باب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البكري الدمياطي
- الكتاب
- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (هو حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين)
- المؤلف
- أبو بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي (المتوفى: 1310هـ)
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوريع
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـ - 1997 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
طاعة الله، أو زجر عن معصية، لانها المقصود من الخطبة، فلا يكفي مجرد التحذير من غرور الدنيا، وذكر الموت وما فيه من الفظاعة والالم.
قال ابن الرفعة: يكفي فيها ما اشتملت على الامر بالاستعداد للموت.
ويشترط أن يأتي بكل من الاركان الثلاثة (فيهما)، أي في كل واحدة من الخطبتين.
ويندب أن يرتب الخطيب
الاركان الثلاثة، وما بعدها، بأن يأتي أولا بالحمد، فالصلاة، فالوصية، فبالقراءة، فبالدعاء.
(و) رابعها: (قراءة آية) مفهمة (في إحداهما)، وفي الاولى أولى.
وتسن - بعد فراغها - قراءة ق أو بعضها في كل جمعة، للاتباع.
(وقوله: أو زجز إلخ) التعبير يفيد أنه لا يشترط الجمع بين الحث على الطاعة والزجر عن المعصية، بل يكفي أحدهما، وهو كذلك.
كما صرح به في التحفة، وعلله بلزوم أحدهما للآخر.
(قوله: لأنها المقصود من الخطبة) علة لإيجاب الوصية بالتقوى، وكان الأولى أن يقدمها على قوله: ولا يتعين لفظها، كما في التحفة.
(قوله: فلا يكفي الخ) مفرع على اشتراط الوصية بالتقوى، وإنما لم يكف ذلك لأنه معلوم حتى عند الكافر.
(وقوله: وذكر الموت) بالجر معطوف على التحذير، أي ولا يكفي مجرد ذكر الموت.
(وقوله: وما فيه) معطوف على الموت، وضمير فيه يعود عليه.
(قوله: قال ابن الرفعة يكفي فيها) أي الوصية بالتقوى.
(وقوله: ما إلخ) أي صيغت اشتملت على الأمر بالاستعداد للموت، بأن يقال: استعدوا أو تأهبوا للموت.
وذلك لأن الاستعداد له إنما يكون بفعل الطاعات وترك المحرمات، فالأمر به يستلزم الحث على طاعة الله والزجر عن معصية الله، بخلاف ذكر الموت، وما فيه من الفظاعة والألم، فإنه لا يكفي فيها، لأنه لا يفيد حثا على الطاعة، ولا زجرا عن المعصية.
(واعلم) أن التقوى عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، ظاهرا وباطنا، مع استشعار التعظيم لله، والهيبة والخشية والرهبة من الله، وهي وصية الله رب العالمين للأولين والآخرين.
قال الله تعالى: * (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) * (1) فما من خير عاجل ولا آجل، ظاهر ولا باطن، إلا والتقوى سبيل موصل إليه ووسيلة مبلغة له.
وما من شر عاجل ولا آجل، ظاهر ولا باطن إلا والتقوى حرز حريز وحصن حصين للسلامة منه، والنجاة من ضرره.
وكم علق الله العظيم في كتابه العزيز على التقوى من خيرات عظيمة وسعادات جسيمة، رزقنا الله التقوى والاستقامة، وأعاذنا من موجبات الندامة، بجاه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - المظلل بالغمامة.
(قوله: ويشترط أن يأتي الخ) أي لأن كل خطبة مستقلة ومنفصلة.
(وقوله: بكل من الأركان الثلاثة) وهي الحمدلة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والوصية بالتقوى.
(وقوله: فيهما) متعلق بيأتي.
(ويندب أن يرتب الخطيب الخ) وإنما لم يجب لحصول المقصود بدونه وقال بالوجوب الرافعي والماوردي وقوله وما بعدها أي وما بعد الأركان الثلاثة من القراءة والدعاء (قوله بأن يأتي إلخ) تصوير للترتيب (قوله أو لا) لو حذفه ما ضره (قوله: فبالقراءة) أي فيأتي بالقراءة، ولو حذف الباء هنا وفيما بعد لكان أخصر.
(قوله: ورابعها) أي أركان الخطبتين.
(قوله: قراءة آية) أي سواء كانت وعدا، أم وعيدا، أم حكما، أم قصة.
ومثلها بعض آية طويلة - على ما قاله الإمام واعتمده م ر - وخالف في التحفة - فقال: لا يكتفي ببعض آية وإن طال.
(وقوله: مفهمة) أي معنى مقصودا كالوعد والوعيد.
وخرج به ثم نظر أو ثم عبس لعدم الإفهام، وإنما اشترط الإفهام هنا، لأن المقصود الوعظ، بخلاف العاجز عن الفاتحة: لا يشترط في الإتيان ببدلها الإفهام، بل إذا حفظ آية غير مفهمة - ولو منسوخة الحكم فقط دون التلاوة - كفت قراءتها.
وفي سم: هل تجزئ الآية مع لحن يغير المعنى؟ فيه نظر.
وقد يتجه عدم الإجزاء، والتفصيل بين عاجز انحصر الأمر فيه وغيره اه.
(قوله: في إحداهما) أي لثبوت أصل القراءة من غير تعيين محلها، فدل على الاكتفاء بها في إحداهما.
اه.
تحفة.
(قوله: وفي الأولى أولى) أي وكون قراءة الآية في الخطبة الأولى، أي بعد فراغها، أولى من كونها في الخطبة الثانية، لتكون في
(و) خامسها: (دعاء) أخروي للمؤمنين إن لم يتعرض للمؤمنات، خلافا للاذرعي، (ولو) بقوله: (رحمكم الله)، وكذا بنحو: اللهم أجرنا من النار - إن قصد تخصيص الحاضرين (في) خطبة (ثانة) لاتباع السلف والخلف.
والدعاء للسلطان بخصوصه لا يسن اتفاقا، إلا مع خشية فتنة، فيجب، ومع عدمها لا بأس
مقابلة الدعاء للمؤمنين في الثانية.
(قوله: وتسن بعد فراغها إلخ) أي وتسن بعد فراغ الخطبة قراءة سورة ق وصنيعه يقتضي أن قراءة ق تسن زيادة على الآية، وليس كذلك، بل هي بدل عن الآية، كما نص عليه ع ش.
وعبارة الروض وشرحه: ويستحب قراءة ق في الخطبة الأولى، للاتباع.
رواه مسلم.
ولاشتمالها على أنواع المواعظ.
قال
البندنيجي: فإن أبى قرأ: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) * 1 الآية.
قال الأذرعي: وتكون القراءة بعد فراغ الأولى.
اه.
(قوله: للاتباع) رواه مسلم.
قال في شرحه: فيه دليل على ندب قراءتها أو بعضها في خطبة كل جمعة، ولا يشترط رضا الحاضرين، كما لم يشترطوه في قراءة الجمعة، والمنافقين في الصلاة، وإن كانت السنة التخفيف.
اه.
نهاية.
(قوله: وخامسها) أي أركان الخطبتين.
(قوله: دعاء أخروي) فلا يكفي الدنيوي، ولو لم يحفظ الأخروي، وقال الأطفيحي: إن الدنيوي يكفي، حيث لم يحفظ الأخروي، قياسا على ما تقدم في العجز عن الفاتحة، بل ما هنا أولى.
(قوله: للمؤمنين) أي خصوصا كالحاضرين، أو عموما ولو لجميع المسلمين، ما لم يرد جميع ذنوبهم، وإلا امتنع لوجوب اعتقاد دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار، وما ذكر ينافيه.
(قوله: وإن لم يتعرض للمؤمنات) أي يكفي الدعاء للمؤمنين، وإن لم يصرح بالمؤمنات، وذلك لأن المراد بهم الجنس الشامل لهن.
وكتب ابن قاسم ما نصه: قوله لأن المراد الجنس.
الظاهر أن المراد بيان الأكمل، وأنه يجوز إرادة الذكور فقط، وإن حضر الإناث.
ثم رأيت ما في الحاشية الأخرى وهو وجوب الدعاء للمؤمنات أيضا، لكن إن كان شرطا لصحة الخطبة خالف قولهم يكفي تخصيصه بالسامعين، فإنه شامل لما إذا تمحضوا ذكورا.
فليحرر.
اه.
(قوله: خلافا للأذرعي) أي في قوله يجب التعرض لهن أيضا.
وفي سم ما نصه: قال في شرح العباب: قال الأذرعي: وظاهر نص المختصر يفهم إيجابه لهما، أي إيجاب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات.
وجرى عليه كثيرون وعددهم.
ثم أخذ من بعض العبارات أنه يجب التعرض للمؤمنات، وإن لم يحضرن.
اه.
(قوله: ولو بقوله رحمهم الله) أي أن الدعاء الواجب يكتفي فيه بأي صيغة كانت، ولو بقوله رحمكم الله، إذ القصد ما يقع عليه اسم الدعاء.
وعبارة التحفة: ويكفي تخصيصه بالسامعين.
كرحمكم الله وظاهر أنه لا يكفي تخصيصه بالغائبين.
اه.
أي كرحمهم الله تعالى.
(قوله: وكذا) هو وما بعده متعلق بمحذوف، أي وكذا يكفي الدعاء بنحو: اللهم أجرنا من النار.
(وقوله: إن قصد تخصيص الحاضرين) أي بقوله اللهم أجرنا من النار.
فهو قيد له، وإنما أتى به لان لفظ نا فية مشترك، يطلق على الواحد المعظم نفسه، وعلى المتعدد، فإذا لاحظ به الحاضرين أجزأ، وإن لاحظ به نفسه فقط لا يجزئ، لأنه لا بد من أن يقصد بدعائه أربعين فأكثر، فلو قصد به دون أربعين: لا يكفي كما لو قصد به الغائبين، كأن قال: رحمهم الله، كما مر.
وفي سم: لو خص بالدعاء أربعين من الحاضرين فينبغي الإجزاء.
وعليه: فلو انصرفوا من غير صلاة وهناك أربعون سامعون، فهل تصح إقامة الجمعة بهم؟ ينبغي الصحة، لأن الخطبة صحت، ولا يضر انصراف المخصوصين بالدعاء من غير صلاة.
