ويقع جميعه فرضا، وإن طال مكثه، ونوزع فيه بأن ما يمكن تجزؤه يقع أقل ما ينطلق عليه الاسم فرضا والباقي نفلا - كالركوع ومسح الرأس - فمقتضاه أن يكون هنا كذلك.
وفرق ع ش: بأن القاعدة المذكورة فيما له أقل وأكمل كالركوع، وأما الاعتكاف فلم يجعلوا له إلا أقل.
اه.
وفرق غيره أيضا بأنا لو قلنا أنه لا يقع جميعه فرضا لاحتاج الزائد إلى نية، ولم يقولوا به، وبخلاف الركوع ومسح الرأس.
وشرط المعتكف الإسلام والتمييز والخلو من الموانع.
فلا يصح من كافر، لتوقفه على النية، وهو ليس من أهلها.
ولا من صبي غير مميز، ومجنون، ومغمى عليه، وسكران - إذ لا نية لهم - ولا من جنب، وحائض، ونفساء، لحرمة مكثهم في المسجد.
وشرط المعتكف فيه أن يكون كله مسجدا، سواء سطحه ورحبته المعدودة منه وصحته، فلا يصح في غيره، ولا فيما وقف جزؤه شائعا مسجدا.
وجميع ما ذكر يعلم من تعريفه الآتي: (قوله: يسن اعتكاف) وقد يجب بالنذر، ويحرم على الزوجة والرقيق بلا إذن من الزوج أو السيد - مع الصحة - ويكره لذات الهيئة - مع الإذن - فتعتريه الأحكام، ما عدا الإباحة.
(وقوله: كل وقت) أي حتى أوقات الكراهة، وإن تحراها.
ع ش: وتقدم أنه في العشر الأخير من رمضان أفضل - للاتباع.
(قوله: وهو لبث إلخ) هذا معناه شرعا، وأما لغة: فهو اللبث والحبس والملازمة على الشئ، وإن كان شرا.
قال تعالى: * (يعكفون على أصنام لهم) * والمراد من اللبث هنا ما يشمل التردد - بدليل الغاية بعده.
(قوله: فوق قدر طمأنينة الصلاة) أي ولو بيسير.
واحترز به عما إذا لم يكن اللبث كذلك، فلا يكفي - كما علمت.
(قوله: ولو مترددا) أي ولو كان اللابث مترددا في المسجد غير ساكن فيه، فلا يشترط السكون والاستقرار فيه، بل الشرط إما السكون أو والتردد، بخلاف مجرد العبور، فلا يكفي - كما تقدم -. وفي البجيرمي ما نصه: قال المناوي في أحكام المساجد: ويندب للمار أن ينويه أي الاعتكاف ويقف وقفة تزيد على أقل طمأنينة الصلاة، فإن نواه ولم يقف، أو وقف قدرها، أو دونها لم يصح على الأصح.
اه.12

يتيقن حدوثها بعده، وأنها غير مسجد بنية اعتكاف.
ولو خرج - ولو لخلاء - من لم يقدر الاعتكاف - المندوب أو  في حاشية السيد الرحماني على التحرير: قال شيخنا ولا بد من إيقاعها حال الاستقرار، فلا يكفي حال المرور حتى يستقر.
اه.
وفي حاشية الكردي نقلا عن ابن حجر في حاشيته على فتح الجواد، ما نصه: هل هو أي التردد اسم للذهاب مع العود، أو لابتداء العود المسبوق بالذهاب؟ والفرق بين هذين أن الأول يجعل مسماه مركبا من الأمرين.
والثاني: يجعله اسما للثاني المسبوق بالأول، فهو شرط لقسيمه الثاني، لا أنه من المسمى.
ويترتب على ذلك أن قولهم الاعتكاف يحصل بالتردد مرادهم به أنه إذا دخل المسجد قاصدا العود نوى من حينئذ على الأول، ومن حين الأخذ في العود على الثاني، فإن دخل لا بنية عود بل طرأ له العود عند وصوله لبابه الثاني مثلا فهل يسمى أخذه الآن في العود ترددا، فتكفي النية حينئذ أو لا يتصور هنا تردد لأنه لم ينو العود أولا، وإنما طرأ له في الأثناء، فكان العود كإنشاء دخول آخر، فلا تردد كل محتمل.
الخ.
اه.
(قوله: في مسجد) متعلق بلبث، ويشترط فيه زيادة على ما مر أن لا تكون أرضه محتكرة.
قال في التحفة: أما ما أرضه محتكرة فلا يصح فيه إلا إن بنى فيه مسطبة أو بلطه، ووقف ذلك مسجدا، لقولهم: يصح وقف السفل دون العلو.
وعكسه، وهذا منه: اه.
وكتب سم: قوله: أو بلطه: أي أو سمر فيه دكة من خشب أو نحو سجادة.
م ر. اه.
وقوله: أو سمر: التسمير قيد، لأنه به يصير مثبتا، فهو في حكم وقف العلو دون السفل، أما إذا لم يسمر فلا يصح وقفه مسجدا.
وفي النهاية في باب الوقف: أما جعل المنقول مسجدا كفرش وثياب فموضع توقف، لأنه لم ينقل عن السلف مثله.
وكتب الأصحاب ساكتة عن تنصيص بجواز أو منع، وإن فهم من إطلاقهم الجواز، فالأحوط المنع كما جرى عليه بعد شرح الحاوي وما نسب للشيخ من إفتائه بالجواز لم يثبت عنه.
اه.
واعلم أن الجامع وهو ما تقام فيه الجمعة والجماعة أولى بالاعتكاف فيه من غيره، للخروج من خلاف من أوجبه، ولكثرة الجماعة فيه، وللاستغناء عن الخروج للجمعة، وقد يجب الاعتكاف فيه إن نذر مدة متتابعة تتخللها جمعة وهو من أهلها.
ولم يشترط الخروج لها، لأن الخروج لها بلا شرط يقطع التتابع، لتقصيره بعدم شرطه، مع علمه بمجئ الجمعة.
وإذا عين المسجد الحرام في نذره الاعتكاف، تعين، فلا يقوم غيره مقامه.
لتعلق النسك به، وزيادة فضله، والمضاعفة فيه.
وكذا مسجد المدينة، ومسجد الأقصى إذا عينهما الناذر في نذره، تعينا، ولا يجزئ غيرهما، ويقوم المسجد الحرام مقامهما، ولا عكس، لأنهما دونه في الفضل، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى، لأنه أفضل منه، ولا عكس - لما سبق.
(قوله: أو رحبته) أي أو في رحبة المسجد.
(وقوله: التي لم يتيقن إلخ) فإن تيقن حدوثها بعده مع كونها غير مسجد فلا يصح الاعتكاف فيها.
ولنا كلام في نظير هذه العبارة سبق في مبحث الجماعة، فارجع إليه إن شئت.
وعبارة غيره ورحبته المعدودة منه.
وكتب عليها ع ش ما نصه: قوله المعدودة منه صفة كاشفة، ويحتمل أن المراد المتصلة به، فإن خرج إلى رحبته المنفصلة عنه انقطع اعتكافه - أخذا مما سيأتي في خروج المؤذن الراتب إلى منارة بابها فيه أو في رحبته المتصلة به، فإن مفهومه أن المنفصلة عنه ينقطع تتابعه بالخروج إلى المنارة التي بابها بالمنفصلة.
اه.
(قوله: بنية اعتكاف) متعلق بلبث.
وتقدم ما يشترط فيها، فلا تغفل.
(قوله: ولو خرج إلخ) حاصل الكلام على ذلك أنه إذا أطلق الاعتكاف بأن لم يقيده بمدة، منذورا كان أو مندوبا كأن قال في الأول: لله علي أن أعتكف، وفي الثاني: نويت الاعتكاف، ثم خرج من المسجد بلا عزم على العود عند خروجه لزمه استئناف نية الاعتكاف إذا أراد مطلقا، سواء خرج لقضاء حاجة أم لا، لأن ما مضى عبادة تامة، وهو يريد اعتكافا جديدا.
فإن خرج عازما على العود لم يلزمه استئنافها، لأن عزمه حينئذ قائم مقام النية.
وإذا لم يطلقه بأن قيده بمدة، كيوم أو شهر، ولم يشترط فيها التتابع منذورا

المنذور - بمدة بلا عزم عود جدد النية وجوبا - إن أراده -. وكذا إذا عاد بعد الخروج لغير نحو خلاء من قيده بها، كيوم.
فلو خرج عازما لعود فعاد لم يجب تجديد النية.
ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه، كأن نوى  كان أو مندوبا أيضا كأن قال في الأول: لله علي أن أعتكف شهرا، وفي الثاني: نويت الاعتكاف شهرا، ثم خرج من المسجد في تلك المدة وعاد إليه، فإن كان خروجه لغير قضاء حاجة من بول أو غائط، لزمه استئناف نية الاعتكاف أيضا إن أراده، ما لم يعزم على العود عند خروجه، وإلا فلا يلزمه كما في سابقه وإن كان خروجه لقضاء الحاجة لم يلزمه استئنافها، وإن طال زمن قضاء الحاجة لأنه لا بد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
وإذا شرط التتابع في مدته - منذورا كان أو مندوبا كأن قال في الأول: لله علي أن أعتكف شهرا متتابعا، وفي الثاني: نويت الاعتكاف شهرا متتابعا، ثم خرج لعذر لا يقطع التتابع - كقضاء حاجة، وحيض لا تخلو المدة عنه غالبا - ثم عاد إليه لم ينقطع اعتكافه، فلا يلزمه استئناف النية عند العود، لشمولها جميع المدة.
وتجب المبادرة إلى العود عند زوال العذر، فإن أخر ذاكرا، عالما مختارا، انقطع تتابعه، وتعذر البناء على ما مضى.
وإن خرج لعذر يقطع التتابع - كعيادة مريض، وزيارة قادم انقطع اعتكافه ووجب استئنافه إذا كان منذورا، ولا يجب إذا كان مندوبا.
(قوله: ولو لخلاء) أي ولو كان خروجه لخلاء أي يقضي فيه حاجته.
ويحتمل أن يكون كناية عن نفس قضائها.
(قوله: من لم يقدر) فاعل خرج.
ويقدر يقرأ بضم الأول وكسر الدال المشددة، بمعنى يخصص.
(وقوله: المندوب) صفة للاعتكاف.
(وقوله: أو المنذور) معطوف على المندوب.
(وقوله: بمدة) متعلق بيقدر.
(وقوله: بلا عزم عود) متعلق بخرج - وسيذكر محترزه.
(قوله: جدد النية) جواب لو.
