باب الصوم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البكري الدمياطي
- الكتاب
- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (هو حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين)
- المؤلف
- أبو بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي (المتوفى: 1310هـ)
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوريع
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـ - 1997 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهو لغة: الامساك.
وشرعا: إمساك عن مفطر بشروطه الآتية.
وفرض في شعبان، في السنة الثانية من الهجرة.
وهو من خصائصنا، ومن المعلوم من الدين بالضرورة (يجب صوم) شهر (رمضان) إجماعا، بكمال
باب الصوم
شروع في الركن الرابع من أركان الإسلام.
(قوله: هو لغة الإمساك) أي عن المفطر، أو عن الكلام، أو غيرهما.
ومنه قوله تعالى - حكاية عن مريم - * (إني نذرت للرحمن صوما) * 2 أي إمساكا وسكوتا عن الكلام.
وقول العرب: فرس صائم: أي واقف، ممسك عن المشي.
قال النابغة الذبياني: خيل صيام، وخيل غير صائمة * * تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما أي خيل ممسكة عن السير والكر والفر.
وخيل غير صائمة، أي غير ممسكة عن ذلك، بل سائرة.
ومعنى تعلك اللجما: أي تمضغها، متهيئة للسير والكر والفر.
(قوله: وشرعا) مقابل قوله لغة.
(قوله: إمساك عن مفطر) أي جنسه،
كوصول العين جوفه، والجماع.
ومعنى الإمساك عنه: تركه، والكف عنه.
(وقوله: بشروطه الآتية) أنظر ما المراد بها؟ فإن كان مراده بها ما ذكره بقوله على كل مكلف مطيق له: فيرد عليه أنها في خصوص من يجب عليه صوم رمضان، والتعريف لمطلق صوم.
وإن كان مراده بها النية: فيرد عليه أنها فرض، كما قال: وفرضه نية.
وأيضا: لو سلم أن المراد بالفرض ما لا بد منه، فيشمل الشرط، فهي شرط واحد، لا شروط.
فالأولى والأخصر أن يقول - كغيره - وشرعا: إمساك عن مفطر على وجه مخصوص، لأن ما ذكر هو حقيقة الصوم، والتعاريف تبين الحقائق، ويدخل تحت على وجه مخصوص: النية - التي هي الركن الثالث - وسائر الشروط والأركان.
(قوله: وفرض) أي الصوم.
(قوله: في شعبان) قال ع ش: لم يبين - كابن حجر - هل كان ذلك في أوله أو آخره أو وسطه فراجعه.
اه.
(قوله: في السنة الثانية من الهجرة) أي فيكون - صلى الله عليه وسلم - صام تسع رمضانات، لأن مدة مقامه بالمدينة عشر سنين، والتسع كلها نواقص إلا سنة فكاملة - على المعتمد -.
والناقص: كالكامل في الثواب المرتب على رمضان، من غير نظر لأيامه.
أما ما يترتب على يوم الثلاثين من ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره وفطوره، فهو زيادة يفوق الكامل بها الناقص.
(قوله: وهو) أي الصوم المفروض الذي هو صوم رمضان.
(قوله: من خصائصنا) وعليه فيحمل التشبيه في قوله تعالى: * (كما كتب على الذين من قبلكم) * 3 على مطلق الصوم، دون قدره وزمنه.
وقيل أنه ليس من الخصوصيات، بحمل التشبيه على حقيقته، لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليهم رمضان، إلا أنهم ضلوا عنه.
قال الحسن: كان صوم رمضان واجبا على اليهود، ولكنهم تركوه وصاموا بدله يوما من السنة، وهو يوم عاشوراء، زعموا أنه يوم أغرق الله تعالى فيه فرعون، وكذبوا في ذلك الصادق1
شعبان ثلاثين يوما، أو رؤية عدل واحد، ولو مستورا هلاله بعد الغروب، إذا شهد بها عند القاضي، ولو مع إطباق غيم، بلفظ: أشهد أني رأيت الهلال، أو أنه هل.
ولا يكفي: قوله: أشهد أن غدا من رمضان.
ولا يقبل
المصدوق نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم -.
وواجبا على النصارى أيضا لكنهم بعد أن صاموه زمنا طويلا صادفوا فيه الحر الشديد، وكان يشق عليهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل الربيع لعدم تغيره، وزادوا فيه
عشرة أيام كفارة لما صنعوا، فصار أربعين.
ثم إن ملكا مرض فجعل لله تعالى - أن هو برئ - أن يصوم أسبوعا، فبرئ، فزاده أسبوعا، ثم جاء بعد ذلك ملك، فقال: ما هذه الثلاثة؟ فأتم خمسين - أي أنه زاد الثلاثة باجتهاد منه - وهذا معنى قوله تعالى * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) * 1 والمعتمد الأول، وهو أنه لم يجب خصوص رمضان إلا على هذه الأمة، وأما الواجب على الأمم السابقة فصوم آخر.
(قوله: ومن المعلوم من الدين بالضرورة) أي وهو من المعلوم من أدلة الدين علما يشبه الضروري، فيكفر جاحد وجوبه.
(قوله: يجب صوم شهر رمضان) الأصل في وجوبه قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون.
أياما معدودات) * 2 والأيام المعدودات أيام شهر رمضان، وجمعها جمع قلة ليهونها، وقوله تعالى * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * 3.
(قوله: بكمال شعبان ثلاثين) متعلق بيجب أي يجب باستكمال شعبان ثلاثين يوما إن لم ير هلال رمضان، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما.
وفي التحفة: قال الدارمي: ومن رأى هلال شعبان ولم يثبت.
ثبت رمضان باستكماله ثلاثين من رؤيته، لكن بالنسبة لنفسه فقط.
اه.
(قوله: أو رؤية عدل واحد) معطوف على كمال.
أي ويجب صوم رمضان برؤية عدل واحد الهلال، لأن ابن عمر رضي الله عنهما رآه، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصام وأمر الناس بصيامه.
رواه أبو داود وصححه ابن حبان.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت هلال رمضان.
فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم.
قال: تشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم.
قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا.
صححه ابن حبان والحاكم.
والمعنى في ثبوته بالواحد: الاحتياط للصوم، ولأن الصوم عبادة بدنية، فيكفي في الإخبار بدخول وقتها واحد، والمراد بالعدل عدل الشهادة لا الرواية، فلا يكفي عبد وامرأة وفاسق، لكن لا يشترط فيه العدالة الباطنة، وهي التي التي يرجع فيها إلى قول المزكين، بل يكفي كونه مستور - كما سيذكره - وهو من ظاهره التقوى ولم يعدل.
قال في التحفة: ومحل ثبوته بعدل إنما هو في الصوم وتوابعه كالتراويح والاعتكاف دون نحو طلاق علق به.
نعم، إن تعلق بالرائي عومل به، وكذا إن تأخر التعليق عن ثبوته بعدل.
اه.
وفي مغني الخطيب ما نصه: (فرع) لو شهد برؤية الهلال واحد أو اثنان واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته.
قال السبكي: لا تقبل هذه الشهادة، لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية، والظن لا يعارض القطع.
وأطال في بيان رد هذه الشهادة، والمعتمد قبولها، إذ لا عبرة بقول الحساب.
اه.
وفصل في التحفة فقال: الذي يتجه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر، ردت الشهادة، وإلا فلا.
اه.
(قوله: ولو مستورا) أي ولو كان ذلك العدل مستورا، وهو الذي لم يعرف له مفسق ولم يزك، ويسمى هذا عدلا ظاهرا، ولا ينافي هذا ما مر من أنه يشترط فيه أن يكون عدل شهادة، لا رواية، لأنهم سامحوا في ذلك، كما سامحوا في العدد احتياطا.
(قوله: هلاله) مفعول رؤية.
(وقوله: بعد الغروب) متعلق برؤية.
أي يشترط أن تكون الرؤية بعد الغروب، فلا أثر لرؤيته نهارا.
فلو رؤي يوم الثلاثين من شعبان لا نمسك، ولو رؤي يوم الثلاثين من رمضان لا نفطر.
(قوله: إذا شهد بها الخ) هذا شرط بالنسبة لثبوته عموما، وأما بالنسبة لنفسه أو لمن صدقه فلا يشترط فيه ذلك كما هو ظاهر.
ولو قال - كما في المنهج وشرحه - أو رؤية الهلال في حق من رآه وإن كان فاسقا، أو ثبوتها في حق من لم يره بعدل شهادة.
لكان أولى وأخصر.
(وقوله: عند القاضي) أي أو نائبه.
(قوله: ولو مع إطباق غيم) المناسب جعله غاية لمقدر.
أي يثبت الهلال بشهادة عدل عند القاضي برؤيته، ولو كانت السماء مطبقة بالغيم والمراد إطباق لا يحيل الرؤية عادة، وإلا فلا يثبت بها.
على شهادته إلا بشهادة عدلين، وبثبوت رؤية هلال رمضان عند القاضي بشهادة عدل بين يديه - كما مر - ومع قوله ثبت عندي: يجب الصوم على جميع أهل البلد المرئي فيه، وكالثبوت عند القاضي: الخبر المتواتر
برؤيته، ولو من كفار، لافادته العلم الضروري، وظن دخوله بالامارة الظاهرة التي لا تتخلف عادة: - كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر - ويلزم الفاسق والعبد والانثى: العمل برؤية نفسه، وكذا من اعتقد صدق نحو فاسق
(قوله: بلفظ أشهد الخ) متعلق بمحذوف.
أي والشهادة المجزئة تكون بلفظ أشهد أني رأيت الهلال.
خلافا لابن أبي الدم فإنه قال: لا يكفي ذلك لأنها شهادة على فعل نفسه وهي لا تصح، فلا بد عنده من أن يقول أشهد أن غدا من رمضان، أو أن الشهر هل.
(قوله: ولا يكفي قوله أشهد أن غدا من رمضان) أي عند غير ابن أبي الدم - كما علمت - وذلك لأنه قد يعتقد دخوله بسبب لا يوافقه عليه المشهود عنده، كأن يكون أخذه من حساب منازل القمر، أو يكون حنفيا يرى إيجاب الصوم ليلة الغيم، أو غير ذلك.
(قوله: ولا يقبل على شهادته) أي العدل الرائي.
أي إذا أريد أداء الشهادة عنه عند القاضي، فلا بد من عدلين يشهدان بأن فلانا يشهد أنه رأى الهلال.
وعبارة الروض وشرحه.
ولو شهد اثنان على شهادته - أي العدل - صح، بخلاف ما إذا شهد عليها واحد.
لما مر أن ذلك من باب الشهادة، لا من باب الرواية.
اه.
وفي مغني الخطيب ما نصه: وهل يثبت بالشهادة على الشهادة؟ طريقان، أصحهما القطع بثبوته - كالزكاة -.
وقيل: لا، كالحدود.
اه.
(قوله: بثبوت رؤية هلال رمضان الخ) الجار والمجرور متعلق بقوله بعد يجب الصوم، وكذا قوله ومع قوله إلخ، لأنه معطوف على ثبوت.
والمعنى أنه يجب الصوم على جميع أهل البلد بثبوت الرؤية عند
القاضي، مع قول القاضي: ثبت عندي الهلال.
(قوله: كما مر) متعلق بمحذوف حال من شهادة، أي حال كون الشهادة باللفظ المار، وهو: أشهد أني رأيت الهلال.
ولو قال بما مر - بالباء بدل الكاف - لكان أولى، وعليه، يكون الجار والمجرور متعلقا بشهادة.
(قوله: ومع قوله ثبت عندي) معطوف على بثبوت، ولو حذف الواو لكان أولى.
أي وبثبوت هلال رمضان المصاحب لقول القاضي ثبت عندي، فإن لم يقل ذلك القاضي لا يجب الصوم.
وعبارة التحفة: ولا بد من نحو قوله: ثبت عندي، أو حكمت بشهادته.
اه.
وكتب سم عليه: هذا قد يدل على أن مجرد الشهادة بين يدي القاضي لا يوجب الصوم على من علم بها.
نعم، إن اعتقد صدق الشاهد.
وجب عليه.
اه.
(قوله: يجب الصوم على جميع أهل البلد) أي ولو بالنسبة لمن لم يصدق برؤية العدل المذكور.
(وقوله: المرئي فيه) أي البلد الذي رؤي الهلال فيه.
(قوله: وكالثبوت عند القاضي: الخبر المتواتر الخ) عبارة التحفة: وكهذين - أي إكمال عدة شعبان، والرؤية - الخبر المتواتر برؤيته، ولو من كفار، لإفادته العلم الضروري، وظن دخوله بالاجتهاد - كما يأتي - أو بالأمارة الظاهرة الدالة التي لا تتخلف عادة - كرؤية القناديل المعلقة بالمنائر - ومخالفة جمع في هذه غير صحيحة، لأنها أقوى من الاجتهاد المصرح فيه بوجوب العمل به، لا قول منجم - وهو من يعتمد النجم - وحاسب - وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره - ولا يجوز لأحد تقليدهما.
نعم، لهما العمل بعلمها، ولكن لا يجزئهما عن رمضان - كما صححه في المجموع وإن أطال جمع في رده - ولا برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في النوم قائلا غدا من رمضان، لبعد ضبط الرائي، لا للشك في الرؤية.
اه.
(وقوله: ولكن لا يجزئهما) الذي جرى عليه الشهاب الرملي وولده والطبلاوي الكبير: وجوب العمل بذلك، مع الإجزاء، وكذلك من أخبراه وغلب على ظنه صدقهما.
اه.
كر دي (قوله: وظن دخوله إلخ) هو بالرفع معطوف على الخبر المتواتر، أي وكالثبوت: ظن دخول رمضان بالأمارة الظاهرة.
وعبارة النهاية: ويضاف إلى الرؤية - كما قال الأذرعي - وإكمال العدد: ظن دخوله بالاجتهاد عند الاشتباه على أهل ناحية حديث عهدهم بالإسلام أو أسارى.
وهل الأمارة الظاهرة الدالة في حكم الرؤية مثل أن يرى أهل القرية القريبة من البلد القناديل قد علقت ليلة الثلاثين من شعبان بمنائر المصر كما هو العادة؟ الظاهر: نعم، وإن اقتضى كلامهم المنع.
اه.
(قوله: كرؤية القناديل الخ) تمثيل للأمارة الظاهرة.
(قوله: ويلزم الفاسق الخ) هذا كالتقييد لاشتراط كون الرائي عدلا المستفاد من قوله أو برؤية عدل، فكأنه قال: ومحل اشتراط العدالة - أي عدالة الشهادة، لا الرواية، كما علمت - في حق غير الرائي، أما هو: فيجب عليه الصوم،
ومراهق في أخباره برؤية نفسه، أو ثبوتها في بلد متحد مطلعه: - سواء أول رمضان وآخره على الاصح - والمعتمد: أن له - بل عليه - اعتماد العلامات بدخول شوال، إذا حصل له اعتقاد جازم بصدقها - كما أفتى به شيخانا: ابن زياد وحجر، كجمع محققين - وإذا صاموا - ولو برؤية عدل - أفطروا بعد ثلاثين، وإن لم يروا الهلال ولم يكن غيم، لكمال العدة بحجة شرعية.
ولو صام بقول من يثق، ثم لم ير الهلال بعد ثلاثين مع الصحو: لم يجز له الفطر، ولو رجع الشاهد بعد شروعهم في الصوم: لم يجز لهم الفطر.
وإذا ثبت رؤيته ببلد
وإن لم يكن عدل شهادة - كأن كان فاسقا أو امرأة أو عبدا - وفي حق غير من أخبره وصدقه، أما هو: فيجب عليه الصوم، ويعمل بقوله، لأنه صدقه في ذلك.
(قوله: العمل برؤية نفسه) أي فيجب عليه الصوم.
(قوله: وكذا من اعتقد الخ) أي وكذلك يلزم من اعتقد صدق من ذكر العمل بإخباره.
(وقوله: صدق نحو فاسق) المقام للإضمار، فلو عبر به وقال: وكذا من اعتقد صدقه، لكان أولى.
ودخل تحت نحو العبد والأنثى.
قال سم: هل يدخل في الفاسق الكافر حتى لو أخبر من اعتقد صدقه لزمه؟ يحتمل أنه كذلك.
اه.
(قوله: في إخباره) متعلق بصدق، وضميره يعود على نحو فاسق.
(قوله: وثبوتها) بالجر معطوف على رؤية نفسه: أي وكذلك يلزم من اعتقد صدق نحو فاسق في إخباره بثبوت الرؤية في بلد متحد مطلعه: العمل بإخباره - لما سيذكره قريبا من أنه إذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد، لزم حكمه البلد القريب منه.
(وقوله: متحد مطلعه) أي موافق مطلعه لمطلع غير محل الرؤية، بأن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في البلدين في وقت واحد - كما سيأتي.
(قوله: سواء أول رمضان وآخره) تعميم فيما قبل، وكذا وفيما بعده، وإن كان ظاهر صنيعه يقتضي رجوعه للثاني فقط.
أي يلزم الفاسق وما بعده العمل برؤية نفسه - سواء كانت الرؤية لهلال رمضان، أو لهلال شوال - ويلزم أيضا من صدق من ذكر في إخباره برؤية نفسه أو بثبوتها في بلد متحد المطلع العمل بما ذكر - سواء كان بالنسبة لهلال رمضان، أو لهلال شوال - فإذا رأى الفاسق هلال شوال يجب عليه العمل برؤيته، ومثله من صدقه في ذلك.
قال في فتح الجواد: إذ المدار على حصول الاعتقاد الجازم، فمتى حصل أوله أو آخره بقول عدل أو غيره - ومما ذكر ونحوه - جاز العمل بقضيته، بل وجب.
اه.
وقال الكردي: وفي النهاية إخبار العدل الموجب للاعتقاد الجازم بدخول شوال يوجب الفطر.
قال سم في شرح مختصر أبي شجاع: وأما قولهم لا يثبت شوال إلا بشهادة عدلين، وأنه من باب الشهادة لا الرؤية: فهو في ثبوته على العموم.
اه.
(قوله: على الأصح) راجع للتعميم، ومقابله أنه ليس آخر رمضان كأوله في ذلك.
(قوله: والمعتمد أن له) أي للشخص.
(وقوله: بل عليه) أي يجب عليه.
(قوله: اعتماد العلامات بدخول شوال) أي كالقناديل ورمي المدافع، فيجب عليه الفطر.
(قوله: إذا حصل له) أي للرائي للعلامات.
(وقوله: اعتقاد جازم بصدقها) أي العلامات.
فإن لم يحصل له ذلك لا يجوز له العمل بها.
فالمدار على حصول الاعتقاد الجازم وعدمه.
(قوله: وإذا صاموا) أي أهل البلد.
(قوله: ولو برؤية عدل) غاية لثبوت صيامهم.
أي ولو ثبت صيامهم برؤية عدل واحد - أو عدلين - أو بغير الرؤية، كأن كان باستكمال شعبان ثلاثين يوما.
(قوله: أفطروا بعد ثلاثين) (فإن قيل): يؤدي هذا إلى ثبوت شوال بقول واحد فيما إذا صمنا بعدل، وهو لا يصح.
(أجيب) بأن الشئ قد يثبت ضمنا
بطريق لا يثبت فيها مقصودا، كالنسب والإرث - لا يثبتان بالنساء، ويثبتان ضمنا للولادة الثابتة بهن.
(قوله: وإن لم يروا الهلال) أي بعد الثلاثين.
(قوله: ولم يكن غيم) أي وإن لم يكن هناك غيم، بأن كانت السماء مصحية.
وعبارة المنهاج: وإن كانت السماء مصحية.
وكتب المحلى أشار بهذا إلى أن الخلاف في حالتي الصحو والغيم، وأن بعضهم قال بالإفطار في حالة الغيم، دون الصحو.
اه.
(قوله: لكمال العدة) أي عدة رمضان، وهي ثلاثون يوما.
(قوله: بحجة شرعية) وهي شهادة العدل ونحوها مما يثبت به رمضان.
(قوله: ولو صام بقول من يثق) أي به أي من اعتقد صدقه.
(وقوله: ثم لم ير) بالبناء للمجهول، والهلال نائب فاعله.
(قوله: مع الصحو) أطلق في التحفة عدم الإفطار ولم يقيده بالصحو، وقيده به في فتح الجواد، ومقتضى التقييد به أنه يفطر الحادي والثلاثين - إن كان غيم.
وفي سم - بعد كلام - ما نصه: فقد بان لك - فيما لو صام بقول غير عدل يثق به ولم ير الهلال بعد الثلاثين - أن الشارح استظهر في شرح الإرشاد الكبير
لزم حكمه البلد القريب - دون البعيد - ويثبت البعد باختلاف المطالع - على الاصح - والمراد باختلافها: أن يتباعد المحلان - بحيث لو رؤي في أحدهما: لم ير في الآخر غالبا، قاله في الانوار.
وقال التاج التبريزي - وأقره
وجوب الصوم مع الصحو، وترجى أن يكون أقرب مع الغيم، وجزم في الصغير بوجوبه مع الصحو، وسكت عن الغيم.
واستوجه في شرح المنهاج وجوب الصوم، وأطلق، فلم يقيد، لا بصحو ولا بغيم، واستوجه في شرح العباب وجوب الفطر مطلقا.
اه.
(قوله: لم يجز له الفطر) أي لأنا إنما صومناه احتياطا، فلا نفطره احتياطا.
وفارق العدل بأنه حجة شرعية فلزم العمل بآثارها، بخلاف اعتقاد الصدق.
وعدم جواز الفطر هو ما جرى عليه ابن حجر، وجرى الرملي على خلافه، وهو أنه يفطر، وعبارته: ولو صام شخص بقول من يثق به ثلاثين ولم ير الهلال، فإنه يفطر في أوجه احتمالين.
اه.
(قوله: ولو رجع الشاهد) أي العدل.
وعبارة التحفة: ولا يقبل رجوع العدل بعد الشروع في الصوم.
(قوله: بعد شروعهم) أي أهل البلد.
(قوله: لم يجز لهم الفطر) قال في النهاية: أي لأن الشروع فيه بمنزلة الحكم بالشهادة.
اه.
وكتب ع ش: يؤخذ من العلة أنه لو حكم بشهادته وجب الصوم، وإن لم يشرعوا فيه.
وعبارة سم على منهج: (فرع) لو رجع العدل عن الشهادة - فإن كان بعد الحكم لم يؤثر، وكذا قبله وبعد الشروع، فإن كان قبل الحكم والشروع جميعا امتنع العمل بشهادته م ر.
وإن كان رجوعه قبل الحكم وبعد الشروع ثم لم ير الهلال بعد ثلاثين والسماء مصحية، فهل نفطر؟ ظاهر كلامهم أنا نفطر، لأنهم جوزوا الاعتماد عليه، وجرى على ذلك م ر، وخالف شيخنا في إتحافه فمنع الفطر، لأنا إنما عولنا عليه مع رجوعه احتياطا، والاحتياط عدم الفطر، حيث لم ير الهلال - كما ذكره.
اه.
والقلب إلى ما قاله في الإتحاف أميل.
اه.
(قوله: وإذا ثبت رؤيته) أي الهلال، بعدل أو عدلين، ويؤخذ من التعبير بالثبوت أنه إذا أشيعت
رؤيته في بلد ولم تثبت لا تثبت في البلدة القريبة إلا لمن صدقه - كما في التحفة - وعبارتها: (تنبيه) قضية قوله لزم إلخ أنه بمجرد رؤيته ببلد يلزم كل بلد قريبة منه الصوم أو الفطر، لكن من الواضح أنه لو لم يثبت بالبلد الذي أشيعت رؤيته فيها لا يثبت في القريبة منه، إلا بالنسبة لمن صدق المخبر، وأنه إن ثبت فيها ثبت في القريبة، لكن لا بد من طريق يعلم بها أهل البلد القريبة ذلك، فإن كان ثبت بنحو حكم فلا بد من اثنين يشهدان عند حاكم القريبة بالحكم، ولا يكفي واحد، وإن كان المحكوم به يكفي فيه الواحد، لأن المقصود إثباته الحكم بالصوم، لا الصوم، أو بنحو استفاضة فلا بد من اثنين أيضا لذلك.
فإن لم يكن بالبلد من يسمع الشهادة أو امتنع لم يثبت عندهم إلا بالنسبة لمن صدق المخبر بأن أهل تلك البلد ثبت عندهم ذلك.
اه.
(قوله: لزم حكمه) الضمير يعود على ثبوت المفهوم من ثبت.
أي لزم حكم ثبوت الرؤية في بلد البلد القريب إلخ، ويصح رجوع الضمير للبلد، لكن بتقدير مضاف، أي حكم أهل البلد، أي الحكم الحاصل على أهل البلد بسبب ثبوت الرؤية منها، وذلك الحكم هو الصوم.
وقوله: البلد القريب: بالنصب - مفعول لزم.
وإنما لزمها ذلك لأن البلدتين صارتا كبلدة واحدة.
(قوله: دون البعيد) أي لما رواه مسلم عن كريب قال: رأيت الهلال بالشام، ثم قدمت المدينة، فقال ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قلت: ليلة الجمعة.
قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية.
فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة.
فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا.
هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(قوله: ويثبت البعد باختلاف المطالع) أي والقرب باتحادها.
والمراد به: أن يكون غروب الشمس والكواكب وطلوعها في المحلين في وقت واحد.
فإن طلع أو غرب شئ من ذلك في أحد المحلين قبل الآخر أو بعده فهو مختلف.
(قوله: على الأصح) مقابله لا يعتبر البعد باختلاف المطالع، بل بمسافة القصر.
قال: لأن الشرع أناط بها كثيرا من الأحكام، واعتبار المطالع يحوج إلى تحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأباه.
ورد بأن الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، ولأن المناظر تختلف باختلاف المطالع والعروض، أي عروض البلاد - أي بعدها - عن خط الاستواء، وتحكيم المنجمين إنما يضر في الأصول، دون التوابع - كما هنا، كذا في التحفة.
وفي البجيرمي: قال ابن المقري في تمشيته: واعتبار مسافة القصر يؤدي إلى أن يجب الفطر على من بالبلد، والصوم على من هو خارجها، لوقوعهم في مسافة القصر، إذ هي تحديد، وإلى أن يكون من خرج من البلد لزمه الإمساك، ومن دخلها لزمه الفطر.
اه.
(قوله: والمراد باختلافها أن يتباعد إلخ) وفي حاشية الكردي ما نصه: معنى اختلاف المطالع أن
غيره -: لا يمكن اختلافها في أقل من أربعة وعشرين فرسخا.
ونبه السبكي - وتبعه غيره -: على أنه يلزم من الرؤية في البلد الغربي من غير عكس، إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل.
وقضية كلامهم أنه متى رؤي في شرقي: لزم كل غربي - بالنسبة إليه - العمل بتلك الرؤية، وإن اختلفت المطالع.
وإنما يجب صوم رمضان
يكون طلوع الفجر أو الشمس أو الكواكب أو غروبها في محل متقدما على مثله في محل آخر، أو متأخرا عنه، وذلك مسبب عن اختلاف عروض البلاد.
أي بعدها عن خط الاستواء وأطوالها.
أي بعدها عن ساحل البحر المحيط الغربي، فمتى تساوى طول البلدين لزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر، وإن اختلف عرضهما، أو كان بينهما مسافة شهور.