اه.
(قوله: في خطبة ثانية) متعلق بمحذوف صفة لدعاء.
(قوله: لاتباع
السلف والخلف) دليل لوجوب الدعاء في الخطبة الثانية.
قال ش ق: والمراد بالسلف: الصحابة، وبالخلف: من بعدهم من التابعين، وتابعيهم.
اه.
(قوله: والدعاء للسلطان) مبتدأ، خبره لا يسن.
(وقوله: بخصوصه) أي بعينه، كاللهم ارحم مولانا السلطان عبد الحميد.
وخرج بخصوصه ما إذا دعا له بخصوصه، بل مع غيره، كالدعاء لأئمة المسلمين، وولاة أمورهم وهو منهم، فإنه يسن كما سيصرح به.
(قوله: إلا مع خشية فتنة) أي خوفها، ولا يشترط فيه غلبة الظن، بل يكفي أصله.
(قوله: فيجب) أي الدعاء له بخصوصه.
والمناسب أن يقول: فيسن.
ثم يضرب عنه
به، حيث لا مجازفة في وصفه، ولا يجوز وصفه بصفة كاذبة إلا لضرورة.
ويسن الدعاء لولاة الصحابة قطعا، وكذا لولاة المسلمين وجيوشهم، بالصلاح، والنصر، والقيام بالعدل.
وذكر المناقب لا يقطع الولاة، ما لم يعد به معرضا عن الخطبة.
وفي التوسط يشترط أن لا يطيله إطالة تقطع الموالاة، كما يفعله كثير من الخطباء الجهال.
قال شيخنا: ولو شك في ترك فرض من الخطبة بعد فراغها لم يؤثر كما لا يؤثر الشك في ترك فرض
إضرابا انتقاليا ويقول: بل يجب.
(قوله: ومع عدمها) أي الفتنة.
(وقوله: لا بأس به) يستفاد منه أنه مباح.
كذا في البجيرمي، وش ق.
وقال سم: أنه مع ذلك مكروه.
(قوله: حيث لا مجارفة) أي مبالغة وخروجا عن الحد، كالعادل المعطى كل ذي حق حقه، الذي لا يظلم، فإن وجدت المجازفة يكون مكروها، إن كان أصل الوصف فيه، وإلا حرم، كما يستفاد من قوله بعد: ولا يجوز إلخ.
(قوله: وصفه بصفة كاذبة) أي كالسلطان الغازي، والحال أنه لم يغز أصلا.
(قوله: إلا لضرورة) أي إلا إذا لم يصفه بتلك الصفة الكاذبة يحصل به ضرر، أي أو تحدث فتنة، فيكون لا بأس به.
(والحاصل) لا بأس بالدعاء للسلطان بعينه، بلا مجازفة.
أما معها فيكره، إذا كان أصل الوصف فيه، وإلا حرم إن لم يترتب على عدم الإتيان به محذور، وإلا فلا بأس به.
لكن يستعمل التورية فيه.
(قوله: ويسن الدعاء لولاة الصحابة قطعا) أي على التعيين أو على الإجمال.
وقول الشافعي - رضي الله عنه - لا يدعو الخطيب في الخطبة لأحد بعينه، يخص بغير الصحابة.
وفي فتاوى ابن حجر ما نصه: وأما حكم الترضي عن الصحابة في الخطبة فلا بأس به، سواء أذكر أفاضلهم بأسمائهم - كما هو المعروف الآن - أم أجملهم.
وأما قول الشافعي لا يدعو في الخطبة لأحد بعينه فإن فعل ذلك كرهته فيحمل على ذكر من لا فائدة في ذكره، كالدعاء للسلطان مع المجازفة في وصفه بلا ضرورة، بخلاف ما إذا لم يجازف، لأن أبا موسى الأشعري - رضي الله عنه - دعا في خطبته لعمر رضي الله عنه، فأنكر عليه البداءة بعمر قبل البداءة بأبي بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال للمنكر: أنت أزكى منه وأرشد.
وأخرج أبو نعيم وابن عباس - رضي الله عنهما - كأن يقول على منبر البصرة: اللهم أصلح عبدك وخليفتك عليا أهل الحق أمير المؤمنين.
وأما التأمين على ذلك جهرا فالأولى تركه لأنه يمنع الاستماع، ويشوش على الحاضرين من غير ضرورة ولا حاجة إليه.
وأما ما أطبق الناس عليه من التأمين جهرا - سيما مع المبالغة - فهو من البدع القبيحة المذمومة، فينبغي تركه اه.
بجذف.
(قوله: وكذا لولاة
المسلمين) أي وكذا يسن الدعاء لهم، أي لبقيتهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تشغلوا قلوبكم بسب الملوك، ولكن تقربوا إلى الله تعالى بالدعاء لهم، يعطف الله قلوبهم عليكم.
رواه البخاري عن عائشة.
وقال الحسن البصري - رضي الله عنه -: لو علمت لي دعوة مستجابة لخصصت بها السلطان، فإن خيره عام، وخير غيره خاص.
(قوله: وذكر المناقب) أي ذكر مناقب الولاة، أي صفاتهم الحسنة.
(وقوله: لا يقطع الولاء) أي الذي يشترط بين الأركان، وبينها وبين الصلاة.
(قوله: ما لم يعد به) أي بذكر المناقب معرضا، فإن عد به معرضا عنها يكون قاطعا للولاء.
(قوله: وفي التوسط يشترط أن لا يطيله) أي الدعاء المعلوم من المقام، وصرح به في التحفة وعبارتها.
وصرح القاضي - في الدعاء لولاة الأمر - بأن محله ما لم يقطع نظم الخطبة عرفا، وفي التوسط يشترط أن لا يطيله إطالة تقطع الموالاة، كما يفعله كثير من الخطباء الجهال.
اه.
(وقوله: إطالة تقطع الموالاة) وهي التي تكون بمقدار ركعتين بأقل مجزئ - كما سيأتي - وحينئذ يستأنف أركانها.
(قوله: ولا شك في ترك فرض من الخطبة) أي الأولى أو الثانية.
(وقوله: بعد إلخ) متعلق بشك.
(وقوله: فراغها) أي الخطبة.
والمراد الثانية، فلو شك في الجلوس بينهما أو في أثناء الثانية بأنه ترك ركنا من الأولى أثر.
قال ع ش: لو علم ترك ركن ولم يدر هل هو من الأولى أو من الثانية، هل يجب إعادتها أم إعادة الثانية فقط؟ فيه نظر.
والأقرب أنه يجلس، ثم يأتي بالخطبة الثانية الخ.
اه.
(قوله: لم يؤثر كما لا يؤثر الشك الخ) قال سم: قياس ما ذكر أيضا تأثير الشك في أثنائها، وأنه لا يرجح لقول غيره، وإن كثر إلا إن بلغ حد التواتر، وهذا ظاهر في الخطيب.
فلو شك الأربعون - أو بعضهم - في ترك الخطيب شيئا من فروضها في أثنائها فهل يؤثر؟ فيه نظر.
وظاهر صنيعهم أنه لا يؤثر الخ.
اه.
( بعد الصلاة، أو الوضوء.
(وشرط فيهما)، الخطبتين، (إسماع أربعين) أي تسعة وثلاثين سواه، ممن تنعقد بهم الجمعة (الاركان) لا جميع الخطبة.
قال شيخنا: لا تجب الجمعة على أربعين بعضهم أصم، ولا تصح مع وجود لغط يمنع سماع ركن الخطبة على المعتمد فيهما، وإن خالف فيه جمع كثيرون، فلم يشترطوا إلا الحضور فقط.
وعليه يدل كلام الشيخين في بعض المواضع، ولا يشترط كونهم بمحل الصلاة، ولا فهمهم لما
قوله: وشرط فيهما الخ) لما فرغ من بيان أركان الخطبتين شرع في بيان شروطهما، وهي اثنا عشر، ذكر منها سبعة: الإسماع، وكونها عربية، وقيام قادر، وطهر وستر، وجلوس بينهما، وولاء.
وبقي منها خمسة لم يذكرها، وهي: السماع، وكون الخطيب ذكرا، ووقوعها في خطة أبنية، وكونها بعد الزوال، وقبل صلاة.
ويمكن أن يقال أن الشرطين الأخيرين يعلمان ضمنا من قوله وقوعها بعد خطبتين بعد زوال، وأن الشرط الأول - وهو السماع - لازم للإسماع، إذ المراد منه الإسماع بالفعل، ولا حاجة لعدة شرطا مستقلا.
ولكن يبقى عليه عدم عده الشرطين الباقيين، إلا أن يقال أنه يلزم من جعهلما شرطين لصحة الجمعة أن يكونا شرطين للخطبة.
(قوله: إسماع أربعين) أي بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون، فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل، لا بالقوة، عند ابن حجر.
وخالف الجمال الرملي - تبعا لوالده - فقال: يكفي الإسماع والسماع بالقوة لا بالفعل، قال إذ لو كان سماعهم واجبا لكان الإنصات متحتما.
اه.
ومعنى قوله بالقوة: أن يكون الخطيب يرفع صوته بحيث لو أصغوا إليه لسمعوا فعليه، لو وجد عارض لغط، أو اشتغل بعضهم عن السماع بتحدث مع جليسه لا يؤثر، وعلى الأول يؤثر.
(قوله: أي تسعة وثلاثين سواه) تفسير للأربعين، أي أن المراد من الأربعين الذي يجب إسماعهم تسعة وثلاثون غير نفسه، فيكون هو متمم الأربعين، لا زائدا عليهم.
ومفهوم ذلك أنه يجب إسماعه نفسه أيضا كالتسعة والثلاثين.
وهذا قول ضعيف.
والمعتمد أنه لا يجب إسماع نفسه.
وجزم به في التحفة، وعبارتها مع الأصل: وإسماع أربعين - أي تسعة وثلاثين - وهو لا يشترط إسماعه ولا سماعه، لأنه وإن كان أصم يفهم ما يقول.
اه.