(قوله: إن أراده) أي الاعتكاف.
(قوله: وكذا عاد الخ) أي وكذلك يجدد النية إذا أراده من قيد الاعتكاف بمدة ولم يعزم على العود عند الخروج، سواء كان تطوعا أو نذرا كما علمت (وقوله: لغير نحو خلاء) متعلق بالخروج.
فإن خرج لنحو الخلاء لا يلزمه تجديد النية.
وانظر ما نحو الخلاء؟ ويمكن أن يكون المراد به: محل قضاء الحاجة غير المعد لها.
لكن هذا إن خصص الخلاء بالمعد له.
وعبارة الإرشاد فيها إسقاط لفظ نحو، وهو الأولى.
(قوله: من قيده) فاعل عاد.
(وقوله: بها) أي بمدة.
(وقوله: كيوم) تمثيل للمدة.
(قوله: فلو خرج الخ) محترز قوله بلا عزم عود في الصورتين: صورة من لم يقدر الاعتكاف بمدة، وصورة من قدره بها، والأولى هي ما قبل، وكذا الثانية هي ما بعده.
(قوله: لم يجب تجديد النية) أي لأن عزمه على العود قائم مقام النية كما مر.
قال في المغنى: (فإن قيل) اقتران النية بأول العبادة شرط، فكيف يكتفي بعزيمة سابقة؟ أجيب بأن نية الزيادة وجدت قبل الخروج، فصار كمن نوى المدتين بنية واحدة.
كما قالوه فيمن نوى ركعتين نفلا مطلقا، ثم نوى قبل السلام زيادة، فإنه يصح.
اه.
وقوله: المدتين: أي مدة ما قبل الخروج، ومدة ما بعد العود.
(قوله: ولا يضر الخروج في اعتكاف نوى تتابعه) أي لا يقطع الخروج لهذه الأعذار تتابع الاعتكاف منذورا كان أو مندوبا ومع عدم الضرر: يجب في المنذور قضاء زمن خروجه إلا زمن نحو تبرز، مما لم يطل زمنه عادة كالأكل فلا يجب قضاؤه، لأنه لا بد منه، فكأنه مستثنى، بخلاف ما يطول زمنه عادة كمرض، وحيض.
(وقوله: نوى تتابعه) يفيد أن نية التتابع توجب التتابع، وهو ما اعتمده جمع متأخرون، وأطالوا في الاستدلال له.
والذي صححه الشيخان عدم وجوبه بالنية، فلا يجب عندهما، إلا أن صرح به لفظا كأن قال شهرا متتابعا لأنه وصف مقصود.
وعبارة التحفة مع الأصل: والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط، وإن نواه، لأن مطلق الزمن كأسبوع، أو عشرة أيام صادق بالمتفرق أيضا.
اه.
وفي الكردي: ولو عين مدة كهذا الأسبوع، أو هذه السنة وتعرض للتتابع فيها لفظا وفاته، لزمه التتابع في

اعتكاف أسبوع، أو شهر متتابع، وخرج لقضاء حاجة - ولو بلا شدتها - وغسل جنابة، وإزالة نجس وإن أمكنهما في المسجد، لانه أصون لمروءته ولحرمة المسجد، أكل طعام، لانه يستحيا منه في المسجد، وله الوضوء بعد قضاء الحاجة تبعا له.
لا الخروج له قصدا، ولا لغسل مسنون، ولا يضر بعد موضعها، إلا أن يكون لذلك موضع أقرب منه، أو يفحش البعد، فيضر، ما لم يكن الاقرب غير لائق به، ولا يكلف المشي على غير سجيته،  القضاء.
وإن لم يتعرض للتتابع لفظا، لم يلزمه في القضاء.
ولو نذر اعتكاف شهر، دخلت الليالي مع الأيام.
أو ثلاثين يوما لم تدخل الليالي على الأصح.
اه.
(قوله: كأن نوى اعتكاف إلخ) أي وكأن قال: لله علي اعتكاف أسبوع أو شهر متتابع.
ثم عند دخول المسجد نوى اعتكاف المنذور.
(قوله: وخرج) لا حاجة إليه بعد قوله الخروج، فالصواب حذفه، ويكون قوله بعد لقضاء حاجة متعلقا بقوله الخروج، أي ولا يضر الخروج لقضاء حاجة.
والمراد بالحاجة: البول والغائط.
(قوله: ولو بلا شدتها) أي الحاجة.
وهو غاية لعدم ضرر الخروج للحاجة، فلا تشترط شدتها.
وعبارة الروض وشرحه: ولو بلا شدتها، ولو كثر خروجه لقضائها لعارض، نظرا إلى جنسه، ولكثرة اتفاقه.
اه.
(قوله: وغسل جنابة) هو وما بعده معطوف على قضاء حاجة، أي ولا يضر الخروج في ذلك لأجل غسل جنابة وإزالة نجس.
(قوله: وإن أمكنهما) فاعل الفعل ضمير مستتر يعود على المعتكف، والضمير البارز يعود على غسل الجنابة وإزالة النجس، وهذا خلاف القياس.
والقياس العكس، بأن يجعل الضمير العائد إليه مفعولا، والعائد إليهما مرفوعا، بأن يقول: وإن أمكناه، وذلك لأن علامة الفاعل أن يصلح أن يحل في محله ضمير المتكلم المرفوع، وعلامة المفعول أن يصلح أن يحل في محله ضمير المتكلم المنصوب، وهنا لا يصلح أن تقول أمكنت إياهما، ويصلح أن تقول أمكنني هما كما قالوه في أمكن المسافر السفر، من أن المسافر منصوب، والسفر مرفوع، لصحة قولك أمكنني السفر، دون أمكنت السفر انظر الأشموني في آخر باب الفاعل - ثم أن ما ذكر غاية لعدم ضرر الخروج لغسل الجنابة وإزالة النجاسة، وإذا أمكناه في المسجد فله فعلهما فيه كأن يكون في المسجد بركة يغطس فيها، وإناء يغسل النجاسة فيه ثم يقذفه خارجه.
فإن قلت كيف يتصور الغسل من الجنابة في المسجد، مع أنه يحرم عليه المكث فيه؟ قلت يصور ذلك في بركة يغطس فيها وهو ماش أو عائم، أو يكون عاجزا عن الخروج.
(قوله: لأنه أصون الخ) علة لعدم ضرر الخروج لذلك مع إمكانه في المسجد، أي وإنما لم يضر الخروج لذلك، لأن الخروج أحفظ لمروءته، وأحفظ لحرمة المسجد.
وعبارة الإرشاد مع فتح الجواد: وله الخروج له - أي للغسل الواجب من حدث أو خبث، وإن أمكنه فيه، لأنه أصون لمروءته، ولحرمة المسجد.
اه.
(قوله: وأكل طعام) عطف على قضاء حاجة.
أي ولا يضر الخروج في ذلك لأجل أكل طعام.
وخرج بالأكل الشرب إذا وجد الماء في المسجد فلا يخرج لأجله، إذ لا يستحيا منه فيه.
(قوله: لأنه يستحيا منه) أي الأكل.
قال في شرح الروض: ويؤخذ من العلة أن الكلام في مسجد مطروق، بخلاف المختص، والمهجور، وبه صرح الأذرعي.
اه.
(قوله: وله الوضوء) أي يجوز الوضوء له خارج المسجد.
قال الكردي: وقيد في الإيعاب الوضوء بكونه واجبا.
وقال في النهاية: واجبا كان أو مندوبا.
(وقوله: تبعا له) أي لقضاء الحاجة.
(قوله: لا الخروج له قصدا) أي لا يجوز له الخروج للوضوء استقلالا، بمعنى أنه ينقطع به التتابع.
نعم، إن تعذر في المسجد: جاز.
قال ش ق: ويؤخذ من ذلك أن الوضوء في المسجد جائز، وإن تقاطر فيه ماؤه، لأنه غير مقصود، فلا يحرم، ولا يكره.
ولا يشكل بطرح الماء المستعمل فيه، فإنه قيل بحرمته، وقيل بكراهته وهو المعتمد حيث لا تقذير، لأن طرح ذلك مقصود، بخلاف المتقاطر من أعضاء الوضوء.
اه.
(قوله: ولا لغسل مسنون) أي ولا يجوز الخروج لغسل مسنون.
(قوله: ولا يضر) أي لا يقطع تتابع الاعتكاف.
(وقوله: بعد موضعها) أي موضع قضاء الحاجة، وغسل الجنابة، وإزالة النجاسة، وأكل الطعام.
فالضمير يعود على الأربعة المذكورة.
(قوله: إلا إن يكون لذلك) أي المعتكف الذي أراد الخروج لقضاء الحاجة وما عطف عليه.
(وقوله: موضع أقرب منه) أي من الموضع الذي قضى فيه الحاجة، أو اغتسل، أو أزال النجاسة، أو أكل.
(قوله: أو يفحش وله صلاة على جنازة إن لم ينتظر.
ويخرج جوازا في إعتكاف متتابع لما استثناه من غرض دنيوي: - كلقاء أمير - أو أخروي - كوضوء، وغسل مسنون، وعيادة مريض، وتعزية مصاب، وزيارة قادم من سفر - ويبطل بجماع -  البعد) أي أو لم يكن له موضع أقرب منه، ولكن فحش بعد الموضع الذي فعل فيه ما ذكر، وهكذا يفيد صنيعه.
وفيه أنه إذا لم يكن له موضع أقرب.
فعل ذلك في الأبعد، ولا يضر وعبارة ابن حجر على بأفضل، تدل على أنه مع فحش البعد له موضع أقرب منه.
ونصها: وإذا خرج لداره لقضاء الحاجة أو الأكل، فإن تفاحش بعدها عن المسجد عرفا، وفي طريقه مكان أقرب منه لائق به - وإن كان لصديقه - أو كان له دار إن لم يتفاحش بعدهما وأحدهما أقرب، تعين الأقرب في الصورتين، وإلا انقطع تتابعه.
اه.
وضابط الفحش: أن يذهب أكثر الوقت المنذور في الذهاب إلى الدار - كأن يكون وقت الاعتكاف يوما، فيذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه.
(قوله: ما لم يكن الأقرب غير لائق به) أي أو لم يكن هناك أقرب أصلا - كما علمت فإنه لا يضر حينئذ البعد، وإن تفاحش.
(قوله: ولا يكلف الخ) أي ولا يكلف إذا خرج لما ذكر الإسراع، بل يمشي على سجيته وطبيعته المعهودة، فإن تأنى أكثر من ذلك بطل تتابعه كما في زيادة الروضة.