ومتى اختلف طولهما امتنع تساويهما في الرؤية، ولزم من رؤيته في الشرق رؤيته في بلد الغرب، دون العكس، فيلزم من رؤيته في مكة رؤيته في مصر، ولا عكس.
قالا في الإمداد والنهاية: ومن ثم لو مات متوارثان وأحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب كل في وقت زوال بلده، ورث الغربي الشرقي، لتأخر زوال بلده.
اه.
(قوله: غالبا) خرج به ما كان على خلاف الغالب، وهو أنه قد يتباعد المحلان، وتكون الرؤية في أحد البلدين مستلزمة للرؤية في الآخر، كالذي سيذكره من أنه إذا رؤي في البلد الشرقي يرى في الغربي - فلا عبرة به، للاختلاف فيما ذكر.
(قوله: التبريزي) بكسر أوله والراء وسكون الموحدة والتحتية وزاي: نسبة إلى تبريز، بلدة بأذربيجان.
اه.
ع ش.
(قوله: لا يمكن اختلافها الخ) قال في التحفة: وكان مستند ما ذكر: الاستقراء.
(وقوله: في أقل من أربعة وعشرين فرسخا) قال ع ش - وقدره ثلاثة أيام.
لكن يبقى الكلام في مبدأ الثلاثة بأي طريق يفرض حتى لا تختلف المطالع بعده؟.
اه.
(قوله: على أنه يلزم من الرؤية الخ) أي كما في مكة المشرفة ومصر المحروسة، فإنه يلزم من رؤيته في مكة رؤيته في مصر، لا عكسه.
(قوله: من غير عكس) وهو أنه لا يلزم من رؤيته في البلد الغربي رؤيته في البلد الشرقي، وعلى هذا حديث كريب، فإن الشام غربية بالنسبة إلى المدينة، فلا يلزم من رؤيته في الشام رؤيته فيها.
(قوله: إذ الليل إلخ) علة الملازمة.
(وقوله: قبل) أي قبل دخوله في البلاد الغربية.
(قوله: وقضية كلامهم) أي السبكي ومن تبعه، وهو أنه يلزم من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي.
(قوله: أنه) أي الهلال.
والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها خبر قضية.
(وقوله: في شرقي) أي بلد شرقي.
(وقوله: لزم كل غربي) أي كل أهل بلد غربي.
(وقوله: بالنسبة إليه) أي إلى الشرقي الذي رؤي الهلال فيه.
(وقوله: العمل) فاعل لزم.
(قوله: وإن اختلفت المطالع) قال في التحفة بعده: وفيه منافاة لظاهر كلامهم، ويوجه كلامهم بأن اللازم إنما هو الوجود، لا الرؤية، إذ قد يمنع منها مانع، والمدار عليها، لا على الوجود.
اه.
وقوله: بأن اللازم: أي لرؤيته في البلد الشرقي إنما هو الوجود، أي وجود الهلال.
وفي ع ش ما نصه: (فرع) ما حكم تعلم اختلاف المطالع؟ يتجه أن يكون كتعلم أدلة القبلة حتى يكون فرض عين في السفر وفرض كفاية في الحضر، وفاقا لمر سم على منهج، والتعبير بالسفر والحضر جري على الغالب.
اه.
(تتمة) لو أثبت مخالف الهلال مع اختلاف المطالع لزمنا العمل بمقتضى إثباته.
ولو سافر عن محل الرؤية إلى محل يخالفه في المطلع ولم ير أهله الهلال، وافقهم في الصوم آخر الشهر، وإن أتم ثلاثين فيمسك معهم، وإن كان معيدا، لأنه صار منهم.
وكذا لو جرت سفينة صائم إلى بلد فوجدهم معيدين فإنه يفطر معهم لذلك، ولا قضاء عليه، إلا إن صام ثمانية وعشرين يوما.
وخرج بآخر الشهر ما لو انتقل أول الشهر من محل رأوه فيه إلى محل لم يروه فيه، فلا يفطر معهم ذلك اليوم - كما في التحفة - قال سم: والوجه التسوية بين الأول والآخر.
وعليه يلغز ويقال: لنا شخص رأى الهلال ليلا، وأصبح مفطرا بلا عذر.
(فائدة) في مسند الدارمي وصحيح ابن حبان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن يقول عند رؤية الهلال: الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلام والإسلام، والتوفيق لما تحبه وترضاه.
ربنا وربك الله.
وفي أبي داود: كان يقول: هلال خير ورشد - مرتين - آمنت بمن خلقك - ثلاث مرات -.
ويسن أن يقرأ بعد ذلك سورة تبارك، لأثر فيه، ولأنها المنجية
(على) كل مكلف - أي بالغ - عاقل، (مطيق له) أي للصوم حسا، وشرعا، فلا يجب على صبي، ومجنون، ولا على من لا يطيقه - لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، ويلزمه مد لكل يوم: ولا على حائض، ونفساء، لانهما لا تطيقان شرعا.
(وفرضه) أي الصوم (نية) بالقلب، ولا يشترط التلفظ بها، بل يندب، ولا يجزئ عنها التسحر
الواقية: قال السبكي: وكأن ذلك لأنها ثلاثون آية بعدد أيام الشهر، ولأن السكينة تنزل عند قراءتها.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها عند النوم.
اه.
مغني.
(قوله: وإنما يجب صوم رمضان إلخ) تعرض لشرائط الوجوب، ولم يتعرض لشرائط الصحة، مع أن إحداهما لا تغني عن الأخرى، إذ لا يلزم من الصحة الوجوب.
ألا ترى أن الصوم يصح من الصبي ولا يجب عليه؟ ويجب على المرتد ولا يصح منه؟ فكان المناسب أن يتعرض لشرائط الصحة أيضا وإن كان بعضها - كالنقاء - يمكن اندراجه تحت الإطاقة بحملها على الحسية والشرعية - كما صرح به الشارح - وهي أربعة: الإسلام بالفعل، والنقاء عن الحيض والنفاس، والعقل في جميع النهار، ووقت قابل للصوم.
فمتى ارتد، أو نفست، أو ولدت وإن لم تر دما، أو حاضت، أو جن في لحظة من النهار: بطل الصوم - كالصلاة ولا يضر النوم - وإن استغرق جميع النهار - ولا الإغماء والسكر من غير تعد إن خلا عنهما لحظة من النهار، بخلاف ما إذا لم يخل عنهما لحظة منه، فإن الصوم يبطل بهما، لأنهما في الاستيلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون، فإن قلنا إن المستغرق منهما لا يضر كالنوم، لزم إلحاق الأقوى بالأضعف.
وإن قلنا إن اللحظة منهما ما تضر كالجنون، لزم إلحاق الأضعف بالأقوى فتوسطنا وقلنا إن الخلو عنهما في لحظة كاف.
وخرج بقولنا من غير تعد: ما إذا حصلا له بتعد، فإنه يأثم بهما، ويبطل صومه، ويلزمه القضاء، وإن كانا في لحظة من النهار.
(قوله: على كل
مكلف) أي مسلم، ولو فيما مضى، فيشمل المرتد، فيجب عليه الصوم، بمعنى انعقاد سببه في حقه، لوجوب القضاء عليه إن عاد للإسلام.
(قوله: أي بالغ عاقل) تفسير مراد للمكلف.
(قوله: مطيق له) زاد في شرح المنهج شرطين، وهما: الصحة، والإقامة.
واعترض الأول بأن قيد الإطالة يغني عنه، لأن المراد الإطاقة حسا أو شرعا، فيخرج بها المريض، إلا أن يقال إن الإطاقة تتحقق مع وجود المشقة، فحينئذ لا يخرج المريض بها، فيحتاج إلى قيد الصحة لإخراجه.
(قوله: فلا يجب على صبي) أي وإن صح منه، إذ لا تلازم بين الصحة والوجوب - كما مر - وهذا محترز قوله بالغ: المندرج تحت المكلف.
(وقوله: مجنون) محترز قوله عاقل - المندرج أيضا تحت المكلف - ومحل عدم وجوبه على المجنون - كما سيأتي - ما لم يتعد به، بأن أزال عقله بشراب أو غيره عمدا، وإلا وجب عليه ولزمه قضاؤه بعد الإفاقة.
(قوله: ولا على من لا يطيقه لكبر أو مرض) محترز الإطاقة الحسية، وما بعده محترز الشرعية.
(وقوله: لا يرجى برؤه) هو ساقط من عبارة التحفة، وهو الأولى، لأن المريض مرضا يرجى برؤه لا يجب عليه الصوم حالته، وإن وجب عليه القضاء إذا تمكن - كالحائض والنفساء - إلا أن يقال قيد به لأجل قوله ويلزمه مد لكل يوم، لأن لزومه إنما هو فيما لا يرجى برؤه، أما ما يرجى برؤه فلا يلزمه معه ذلك، وإنما يلزمه الصوم قضاء بعد الصحة.
(قوله: ويلزمه) أي من لا يطيقه.
(وقوله: مد لكل يوم) أي لقوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * 1 والمراد لا يطيقونه - بتقدير لا النافية - كما سيأتي.
(قوله: ولا على حائض ونفساء) أي ولا يجب عليهما.
قال في التحفة: ووجوب القضاء عليهما إنما هو بأمر جديد.
وقيل وجب عليهما ثم سقط.
وعليهما ينويان القضاء، لا الأداء على الأول، خلافا لابن الرفعة، لأنه فعل خارج وقته المقدر له شرعا.
ألا ترى أن من استغرق نومه الوقت ينوي القضاء وإن لم يخاطب بالأداء؟ وبما تقرر علم أن من عبر بوجوبه على نحو حائض ومغمى عليه وسكران: مراده وجوب انعقاد سبب ليرتب عليهم القضاء، لا وجوب التكليف، لعدم صلاحيتهم للخطاب.
اه.
(قوله: لأنهما) أي الحائض والنفساء.
(وقوله: لا تطيقان) أي الصوم، فمفعوله محذوف.
(وقوله: شرعا) أي لا حسا، لأنهما قد يطيقانه حسا.
(قوله: وفرضه نية) أي
- وإن قصد به التقوي على الصوم - ولا الامتناع من تناول مفطر، خوف الفجر، ما لم يخطر بباله الصوم بالصفات التي يجب التعرض له في النية (لكل يوم): فلو نوى أول ليلة رمضان صوم جميعه: لم يكف لغير اليوم
الاول.
قال شيخنا: لكن ينبغي ذلك، ليحصل له صوم اليوم الذي نسي النية فيه عند مالك، كما تسن له أول اليوم الذي نسيها فيه، ليحصل له صومه عند أبي حنيفة.
وواضح أن محله: إن قلد، وإلا كان متلبسا بعبادة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما الأعمال بالنيات.
وذكر من فروض الصوم فرضا واحدا، وهو ما ذكر، وبقي عليه فرضان، وهما: الإمساك عن مفطر، والصائم، ولا بد في النية من أن يستحضر حقيقة الصوم - التي هي الإمساك عن المفطر - جميع النهار مع كونه عن رمضان مثلا، ثم يقصد إيقاع هذا المستحضر.
(قوله: بالقلب) بيان لمحل النية.
(قوله: ولا يشترط التلفظ بها) أي بالنية، كسائر نيات العبادات.
(قوله: بل يندب) أي التلفظ بها ليساعد اللسان القلب.
(قوله: ولا يجزئ عنها) أي النية.
(قوله: وإن قصد به) أي التسحر.
(قوله: ولا الامتناع الخ) معطوف على التسحر، أي ولا يجزئ عن النية الامتناع من تناول مفطر، خوفا من طلوع الفجر.
(قوله: ما لم يخطر بباله الصوم بالصفات الخ) قيد في عدم الإجزاء.
أي محله ما لم يخطر بباله الصوم بصفاته، وإلا أجزأ ما ذكر من الصورتين: أعني التسحر والامتناع من تناول مفطر عنها.
(واعلم) أن الصوم هو الإمساك عن المفطرات، وأن صفاته كونه عن رمضان أو عن نذر أو كفارة مثلا.
إذا علمت ذلك، فتأمله مع الغاية السابقة - أعني قوله ولو قصد به التقوي على الصوم - فإن مجموع ذلك يقتضي تصور تسحره بقصد التقوي عليه مع عدم خطوره مع صفاته بالبال.
وليس كذلك، وذلك لأن الصوم الذي قصد التقوي عليه بالتسحر الظاهر: أن المراد منه الصوم الشرعي، الذي هو إمساك مخصوص بنية مخصوصة، فإذا قصد بالسحور التقوى عليه، لزم خطوره بالبال بصفاته التي لا بد منها، وذلك عين النية.
نعم، إن حمل الصوم - الذي قصد التقوى عليه بما ذكر - على مطلق إمساك عن المفطرات، تصور ذلك، وكان لذكر القيد المذكور بعد الغاية فائدة.
وبقي عليه أن صريح كلامه أن مجرد خطور الصوم بباله مع التسحر أو الامتناع من المفطر مجزئ عن النية.
وليس كذلك، لما صرحوا به في الصلاة - وغيرها - من أنه لا بد في نيتها من قصد إيقاعها وفعلها، وأما مجرد الخطور من غير قصد الإيقاع فغير مجزئ.
ويمكن أن يقال: أن المراد بقوله: ما لم يخطر بباله الصوم: أي إيقاعه، وفيه أنه إذا كان هو المراد كان عين النية، لا مجزئا عنها - كما أفهمه كلامه -. وعبارة الروض مع شرحه: ولو تسحر ليصوم، أو شرب لدفن العطش نهارا، أو امتنع من الأكل أو الشرب أو الجماع خوف طلوع الفجر، فهو نية - إن خطر بباله صوم فرض رمضان، لتضمن كل منها قصد الصوم.
اه.
وهي ظاهرة.
(قوله: لكل يوم) متعلق بنية.
أي تجب النية لصوم كل يوم، وذلك لأن الصوم كل يوم عبادة مستقلة، لتخلل ما يناقض الصوم بين اليومين - كالصلاتين يتخللهما السلام.
(قوله: فلو نوي الخ) مفرع على وجوب النية لكل يوم.
(قوله: صوم جميعه) أي رمضان.
(قوله: لم يكف) أي ما نواه.
(وقوله: لغير اليوم الأول) أما هو، فيكفي ما نواه له فقط.
(قوله: لكن ينبغي ذلك) أي نية صوم جميعه أول ليلة منه.
(قوله: ليحصل إلخ) علة الانبغاء.
(قوله: الذي نسي النية فيه) أي له، ففي بمعنى اللام.
(وقوله: عند مالك) متعلق بيحصل.
أي يحصل له ذلك عنده، لأنه لا يشترط النية لكل يوم.
(قوله: كما تسن) أي النية.
(وقوله: له) أي الناسي تبييت النية.
(وقوله: ليحصل إلخ) متعلق بتسن.
(وقوله: صومه) أي اليوم الذي نسي النية له.
(وقوله: عند أبي حنيفة) متعلق بيحصل.
(قوله: وواضح أن محله) أي حصول الصوم له بذلك.
(وقوله: إن قلد) أي الإمام مالكا في النية أول ليلة من رمضان، أو الإمام أبا حنيفة في النية أول النهار إن نسيها ليلا، فمفعوله محذوف.
(قوله: وإلا) أي وإن لم يقلد من ذكر، بل صام بالنية المذكورة في الصورة الأولى والثانية من
فاسدة في اعتقاده (وشرط لفرضه) أي الصوم - ولو نذرا، أو كفارة، أو صوم استسقاء أمر به الامام - (تبييت) أي إيقاع النية ليلا: أي فيما غروب الشمس وطلوع الفجر، ولو في صوم المميز.
قال شيخنا: ولو شك - هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده؟ لم تصح، لان الاصل عدم وقوعها ليلا، إذ الاصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن - بخلاف ما لو نوى ثم شك: هل طلع الفجر أو لا؟ لان الاصل عدم طلوعه، للاصل المذكور أيضا.
غير تقليد.
(وقوله: كان متلبسا بعبادة فاسدة) أي وهو حرام.
(وقوله: في اعتقاده) متعلق بفاسدة - أي فاسدة في اعتقاد الناوي، وإن كانت صحيحة في اعتقاد غيره.
(قوله: وشرط لفرضه) سيأتي محترزه.
(قوله: ولو نذرا الخ) أي ولو كان الصوم المفروض نذرا أو كفارة أو صوم استسقاء، فإنه يشترط فيه ما ذكره.
(قوله: أمر به الإمام) راجع لصوم الاستسقاء، وقيد به لأنه لا يكون فرضا إلا حينئذ.
(قوله: تبييت) نائب فاعل شرط، وإنما شرط لخبر من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له، أي صحيح - كما هو الأصل في النفي من توجهه إلى الحقيقة، فلا يقع صيامه عن رمضان بلا خلاف، ولا نفلا - على الأوجه - ولو من جاهل.
(قوله: أي إيقاع النية الخ) تفسير مراد للتبييت أي أن المراد بتبييتها: إيقاعها ليلا.
(قوله: أي فيما بين غروب الشمس وطلوع الفجر) تفسير لليل أي أن المراد بالليل الذي تجزئ النية فيه ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر - سواء كان من أوله، أو آخره، أو وسطه - وهذا هو المعتمد.
ومقابله: لا تكفي في النصف الأول، بل يشترط إيقاعها في النصف الأخير، لأنه قريب من العبادة.
(قوله: ولو في صوم المميز) غاية في اشتراط التبييت نفلا.
أي يشترط التبييت، ولو كان الناوي صبيا مميزا، نظرا لذات الصوم، وإن كان صومه يقع نفلا، وليس لنا صوم نفل يشترط فيه ذلك إلا هذا، فيلغز به ويقال: لنا صوم نفل يشترط فيه تبييت النية.
(قوله: ولو شك إلخ) هذا مأخوذ من اشتراط التبييت، إذ هو يفهم أنه لا بد من اليقين فيه، فلو شك لم تصح.
(واعلم) إن الشارح ذكر مسألتين متغايرتين في الحكم، الأولى: أنه لو شك: هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده؟ لم تصح - أي النية -.
والثانية: أنه لو نوى ثم شك: هل طلع الفجر أو لا؟ فإنها تصح.
وفرق سم بين المسألتين: بأن الشك في الأولى واقع حال النية، وفي الثانية بعدها.
قال: والتردد حال النية يمنع الجزم المعتبر فيها، فلذلك لم تصح، بخلافه في الثانية، فإنه لم يمنع الجزم المعتبر حالتها، فلذلك صحت.
وفي حاشية السيد عمر البصري - بعد أن استظهر عدم
الفرق بين المسألتين - فرق غير هذا، وحاصله: أن الشك في الصورة الأولى حصل له بعد تحقق طلوع الفجر، وفي الصورة الثانية حصل له قبل تحققه، فهو فيها شاك في النية، وشاك في طلوع الفجر أيضا، فلذلك صحت في هذه، ولم تصح في تلك.
وعبارته: قوله: ولو شك هل وقعت نيته قبل الفجر أو بعده؟ إلخ - قد يقال كل من نيته وطلوع الفجر حادث في كل المسألتين، فما وجه ترجيح الأصل في إحداهما للنية وفي الثانية لطلوع الفجر؟ بل يتوقف في التغاير بين المسألتين تغايرا حقيقيا يؤدي إلى التخالف في الحكم، فإن الذي يظهر: التلازم بين التصويرين، والله أعلم.
وكتب - قدس سره - ويمكن أن يقال: الصورة الأولى مفروضة فيما إذا طرأ له شك بعد تحقق طلوع الفجر - هل وقعت نيته قبله أو بعده؟ والثانية مفروضة فيما إذا نوى ثم حصل له الشك المذكور مع الشك في طلوع الفجر، فإن استمر هذا الشك إلى ما يتحقق الطلوع صارت من أفراد الأولى.
اه.
(قوله: لأن الأصل عدم وقوعها) أي النية ليلا، وهو تعليل لعدم الصحة.
(قوله: إذ الأصل الخ) علة للعلة.
(وقوله: في كل حادث) هو هنا النية.
(وقوله: تقديره بأقرب زمن) أي فرض وقوعه في أقرب زمن، وهو هنا وقوعها بعد طلوع الفجر.
(قوله: بخلاف ما لو نوى ثم شك: هل طلع الفجر؟) أي هل كان طالعا عند النية أو لا؟ اه.
سم.
(قوله: لأن الأصل عدم طلوعه) علة لمقدر: أي فإنها تصح، لأن الأصل عدم طلوع الفجر حال النية.
(قوله: الأصل المذكور) أي وهو أنه في كل حادث تقديره بأقرب زمن، والحادث هنا طلوع الفجر، وحصوله بعد النية أقرب من حصوله وقتها.
انتهى.
ولا يبطلها نحو أكل وجماع بعدها وقبل الفجر.
نعم، لو قطعها قبله، احتاج لتجديدها قطعا.
(وتعيين) لمنوي في الفرض كرمضان، أو نذر أو كفارة - بأن ينوي كل ليلة أنه صائم غدا عن رمضان، أو النذر، أو الكفارة - وإن لم يعين سببها.
فلو نوى الصوم عن فرضه، أو فرض وقته: لم يكف.
نعم، من عليه قضاء رمضانين، أو نذر، أو كفار من جهات مختلفة: لم يشترط التعيين لاتحاد الجنس.
واحترز باشتراط التبييت في الفرض عن النفل، فتصح فيه - ولو مؤقتا - النية قبل الزوال: للخبر الصحيح، وبالتعيين فيه النفل أيضا، فيصح
(قوله: ولا يبطلها) أي النية.
(وقوله: نحو أكل وجماع) أي من كل مفطر، كجنون أو نفاس، قال في التحفة: لا الردة، لأنها تزيل التأهل للعبادة بكل وجه.
اه.
(وقوله: بعدها) أي بعد النية، وهو ظرف متعلق بمحذوف صفة لنحو أكل وجماع - أي كائن بعد النية -.
قال سم: ينبغي أو معها، لأن ذلك لا ينافيها.
(وقوله: وقبل الفجر) أي وأما بعده فإنه يبطلها - كما هو ظاهر.
(قوله: نعم: لو قطعها الخ) يعني لو رفض النية قبل الفجر احتاج لتجديدها - بلا خلاف - بخلافه بعد الفجر، فلا يضر.
وعبارة البجيرمي: نعم تضر الردة ليلا أو نهارا، وكذا يضر رفض النية ليلا لا نهارا، فلا بد من تجديدها بعد الإسلام والرفض، ومنه - أي الرفض - ما لو نوى الانتقال من صوم إلى آخر، كما لو نوى صوم قضاء عن رمضان ثم عن له أن يجعله عن كفارة مثلا، فإن ذلك يكون رفضا للنية الأولى.
اه.
(قوله: وتعيين لمنوي) معطوف على تبييت.
أي وشرط لفرضه تعيين لمنوي: أي ولو من الصبي المميز - كما نبه عليه السيد عمر البصري - والمراد بالتعيين
المشترك: التعيين من حيث الجنس - كالكفارة، وإن لم يعين نوعها: كفارة ظهار، أو يمين، وكصوم النذر وإن لم يعين نوعه: كنذر تبرر أو لجاج، وكالقضاء عن رمضان، وإن لم يعين رمضان سنة بخصوصها - وإنما وجب التعيين في الفرض لأنه عبادة مضافة إلى وقت، فوجب التعيين في نيتها - كالصلوات الخمس -.
وعبارة ق ل: قوله: وتعيينه أي من حيث الجنس لا من حيث النوع ولا الزمن، فيكفي نية الكفارة لمن عليه كفارات اه.
وقد أفاد ما ذكر الشارح بالغاية بعد، وهي وإن لم يعين سببها، وبالاستدراك بعدها وهو نعم من عليه الخ.
فتنبه.
وقوله في الفرض: الأولى إسقاطه، إذ ذكره يورث ركاكة، وذلك لأن التقدير: وشرط لفرضه تعيين لمنوي في الفرض.
(قوله: كرمضان الخ) تمثيل لما يحصل به التعيين، ويصح جعله تمثيلا للفرض، وهو أولى، لئلا يصير التصوير بعده ضائعا.
(قوله: بأن ينوي إلخ) تصوير لما يحصل به التبييت والتعيين، فقوله: كل ليلة وغدا: مثال للتبييت.
(وقوله: عن رمضان إلخ) مثال للتعيين.
(قوله: وإن لم يعين سببها) أي الكفارة، وهو غاية لحصول التعيين بقصد الكفارة، أي لا فرق في حصول ذلك به، بين أن يعين سبب الكفارة - من ظهار أو يمين أو جماع - أو لا.
قال في التحفة: فإن عين وأخطأ لم يجزئ.
(قوله: فلو نوي الصوم الخ) تفريع على مفهوم اشتراط التعيين.
(وقوله: لم يكف) أي ما نواه لعدم التعيين، لأنه في الأولى يحتمل رمضان وغيره، وفي الثانية يحتمل القضاء والأداء.
قال في التحفة: نعم، لو تيقن أن عليه صوم يوم وشك - أهو قضاء، أو نذر، أو كفارة؟ أجزأه نية الصوم الواجب.
وإن كان مترددا للضرورة ولم يلزمه الكل - كمن شك في واحدة من الخمس - لأن الأصل بقاء وجوب كل منها، وهنا الأصل براءة الذمة.
اه.
(قوله: نعم، من عليه الخ) استدراك على اشتراط التعيين، وإنما يظهر إذا حمل التعيين المشترط على الأعم من التعيين، من حيث الجنس، أو من حيث النوع.
أما إذا حمل على المراد المار الذي حملته عليه - وهو من حيث الجنس فقط - فلا استدراك، لأن التعيين من حيث الجنس حاصل في هذه الصورة.
(وقوله: أو نذر) بالرفع، عطف على قضاء.
أي أو عليه نذر: أي صومه.
(وقوله: أو كفارة) بالرفع، عطف على قضاء أيضا.
أي أو عليه كفارة - أي صومها.
(وقوله: من جهات مختلفة) راجع للنذر والكفارة، والمراد بها - بالنسبة للأول - كونه عن تبرر أو لجاج، وبالنسبة للثاني: كونه عن ظهار أو جماع أو يمين.
(وقوله: لم يشترط التعيين) أي تعيين قضاء، أي الرمضانين في الأولى، وتعيين النوع فيما بعدها.
(قوله: لاتحاد الجنس) علة لعدم اشتراط التعيين.
أي أنه في الجميع: الجنس واحد، وهو مطلق رمضان، أو مطلق نذر، أو مطلق كفارة.
وهو كاف في التعيين - كما علمت.
(قوله: واحترز باشتراط التبييت في الفرض) المناسب أن يقول واحترز بقوله لفرضه: من حيث اشتراط التبييت فيه عن النفل،
- ولو مؤقتا - بنية مطلقة - كما اعتمده غير واحد.
نعم، بحث في المجموع اشتراط التعيين في الرواتب كعرفة وما معها فلا يحصل غيرها معها، وإن نوى، بل مقتضى القياس - كما قال الاسنوي - أن نيتهما مبطلة، كما لو نوى الظهر وسنته، أو سنة الظهر وسنة العصر - فأقل النية المجزئة: نويت صوم رمضان، ولو بدون الفرض على المعتمد - كما صححه في المجموع، تبعا للاكثرين، لان صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضا.
ومقتضى لأن المحترز به هو الفرض.
لا اشتراط التبييت فيه.
فتأمل.
(قوله: فتصح فيه) أي النفل.
(وقوله: ولو مؤقتا) أي ولو كان النفل مؤقتا، كعرفة وعاشوراء.
(قوله: النية) فاعل تصح.
(قوله: قبل الزوال) متعلق بتصح أو بالنية.