ولو حذف لفظ سواه لكان أولى، ليكون جاريا على ما جرى عليه شيخه، وعليه يكون التفسير تفسير مراد للأربعين، ويكون في تعبيره بالأربعين تسمح الجمعة قوله فمن تنعقد بهم الجمعة) بيان للأربعين.
(قوله: الأركان) مفعول ثان لإسماع.
(قوله: لا جميع الخطبة) أي لا يشترط إسماعهم جميع الخطبة، فلو أسر في غير الأركان صحت الخطبة، فالإسماع ليس شرطا، إلا في الأركان.
ومثله سائر الشروط، فهي إنما تعتبر في الأركان خاصة.
فلو انكشفت عورته، أو جلس في غير الأركان لم يؤثر.
(قوله: قال شيخنا) عبارته: ويعتبر على الأصح عند الشيخين وغيرهما سماعهم لها بالفعل، لا بالقوة، فلا تجب الجمعة على أربعين الخ.
اه.
إذا علمت ذلك تعلم أن الشارح أسقط من العبارة المذكورة فاء التفريع وما يتفرع عليه.
(قوله: لا تجب الجمعة على أربعين إلخ) أي لفقدهم شرطا من شروط الخطبة، وهو السماع.
وكما لا تجب عليهم لا تنعقد بهم، لما ذكر.
(وقوله: بعضهم أصم) أي غير الخطيب، لما علمت أن المعتمد أنه لا يشترط إسماع نفسه، لأنه يفهم ما يقول.
(قوله: ولا تصح) فاعله يعود على الجمعة، وإنما لم تصح لعدم صحة الخطبة، لفقد شرط من شروطها، وهو السماع بالفعل.
ويحتمل عود الفاعل على الخطبة.
ويلزم عن عدم صحتها عدم صحة الجمعة، لكن عليه يلزم الإظهار في مقام الإضمار في قوله بعد: يمنع سماع ركن الخطبة.
(قوله: مع وجود لغط) هو بفتحتين، اختلاط الأصوات مع رفعها.
(وقوله: يمنع) أي ذلك اللغط.
(وقوله: مع سماع ركن الخطبة) أي سماعهم ركنا من أركانها.
(قوله: على المعتمد فيهما) أي في الصورتين، وهما عدم وجوبها على أربعين بعضهم أصم، لكن غير الخطيب، كما علمت.
وعدم صحتها مع وجود لغط يمنع سماع ركن من أركان الخطبة.
(قوله: وإن خالف فيه) أي في اعتبار السماع بالفعل المعلوم من عبارة التحفة المارة آنفا.
(وقوله: فلم يشترطوا إلا الحضور) أي حضورهم موضع الخطبة، أي وإن لم يسمعوا بالفعل لبعد، أو نوم، أو لغط.
(قوله:
وعليه) أي على اشتراط الحضور فقط.
(قوله: ولا يشترط الخ) مرتبط بالمتن.
(وقوله: كونهم) أي الأربعين الذين يسمعون الخطبة.
(وقوله: بمحل الصلاة) فلو كانوا خارج المسجد والخطيب فيه وسمعوا الخطبة من خارجة كفى.
يسمعونه.
(و) شرط فيهما (عربية) لاتباع السلف والخلف.
وفائدتها بالعربية - مع عدم معرفتهم لها - العلم بالوعظ في الجملة.
قاله القاضي.
وإن لم يمكن تعلمها بالعربية قبل ضيق الوقت خطب منهم واحد بلسانهم، وإن أمكن تعلمها وجب كل على الكفاية، (وقيام قادر عليه، وطهر) من حدث أكبر وأصغر، وعن نجس غير معفو عنه، في ثوبه، وبدنه، ومكانه.
(وستر) للعورة.
(و) شرط (جلوس بينهما) بطمأنينة فيه، وسن أن يكون
(قوله: ولا فهمهم لما يسمعونه) أي ولا يشترط ذلك، كما لا يشترط فهم الفاتحة في الصلاة، ولا يشترط أيضا طهرهم، ولا سترهم.
(قوله: وشرط فيهما) أي في الخطبتين.
والمراد أركانهما، كما في التحفة، وعبارتها مع الأصل: ويشترط كونها - أي الأركان - دون ما عداها عربية الخ.
اه.
وكتب سم ما نصه: قوله دون ما عداها: يفيد أن كون ما عدا الأركان من توابعها بغير العربية لا يكون مانعا من الموالاة.
اه.
قال ع ش: ويفرق بينه وبين السكوت بأن في السكوت إعراضا عن الخطبة بالكلية، بخلاف غير العربي، فإن فيه وعظا في الجملة، فلا يخرج بذلك عن كونه في الخطبة.
اه.
(قوله: لاتباع السلف والخلف) تعليل لاشتراط كونهما بالعربية، أي شرط ذلك لاتباع السلف والخلف، أي لوجوب اتباعهم أو المراد لفعل السلف والخلف المتبع، فهو على تقدير مضاف فقط على الأول، ومع تأويل المصدر بمعنى اسم المفعول على الثاني.
وإنما احتيج إلى ذلك لأجل أن تصح العلة.
ومر أن السلف هم الصحابة، وعم الخلف من عداهم.
وذكر في النهاية العلة المذكورة، وزاد: ولأنها ذكر مفروض، فاشترط فيها ذلك، كتكبيرة الإحرام.
(قوله: وفائدتها الخ) مرتبط بمحذوف ملاحظ بعد قوله عربية.
أي وشرط فيها عربية، وإن كانوا كلهم عجما.
وفائدتها حينئذ مع عدم معرفتهم لها علمهم بأن ما يقوله الخطيب وعظا.
(وقوله: في الجملة) أي بالإجمال، وإن لم يعلم عين الموعوظ به.
(قوله: قاله القاضي) عبارة النهاية وأجاب القاضي عن سؤال: ما فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يعرفها القوم؟ بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة.
اه.
(قوله: وإن لم يمكن الخ) هذا استدراك من اشتراط العربية.
وصرح في التحفة - قبل إن الشرطية - بأداة الاستدراك.
(قوله: قبل ضيق الوقت) متعلق بتعلم، وذلك بأن لم يمكن تعلمها أصلا لبلادتهم، أو أمكن لكن بعد ضيق الوقت بأن لم يبق منه إلا مقدار ما يسع الصلاة والخطبة، فالنفي راجع للمقيد مع قيده، أو إلى القيد فقط.
(قوله: خطب إلخ) هذا ظاهر بالنسبة لما عدا الآية من الأركان.
أما هي ففيه نظر، لما تقرر في باب الصلاة من أن القرآن لا يترجم عنه.
فلينظر ماذا يفعل حينئذ؟.
اه.
سم.
(وقوله: بلسانهم) أي بلغتهم، ومفاده أنه لا يخطب بلغته، وهو خلاف ما في النهاية، ونصها: خطب واحد منهم بلغته وإن لم يعرفها القوم.
اه.
ومثلها المغني.
(قوله: وإن أمكن تعلمها) أي تعلم الخطبة بالعربية قبل ضيق الوقت.
قال ع ش: أي ولو بالسفر إلى ما فوق مسافة القصر - كما يعلم مما
تقدم في تكبيرة الإحرام -.
اه.
(قوله: وجب) أي تعلمها.
(وقوله: على كل على الكفاية) أي على سبيل فرض الكفاية، فيكفي في تعلمها واحد، فإن مضت مدة إمكان تعلم واحد منهم ولم يتعلم عصوا كلهم، ولا جمعة عليهم، بل يصلون ظهرا.
(قوله: وقيام قادر) معطوف على إسماع أربعين، أي وشرط فيهما قيام قادر.
(وقوله: عليه) متعلق بقادر، أي قادر على القيام، فإن عجز عنه خطب قاعدا، ثم مضطجعا - كالصلاة - ويصح الاقتداء به، وإن لم يقل لا أستطيع، لان الظاهر أنه فعل ذلك لعجزه، والأولى له أن يستنيب، فإن بان أنه كان قادرا فلا يؤثر، كإمام بان محدثا.
(قوله: وطهر) معطوف على إسماع أيضا.
أي وشرط فيهما طهر، فلو أحدث في الخطبة استأنفها، وإن سبقه الحدث وقصر الفصل، لأنها عبادة واحدة، فلا تؤدى بطهارتين كالصلاة، ومن ثم لو أحدث بعد الخطبة وقبل الصلاة وتطهر عن قرب لم يضر، لأنها مع الصلاة عبادتان مستقلتان كما في الجمع بين الصلاتين ولو أحدث في أثناء الخطبة واستخلف من حضر، جاز للثاني البناء على خطبة الأول.
(وقوله: من حدث) متعلق بطهر.
(قوله: وعن نجس غير معفو عنه) معطوف على من حدث.
وعن بمعنى من.
أي وطهر من نجاسة غير معفو عنها.
أما المعفو عنها، كقليل دم أجنبي، وكدم براغيث، وغير ذلك - مما مر في مبحث النجاسات - فلا تضر.
(قوله: في ثوبه الخ) متعلق بمحذوف، صفة ثانية لنجس، أي نجس كائن في ثوبه إلخ.
(وقوله: وبدنه ومكانه) الواو فيهما بمعنى أو - مانعه الخلو - والمراد بالمكان: المنبر مثلا، فلا تصح
بقدر سورة الاخلاص، وأن يقرأها فيه.
ومن خطب قاعدا لعذر فصل بينهما بسكتة وجوبا.
وفي الجواهر: لو لم يجلس حسبتا واحدة، فيجلس ويأتي بثالثة.
(وولاء) بينهما وبين أركانهما، وبينهما وبين الصلاة، بأن لا يفصل طويلا عرفا.
وسيأتي أن اختلال الموالاة بين المجموعتين بفعل ركعتين، بل بأقل مجزئ، فلا يبعد الضبط
الخطبة مع قبض حرفه وعليه نجاسة تحت يده - كذرق الطير، وكالعاج الملصوق على المنابر - قال البجيرمي: والمعتمد الصحة إذا كان في جانب المنبر نجاسة ليست تحت يد القابض، سواء كان المنبر ينجر بجره أم لا، لأن علوه عليه مانع من جره عادة.