(قوله: وله صلاة على جنازة إلخ) يعني له في خروجه لما ذكر صلاة على جنازة، وله أيضا عيادة مريض، وزيارة قادم.
وإن تعدد كل منها ما لم يعدل عن طريقه في الكل، ولم يطل وقوفه في الأخيرين، ولم ينتظر ما في الأولى، فإن عدل عن طريقه في الكل، أو طال وقوفه في الأخيرين، أو انتظرها في الأولى، ضر.
وفي البجيرمي ما نصه: قوله: ولو عاد مريضا في طريقه الخ: صنيعه يقتضي أن الخروج ابتداء لعيادة المريض يقطع التتابع: ومثله الخروج للصلاة على الجنازة، وهو كذلك.
(وقوله: إن لم ينتظر) أي صلاة الجنازة، فإن انتظر ضر كما علمت.
(قوله: ويخرج جوازا إلخ) هذا مفروض في المنذور المتتابع، كما صرح به الفقهاء.
ففاعل يخرج يعود على ناذر الاعتكاف، المعلوم من المقام.
أما غير المنذور فيجوز الخروج منه مطلقا لما استثناه وغيره وإن كان يقطع التتابع كما سيصرح به.
وحاصل الكلام على هذه المسألة: أنه إذا شرط ناذر الاعتكاف متتابعا الخروج من المسجد لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف، صح الشرط، ثم إن عين شيئا لم يتجاوزه، وإلا جاز له الخروج لكل عرض، ولو دنيونا مباحا كلقاء أمير بخلاف ما إذا شرط الخروج لا لعارض، كأن قال إلا إن يبدو لي الخروج، أو شرطه لعارض محرم كسرقة أو غير مقصود كتنزه أو مناف للاعتكاف كجماع فإنه لا يصح شرطه في هذه الأمور الأربعة، بل لا ينعقد نذره أصلا.
نعم، إذا كان المنافي لا يقطع التتابع كحيض، لا تخلو المدة عنه غالبا فيصح شرط الخروج له.
ثم زمن الخروج لما شرطه إن كان في نذر مطلق كشهر: قضاه وجوبا، لتتميم المدة، أو في نذر معين كهذا الشهر فلا يلزمه قضاؤه، لأنه لم ينذره.
(قوله: لما استثناه) متعلق بيخرج.
أي يخرج للشئ الذي استثناه أي في نذره كأن قال: لله علي نذر أن أعتكف شهرا متتابعا، بشرط أنه إذا بدا لي غرض أخرج لأجله.
(وقوله: من غرض) بيان لما، ويشترط فيه أن يكون مباحا مقصودا غير مناف للاعتكاف كما علمت.
(قوله: كلقاء أمير) أي لحاجة اقتضت خروجه للقائه، لا مجرد التفرج عليه.
اه.
ع ش. (قوله: أو أخروي) معطوف على دنيوي.
أي أو غرض أخروي.
(قوله: كوضوء) تمثيل للأخروي.
(قوله: وغسل مسنون) قيد به، لأن الواجب يجوز له الخروج من غير استثناء - كما مر.
(قوله: ويبطل) أي الاعتكاف مطلقا، منذورا كان أو مندوبا.
وحاصل ما يبطل به تسعة أشياء، ذكر منها المؤلف شيئين، وهما: الجماع، والإنزال.
وبقي عليه سبعة، وهي: السكر المتعدى به، والردة، والحيض إذا كانت مدة الاعتكاف تخلو عنه غالبا كخمسة عشر يوما فأقل والنفاس، والخروج من غير عذر والخروج لاستيفاء عقوبة ثبتت بإقراره، وكذا الخروج لاستيفاء حق ماطل به والخروج لعدة باختيارها، كأن علق الطلاق على مشيئتها، فقالت وهي معتكفة: شئت، أو خالعته على مال.
فمتى طرأ واحد من هذه على الاعتكاف المنذور المقيد بالمدة والتتابع، أو المقيد بالمدة دون التتابع، أو المطلق الذي لم يقيد بشئ أصلا، أبطله في الجميع.
لكن معنى البطلان في الأول: أنه يخرج منه، ويجب عليه الاستئناف، وإن أثيب على ما مضى في غير الردة.
ومعناه في الثاني: أن زمن ذلك لا يحسب من الاعتكاف، فإذا زال ذلك جدد النية، وبنى على ما مضى.

وإن استثناه - أو كان في طريق قضاء الحاجة، وإنزال مني بمباشرة بشهوة - كقبلة - وللمعتكف الخروج من التطوع لنحو عيادة مريض.
وهل هو أفضل، أو تركه، أو سواء؟ وجوه، والاوجه - كما بحث البلقيني - أن الخروج لعيادة نحو رحم وجار وصديق، أفضل.
واختار ابن الصلاح الترك، لانه (ص) كان يعتكف ولم يخرج لذلك.
ومعناه في الثالث: أن ينقطع استمراره ودوامه، ولا بناء، ولا تجديد نية، وما مضى معتد به، ويحصل به الاعتكاف.
وقد نظم هذه التسعة م د بقوله: وطئ وإنزال وسكر رده * * حيض نفاس لاعتكاف مفسده خروجه من مسجد وما عذر * * كذاك لاستيفا عقوبة المقر وبخروجه اعتكافه بطل * * بأخذ حق يا فتى به مطل أفاد ذلك كله البجيرمي.
ومما يبطل به الاعتكاف أيضا غير هذه التسعة: الجنون، والإغماء إن طرآ بسبب تعدى به، لأنهما حينئذ كالسكر، أما إذا لم يطرآ بسبب تعدى به فلا يقطعانه، إن لم يخرج كل منهما من المسجد، أو أخرج ولم يمكن حفظه فيه، أو أمكن لكن بمشقة، بخلاف ما إذا أخرج من المسجد وقد أمكن حفظه فيه بلا مشقة - على ما اقتضاه كلام الروضة وغيرها إذ لا عذر في إخراجه.
(قوله: بجماع) أي من واضح عمدا مع العلم والاختيار.
أما المشكل، فلا يضر وطؤه وإمناؤه بأحد فرجيه لاحتمال زيادته.
وكذا الناسي، والجاهل، والمكره كما في الصوم.
(قوله: وإن استثناه) غاية في البطلان.
أي يبطل به، وإن استثناه الناذر في نذره لما مر أنه مناف للعبادة.
(قوله: أو كان) أي الجماع.
وهو عطف على الغاية، فهو غاية أيضا في البطلان.
أي يبطل بالجماع وإن كان وقع في طريق لقضاء الحاجة التي خرج من المسجد لأجلها.
(قوله: وإنزال مني) عطف على جماع.
أي ويبطل أيضا بإنزال مني.
(وقوله: بمباشرة بشهوة) متعلق بإنزال.
أي إنزال بسبب مباشرة حاصلة مع شهوة.
وخرج بالمباشرة: ما إذا نظر أو تفكر فأنزل، فلا يبطل به.
وبشهوة: ما إذا باشر بلا شهوة، كأن قبل بقصد الإكرام أو الشفقة، أو بلا قصد فأنزل، فلا يبطل به.
والاستمناء - وإن لم يكن بمباشرة كالمباشرة بشهوة، فإن أنزل بطل، وإلا فلا.
واعلم أن الوطئ والمباشرة بشهوة حرام في المسجد مطلقا، ولو من غير معتكف.
وكذا خارجه في الاعتكاف الواجب دون المستحب لجواز قطعه.
(قوله: كقبلة) أي من غير حائل ومع شهوة، وهو تمثيل للمباشرة بشهوة.
(قوله: وللمعتكف الخروج من التطوع) أي ولو قيده بمدة.
(وقوله: لنحو عيادة مريض) أي كتشييع جنازة.
(قوله: وهل هو) أي الخروج لنحو عيادة مريض.
(وقوله: أفضل) أي من إدامة الاعتكاف.
(وقوله: أو سواء) أي أو هما سواء، لأنهما طاعتان مندوب إليهما.
وعبارة الخطيب: وهل الأفضل للمتطوع بالاعتكاف الخروج لعيادة المريض، أو دوام الاعتكاف؟ قال الأصحاب: هما سواء.
وقال ابن الصلاح: أن الخروج لها مخالف للسنة، لان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخرج لذلك، وكان اعتكافه تطوعا.
وقال البلقيني: ينبغي أن يكون موضع التسوية في عيادة الأجانب، أما ذو الرحم والأقارب والأصدقاء والجيران فالظاهر أن الخروج لعيادتهم أفضل، لا سيما إذا علم أنه يشق عليهم.
وعبارة القاضي الحسين مصرحة بذلك.
وهذا هو الظاهر.
اه.
وكتب البجيرمي: قوله: الأجانب أي غير الأصدقاء وغير الجيران، بدليل ما بعده.
وكتب أيضا: قوله: وهذا هو الظاهر وهو المعتمد، فالخروج من الاعتكاف في هذا مندوب، وفيما قبله غير مندوب.
والوجه أن يقال: يراعى ما هو أكثر ثوابا منهما.
ق ل. اه.
(قوله: واختار ابن الصلاح: الترك) أي ترك الخروج لما ذكر.
(قوله: لانه - صلى الله عليه وسلم - إلخ) تعليل لاختيار ابن الصلاح ما ذكر.
(وقوله: ولم يخرج لذلك) أي لنحو عيادة

(مهمة) قال في الانوار: يبطل ثواب الاعكتاف بشتم، أو غيبة.
أو أكل حرام.
مريض.
(قوله: يبطل ثواب الاعتكاف) أي وأما نفس الاعتكاف فلا يبطل.
(قوله: بشتم أو غيبة) أي أو نحوهما من كل محرم - ككذب ونميمة - أما الكلام المباح، فلا يبطل ثواب الاعتكاف.
نعم.
ينبغي تجنبه، والاشتغال بالذكر، والقراءة، والصلاة على سيدنا محمد سيد ولد عدنان، لأن الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، نص على ذلك الشنواني في حاشيته على مختصر ابن أبي جمرة، وعبارته: قال في المدخل: وينهي الناس عن الجلوس في المسجد للحديث في أمر الدنيا.
وقد ورد: أن الكلام في المسجد بغير ذكر الله تعالى يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وورد أيضا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا أتى الرجل المسجد فأكثر الكلام، تقول الملائكة: اسكت يا ولي الله.
فإن زاد، فتقول: اسكت يا بغيض الله تعالى، فإن زاد: فتقول اسكت عليك لعنة الله تعالى.
اه.
(خاتمة) نسأل الله حسن الختام.