وفي الإيعاب للشافعي قول جديد: أنه تصح نية النفل قبل الغروب.
قال: فمن تركها قبل الزوال ينبغي له بالشرط الذي ذكرناه - وهو تقليد في ذلك - أن ينويها بعده، ليحوز ثوابه على هذا القول، بناء على جواز تقليده.
اه.
كردي.
ولا بد من اجتماع شرائط الصوم من الفجر، للحكم عليه بأنه صائم من أول النهار، حتى يثاب على جميعه، إذ صومه لا يتبعض.
(قوله: للخبر الصحيح) هو ما رواه الدارقطني: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال: هل عندكم شئ؟ قلت: لا.
قال: فإني إذا أصوم.
قالت: ودخل علي يوما آخر، فقال: أعندكم شئ؟ قلت: نعم.
قال: إذا أفطر، وإن كنت فرضت الصوم أي شرعت فيه وأكدته.
(قوله: وبالتعيين الخ) معطوف على التبييت.
(وقوله: النفل) منصوب بنزع الخافض وهو عن، والتقدير: واحترز باشتراط التعيين في الفرض عن النفل.
وكان المناسب أن يقول هنا أيضا: واحترز بقولي في الفرض من حيث اشتراط التعيين في الفرض عن النفل، لأن المحترز به هو الفرض، لا اشتراط التعيين.
فتنبه.
وقوله: أيضا، أي كما احترز باشتراط التبييت في الفرض عن النفل.
وقوله: فيصح: أي النفل - أي صومه.
وقوله: ولو مؤقتا: غاية في صحة الصوم في النفل بنية مطلقة، أي لا فرق في ذلك بين أن يكون مؤقتا - كصوم الاثنين، والخميس، وعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض - أو لا: كان يكون ذا سبب - كصوم الاستسقاء - بغير أمر الإمام، أو نفلا مطلقا.
(قوله: بنية مطلقة) متعلق بيصح، فيكفي في نية صوم يوم عرفة مثلا أن يقول: نويت الصوم.
(قوله: كما اعتمده غير واحد) أي اعتمد صحة صوم النفل المؤقت بنية مطلقة.
وفي الكردي ما نصه: في الأسنى - ونحوه الخطيب الشربيني والجمال الرملي - الصوم في الأيام المتأكد صومها منصرف إليها، بل لو نوى به غيرها حصلت إلخ: زاد في الإيعاب ومن ثم أفتى البارزي بأنه لو صام فيه قضاء أو نحوه حصلا، نواه معه أو لا.
وذكر غيره أن مثل ذلك ما لو اتفق في يوم راتبان كعرفة يوم الخميس.
اه.
وكلام التحفة كالمتردد في ذلك.
اه.
(قوله: نعم بحث في المجموع الخ) هذا إنما يتم له إن ثبت أن الصوم في الأيام المذكورة مقصود لذاتها.
والمعتمد: كما يؤخذ من عبارة الكردي المارة آنفا - أن القصد وجود صوم فيها.
فهي كالتحية، فإن نوى التطوع أيضا حصلا، وإلا سقط الطلب عنه، وبهذا فارق رواتب الصلوات.
(قوله: كعرفة وما معها) أي وما يذكر معها عند تعداد الرواتب - كعاشورا، وستة من شوال، والأيام البيض، والأيام السود -. (قوله: فلا يحصل غيرها) أي من قضاء أو كفارة.
(وقوله: معها) أي الرواتب.
(وقوله: وإن نوى) أي غير الرواتب.
(قوله: بل مقتضى القياس) أي على رواتب الصلاة.
(وقوله: أن نيتهما) أي الرواتب وغيرها، كأن نوى صوم عرفة وقضاء أو كفارة.
(وقوله: مبطلة) أي لأن الراتب لا يندرج في غيره، فإذا جمعه مع غيره لم يصح، للتشريك بين مقصودين.
(قوله: كما لو نوى الظهر وسنته) أي فإن ذلك مبطل، وقد علمت الفرق - فلا تغفل.
(قوله: فأقل النية المجزئة الخ) تفريع على ما علم من اشتراط التبييت والتعيين فقط، وهو أنه لا يشترط غيرهما كالفرضية والأداء، والإضافة إلى الله تعالى.
(قوله: ولو بدون الفرض) غاية للإجزاء.
أي أنها تجزئ، ولو كانت غير مقرونة بالفرض.
ولو حذف لفظ - ولو - واقتصر على بدون الفرض، لكان أولى، لأن الاقل المجزئ الذي صرح به ليس مقرونا بالفرضية - فكيف يجعل غاية له؟ فتنبه.
(قوله: على المعتمد) مرتبط بالغاية، أي أن النية المذكورة تجزئ من غير تعرض للفرضية - على المعتمد -. (وقوله: كما صححه) الضمير البارز راجع للإجزاء المذكور، لا للمعتمد، وإن كان هو ظاهر صنيعه، لأنه لا معنى لتصحيح المعتمد.
ولو حذف الفعل وقال كما في المجموع لكان
كلام الروضة والمنهاج وجوبه، أو بلا غد - كما قال الشيخان - لان لفظ الغد، اشتهر في كلامهم في تفسير التعيين وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين، فلا يجب التعرض له بخصوصه، بل يكفي دخوله في صوم الشهر المنوي لحصول التعيين حينئذ، لكن قضية كلام شيخنا - كالمزجد -: وجوبه (وأكملها) أي النية: (نويت صوم
غد عن أداء فرض رمضان) بالجر لاضافته لما بعده (هذه السنة لله تعالى) لصحة النية حينئذ اتفاقا، وبحث
أولى.
(قوله: لأن صوم الخ) علة لعدم وجوب قصد الفرضية المفهوم من الغاية، أي وإنما لم يجب ذلك لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضا، فلا فائدة للتعرض لها، بخلاف الصلاة، فإنها لما كانت تقع نفلا فيما إذا أعيدت، اشترط فيها نية الفرضية لتتميز عن المعادة.
قال الأسنوي: ولا يرد اشتراط نيتها في المعادة أيضا - كما مر - لأن ذاك لمحاكاة فعله أو لا.
قال في التحفة: - وعلى ما في المجموع - لو نوى ولم يتعرض للفرضية ثم بلغ قبل الفجر: لم يلزمه التعرض لها.
اه.
(قوله: ومقتضى كلام إلخ) مقابل المعتمد.
(وقوله: والمنهاج) أي وكلام المنهاج وعبارته: وفي الأداء والفرضية والإضافة إلى الله تعالى، الخلاف المذكور في الصلاة.
اه.
والذي تقدم في الصلاة عدم اشتراط ما عدا الفرضية.
(وقوله: وجوبه) أي الفرض - أي قصده.
(قوله: أو بلا غد) معطوف على بدون الفرض، فهو غاية أيضا لإجزاء النية المذكورة.
أي تجزئ، ولو لم يتعرض فيها للغد.
(قوله: لأن لفظ الغد الخ) تعليل لعدم وجوب التعرض للغد المفهوم من الغاية أيضا.
أي وإنما لم يجب التعرض للغد، لأن لفظ إلخ.
ومحل العلة قوله: وهو في الحقيقة إلخ.
(قوله: اشتهر في كلامهم) أي الأصحاب.
(وقوله: في تفسير التعيين) أي في تصويره، فقالوا: صورته أن يقول نويت صوم غد من رمضان.
قال في حاشية الجمل: وهذا التصوير في الحقيقة تصوير للتبييت، فللتبييت صورتان أن يقول:
نويت صوم رمضان، أو نويت صوم غد من رمضان.
فانتقل نظرهم لإحدى صورتي التبيت، فجعلوها صورة للتعيين.
اه.
(قوله: وهو في الحقيقة ليس من حد التعيين) أي أن لفظ الغد في الحقيقة ليس داخلا في حد التعيين: أي لا يتوقف التعيين عليه بخصوصه.
قال في شرح المنهج: وإنما وقع ذلك من نظرهم إلى التبييت.
اه.
قال البجيرمي: أي وإنما وقع لفظ الغد في تفسير التعيين من نظرهم إلى التبييت لأن التبييت مصور بصورتين - إحداهما: أن يقول ليلا: نويت صوم غد من رمضان والثانية: أن يقول ليلا: نويت الصوم عن رمضان - كما في التعيين - فلما نظروا للصورة الأولى من التبييت اشتهر إلخ.
اه.
ومر آنفا مثله عن الجمل.
(قوله: فلا يجب التعرض له) أي للغد.
(وقوله: بخصوصه) أي الغد.
والمراد أن التعرض في النية لخصوص الغد ليس بواجب، بل الواجب هو أو غيره مما يدل على التعيين، كما في نية الشهر جميعه، فإنه يحصل له به أول يوم، مع أنه لم يعينه بعينه.
(قوله: بل يكفي) أي لحصول التعيين.
والإضراب انتقالي.
(وقوله: دخوله) أي الغد.
(وقوله: في صوم الشهر المنوي) أي فإذا قال ليلا نويت صوم رمضان، فقد دخل فيه الغد وهو اليوم الذي يعقب الليلة التي نوى فيها.
(قوله: لكن قضية كلام شيخنا كالمزجد وجوبه) أي الغد بخصوصه، وفيه أن الذي في التحفة أنه لا يجب التعرض له بخصوصه، وعبارتها: هذا - أي لفظ الغد - واجب لا بد منه، ويكفي عنه عموم يشمله، كنية أول ليلة من رمضان صوم رمضان، فيصح لليوم الأول الخ: اه.
ومثلها فتح الجواد، إلا أن يقال إنه قضية كلامه في غيرهما.
ثم رأيت عبارته على متن بأفضل تقتضي ذلك، ونصها: وعلم من كلامه أن أقل النية في رمضان أن ينوي صوم غد عن رمضان.
اه.
فذكر الغد من الأقل، فاقتضى وجوبه.
تأمل.
(قوله: وأكملها إلخ) هذه مقابل قوله فأقل النية إلخ: وقال البجيرمي: أي بالنظر للمجموع، وإلا فرمضان لا بد منه، لأنه تعيين.
اه.
ولا حاجة إليه، لأن الأكمل هو ما اشتمل على ما لا بد منه وزيادة.
(قوله: نويت إلخ) خبر عن أكملها: أي أكملها هذا اللفظ.
(قوله: صوم غد) هو اليوم الذي يلي الليلة التي نوى فيها.
(قوله: عن أداء فرض رمضان) قال في النهاية: يغني عن ذكر الأداء أن يقول عن هذا الرمضان.
اه.
(قوله: بالجر لإضافته لما بعده) أي يقرأ رمضان بالجر بالكسرة، لكونه مضافا إلى ما بعده، وهو اسم الإشارة.
قال في التحفة: واحتيج لإضافة رمضان إلى ما بعده لأن قطعه عنها يصير هذه السنة محتملا لكونه ظرفا
الاذرعي أنه لو كان عليه مثل الاداء كقضاء رمضان قبله: لزمه التعرض للاداء، أو تعيين السنة (ويفطر عامد) لاناس للصوم، وإن كثر منه نحو جماع وأكل (عالم) لا جاهل، بأن ما تعاطاه مفطر لقرب إسلامه، أو نشئه
لنويت، فلا يبقى له معنى، فتأمله، فإنه مما يخفى.
اه.
ووجهه: أن النية زمنها يسير، فلا معنى لجعل هذه السنة ظرفا لها.
(قوله: هذه السنة).
(إن قلت): إن ذكر الأداء يغني عنه.
(قلت) لا يغني، لأن الأداء يطلق على مطلق الفعل، فيصدق بصوم غير هذه السنة.
وعبارة النهاية: واحتيج لذكره - أي الأداء - مع هذه السنة، وإن اتحد محترزهما، إذ فرض غير هذه السنة لا يكون إلا قضاء، لأن لفظ الأداء يطلق ويراد به الفعل.
اه.
وفي البرماوي: ويسن أن يزيد: إيمانا واحتسابا لوجه الله الكريم عزوجل.
اه.
(قوله: لصحة النية حينئذ) أي حين إذ أتى بهذا الأكمل المشتمل على الغد، والأداء والفرض، والإضافة لله تعالى، وهو تعليل لكون ما ذكر هو الأكمل، أي: وإنما كان هذا هو الأكمل لصحة النية به اتفاقا، بخلاف ما إذا أتى بالأقل المار فإن فيه خلافا، لأنه قيل بوجوب التعرض للغد وللفرضية.
قال في التحفة - بعد التعليل المذكور - ولتتميز عن أضدادها كالقضاء والنفل، ونحو النذر وسنة أخرى.
(قوله: وبحث الأذرعي أنه) أي مريد الصوم.
(قوله: لو كان عليه مثل الأداء) أي صوم مثل الصوم الذي يريد أداءه.
(قوله: كقضاء رمضان) تمثيل للمثل الذي عليه.
(وقوله: قبله) أي قبل رمضان الذي يريد أداءه.
(قوله: لزمه التعرض للأداء) أي للتمييز بين الأداء والقضاء.
قال في التحفة: وهو مبني على الضعيف الذي اختاره في نظيره من الصلاة أنه يجب نية الأداء حينئذ.
اه.
(وقوله: أو تعيين السنة) أي بأن يقول رمضان هذه السنة.
وفي بعض نسخ الخط: وتعيين - بالواو - وهو الموافق لما في التحفة، لكن عليه تكون الواو بمعنى أو - كما هو ظاهر - لأن أحدهما كاف في حصول التمييز.
(قوله: ويفطر عامدا الخ) شروع فيما يبطل به الصوم.
وقد نظم بعضهم جميع المبطلات فقال: عشرة مفطرات الصوم * * فهاكها: إغماء كل اليوم إنزاله مباشرا والردة * * والوطئ والقئ إذا تعمده ثم الجنون، الحيض، مع نفاس * * وصول عين، بطنه مع راس وذكر المصنف - رحمه الله تعالى - منها أربعة، وهي: الجماع، والاستمناء، والاستقاءة، ودخول عين جوفا، وترك الباقي لفهمه من قيدي التكليف والإطاقة.
(وقوله: عامدا إلخ) ذكر قيود ثلاثة في بطلان الصوم بما ذكر من الجماع وما عطف عليه، وهي: العمد، والعلم، والاختيار.
(قوله: لا ناس للصوم) مفهوم عامد.
وإنما لم يفطر الناسي، لخبر: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب،
فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه.
وفي رواية صححها ابن حبان وغيره: ولا قضاء عليه.
نص على الأكل والشرب، فعلم غيرهما بالأولى.
(قوله: وإن كثر الخ) أي فإنه لا يفطر مع النسيان، لعموم الخبر المار آنفا.
وفارق الصلاة حيث إن الأكل الكثير نسيانا يبطلها، بأن لها هيئة تذكر المصلي أنه فيها فيندر ذلك فيها، بخلاف الصوم.
والغاية المذكورة للرد على القائل إن الكثير يفطر به: وعبارة المنهاج: وإن أكل ناسيا لم يفطر، إلا أن يكثر في الأصح.
قلت: الأصح لا يفطر، والله أعلم.
والجماع كالأكل، على المذهب.
اه.
(وقوله: نحو جماع) أي كالإنزال والمباشرة.
(وقوله: وأكل) - بضم الهمزة - بمعنى مأكول، معطوف على جماع، أي: ونحو أكل من كل عين وصلت جوفه كحصاة وأصبعه ونحوهما.
(قوله: عالم) بالرفع، صفة لعامد.
أي عالم بأن ما تعاطاه مفطر.
(قوله: لا جاهل إلخ) مفهوم عالم.
ببادية بعيدة عمن يعرف ذلك (مختار)، لا مكره لم يحصل منه قصد، ولا فكر، ولا تلذذ (بجماع) وإن لم ينزل (واستمناء) ولو بيده أو بيد حليلته، أو بلمس لما ينقض لمسه بلا حائل (لا ب) - قبلة و (ضم) لامرأة (بحائل): أي معه، وإن تكرر بشهوة، أو كان الحائل رقيقا، فلو ضم امرأة أو قبلها بلا ملامسة بدن بلا بحائل بينهما فأنزل:
أي لا يفطر الجاهل بأن ما تعاطاهاه مفطر، ولو علم تحريم الأكل وجهل الفطر به لم يعذر، لأن حقه مع علم التحريم: الامتناع من الأكل.
(قوله: لقرب إسلامه إلخ) هذا قيد للجهل المغتفر.
أي وإنما يغتفر الجهل إن كان جهله لأجل قرب إسلامه إلخ، وأما إذا لم يكن لأجل ذلك فلا يغتفر.
وهذا القيد معتبر في كل ما يأتي من الصور المغتفرة للجهل.
وما في البحر - من عذر الجاهل مطلقا - ضعيف.
(وقوله: أو نشئة ببادية بعيدة عمن يعرف ذلك) أي إن ما تعاطاه مفطر - أي أو كون المفطر من المسائل الخفية، كإدخاله عودا في أذنه.
واحترز بذلك عما إذا كان قديم الإسلام، أو لم يكن بعيدا عمن يعرف ذلك بأن يكون بين أظهر العلماء، أو يستطيع النقلة إليهم، أو لم يكن من المسائل الخفية، فلا يغتفر جهله بذلك حينئذ.
(قوله: مختار) بالرفع أيضا، صفة ثانية لعامد.
(قوله: لا مكره) مفهوم مختار، أي لا يفطر مكره بتعاطي ما ذكر، لخبر: رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه.
قال ع ش: ولو أكره على الزنا فينبغي أن يفطر به تنفيرا عنه.
قال ابن قاسم: وفي شرح الروض ما يدل عليه.
اه.
لأن الإكراه - أي على الزنا - لا يبيحه 1 بخلافه على الأكل.
اه.
ويشترط في الإكراه - كما يأتي في الطلاق - قدرة المكره على تحقيق ما هدد به عاجلا بولاية أو تغلب، وعجز المكره عن دفعه بفرار أو استغاثة، وظنه أنه إن إمتنع فعل ما خوفه به ناجزا فلا يتحقق العجز بدون اجتماع ذلك كله.
(قوله: لم يحصل منه قصد ولا فكر ولا تلذذ) قيد في عدم إفطار المكره.
أي يشترط فيه أن لا يكون له قصد في فعل ما أكره عليه، ولا تفكر فيه، ولا تلذذ به، فإن كان كذلك لا يعتبر إكراهه، ويفسد صومه.
وعبارة التحفة: وشرط عدم فطر المكره أن لا يتناول ما أكره عليه لشهوة نفسه، بل لداعي الإكراه لا غير.
واستظهر ع ش: إن المكره لا يفطر، وإن أكل
ذلك بشهوة.
(قوله: بجماع) متعلق بيفطر، أي يفطر من ذكر بجماع، ولو كان مع حائل.
قال في التحفة: ويشترط هنا كونه - أي المجامع - واضحا، فلا يفطر به خنثى، إلا إن وجب عليه الغسل، بأن يتقن كونه واطئا أو موطوءا.
اه.
(قوله: وإن لم ينزل) غاية في إفطاره بالجماع.
أي يفطر بجماع مطلقا - سواء أنزل أم لا - أي وسواء كان في قبل أو دبر، من آدمي أو غيره.
(قوله: واستمناء) بالجر، معطوف على جماع، أي ويفطر باستمناء، وهو استخراج المني بغير جماع - حراما كان كإخراجه بيده، أو مباحا كإخراجه بيد حليلته.
والسين والتاء فيه للطلب، ويرد عليه أنه يقتضي أن مجرد طلب المني يبطل الصوم، ولو لم يخرج المني، ولا قائل به.
وأجيب بأن المراد طلب خروجه مع خروجه بالفعل - كما هو ظاهر.
(قوله: ولو بيده أو بيد حليلته الخ) غاية في إفطاره بالاستمناء، وهي للتعميم.
أي يفطر به مطلقا - سواء كان بيده، أو بيد حليلته من زوجة، أو أمه، أو بلمس بشرة، سواء كان بشهوة أو بغيرها.
(قوله: لما ينقض لمسه) المناسب: لمن ينقض لمسه - لأنه ما واقعة على من يعقل.
(وقوله: بلا حائل) متعلق بلمس.
وخرج به ما إذا كان ما ذكر بحائل، فإنه لا يفطر به.
وفيه أن هذا القيد يغني عنه ما قبله، لأنه إذا كان هناك حائل لا نقض، فما خرج به يخرج بالذي قبله.
فتنبه.
(قوله: لا بقبلة الخ) معطوف على بجماع.
أي لا يفطر بقبلة وضم لامرأة، وإن أنزل بهما.
(قوله: بحائل) متعلق بكل من قبلة وضم.
(قوله: أي معه) تفسير لمعنى الباء الداخلة على حائل.
(قوله: وإن تكررتا) أي القبلة والضم، وهو غاية لعدم الإفطار بهما.
أي لا يفطر بهما، وإن تكررتا منه.
والمناسب: وإن تكررا - بلا تاء - تغليبا للمذكر - وهو الضم -
لم يفطر، لانتفاء المباشرة - كالاحتلام.
والانزال بنظر وفكر، ولو لمس محرما أو شعر امرأة فأنزل: لم يفطر - لعدم النقض به.
ولا يفطر بخروج مذي: خلافا للمالكية (واستقاءة) أي استدعاء قئ وإن لم يعد منه شئ لجوفه: بأن تقيأ منكسا أو عاد بغير اختياره، فهو مفطر لعينه، أما إذا غلبه ولم يعد منه - أو من ريقه المتنجس به -
على المؤنث - وهو القبلة - ويحرم التكرر، وإن لم ينزل.
(قوله: فلو ضم امرأة الخ) تفريع على مفهوم قوله لا بقبلة إلخ.
(قوله: بل بحائل بينهما) أي بين المقبل أو الضام، وبين المرأة المقبلة أو المضمومة.
(قوله: لم يفطر) قال سم: الوجه أن محل ذلك ما لم يقصد بالضم مع الحائل إخراج المني.
أما إذا قصد ذلك وخرج المني، فهذا استمناء مبطل،
وكذا لو مس المحرم بقصد إخراج المني - فإذا أخرج بطل صومه، هذا هو الوجه المتعين، خلافا لما يوهمه الروض وشرحه.
م ر.
اه.
وفي البجيرمي ما نصه: حاصل الإنزال أنه إن كان بالاستمناء أي بطلب خروج المني - سواء كان بيده، أو بيد زوجته، أو بغيرهما - بحائل، أو لا، يفطر مطلقا، وأما إذا كان الإنزال باللمس من غير طلب الاستمناء - أي خروج المني - فتارة يكون مما تشتهيه الطباع السليمة، أو لا، فإن كان لا تشتهيه الطباع السليمة - كالإمرد الجميل، والعضو المبان - فلا يفطر بالإنزال مطلقا، سواء كان بشهوة أو لا، بحائل أو لا.
وأما إذا كان الإنزال بلمس ما يشتهى طبعا: فتارة يكون محرما، وتارة يكون غير محرم، فإن كان محرما، وكان بشهوة وبدون حائل، أفطر، وإلا فلا.
وأما إذا كان غير محرم - كزوجته - فيفطر الإنزال بلمسه مطلقا، بشهوة أو لا، بشرط عدم الحائل.
وأما إذا كان بحائل، فلا فطر به مطلقا، بشهوة أو لا.
أفاده شيخنا ح ف.
اه.
(قوله: لانتفاء المباشرة) علة لعدم الإفطار.
(قوله: كالاحتلام) الكاف للتنظير: أي كما أنه لا يفطر بالاحتلام.
(قوله: والإنزال بنظر وفكر) أي وكالإنزال بنظر وفكر، فإنه لا يفطر به، لانتفاء المباشرة.
قال البجيرمي: ما لم يكن من عادته الإنزال بهما، وإلا أفطر - كما قرره شيخنا ح ف.
اه.
(قوله: ولو لمس محرما إلخ) هذا محترز قوله لما ينقض لمسه.
(قوله: لعدم النقض به) أي بلمس المحرم أو شعر المرأة - ولو غير محرم - وقيل يفطر بلمس الشعر إذا أنزل.
وعبارة المغني: ولو لمس شعر امرأة فأنزل: ففي إفطاره عن المتولي وجهان بناهما على انتقاض الوضوء بلمسه، ومقتضاه أنه لا يفطر.
اه.
(قوله: ولا يفطر بخروج مذي) هذا مفهوم قوله استمناء، إذ المراد منه خروج المني.
(قوله: خلافا للمالكية) أي في قولهم إن خروج المذي مفطر.
(قوله: واستقاءة) بالجر، عطف على جماع، أي ويفطر باستقاءة.
(قوله: أي استدعاء قئ) أي طلب خروجه ويأتي فيه ما تقدم في لفظ الاستمناء من الإيراد.
والجواب.
قال في التحفة: ومن الاستقاءة: نزعه لخيط ابتلعه ليلا.
اه.
وفي سم ما نصه: (فرع) قال في الروض: ولو ابتلع طرف خيط فأصبح صائما - فإن ابتلع باقيه، أو نزعه أفطر.
وإن تركه بطلت صلاته.
وطريقه أن ينزع منه وهو غافل.
اه.
قال في شرحه: قال الزركشي: - وقد لا يطلع عليه عارف بهذا الطريق، ويريد هو الخلاص، فطريقه أن يجبره الحاكم على نزعه، ولا يفطر به، لأنه كالمكره.
بل لو قيل إنه لا يفطر بالنزع باختياره لم يبعد، تنزيلا لإيجاب الشرع منزلة الإكراه، كما لو حلف ليطأن في هذه الليلة فوجدها حائضا،
لا يحنث بترك الوطئ.
اه.
أما إذا لم يكن غافلا وتمكن من دفع النازع فإنه يفطر، لأن النزع موافق لغرض النفس، فهو منسوب إليه عند تمكنه من الدفع، وبهذا فارق من طعنه بغير إذنه وتمكن من دفعه.
اه.
(قوله: وإن لم يعد منه شئ) أي يفطر بخروج القئ منه قصدا، وإن لم يرجع منه شئ إلى جوفه.
والغاية للرد على القائل بأنه إذا لم يرجع شئ لا يفطر.
وعبارة المنهاج: والصحيح أنه لو تيقن أنه لم يرجع شئ إلى جوفه بطل، وإن غلبه القي فلا بأس.
اه.
(قوله: بأن تقيأ منكسا) أي مطأطئا رأسه حتى صار أعلاه أسفله، وهو تصوير لعدم عود شئ منه إلى جوفه.
(قوله: أو عاد بغير اختياره) أي بغير قصده.
(قوله: فهو مفطر لعينه) أي استدعاء القئ مفطر لعينه - أي لذاته - لا لرجوع شئ إلى الجوف
شئ إلى جوفه بعد وصوله لحد الظاهر، أو عاد بغير اختياره: فلا يفطر به - للخبر الصحيح بذلك (لا بقلع نخامة) من الباطن أو الدماغ إلى الظاهر، فلا يفطر به إن لقطها لتكرر الحاجة إليه، أما لو ابتلعها مع القدرة على لفظها بعد وصولها لحد الظاهر - وهو مخرج الحاء المهملة - فيفطر قطعا.
ولو دخلت ذبابة جوفه: أفطر بإخراجها
كالنوم لغير المتمكن، فإنه ينقض، وإن تيقن عدم خروج شئ من الدبر، لأنه مظنة لوصول شئ إلى الجوف، كما أن النوم مظنة لخروج شئ منه.
(قوله: أما إذا غلبه) أي خرج بغير اختياره وقصده، وهذا مفهوم قوله استقاءة، إذ المراد منها طلب الخروج المستلزم لخروجه باختياره وقصده.