اه.
وكذا يشترط طهارة كل ما يتصل به كسيف وعكازة.
(قوله: وستر للعورة) أي وشرط فيهما ستر للعورة للاتباع، وكما في الصلاة.
قال في التحفة: وإن قلنا بالأصح أنها - أي الخطبة - ليست بدلا عن ركعتين لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي عقب الخطبة.
فالظاهر أنه كان يخطب وهو متطهر مستور.
اه.
قال ع ش: وهل يعتبر ذلك في الأركان وغيرها، حتى لو انكشفت عورته في غير الأركان بطلت خطبته أولا؟ فيه نظر.
والأقرب الثاني.
ومثله: ما لو أحدث بين الأركان وأتى مع حدثه بشئ من توابع الخطبة، ثم استخلف عن قرب، فلا يضر في خطبته ما أتى به من غير الأركان مع الحدث، فجميع الشروط التي ذكرها إنما تعتبر في الأركان خاصة.
اه.
(قوله: وشرط جلوس إلخ) المناسب فيه وفي قوله المار وشرط فيهما عربية: أن لا يظهر العامل، أو يظهره في جميع المعاطيف.
(وقوله: بينهما) أي الخطبتين، وذلك للاتباع.
رواه مسلم.
فلو تركه لم تصح خطبته، ولو سهوا، إذ الشروط يضر الإخلال بها، ولو مع السهو.
قال سم: وظاهر أنه لا يكفي عنه نحو الاضطجاع، ويؤيده الاتباع.
(فإن قيل) ما الحكمة في جعل القيام والجلوس هنا شرطين، وفي الصلاة ركنين؟ (أجيب) بأن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ، ولا ريب أن القيام والجلوس ليسا بجزأين منها، بخلاف الصلاة فإنها جملة أعمال، وهي كما تكون أذكارا تكون غير أذكار.
وخالف الأئمة الثلاثة - رضي الله عنهم - في عد الجلوس شرطا، وقالوا أنه ليس بشرط.
(قوله: بطمأنيته) أي مع طمأنينة.
(وقوله: فيه) أي الجلوس.
(قوله: وسن أن يكون) أي الجلوس.
(قوله: وأن يقرأها فيه) أي وسن أن يقرأ سورة الإخلاص في الجلوس المذكور.
(قوله: ومن خطب قاعدا لعذر) أي أو قائما لم يقدر على الجلوس.
(قوله: فصل الخ) جواب من الشرطية.
(وقوله: بينهما) أي الخطبتين.
(وقوله: بسكتة) أي فوق سكتة التنفس والعي.
وعبارة سم: قوله بسكته: قال في شرح العباب: ليحصل الفصل.
ويؤخذ منه أنه يشترط أدنى زيادة في السكوت على سكتة التنفس والعي.
اه.
(قوله: وفي الجواهر: لو لم يجلس) أي الخطيب بين الخطبتين.
وعبارة شرح العباب: ولو وصلهما حسبتا واحدة.
وهي أولى، لصدقها بما إذا خطب قاعدا لعذر ولم يفصل بينهما بسكتة فإنها تحسب واحدة.
(قوله: ويأتي بثالثة) أي باعتبار الصورة، وإلا فهي الثانية، لأن التي كانت ثانية صارت بعضا من الأولى.
اه.
تحفة.
(قوله: وولاء) أي وشرط ولاء للاتباع، ولأن له أثرا ظاهرا في استمالة القلوب.
(وقوله: بينهما) أي بين الخطبة الأولى والخطبة الثانية.
(وقوله: وبين أركانهما) أي وشرط ولاء بين أركان كل من الخطبتين.
(وقوله: وبينهما وبين الصلاة) أي وشرط ولاء بين مجموع الخطبتين والصلاة.
(والحاصل) الولاء معتبر في ثلاثة مواضع: الأول بين الخطبتين، فلا يطيل الفصل بينهما.
والثاني بين أركانهما.
والثالث بينهما وبين الصلاة.
فلا يطيل الفصل بين الثانية منهما وبين الصلاة.
(قوله: أن لا يفصل) أي الخطيب، وهو تصوير للولاء.
(وقوله: طويلا) صفة لموصوف محذوف منصوب على المفعولية المطلقة، أو على أنه بإسقاط الخافض، أي فصلا طويلا، أو بفاصل طويل.
ولا بد أن يكون لا تعلق له بالخطبة، فإن فصل بما له تعلق بها لم يضر، فلا يقطع الموالاة الوعظ وإن طال، وكذا قراءة وإن طالت حيث تضمنت وعظا، خلافا لمن أطلق القطع بها فإنه غفلة عن كونه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في خطبته ق كما تقدم.
(وقوله: عرفا) أي في العرف، أي أن المعتبر في ضابط الطول العرف.
(قوله: وسيأتي) أي في تتمة يجوز لمسافر إلخ، وفيه أنه لم يصرح بما ذكر فيما يأتي، كما يعلم بالوقوف على عبارته ونصها: وولاء عرفا، فلا يضر فصل يسير بأن كان دون قدر ركعتين إلا أن يقال إن المراد بطريق المفهوم، فلا إشكال، لأنه يفهم أنه يضر الفصل بقدر ركعتين.
(قوله:
بين المجموعتين) أي الصلاتين المجموعتين جمع تقديم.
(وقوله: بفعل ركعتين) خبر أن.
أي كائن بفعل ركعتين.
بهذا هنا، ويكون بيانا للعرف.
(وسن لمريدها) أي الجمعة، وإن لم تلزمه، (غسل) بتعميم البدن والرأس بالماء، فإن عجز، سن تيمم بنية الغسل، (بعد) طلوع (فجر).
وينبغي لصائم خشي منه مفطرا تركه، وكذا
(وقوله: بل بأقل مجزئ) إضراب انتقالي، أي بل يحصل اختلال الموالاة بركعتين بأقل مجزئ، بأن يقتصر فيهما على الأركان.
ويوجد في بعض نسخ الخط إسقاط بل، وهو الموافق لما في التحفة، فهو أولى.
(قوله: فلا يبعد الضبط بهذا) أي بما سيأتي من أن الموالاة تختل - أي تنقطع - بفعل ركعتين.
(قوله: هنا) أي في الخطبة.
(والحاصل) الذي يخل في المجوعتين يخل هنا، والذي لا يخل هناك لا يخل هنا، وذلك لأنهم صرحوا بأن الخطبة والصلاة مشبهتان بصلاتي الجمع.
(قوله: ويكون بيانا للعرف) أي ويكون الضبط بهذا بيانا للعرف في عبارة من عبر به، أي فالمراد بالطول في العرف، أن يكون بمقدار ركعتين.
(قوله: وسن الخ) لما فرغ من بيان ما لا بد منه في الجمعة شرع في بيان ما يطلب لها من الآداب.
(وقوله: لمريدها) أي لمريد حضورها، وإن لم تلزمه، بأن كان امرأة، أو رقيقا، أو مسافرا.
وقيل يسن الغسل لكل أحد، وإن لم يرد الحضور.
(قوله: غسل) أي لخبر: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل وخبر: من أتى الجمعة - من الرجال والنساء - فليغتسل، ومن لم يأتها فليس عليه غسل.
وخبر غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وحق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما.
زاد النسائي: هو يوم الجمعة.
وصرف هذه الأحاديث من الوجوب خبر: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل.
رواه الترمذي وحسنه وقوله فيها: أي فبالسنة أخذ.
أي بما جوزته من الوضوء مقتصرا عليه.
ونعمت الخصلة أو الفعلة، والغسل معها أفضل.
وخبر: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فدنا، واستمع، وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام.
وفي الصحيحين: أن عثمان دخل وعمر يخطب فقال: ما بال رجال يتأخرون عن النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم جئت.
فقال عمر: والوضوء أيضا؟ ألم تسمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل.
(فائدة) عن ابن عمر وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن تحت العرش مدينة - وقال القرطبي في تفسيره سبعين مدينة - مثل الدنيا سبعين مرة، مملوءة من الملائكة كلهم يقولون: اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة وأتى الجمعة.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: إن الغسل يوم الجمعة ليسل الخطايا من أصول الشعر استلالا.
رواه الطبراني.
(قوله: بتعميم إلخ) تصوير للغسل بأقل مجزئ، وأكمله ما مر بيانه في مبحث الغسل، وينوي به غسل الجمعة،
فيضيفه إلى سببه كسائر الأغسال المسنونة، ويندب الوضوء له كسائرها، ويطلب التيمم بدلا عن هذا الوضوء، إن عجز عن مائه.
(قوله: فإن عجز) أي عن الماء، حسا أو شرعا.
(وقوله: سن تيمم) أي بدل الغسل.
ويكفي تيمم واحد عنه وعن الوضوء المطلوب قبل الغسل إن نواهما به.
وإنما قام التيمم مقام الغسل لأن المقصود منه العبادة والنظافة، فإذا فاتت هذه بقيت العبادة.
وتوقف حجر في كراهة تركه.
لكن قال ع ش: الأقرب الكراهة، إعطاء للبدل حكم المبدل منه.
(قوله: بنية الغسل) ظاهر صنيعه انه متعلق بتيمم.
أي سن تيمم بنية الغسل، أي أنه بدل عن غسل، فيقول: نويت التيمم بدلا عن غسل الجمعة، ولا يكفي نويت التيمم عن الغسل لعدم ذكر السبب - كسائر الأغسال المسنونة -.
ويكفي: نويت التيمم لطهر الجمعة، أو للجمعة، أو للصلاة، أو عن غسل الجمعة - وإن لم يلاحظ البدلية - ويحتمل تعلقه به وبقوله وسن غسل، أي وسن غسل للجمعة بنيته، وهذا هو الأقرب.
(قوله: بعد طلوع فجر) الظرف متعلق بغسل، وهو بيان لوقت الغسل.
أي وقت الغسل كائن بعد طلوع فجر، أي صادق، فلا يجزئ قبله، لأن الأخبار علقته باليوم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى.
الحديث.
وقيل وقته من نصف الليل، كالعيد، والفرق ظاهر، لبقاء أثره إلى صلاة العيد، لقرب الزمن، ولا كذلك الجمعة.