يسن للمعتكف: الصوم للاتباع، وللخروج من خلاف من أوجبه ولا يضر الفطر، بل يصح اعتكاف الليل وحده، لخبر الصحيحين: أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية.
قال: أوف بنذرك.
فاعتكف ليلة.
ولخبر أنس: ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه.
ولا يضر في الاعتكاف التطيب، والتزين باغتسال، وقص شارب، ولبس ثياب حسنة، ونحو ذلك من دواعي الجماع، لأنه لم ينقل أنه - صلى الله عليه وسلم - تركه، ولا أمر بتركه، والأصل بقاؤه على الإباحة، وله أن يتزوج ويزوج.
ولا تكره له الصنائع في المسجد كالخياطة، والكتابة ما لم يكثر منها، فإن أكثر منها كرهت لحرمته إلا كتابة العلم فلا يكره الإكثار منها، لأنها طاعة، كتنظيم العلم.
وله أن يأكل ويشرب ويغسل يديه فيه إن كانت أرضه ترابية تشرب الماء، وإلا حرم - للتقذير - والأولى أن يأكل في سفره أو نحوها، وأن يغسل يديه في طشت أو نحوه ليكون أنظف للمسجد.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصل (في صوم التطوع) وله من الفضائل والمثوبة ما لا يحصيه إلا الله تعالى، ومن ثم، أضافه تعالى إليه دون غيره من العبادات، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به.
وفي الصحيحين: من صام يوما في سبيل  فصل في صوم التطوع أي في بيان حكمه، وهو الاستحباب.
وكان الأنسب ذكره قبل الاعتكاف - كما صنع غيره.
(واعلم) أن صوم التطوع ثلاثة أقسام: قسم يتكرر بتكرر السنة - كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، وتاسوعاء - وقسم يتكرر بتكرر الأسبوع - كالاثنين، والخميس -. وقسم يتكرر بتكرر الشهور - كالأيام البيض -. كما يعلم من كلامه.
والتطوع شرعا: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات.
والصوم من أبلع الأشياء في رياضة النفس، وكسر الشهوة، واستنارة القلب، وتأديب الجوارح وتقويمها وتنشيطها للعبادة.
وفيه الثواب العظيم، والجزاء الكريم الذي لا نهاية له، و: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه.
و: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
ومن أجل هذا الخلوف ومكانته عند الله، كره الاستياك للصائم بعد الزوال حتى يفطر - كما تقدم.
(قوله: وله) أي الصوم.
(وقوله: من الفضائل) بيان لما مقدم عليها.
(وقوله: والمثوبة) مصدر بمعنى الثواب.
وفي حاشية الجمل - نقلا عن السمين - ما نصه: المثوبة فيها قولان: أحدهما أن وزنها مفعولة، والأصل مثوبة - بواوين - فنقلت الضمة التي على الواو الأولى إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان، فحذف أولهما - الذي هو عين الكلمة - فصار مثوبة، على وزن مفولة، كمحوزة، وقد جاءت مصادر على مفعول، كالمعقول، فهي مصدر - نقل ذلك الواحدي.
والثاني: أنها مفعلة بضم العين، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء.
اه.
(قوله: ومن ثم أضافه) أي ومن أجل أن له من الفضائل إلخ أضافه الله إليه في الحديث القدسي، فقال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به.
يدع طعامه وشرابه من أجلي.
واختلفوا في معنى تخصيصه بكونه له، على أقوال تزيد على خمسين: منها - كما قاله م ر - كونه أبعد عن الرياء من غيره.
ومنها ما نقل عن سفيان بن عيينة أن يوم القيامة تتعلق خصماء المرء بجميع أعماله إلا الصوم فإنه لا سبيل لهم عليه، فإنه إذا لم يبق إلا الصوم، يتحمل الله تعالى ما بقي من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة، وهذا مردود، والصحيح تعلق الغرماء به - كسائر الأعمال - وفي البجيرمي: وعبارة عبد البر نصها: في الحديث القدسي وهو قوله كل عمل إلخ، فإضافته تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: * (ناقة الله) * مع أن العالم كله لله.
وقيفل لأنه لم يعبد غيره به، فلم تعظم الكفار في عصر من الأعصار معبوداتهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونهم بصورة الصلاة والسجود وغيرهما.
وقيل لأن الصيام بعيد عن الرياء، لخفائه، بخلاف الصلاة والغزو وغير ذلك من العبادات الظاهرة.
وقيل لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.
اه.
بحذف.
(قوله: في سبيل الله) أي في الجهاد - كما هو الغالب في إطلاقه.
وقال ع ش: يمكن حمل

الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا.
(ويسن) متأكدا (صوم يوم عرفة) لغير حاج، لانه يكفر السنة التي هو فيها والتي بعدها - كما في خبر مسلم - وهو تاسع ذي الحجة، والاحوط صوم الثامن مع عرفة.
والمكفر: الصغائر التي لا تتعلق بحق الآدمي، إذ الكبائر لا يكفرها إلا التوبة الصحيحة.
وحقوق الآدمي متوقفة على رضاه، فإن لم تكن له صغائر زيد في حسناته.
ويتأكد صوم الثمانية قبله: للخبر الصحيح فيها، المقتضي  سبيل الله على الطريق الموصل إليه، بأن يخلص في صومه، وإن لم يكن في جهاد.
وهذا المعنى يطلق عليه سبيل الله كثيرا وإن كان خلاف الغالب.
اه.
وفي شرح مسلم للنووي: هو - أي الصوم - في الجهاد محمول على من لا يتضرر ولا يفوت به حقا ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه.
اه.
(قوله: باعد الله وجهه) أي ذاته.
(وقوله: سبعين خريفا) أي عاما، فأطلق الجزء وأراد الكل، وخص الخريف بالذكر لأنه أعدل أيام السنة.
والمراد أنه يبعد عن النار مسافة لو قدرت لبلغ زمن سيرها سبعين سنة.
(قوله: ويسن متأكدا) أي سنا متأكدا، فمتأكدا صفة لمصدر محذوف.
(قوله: صوم يوم عرفة) قال ع ش: ورد في بعض الأحاديث أن الوحوش في البادية تصومه، حتى أن بعضهم أخذ لحما وذهب به إلى البادية ورماه لنحو الوحوش، فأقبلت عليه ولم تأكل، وصارت تنظر إلى الشمس وتنظر إلى اللحم، حتى غربت الشمس أقبلت إليه من كل ناحية.
اه.
(قوله: لغير حاج) أي وغير مسافر وغير مريض، بأن يكون قويا مقيما.
أما الحاج، فلا يسن له صومه، بل يسن له فطره.
وإن كان قويا، للاتباع، وليقوى على الدعاء.
ومن ثم يسن صومه لحاج غير مسافر، بأن كان وطنه قريبا من عرفة ونوى الحج وهو في وطنه وأخر الوقوف إلى الليل.
وأما المسافر والمريض: فيسن لهما فطره، لكن إن أجهدهما الصوم - أي أتعبهما - كما في التحفة.
(قوله: لأنه) أي صوم يوم عرفة.
(وقوله: يكفر السنة إلخ) أي ذنوبه الحاصلة فيها.
(قوله: كما في خبر مسلم) لفظة: صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
وقوله: أحتسب: قال بعضهم: هو بلفظ المضارع، وضميره عائد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال بعضهم: بلفظ الماضي، وضميره عائد إلى الصوم، وفيه بعد.
وقوله: السنة التي قبله: أي قبل يوم عرفة، والمراد بها: السنة التي تتم بفراغ شهره.
وقوله: والسنة التي بعده: أي بعد يوم عرفة، والمراد بها: السنة التي أولها المحرم الذي يلي الشهر المذكور، إذا الخطاب الشرعي محمول على عرف الشرع.
وفي تكفير هذه السنة إشارة إلى أنه لا يموت فيها، في ذلك بشرى.
وقد نقل ذلك المدابغي عن ابن عباس، وعبارته: (فائدة) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - وهذه بشرى بحياة سنة مستقبلة لمن صامه، إذ هو - صلى الله عليه وسلم - بشر بكفارتها، فدل لصائمه على الحياة فيها، إذ هو - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
اه.
وورد أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما: من صام يوم عرفة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
(قوله: وهو) أي يوم عرفة.
(قوله: والأحوط صوم الثامن) أي لأنه ربما يكون هو التاسع في الواقع.
(قوله: مع عرفة) أي مع صوم يومها.
(قوله: والمكفر: الصغائر) قال الكردي: اعتمده الشارح في كتبه، وأما الجمال الرملي فإنه ذكر كلام الإمام، ثم كلام مجلي في الرد على الإمام.
ثم كلام ابن المنذر المفيد خلاف ما قاله الإمام، وسكت عليه، فكأنه وافقه.
ولهذا قال القليوبي في حواشي المحلي: عممه ابن المنذر في الكبائر أيضا.
ومشى عليه صاحب الذخائر، وقال: التخصيص بالصغائر - تحكم.
ومال إليه شيخنا الرملي في شرحه.
اه.
والذي يظهر: أن ما صرحت به الأحاديث فيه بأن شرط التكفير اجتناب الكبائر: لا شبهة في عدم تكفيره الكبائر.
وما صرحت الأحاديث فيه بأن يكفر الكبائر: لا ينبغي التوقف فيه بأنه يكفرها بعد تصريح الشرع به.
ويبقى الكلام فيما أطلقت الأحاديث التكفير فيه.
وملت في الأصل إلى أن الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع.
اه.
ببعض حذف.
(قوله: ويتأكد صوم الثمانية قبله) أي يوم عرفة، فعليه يكون الثامن مطلوبا من جهتين: جهة الاحتياط لعرفة، وجهة دخوله في العشر غير العيد.
كما أن صوم يوم عرفة مطلوب أيضا من جهتين: كونه من عشر ذي الحجة، وكونه يوم عرفة.
(قوله: للخبر الصحيح فيها) أي الثمانية: أي صومها مع صوم يوم عرفة، وذلك لخبر هو أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر.
وورد أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يصوم تسع ذي الحجة.
(وقوله: لافضلية عشرها على عشر رمضان الاخير.
(و) يوم (عاشوراء): وهو عاشر المحرم، لانه يكفر السنة الماضية - كما في مسلم -. (وتاسوعاء): وهو تاسعه، لخبر مسلم: لئن بقيت إلى قابل لاصومن التاسع.
فمات قبله.
والحكمة: مخالفة اليهود، ومن ثم سن لمن لم يصمه: صوم الحادي عشر، بل إن صامه، لخبر فيه.
وفي الام: لا بأس أن يفرده.