(قوله: ولم يعد منه) أي من القئ، والجملة حالية.
وقوله: أو من ريقه: أي أو لم يعد من ريقه.
(وقوله: المتنجس به) أي بالقئ.
(وقوله: شئ) فاعل الفعل قبله.
(وقوله: إلى جوفه) متعلق بالفعل.
(وقوله: بعد وصوله إلخ) متعلق بالفعل أيضا.
أي لم يعد إليه بعد وصوله لحد الظاهر، بأن لم يعد إليه أصلا، أو عاد قبل وصوله لحد الظاهر، فإن عاد إليه بعد ذلك أبطل الصوم.
وسيأتي بيان حد الظاهر.
(قوله: أو عاد) أي بعد وصوله لذلك، لكن بغير اختياره وقصده.
(قوله: فلا يفطر به) جواب أما.
وضمير به يعود إلى القئ.
(قوله: للخبر الصحيح) هو: من ذرعه القئ فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض.
وذرعه - بالمعجمة - بمعنى غلبه، وهو دليل لكون الاستقاءة تفطر، ولكون مفهومها - وهو قوله أما إذا غلبه إلخ - لا يفطر، فهو مرتبط بالمتن: منطوقا، ومفهوما، وإن كان صنيعه يفيد رجوعه للثاني فقط.
(وقوله: بذلك) أي بما ذكر من فطره بالاستقاءة، وعدم فطره بغلبة خروج القئ.
(قوله: لا بقلع نخامة) معطوف على استقاءة، أي لا يفطر بقلع نخامة - أي إخراجها.
قال البجيرمي، هو مستثنى من الاستقاءة - كما قاله ح ل.
والقلع: إخراجها من محلها الأصلي، والمج إخراجها من الفم.
والنخامة - بالميم - وتقال بالعين - وهي الفضلة الغليظة تنزل من الدماغ، أو تصعد من الباطن، فلا تضر، ولو نجسة.
اه.
(قوله: من الباطن) هو مخرج الهمزة والهاء.
والظاهر: مخرج الحاء المهملة، أو الخاء المعجمة - كما سيأتي.
(قوله: أو الدماغ) عطف على الباطن، - من عطف الخاص على العام - أي ولا بقلعها من الدماغ.
(قوله: إلى الظاهر) متعلق بقلع.
وفي ع ش ما نصه: وهل
يلزمه تطهير ما وصلت إليه من حد الظاهر - حيث حكمنا بنجاستها - أو يعفى عنه؟ فيه نظر.
ولا يبعد العفو.
اه.
سم.
وعليه: لو كان في الصلاة وحصل له ذلك لم تبطل به صلاته ولا صومه إذا ابتلع ريقه، ولو قيل بعدم العفو في هذه الحالة لم يكن بعيدا، لأن هذه حصولها نادر، وهي شبيهة بالقئ، وهو لا يعفى عن شئ منه.
اللهم إلا أن يقال إن كلامه مفروض فيما لو ابتلي بذلك، كدمى اللثة إذا ابتلي به.
اه.
(قوله: فلا يفطر به) أي بقلعها المذكور، وهذا على الأصح، ومقابله يفطر به، كالاستقاءة.
(قوله: إن لفظها) أي رماها.
فاللفظ مراد به معناه اللغوي، وهو الطرح والرمي.
(قوله: لتكرر الحاجة إليه) أي إلى قلع النخامة، وهو علة لعدم فطره بذلك، ومع ذلك يندب له القضاء - مراعاة للخلاف - كما في التحفة.
(قوله: أما لو ابتلعها الخ) مفهوم قوله إن لفظها.
(وقوله: مع القدرة على لفظها) فإن لم يقدر عليه - بأن نزلت من الدماغ إلى الباطن - فلا يفطر به كما ستعرفه.
(قوله: بعد وصولها) أي استقرارها في الظاهر، فإن لم يستقر فيه - بل وصلت إلى الباطن من غير استقرار فيه - فلا يفطر.
(وقوله: لحد الظاهر) أي حد هو الظاهر، فالإضافة بيانية.
وعبارة التحفة.
(تنبيه) ذكر حد غير محتاج إليه في عبارته، وإن أتى به شيخنا في مختصره، بل هو موهم، إلا أن تجعل الإضافة بيانية، وإنما يحتاج إليه من يريد تحديده.
وذكر الخلاف في الحد أهو المعجمة - وعليه الرافعي وغيره - أو المهملة - وهو المعتمد كما تقرر؟ فيدخل كل ما قبله، ومنه المعجمة اه.
(وقوله: بل هو موهم) أي أنها إن لم تصل إلى هذا الحد الذي هو مخرج الحاء المهملة، بل وصلت قبله من جهة الأسنان، لم يفطر.
وليس كذلك، لأن المدار على ابتلاعها بعد حصولها في ظاهر الفم مطلقا.
لا فرق بين أوله وآخره ووسطه.
(قوله: وهو) أي حد الظاهر.
(قوله: مخرج الحاء المهملة) أي على المعتمد.
وعليه، فما بعد ذلك هو الباطن، وهو مخرج الهمزة والهاء، وما فوق ذلك كله ظاهر، ومنه مخرج الخاء المعجمة.
مطلقا، وجاز له - إن ضره - بقاوها مع القضاء: كما أفتى به شيخنا (و) يفطر (بدخول عين) وإن قلت إلى ما يسمى (جوفا): أي جوف من مر: كباطن أذن، وإحليل، - وهو مخرج بول - ولبن - وإن لم يجاوز الحشفة أو الحلمة ووصول أصبع المستنجية إلى وراء ما يظهر من فرجها عند جلوسها على قدميها: مفطر، وكذا وصول بعض الانملة إلى المسربة، كذا أطلقه القاضي، وقيده السبكي بما إذا وصل شئ منها إلى المحل المجوف
قال في النهاية: ثم داخل الفم والأنف إلى منتهى الغلصمة والخيشوم، له حكم الظاهر بالنسبة للافطار باستخراج القئ إليه، أو ابتلاع النخامة منه، ولعدم الإفطار بالنسبة لدخول شئ فيه وإن أمسكه وبالنسبة للنجاسة فإذا تنجس وجب غسله، وله حكم الباطن بالنسبة للريق.
فإذا ابتلعه لا يفطر، وبالنسبة للجنابة فلا يجب غسله، وفارقت النجاسة - حيث وجب غسلها منه - بأنها أفحش وأندر، فضيق فيها ما لم يضيق في الجنابة.
اه.
بتصرف.
(قوله: فيفطر قطعا) أي بلا خلاف وهو جواب أما.
(قوله: ولو دخلت ذبابة جوفه) أي من غير قصد.
(وقوله: أفطر بإخراجها) أي لانه قئ مفطر.
(وقوله: مطلقا) أي ضره بفاؤها أو لا.
(قوله: وجاز له) أي جاز إخراجها له.
(وقوله: إن ضره بقاؤها) في التحفة - نعم، إن ضره بقاؤها ضررا يبيح التيمم: لم يبعد جواز إخراجها ووجوب القضاء.
اه.
(قوله: كما أفتى به شيخنا) في الكردي ما نصه: وقع في موضع من فتاوى الشارح عدم الفطر بإخراجها، لكنه رجع عنه في جواب عنها آخر، وقال في آخره: قد سبق مني إفتاء بأن إخراجها غير مفطر، والأوجه ما ذكرته الآن.
اه.
(قوله: ويفطر بدخول عين) أصل المتن: وبدخول عين - عطف على بجماع -.
وانظر: لم قدر الشارح المتعلق فيه ولم يقدر عند قوله واستمناء، وعند قوله واستقاءة؟ (فإن قلت): لأنه يوهم هنا لو لم يقدره أنه معطوف على أقرب مذكور، وهو قوله بقلع نخامة، مع أنه ليس كذلك بخلافه هناك.
(قلت): الإيهام موجود عند قوله واستقاءة، وذلك لأنه يوهم عطفه على أقرب مذكور، وهو بقبلة وضم، مع أنه ليس كذلك.
إذا علمت ذلك، فلعله قدره هنا لطول العهد، ومحل الإفطار بوصول العين إذا كانت من غير ثمار الجنة - جعلنا الله من أهلها - فإن كانت العين من ثمارها: لم يفطر بها.
(قوله: وأن قلت) أي العين - كسمسمة - أي أو لم تؤكل عادة - كحصاة.
(قوله: إلى ما يسمى جوفا) متعلق بدخول.
وخرج به ما لا يسمى جوفا، كداخل مخ الساق أو لحمه، فلا يفطر بوصول شئ إليه.
(قوله: أي جوف من مر) هو العامد العالم المختار.
(قوله: كباطن أذن) تمثيل للجوف.
قال ع ش: قال في شرح البهجة: لأنه نافذ إلى داخل قحف الرأس، وهو جوف.
اه.
(قوله: وهو) أي الإحليل.
(وقوله: مخرج بول) أي من الذكر.
(وقوله: ولبن) أي ومخرج لبن، أي من الثدي.
فالإحليل يطلق على شيئين: على مخرج البول، ومخرج اللبن.
قال في المختار: والإحليل: مخرج البول، ومخرج اللبن من الضرع والثدي.
اه.
ع ش.
(قوله: وإن لم تجاوز الخ) غاية في فطره بدخول عين في إحليل: أي يفطر بدخولها فيه، وإن لم تجاوز تلك العين الحشفة من الذكر، والحلمة من الثدي.
(قوله: أو الحلمة) قال في المصباح: الحلم: القراد الضخم، الواحدة: حلمة.
مثل قصب وقصبة، وقيل لرأس الثدي وهي اللحمة الناتئة حلمة على التشبيه بقدرها.
قال الأزهري: الحلمة: الحبة على رأس الثدي من المرأة.
اه.
(قوله: ووصول أصبع) مبتدأ.
وقوله: مفطر: خبره.
وكان المناسب التفريع، لأن الأصبع يطلق عليها عين.
(وقوله: إلى وراء ما يظهر من فرجها) أي من داخله، وهو ما لا يجب غسله عند الاستنجاء.
(قوله: عند جلوسها) متعلق بيظهر.
(قوله: وكذا
وصول الخ) أي وكذلك يفطر وصول بعض الأنملة إلى المسربة.
وهي مجرى الغائط ومخرجه.
وقيل حلقة الدبر.
قال البجيرمي: ومثله غائط خرج منه ولم ينفصل، ثم ضم دبره ودخل شئ منه إلى داخل دبره، حيث تحقق دخول شئ منه بعد بروزه، لأنه خرج من معدنه مع عدم حاجة إلى ضم دبره.
اه.
(قوله: كذا أطلقه القاضي) أي كذا أطلق القاضي
منها، بخلاف أولها المنطبق فإنه لا يسمى جوفا، وألحق به أول الاحليل الذي يظهر عند تحريكه، بل أولى.
قال ولده: وقول القاضي: الاحتياط أن يتغوط بالليل: مراده أن إيقاعه فيه خير منه في النهار، لئلا يصل شئ إلى جوف مسربته، لا أنه يؤمر بتأخيره إلى الليل، لان أحدا لا يؤمر بمضرة في بدنه، ولو خرجت مقعدة مبسور: لم يفطر بعودها، وكذا إن أعادها بأصبعه، لاضطراره إليه.
ومنه يؤخذ - كما قال شيخنا - أنه لو اضطر لدخول الاصبع إلى الباطن لم يفطر، وإلا أفطر وصول الاصبع إليه.
وخرج بالعين: الاثر - كوصول الطعم بالذوق إلى
الفطر بوصول شئ إلى المسربة: أي حكم بأن ما ذكر يفطر مطلقا - سواء وصل إلى المحل المجوف منها، أم لا.
(قوله: وقيده) أي قيد الفطر السبكي: بما إذ وصل شئ من الأنملة إلى المحل المجوف منها، وهو ما لا يجب غسله.
وفي البجيرمي مثله، وعبارته: وضابط الدخول المفطر: أن يجاوز الداخل ما لا يجب غسله في الاستنجاء بخلاف ما يجب غسله في الاستنجاء، فلا يفطر إذا أدخل أصبعه ليغسل الطيات التي فيه.
اه.
(قوله: بخلاف أولها) أي المسربة: أي فلا يضر وصول شئ إليه.
(وقوله: المنطبق) أي المنضم بعضه إلى بعض.
(قوله: وألحق به) أي ألحق السبكي بأول المسربة: أول الإحليل - في عدم الفطر بوصول شئ إليه.
(قوله: الذي يظهر إلخ) صفة لأول الإحليل، أو بدل، أو عطف بيان، أو خبر لمبتدأ محذوف - وهو أولى - أي أن أول الإحليل هو الذي يظهر عند تحريكه.
(قوله: بل أولى) أي بل أول الإحليل أولى من أول المسربة في عدم الفطر بوصول شئ إليه.
(قوله: قال ولده) أي السبكي، وهو كلام مستأنف ساقه لبيان مراد القاضي بما ذكره.
(قوله: وقول القاضي الخ) مقول القول.
(قوله: مراده) أي القاضي، بقوله المذكور (والحاصل) أن قوله القاضي المذكور صادق بصورتين: بما إذا كان حاقبا في الليل ويمكنه الصبر إلى النهار، وبما إذا كان حاقبا في النهار ويمكنه الصبر إلى الليل، فظاهره أنه يؤمر بالتغوط في الليل في الصورتين، وليس كذلك، بل في الصورة الأولى فقط، وأما في الثانية فيتغوط نهارا، ولا يؤخر إلى الليل، لئلا يضره ذلك.
(قوله: إن إيقاعه) أي التغوط.
(وقوله: فيه) أي في الليل.
(قوله: خير منه في النهار) أي خير من إيقاع التغوط في النهار.
وسكت عن حكم البول.
ورأيت في هامش فتح الجواد، نقلا عن الإمداد، ما نصه: وأما البول فلا خير في إيقاعه في أحدهما، بل هو فيهما سواء، إذ لا يخشى منه مفطر، إلا في حق من ابتلي بوسوسة أو سلس، فإيقاعه حينئذ ليلا خير منه نهارا.
اه.
(قوله: لئلا يصل إلخ) علة للخيرية.
(قوله: لا أنه الخ) أي لا إن مراده أنه يؤمر بتأخير التغوط إلى الليل.
قال سم: قد لا يضر التأخير، فما المانع من حمل كلام القاضي بظاهره على هذا المعنى؟.
اه.
(قوله: لأن أحدا الخ) علة النفي.
(وقوله: بمضرة في بدنه) وهي هنا تأخير التغوط لليل.
(قوله: لم يفطر بعودها) أي إلى دبره
والمراد بنفسها - بدليل المقابلة.
(قوله: وكذا إن أعادها بأصبعه) أي وكذلك لا يفطر إن أعادها بواسطة أصبعه.
(قوله: لاضطراره إليه) علة لعدم فطره بعودها، أي وإنما لم يفطر بذلك لاضطراره واحتياجه إليه - أي إلى العود - فسومح في عودها، ولو كان بفعل الفاعل.
قال البجيرمي: وعلى المسامحة: فهل يجب غسل ما عليها - أي المقعدة - من القذر - لأنه بخروجه معها صار أجنبيا فيضر عوده معها للباطن، أو لا؟ كما لو أخرج لسانه وعليه ريقه، لأن ما عليها لم يفارق معدته؟ كل محتمل، والثاني أقرب.
والكلام - كما هو ظاهر - حيث لم يضر غسلها، وإلا تعين الثاني، كما ذكره ابن حجر.
اه.
(قوله: ومنه يؤخذ) أي من التعليل المذكور يؤخذ عدم الفطر بدخول الأصبع معها إلى الباطن، إذا اضطر إلى ذلك.
(قوله: كما قال شيخنا) عبارته في فتح الجواد: ولا فطر بخروج مقعدة المبسور وعودها بأصبعه لاضطراره إليه.
ومنه يؤخذ أنه إن اضطر لدخول الأصبع معها إلى الباطن لم يفطر، وإلا أفطر بوصول الأصبع إليه.
اه.
(قوله: وخرج بالعين) أي في قوله ويفطر بدخول عين.
(وقوله: الأثر) أي أثر تلك العين - كرائحتها وطعمها.
(قوله: كوصول الطعم) بفتح الطاء: هو الكيفية الحاصلة من الطعام - كالحلاوة - وضدها: من غير وصول عين.
قال في المصباح: الطعم بالفتح: ما يؤديه الذوق، فيقال: طعمه حلو أو حامض.
وتغير طعمه: إذا خرج عن وصفه الخلقي.
اه.
وأما
حلقه -.
وخرج بمن مر - أي العامد العالم المختار - الناسي للصوم، والجاهل المعذور بتحريم إيصال شئ إلى الباطن، وبكونه مفطرا والمكره، فلا يفطر كل منهم بدخول عين جوفه، وإن كثر أكله، ولو ظن أن أكله ناسيا مفطر فأكل جاهلا بوجوب الامساك: أفطر.
ولو تعمد فتح فمه في الماء فدخل جوفه أو وضعه فيه فسبقه أفطر.
أو
الطعم - بالضم - فهو بمعنى الطعام، وليس مرادا هنا.
(وقوله: بالذوق) الباء سببية، أي بسبب ذوق الطعم وإدخاله في فمه ليغرفه.
ومثل وصوله الطعم: وصول الرائحة إلى جوفه، فإنه لا يفطر به، لأنها أثر، لا عين.
وفي الكردي ما نصه: وفي النهاية - كالإمداد - وصول الدخان الذي فيه رائحة البخور وغيره إذا لم يعلم انفصال عين فيه إلى الجوف لا يفطر به، وإن تعمد فتح فيه لأجل ذلك، وهو ظاهر.
وفي التحفة وفتح الجواد عدم ضرر الدخان.
وقال سم في شرح أبي شجاع: فيه نظر، لأن الدخان عين.
اه.
وفي البيجرمي: وأما الدخان الحادث الآن المسمى بالتتن - لعن الله من أحدثه - فإنه من البدع القبيحة - فقد أفتى شيخنا الزيادي أولا بأنه لا يفطر، لأنه إذ ذاك لم يكن يعرف حقيقته، فلما رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها، رجع وأفتى بأنه يفطر.
اه.
(قوله: وخرج بمن مر) أي في قوله سابقا.
أي جوف من مر.
(وقوله: أي العامد إلخ) تفسير لمن مر.
(قوله:
الناسي) فاعل خرج، وهذا خرج بقيد العالم المندرج تحت من مر.
(قوله: والجاهل المعذور) هذا خرج بقيد العالم المندرج تحت من مر أيضا.
(وقوله: بتحريم إيصال شئ إلى الباطن) متعلق بالجاهل، أي الجاهل بتحريم إيصال شئ، أي مبهم أو معين، مع علمه بأن بعض الأشياء مفطر: مبهما أو معينا، وليس المراد أنه جاهل بأن هناك مفطر رأسا، وإلا لا يتصور منه نية الصوم، - كذا في التحفة - ونصها: وليس من لازم ذلك - أي الجهل بما ذكر - عدم صحة نيته للصوم نظرا إلى أن الجهل بحرمه الأكل يستلزم الجهل بحقيقة الصوم، وما تجهل حقيقته لا تصح نيته، لأن الكلام فيمن جهل حرمة شئ خاص من المفطرات النادرة.
اه.
(وقوله: وبكونه مفطرا) معطوف على بتحريم: أي الجاهل بالتحريم، والجاهل بكونه مفطرا.
وأفاده بالعطف بالواو أنه لا يغتفر جهله إلا إن كان جاهلا بهما معا، وهو كذلك، فلو لم يكن جاهلا بهما - بأن كان عالما بهما معا، أو عالما بأحدهما جاهلا بالآخر - ضر، ولا يعذر، لأنه كان من حقه إذا علم الحرمة وجهل أنه مفطر، أو العكس، أن يمتنع.
(قوله: والمكره) أي على الفطر، وهذا خرج بقيد الاختيار المندرج تحت من مر أيضا.
(قوله: فلا يفطر كل منهم) أي من الناسي، والجاهل، والمكره، وذلك لعموم خبر الصحيحين: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب - وفي رواية وشرب - فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه، وصح، ولا قضاء عليه.
ولخبر: رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه.
والجاهل كالناسي، بجامع العذر.
(قوله: وإن كثر أكله) أي فإنه لا يفطر بذلك، وتقدم الفرق بين الصوم وبين الصلاة، فارجع إليه إن شئت.
(قوله: ولو ظن أن أكله ناسيا مفطر الخ) يعني لو أكل ناسيا وظن أن أكله نسيانا مفطر، فأكل ثانيا عمدا جاهلا بوجوب الإمساك - أي باستمرار الصوم في حقه، بعدم فطره بالأكل نسيانا - أفطر بالأكل الثاني، لوقوعه منه عمدا.
(قوله: ولو تعمد فتح فمه في الماء الخ) عبارة النهاية مع الأصل: وكونه - أي الواصل - بقصد، فلو وصل جوفه ذباب أو بعوضة أو غبار الطريق وغربلة الدقيق، لم يفطر، وإن أمكنه اجتناب ذلك بإطباق الفم أو غيره، لما فيه من المشقة الشديدة - بل لو فتح فاه عمدا حتى دخل جوفه: لم يفطر أيضا، لأنه معفو عن جنسه.
ولو فعل مثل ذلك - أي فتح فاه عمدا - وهو في الماء فدخل جوفه، وكان بحيث لو سد فاه لم يدخل: أفطر، لقول الأنوار: ولو فتح فاه في الماء فدخل جوفه: أفطر.
ويوجه بأن ما مر إنما عفي عنه لعسر تجنبه، وهذا ليس كذلك.
وفيه - أي الأنوار - لو وضع شيئا في فيه عمدا - أي لغرض - وابتلعه ناسيا: لم يفطر.
ويؤيده قول الدارمي: لو كان بفيه أو أنفه ماء فحصل له نحو عطاس، فنزل به الماء جوفه، أو صعد لدماغه لم يفطر، ولا ينافيه ما يأتي من الفطر بسبق الماء الذي وضعه في فيه، لأن العذر هنا أظهر.
اه.
بتصرف.
(وقوله: أي لغرض) صوره سم بما
وضع في فيه شيئا عمدا وابتلعه ناسيا، فلا.
ولا يفطر بوصول شئ إلى باطن قصبة أنف حتى يجاوز منتهى الخيشوم، وهو أقصى الانف.
و (لا) يفطر (بريق طاهر صرف) أي خالص ابتلعه (من معدنه) وهو جميع الفم، ولو بعد جمعه على الاصح، وإن كان بنحو مصطكى.
أما لو ابتلع ريقا اجتمع بلا فعل، فلا يضر قطعا.
وخرج بالطاهر: المتنجس بنحو دم لثته فيفطر بابتلاعه، وإن صفا، ولم يبق فيه أثر مطلقا، لانه لما حرم ابتلاعه لتنجسه صار بمنزلة عين أجنبية.
قال شيخنا: ويظهر العفو عمن ابتلي بدم لثته بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه.
وقال
لو وضعه لنحو الحفظ، وكان مما جرت العادة بوضعه في الفم.
اه.
قال ع ش: وينبغي أن من النحو: ما لو وضع الخبز في فمه لمضغه لنحو الطفل - حيث احتاج إليه -، أو وضع شيئا في فمه لمداواة أسنانه به - حيث لم يتحلل منه شئ - أو لدفع غثيان خيف منه القئ.
اه.
(قوله: أو وضعه فيه) أي أو وضع الماء في فمه.
(قوله: فسبقه) أي دخل جوفه قهرا.
(قوله: أفطر) جواب لو.
(قوله: أو وضع في فيه شيئا) أي سواء كان ماء أو غيره.
(وقوله: وابتلعه ناسيا) أي دخل جوفه نسيانا.
(وقوله: فلا) أي فلا يفطر.
والفرق بين السبق والنسيان - حيث إنه يفطر مع الأول، ولا يفطر مع الثاني - أنه في حالة النسيان لا فعل له يعتد به، فلا تقصير، ومجرد تعمد وضعه في فيه لا يعد تقصيرا، لأن النسيان لا يتسبب عنه، بخلاف السبق.
كذا في سم، وفي فتح الجواد: وفارق النسيان السبق: بأن العذر في النسيان أظهر.
اه.
(قوله: ولا يفطر بوصول إلى باطن قصبة أنف) أي لأنها من الظاهر، وذلك لأن القصبة من الخيشوم، والخيشوم جميعه من الظاهر.
(قوله: حتى يجاوز منتهى الخيشوم) أي فإن جاوزه أفطر، ومتى لم يجاوز لا يفطر.
(وقوله: وهو) أي المنتهى.
(قوله: ولا يفطر بريق إلخ) أي لعسر التحرز عنه.
والمراد بالريق ريقه، أما ريق غيره فيفطر به.
وما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يمص لسان السيدة عائشة رضي الله عنها فيحتمل أنه يمجه.
(قوله: طاهر الخ) ذكر ثلاثة قيود: كونه طاهرا، وكونه صرفا، وكونه من معدنه.
وسيذكر محترزاتها.
(قوله: ابتلعه) بيان لمتعلق الجار والمجرور بعده.
(قوله: وهو) أي معدنه جميع الفم، وقد تقدم أنهم جعلوا الفم بالنسبة للريق والوضوء والغسل باطنا.
وبالنسبة لإزالة النجاسة منه ودخول غير الريق منه، وخروج شئ من الباطن إليه، ظاهرا.
فلا تغفل.
(قوله: ولو بعد جمعه) غاية في عدم الفطر بابتلاع الريق.
أي لا يفطر ولو ابتعله بعد جمعة في فمه، وهي للرد - كما يفيده قوله بعد على الأصح.
(قوله: وإن كان بنحو مصطكى) غاية للغاية، أي وإن كان جمعه حاصلا، بواسطة مضغ نحو مصطكى كلبان.
(قوله: أما لو ابتلع) مقابل قوله ولو بعد جمعه، إذ المراد منه فعل الفاعل.
(قوله: فلا يضر قطعا) أي بلا خلاف.
(قوله: وخرج بالطاهر) أي بالريق الطاهر.
(وقوله: المتنجس) أي الريق المتنجس.
(وقوله: بنحو دم لثته) متعلق بالمتنجس، أي متنجس بسبب نحو دم لثته ونحوه كالقئ، وكأكله شيئا نجسا ولم يغسل فمه منه.
(قوله: فيفطر) أي الصائم.
(وقوله: بابتلاعه) أي الريق المتنجس بما ذكر.
(قوله: وإن صفا) أي الريق من نحو الدم.
وهو غاية في فطره بما ذكر.
(وقوله: ولم يبق فيه) أي الريق، أثر: أي من آثار نحو الدم.
(وقوله: مطلقا) أي أصلا - لا كثيرا ولا قليلا - هذا هو المراد من الإطلاق.
(قوله: لأنه لما حرم إلخ)
علة للفطر بابتلاعه ما ذكر.
وضمير أنه: للريق.
(وقوله: لتنجسه) أي لأجله، وهو علة الحرمة.
(وقوله: صار) أي الريق المذكور.
(وقوله: بمنزلة عين أجنبية) أي وهي يفطر ابتلاعها.
(قوله: قال شيخنا ويظهر الخ) أي قياسا على مقعدة المبسور.
ومثله في النهاية ونصها: ولو عمت بلوى شخص بدمي لثته بحيث يجري دائما أو غالبا سومح بما يشق الاحتراز عنه، ويكفي بصقه، ويعفى عن أثره، ولا سبيل إلى تكليفه غسله جميع نهاره، إذ الفرض أنه يجري دائما أو يترشح، وربما إذا غسله زاد جريانه - كذا قاله الأذرعي - وهو فقه ظاهر.