ويخرج الوقت المذكور باليأس من فعلها، ويحصل بالفراغ من الصلاة، لا قبله، لاحتمال نسيان الإمام ركنا منها، فيتداركه، فيدرك معه الجمعة بإدراك ركعة منها.
(قوله: وينبغي الخ) الأولى تأخيره عن قوله وآكدها غسل الجمعة ويستغني عن قوله بعد وكذا إلخ.
والظاهر أن المراد بالانبغاء الوجوب.
سائر الاغسال المسنونة، وقربه من ذهابه إليها أفضل.
ولو تعارض الغسل والتبكير، فمراعاة الغسل أولى، للخلاف في وجوبه، ومن ثم كره تركه.
ومن الاغسال المسنونة: غسل العيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وأغسال الحج، وغسل غاسل الميت، والغسل للاعتكاف، ولكل ليلة من رمضان، ولحجامة، ولتغير الجسد،
(قوله: خشي منه مفطرا) أي خاف من الغسل مفطرا، بأن يسبق الماء إلى جوفه فيفطر به.
(وقوله: تركه) أي الغسل، وهو فاعل ينبغي.
(قوله: وكذا سائر الأغسال المسنونة) أي وكذلك ينبغي تركها للصائم إذا خشي منها مفطرا.
وخرج بالأغسال المسنونة الأغسال الواجبة، فلا يتركها إذا خشي منها ذلك.
فلو اغتسل وسبقه الماء إلى جوفه، لا يفطر، بخلافه في الأغسال المسنونة، فإنه يفطر، كما سيصرح به في باب الصوم.
(قوله: وقربه من ذهابه إليها أفضل) أي إن قرب الغسل من الذهاب إلى الجمعة أفضل، أي من الغسل بعد طلوع الفجر، وإن كان يحصل به أصل السنة، لأنه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة.
(قوله: ولو تعارض الغسل والتبكير) أي إلى الجمعة، بأن كان لو اغتسل فات التبكير، ولو بكر فات الغسل.
(قوله: فمراعاة الغسل أولى) أي من التبكير، لكن محله حيث من الفوات، وقيل: إن كان بجسده ريح كريهة اغتسل، وإلا بكر.
(قوله: للخلاف في وجوبه) أي الغسل، ولتعدي نفعه للغير، بخلاف التبكير، ولا
يبطله حدث ولا جنابة.
سم.
(قوله: ومن ثم، كره تركه) أي ومن أجل أن في وجوبه خلافا كره تركه، مراعاة له.
(قوله: ومن الأغسال المسنونة إلخ) ذكرها هنا استطرادا، وأفاد التعبير بمن أنه قد بقيت عليه أغسال أخر مسنونة وهي غسل المجنون، والمغمى عليه، إذا أفاقا ولم يتحقق منهما نحو إنزال مما يوجب الغسل، وإلا وجب عليهما.
والغسل لدخول الحرم، ولحلق العانة، ولبلوغ الصبي بالسن، وينوي المغتسل في جميعها أسبابها، إلا الغسل من جنون أو إغماء فينوي به رفع الجنابة، لقول الشافعي - رضي الله عنه -: قل من جن أو أغمي عليه إلا وأنزل.
فينوي ذلك احتياطا، ويغتفر عدم جزمه بالنية.
(وقوله: إلا وأنزل) هو ظاهر في البالغين، فإن كانا صبيين، فنقل عن الرملي أنهما كذلك لاحتمال أنه أولج فيهما، وقيل إنهما ينويان السبب.
(قوله: غسل العيدين) أي عيد الفطر، وعيد الأضحى.
وهو سنة لكل أحد، سواء أراد الحضور أم لا، وسواء كان حرا أو عبدا، بالغا أو صبيا، وذلك لأنه يراد للزينة.
ويدخل وقته بنصف الليل.
والأفضل فعله بعد الفجر.
ويخرج بالغروب، لأنه للزينة، وهي في اليوم كله، لا للصلاة، وإلا لانتهى بالزوال.
(قوله: والكسوفين) معطوف على العيدين، أي وغسل الكسوفين، أي لصلاة الكسوفين: كسوف الشمس، وخسوف القمر.
ولا يتقيد بحضور الجماعة، بل إذا صلى منفردا سن له.
ويدخل وقته بأول التغير، ويخرج بالانجلاء.
(قوله: والاستسقاء) معطوف أيضا على العيدين، أي وغسل الاستسقاء، أي لصلاة الاستسقاء.
ولا يتقيد بحضور الجماعة أيضا.
ويدخل وقته لمن يريد الصلاة منفردا بإرادة الصلاة ولمن يريدها جماعة باجتماع الناس لها.
(قوله: وأغسال الحج) أي ومن الأغسال المسنونة أغسال الحج، وهي الغسل للإحرام، وللوقوف بعرفة، وللوقوف بمزدلفة، ولرمي الجمار الثلاث في أيام التشريق الثلاث.
ولا يسن الغسل لرمي جمرة العقبة لقربه من غسل الوقوف بمزدلفة، ولهذا لا يسن لكل جمرة.
(قوله: وغسل غاسل الميت) معطوف أيضا على غسل العيدين، أي ومن الأغسال المسنونة: الغسل لمن غسل ميتا، سواء كان الميت مسلما أم كافرا، وسواء كان الغاسل طاهرا أم لا، كحائض، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ.
رواه الترمذي وحسنه.
ومثل الغسل: التيمم، فيسن لمن يممه الغسل، لأنه مس جسدا خاليا عن الروح، فيحصل له ضعف، والماء يقويه.
ويدخل وقته بالفراغ من غسل الميت، ويخرج بالإعراض عنه.
(قوله: والغسل للاعتكاف) معطوف أيضا على غسل العيدين، أي من الأغسال المسنونة: الغسل للاعتكاف في المسجد.
(قوله: ولكل ليلة من رمضان) معطوف على الاعتكاف، أي ومن الأغسال المسنونة: الغسل لكل ليلة من رمضان.
قال في النهاية: وقيده الأذرعي بمن يحضر الجماعة، والأوجه الأخذ بإطلاقهم اه.
قال ع ش: ويدخل وقت الغسل
بالغروب، ويخرج بطلوع الفجر.
اه.
ومن الأغسال المسنونة أيضا: الغسل لكل مجمع من مجامع الخير، كمجالس الوعظ، والذكر، والتعليم، والتعلم.
ولا يسن للاجتماع للصلوات الخمس، وإن كان من مجامع الخير، لشدة الحرج
وغسل الكافر إذا أسلم - للامر به - ولم يجب، لان كثيرين أسلموا ولم يؤمروا به.
وهذا إذا لم يعرض له في الكفر ما يوجب الغسل - من جنابة أو نحوها - وإلا وجب الغسل.
وإن اغتسل في الكفر، لبطلان نيته.
وآكدها غسل الجمعة ثم من غسل الميت.
(تنبيه) قال شيخنا: يسن قضاء غسل الجمعة - كسائر الاغسال المسنونة - وإنما طلب قضاؤه لانه إذا علم
والمشقة - كما في النهاية.
(قوله: ولحجامة) معطوف على للاعتكاف أيضا، أي ومن الأغسال المسنونة: الغسل للحجامة، أي بعدها.
ومثلها الفصد.
ولو قال ولنحو حجامة لكان أولى.
والحكمة في سن الغسل لذلك أنه يضعف البدن، والغسل يشده ويقويه.
(قوله: ولتغير الجسد) معطوف أيضا على للاعتكاف، أي ومن الأغسال المسنونة: الغسل عند تغير الجسد، إزالة للرائحة الكريهة.
(قوله: وغسل الخ) معطوف أيضا على غسل العيدين، أي ومن الأغسال المسنونة: الغسل للكافر بعد إسلامه.
وتسميته كافرا بعده باعتبار ما كان.
ولو قال والغسل لإسلام كافر لسلم من ارتكاب التجوز.
ووقته يدخل بالإسلام، ويفوت بطول الزمن أو بالإعراض عنه.
وشمل الكافر إذا أسلم: المرتد.
ولا فرق بين من أسلم استقلالا، ومن أسلم تبعا لأحد أصوله.
أو للسابي، فيأمره الولي بالغسل إن كان مميزا، وإلا غسله.
وكذا السابي المسلم، يأمر مسبيه بذلك.
ويسن له - ولو أنثى - إزالة شعره قبل الغسل إن لم يحدث في كفره حدثا أكبر، وإلا فبعده.
ويستثنى من ذلك نحو لحية رجل - كحاجب - فلا يسن إزالته.
ولا يسن حلق الرأس إلا في الكافر إذا أسلم، وفي المولود، وفي النسك.
وقد حلق - صلى الله عليه وسلم - رأسه أربع مرات في النسك، الأولى في عمرة الحديبية.
والثانية في عمرة القضاء.
والثالثة في الجعرانة.
والرابعة في حجة الوداع.
كما نقل عن الحافظ السخاوي.
وحلق الرأس في غير ذلك مباح، وقيل: بدعة حسنة.
(قوله: للأمر به) أي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - قيس بن عاصم بالغسل لما أسلم.
رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه.
(قوله: ولم يجب) أي الغسل.
فالأمر به محمول على الندب.
(قوله: لأن كثيرين أسلموا) أي ولأن الإسلام ترك معصية، فلم يجب معه غسل، كالتوبة من سائر المعاصي، فإنه لا يجب لها غسل، بل يسن.
(قوله: وهذا الخ) أي ما ذكر من سنية الغسل للإسلام، محله إذا لم يعرض له في حال كفره ما يوجب الغسل كالجنابة، والحيض، والنفاس، كأن بلغ بالسن وأسلم عقب بلوغه.
(وقوله: وإلا) أي بأن عرض له ذلك في حال كفره وجب الغسل.
وظاهر صنيعه أنه لا يطلب الغسل المندوب مع الغسل الواجب عند الجنابة أو الحيض، وليس كذلك، فيجتمع عليه غسلان: أحدهما مندوب، والآخر واجب.