وأما أحاديث الاكتحال والغسل، والتطيب في يوم عاشوراء، فمن وضع الكذابين (و) صوم  المقتضى إلخ) في الكردي: الراجح أن عشر رمضان الأخير أفضل من عشر ذي الحجة، إلا يوم عرفة.
اه.
(قوله: ويوم عاشوراء) بالمد، معطوف على يوم عرفة.
أي ويسن متأكدا صوم يوم عاشوراء، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.
وإنما لم يجب صومه للأخبار الدالة بالأمر بصومه.
لخبر الصحيحين: إن هذا اليوم يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر.
وحملوا الأخبار الواردة بالأمر بصومه على تأكد الاستحباب.
(فائدة) الحكمة في كون صوم يوم عرفة بسنتين وعاشوراء بسنة، أن عرفة يوم محمدي - يعني أن صومه مختص بأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - - وعاشوراء موسوي، ونبينا محمد أفضل الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - فكان يومه بسنتين.
اه.
مغنى.
(قوله: وهو) أي عاشوراء.
(وقوله: عاشر المحرم) أي اليوم العاشر منه.
(قوله: لأنه يكفر السنة الماضية) علة لسنية صومه.
(قوله: كما في مسلم) أي في رواية مسلم، وقد علمتها آنفا.
(قوله: وتاسوعاء) بالمد أيضا، وهو معطوف على عاشوراء، أي ويسن صوم يوم تاسوعاء.
(قوله: وهو) أي تاسوعاء.
(وقوله: تاسعه) أي المحرم.
(قوله: لخبر مسلم) دليل لسنية صوم تاسوعاء.
(وقوله: إلى قابل) أي إلى عام قابل، وهو مصروف - كما هو ظاهر -. (وقوله: فمات) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -. (وقوله: قبله) أي قبل مجئ تاسوعاء العام القابل.
(قوله: والحكمة) أي في صوم يوم التاسع مع العاشر مخالفة اليهود، أي فإنهم يصومون العاشر فقط، فنخالفهم ونصوم التاسع معه.
والحكمة أيضا: الاحتياط، لاحتمال الغلط في أول الشهر، والاحتراز من إفراده بالصوم - كما في يوم الجمعة - شرح الروض: قال في النهاية: وظاهر ما ذكر من تشبيهه بيوم الجمعة: أنه يكره إفراده.
لكن في الأم لا بأس بإفراده.
اه.
(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن الحكمة إلخ.
(قوله: لمن لم يصمه) أي التاسع.
(قوله: بل وإن صامه) أي بل يسن صيام الحادي عشر، وإن صام التاسع.
(قوله: لخبر فيه) أي لورود خبر في صيامه الحادي عشر مع ما قبله من صيام العاشر والتاسع، وهو ما رواه الإمام أحمد: صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يوما، وبعده يوما.
ذكره في شرح الروض، وذكر فيه أيضا أن الشافعي نص في الأم والإملاء على استحباب صوم الثلاثة، ونقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره.
اه.
(لا بأس أن يفرده) أي لا بأس أن يصوم العاشر وحده.
(وأما أحاديث الاكتحال إلخ) في النفحات النبوية في الفضائل العاشورية - للشيخ العدوي - ما نصه: قال العلامة الأجهوري: أما حديث الكحل، فقال الحاكم إنه منكر، وقال ابن حجر إنه موضوع، بل قال بعض الحنفية إن الاكتحال يوم عاشوراء، لما صار علامة لبغض آل البيت، وجب تركه.
قال: وقال العلامة صاحب جمع التعاليق: يكره الكحل يوم عاشوراء، لأن يزيد وابن زياد اكتحلا بدم الحسين هذا اليوم، وقيل بالإثمد، لتقر عينهما بفعله.
قال العلامة الأجهوري: ولقد سألت بعض أئمة الحديث والفقه عن الكحل وطبخ الحبوب ولبس الجديد وإظهار السرور، فقال: لم يرد فيه حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وكذا ما قيل: أنه من اكتحل يومه لم يرمد ذلك العام، ومن اغتسل يومه لم يمرض كذلك، قال: وحاصله أن ما ورد من فعل عشر خصال يوم عاشوراء لم يصح فيها إلا حديث الصيام والتوسعة على العيال، وأما باقي الخصال الثمانية: فمنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو منكر موضوع.
وقد عدها بعضهم اثنتي عشرة خصلة، وهي: الصلاة، والصوم، وصلة الرحم، والصدقة والاغتسال، والاكتحال، وزيارة عالم، وعيادة مريض، ومسح رأس اليتيم، والتوسعة على العيال، وتقليم الأظفار، وقراءة سورة الإخلاص - ألف مرة -. ونظمها بعضهم فقال:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في يوم عاشوراء عشر تتصل * * بها اثنتان ولها فضل نقل صم، صل، صل، زر عالما، عد، واكتحل * * رأس اليتيم امسح، تصدق واغتسل وسع على العيال، قلم ظفرا * * وسورة الإخلاص قل ألفا تصل (فائدة) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله عزوجل افترض على بين إسرائيل صوم يوم في السنة، وهو يوم عاشوراء، - وهو اليوم العاشر من المحرم - فصوموه ووسعوا على عيالكم فيه، فإنه من وسع فيه على عياله وأهله من ماله وسع الله عليه سائر سنته فصوموه، فإنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم فأصبح صفيا، ورفع فيه إدريس مكانا عليا، وأخرج نوحا من السفينة 1 ونجى إبراهيم من النار، وأنزل الله فيه التوراة على موسى، وأخرج فيه يوسف من السجن، ورد فيه على يعقوب بصره، وفيه كشف الضر عن أيوب، وفيه أخرج يونس من بطن الحوت، وفيه فلق البحر لبني إسرائيل، وفيه غفر لداود ذنبه، وفيه أعطى الله الملك لسليمان، وفي هذا اليوم غفر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو أول يوم خلق الله فيه الدنيا.
وأول يوم نزل فيه المطر من السماء يوم عاشوراء، وأول رحمة نزلت إلى الأرض يوم عاشوراء.
فمن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر كله، وهو صوم الأنبياء.
ومن أحيا ليلة عاشوراء بالعبادة فكأنما عبد الله تعالى مثل عبادة أهل السموات السبع.
ومن صلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد لله مرة، وقل هو الله أحد، إحدى وخمسين مرة، غفر الله له ذنوب خمسين عاما.
ومن سقى في يوم عاشوراء شربة ماء سقاه الله يوم العطش الأكبر كأسا لم يظمأ بعدها أبدا، وكأنما لم يعص الله طرفة عين.
ومن تصدق فيه بصدقة فكأنما لم يرد سائل قط.
ومن اغتسل وتطهر يوم عاشوراء لم يمرض في سنته إلا مرض الموت.
ومن مسح فيه على رأس يتيم أو أحسن إليه فكأنما أحسن إلى أيتام ولد آدم كلهم.
ومن عاد مريضا في يوم عاشوراء فكأنما عاد مرضى أولاد آدم كلهم.
وهو اليوم الذي خلق الله فيه العرش، واللوح، والقلم.
وهو اليوم الذي خلق الله فيه جبريل، ورفع فيه عيسى.
وهو اليوم الذي تقوم فيه الساعة.
(فائدة أخرى) روي أن فقيرا كان له عيال في يوم عاشوراء، فأصبح هو وعياله صياما، ولم يكن عندهم شئ، فخرج يطوف على شئ يفطرون عليه فلم يجد شيئا، فدخل سوق الصرف، فرأى رجلا مسلما قد فرش في دكانه النطوع

(ستة) أيام (من شوال) لما في الخبر الصحيح أن صومها مع صوم رمضان كصيام الدهر.
واتصالها بيوم العيد  المثمنة، وسكب عليها أكوام الذهب والفضة، فتقدم إليه، وسلم عليه، وقال له: يا سيدي أنا فقير، لعل أن تقرضني درهما واحدا أشتري به فطورا لعيالي، وأدعو لك في هذا اليوم.
فولى بوجهه عنه، ولم يعطه شيئا، فرجع الفقير وهو مكسور القلب، وولى ودمعه يجري على خده، فرآه جار له صيرفي - وكان يهوديا - فنزل خلف الفقير وقال له أراك تكلمت مع جاري فلان، فقال قصدته في درهم واحد لأفطر به عيالي، فردني خائبا، وقلت له أدعو لك في هذا اليوم.
فقال اليهودي: وما هذا اليوم؟ فقال الفقير: هذا يوم عاشوراء - وذكر له بعض فضائله - فناوله اليهودي عشرة دراهم، وقال له: خذ هذه وأنفقها على عيالك إكراما لهذا اليوم.
فمضى الفقير، وقد انشرح لذلك، ووسع على أهله النفقة، فلما كان الليل، رأى الصيرفي - المسلم - في المنام كأن القيامة قد قامت، وقد اشتد العطش والكرب، فنظر، فإذا قصر من لؤلؤة بيضاء، أبوابه من الياقوت الأحمر، فرفع رأسه وقال: يا أهل هذا القصر اسقوني شربة ماء.
فنودي: هذا القصر كان قصرك بالأمس، فلما رددت ذلك الفقير مكسور القلب.
محي اسمك من عليه، وكتب باسم جارك اليهودي الذي جبره وأعطاه عشرة دراهم.
فأصبح الصيرفي مذعورا، يناوي على نفسه بالويل والثبور، فجاء إلى جاره اليهودي، وقال: أنت جاري، ولي عليك حق، ولي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قال: تبيعني ثواب العشرة دراهم - التي دفعتها بالأمس للفقير - بمائة درهم.
فقال: والله ولا بمائة ألف دينار، ولو طلبت أن تدخل من باب القصر الذي رأيته البارحة لما مكنتك من الدخول فيه.
فقال: ومن كشف لك عن هذا السر المصون؟.
قال: الذي يقول للشئ كن فيكون، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(إخواني) كان هذا يهوديا، فأحسن الظن بيوم عاشوراء، وما كان يعرف فضله، فأعطاه الله ما أعطاه، ومن عليه بالإسلام، فكيف بمن يعرف فضله وثوابه، ويهمل العمل فيه؟ ولله در القائل: يا غاديا في غفلة ورائحا * * إلى متى تستحسن القبائحا؟ وكم - أخي - كم لا تخاف موقفا * * يستنطق الله به الجوارحا؟ واعجبا منك وأنت مبصر * * كيف تجنبت الطريق الواضحا؟ كيف تكون حين تقرأ في غد * * صحيفة قد حوت الفضائحا؟ وكيف ترضى أن تكون خاسرا * * يوم يفوز من يكون رابحا؟ فاعمل لميزانك خيرا فعسى * * يكون في يوم الحساب راجحا؟ وصم، فهذا يوم عاشوراء الذي * * ما زال بالتقوى شذاه فائحا يوم شريف، خصنا الله به * * يا فوز من قدم فيه صالحا (قوله: وصوم ستة أيام من شوال) معطوف على صوم يوم عرفة.