اه.
وقال في بشرى الكريم: ولنا وجه بالعفو عنه مطلقا إذا كان صافيا، وفي تنجس الريق به إشكال: لأنه نجس عم
بعضهم: متى ابتلعه المبتلى به مع علمه به وليس له عنده بد، فصومه صحيح، وبالصرف المختلط بطاهر آخر، فيفطر من ابتلع ريقا متغيرا بحمرة نحو تنبل، وإن تعسر إزالتها، أو بصبغ خيط فتله بفمه، وبمن معدنه ما إذا خرج من الفم لا على لسانه ولو إلى ظاهر الشفة ثم رده بلسانه وابتلعه، أو بل خيطا أو سواكا بريقه أو بماء فرده إلى فمه وعليه رطوبة تنفصل وابتلعها: فيفطر.
بخلاف ما لو لم يكن على الخيط ما ينفصل لقلته أو لعصره أو
اختلاطه بمائع، وما كان كذلك لا ينجس ملاقيه، كما في الدم على اللحم إذا وضع في الماء للطبخ، فإن الدم لا ينجس الماء.
اه.
(قوله: وقال بعضهم إلخ) صنيعه يفيد أنه مخالف لكلام شيخه، مع أنه عينه.
ثم رأيته في التحفة ذكر كلام البعض المذكور ومؤيدا لما قاله، وعبارتها: ويظهر العفو عمن ابتلي بدم لثته بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه، قياسا على ما مر في مقعدة المبسور.
ثم رأيت بعضهم بحثه واستدل له بأدلة، وهي رفع الحرج عن الأمة، والقياس على العفو عما مر في شروط الصلاة، ثم قال: فمتى ابتلعه مع علمه به وليس له عنه بد، فصومه صحيح.
اه.
(قوله: المبتلى به) أي بدم لثته.
(وقوله: وليس له) أي للمبتلى به.
(وقوله: عنه) أي عن بلعه.
(وقوله: بد) أي غنى.
(قوله: وبالصرف) معطوف على بالطاهر: أي وخرج بالصرف، أي الريق الصرف.
(وقوله: المختلط) فاعل الفعل المقدر قبل الجار والمجرور.
(قوله: بطاهر) قيد به، لأن النجس قد علم مما قبله.
(وقوله: آخر) أي غير الريق، والمراد أجنبي.
(قوله: فيفطر من ابتلع ريقا متغيرا بحمرة نحو تنبل) أي لأن تغير لونه يدل على أن به عينا.
(قوله: وإن تعسر إزالتها) أي الحمرة من الريق.
(قوله: أو بصبغ خيط) معطوف على بحمرة نحو تنبل: أي أو متغيرا بصبغ خيط قتله بفمه.
قال في النهاية: ولو بلون أو ريح - فيها يظهر من إطلاقهم - إن انفصلت منه عين، لسهولة التحرز عن ذلك.
اه.
وكتب الرشيدي: قوله إن انفصلت منه عين: علم منه أن المدار على العين، لا على اللون ولا على الريح، فلا حاجة إلى الغاية، بل هي توهم خلاف المراد على أن اللون في الريق لا يكون إلا عينا - كما هو ظاهر - اه.
وقوله: على أن اللون إلخ: تقدم - في فصل مبطلات الصلاة - عن ع ش ما يفيد خلافه، وحاصل ما تقدم عنه أن
الأثر الباقي بعد شرب القهوة مما يغير لونه أو طعمه يضر ابتلاعه، وعلله بالعلة المذكورة، ثم ذكر احتمال أن يقال بعدم الضرر، وعلله بأن مجرد اللون يجوز أن يكون اكتسبه الريق من مجاورته للأسود مثلا.
قال: وهذا هو الأقرب، أخذا مما قالوه في طهارة الماء إذا تغير بمجاور.
فقوله: إن مجرد اللون بجوز إلخ: يخالف قول الرشيدي أن اللون لا يكون إلا عينا.
(والحاصل) الذي يؤخذ من كلامهم أنه إن علم انفصال عين في الريق: ضر بالنسبة للصلاة والصوم، وإلا فلا، وإن تغير لونه أو ريحه، سواء كان بالصبغ أو بنحو تنبل.
فتنبه.
(قوله: وبمن معدنه الخ) معطوف على بالطاهر.
أي وخرج بمن معدنه.
(وقوله: ما إذا خرج من الفم) فاعل الفعل المقدر.
(قوله: لا على لسانه) معطوف على مقدر.
أي ما إذا خرج على أي شئ كسواك لا إن كان خرج من الفم وهو على لسانه، فلا يضر ابتلاعه إذ اللسان كيفما تقلب معدود من داخل الفم فلم يفارق ما عليه معدنه.
(قوله: ولو إلى ظاهر الشفة) أي ولو كان خروجه إلى ظاهر الشفة فقط، فإنه يضر ابتلاعه حينئذ.
(قوله: ثم رده بلسانه) معطوف على خرج أي خرج من الفم ثم رده وابتلعه.
(قوله: أو بل خيطا إلخ) انظر معطوف على أي شئ؟ وظاهر أنه معطوف على خرج من الفم: أي وخرج بمن معدنه ما إذا بل إلخ.
لكن يبعده قوله بعد أو بماء، إذ الكلام في الريق، لا في الماء.
ولو قال: ولو بل، إلخ - بزيادة لو الشرطية - وتكون الجملة مستأنفة، لكان أولى.
فتنبه.
(قوله: فرده) أي ما ذكر من الخيط أو السواك.
(وقوله: وعليه الخ) أي والحال أن عليه: أي ما ذكر من الخيط أو السواك، فالجملة حالية، وضمير عليه يعود أيضا على ما ذكر.
(قوله: وابتلعها) أي الرطوبة.
(قوله: فيفطر) جواب إذا، فهو مرتبط بجميع المخرجات.
(قوله: لجفافه، فإنه لا يضر، كأثر ماء المضمضة، وإن أمكن مجه لعسر التحرز عنه، فلا يكلف تنشيف الفم عنه.
(فرع) لو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه بطبعه لا بقصده: لم يفطر إن عجز عن تمييزه ومجه، وإن ترك التخلل ليلا مع علمه ببقائه وبجريان ريقه به نهارا، لانه إنما يخاطب بهما إن قدر عليهما حال الصوم، لكن يتأكد التخلل بعد التسحر، أما إذا لم يعجز أو ابتلعه قصدا: فإنه مفطر جزما، وقول بعضهم يجب غسل الفم مما أكل ليلا وإلا أفطر: رده شيخنا.
(ولا يفطر بسبق ماء جوف مغتسل عن) نحو (جنابة) كحيض، ونفاس إذا كان
بخلاف ما لو لم يكن على الخيط) أي أو السواك، ولو قال عليه - بالضمير، كسابقه - لكان أولى.
(قوله: لقلته) أي ما على الخيط من الرطوبة.
(قوله: أو لعصره أو لجفافه) يصح إرجاع الضمير فيهما على ما على الخيط أو السواك، ويصح إرجاعه لنفس الخيط أو السواك، والأول أنسب بالضمير الذي قبله.
(قوله: فإنه لا يضر) أي فإن رد الخيط أو السواك إلى فمه، وعليه رطوبة لا تنفصل، لا يضر في الصوم، لعدم وصول شئ إلى جوفه.
(قوله: كأثر ماء المضمضة) أي لعدم ضرر أثر ماء المضمضة.
(قوله: وإن أمكن مجه) أي إخراج ذلك الأثر من الفم.
وهو غاية في عدم ضرر أثر ماء المضمضة.
(قوله: لعسر التحرز عنه) أي عن أثر ماء المضمضة، وهو تعليل لعدم ضرره للصوم.
(قوله: فلا يكلف) أي
الصائم، وهو تفريع على عسر التحرز عنه، أو على عدم الضرر من الأثر.
(وقوله: عنه) أي الأثر.
وعن: بمعنى من.
(قوله: فرع: لو بقي الخ) هذا مستثنى من قوله ويفطر بدخول عين جوفا، فكأنه قال ويفطر إلا في هذه المسألة.
(قوله: فجرى به ريقه) أي فجرى بالطعام ريقه، أي دخل بواسطته إلى الجوف.
(وقوله: بطبعه) أي بنفسه.
(قوله: لا بقصده) أي لا باختياره وفعله.
وعبارة التحفة: لا بفعله.
اه.
والتصريح بهذا - مع ما قبله - تأكيد، وإلا فهو معلوم من التعبير بجرى، إذ هو يستلزم عدم القصد، ولذلك أخرج في التحفة به ما كان بالقصد، وعبارتها: وخرج بجرى ابتلاعه قصدا.
اه.
(وقوله: إن عجز) أي في حال جريانه، وإن قدر على إخراجه من بين أسنانه قبل جريانه، وهو قيد لعدم فطره.
وسيذكر محترزه.
(قوله: عن تمييزه) أي الطعام عن الريق.
(وقوله: ومجه) أي رميه وطرحه.
(قوله: وإن ترك التخلل ليلا) غاية في عدم الفطر.
أي لا يفطر وإن ترك التخلل ليلا.
وهذا هو الأصح، وقيل إن نقى أسنانه بالخلال على العادة لم يفطر، وإلا أفطر، وقيل لا يفطر مطلقا.
(قوله: مع علمه إلخ) متعلق بترك، فهو في حيز الغاية.
(وقوله: ببقائه) أي الطعام.
(وقوله: وبجريانه ريقه به) أي بالطعام.
(وقوله: نهارا) ظرف متعلق بجريان.
(قوله: لأنه إنما يخاطب الخ) علة لعدم فطره إذا ترك التخلل ليلا، وعلم بحريان ريقه به نهارا.
(قوله: بهما) أي بالتمييز والمج.
(قوله: إن قدر عليهما) أي التمييز والمج، وهو قيد في الخطاب.
(وقوله: حال الصوم) متعلق بيخاطب.
أي يخاطب بهما حال الصوم، أي فلا يجب تقديمهما على وقت الصوم.
(قوله: لكن يتأكد التخلل إلخ) أي خروجا من خلاف القائل بالوجوب.
(قوله: أما إذا لم يعجز) أي عن تمييزه ومجه، وهذا محترز قوله إن عجز عن تمييزه ومجه.
(قوله: أو ابتلعه قصدا) هذا خرج بقوله لا بقصده أو بقوله جرى - كما علمت.
(قوله: فإنه مفطر) أي فإن جريان الريق بالطعام حينئذ مفطر، لكن محله فيما إذا ابتلعه قصدا أن يكون متذكرا للصوم، وإلا فلا يفطر - كما في سم -، وعبارته: قوله: ابتلاعه قصدا: أي مع تذكر الصوم، فخرج النسيان أخذا مما تقدم أنه لو وضع شيئا بفمه عمدا ثم ابتلعه ناسيا لم يفطر.
فليتأمل.
اه.
(قوله: وقول بعضهم) مبتدأ، خبره جملة، رده شيخنا.
(وقوله: يجب الخ) مقول القول.
(وقوله: مما أكل) أي من الطعام الذي أكل.
(وقوله: ليلا) ظرف متعلق بكل من غسل ومن أكل.
(قوله: وإلا أفطر) أي وإن لم يغسل أفطر.
والظاهر أن مراده أفطر إذا بقي طعام، وجرى به ريقه، لأنه مقصر بعدم غسله، وليس مراده أنه يفطر مطلقا، ولو لم يجر بالطعام الريق، إذ لا معنى له.
فتأمل.
(قوله: رده شيخنا) أي في الإمداد - كما يستفاد من عبارة فتح الجواد - ونصها بعد كلام: بخلاف ما إذا تعذر تمييزه ومجه، وإن ترك الخلال ليلا، مع علمه ببقائه وبجريان ريقه نهارا، لأنه إنما يخاطب بهما إن قدر عليهما
حال الصوم - كما بينته في الأصل - مع رد القول بأنه يجب غسل الفم مما أكل ليلا، وإلا أفطر.
اه.
(قوله: ولا يفطر)
الاغتسال (بلا انغماس) في الماء، فلو غسل أذنيه في الجنابة فسبق الماء من إحداهما لجوفه: لم يفطر، وإن أمكنه إمالة رأسه أو الغسل قبل الفجر.
كما إذا سبق الماء إلى الداخل للمبالغة في غسل الفم المتنجس لوجوبها: بخلاف ما إذا اغتسل منغمسا فسبق الماء إلى باطن الاذن أو الانف، فإنه يفطر، ولو في الغسل الواجب، لكراهة الانغماس: كسبق ماء المضمضة بالمبالغة إلى الجوف مع تذكره للصوم، وعلمه بعدم مشروعيتها، بخلافه بلا مبالغة.
وخرج بقولي عن نحو جنابة: الغسل المسنون، وغسل التبرد، فيفطر بسبق ماء فيه، ولو بلا انغماس.
أي الصائم.
(وقوله: بسبق ماء جوف مغتسل) إضافة سبق إلى ما بعده من إضافة المصدر لفاعله.
وجوف: مفعوله.
والمراد بالسبق: وصول الماء إلى جوفه من غير اختياره وقصده.
ولا يخفى ما في عبارته من الإظهار في مقام الإضمار، فلو قال ولا يفطر مغتسل عن جنابة بلا انغماس بسبق ماء جوفه، لسلم من ذلك.
(قوله: عن نحو جنابة) متعلق بمغتسل.
(قوله: كحيض ونفاس) تمثيل لنحو الجنابة.
(قوله: إذا كان الاغتسال الخ) قيد في عدم فطره بالسبق المذكور، وسيذكر محترزه.
وقوله: بلا انغماس: متعلق بمحذوف خبر كان الذي قدره الشارح، وباعتبار أصل المتن يكون متعلقا بمغتسل.
(قوله: فلو غسل أذنيه الخ) تفريع على المنطوق.
(قوله: فسبق الماء من إحداهما لجوفه) أي فوصل الماء من إحدى الأذنين - أي أو منهما - إلى الجوف.
(قوله: لم يفطر) أي لأنه تولد من مأمور به بغير اختياره.
(قوله: وإن أمكنه إمالة رأسه) غاية في عدم الفطر.
أي لا يفطر بسبق ما ذكر إليه، وإن كان يمكنه أن يميل رأسه بحيث لا يدخل الماء جوفه، ولا يكلف ذلك لعسره.
(وقوله: أو الغسل) أي وإن أمكنه الغسل قبل الفجر.
فهو بالرفع معطوف على إمالة، والظرف متعلق به.
(قوله: كما إذا سبق الماء الخ) الكاف للتنظير: أي وهذا نظير ما إذا سق الماء الخ.
أي فإنه لا يفطر به.
قال سم - نقلا عن م ر: ينبغي ولو تعين السبق بالمبالغة، وعلم بذلك للضرورة.
(وقوله: إلى الداخل) الأولى إبدال لفظ الداخل بالجوف - كما فعل فيما قبله وما بعده.
(وقوله: للمبالغة) اللام لام الأجل: أي سبق الماء إلى الجوف لأجل المبالغة.
(وقوله: لوجوبها) أي المبالغة.
وهو علة لعدم إفطاره بالسبق الحاصل لأجل المبالغة.
وإنما وجبت لينغسل كل ما في حد الظاهر من الفم - كما في التحفة.
(قوله: بخلاف ما إذا اغتسل منغمسا) محترز قوله إذا كان الاغتسال بلا انغماس، فهو مرتبط به.
(قوله: إلى باطن الأذن أو الأنف) أي أو الفم أو الدبر.
وفي الكردي: وقضية قولهم من فمه أو أنفه أنه لا يضر وصوله من غيرهما: كدبره.
قال في الإيعاب: وهو محتمل لندرته جدا، ويحتمل خلافه، وهو الأوجه.
فتعبيرهم بفمه أو أنفه: للغالب لا غير.
اه.
(قوله: فإنه يفطر) قال في النهاية: محله إذا تمكن من الغسل، لا على تلك الحالة، وإلا فلا يفطر - فيما يظهر - اه.
(قوله: ولو في الغسل الواجب) الأولى إسقاط هذه الغاية، لأن الكلام في الغسل الواجب، بدليل قوله بعد: وخرج
بقولي عن نحو جنابة إلخ.
(قوله لكراهة الانغماس) علة للإفطار.
(قوله: كسبق ماء المضمضة الخ) الكاف للتنظير: أي أن هذا نظير سبق ماء المضمضة.
أي أو الاستنشاق، فإنه يفطر به.
(وقوله: بالمبالغة) قال في التحفة: ويظهر ضبطها بأن يملأ فمه أو أنفه ماء، بحيث يسبق غالبا إلى الجوف.
وكتب عليه سم: قد يقال ظاهر كلامهم ضرر السبق بالمبالغة المعروفة، وإن لم يملأ فمه أو أنفه كما ذكر.
اه.
(وقوله: إلى الجوف) متعلق بسبق.
والمراد به: ما يشمل الدماغ.
(قوله: مع تذكره الخ) متعلق بمحذوف حال من المبالغة: أي يفطر بسبق ماء المضمضة أو الاستنشاق الحاصل بسبب المبالغة حال كونها واقعة، مع تذكره للصوم وعلمه بعدم مشروعية المبالغة.
فإن كان سبق الماء بالمبالغة في حال نسيان للصوم، أو الجهل بعدم مشروعيتها، لم يفطر بذلك.
(قوله: بخلافه بلا مبالغة) أي بخلاف سبق ما ذكر إليه من غير مبالغة، فإنه لا يفطر بذلك، لكن بشرط أن تكون مضمضته واستنشاقه مشروعين، وإلا بأن كانا لتبرد أو في رابعة، فيفطر،
(فروع) يجوز للصائم، الافطار بخبر عدل بالغروب، وكذا بسماع أذانه، ويحرم للشاك الاكل آخر النهار حتى يجتهد ويظن انقضاءه، ومع ذلك الاحوط: الصبر لليقين.
ويجوز الاكل إذا ظن بقاء الليل، باجتهاد أو إخبار، وكذا لو شك، لان الاصل بقاء الليل، لكن يكره، ولو أخبره عدل طلوع الفجر: اعتمده، وكذا فاسق
لأنه غير مأمور بذلك، بل منهي عنه في الرابعة، وبخلاف سبق ما ذكر إليه، لكن مع نسيان الصوم أو جهله بعدم مشروعية المبالغة.
وكان الأولى أن يزيد ما ذكر لأنه محترز القيدين الأخيرين.
(قوله: وخرج بقولي عن نحو جنابة الغسل المسنون) في خروج هذا نظر، فإنه مأمور به، فحكمه حكم غسل الجنابة بلا خلاف، بدليل الغاية التي ذكرها قبل - أعني قوله ولو في الغسل الواجب - فإنه يندرج تحتها الغسل المسنون - كما هو ظاهر - فيفيد حينئذ أنه إذا سبق الماء إلى جوفه فيه من غير انغماس: لا يفطر.
إذا علمت ذلك، فحذفه والاقتصار على ما بعده - أعني غسل التبرد والتنظف - متعين.
(والحاصل) أن القاعدة عندهم أن ما سبق لجوفه من غير مأمور به، يفطر به، أو من مأمور به - ولو مندوبا - لم يفطر.
ويستفاد من هذه القاعدة ثلاثة أقسام: الأول: يفطر مطلقا - بالغ أو لا - وهذا فيما إذا سبق الماء إلى جوفه في غير مطلوب كالرابعة، وكانغماس في الماء - لكراهته للصائم - وكغسل تبرد أو تنظف.
الثاني: يفطر إن بالغ، وهذا فيما إذا سبقه الماء في نحو المضمضة المطلوبة في نحو الوضوء.
الثالث: لا يفطر مطلقا، وإن بالغ، وهذا عند تنجس الفم لوجوب المبالغة في غسل النجاسة على الصائم وعلى غيره لينغسل كل ما في حد الظاهر.
ثم رأيت الكردي صرح بهذه الثلاثة الأقسام.
فتنبه.
(قوله: فيفطر بسبق ماء فيه) أي فيما ذكره من الغسل المسنون وغسل التبرد.
(قوله: ولو بلا انغماس) غاية في الفطر.
أي يفطر ولو بغير انغماس.
(قوله: فروع) أي ستة.
(قوله: بخبر عدل بالغروب) أي عن مشاهدة.
قال في التحفة: وقول البحر، لا يجوز بخبر العدل كهلال شوال، ردوه بما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كان صائما أمر رجلا فأوفى على نشز، فإذا قال قد غابت الشمس، أفطروا، بأنه قياس ما قالوه في القبلة والوقت والأذان.
ويفرق بينه وبين هلال شوال بأن ذاك فيه رفع سبب الصوم من أصله، فاحتيط له، بخلاف هذا.
اه.
(قوله: وكذا بسماع أذانه) أي وكذلك يجوز الفطر بسماع أذان العدل: أي العارف بالأوقات، وكذا باجتهاده بورد أو نحوه.
وعبارة التحفة مع الأصل: ويحل بسماع أذان عدل عارف، وإخباره بالغروب عن مشاهدة، وبالاجتهاد بورد أو نحوه في الأصح - كوقت الصلاة.
اه.
(قوله: ويحرم للشاك الأكل آخر النهار) أي لأن الأصل بقاؤه.
(وقوله: حتى يجتهد) أي أو يخبره عدل أو يسمع أذانه، فإنه حينئذ يجوز له الأكل.
(وقوله: ويظن انقضاءه) أي باجتهاده.
(قوله: ومع ذلك) أي ومع جواز الأكل إذا ظن انقضاء النهار بالاجتهاد.
(وقوله: الأحوط الصبر) أي ليأمن من الغلط، ولخبر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
(وقوله: لليقين) قال في النهاية - وذلك بأن يرى الشمس قد غربت، فإن حال بينه وبين الغروب حائل فبظهور الليل من المشرق.
اه.
(قوله: ويجوز الأكل) أي للتسحر.
(وقوله: باجتهاد) متعلق بظن.
(وقوله: وإخبار) أي إخبار عدل ببقاء الليل.
(قوله: وكذا لو شك) أي وكذلك يجوز الأكل إذا شك في بقاء الليل.
قال سم: وهذا بخلاف النية - لا تصح عند الشك إلا إن ظن بقاءه باجتهاد صحيح.
كما علم مما تقدم في بحث النية وما في حواشيه، لأن الشك يمنع النية.
اه.
(قوله: لأن الأصل بقاء الليل) علة لجواز الأكل في صورة الظن وصورة الشك.
(قوله: لكن يكره) أي لكن يكره الأكل.
وظاهره في الصورتين صورة الظن وصورة الشك، فانظره، فإنه لم يصرح بالكراهة من أصلها، لا في التحفة ولا في النهاية، ولا في غيرهما.
(قوله: ولو أخبره عدل بطلوع الفجر: اعتمده) أي وجوبا.
وفي التحفة: وحكى في البحر وجهين فيما لو أخبره عدل بطلوع
ظن صدقه.
ولو أكل باجتهاد أولا وآخرا فبان أنه أكل نهارا، بطل صومه، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه، فإن لم يبن شئ: صح.
ولو طلع الفجر وفي فمه طعام فلفظه قبل أن ينزل منه شئ لجوفه: صح صومه، وكذا لو كان مجامعا عند ابتداء طلوع الفجر فنزع في الحال - أي عقب طلوعه - فلا يفطر وإن أنزل، لان النزع ترك للجماع.
فإن لم ينزع حالا: لم ينعقد الصوم، وعليه القضاء والكفارة (ويباح فطر) في صوم واجب (بمرض مضر) ضررا
الفجر: هل يلزمه الإمساك بناء على قبول الواحد في هلال رمضان؟ وقضيته ترجيح اللزوم.
وهو متجه.
اه.
(قوله: وكذا فاسق ظن صدقه) أي وكذا يعتمد خبر فاسق في طلوع الفجر إذا ظن صدقه، قياسا على ما مر في رؤية الهلال.
(قوله: ولو أكل باجتهاد أولا) أي قبل الفجر في ظنه.
(وقوله: أو آخرا) أي بعد الغروب كذلك - كذا في التحفة.
(وقوله: فبان أنه أكل نهارا) أي فبعد ذلك ظهر له أنه غلط في اجتهاده وأن أكله وقع نهارا.
(قوله: بطل صومه) أي بان بطلانه.
(وقوله: إذ لا عبرة الخ) علة للبطلان.
وعبارة النهاية والمغني: لتحققه خلاف ما ظنه، ولا عبرة بالظن البين خطؤه.
(قوله: فإن لم يبن شئ) عبارة النهاية: فإن لم يبن الغلط بأن بان الأمر كما ظنه، أو لم يبن له خطأ ولا إصابة، صح صومه.
اه.
(واعلم) أن هذا كله إذا أكل باجتهاد وتحر، فلو هجم وأكل من غير اجتهاد وتحر، فإن كان ذلك آخر النهار، أفطر، وإن لم يبن له شئ - لأن الأصل بقاؤه -، أو آخر الليل، لم يفطر بذلك.
ولو هجم فبان أنه وافق الصواب لم يفطر مطلقا.
(قوله: ولو طلع الفجر) أي الصادق.
(وقوله: وفي فمه طعام) الجملة حالية - أي طلع والحال أن في فمه طعاما.
(وقوله: فلفظه) أي أخرجه ورماه من فمه.
وخرج به ما لو أمسكه في فيه، فإنه وإن صح صومه، لكنه لا يصح مع سبق شئ منه إلى جوفه، كما لو وضعه في فيه نهارا، فسبق منه شئ إلى جوفه - كما علم مما مر - فلا يعذر بسبقه إلى جوفه إذا أمسكه.
كذا في شرح الروض، والتحفة، والنهاية.
ويستفاد من عبارة المغني أنه يعذر، ونص عبارته مع الأصل: ولو طلع الفجر الصادق وفي فمه طعام فلفظه - أي رماه - صح صومه، وإن سبق إلى جوفه منه شئ، لأنه لو وضعه في فمه نهارا لم يفطر، وبالأولى إذا جعله في فيه ليلا.
ومثل اللفظ ما لو أمسكه ولم يبلع منه شيئا.
واحترز به عما لو ابتلع منه شئ باختياره فإنه يفطر.
اه.
(فقوله: باختياره) يقتضي أنه إذا سبق إلى جوفه لا يفطر لأنه بغير اختياره.
(قوله: قبل أن ينزل) قال في التحفة أو بعد أن نزل منه لكن بغير اختياره.
اه.
وقوله منه: أي من الطعام (قوله: وكذا لو كان مجامعا) أي ومثل من طلع عليه الفجر وفي فمه طعام من طلع الفجر عليه وهو مجامع، فإنه يصح صومه.
(وقوله: فنزع في الحال) أي قاصدا بنزعه ترك الجماع لا التلذذ، وإلا بطل.
(وقوله: أي عقب طلوعه) أي الفجر، وهو تفسير مراد لقوله في الحال.
(وقوله: فلا يفطر) أي المجامع المذكور، وهو تفريع على مفهوم قوله وكذا الخ.
(وقوله: وإن أنزل) غاية في عدم الفطر.
أي لا يفطر مطلقا - سواء أنزل أم لا -.
فلا يضر الإنزال، لتولده من مباشرة مباحة.
(وقوله: لأن النزع ترك للجماع) أي فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع - كما لو حلف لا يلبس ثوبا وهو لابسه فنزعه حالا -.
وما ذكر: علة لعدم إفطاره بما ذكر (قوله: فإن لم ينزع حالا) مفهوم قوله فنزع في الحال (وقوله: لم ينعقد الصوم) أي لوجود المنافي - كما لو أحرم مجامعا.