ويحصلان بغسل واحد إن نواهما به، فإن نوى أحدهما حصل فقط، فلا تكفي نية الواجب عن المندوب، ولا عكسه، وإنما لم يسقط عنه غسل نحو الجنابة بالإسلام كالصلاة لقلة المشقة فيه بعدم تعدده،
بخلافها، فإن شأنها ذلك، حتى لو أسلم وعليه نحو صلاة واحدة لم يؤمر بقضائها.
فقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * 1 محمول على ما يشق قضاؤه، ولأن إيجاب الغسل عليه ليس مؤاخذة له بما وجب في كفره، بل بما هو حاصل في الإسلام، وهو كونه جنبا.
(قوله: إن اغتسل في الكفر) غاية في وجوب الغسل.
(وقوله: لبطلان نيته) أي الواقعة حال كفره، إذ شرط الاعتداد بها الإسلام.
(قوله: وآكدها غسل الجمعة) أي وآكد الأغسال غسل الجمعة، وذلك لأنه قيل بوجوبه، مع كثرة أحاديثه الصحيحة.
(قوله: ثم من غسل الميت) أي ثم يلي غسل الجمعة، الغسل من غسل الميت.
وتقديم غسل الجمعة عليه هو القول القديم، والجديد بالعكس، ولكن رجح الأول، كما نص عليه في المنهاج، وعبارته: وآكدها غسل غاسل الميت، ثم الجمعة، وعكسه القديم، قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الأكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح.
والله أعلم.
اه.
ثم يلي غسل الميت ما كثرت أحاديثه، فما اختلف في وجوبه، فما صح حديثه، فما كان نفعه متعديا أو أكثر.
وكذا يقال في مسنونين دليلهما ضعيف، فيقدم منهما ما نفعه أكثر، وهذا الترتيب هو المعتمد.
ومن فوائد ذلك أنه لو أوصى بماء لأولى الناس به قدم من يستعمله للآكد، فالآكد.
(قوله: يسن قضاء غسل الجمعة كسائر الأغسال المسنونة) أي إذا فاتت عليه.
قال ع ش: وانظر بم
أنه يقضى داوم على أدائه، واجتنب تفويته.
(وبكور) - لغير خطيب - إلى المصلى من طلوع الفجر، لما في الخبر الصحيح: إن للجائي بعد اغتساله غسل الجنابة - أي كغسلها، وقيل حقيقة بأن يكون جامع، لانه يسن
يحصل الفوات للغسل من غسل الميت ونحوه؟ ثم رأيت بهامش نسخة صحيحة من الزيادي ما نصه: نقل شيخنا الزيادي أن شخصا من أهل العلم سأل شيخه الطندتائي عما يخرج به غسل العيد؟ فأجاب بأنه يخرج باليوم، وأما غسل الجمعة فبفوات الجمعة.
ونقل شيخنا المذكور عن بعض مشايخه أن غسل غاسل الميت ينقضي بنية الإعراض عنه، أو بطول الفصل.
اه.
وقد يقال في المجنون والمغمى عليه إنما يفوت الغسل في حقهما بعروض ما يوجب الغسل كجنابة، فإن حكمة طلب غسلهما احتمال الجنابة، وهو موجود، وإن طال زمنه اه.
وما تقرر من قضاء ما ذكر هو ما جرى عليه شيخه حجر.
وقال م ر: لا يقضى، وعبارته: ولو فاتت هذه الأغسال لم تقض، وسئل السبكي - رحمه الله تعالى - هل تقضى الأغسال المسنونة؟ فقال: لم أر فيها نقلا، والظاهر لا، لأنها إن كانت للوقت فقد فات، أو للسبب فقد زال.
اه.
(قوله: وإنما طلب قضاؤه) أي الغسل من حيث هو غسل الجمعة أو غيرها.
ولو قال قضاؤها بتأنيث الضمير العائد إلى الأغسال كلها لكان أولى.
(قوله: لأنه) أي من طلب منه الغسل.
(قوله: أنه يقضي) أي أن الغسل يطلب قضاؤه إذا فاته.
(قوله: دوام) أي من طلب منه، وهو جواب إذا.
(قوله: على أدائه) أي الغسل.
(قوله: وبكور) معطوف على غسل، أي وسن
بكور، وهو مصدر بكر بالتخفيف: كعقد.
قال ابن مالك: وفعل اللازم مثل قعد * * اله فعول باطراد كغدا ومعناه الإسراع إلى المصلى من أول النهار، ويطلق أيضا على الإسراع إلى الشئ في أي وقت كأن.
قال في المصباح: بكر إلى الشئ بكورا، من باب قعد أسرع أي وقت كان، وبكر تبكيرا مثله، وأبكر بكورا فعل ذلك بكرة.
قال ابن فارس.
وقال أبو زيد في كتاب المصادر: بكر بكورا، وغدا غدوا هذان من أول النهار.
اه.
ملخصا.
وفي سم: لو بكر أحد مكرها على التبكير لم يحصل له فضل التبكير فيما يظهر، فلو زال الإكراه حسب له من حينئذ إن قصد الإقامة لأجل الجمعة فيما يظهر.
اه.
(قوله: لغير خطيب) أما هو: فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة، كما سيذكره.
قال في النهاية: ويلحق به سلس البول ونحوه، فلا يندب له التبكير، وإطلاقه يقتضي استحباب التبكير للعجوز إذا استحببنا حضورها، وكذا الخنثى الذي هو في معنى العجوز.
وهو متجه.
اه.
(قوله: إلى المصلى) متعلق ببكور.
ولا فرق فيه بين أن يكون مسجدا أو غيره.
(قوله: من طلوع الفجر) متعلق ببكور أيضا.
قال سم: فلو جاء قبل الفجر لم يثب على ما قبله ثواب التبكير للجمعة فيما يظهر.
اه.
(قوله: لما في الخبر الصحيح الخ) دليل لسنية البكور، والخبر المذكور مروي بالمعنى، وهو في المغني وشرح الروض، ولفظه: على باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، ومن اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر.
وفي رواية صحيحة: وفي الرابعة دجاجة، وفي الخامسة عصفورا، في السادسة بيضة.
وفي أخرى صحيحة أيضا: وفي الرابعة بطة، وفي الخامسة دجاجة، وفي السادسة بيضة والمراد من ذلك: أن له ثواب بدنة يتقرب بها إلى الله تعالى، وهكذا يقال فيما بعده.
(قوله: أن للجائي الخ) بدل من الخبر الصحيح، بدل كل من كل.
(قوله: بعد اغتساله) متعلق بالجائي.
قال سم: قضية هذا التقييد الوارد في الحديث: توقف حصول البدنة أو غيرها على كون المجئ مسبوقا بالاغتسال، والثواب أمر توقيفي، فيتوقف على الوجه الذي ورد عليه.
(فرع) دخل المسجد في الساعة الأولى، ثم خرج وعاد إليه في الساعة الثانية مثلا فهل له بدنة وبقرة؟ الوجه: لا بل خروجه ينافي استحقاق البدنة بكمالها، بل ينبغي عدم حصولها لمن خرج بلا عذر، لأن المتبادر أنها لمن دخل واستمر.
ليلة الجمعة أو يومها - في الساعة الاولى بدنة، وفي الثانية: بقرة، وفي الثالثة: كبشا أقرن، والرابعة: دجاجة، والخامسة: عصفورا، والسادسة: بيضة.
والمراد أن ما بين الفجر وخروج الخطيب ينقسم ستة أجزاء
متساوية، سواء أطال اليوم، أم قصر.
أما الامام فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة، للاتباع.
ويسن الذهاب إلى
ولو حصلا له لزم أن يكون من غاب ثم رجع، أكمل ممن لم يغب، ولا يقوله أحد، خصوصا إن طالت غيبته، كأن دخل في أول الساعة الأولى، وعاد في آخر الساعة الثانية.
اه.
(قوله: غسل الجنانة) مفعول مطلق لاغتسال.
(قوله: أي كغسلها) أي فهو تشبيه بليغ، ويدل عليه عدوله إليه عن قوله ومن اغتسل من الجنابة.
(قوله: وقيل حقيقة) أي أنه اغتسل من الجنابة حقيقة.
وحكاه بقيل لضعفه، لاقتضائه تخصيص الثواب بمن جامع، وهو خلاف المقصود.
(قوله: بأن يكون جامع) تصوير لكون الغسل من الجنابة حقيقة في الخبر.
(قوله: لأنه يسن) أي الجماع.
قال في الإمداد: لتسكن نفسه.
اه.
وهو تعليل لكونه حقيقة.
(وقوله: ليلة الجمعة أو يومها) قال البجيرمي: ظاهرة استواؤهما، لكن ظاهر الحديث أنه يومها أفضل.
ويوجه بأن القصد منه أصالة: كف بصره عما يراه فيشتغل قلبه.
كما في حجر.
اه.
(قوله: في الساعة الأولى) متعلق بالجائي.
(وقوله: بدنة) إسم أن مؤخر.
(قوله: وفي الثانية بقرة) أي وأن للجائي في الساعة الثانية بقرة، وهي تطلق على الذكر والأنثى، وتاؤها للوحدة.
(قوله: وفي الثالثة كبشا أقرن) أي وأن للجائي في الساعة الثالثة كبشا أقرن، أي عظيم القرون.
(قوله: والرابعة دجاجة) أي وأن للجائي في الساعة الرابعة دجاجة، وهي بتثليث الدال، والفتح أفصح.
(قوله: والخامسة عصفورا) أي وأن للجائي في الساعة الخامسة عصفورا.
(واعلم) أن المعتبر في أسنان تلك الحيوانات الكمال عرفا.
كما في البرماوي.
(قوله: والسادسة بيضة) أي وأن للجائي في الساعة السادسة بيضة.
وهذا على ما في بعض الروايات ان الأقسام ستة، وفي بعضها الأقسام خمسة، كرواية: من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
(قوله: والمراد إلخ) يعني أن المراد بالساعات المذكورة أن ما بين طلوع الفجر وخروج الخطيب ينقسم ستة أجزاء متساوية على ما في بعض الروايات أو خمسة أجزاء على ما في البعض الآخر.