أي ويسن متأكدا صوم ستة أيام من شهر شوال.
وكان المناسب للشارح أن يقدر لفظ صوم في جميع المعطوفات، أو يتركه في الجميع.
(قوله: لما في الخبر الصحيح) لفظه: من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر.
(قوله: إن صومها مع صوم رمضان) أي دائما، فلا تكون المرة من صيام رمضان وستة من شوال كصيام الدهر، بدليل رواية: صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام - أي من شوال - بشهرين.
فذلك صيام السنة.
فالحاصل أن كل مرة بسنة.
اه.
سم بزيادة.
وفي البجيرمي: وهذا يقتضي أن المراد بالدهر: العمر، وبه قال ع ش، لكن كلام الشارح الآتي يدل على أن المراد به السنة.
اه.
(قوله: كصيام الدهر) أي فرضا، وإلا لم يكن لخصوصية ست شوال معنى، إذ من صام مع رمضان ستة غيرها يحصل له ثواب الدهر، لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
(والحاصل) أن من صامها مع رمضان كل سنة، تكن كصيام الدهر فرضا بلا مضاعفة، ومن صام ستة غيرها كذلك، تكون كصيامه نفلا بلا مضاعفة، كما أن صوم ثلاثة من كل شهر تحصله.
اه.
تحفة بتصرف.

أفضل: مبادرة للعبادة، (وأيام) الليالي (البيض) وهي: الثالث عشر وتالياه، لصحة الامر بصومها، لان صوم الثلاثة كصوم الشهر، إذ لحسنة بعشر أمثالها، ومن ثم تحصل السنة بثلاثة وغيرها، لكنها أفضل، ويبدل - على الاوجه - ثالث عشر ذي الحجة بسادس عشره، وقال الجلال البلقيني: لا بل يسقط.
ويسن صوم أيام السود:  وفي المغني: (تنبيه) قضية إطلاق المصنف استحباب صومها لكل أحد - سواء صام رمضان أم لا - كمن أفطر لمرض، أو لصبا، أو كفر، أو غير ذلك، وهو الظاهر - كما جرى عليه بعض المتأخرين - ثم قال: ولو صام في شوال قضاء أو نذرا أو غير ذلك: هل تحصل له السنة أو لا؟ لم أر من ذكره، والظاهر الحصول.
لكن لا يحصل له هذا الثواب المذكور، خصوصا من فاته رمضان وصام عنه شوالا، لأنه لم يصدق عليه المعنى المتقدم، ولذلك قال بعضهم: يستحب له في هذه الحالة أن يصوم ستا من ذي القعدة، لأنه يستحب قضاء الصوم الراتب.
اه.
وهذا إنما يأتي إذا قلنا إن صومها لا يحصل بغيرها، أما إذا قلنا بحصوله - وهو الظاهر: كما تقدم - فلا يستحب قضاؤها.
اه.
(قوله: واتصالها بيوم العيد أفضل) أي من عدم اتصالها به، ولكن يحصل أصل السنة بصومها غير متصلة به كما يحصل بصومها غير متتابعة، بل متفرقة في جميع الشهر.
(قوله: مبادرة للعبادة) علة لأفضلية اتصالها بيوم العيد.
أي وإنما كان أفضل لأجل المبادرة في العبادة.
أي ولما في التأخير من الآفات.
(قوله: وأيام الليالي) معطوف على يوم عرفة أيضا.
أي ويسن متأكدا صوم أيام الليالي البيض، وقدر الشارح لفظ الليالي: لأنها هي التي توصف بالبيض، وبالسود، دون الأيام.
(قوله: البيض) صفة لليالي، ووصفت بذلك: لأنها تبيض بالقمر من أولها إلى آخرها.
(قوله: وهي الثالث إلخ) الاحتياط صوم الثاني عشر معها.
(وقوله: وتالياه) أي وهما الرابع عشر والخامس عشر.
(قوله: لصحة الأمر بصومها) أي في رواية أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي ذر: إذا صمت من الشهر ثلاثا، فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.
اه إرشاد العباد.
(قوله: لأن صوم الثلاثة الخ) علة للعلة، ولو كانت علة للمعلل: لراد الواو وأتى بالضمير بدل الاسم الظاهر، ولو قال - كما في التحفة - وحكمة كونها ثلاثة أن الحسنة بعشر أمثالها فصومها كصوم الشهر كله لكان أولى.
(وقوله: كصوم الشهر) في رواية عن أبي ذر أن: من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله.
وهذه الرواية لا تنافي الحكمة المذكورة، لأن الذي في الرواية إذا كان ذلك على الدوام، بدليل قوله من كل شهر.
وفي الكردي ما نصه: قوله: كصوم الشهر - كان أبو ذر رضي الله عنه يعد نفسه صائما في أيام فطره لهذا الحديث، فقد روى البيهقي عن عبد الله بن شقيق، قال: أتيت المدينة، فإذا رجل طويل أسود، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو ذر: فقلت: لأنظرن علي أي حال هو اليوم.
قلت: صائم أنت؟ قال: نعم.
وهم ينتظرون الإذن على عمر رضي الله عنه، فدخلوا، فأتينا بقصاع فأكل، فحركته أذكره بيدي، فقال إني لم أنس ما قلت لك، إني أخبرتك إني صائم، إني أصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فأنا أبدا صائم.
ورى البيهقي في سننه عن أبي هريرة قريبا من قصة أبي ذر، وأنه قال لهم أنا مفطر في تخفيف الله صائم في تضعيف الله.
اه.
(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أن صوم الثلاثة كصوم الشهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها تحصل السنة بثلاثة غيرها من أيام الشهر.
قال في النهاية: (والحاصل) كما أفاده السبكي وغيره: أنه يسن صوم ثلاثة من كل شهر، وأن تكون أيام البيض، فإن صامها أتى بالسنتين.
فما في شرح مسلم - من أن هذه الثلاثة هي المأمور بصيامها من كل شهر - فيه نظر.
اه.
وقوله: بالسنتين - بضم السين وفتح النون المشددتين - أي سنة صوم الثلاثة، وسنة صوم أيام البيض.
(قوله: لكنها) أي أيام البيض.
(وقوله: أفضل) أي من غيرها من بقية الشهر.
(قوله: ويبدل على الأوجه ثالث عشر ذي الحجة) أي لأن صومه حرام، لكونه من أيام التشريق.
(قوله: وقال الجلال البلقيني: لا) أي لا يبدله به.
(قوله: بل يسقط) أي صومه أي طلبه.
(قوله: أيام السود) كان عليه أن يذكر هنا الليالي - كما ذكرها فيما مر - بأن يقول أيام الليالي السود، وإنما

وهي الثامن والعشرون وتالياه، (و) صوم (الاثنين والخميس) للخبر الحسن أنه (ص) كان يتحرى صومهما وقال: تعرض فيهما الاعمال، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم والمراد عرضها على الله تعالى.
وأما رفع الملائكة لها: فإنه مرة بالليل ومرة بالنهار، ورفعها في شعبان محمول، على رفع أعمال العام مجملة.
وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس - لخصوصيات ذكروها فيه، وعد الحليمي اعتياد صومهما مكروه: شاذ.
وصفت بذلك، لسواد جميع الليل فيها، لعدم القمر.
قال في المغنى: وخصت أيام البيض وأيام السود بذلك - أي بالصيام - لتعميم ليالي الأولى بالنور، والثانية بالسواد، فناسب صوم الأولى شكرا، والثانية لطلب كشف السواد، ولأن الشهر ضيف قد أشرف على الرحيل، فناسب تزويده بذلك.
اه.
(قوله: وهي الثامن والعشرون وتالياه) لكن عند نقص الشهر يتعذر الثالث، فيعوض عنه أول الشهر، لأن ليلته كلها سوداء.
وعبارة التحفة: وهي السابع أو الثامن والعشرون وتالياه، فإن بدأ بالثامن ونقص الشهر صام أول تاليه، لاستغراق الظلمة لليلته أيضا، وحينئذ يقع صومه عن كونه أول الشهر أيضا، فإنه يسن صوم ثلاثة أول كل شهر.
(تنبيه) من الواضح أن من قال أولها السابع: ينبغي أن يقال إذا تم الشهر: يسن صوم الآخر، خروجا من خلاف الثاني.
ومن قال الثامن: يسن له صوم السابع احتياطا - فنتج سن صوم الأربعة الأخيرة إذا تم الشهر عليهما.
انتهت.
(قوله: وصوم الاثنين والخميس) معطوف على صوم يوم عرفة.
أي ويسن متأكدا صوم يوم الاثنين ويوم الخميس.
(قوله: للخبر الحسن إلخ) دليل لتأكد صومهما.
(وقوله: إنه الخ) بدل من الخبر الحسن، أو عطف بيان له.
(وقوله: يتحرى) أي يقصد.
(وقوله: وقال) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -. (وقوله: تعرض فيهما) أي الاثنين والخميس.
(وقوله: الأعمال) أي أعمال ما بينهما معهما، فتعرض أعمال الثلاثاء والأربعاء والخميس: في الخميس.
وأعمال الجمعة والسبت والأحد والاثنين: في الاثنين.
(وقوله: وأنا صائم) أي متلبس بالصوم حقيقة، لأن العرض قبل الغروب.
اه.
ش ق. وفي البجيرمي: قوله: وأنا صائم، أي قريب من زمن الصوم، لأن العرض بعد الغروب.
اه.
(قوله: والمراد عرضها على الله تعالى) أي إجمالا.
وكان المناسب زيادته، لأن العرض إنما يكون على الله تعالى مطلقا - سواء كان عرض الاثنين والخميس، أو ليلة النصف من شعبان، أو ليلة القدر، فالفرق إنما هو في الإجمال والتفصيل - فعرض الإثنين والخميس، على الله تعالى إجمالي، وكذا عرض ليلة النصف من شعبان وليلة القدر.
والعرض التفصيلي هو في كل يوم وليلة - كما نص على ذلك في التحفة - وعبارتها: أي تعرض على الله تعالى، وكذا تعرض في ليلة نصف شعبان، وفي ليلة القدر، فالأول - أي عرضها يوم الاثنين والخميس - إجمالي باعتبار الأسبوع، والثاني باعتبار السنة، وكذا الثالث، وفائدة تكرير ذلك إظهار شرف العاملين بين الملائكة.