(وقوله: وعليه القضاء والكفارة) قال في التحفة: لأنه لما منع الأنعقاد بمكثه: كان بمنزلة المفسد له بالجماع.
(فإن قلت) ينافي هذا عدم وجوب الكفارة فيما لو أحرم مجامعا، مع أنه منع الانعقاد أيضا.
(قلت) يفرق بأن
وجوب الكفارة هنا أقوى منها ثم - كما يعلم من كلامهم في البابين - وأيضا فالتحلل الأول لما أثر فيها النقص مع بقاء العبادة، فلأن يؤثر فيها عدم الانعقاد، عدم الوجوب من باب أولى.
اه.
وفرق في النهاية أيضا بينهما،.
بأن النية هنا متقدمة على طلوع الفجر، فكأن الصوم انعقد ثم أفسد، بخلافها ثم.
(قوله: ويباح فطر الخ) شروع في بيان ما يباح به الفطر وغيره من وجوب القضاء.
(قوله: في صوم واجب) أي رمضان أو غيره: من نذر، أو كفارة، أو قضاء موسع - لا مضيق -.
وخرج بالواجب المتطوع به، فيباح فطره مطلقا، سواء كان بمرض أو غيره.
(قوله: بمرض الخ) أي لقوله
يبيح التيمم، كأن خشي من الصوم بطء برء، (وفي سفر قصر) دون قصير وسفر معصية.
وصوم المسافر
بلا ضرر.
أحب من الفطر (ولخوف هلاك) بالصوم من عطش أو جوع وإن كان صحيحا مقيما.
وأفتى الاذرعي
تعالى: * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * أي فأفطر فعدة.
ثم إن التعبير بالإباحة يفيد أن الفطر للمرض ولخوف الهلاك جائز، لا واجب.
وفي الكردي: الذي اعتمده الشارح - أي ابن حجر في كتبه - أنه متى خاف مبيح تيمم لزمه الفطر.
وظاهر كلام شيخ الإسلام والخطيب الشربيني والجمال الرملي: أن مبيح التيمم مبيح للفطر، وأن أخوف الهلاك موجب له.
وإذا صام من يخشى منه مبيح تيمم، صح صومه - على الراجح.
اه.
ويمكن حمل الإباحة في كلامه على ما يصدق بالوجوب، لأنه جواز بعد امتناع، فيصدق بالوجوب، ثم إن المرض مبيح للفطر، وإن تعدى بسببه، لأنه لا ينسب إليه، ثم إن أطبق مرضه فواضح، وإلا فإن وجد المرض المعتبر قبيل الفجر لم تلزمه النية، وإلا لزمته.
وإذا نوى وعاد - أي المرض - أفطر.
(قوله: ضررا) مفعول مطلق لمضر.
(وقوله: يبيح التيمم) خرج ما لا يبيحه - كالمرض اليسير، كصداع، ووجع الأذن، والسن - إلا أن يخاف الزيادة بالصوم فيباح له الفطر - كما في النهاية، نقلا عن الأنوار.
(قوله: كأن خشى إلخ) تمثيل للمرض المضر المبيح للتيمم: (وقوله: بطء برء) أي تأخير شفاء.
(قوله: وفي سفر قصر) معطوف على بمرض: أي ويباح فطر في سفر قصر: أي سفر يباح فيه القصر، وهو ما كان طويلا مباحا.
وشرط الفطر في أول أيام سفره أن يفارق ما يشترط مجاوزته للقصر قبل طلوع الفجر، فإن فارقه بعد طلوع الفجر فلا يفطر - تغليبا للحضر - وإذا كان سفره قبل الفجر فله الفطر وإن نوى ليلا فقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - أفطر بعد العصر في سفره بقدح ماء، لما قيل له إن الناس يشق عليهم الصيام.
ويستثنى من جواز الفطر بالسفر: مديم السفر، فلا يباح له الفطر، لأنه يؤدي إلى إسقاط الوجوب بالكلية، إلا أن يقصد قضاء في أيام أخر في سفره، ومثله من علم موته عقب العيد، فيجب عليه الصوم إن كان قادرا، فجواز الفطر للمسافر - إنما هو فيمن يرجو إقامة يقضي فيها، وهذا هو ما جرى عليه السبكي، واستظهره في النهاية.
والذي استوجهه في التحفة: خلافه، وهو أنه يباح له الفطر - مطلقا - وعبارتها: قال السبكي بحثا: ولا يباح
الفطر، لمن لا يرجو زمنا يقضي فيه لإدامته السفر أبدا، وفيه نظر ظاهر، فالأوجه خلافه.
اه.
(قوله: دون قصير) أي دون سفر قصير - وهو ما دون مرحلتين - فإنه لا يباح الفطر فيه.
(وقوله: وسفر معصية) أي ودون سفر معصية، أي سفر أنشأه لأجل معصية - كقطع طريق - فإنه لا يباح له الفطر فيه، وهذا كالذي قبله: علم من إضافة سفر إلى قصر، إذ السفر الذي يجوز فيه الفطر لا بد أن يكون طويلا، وأن يكون مباحا - كما علمت.
(قوله: وصوم المسافر بلا ضرر أحب من الفطر) أي لما فيه من براءة الذمة وعدم إخلاء الوقت عن العبادة، ولأنه الأكثر من فعله - صلى الله عليه وسلم -.
ومحله إن لم يخش ضررا في الحال أو الاستقبال من الصوم، وإلا فالفطر أفضل، لما في الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا صائما في السفر قد ظلل عليه فقال: ليس من البر أن تصوموا في السفر.
بل ربما يجب الفطر إن خشي منه فيه ضررا يبيح التيمم - على ما تقدم.
(واعلم) أنه إذا قدم المسافر أو شفي المريض وهما صائمان: حرم عليهما الفطر، لزوال السبب المجوز له.
فإن كانا مفطرين - ولو بترك النية - استحب لهما الإمساك، لحرمة الوقت.
(قوله: ولخوف الخ) عطف على بمرض، أي ويباح الفطر لخوف هلاك بالصوم - أي على نفسه، أو عضوه، أو منفعته - لقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وقوله: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * وقوله: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * وقد علمت أنه في هذه يجب الفطر، وليس بمباح فقط، فلو تركه واستمر صائما حتى مات: - كما يقع من المتعمقين في الدين - مات عاصيا.
(قوله: بالصوم) متعلق بمحذوف صفة لهلاك، والباء سببية، أو بمعنى من التعليلية.
(وقوله: من عطش أو جوع) بدل اشتمال من الجار والمجرور، أي يباح لخوف هلاك حاصل له بسبب الصوم، أو من أجل الصوم من أجل الجوع أو العطش.
(قوله: وإن كان صحيحا مقيما) غاية في إباحة الفطر لخوف1234
بأنه يلزم الحصادين - أي ونحوهم - تبييت النية كل ليلة، ثم من لحقه منهم مشقة شديدة - أفطر، وإلا فلا.
(ويجب قضاء) ما فات ولو بعذر من الصوم الواجب، ك (- رمضان) ونذر وكفارة بمرض أو سفر، أو ترك نية أو بحيض أو نفاس، لا بجنون وسكر لم يتعد به.
وفي المجموع أن قضاء يوم الشك على الفور، لوجوب إمساكه.
ونظر فيه جمع بأن تارك النية يلزمه الامساك مع أن قضاءه على التراخي قطعا.
(و) يجب (إمساك) عن مفطر (فيه)
الهلاك.
(قوله: وأفتى الأذرعي إلخ) تضمن الإفتاء المذكور أنه يباح الفطر للحصادين، ومن ألحق بهم، لكن يجب عليهم تبييت النية، لأنه ربما لا تلحقهم مشقة شديدة بالصوم، فيجب عليهم.
وقد صرح بالمضمون المذكور في التحفة، ونصها: ويباح تركه لنحو حصاد أو بناء لنفسه أو لغيره تبرعا أو بأجرة، وإن لم ينحصر الأمر فيه.
اه.
(قوله: أي
ونحوهم) كأرباب الصنائع الشاقة.
وفي الكردي ما نصه: وظاهر أنه يلحق بالحصادين في ذلك سائر أرباب الصنائع الشاقة، وقضية إطلاقه أنه لا فرق بين الأجير الغني وغيره والمتبرع.
نعم، الذي يتجه: تقييد ذلك بما إذا احتيج لفعل تلك الصنعة، بأن خيف من تركها نهارا فوات ماله وقع عرفا.
وفي التحفة: لو توقف كسبه لنحو قوته المضطر إليه هو أو ممونه على فطره، فظاهر أن له الفطر، لكن بقدر الضرورة.
اه.
(وقوله: تبييت النية) فاعل يلزم.
(قوله: ثم من لحقه الخ) أي ثم إذا بيت النية وأصبح صائما، فإن لحقه من صومه مشقة شديدة بحيث تبيح التيمم أفطر، وإن لم تلحقه مشقة شديدة به فلا يفطر.
(قوله: ويجب قضاء الخ) أي على الفور إن فات بغير عذر، وعلى التراخي أن فات بعذر.
لكن محله بالنسبة لرمضان: إن بقي إلى رمضان الثاني ما يزيد على ما عليه من الصوم، وإلا صار فوريا.
ومن مات قبل أن يقضي، فلا يخلو إما أن يفوته الصيام بعذر، أو بغير عذر، وعلى الأول: فإن تمكن من القضاء - بأن خلا عن السفر والمرض ولم يقض - يأثم، ويخرج من تركته لكل يوم مد.
وإن لم يتمكن منه - بأن مات عقب موجب القضاء أو النذر أو الكفارة، أو استمر به العذر إلى موته - فليس عليه شئ، لا فدية ولا قضاء، ولا إثم.
وعلى الثاني - أعني ما إذا فاته بغير عذر - يأثم، ويخرج من تركته لكل يوم مد - سواء تمكن من القضاء أو لا - فحاصل الصور أربع، يجب التدارك في ثلاث، ولا يجب في صورة واحدة.
(قوله: ولو بعذر) أي ولو فات بعذر، وهو غاية لقوله يجب قضاء، والمراد، عذر يرجى زواله، أما ما لا يرجى زواله فلا يجب القضاء معه، بل عليه الفدية فقط، كما سيذكره بقوله: وعلى من أفطر لعذر لا يرجى زواله مد بلا قضاء.
(قوله: من الصوم الواجب) بيان لما، وخرج به الصوم المندوب، فلا يجب قضاؤه.
(قوله: كرمضان إلخ) تمثيل للصوم الواجب.
(قوله: بمرض الخ) بدل من قوله بعذر، وهو متعلق بفات المقدر.
ولو قال - كما في شرح المنهج - كمرض - بالكاف - ويكون تمثيلا للعذر، لكان أولى.
لكن قوله: أو ترك نية، لا يصلح تمثيلا للعذر، إلا أن يحمل على النسيان.
والمراد بالمرض ما يرجى برؤه، لأن الذي لا يرجى برؤه لا يوجب القضاء، وإنما يوجب الفدية فقط - كما علمت - ودخل فيه الإغماء، لأنه نوع من المرض.
(قوله: أو ترك نية) إنما وجب القضاء عند ترك النية - ولو نسيانا - ولم يجب في الأكل نسيانا، لأن الأكل منهي عنه، والنسيان يؤثر فيه، بخلاف النية، فإنها مأمور بها، والنسيان لا يؤثر فيه.
(قوله: أو بحيض) معطوف على بمرض، ولا حاجة إلى إعادة الباء.
وإنما وجب قضاء الصوم دون الصلاة لما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
(وقوله: أو نفاس) أي ولو من علقة أو مضغة، أي أو بلا بلل.
(قوله: لا بجنون وسكر) أي لا يجب قضاء ما فات بجنون أو سكر.
(قوله: لم يتعد به) أي بما ذكر من الجنون
والسكر، فإن تعدى بهما وجب القضاء.
(قوله: أن قضاء يوم الشك على الفور) يعني إذا ثبت يوم الشك أنه من رمضان بعد أن أفطر، وجب عليه القضاء على الفور، لتبين وجوبه عليه، وأنه أكل لجهله به.
قال في التحفة: والمراد بيوم الشك هنا: هو يوم ثلاثي شعبان، وإن لم يتحدث فيه برؤية - كما هو واضح.
اه.
بالمعنى.
(قوله: لوجوب إمساكه) علة لوجوب قضائه على الفور.
(قوله: ونظر فيه) أي في التعليل المذكور، ودفع التنظير المذكور بأن التقصير هنا أظهر، لأن له حيلة في إدراك الهلال غالبا، ولا حيلة له في دفع النسيان أبدا.
وعبارة التحفة: وإنما خالفنا ذلك في ناسي النية، لأن عذره أعم وأظهر من نسبته للتقصير، فكفى في عقوبته وجوب القضاء عليه فحسب.
اه.
(قوله: ويجب إمساك) أي مع
أي رمضان فقط، دون نحو نذر وقضاء، (إن أفطر بغير عذر) من مرض أو سفر، (أو بغلط) كمن أكل ظانا بقاء الليل، أو نسي تبييت النية، أو أفطر يوم الشك وبان من رمضان، لحرمة الوقت.
وليس الممسك في صوم شرعي، لكنه يثاب عليه، فيأثم بجماع، ولا كفارة.
وندب إمساك لمريض شفي، ومسافر قدم أثناء النهار مفطرا، وحائض طهرت أثناءه (و) يجب (على من أفسده) أي صوم رمضان (بجماع) أثم به لاجل الصوم،
القضاء.
(قوله: أي رمضان فقط) وإنما اختص رمضان بذلك لحرمته، ولأن وجوب الصوم فيه بطريق الأصالة، ولهذا لا يقبل غيره، بخلاف أيام غيره.
(قوله: دون نحو نذر وقضاء) أي فلا يجب الإمساك فيهما لانتفاء شرف الوقت عنهما، ولذا لم تجب في إفسادهما كفارة (قوله: إن أفطر بغير عذر) قيد في وجوب الإمساك وخرج به ما إذا كان بعذر فلا يجب عليه الإمساك.
نعم، يسن له إذا زال العذر - كما سيذكره.
(قوله: من مرض أو سفر) بيان للعذر.
(قوله: أو بغلط) معطوف على بغير عذر، أي أو أفطر بسبب غلط وقع له في الوقت.
(قوله: كمن أكل ظانا بقاء الليل) تمثيل لمن أفطر بسبب الغلط، واندرج تحت الكاف: من أفطر ظانا الغروب فبان خلافه.
(قوله: أو نسي تبييت النية) معطوف على أفطر بغير عذر، ولا يصح عطفه على قوله أكل ظانا الخ، وإن كان صنيعه يقتضيه، لأن من نسي النية ليس من أفراد من أفطر غلطا حتى يصح أن يكون تمثيلا له.
وعبارة التحرير: ويجب - مع القضاء - الإمساك في رمضان على متعمد فطر، لتعديه بإفساده، وعلى تارك النية ليلا، وعلى من تسحر ظانا بقاء الليل، أو أفطر ظانا الغروب فبان خلافه، وعلى من بان له يوم ثلاثي شعبان أنه من رمضان.
اه.
بحذف.
(قوله: أو أفطر يوم الشك) معطوف أيضا على أفطر بغير عذر.
ويجب إمساك إن أفطر يوم الشك ثم تبين أنه من رمضان.
(قوله: لحرمة الوقت) أي وتشبيها بالصائمين.
وهو علة لوجوب الإمساك على من أفطر بغير عذر، أو بغلط، أو نسي تبييت النية، أو أفطر يوم الشك.
(قوله: وليس الممسك في صوم شرعي) قال ع ش: ومع ذلك، فالظاهر أنه يثبت له أحكام الصائمين، فيكره له شم الرياحين ونحوهما.
ويؤيده كراهة السواك في حقه بعد الزوال - على المعتمد.
اه.
(قوله: لكنه يثاب عليه) أي الإمساك، وهو استدراك من عدم كونه صوما شرعيا.
(قوله: فيأثم) لا معنى للتفريع، فالمناسب التعبير بالواو، وتكون عاطفة مدخولها على يثاب، فيصير في
حيز الاستدراك.
أي لكنه يثاب، ولكنه يأثم بجماع، ومثل الجماع كل محظور.
(وقوله: ولا كفارة) أي ومع الإثم في الجماع لا يلزمه كفارة عليه، لأنه ليس صوما حقيقيا.
(قوله: وندب إمساك لمريض الخ) هذا مفهوم قوله بغير عذر.
ولو قال - كعادته - وخرج بقولي بغير عذر: ما إذا أفطر بعذر - كمرض أو سفر - فإنه يندب له الإمساك إذا شفي، أو قدم أثناء النهار، لكان أنسب.
وإنما ندب الإمساك على من ذكر لحرمة الوقت، ولم يجب لعدم وجود تقصير منه.
(وقوله: ومسافر قدم) أي دار الإقامة.
(وقوله: أثناء النهار) متعلق بكل من شفي وقدم.
والمراد بالأثناء: ما قابل الآخر، فيشمل الأول، والوسط وغيرهما.
(قوله: مفطرا) حال من نائب فاعل شفي ومن فاعل قدم.
أي شفي حال كونه مفطرا وقدم حال كونه مفطرا.
وخرج به ما إذا شفي وهو صائم، أو قدم وهو صائم، فيجب الإتمام عليهما كالصبي.
(قوله: وحائض طهرت أثناءه) أي النهار.
ومثلها النفساء والمجنون إذا أفاق أثناء النهار، والكافر إذا أسلم - كذلك - والصبي إذا بلغ كذلك.
(والحاصل) يؤخذ من كلامه قاعدتان، وهما: أن كل من جاز له الإفطار مع علمه بحقيقة اليوم لا يلزمه الإمساك، بل يسن.
وكل ما لا يجوز له مع ذلك يلزمه الإمساك.
(قوله: ويجب على من أفسده) شروع فيمن تجب عليه الكفارة بسبب الإفطار بمفطر من المفطرات السابقة، وهو الجماع فقط، لكن بشروط ذكر المؤلف بعضها، وحاصلها تسعة.
الأول منها: أن يكون الجماع مفسدا للصوم، بأن يكون من عامد مختار عالم بتحريمه.
الثاني: أن يكون في صوم رمضان.
لا باستمناء وأكل: (كفارة) متكررة بتكرر الافساد، وإن لم يكفر عن السابق (معه) أي مع قضاء ذلك الصوم.
الثالث: أن يكون الصوم الذي أفسده صوم نفسه.
الرابع: أن ينفرد الافساد بالوطئ.
الخامس: أن يستمر على الأهلية كل اليوم الذي أفسده، ويعبر عنه بأن يفسد يوما كاملا.
السادس: أن يكون ما أفسده من أداء رمضان يقينا.
السابع: أن يأثم بجماعه.
الثامن: أن يكون إثمه به لأجل الصوم.
التاسع: عدم الشبهة.
فخرج بالأول: ما لا يكون مفسدا، كأن صدر من ناس أو مكره أو جاهل معذور.
وبالثاني: صوم غير رمضان.
وبالثالث: ما لو أفسد صوم غيره ولو في رمضان، كأن وطئ مسافر أو نحوه امرأته ففسد صومها.
وبالرابع: ما إذا لم ينفرد الإفساد بالوطئ، كأن أفسده بالوطئ وغيره معا.
وبالخامس: ما إذا لم يستمر على الأهلية كل اليوم، بأن جن أو مات بعد الجماع.
وبالسادس: ما إذا كان الصوم الذي أفسده من قضاء رمضان أو من أداء رمضان لكن من غير تعيين، بأن صامه بالاجتهاد، ولم يتحقق أنه من رمضان، أو صام يوم الشك - حيث جاز - فبان أنه من رمضان.
وبالسابع: ما إذا لم يأثم بجماعه، كالصبي، وكذا المسافر والمريض إذا جامعا بنية الترخص.
وبالثامن: ما إذا كان الإثم لا لأجل الصوم، كما إذا كان مسافرا أو وطئ بالزنا أو لم ينو ترخصا بإفطاره، فإنه لم يأثم به لأجل الصوم، بل لأجل الزنا 1 أو لعدم نية الترخص.
وبالتاسع: ما إذا وجدت شبهة، كأن ظن بقاء الليل فجامع فبان نهارا، أو أكل ناسيا فظن أنه أفطر به فجامع عامدا، فجميع هذه المخرجات ليس فيها كفارة، وحيث قلنا بوجوبها فهي على الواطئ - سواء كان بشبهة، أو نكاح، أو زنا - ويعلم هذا من جعل من الداخلة على أفسده واقعة على الواطئ.
(قوله: أي صوم رمضان) تفسير للضمير البارز.
وإنما خص صوم رمضان لأن النص ورد فيه، وهو لأجل اختصاصه بفضائل لا يقاس به غيره.
(قوله: بجماع) أي في قبل أو دبر، ولو لبهيمة، ولو مع وجود خرقة لفها على ذكره.
(قوله: أثم به) يصح ضبطه بصيغة اسم الفاعل، وبصيغة الماضي، وعلى كل: هو صفة لجماع جرت على غير من هي له، لأن الفاعل يعود على من أفسده.
وخرج به ما لا يأثم به - كمن جامع ظانا بقاء الليل فبان نهارا - كما علمت.
(قوله: لأجل الصوم) متعلق بأثم: أي إن أثم لأجل الصوم.
وخرج به ما ليس لأجل الصوم - كما علمت أيضا.
(قوله: لا باستمناء) معطوف على بجماع، وهو محترزه، فلا تجب الكفارة على من أفسده بالاستمناء، لأن النص ورد في خصوص الجماع.
(قوله: وأكل) بضم الهمزة.
(قوله: كفارة) فاعل يجب.
أي يجب كفارة على من ذكر، وذلك لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلكت.
قال: وما أهلكك؟ قال: واقعت امرأتي في رمضان: قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا.
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا.
ثم جلس، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر، قال: تصدق بهذا.
فقال: على أفقر منا يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا.
فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: فأطعمه أهلك.
(وقوله: بعرق)
هو بفتحتين - مكتل نسج من خوص النخل.
وقوله: فأطعمه أهلك، يحتمل أنه تصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - به عليه - أي مع بقاء الكفارة في ذمته - ويحتمل أنه تطوع بالتكفير عنه، وسوغ له صرفها لأهله - إعلاما بأن المكفر المتطوع يجوز له صرفها لممون المكفر عنه.
وبهذا أخذ أصحابنا فقالوا: يجوز للمتطوع بالتكفير عن الغير صرفها لممون المكفر عنه.
(قوله:
والكفارة عتق رقبة مؤمنة، فصوم شهرين مع التتابع إن عجز عنه، فإطعام ستين مسكينا أو فقيرا إن عجز عن الصوم - لهرم أو مرض - بنية كفارة، ويعطى لكل واحد مد من غالب القوت، ولا يجوز صرف الكفارة لمن تلزمه مؤنته (و) يجب (على من أفطر) في رمضان (لعذر لا يرجى زواله) - ككبر ومرض لا يرجى برؤه: (مد)
متكررة بتكرر الإفساد) أي فإذا جامع في يومين لزمه كفارتان، أو في ثلاثة فثلاث، بل لو وطئ في جميع أيام رمضان لزمه كفارات بعددها، وذلك لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة، فلا تتداخل كفاراتها.
وخرج بتكرر الإفساد تكرر الوطئ في يوم واحد، ولو بأربع زوجات، فلا تتكرر الكفارة به، لأن الإفساد حصل بالوطئ الأول فقط، فلم يتكرر.
(قوله: وإن لم يكفر عن السابق) غاية في تكررها بذلك.
أي أنها تتكرر بتكرر الإفساد مطلقا، سواء كفر عن الوطئ الأول قبل الثاني، أم لا.
(قوله: معه) متعلق بمحذوف صفة لكفارة، أو متعلق بيجب المقدر.
(قوله: أي مع قضاء إلخ) بيان لمرجع الضمير في معه والقضاء فوري، ولم يتعرض لبيان التعزير هنا، والمعتمد وجوبه أيضا عليه وعلى الموطوءة أيضا، كما يجب عليها القضاء.
(والحاصل) الواطئ عليه ثلاثة أشياء: القضاء، والكفارة، والتعزير.
والموطوءة عليها شيآن: القضاء، والتعزير.
(وقوله: ذلك الصوم) أي الذي أفسده.
(قوله: والكفارة عتق رقبة إلخ).
(والحاصل) خصالها ثلاث: العتق، ثم الصوم، ثم الإطعام.
فهي مرتبة ابتداء وانتهاء، ومثل كفارة الوطئ في نهار رمضان كفارة الظهار والقتل، في الخصال والترتيب، إلا أن القتل لا إطعام فيه، فليس لكفارته إلا خصلتان: العتق، ثم الصوم.
(وقوله: عتق رقبة) أي إعتاق رقيق - عبد، أو أمة -.
فالمراد بالرقبة: الرقيق، فهو من إطلاق الجزء على الكل، لأن الرق كالغل في الرقبة، ومحل وجوب الإعتاق إذا كان المفسد غير رقيق، فإن كان رقيقا فكفارته بالصوم لا غير.
(وقوله: مؤمنة) خرجت الكافرة، فلا تجزئ.
ويشترط أن تكون سليمة من جميع العيوب المضرة بالعمل والكسب، فلا تجزئ المعيبة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الظهار.
(قوله: فصوم شهرين) أي هلالين إن انطبق أول صيامه على أولهما، وإلا كمل الأول المنكسر من الثالث ثلاثين، مع اعتبار الوسط بالهلال، ومعلوم أن الشهرين غير اليوم الذي يقضيه عن
اليوم الذي أفسده.
(وقوله: مع التتابع) أي التوالي.
فإن أفسد يوما - ولو اليوم الأخير، ولو بعذر: كنسيان نية، وسفر، ومرض - استأنف الشهرين.
نعم، لا يضر الفطر بحيض ونفاس وجنون وإغماء مستغرق، لأن كلا منها ينافي الصوم، مع كونه اضطراريا.
(وقوله: إن عجز عنه) أي عن عتق الرقبة - إما حسا: كأن لم توجد في مسافة القصر.
أو شرعا كأن لم يقدر على ثمن الرقبة زائدا على ما يفي بممونه بقية العمر الغالب.
ولو وجد الرقبة بعد شروعه في الصوم، ندب له أن يرجع للعتق، ويقع له ما صامه نفلا، وكذلك لو قدر على الصوم بعد شروعه في الإطعام.
(قوله: فإطعام ستين إلخ) أي تمليك ستين مسكينا أو فقيرا، كل واحد مد طعام.
وليس المراد أن يجعل ذلك طعاما ويطعمهم إياه، فلو غداهم أو عشاهم لم يكف.
(قوله: إن عجز عن الصوم إلخ) فإن عجز عن العتق وعن الصيام وعن الإطعام، استقرت الكفارة مرتبة في ذمته، لأن حقوق الله تعالى المالية إذا عجز الشخص عنها، فإن كانت بسبب منه استقرت الكفارة في ذمته - ككفارة الظهار، والجماع، والقتل، واليمين -.
وإن لم تكن بسببه لم تستقر - كزكاة الفطر -.
(وقوله: لهرم أو مرض) بيان لسبب العجز عن الصوم.
(قوله: بنية كفارة) مرتبط بكل من الخصال الثلاث، أي عتق رقبة بنية الكفارة، فصوم شهرين بنية الكفارة، فإطعام ستين بنية الكفارة.
فلو لم ينوها لم تسقط عنه.