ويؤيد ما ذكر الخبر الصحيح، وهو: يوم الجمعة ثنتا عشر ساعة.
إذ مقتضاه أن يومها لا يختلف، فلتحمل كل ساعة على مقدار سدس ما بين الفجر والزوال، ومن جاء أول ساعة أو وسطها أو آخرها يشتركون في أصل البدنة مثلا، لكنهم يتفاوتون في كمالها.
وهذا هو المعتمد.
قال في النهاية وفي أصل الروضة ليس المراد من الساعات الفلكية وهي الأربع والعشرون بل ترتيب درجات السابقين على من يليهم في الفضيلة، لئلا يستوي فيها رجلان جاءآ في طرفي ساعة، ولئلا
يختلف في اليوم الشاتي والصائف، إذ لا يبلغ ما بين الفجر والزوال في كثير من أيام الشتاء ست ساعات.
فعليه: كل داخل بالنسبة لما بعده كالمقرب بدنة، وإلى من قبله بدرجة كالمقرب بقرة، وبدرجتين كالمقرب كبشا، وبثلاث كالمقرب دجاجة، وبأربع كالمقرب بيضة.
لكن قال في شرحي المهذب ومسلم: بل المراد الفلكية، لكن بدنة الأول أكمل من بدنة الأخير، وبدنة المتوسط متوسطة، كما في درجات صلاة الجماعة القليلة والكثيرة.
فعليه: المراد بساعات النهار الفلكية اثنتا عشرة ساعة زمانية صيفا أو شتاء، وإن لم تساو الفلكية، فالعبرة بخمس ساعات منها أو ست، وهو المعول عليه، طال الزمان أو قصر.
كما أشار إليه القاضي.
وهو أحسن من قول الغزالي: اخر الأولى إلى طلوع الشمس، والثانية ارتفاعها، والثالثة انبساطها حتى ترمض الأقدام، والرابعة والخامسة الزوال.
اه.
(قوله: أما الإمام) المناسب: أما الخطيب، لأنه محترز قوله لغير خطيب.
(وقوله: فيسن له التأخير إلى وقت الخطبة) قال ويسن الذهاب إلخ، أي للخبر الصحيح: من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها.
ومعنى غسل: قيل: جامع حليلته، فألجأها إلى الغسل، وقيل غسل ثيابه وغسل رأسه.
ومعنى بكر بالتخفيف: خرج من بيته باكرا.
وبالتشديد: أتى الصلاة أول وقتها.
ومعنى ابتكر: أدرك أول
المصلى في طريق طويل، ماشيا بسكينة، والرجوع في طريق آخر قصير، وكذا في كل عبادة.
ويكره عدو إليها، كسائر العبادات، إلا لضيق وقت، فيجب، إذا لم يدركها إلا به.
(وتزين بأحسن ثيابه) وأفضلها الابيض، ويلي
الخطبة.
(وقوله: إلى المصلى) بفتح اللام المشددة، أي موضع الصلاة، مسجدا أو غيره.
(وقوله: في طريق طويل) متعلق بالذهاب، ومحله إن أمن الفوات، وإلا فيذهب في طريق قصير.
(وقوله: ماشيا) حال من فاعل الذهاب المقدر، أي يسن ذهابه حال كونه ماشيا، ومحله إن قدر عليه وإلا ركب.
(وقوله: بسكينة) هي التأني في المشي والحركات واجتناب العبث، وحسن الهيئة، كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
ويطلب ذلك أيضا للراكب على دابته، وإنما سنت لخبر الشيخين: إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة فإن قيل: قال تعالى: * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) * 1 فظاهره أن السعي مطلوب.
أجيب بأن معناه: امضوا.
لأن السعي يطلق على المضي وعلى العدو، فبينت السنة المراد به.
(قوله: والرجوع في طريق آخر قصير) أي ويسن الرجوع في طريق آخر قصير.
قال في التحفة: ويتخير فيه بين الركوب والمشي - كما يأتي في العيد -.
اه.
(قوله: وكذا في كل عبادة) أي وكذا يسن الذهاب في طريق طويل ماشيا بسكينة والرجوع في طريق آخر قصير، في كل عبادة، كالعيد، والجنازة، وعيادة المريض.
ويستثنى منها النسك، فإن الركوب فيه أفضل، كما يأتي في بابه.
(قوله: ويكره
عدو) بفتح فسكون، وهو المشي بسرعة، وهو محترز قوله بسكينة.
(قوله: إلا لضيق وقت) بحيث لو مشى بسكينة لم يدرك الصلاة كلها في الوقت.
(وقوله: فيجب) أي العدو.
والمناسب أن يقول فلا يكره، بل يجب.
ومحل الوجوب إذا أطاق العدو.
وقال سم: بقي ما إذا لم يدرك جماعة بقية الصلوات إلا بالسعي.
وفي شرح الروض في باب الجماعة، بعد أن قرر أنه يمشي بسكينة وإن خشي فوات تكبيرة الإحرام، ما نصه: أما لو خاف فوات الجماعة.
فقضية كلام الرافعي وغيره: أنه يسرع.
وبه صرح الفارقي بحثا، وتبعه ابن أبي عصرون.
والمنقول خلافه.
اه.
وما ذكره في شرح الروض قد مر عن شارحنا أيضا في الجماعة - في مبحث إدراك فضيلة التحرم - وعبارته: ويندب ترك الإسراع، وإن خاف فوت التحرم.
وكذا الجماعة - على الأصح - إلا في الجمعة فيجب طاقته إن رجا إدراك التحرم قبل سلام الإمام.
اه.
(وقوله: إذا لم يدركها إلا به) قيد في الوجوب، أي يجب إذا لم يدرك الجمعة، ومثلها بقية الصلوات، إلا بالعدو.
ولا حاجة إلى ذكر القيد المذكور، إذ الوجوب مفرع على ضيق الوقت فتنبه.
وفي ع ش: ولو توقف إدراك الجمعة على السعي قبل الفجر لم يجب، كما هو ظاهر وصريح كلامهم، اه.
(قوله: وتزين بأحسن ثيابه) أي وسن تزين بما ذكر، لخبر ابن حبان: من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب كان عنده، ثم أتى الجمعة ولم يتخط أعناق الناس ثم صلى ما كتبه الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها.
ومما يعزى الإمام الشافعي - رضي الله عنه: حسن ثيابك ما استطعت فإنها * * زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التخشن في الثياب تواضعا * * فالله يعلم ما تسر وتكتم فجديد ثوبك لا يضرك بعد أن * * تخشى الإله، وتتقي ما يحرم ورثيت ثوبك لا يزيدك رفعة * * عند الإله، وأنت عبد مجرم (قوله: وأفضلها الأبيض) أي أفضل الثياب الأبيض، لخبر الترمذي: البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم.
ويسن أن تكون جديدة، فإن لم تكن جديدة فقريبة منها.
ويسن أن يزيد الإمام في حسن الهيئة، للاتباع ولأنه منظور إليه.
والأكمل أن تكون ثيابه كلها - حتى العمامة - بيضاء، فإن لم تكن كلها فأعلاها.
ويطلب ذلك - حتى في غير يوم الجمعة - لإطلاق الخبر المذكور.
نعم، المعتبر في العيد الأغلى في الثمن، لأنه يوم زينة.
الابيض ما صبغ قبل نسجه.
قال شيخنا: ويكره ما صبغ بعده، ولو بغير الحمرة.
اه.
ويحرم التزين بالحرير،
قال سم: بقي ما لو كان يوم الجمعة يوم عيد، فهل يراعى الجمعة فيقدم الأبيض، أو العيد فالأغلى، أو يراعي الجمعة وقت إقامتها فيقدم الأبيض حينئذ، والعيد في بقية اليوم فيقدم الأغلى فيها؟ لكن قد يشكل على هذا الآخر أن قضية قوله في كل زمن أنه إن روعيت الجمعة روعيت في جميع اليوم، وقد يرجح مراعاة العيد مطلقا أن الزينة فيه آكد منها في الجمعة، ولهذا سن الغسل وغيره فيه لكل أحد وإن لم يحضر.
فليتأمل.
اه.
(فائدة) قال في شرح الروض: وينبغي طي الثياب، فقد روى الطبراني بأسانيد ضعاف خبر: أطووا ثيابكم ترجع إليها أرواحها فإن الشيطان إذا وجد الثوب مطويا لم يلبسه، وإذا وجده منشورا لبسه.
وخبر: إذا طويتم ثيابكم فاذكروا اسم الله لا يلبسها الجن بالليل وأنتم بالنهار فتبلى سريعا.
اه.
(قوله: ويلي الأبيض) أي في الفضيلة.
(وقوله: ما صبغ قبل نسجه) أي بأن صبغ أول غزله، ثم نسج بعده.
(قوله: قال شيخنا) عبارة التحفة: ويلي الأبيض ما صبغ قبل نسجه، ويكره ما صبغ بعده، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه.
كذا ذكره جمع متقدمون، واعتمده المتأخرون.
وفيه نظر.
فإن إطلاق الصحابة للبسه - صلى الله عليه وسلم - المصبوغ على اختلاف ألوانه يدل على أنه لا فرق، وفي حديث - اختلف في ضعفه - أنه - صلى الله عليه وسلم - أتي له - بعد غسله - بملحفة مصبوغة بالورس، فالتحف بها.
قال راوية قيس بن سعد - رضي الله عنهما -: وكأني أنظر أثر الورس على عكنه.
وهذا ظاهر في أنها مصبوغة بعد النسج.
بل يأتي قبيل العيد أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصبغ ثيابه بالورس، حتى عمامته.
وهذا صريح فيما ذكرته.
اه.
وإذا تأملتها تعلم أن شيخه لم يجزم بالكراهة، بل نقلها عن قوم، وهو لم يرتضها، لأنه نظر فيها، إلا أن يقال إنه جزم بها في غير التحفة، ثم رأيته في الفتح جزم بها.
وعبارته: وما صبغ غزله قبل النسج أولى مما صبغ بعده، بل هذا مكروه اه.