وأما عرضها تفصيلا، فهو رفع الملائكة لها بالليل مرة، وبالنهار مرة.
اه.
بتصرف.
فتلخص أن العرض الإجمالي في كل أسبوع مرتين، وفي كل سنة كذلك.
والتفصيلي في كل يوم مرتين.
(قوله: وأما رفع الملائكة إلخ) يفيد أن ما قبله لا ترفعه الملائكة، مع أن الرفع إنما يكون من الملائكة مطلقا، في هذا، فيما قبله.
وكان المناسب أن يقول: وأما عرضها تفصيلا: فهو رفع الملائكة إلخ.
(قوله: فإنه) أي الرفع.
(وقوله: مرة بالليل ومرة بالنهار) وذلك لأنه تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة العصر، ثم ترتفع ملائكة النهار وتبقى ملائكة الليل، ويجتمعان عند صلاة الصبح، فترتفع ملائكة الليل وتبقى ملائكة النهار.
وهذا هو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار.
(قوله: ورفعها في شعبان) أي الثابت بخبر أحمد أنه - صلى الله عليه وسلم -: سئل عن إكثاره الصوم في شعبان، فقال: إنه شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.
(قوله: وصوم الاثنين أفضل من صوم الخميس - لخصوصيات) هي أنه - صلى الله عليه وسلم - ولد في يوم الإثنين، وبعث فيه، وتوفي فيه، وكذا بقية أطواره - صلى الله عليه وسلم -. روى السهيلي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: لا يفتك صيام الاثنين، فإني ولدت فيه، وبعثت فيه، وأموت فيه أيضا.
وفي

(فرع) أفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها، خلاف للمجموع.
وتبعه الاسنوي فقال: إن نواهما لم يحصل له شئ منهما.
قال شيخنا - كشيخه - والذي يتجه أن القصد وجود  المغني ما نصه: وسمي ما ذكر يوم الاثنين: لأنه ثاني الأسبوع.
والخميس: لأنه خامسه.
كذا ذكره المصنف ناقلا له عن أهل اللغة.
قال الأسنوي: فيعلم منه أن أول الأسبوع الأحد.
ونقله ابن عطية عن الأكثرين، وسيأتي في باب النذر أن أوله السبت.
وقال السهيلي: إنه الصواب، وقول العلماء كافة إلا ابن جرير.
اه.
وفي البجيرمي: سميا بذلك: لأنه ثاني أيام إيجاد المخلوقات - غير الأرض - والخميس خامسها، وما قيل لأنه ثاني الأسبوع مبني على مرجوح، وهو أن أوله الأحد، وإنما أوله السبت على المعتمد - كما في باب النذر -. اه.
(قوله: وعد إلخ) مصدر مضاف إلى فاعله، وهو مبتدأ، خبره شاذ.
(وقوله: اعتياد) مفعول أول للمصدر.
(وقوله: صومهما) أي الاثنين والخميس.
(وقوله: مكروها) مفعول ثان للمصدر - يعني أن الحليمي عد المواظبة على صوم الاثنين والخميس من المكروه، وهذا غريب شاذ.
وعبارة المغني: وأغرب الحليمي فعد من المكروه اعتياد صوم يوم بعينه، كالاثنين، والخميس، لأن في ذلك تشبيها برمضان.
اه.
(تتمة) يستحب صوم يوم الأربعاء شكرا لله تعالى على عدم هلاك هذه الأمة فيه، كما أهلك فيه من قبلها.
ويستحب صوم يوم المعراج، ويوم لا يجد فيه الشخص ما يأكله، ويكره صوم الدهر - غير العيدين، وأيام التشريق - لمن خاف به ضررا، أو فوت حق.
ولو مندوبا، ويستحب لغيره، لإطلاق الأدلة، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: من صام الدهر ضيقت عليه جهنم هكذا.
وعقد تسعين.
رواه البيهقي.
ومعنى ضيقت عليه: أي عنه، فلم يدخلها، أو لا يكون له فيها موضع.
أما صوم العيدين وأيام التشريق: فيحرم - كما سينص عليه - ويكره أيضا إفراد الجمعة أو السبت أو الأحد بالصوم، لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله، أو يوما بعده.
رواه الشيخان: ولخبر: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم.
رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه على شرط الشخين، ولأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، ومحل الكراهة الإفراد: ما لم يوافق عادة له - كأن كان يعتاد صوم يوم وفطر يوم، فوافق صومه يوما منها، وإلا فلا كراهة - كما في صوم يوم الشك.
قوله: فرع) أي في بيان أن صوم هذه الأيام المتأكد يندرج في غيره.
(قوله: أفتى إلخ) حاصل الإفتاء المذكور أنه إذا كان عليه صوم فرض قضاء أو نذر وأوقعه في هذه الأيام المتأكد صومها: حصل له الفرض الذي عليه، وحصل له ثواب صوم الأيام المسنون، وظاهر إطلاقه أنه لا فرق في حصول الثواب بين أن ينويه مع الفرض أو لا، وهو مخالف لقول ابن حجر الآتي أنه لا يحصل له الثواب إلا إذا نواه، وإلا سقط عنه الطلب فقط.
(قوله: بحصول إلخ) متعلق بأفتى.
(وقوله: ثواب عرفة) أي صوم يومها.
(وقوله: وما بعده) ما: اسم موصول معطوف على عرفة، والظرف متعلق بمحذوف صلة ما، والضمير يعود على عرفة، والمناسب تأنيثه، لأن المرجع مؤنث: أي أفتى بحصول ثواب عرفة، وبحصول ثواب ما ذكر بعد عرفة، وهو عاشوراء وتاسوعاء وستة من شوال إلخ.
والمراد ثواب صومها كما هو ظاهر.
(قوله: بوقوع إلخ) متعلق بحصول.
(وقوله: صوم فرض) أي قضاء أو نذر.
(وقوله: فيها) متعلق بوقوع، والضمير يعود على المذكورات من عرفة وما بعده.
(قوله: فقال) أي النووي في المجموع، فالفاعل ضمير يعود عليه.
ويحتمل عوده على الأسنوي - كما صرح به هو أول الباب في مبحث النية، وصرح به أيضا في فتح الجواد - لكن ظاهر صنيعه هنا الأول، لأنه جعل الأسنوي تابعا للنووي، فيكون القول له.
(قوله: إن نواهما) أي الصوم المسنون والمفروض.
(قوله: لم يحصل له شئ منهما) أي من المسنون والمفروض - كما إذا نوى مقصودين لذاتهما، كسنة الظهر، وفرض الظهر.
(قوله: قال شيخنا) أي في فتح الجواد.
ونص عبارته: وقال الأسنوي: القياس أنه إن لم ينو التطوع حصل له الفرض، وإن نواهما لم يحصل له شئ منهما.
اه.
وإنما يتم له إن ثبت أن الصوم فيها مقصود لذاته.
والذي يتجه إلى آخر ما ذكره الشارح.
ثم قال: وعليه لو نوى ليلا الفرض وقبل الزوال النفل، فهل يثاب على النفل حينئذ - لأن القصد التقرب بالصوم عن الجهتين وقد

صوم فيها، فهي كالتحية، فإن نوى التطوع أيضا، حصلا، وإلا سقط عنه الطلب.
(فرع) أفضل الشهور للصوم بعد رمضان: الاشهر الحرم.
وأفضلها المحرم، ثم رجب، ثم الحجة، ثم القعدة، ثم شهر شعبان.
وصوم تسع ذي الحجة أفضل من صوم عشر المحرم اللذين يندب صومهما.
حصل - أولا - لأن صحة نية الصائم صوما آخر بعيدة -؟ كل محتمل.
اه.
(قوله: وجود صوم فيها) أي في هذه الأيام عرفة وما بعده.
(قوله: فهي) أي هذه الأيام.
أي صومها.
ولا بد من تقدير هذا المضاف ليصح التشبيه بالتحية.
(وقوله: كالتحية) أي فإنها تحصل بفرض أو نفل غيرها.
لأن القصد شغل البقعة بالطاعة، وقد وجدت.
(قوله: فإن نوى التطوع أيضا) أي كما أنه نوى الفرض.
(وقوله: حصلا) أي التطوع والفرض، أي ثوابهما.
(قوله: وإلا) أي وإن لم ينو التطوع، بل نوى الفرض فقط.
(وقوله: سقط عنه الطلب) أي بالتطوع، لاندراجه في الفرض.
(تنبيه) اعلم أنه قد يوجد للصوم سببان: كوقوع عرفة أو عاشوراء يوم اثنين أو خميس، أو وقوع اثنين أو خميس في ستة شوال، فيزداد تأكده رعاية لوجود السببين، فإن نواهما: حصلا - كالصدقة على القريب، صدقة وصلة - وكذا لو نوى أحدهما - فيما يظهر -. (وقوله: أفضل الشهور إلخ) قد نظم ذلك بعضهم بقوله: وأفضل الشهور بالإطلاق: * * شهر الصيام، فهو ذو السباق فشهر ربنا هو المحرم * * فرجب، فالحجة المعظم فقعدة، فبعده شعبان * * وكل ذا جاء به البيان (قوله: الأشهر الحرم) هي أربعة: ثلاثة منها سرد، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد منها فرد وهو رجب.
وإنما كان الصوم فيها أفضل، لخبر أبي داود وغيره: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك.
وإنما أمر المخاطب بالترك لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم، كما جاء التصريح به في الخبر.
أما من لا يشق عليه، فصوم جميعها له فضيلة.
اه.
شرح الروض.
وإنما سميت حرما: لأن العرب كانت تتحرمها وتعظمها، وتحرم فيها القتال، حتى أن أحدهم لو لقي قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه في هذه الأشهر لم يزعجه، وكان القتال فيها محرما في صدر الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: * (فاقتلوهم حيث وجدتموهم) * 1. (قوله: وأفضلها) أي الأشهر الحرم المحرم - لخبر مسلم: أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم وإنما سمي محرما: لتحريم الجنة فيه على إبليس.
(قوله: ثم رجب) هو مشتق من الترجيب، وهو التعظيم، لأن العرب كانت تعظمه زيادة على غيره.
ويسمى الأصب: لانصاب الخير فيه.
والأصم: لعدم سماع قعقعة السلاح فيه.
ويسمى رجم - بالميم - لرجم الأعداء والشياطين فيه حتى لا يؤذوا الأولياء والصالحين.