(قوله: ويعطى الخ) بيان للمراد من قوله أولا فإطعام إلخ، ولو قال فيعطى إلخ - بفاء التفريع - لكان أولى، لأن المقام يقتضيه.
(وقوله: من غالب القوت) أي قوت بلد المكفر كزكاة الفطر.
(قوله: ولا يجوز صرف الكفارة لمن تلزمه مؤنته) أي كالزكوات وسائر الكفارات، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخبر المار: فأطعمه أهلك.
فقد تقدم الجواب عنه - بأنه يحتمل أن المراد أطعمه أهلك: على وجه أنه صدقة منه - صلى الله عليه وسلم - عليه لكونه أخبره بفقره مع بقاء الكفارة في ذمته، ويحتمل أن المراد أطعمه أهلك - على وجه الكفارة - ومحل امتناع إطعام كفارته لعياله: إذا كان هو المكفر من عنده، بخلاف ما إذا كان المكفر غيره عنه.
وبعضهم أجاب بأنه خصوصية، فعن
لكل يوم منه إن كان موسرا حينئذ (بلا قضاء) وإن قدر عليه بعد، لانه غير مخاطب بالصوم، فالفدية في حقه واجبة ابتداء، لا بدلا، ويجب المد - مع القضاء - على: حامل، ومرضع، أفطرتا للخوف على الولد،
هذا الحديث ثلاثة أجوبة.
فتنبه.
(قوله: ويجب على من أفطر الخ) أي لقوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه) * أي بناء على أن كلمة لا مقدرة، أي: لا يطيقونه، أو أن المراد يطيقونه في الشباب والصحة ثم يعجزون عنه بعد الكبر أو المرض الذي لا يرجى برؤه.
وروي البخاري أن ابن عباس رضي الله عنهما وعائشة رضي الله عنها كانا يقرآن: * (وعلى الذي يطوقونه) * ومعناه يكلفون الصوم فلا يطيقونه، وقيل: الآية على ظاهرها من أن الذين يطيقونه يخرجون فدية إن لم يصوموا، فكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم وإخراج الفدية.
ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: * (فمن شهد منكم
الشهر فليصمه) * فعلى الأول تكون الآية محكمة - أي غير منسوخة - وعلى الثاني تكون منسوخة، وهو قول أكثر العلماء.
(قوله: في رمضان) خرج به الكفارة، والنذر وقضاء رمضان، فلا فدية للإفطار في شئ من ذلك.
(قوله: لعذر لا يرجى زواله) فإن كان يرجى زواله - كالمرض المرجو زواله، وكالسفر - فعليهما القضاء فقط - كما تقدم.
(قوله: ككبر) أي لشخص، بأن صار شيخا هرما لا يطيق الصوم في زمن من الأزمان، وإلا لزمه إيقاعه فيما يطيقه فيه.
ومثله كل عاجز عن صوم واجب - سواء رمضان وغيره - لزمانة، أو مرض لا يرجى برؤه، أو مشقة شديدة تلحقه، ولم يتكلفه.
اه.
نهاية.
(قوله: ومرض لا يرجى برؤه) أي بقول عدلين من الأطباء، أو عدل عند من اكتفي به في جواز التيمم للمرض، فلو برئ بعد ذلك - ولو قبل إخراج الفدية: على المعتمد - لم يلزمه القضاء.
(قوله: مد) هو رطل وثلث، وهو نصف قدح بالكيل المصري.
والمعتبر: الكيل، لا الوزن.
وإنما قدر به استظهارا.
(وقوله: لكل يوم) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمد، أي مد واجب لكل يوم، أي لصوم كل يوم.
(وقوله: منه) أي رمضان.
(قوله: إن كان موسرا حينئذ) أي حين الإفطار.
وهو قيد لوجوب المد.
وخرج به الفقير المعسر حينئذ، فلا فدية عليه.
وهذا هو الذي صححه النووي في المجموع، وارتضاه ابن حجر، وعبارته: وقضية كلام المتن وغيره وجوبها: أي الفدية، ولو على فقير فتستقر في ذمته.
لكنه صحح في المجموع سقوطها عنه - كالفطرة - لأنه عاجز حال التكليف بها، وليست في مقابلة جناية ونحوها.
(فإن قلت) ينافيه قولهم حق الله المالي إذا عجز عنه العبد وقت الوجوب ثبت في ذمته، وإن لم يكن على جهة البدل - إذا كان بسبب منه - وهو هنا كذلك، إذ سببه فطره.
(قلت) كون السبب فطره ممنوع، وإلا لزمت الفدية للقادر، فعلمنا أن السبب إنما هو عجزه المقتضي لفطره، وهو ليس من فعله، فاتضح ما في المجموع.
فتأمله.
اه.
وصحح الرملي والخطيب خلافه، وهو أنه لا يشترط يساره حينئذ، فتجب الفدية عندهما على الفقير، قالا: وفائدة الوجوب عليه أنها تستقر في ذمته.
(قوله: بلا قضاء) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمد، أي مد كائن من غير قضاء.
(قوله: وإن قدر عليه بعد) غاية لعدم وجوب القضاء: أي لا يجب عليه القضاء وإن قدر على الصوم بعد الفطر.
(فإن قيل) ما الفرق بينه وبين المعضوب، حيث يلزمه الحج بالقدرة عليه بعد الإحجاج عنه بالنيابة.
(أجيب) بأن المعذور هنا مخاطب بالمد ابتداء - كما سيأتي قريبا - فأجزأ عنه، والمعضوب مخاطب بالحج، وإنما جاز له الإنابة للضرورة، وقد بان عدمها.
(قوله: لأنه الخ) علة لعدم وجوب القضاء إذا قدر عليه، وإنما لم يجب عليه حينئذ لأنه غير مخاطب بالصوم عند العجز، بل بالفدية فقط.
(قوله: فالفدية في حقه واجبة ابتداء) تفريع على العلة، أي وإذا ثبت أنه غير مخاطب بالصوم
(و) يجب (على مؤخر قضاء) لشئ من رمضان حتى دخل رمضان آخر (بلا عذر) في التأخير: بأن خلا عن
- إذا عجز عنه - فالفدية حينئذ واجبة عليه ابتداء، لا بدلا عن الصوم، وفيه أن مقتضاه أنه لو تكلف وصام لا يكتفي بصومه؟ وأجيب بأن محل مخاطبته بها ابتداء، ما لم يرد الصوم، فإن أراده يكون هو المخاطب به.
وعبارة غيره: وهل الفدية في حقه واجبة ابتداء أو بدلا عن الصوم؟ وجهان.
أصحهما: الأول.
فعليه: لو قدر على الصوم بعد فواته: لم يلزمه القضاء - سواء كانت قدرته بعد إخراج الفدية، أو قبله - لأنه مخاطب بالفدية ابتداء.
اه.
(قوله: ويجب المد مع القضاء إلخ) أي لقول ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية) * أنها منسوخة إلا في حقهما.
اه.
تحفة.
قال ابن رسلان في زبده: والمد والقضا لذات الحمل * * أو مرضع إن خافتا للطفل (وقوله: على حامل) أي ولو من زنا.
(وقوله: ومرضع) أي ولو مستأجرة، أو متبرعة - ولو لم تتعين للرضاع، بأن تعددت المراضع.
ويستثنى من الحامل والمرضع: المتحيرة إذا خافت على الولد، فلا فدية عليها، للشك في وجوب صوم ما أفطرته في رمضان عليها باحتمال حيضها إذا أفطرت ستة عشر يوما فأقل، لأنها أكثر ما يحتمل فساده بالحيض، فإن أفطرت أكثر منها وجبت الفدية لما زاد، حتى لو أفطرت رمضان كله لزمها مع القضاء فدية أربعة عشر يوما.
ويستثنى أيضا المريضة، والمسافرة، فلا فدية عليهما، لكن إن ترخصتا لأجل السفر، أو المرض، أو أطلقتا.
وإن ترخصتا لأجل الرضيع، أو الحمل وجبت الفدية - مع القضاء -.
(وقوله: أفطرتا) أي وجوبا.
(وقوله: للخوف على الولد) أي فقط دون أنفسهما.
والمراد بالولد هنا: ما يشمل الحمل، وتسميته ولدا من باب التغليب أو مجاز الأول.
والمراد بالخوف على الولد: الخوف على إسقاطه بالنسبة للحامل وعلى قلة اللبن بالنسبة للمرضع، فيتضرر الولد بمبيح تيمم لو كان كبيرا أو يهلك.
واحترز بقوله للخوف على الولد: عما إذا أفطرتا خوفا على أنفسهما أن يحصل لهما من الصوم مبيح تيمم، فإنه يجب عليهما القضاء بلا فدية - كالمريض المرجو البرء - وإن انضم لذلك الخوف على الولد، لأنه واقع تبعا.
(فإن قيل) أنه حينئذ فطر ارتفق به شخصان، فكان الظاهر وجوب الفدية في هذه الحالة.
(أجيب) كما في التحفة: بأن الخوف على أنفسهم مانع من وجوب الفدية، والخوف على الولد مقتض له، فغلب الأول، لأن القاعدة أنه إذا اجتمع مانع ومقتض غلب المانع على المقتضي.
(فائدة) تلخص من كلامهم أنه يباح الفطر في رمضان الستة: للمسافر، والمريض، والشيخ الهرم، والحامل، والعطشان، والمرضعة.
ونظمها بعضهم على هذا الترتيب، فقال: إذا ما صمت في رمضان صمه * * سوى ست وفيهن القضاء: فسين، ثم ميم، ثم شين، * * وحاء، ثم عين، ثم راء فالسين للمسافر، والميم للمريض، والشين للشيخ الهرم، والحاء للحامل، والعين للعطشان، والراء للمرضعة.
(قوله: ويجب على مؤخر قضاء لشئ من رمضان الخ) وذلك لأن ستة من الصحابة - وهم ابن عباس، وأبو هريرة، وعلي، وابن عمر، وجابر، والحسين بن علي - رضي الله عنهم أجمعين - أفتوا بذلك، ولا مخالف لهم، فصار إجماعا سكوتيا.
وقوله: لشئ من رمضان: متعلق بمحذوف صفة لقضاء: أي قضاء كائن لشئ من رمضان: أي أو له كله.
(وقوله: حتى دخل رمضان آخر) حتى غائية.
أي يجب مع القضاء مد إذا أخر القضاء إلى أن دخل رمضان آخر، فلا بد في الوجوب من دخوله.
وإن أيس من القضاء - كمن عليه عشرة أيام - فأخر حتى بقي لرمضان خمسة أيام مثلا فلا تلزمه الفدية عن الخمسة الميئوس منها - أي قبل دخول رمضان - فإن دخل وجبت.
ورمضان هنا مصروف، لأن المراد به غير معين، بدليل وصفه بالنكرة، وهي آخر.
(قوله: بلا عذر) متعلق بمؤخر، وسيذكر محترزه.
(قوله: بأن خلا) أي
السفر والمرض قدر ما عليه (مد لكل سنة) فيتكرر بتكرر السنين، على المعتمد -.
وخرج بقولي بلا عذر: ما إذا كان التأخير بعذر - كأن استمر سفره أو مرضه، أو إرضاعها إلى قابل - فلا شئ عليه ما بقي العذر، وإن استمر سنين.
ومتى أخر قضاء رمضان - مع تمكنه - حتى دخل آخر فمات: أخرج من تركته لكل يوم مدان: مد للفوات، ومد للتأخير إن لم يصم عنه قريبه أو مأذونه، وإلا وجب مد واحد للتأخير.
والجديد: عدم جواز الصوم
الشخص الذي أخر القضاء، وهو تصوير لعدم وجود العذر.
(وقوله: قدر ما عليه) مفعول خلا.
أي خلا قدر ما عليه من القضاء.
والمراد أنه خلا زمنا بعد يوم عيد الفطر يمكنه أنه يقضي فيه ما عليه من الصوم، فترك الصوم فيه إلى أن دخل رمضان آخر ولا يحسب من الزمن الذي خلا فيه: يوم عيد الأضحى، وأيام التشريق.
وعبارة التحفة: بأن خلا عن السفر والمرض قدر ما عليه بعد يوم عيد الفطر في غير يوم النحر وأيام التشريق.
اه.
(قوله: مد) فاعل يجب.
(قوله: لكل سنة) متعلق بيجب، أو بمحذوف صفة لمد أي يجب لكل سنة مد، أو يجب مد كائن لكل سنة.
وفي الكلام حذف، أي يجب مد لصوم كل يوم من رمضان كل سنة.
(قوله: فيتكرر) أي المد، وهو بيان لمعنى قوله لكل سنة، وإنما تكرر لأن
الحقوق المالية لا تتداخل.
(وقوله: على المعتمد) مقابله: لا يتكرر كالحدود، فيكفي المد عن كل السنين.
(قوله: ما إذا كان التأخير بعذر) فاعل خرج.
(قوله: كأن استمر سفره الخ) أي أو أخر ذلك جهلا أو نسيانا أو إكراها، نقل ذلك في التحفة عن الأذرعي، ثم قال: ومراده الجهل بحرمة التأخير، وإن كان مخالطا للعلماء، لخفاء ذلك، لا بالفدية، فلا يعذر بجهله بها، نظير ما مر فيما لو علم حرمة نحو التنحنح وجهل البطلان.
وفي المغني - بعد نقله كلام الأذرعي - ما نصه: والظاهر أنه إنما يسقط عنه بذلك الإثم، لا الفدية.
اه.
(قوله: إلى قابل) متعلق باستمر.
(قوله: فلا شئ عليه) أي بالتأخير، لأن تأخير الأداء بالعذر جائز، فتأخير القضاء به أولى.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق عند التأخير بعذر: بين أن يكون الفوات بعذر، أم لا.
وبه صرح المتولي، وسليم الرازي، لكن نقل الشيخان - في صوم التطوع عن البغوي من غير مخالفة - أن ما فات بغير عذر يحرم تأخيره بعذر السفر.
وقضيته لزوم الفدية، وهو الظاهر.
أفاده في المغني.
(قوله: ما بقي العذر) ما: مصدرية ظرفية، أي مدة بقاء العذر.
(قوله: وإن استمر) أي العذر، وهو غاية لكونه لا شئ عليه بالتأخير لعذر.
(قوله: مع تمكنه) أي من القضاء بأن خلا من السفر والمرض قدر ما عليه.
وفي ع ش: إذا تكرر التأخير، هل يعتبر الإمكان في كل عام، أم يكفي لتكرر الفدية وجود الإمكان في العام الأول؟ الظاهر الأول - كما يرشد إليه قول البغوي: أن المتعدي بالفطر لا يعذر بالسفر في القضاء.
اه.
(قوله: حتى دخل آخر) ليس بقيد، ولم يقيد به في المنهاج، وعبارته: لو أخر القضاء - مع إمكانه - فمات، أخرج من تركته لكل يوم مدان: مد للفوات، ومد للتأخير.
اه.
قال في النهاية: وعلم منه أنه متى تحقق الفوات وجبت الفدية، ولو لم يدخل رمضان.
فلو كان عليه عشرة أيام فمات لبواقي خمس من شعبان، لزمه خمسة عشر مدا - عشرة لأصل الصوم، وخمسة للتأخير - لأنه لو عاش لم يمكنه إلا قضاء خمسة.
اه.
ومثله في المغنى، لكن المؤلف قيد بذلك، تبعا لشيخه ابن حجر.
(قوله: فمات) أي المؤخر للقضاء مع تمكنه.
(قوله: أخرج من تركته) جواب متى، وقضية قوله من تركته: أنه لا يجوز للأجنبي الإطعام عنه، وهو كذلك - كما استوجهه في التحفة - وذلك لأنه بدل عن عبادة بدنية لا يشوبها شئ من المال، فلم يقبل النيابة، بخلاف الحج، فإنه لما كان فيه شائبة مال قبل النيابة: فيجوز للأجنبي أن يحج عن الميت، ولو بلا إذن من القريب أو الميت.
وفي النهاية إذا لم يخلف تركة فلا يلزم الوارث إطعام ولا صوم، بل يسن له ذلك.
وينبغي ندبه - لمن عدا الورثة من بقية الأقارب - إذا لم يخلف تركة، أو خلفها وتعدى الوارث بترك ذلك.
اه.
(وقوله: مدان: مد للفوات، ومد للتأخير) أي لأن كل منهما موجب عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع.
هذا إن أخر سنة فقط، وإلا تكرر مد التأخير - كما مر - قال في المغني: ولا شئ على
الهم، ولا الزمن، ولا من اشتدت مشقة الصوم عليه لتأخير الفدية إذا أخروها عن السنة الأولى.
(قوله: إن لم يصم عنه قريبة) هذا قيد لوجوب مد للفوات، لكن بالنسبة للقديم، أما بالنسبة للجديد: فلا يصح التقييد به، لأنه عليه لا يصح الصوم عنه أصلا - كما سيصرح به - فيجب عليه مدان.
(وقوله: أو مأذونه) أي القريب، فالضمير يعود على قريبة،
عنه مطلقا، بل يخرج من تركته لكل يوم مد طعام، وكذا صوم النذر والكفارة، وذهب النووي - كجمع محققين - إلى تصحيح القديم القائل: بأنه لا يتعين الاطعام فيمن مات، بل يجوز للولي أن يصوم عنه ثم إن خلف تركة، وجب أحدهما، وإلا ندب.
ومصرف الامداد: فقير، ومسكين، وله صرف أمداد لواحد.
ويحتمل عوده على الميت، أي أو مأذون الميت - بأن أوصى به.
(قوله: وإلا وجب) أي وان لا لم يصم، بأن صام عنه من ذكر.
(وقوله: مد واحد للتأخير) أي لأنه قد حصل تدارك أصل الصوم، فسقط حينئذ مد الفوات، وبقي مد التأخير، وهذا بناء على التقديم - كما علمت.
(قوله: والجديد الخ) مقابل لمحذوف ملاحظ: أي فكأنه قال ما ذكر من أنه صام عنه قريبه أو مأذونه: وجب عليه مد واحد فقط للتأخير - مبني على القول القديم: أنه يجوز الصوم عنه.
والجديد: عدم جواز الصوم عنه، ويخرج من تركته لكل يوم مد، لكن كان عليه - بعد أن ساق القول الجديد - ذكر ما يترتب عليه بأن يقول: وعليه فيتعين المدان.
فتنبه.
(وقوله: عدم جواز الصوم عنه) أي عن الميت، لأنه عبادة بدنية، وهي لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت، قياسا على الصلاة والاعتكاف.
(وقوله: مطلقا) أي سواء تمكن من القضاء قبل الموت أم لا، وسواء فاته الصوم بعذر أو بغيره.
(قوله: بل يخرج من تركته الخ) أي لخبر: من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا.
رواه الترمذي، وصحح وقفه على ابن عمر، ونقله الماوردي عن إجماع الصحابة.
وقوله: فليطعم: مبني للمفعول، ونائب فاعله الجار والمجرور بعده، ومسكينا: مفعوله، وهو مبني على القول بجواز إنابة الظرف مع وجود المفعول، وهو مذهب كوفي، والصحيح خلافه - كما أشار إليه ابن مالك بقوله: ولا ينوب بعض هذي إن وجد * * في اللفظ مفعول به وقد يرد (قوله: لكل يوم) أي فاته صومه.
(وقوله: مد طعام) أي عن الفوات.
ولم يتعرض لمد التأخير لأنه بصدد بيان القول الجديد من حيث هو.
(واعلم) أنه يشترط في الطعام أن يكون من غالب قوت بلده.
قال في التحفة: ويؤخذ مما مر في الفطرة أن المراد هنا بالبلد التي يعتبر غالب قوتها المحل الذي هو به عند أول مخاطبته بالقضاء.
اه.
(قوله: وكذا صوم النذر والكفارة) أي ومثل صوم رمضان: صوم النذر، وصوم الكفارة بسائر أنواعها: في أنه إذا مات الناذر أو المكفر - بعد التمكن من الصوم - يجري فيهما القولان، القديم والجديد.
فعلى الأول: إن لم يصم عنهما القريب أو مأذونه: أخرج عن كل يوم
مدا.
وعلى الثاني: لا يجوز الصيام عنهما، فيجب إخراج مد عن كل يوم، ولا شئ فيهما للتأخير، لما علمت أن التأخير يوجب الفدية في خصوص رمضان.
(قوله: إلى تصحيح القديم) أي لورود الأخبار الصحيحة الدالة على جواز الصوم عنه.
كخبر الصحيحين: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.
وخبر مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لإمرأة قالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ صومي عن أمك.
وفي التحفة ما نصه: وقد نص عليه - أي القديم - في الجديد أيضا فقال: إن ثبت الحديث: قلت به، وقد ثبت من غير معارض، وبه يندفع الاعتراض على المصنف، بأنه كان ينبغي له اختياره من جهة الدليل، فإن المذهب هو الجديد.
وفي الروضة: المشهور في المذهب تصحيح الجديد، وذهب جماعة - من محققي أصحابنا - إلى تصحيح القديم، وهو الصواب، بل ينبغي الجزم به، للأحاديث الصحيحة، وليس للجديد حجة من السنة، والخبر الوارد بالإطعام ضعيف.
اه.
(قوله: بل يجوز للولي) المراد به هنا كل قريب للميت، وإن لم يكن عاصبا، ولا وارثا، ولا ولى مال - على المعتمد - وقد قيل بكل منها، فإن قوله - صلى الله عليه وسلم - - في الخبر السابق للسائلة: صومي عن أمك - يبطل القول بأن المراد ولي المال، والقول بأن المراد ولي العصوبة.
ويشترط في الوالي أن يكون بالغا، عاقلا - ولو رقيقا - لأنه من أهل فرض الصوم، بخلاف الصبي، والمجنون.
ومثل الولي: الأجنبي بإذن من الميت، بأن أوصاه به، أو بإذن الولي بأجرة، أو دونها، بخلافه بلا إذن، فلا يصح.
(قوله: ثم إن خلف تركة وجب أحدهما) أي وجب على الولي أحد الأمرين: الصوم، أو الإطعام.
(قوله: وإلا ندب) أي وإن لم يخلف تركة ندب للولي أحدهما: إما الصوم،
(فائدة) من مات وعليه صلاة، فلا قضاء، ولا فدية.
وفي قول - كجمع مجتهدين - أنها تقضى عنه، لخبر البخاري وغيره، ومن ثم اختاره جمع من أئمتنا، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه، ونقل ابن برهان عن القديم أنه يلزم الولي - إن خلف تركه - أن يصلي عنه، كالصوم.
وفي وجه - عليه كثيرون من أصحابنا - أنه يطعم عن كل صلاة مدا.
وقال المحب الطبري: يصل للميت كل عبادة تفعل عنه: واجبة أو مندوبة.
وفي شرح المختار لمؤلفه: مذهب أهل السنة أن للانسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره ويصله.
(وسن) لصائم رمضان وغيره (تسحر)، وتأخيره، ما لم يقع في شك، وكونه على تمر لخبر فيه، ويحصل ولو بجرعة ماء، ويدخل وقته بنصف
وإما الإطعام.
(قوله: ومصرف الأمداد: فقير، ومسكين) أي فقط، دون بقية الأصناف الثمانية المقدمة في قسم الصدقات، لقوله تعالى: * (على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * والفقير أسوأ حالا منه، فإذا جاز صرفها إلى المسكين فالفقير أولى، ولا يجب الجمع بينهما.
(قوله: وله صرف أمداد لواحد) أي لأن كل يوم عبادة مستقلة، فالأمداد بمنزلة الكفارات، بخلاف المد الواحد، فإنه لا يجوز صرفه إلى شخصين، لأن كل مد فدية تامة، وقد أوجب الله تعالى صرف الفدية إلى الواحد.
فلا ينقص عنها.
ولا يلزم منه امتناع صرف فديتين إلى شخص واحد، كما لا يمتنع أن يأخذ الواحد من زكوات متعددة.
اه.
مغنى (قوله: من مات وعليه صلاة) أي أو اعتكاف.
(وقوله: فلا قضاء ولا فدية) أي لعدم ورودهما.
ويستثنى من منع الصلاة والاعتكاف عن الميت، ركعتا الطواف، فإنهما يصحان من الأجير، تبعا للحج.
وما لو نذر أن يعتكف صائما فإن البغوي قال في التهذيب: إن قلنا لا يفرد الصوم عن الاعتكاف - أي وهو الأصح - وقلنا يصوم الولي:
فهذا يعتكف عنه صائما، وإن كانت النيابة لا تجزئ في الاعتكاف.
(قوله: وفي قول كجمع مجتهدين) أي وفي قول عندنا تبعا لجمع مجتهدين.
وعبارة فتح الجواد: ففيها - أي الصلاة - قول لجمع مجتهدين أنها تقضى عنه، لخبر البخاري وغيره، ومن ثم الخ، فلعل الكاف - الداخلة على لفظ جمع - زيدت من النساخ.
(وقوله: أنها) أي الصلاة تقضي عنه.
وفي قول أيضا: أن الاعتكاف بفعل عنه.
(قوله: لخبر البخاري وغيره) في التحفة: لخبر فيه، لكنه معلول.
(قوله: ومن ثم اختاره) أي ومن أجل ورود خبر فيه، اختار القول بالقضاء جمع من أئمتنا.
(قوله: وفعل به) أي عمل بهذا القول، وهو قضاء الصلاة.
وفي حواشي المحلي للقليوبي: قال بعض مشايخنا: وهذا من عمل الشخص لنفسه، فيجوز تقليده، لأنه من مقابل الأصح.
اه.
(قوله: وفي وجه عليه كثيرون من أصحابنا إلخ) قال الكردي: قال الخوارزمي: ورأيت بخراسان من يفتي به من بعض أصحابنا.
وعن البويطي أن الشافعي قال: في الاعتكاف يعتكف عنه وليه.
وفي رواية يطعم عنه وليه.
وإذا قلنا الإطعام في الاعتكاف: فالقدر المقابل بالمد: اعتكاف يوم بليلته، هكذا حكاه الإمام عن رواية شيخه وأصلها: وهو مشكل - فإن اعتكاف لحظة عبادة تامة، وإن قيس على الصوم فالليل ثم خارج عن الاعتبار.
اه.
بتصرف.
(قوله: مذهب أهل السنة إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره) قال البجيرمي: كأن صلى أو صام، وقال: اللهم أوصل ثواب ذلك إليه - وهو ضعيف.
اه وقال في بشرى الكريم: والضعف ظاهر إن أريد الثواب نفسه، فإن أريد مثله فلا ينبغي أن يختلف فيه: نعم، الصدقة يصل نفس ثوابها للمتصدق عنه إجماعا، وكأنه هو المتصدق، ويثاب المتصدق ثواب البر، لا على الصدقة وكذا يصله ما دعا له به - أن قبله الله تعالى.
اه.
وسيأتي للشارح - رحمه الله تعالى - في أواخر باب الوصية مزيد بسط على ما هنا.
(قوله: ويصله) أي يصل الثواب لذلك الغير المتصدق عليه.
(قوله: وسن لصائم الخ) شروع في سنن الصوم.
(وقوله: تسحر) أي لخبر الحاكم في صحيحه: استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل.
ولخبر الصحيحين: تسحروا، فإن في السحور بركة.
وقد نظم بعضهم معنى هذا الحديث فقال: يا معشر الصوام في الحرور * * ومبتغي الثواب والأجور تنزهوا عن رفث وزور * * وإن أردتم غرف القصور تسحروا، فإن في السحور * * بركة في الخبر المأثور
الليل.
وحكمته: التقوي، أو مخالفة أهل الكتاب؟ وجهان.