(قوله: ثم الحجة ثم القعدة) بعضهم قدم القعدة على الحجة، لكن المعتمد تقديم الحجة، فهو أفضل، لوقوع الحج فيه، ولاشتماله على يوم عرفة.
والأفصح: فتح قاف القعدة، وكسر حاء الحجة.
وقد نظم ذلك بعضهم فقال: وفتح قاف قعدة قد صححوا * * وكسر حاء حجة قد رجحوا وسميا بذلك: لوقوع الحج في الأول، وللقعود عن القتال في الثاني.
(قوله: ثم شهر شعبان) أي ثم بعد الأشهر الحرم شهر شعبان، لخبر الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان.
(واعلم) أن الأفصح ترك إضافة لفظ شهر إلى شعبان، وكذا بقية الأشهر ما عدا ثلاثة: رمضان، وربيع أول، وربيع ثان.
وقد أشار إلى ذلك بعضهم في قوله:

(فائدة) من تلبس بصوم تطوع أو صلاته، فله قطعهما - لا نسك تطوع - ومن تلبس بقضاء واجب، حرم قطعه ولو موسعا، ويحرم على الزوجة أن تصوم، تطوعا أو قضاء موسعا وزوجها حاضر إلا بإذنه أو علم رضاه.
(تتمة) يحرم الصوم في أيام التشريق والعيدين، وكذا يوم الشك لغير ورد، وهو يوم ثلاثي شعبان، وقد  ولا تضف شهرا إلى اسم شهر * * إلا لما أوله الرا - فادر - واستثن من ذا راجبا فيمتنع * * لأنه فيما رووه ما سمع (قوله: وصوم تسع ذي الحجة) أي التسع من أول الشهر، وهذا التعبير أولى من تعبير بعضهم بعشر ذي الحجة، لأنه يدخل فيه يوم العيد، مع أنه لا ينعقد.
(وقوله: أفضل من صوم عشر المحرم) للخبر الصحيح المار الذي قال الشارح فيه إنه يقتضي أنه أفضل من صيام عشر رمضان الأخير، وقد علمت أن الراجح خلافه.
(واعلم) أنه كان المناسب أن يذكر أولا تأكد صوم عشر المحرم بالخصوص، ثم يذكر تفضيل غيره عليه - كما صنع غيره.
(قوله: اللذين يندب إلخ) اسم الموصول نعت لتسع ذي الحجة ولعشر المحرم، ولا حاجة إليه، لأنه معلوم، إذ الأول قد صرح به فيما مر، والثاني يندرج في صيام المحرم.
(قوله: من تلبس بصوم تطوع أو صلاته) أي ونحوهما من كل عبادة متطوع بها، كاعتكاف، وطواف، ووضوء.
(قوله: فله قطعهما) أي لخبر: الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
رواه الترمذي.
ويقاس بالصوم: الصلاة ونحوها.
ولكن يكره القطع، إن لم يكن بعذر، وإلا كأن قطعه ليساعد الضيف في الأكل إذا شق عليه امتناع مضيفه منه، فلا كراهة.
ويترتب على الكراهة عدم الثواب على الماضي، ويترتب على عدمها وجود الثواب.
ويستحب قضاؤه إن قطعه، ولا يجب، لأن أم هانئ كانت صائمة صوم تطوع فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن تفطر بلا قضاء وبين أن تتم صومها.
رواه أبو داود.
وقيس بالصوم غيره.
(قوله: لا نسك تطوع) أما هو: فيحرم قطعه، لمخالفته غيره في لزوم الإتمام، والكفارة بإفساده بجماع.
واعترض كونه تطوعا: بأن الشروع فيه شروع في فرض الكفاية، فهو من فروض الكفايات، لا من النوافل.
ويمكن أن يقال: يتصور ذلك بما إذا كان الفاعل صبيا، وأذن له وليه.
أو عبدا وأذن له سيده.
قال ع ش: وعليه - فالوجوب - أي وجوب إتمامه - بالنسبة للصبي متعلق بالولي.
اه.
(قوله: ومن تلبس بقضاء واجب) ومثله الأداء.
ولو قال: ومن تلبس بواجب أداء أو قضاء - لكان أولى.
والمراد بالواجب: العيني.
قال في شرح المنهج: وخرج بالعيني فرض الكفاية، فالأصح - وفاقا للغزالي وغيره - أنه لا يحرم قطعه إلا الجهاد، وصلاة الجنازة، والحج، والعمرة.
وقيل لا يحرم: كالعيني.
اه.
(قوله: ولو موسعا) أي ولو كان قضاؤه على التراخي، بأن لم يتعد بترك الصوم أو الصلاة.
(قوله: ويحرم على الزوجة إلخ) هذا حيث جاز التمتع بها، وإلا كأن قام بالزوج مانع من الوطئ - كإحرام، أو اعتكاف - فلا حرمة، وحيث لم يقع بها مانع - كالرتق والقرن - وإلا فلا حرمة أيضا.
ومحل التحريم في الصوم المتكرر في السنة - كالاثنين والخميس - بخلاف صوم يوم عرفة وعاشوراء، لأنهما نادران في السنة.
ومع الحرمة: ينعقد صومها - كالصلاة في دار مغصوبة - ولزوجها وطؤها، والإثم عليها.
(قوله: وزوجها حاضر) أي في البلد.
قال ع ش: ولو جرت عادته أن يغيب عنها من أول النهار إلى آخره، لاحتمال أن يطرأ له قضاء وطره في بعض الأوقات على خلاف عادته.
اه.
وخرج بكونه حاضرا في البلد: ما إذا كان غائبا عنها، فلا يحرم عليها ذلك، بلا خلاف.
قال في المغنى: (فإن قيل) هلا جاز صومها مع حضوره، وإذا أراد التمتع بها تمتع وفسد صومها؟ (أجيب) بأن صومها يمنعه التمتع عادة، لأنه يهاب انتهاك حرمة الصوم بالإفساد، ولا يلحق بالصوم صلاة النفل المطلق لقصر زمنه.
اه.
(قوله: إلا بإذنه) أي الزوج.
وذلك لخبر الصحيحين: لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد - أي حاضر - إلا بإذنه.
قال ابن حجر: وكالزوج: السيد - إن حلت له - وإلا حرم بغير إذنه، إن حصل لها به ضرر ينقص الخدمة، والعبد كمن لا تحل فيما ذكر اه.
وكتب الكردي: قوله: كمن لا تحل: أي فيحرم صومه بغير إذن سيده، إن حصل له به ضرر ينقص الخدمة.
اه.
(قوله: يحرم الصوم الخ) أي ولا ينعقد.
(قوله: في أيام التشريق) وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر،

شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال ولم يثبت، وكذ بعد نصف شعبان، ما لم يصله بما قبله، أو لم يوافق عادته، أو لم يكن عن نذر أو قضاء، ولو عن نفل.
ويحرم صومها، ولو لتمتع عادم للهدي، لعموم النهي عنه.
وفي القديم: له صيامها عن الثلاثة الواجبة في الحج.
وقوله: والعيدين: أي عيد الفطر، وعيد الأضحى.
والأصل في حرمة صومهما: الإجماع المستند إلى نهي الشارع - صلى الله عليه وسلم - في خبر الصحيحين.
(قوله: وكذا يوم الشك) أي وكذلك يحرم صيام يوم الشك، لقول عمار بن ياسر: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -. رواه الترمذي وغيره، وصححوه.
قيل: والمعنى فيه القوة على صوم رمضان.
وضعفه السبكي بعدم كراهة صوم شعبان.
ويرد بأن إدمان الصوم يقوي النفس عليه، وليس في صوم شعبان إضعاف، بل تقوية، بخلاف صوم يوم ونحوه، فإنه يضعف النفس عما بعده، فيكون فيه افتتاح للعبادة مع كسل وضعف.
اه.
نهاية.
وما ذكر من تحريم صوم يوم الشك، هو المعتمد في المذهب.
وقيل يكره كراهة تنزيه.
قال الأسنوي: وهو المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون.
وفي البجيرمي ما نصه: (إن قلت) ما فائدة تنصيصهم على كراهة صوم يوم الشك أو حرمته مع أنه من جملة النصف الثاني من شعبان وهو محرم؟ (أجيب) بأن فائدته معرفة حقيقة يوم الشك حتى يرجع إليه لو علق به طلاقا أو عتقا.
وبيان أن صومه مكروه أو حرام، لشيئين: كونه يوم الشك وكونه بعد النصف، فيكون النهي فيه أعظم منه فيما قبله.
اه.
(قوله: لغير ورد) أي عادة، وتثبت بمرة.
فإن صامه لذلك، كأن كان يعتاد صوم الدهر أو صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين - كالاثنين - فصادف يوم الشك فلا يحرم.
ومثل الورد: ما لو صامه عن نذر مستقر في ذمته أو عن قضاء لنفل أو فرض أو كفارة، فلا يحرم.
(قوله: وهو يوم الخ) بيان لضابط يوم الشك.
(قوله: وقد شاع الخبر بين الناس برؤية الهلال) أما إذا لم يشع بين الناس: فليس اليوم يوم الشك بل هو من شعبان، وإن أطبق الغيم.
(وقوله: ولم يثبت) - أي الهلال - عند الحاكم لكونه لم يشهد بالرؤية أحد، أو شهد بها صبيان أو نساء، أو عبيد، أو فسقة.
(قوله: وكذا بعد نصف شعبان) أي وكذلك يحرم الصوم بعد نصف شعبان لما صح من قوله - صلى الله عليه وسلم -: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا.
(قوله: ما لم يصله بما قبله) أي محل الحرمة ما لم يصل صوم ما بعد النصف بما قبله، فإن وصله به ولو بيوم النصف، بأن صام خامس عشره وتالييه واستمر إلى آخر الشهر، فلا حرمة.
(قوله: أو لم يوافق عادته) أي ومحل الحرمة أيضا ما لم يوافق صومه عادة له في الصوم، فإن وافقها - كأن كان يعتاد صوم يوم معين كالاثنين والخميس - فلا حرمة.
(قوله: أو لم يكن عن نذر الخ) أي: ومحل الحرمة أيضا: ما لم يكن صومه عن نذر مستقر في ذمته، أو قضاء، ولو كان القضاء لنفل، أو كفارة، فإن كان كذلك، فلا حرمة، وذلك لخبر الصحيحين: لا تقدموا - أي لا تتقدموا - رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم يوما ويفطر يوما فليصمه.
وقيس بما في الحديث من العادة: النذر، والقضاء، والكفارة - بجامع السبب -. والله سبحانه وتعالى أعلم.

فصول الكتاب · 22 فصل · 443 صفحة
جارٍ التحميل