وسن تطيب وقت سحر، (و) سن (تعجيل فطر) إذا تيقن الغروب.
ويعرف في العمران والصحارى التي بها جبال بزوال الشعاع من أعالي الحيطان والجبال، وتقديمه على الصلاة، إن لم يخش من تعجيله فوات الجماعة أو تكبيرة الاحرام.
(و) كونه (بتمر) للامر به،
وفي البجيرمي - نقلا عن العلقمي - ما نصه: (فإن قلت): حكمة مشروعية الصوم خلو الجوف لإذلال النفس وكفها عن شهواتها، والسحور ينافي ذلك.
(قلت): لا ينافيه، بل فيه إقامة السنة بنحو قليل مأكول أو مشروب.
والمنافي: إنما هو ما يفعله المترفهون من أنواع ذلك وتحسينه والامتلاء منه.
اه.
(قوله: وتأخيره) معطوف على تسحر، وضميره يعود إليه، أي وسن تأخير التسحر، لخبر: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور.
وصح: تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قمنا إلى الصلاة، وكان قدر ما بينهما خمسين آية.
وفي الخبر ضبط لقدر ما يحصل به سنة التأخير.
(قوله: ما لم يقع الخ) أي محل سن التأخير ما لم يقع الصائم في شك في طلوع الفجر بسببه، وإلا لم يسن، لخبر: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، أي اترك ما تشك فيه إلى ما لا تشك فيه.
(قوله: وكونه على تمر) أي وسن كون التسحر على تمر.
(وقوله: لخبر فيه) راجع للأخير، ويحتمل رجوعه للجميع، فعلى الأول: يكون ضمير فيه عائدا على كونه بالتمر، وعلى الثاني.
يكون عائدا على التسحر من حيث هو.
(قوله: ويحصل) أي التسحر، ولو بجرعة ماء، أي لخبر ابن حبان: تسحروا، ولو بجرعة ماء.
والجرعة - بضم الجيم - قال في المصباح: الجرعة من الماء: كاللقمة من الطعام، وهو ما يجرع مرة واحدة.
والجمع: جرع، مثل غرفة وغرف.
اه.
(قوله: ويدخل وقته) أي التسحر.
(وقوله: بنصف الليل) أي بدخول نصف الليل - أي الثاني - قال في المغنى: وقيل يدخل بدخول السدس الأخير.
اه.
وفي المحلى - نقلا عن شرح المهذب - وقت السحور: بين نصف الليل وطلوع الفجر، وأنه يحصل بكثير المأكول وقليله.
اه.
(والحاصل) أن السحور يدخل وقته بنصف الليل، فالأكل قبله ليس بسحور، فلا يحصل به السنة، والأفضل تأخيره إلى قرب الفجر بقدر ما يسع قراءة خمسين آية.
(قوله: وحكمته) أي التسحر: أي الفائدة فيه.
(وقوله: التقوي أو مخالفة أهل الكتاب؟ وجهان) قال في التحفة: والذي يتجه أنها في حق من يتقوى به: التقوى.
وفي حق غيره: مخالفتهم.
وبه يرد قول جمع متقدمين: إنما يسن لمن يرجو نفعه.
ولعلهم لم يروا حديث: تسحروا ولو بجرعة ماء.
فإن من الواضح أنه لم يذكر هذه الغاية للنفع، بل لبيان أقل مجزئ نفع أو لا.
اه.
(قوله: وسن تطيب وقت سحر) أي مطلقا، في رمضان وغيره.
(قوله: وسن تعجيل فطر) أي للخبر المتقدم، ولخبر الترمذي وحسنه: قال الله تعالى: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا ولما صح أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعجل الناس إفطارا، وأبطأهم سحورا، وإنما كان الناس بخير ما عجلوه، لأنهم لو أخروه لكانوا مخالفين السنة، والخير ليس إلا في اتباعها: وكل خير في اتباع من سلف، * * وكل شر في ابتداع من خلف
قال ع ش: ينبغي سن ذلك - أي التعجيل - ولو مارا بالطريق، ولا تنخزم مروءته به أخذا مما ذكروه من طلب الأكل يوم عيد الفطر قبل الصلاة، ولا مارا بالطريق.
اه.
ويكره تأخير الفطر إن قصده ورأى فيه فضيلة، وإلا فلا بأس به.
نقله في المجموع عن نص الأم.
(قوله: إذا تيقن الغروب) خرج بتيقنه ظنه بالاجتهاد، فلا يسن له تعجيل الفطر، وظنه بلا اجتهاد، وشكه، فيحرم بهما.
شرح الروض.
(قوله: ويعرف) أي الغروب.
(قوله: والصحارى) بكسر الراء وفتحها.
قال في الخلاصة: وبالفعالى والفعالي جمعاصحراء والعذارء والقيس اتبعا والمراد بها ما قابل العمران.
(قوله: بزوال الشعاع) أي الضوء، وهو متعلق بيعرف.
(وقوله: من أعالي الحيطان) متعلق بزوال، وهو راجع للعمران.
(وقوله: والجبال) أي ومن أعالي الجبال، وهو راجع للصحاري - ففي كلامه لف ونشر مرتب.
(قوله: وتقديمه على الصلاة) معطوف على تعجيل.
أي وسن تقديم الفطر على الصلاة، لما صح: كان
والاكمل أن يكون بثلاث، (ف) - إن لم يجده فعلى حسوات (ماء)، ولو من زمزم، فلو تعارض التعجيل على
الماء، والتأخير على التمر، قدم الاول، فيما استظهره شيخنا، وقال أيضا: يظهر في تمر قويت شبهته وماء حفت شبهته، أن الماء أفضل.
قال الشيخان: لا شئ أفضل بعد التمر غير الماء، فقول الروياني: الحلو أفضل من
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء.
(قوله: إن لم يخشى من تعجيله إلخ) فإن خشي ذلك أخر الفطر.
وفي سم ما نصه: قوله وتقديمه على الصلاة: ينبغي أن يستثنى ما لو أقيمت الجماعة وأحرم الإمام أو قرب إحرامه وكان بحيث لو أفطر على نحو التمر بقي بين أسنانه وخشي سبقه إلى جوفه، ولو اشتغل بتنظيف فمه فاتته الجماعة أو فضيلة أول الوقت وتكبيرة الإحرام مع الإمام.
فيتجه هنا تقديم الإحرام مع الإمام، تأخير الفطر، وهذا لا ينافي أن المطلوب من الإمام والجماعة تقديم الفطر، لكن لو خالفوا وتركوا الأفضل مثلا، وتعارض في حق الواحد منهم مثلا ما ذكر: قدم الإحرام.
ولا ينافي كراهة الصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، لأن التوقان غير لازم هنا، وكلامنا عند عدمه.
اه.
(قوله: وكونه بتمر) معطوف على تعجيل أيضا.
أي وسن كون الفطر بتمر وإن تأخر، وأفضل منه الرطب - للخبر المتقدم آنفا -.
(قوله: للأمر به) أي في قوله عليه الصلاة والسلام: إذا كان أحدكم صائما فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإنه طهور.
(قوله: والأكمل أن يكون) أي الفطر بالتمر.
(وقوله: بثلاث) أي بثلاث تمرات، ومثل التمر، كل ما يفطر به، فيسن التثليث فيه.
(قوله: فإن لم يجده) أي التمر.
(قوله: فعلى حسوات ماء) أي فيسن أن يفطر على حسوات ماء، أي جرعات.
قال في المصباح: حسا: أي ملأ فمه من الماء، وحسوات - بفتح الحاء وضمها، مع فتح السين - والحسوة: ملء الفم بالماء.
اه.
ومن آداب الصائم عند
إفطاره بالماء أنه لايمجه إذا وضعه في فيه، بل يبتلعه، لئلا يذهب بخلوف فمه، لقوله عليه الصلاة والسلام: لخلوف فم الخ.
(قوله: ولو من زمزم) غاية لتقديم التمر على الماء المفهوم من التعبير بالفاء.
أي يقدم التمر على الماء، ولو كان الماء من ماء زمزم.
والغاية للرد على القائل إن ماء زمزم مقدم على التمر، كما يستفاد من عبارة التحفة، ونصها: وقول المحب الطبري يسن له الفطر على ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر فحسن.
مردود بأن أوله فيه مخالفة للنص المذكور، وآخره فيه استدراك زيادة على السنة الواردة، وهما ممتنعان إلا بدليل.
ويرد أيضا بأنه - صلى الله عليه وسلم - صام بمكة عام الفتح أياما من رمضان، ولم ينقل عنه في ذلك ما يخالف عادته المستقرة من تقديم التمر، فدل على عمله بها حينئذ، وإلا لنقل.
اه.
(قوله: فلو تعارض الخ) يعني أنه لو لم يوجد عنده بعد تحقق الغروب إلا ماء فقط: فهل الأفضل له مراعاة التعجيل ويفطر بالماء أو مراعاة التمر ويؤخر الفطر إلى تحصيله؟ (قوله: قدم الأول) أي تعجيل الفطر بالماء.
(قوله: فيما استظهره شيخنا) عبارته: فلو تعارض التعجيل على الماء والتأخير على التمر، قدم الأول - فيما يظهر - لأن مصلحة التعجيل فيها رخصة تعود على الناس، أشير إليها في: لا يزال الناس إلى آخره، ولا كذلك التمر.
اه.
(قوله: إن الماء أفضل) قال في التحفة بعده: لكن قد يعارضه حكم المجموع بشذوذ قول القاضي: الأولى في زماننا الفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر - ليكون أبعد عن الشبهة.
اه.
إلا أن يجاب بأن سبب شذوذه ما بينه غيره أن ماء النهر - كالدجلة - ليس أبعد عن الشبهة الخ.
اه.
(قوله: قال الشيخان إلخ) ساقه تأييدا لكلامه المار، وتوصلا للرد على الروياني.
(قوله: فقول الروياني) مبتدأ، خبره ضعيف.
وقوله: الحلوا - بالقصر، ويجوز المد - وهي الحلاوة التي عملت بالنار.
وما لم يعمل بالنار - كالزبيب - يقال له حلو.
ولعل مراد الروياني بها: ما كان فيه حلاوة مطلقا - عملت بالنار أولا.
(والحاصل) أن الأفضل أن يفطر بالرطب، ثم التمر.
وفي معناه: العجوة، ثم البسر، ثم الماء.
وكونه من ماء زمزم أولى، ثم الحلو - وهو ما لم تمسه النار كالزبيب، واللبن، والعسل - واللبن أفضل من العسل، واللحم أفضل منهما، ثم الحلواء.
ولذلك قال بعضهم: فمن رطب فالبسر فالتمر زمزم * * فماء فحلو ثم حلوى لك الفطر فإن لم يجد إلا الجماع أفطر عليه.
وقول بعضهم: لا يسن الفطر عليه.
محمول على ما إذا وجد غيره.
الماء - ضعيف، كقول الاذرعي: الزبيب أخو التمر، وإنما ذكره لتيسره غالبا بالمدينة.
ويسن أن يقول عقب الفطر: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت ويزيد - من أفطر بالماء -: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الاجر إن شاء الله تعالى.
(و) سن (غسل عن نحو جنابة قبل فجر) لئلا يصل الماء إلى باطن نحو أذنه أو دبره.
قال شيخنا: وقضيته أن وصوله لذلك مفطر، وليس عمومه مرادا - كما هو ظاهر أخذا مما مر: إن سبق ماء نحو المضمضة المشروع، أو غسل الفم المتنجس: لا يفطر، لعذره، فليحمل هذا على مبالغة منهي عنها.
(قوله: كقول الأذرعي الخ) أي فهو ضعيف أيضا.
(قوله: وإنما ذكره إلخ) هذا من قول الأذرعي، وهو جواب من الأذرعي عن سؤال ورد عليه حاصله: أنه إذا كان الزبيب أخا التمر - كما قلت - فلم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث خصوص التمر، ولم
يذكر الزبيب؟ وحاصل الجواب أنه إنما ذكره لأنه هو المتيسر غالبا في المدينة، لا لبيان أنه هو الأفضل مطلقا، ففاعل ذكر يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والضمير البارز يعود على التمر، ومتعلقه محذوف.
(قوله: ويسن أن يقول) أي المفطر.
(وقوله: عقب الفطر) أي عقب ما يحصل به الفطر، لا قبله، ولا عنده.
(قوله: اللهم لك صمت) قدم الجار والمجرور إفادة لكمال الإخلاص.
أي صمت، لا لغرض ولا لأحد غيرك، بل خالصا لوجهك الكريم.
(قوله: وعلى رزقك أفطرت) أي وأفطرت على رزقك الواصل إلي من فضلك، لا بحولي وقوتي.
قال الكردي: وتسن زيادة: وبك آمنت، وعليك توكلت، ورحمتك رجوت، وإليك أنبت.
وفي الإيعاب: ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: يا واسع الفضل اغفر لي.
وأنه كان يقول: الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت.
قال: وقال سليم ونصر المقدسي: يسن أن يعقد الصوم حينئذ،.
وتوقف فيه الأذرعي ثم قال: وكأن وجهه: خشية الغفلة.
(قوله: ويزيد) أي على قوله اللهم لك الخ.
(وقوله: من أفطر بالماء) الذي في البجيرمي على الإقناع أنه يقول ما ذكر وإن أفطر على غير ماء، لأن المراد دخل وقت إذهاب الظمأ.
اه.
وعليه: فكان الأولى أن يسقط قوله ويزيد من أفطر بالماء، ويقتصر على ما بعده.
(وقوله: ذهب الظمأ) هو مهموز الآخر، مقصور.
والمراد به العطش.
ولم يقل وذهب الجوع، لأن أرض الحجاز حارة، فكانوا يصبرون على قلة الطعام لا العطش.
(قوله: وثبت الأجر) أي أجر الصوم عندك.
(قوله: إن شاء الله تعالى) يقال ذلك تبركا.
(قوله: وسن غسل عن نحو جنابة) أي كحيض ونفاس.
(قوله: قبل فجر) متعلق بغسل أو بسن.
(قوله: لئلا يصل الماء الخ) عبارة المنهج القويم ليؤدي العبادة على طهارة، ومن ثم ندب له المبادرة إلى الاغتسال عقب الاحتلام نهارا، ولئلا يصل الماء إلى باطن أذنه أو دبره، ومن ثم ينبغي له غسل هذه المواضع قبل الفجر - إن لم يتهيأ له الغسل الكامل قبله - وللخروج من قول أبي هريرة - رضي الله عنه - بوجوبه، للخبر الصحيح: من أصبح جنبا فلا صوم له.
وهو مؤول أو منسوخ.
اه.
قال العلامة الكردي: وفي حاشية التحفة لأبي اليتيم: الأولى في التعليل أن يقال يسن الغسل ليلا لأجفل أن يؤدي العبادة على الطهارة.
(قوله: وقضيته) أي التعليل المذكور.
(قوله: إن وصوله) أي الماء.
(وقوله: لذلك) أي لباطن.
نحو أذنه أو دبره.
(قوله: وليس عمومه مرادا) الضمير يعود على قضيته، وذكره باعتبار تأويلها بالمقتضي وهو مذكر، والمعنى ليس عمومه: أي هذا المقتضي، وهو أن وصول الماء إلى ما ذكر مفطر مطلقا، بمراد، بل المراد تقييده بما إذا وقعت منه المبالغة المنهي عنها.
(قوله: كما هو) أي عدم إرادة العموم ظاهر.
(قوله: أخذا مما مر) منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، أي وأخذ هذا المذكور - وهو عدم إرادة العموم - أخذا، أو على الحالية منه، أي حال كون هذا
المذكور مأخوذا مما مر.
(وقوله: إن سبق الخ) المصدر المؤول بدل من ما، وأعطف بيان له، ووجه الأخذ أنه قد مر أنه إن سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق المأمور بهما أو ماء غسل الفم المتنجس: لا يفطر - لتولده من مأمور به، فليكن ما ذكر - وهو دخول الماء من أذنه أو أدبره في غسل نحو الجنابة - مثله في أنه لا يفطر به، لتولده من مأمور به.
وقوله نحو المضمضة: هو الاستنشاق.
(وقوله: المشروع) صفة لنحو، وهو المأمور به في نحو الوضوء.
وخرج به غير المشروع - كأن وضع الماء في فمه أو أنفه من غير غرض، فسبق إلى جوفه - وما زاد على المشروع، كان سبق الماء إلى جوفه من نحو رابعة، وقد تقدم أن يفطر بذلك، لتولده من غير مأمور به.
(قوله: أو غسل الخ) معطوف على نحو، أي أو أن سبق
(و) سن (كف) نفس عن طعام فيه شبهة، و (شهوة) مباحة.
من مسموع، ومبصر، ومس طيب، وشمه.
ولو
ماء غسل الفم المتنجس.
(قوله: لا يفطر) الجملة خبر أن، ومحل عدم الفطر بالسبق في الأول: إذا لم يبالغ فيه، وإلا أفطر.
وأما في الثاني: فلا يفطر مطلقا، بالغ أو لا - كما مر.
(قوله: لعذره) أي في السبق المذكور، وذلك لأنه متولد من مأمور به.
(قوله: فليحمل هذا) أي قضية التعليل، وهو أن وصول الماء إلى باطن الأذن أو الدبر، مفطر.
(وقوله: على مبالغة منهي عنها) انظر كيف تتصور المبالغة هنا؟ ويمكن أن يقال إنه مثل تصويرها في نحو المضمضة، وذلك بأن يملأ أذنه ماء، بحيث يسبق غالبا إلى باطنها، ولكن هذا لا يظهر في المبالغة في وصول الماء إلى باطن الدبر، ولعله فيها بالنسبة إليه - أن يكثر من ترديد الماء في حد الظاهر من الدبر، بحيث يسبق إلى باطنه.
(قوله: وسن كف نفس عن طعام فيه شبهة) وبالأولى، ما إذا كان حراما محضا.
(والحاصل): يتأكد عليه أن يحفظ بطنه عن تناول الحرام والشبهة، خصوصا عند الإفطار.
قال بعض السلف: إذا صمت فانظر على أي شئ تفطر؟ وعند من تفطر؟ (قوله: وشهوة مباحة) معطوف على طعام.
أي وكف نفس عن شهوة لها مباحة.
والمراد من ذلك أن يجانب الرفاهية، والإكثار من تناول الشهوات واللذات، وأقل ذلك أن تكون عادته من الترفه واحدة في رمضان وغيره، وهذا أقل ما ينبغي، وإلا فللرياضة ومجانبة شهوات النفس أثر كبير في تنوير القلب، وتطلب بالخصوص في رمضان.
وأما الذين يجعلون لهم في رمضان عادات من الترفهات والشهوات التي لا يعتادونها في غير رمضان، فغرور منهم غرهم به الشيطان حسدا منه لهم، حتى لا يجدوا بركات صومهم ولا تظهر عليهم آثاره من الأنوار والمكاشفات.
(واعلم) أنه يتأكد عليه أيضا أن يتجنب الشبع المفرط لأجل أن يظهر عليه أثر الصوم، ويحظى بسره ومقصوده الذي هو تأديب النفس وتضعيف شهواتها، فإن للجوع وخلو المعدة أثرا عظيما في تنوير القلب ونشاط الجوارح في
العبادة، والشبع أصل القسوة والغفلة، والكسل عن الطاعة المطلوب إكثارها بالخصوص في رمضان.
قال عليه الصلاة والسلام: ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه.
وقال بعضهم: إذا شبعت البطن جاعت جميع الجوارح.
وإذا جاعت البطن شبعت جميع الجوارح.
وفي العهود للشعراني: أخذ علينا العهد أن لا نشبع الشبع الكامل قط، لا سيما في ليالي رمضان، فإن الأولى النقص فيها عن مقدار ما كنا نأكله في غيرها، وذلك لأنه شهر الجوع، ومن شبع في عشائه وسحوره فكأنه لم يصم رمضان.
وحكمه حكم المفطر من حيث الأثر المشروع له الصوم، وهو إضعاف الشهوة المضيقة لمجاري الشيطان في البدن، وهذا الأمر بعيد على من شبع من اللحم والمرق، اللهم إلا أن تكون امرأة مرضعة، أو شخصا يتعاطى في النهار الأعمال الشاقة، فإن ذلك لا يضره إن شاء الله تعالى.
وقد قالوا: من أحكم الجوع في رمضان: حفظ من الشيطان إلى رمضان الآتي، لأن الصوم جنة على بدن الصائم ما لم يخرقه شئ، فإذا خرقه دخل الشيطان له من الخرق.
اه.
(قوله: من مسموع إلخ) بيان للشهوة، وهو يفيد أن المراد بالشهوة: المشتهى.
وبه يندفع ما يقال أن الشهوة هي ميل النفس إلى المطلوب، وهي لا يمكن كف النفس عنها، والتحري عنها.
وحاصل الدفع أن المراد بها المشتهى، وهو المسموع والمبصر، ومس الطيب، وشمه، وهذا يمكن كف النفس عن سماعه، والنظر إليه، ومسه وشمه.
ثم إن المراد بالمسموع والمبصر: المباحان، بدليل تقييد المبين الذي هو الشهوة بالمباحة، فخرج المحرم منهما، فيجب كف النفس عنه.
والمسموع المباح: مثل الصوت الحاصل بالتغني والألحان، بخلاف الصوت الحاصل من آلات اللهو والطرب المحرمة - كالوتر - فهو حرام يجب كف النفس من سماعه.
والمبصر المباح: كالنظر في الزخارف، والنقوش، والرياحين، بخلاف غير المباح: كالنظر للأجنبية، أو الأمرد الجميل فهو حرام، يجب كف النفس عنه.
(قوله: ومس طيب وشمه) أي فهما مباحان، يسن كف النفس عنهما.
وفي التحفة: بل قال المتولي بكراهة النظر إليه.
وجزم غيره
تعارضت كراهة مس الطيب للصائم، ورد الطيب: فاجتناب المس أولى، لان كراهته تؤدي إلى نقصان العبادة.
قال في الحلية: الاولى للصائم ترك الاكتحال.
ويكره سواك بعد الزوال، وقت غروب، وإن نام أو أكل كريها ناسيا.
وقال جمع: لم يكره، بل يسن إن تغير الفم بنحو نوم.
ومما يتأكد للصائم: كف اللسان عن كل محرم
بكراهة شم ما يصل ريحه لدماغه أو ملبوسه.
اه.
(قوله: ولو تعارضت كراهة مس الطيب الخ) فيه أنه لم يذكر هنا كراهة المس حتى يصح ما قاله من المعارضة، وإنما الذي يفهم من كلامه هنا الإباحة، فكان الأولى أن يصرح بالكراهة أولا،
ثم يرتب عليها ما ذكره.
(وقوله: ورد الطيب) هو بالجر، معطوف على مس، أي وكراهة رد الطيب - أي على من يهديه له - والمراد أنه إذا لم يرد الطيب ارتكب كراهة المس بأن لم يتيسر له قبوله إلا بالمس، وإذا لم يمسه ارتكب كراهة الرد فتعارضا عليه حينئذ.
(وقوله: فاجتناب المس) أي مع ارتكاب كراهة الرد.
(وقوله: أولى) أي من قبول الطيب مع ارتكاب كراهة المس.
(قوله: لأن كراهته) أي المس، وهو علة الأولوية.
(وقوله: تؤدي إلى نقصان العبادة) أي بخلاف كراهة رد الطيب، فإنها لا تؤدي إلى ذلك.
(قوله: الأولى للصائم ترك الاكتحال) أي لما فيه من الزينة والترفه اللذين لا يناسبان الصوم، وللخروج من خلاف الإمام مالك رضي الله عنه، فإنه يقول بإفطاره به، ويعلم من التعبير بالأولوية أن الاكتحال: خلاف الأولى فقط، فلا يضر، وإن وجد لون الكحل في نحو نخامته وطعمه بحلقه، إذ لا منفذ من عينه لحلقه، فهو كالواصل من المسام.
وروى البيهقي والحاكم أنه - صلى الله عليه وسلم -: كان يكتحل بالإثمد وهو صائم لكن ضعفه في المجموع.
(قوله: ويكره سواك) أي على المشهور المعتمد، ومقابله قول الجمع الآتي: وإنما كره على الأول، للخبر الصحيح: لخلوف فم الصائم يوم القيامة أطيب عند الله من ريح المسك.
وهو بضم المعجمة: التغير، واختص بما بعد الزوال، لأن التغير ينشأ غالبا قبله من أثر الطعام، وبعده من أثر العبادة.
ومعنى أطيبيته عند الله تعالى ثناؤه تعالى عليه ورضاه به، فلا يختص بيوم القيامة، وذكره في الخبر ليس للتقييد، بل لأنه محل الجزاء.
وأطيبيته عند الله تدل على طلب إبقائه، فكرهت إزالته، ولا تزول الكراهة إلا بالغروب.
(قوله: بعد زوال) أي أو عقب الفجر لمن واصل الصوم، لكونه لم يجد مفطرا يفطر به، أو وجده وارتكب حرمة الوصال، فتزول كراهة الاستياك في حقه بالغروب، وتعود بالفجر.
والوصال: أن يستديم جميع أوصاف الصائمين، فالجماع - ونحوه مما ينافي الصوم - يمنع الوصال، على المعتمد.
(قوله: وقبل غروب) أما بعده فلا كراهة، فهي تزول بالغروب.
(قوله: وإن نام إلخ) غاية لكراهة السواك بعد الزوال.
أي يكره وإن نام بعد الزوال أو أكل شيئا كريها كبصل نسيانا، وهذا هو الذي استوجهه شيخه ابن حجر، وعبارته - في باب الوضوء - ولو أكل بعد الزوال ناسيا مغيرا أو نام وانتبه: كره أيضا على الأوجه، لأنه لا يمنع تغير الصوم، ففيه إزالة له، ولو ضمنا، وأيضا فقد وجد مقتض هو التغير، ومانع هو الخلوف، والمانع مقدم.
اه.
وجرى الجمال الرملي - تبعا لإفتاء والده - على أنه يكره الاستياك حينئذ، فمحل الكراهة عنده بعد الزوال إن لم يكن له سبب يقتضيه، أما لو كان له ذلك: كأن أكل ذا ريح كريه ناسيا، أو نام وتغير فمه بذلك - سن له الاستياك، لأن الخلوف الحاصل من الصوم قد اضمحل، وذهب بالكلية بالتغير الحاصل من أكل ما ذكر أو من النوم.
ووافق المؤلف - في باب الوضوء - م ر، وخالف شيخه،
وعبارته هناك: ويكره للصائم بعد الزوال إن لم يتغير فمه بنحو نوم.
اه.
فيكون جرى هناك على قول، وهنا على قول.
(قوله: وقال جمع: لم يكره) أشار إليه ابن رسلان في زبده بقوله: أما استياك صائم بعد الزوال * * فاختير لم يكره، ويحرم الوصال قال م في شرحه عليه: ونقله - أي هذا القول - الترمذي عن الشافعي، وبه قال المزني، واختاره جماعة منهم النووي، وابن عبد السلام، وأبو شامة.
اه.
(قوله: بل يسن) إضراب انتقالي - فبعد أن ذكر عدم الكراهة عنده انتقل إلى ذكر السنية، ولا يلزم من عدمها السنية، لأنه صادق بالمباح، وبخلاف الأولى.
(وقوله: إن تغير) قيد في السنية، فهو راجع لما بعد، بل فقط: أي بل قالوا يسن بشرط أن يتغير فمه بنحو نوم كالأكل لذي ريح كريه ناسيا.
واعتمد هذا