وعليه: فلا إشكال، إلا أنه يبقى عليه أن ما غيابه وهو ولو بغير الحمرة ليس ثابتا في العبارة المذكورة.
(قوله: ويحرم التزين الخ) أي على الذكر البالغ والخنثى، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج.
وقول حذيفة - رضي الله عنه - نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه ويروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ في يمينه قطعة حرير، وفي شماله قطعة ذهب، وقال: هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم.
وحكمة التحريم أنه مع ما فيه من معنى الخيلاء، يورث رفاهية، وزينة، وإبداء زي يليق بالنساء دون شهامة الرجال والتشبه بالنساء حرام كعكسه.
قال ع ش: وهو من الكبائر.
(واعلم) أن الفقهاء ترجموا للباس بباب مستقل، ومعظمهم ذكره عقب صلاة شدة الخوف، اقتداء بالشافعي -
رضي الله عنه - وبعضهم ذكره عقب الجمعة وبعضهم ذكره في العيد.
لكل وجهه، والمؤلف - رحمه الله - اختار ذكره في باب الجمعة، لأن المناسبة في ذكره فيه أتم من ذكره في غيره، إلا أنه فاتته الترجمة له ولعله للاختصار.
(قوله: بالحرير) أي باستعماله، ولو بنحو افتراش وتستر وغيرهما، مما يعد استعمالا عرفا، لا مشية عليه، فلا يحرم، لأنه لمفارقته له حالا لا يعد مستعملا له عرفا.
ومثله - كما في سم -: ما لو أدخل يده تحت ناموسية مفتوحة مثلا، وأخرج كوزا من داخلها فشرب منه، ثم أدخل يده فوضعه تحتها.
ويحرم لبس ما ظهارته وبطانته غير حرير وفي وسطه حرير - كاللحاف - إلا أن خيطا عليه فلا يحرم لأنه بالخياطة عليه صار كالحشو وحشو الحرير جائز.
ويحرم الجلوس تحت سحابة أو خيمة أو ناموسية من حرير، ويحرم على الرجل النوم في ناموسية الحرير، ولو مع المرأة، وكذلك دخوله معها في الثوب الحرير الذي تلبسه، بخلاف ما إذا علا عليها من غير دخول فلا يحرم.
ويحرم كتابة الرجل عليه، ولو لصداق امرأة، ونقش عليه، وستر جدار به كما يقع في أيام الزينة والفرح.
نعم، إن أكرههم الحاكم على الزينة فلا يحرم لعذرهم، ويحرم التفرج عليها، ويحرم إلباسه للدواب، لأنه لمحض الزينة، بخلاف إلباسه للصبي والمجنون، فيجوز، فإنه لغرض الانتفاع.
ولو قزا، وهو نوع منه كمد اللون، وما أكثره وزنا - من الحرير، لا ما أقله منه، ولا ما استوى فيه الامران.
ولو شك في الاكثر، فالاصل الحل، على الاوجه.
(فرع) يحل الحرير لقتال، إن لم يجد غيره، أو لم يقم مقامه في دفع السلاح.
وصحح في الكفاية قول جمع: يجوز القباء وغيره مما يصلح للقتال وإن وجد غيره، إرهابا للكفار، كتحلية السيف بفضة.
ولحاجة كجرب إن آذاه غيره، أو كان فيه نفع لا يوجد في غيره، وقمل لم يندفع بغيره، ولامرأة ولو بافتراش، لا له، بلا
(قوله: ولو قزا) الغاية للرد على القول بأنه يحل، لأنه لا يقصد للزينة.
(قوله: وهو نوع منه) أي القز نوع من الحرير، فهو أعم منه ومن الإبريسم.
وذلك لأن القز ما قطعته الدودة وخرجت منه حية، والإبريسم ما ماتت فيه، والحرير يعمهما، خلافا لما وقع في بعض الحواشي، من أن الحرير اسم لما ماتت في الدودة وحل عنها بعد الموت، لأنه عليه يصير القز مباينا له، لا نوعا منه.
(وقوله: كمد اللون) أي متغير اللون، ليس بصاف.
(قوله: وما أكثره الخ) معطوف على الحرير، أي ويحرم التزين بما أكثره من الحرير.
(وقوله: وزنا لا ظهورا) منصوبان على التمييز، أي أن العبرة في الكثرة بالوزن لا بالظهور، فالثوب الذي أكثره حرير بالوزن لا يحرم استعماله، وإن لم يظهر الحرير فيه، والذي حريره أقل بالوزن لا يحرم استعماله، ولو ظهر الحرير فيه.
(قوله: لا ما أقله منه) أي لا يحرم ما أقله من الحرير وأكثره من غيره، والمراد وزنا، كالذي قبله.
(قوله: ولا ما استوى فيه الأمران) أي ولا يحرم استعمال ما استوى فيه الحرير وغيره، أي وزنا لأنه لا يسمى ثوب حرير.
والأصل الحل.
وصح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب المصمت.
أي الخالص، فأما العلم - أي الطراز - ونحوه وسدي الثوب، فلا بأس به.
(قوله: ولو شك في الأكثر) أي
في أن الأكثر الحرير أو غيره؟ ومثله ما لو شك في استوائهما.
(وقوله: فالأصل الحل) خالف فيه م ر، عبارته: ولو شك في كثرة الحرير أو غيره أو استوائهما حرم جزم به في الأنوار.
ويفرق بينه وبين عدم تحريم المضبب إذا شك في كثرة الضبة بالعمل بالأصل فيهما، إذ الأصل حل استعمال الإناء قبل تضبيبه، والأصل تحريم الحرير لغير المرأة.
(قوله: فرع) أي في بيان صور مستثناة من حرمة استعمال الحرير.
(قوله: يحل الحرير لقتال) أي جائز، سواء فاجأه القتال أم لا.
وعبارة سم: قال في التنبيه: ويجوز للمحارب لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، ولبس المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره.
اه.
قال ابن النقيب في شرحه: قوله: إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره: شرط في المنسوج بالذهب، وهل هو شرط في الديباج الثخين؟ قيل: نعم: والأصح أنه لا يشترط فيه ذلك.
اه (قوله: إن لم يجد غيره) أي الحرير.
(وقوله: أو لم يقم مقامه) أي أو وجد غيره ولكنه لم يقم مقام الحرير في دفع السلاح، وخرج به ما إذا وجد ما يقوم مقامه في ذلك، فيحرم عليه لبسه.
(قوله: وصحح في الكفاية إلخ) قال الجمال الرملي: والأوجه خلافه، أخذا بظاهر كلامهم.
وفرق ع ش بينه وبين تحلية السيف، بأن التحلية مستهلكة غير مستقلة، وفي الآلة المنفصلة عن البدن، بخلاف التزين بالحرير فيهما.
(وقوله: يجوز القباء) مقول قول جمع.
(وقوله: وغيره) أي غير القباء من الحرير، كما هو الفرض.
والقباء: الثوب المشقوق من أمام، كالجبة المعهودة.
(وقوله: مما يصلح للقتال) بيان لغير القباء.
(وقوله: وإن وجد غيره) أي غير الحرير، وهو غاية ليجوز.
(وقوله: إرهابا للكفار) علة الجواز.
(قوله: كتحلية السيف بفضة) أي فإنها جائزة.
ومثل السيف، سائر آلات الحرب.
وعبارة الفتح مع الأصل: وجاز للرجل تحلية آلة حرب بلا سرف، بأن لا يجاوز المعتاد، كسيف، ورمح، وطرف سهم، ومنطقة، وخف، ودرع، وجوشن، وبيضة، بفضة للاتباع، لا بذهب، والخبر المبيح له، ضعفه ابن القطان، وإن حسنه الترمذي، لا تحلية نحو سرج، ولجام، وركاب، وبرة ناقة، وقلادة دابة، وسكين خدمة، ومقلمة، ومقراض، ولو بفضة، لأنها غير ملبوسة للراكب، كالأواني.
اه.
(قوله: ولحاجة) معطوف على القتال، من عطف العام على الخاص، إذ من جملة الحاجة القتال.
وعبارة الإرشاد: وجاز لحاجة كقتال، وحكة، وقمل.
اه.
والمراد بالحاجة: ما يعدم الضرورة، كحر وبرد مضرين، فيجوز استعماله فيهما بلبس وغيره، بحسب الضرورة.
(قوله: كجرب) بفتح الجيم والراء، ومما جرب له أن يطلى بالحناء
حائل.
ويحل منه - حتى للرجل - خيط السبحة، وزر الجيب، وكيس المصحف والدراهم، وغطاء العمامة، وعلم الرمح، لا الشرابة التي برأس السبحة.
ويجب لرجل لبسه حيث لم يجد ساتر العورة غيره، حتى في
والسمن القديم.
اه.
برماوي.
(قوله: إن آذاه غيره) أي غير لبس الحرير، وهو قيد لجواز لبسه للجرب.
(قوله: أو كان
فيه نفع) أي أو لم يؤذه غيره إلا أن في الحرير نفعا لا يوجد في غيره.
(قوله: وقمل) معطوف على جرب.
أي وكقمل، فهو مثال ثان للحاجة.
(وقوله: لم يندفع بغيره) قيد في حل لبس الحرير للقمل، أي يحل لبسه إذا كان فيه قمل لا يندفع إلا به، والأصل فيه وفيما قبله ما رواه الشيخان من أنه - صلى الله عليه وسلم - رخص لعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما، وأنه رخص لهما لما شكوا إليه القمل في قمص الحرير.
وذلك لأن الحرير خاصيته أن لا يقمل.
ومما جرب لدفع القمل أن يطلى خيط من الصوف بالزئبق، ويجعل في عنقه كالسبحة.
(قوله: ولا مرأة) معطوف على القتال، أي ويحل استعماله لامرأة باللبس والفرش وغيرهما، لما مر في الحديث: حل لإناثهم ولأن تزيين المرأة بذلك يدعو إلى الميل إليها ووطئها، فيؤدي إلى ما طلبه الشارع من كثرة النسل.
وقوله: ولو بافتراش الغاية للرد على المخالف القائل بحرمة افتراشها إياه للسرف والخيلاء، بخلاف اللبس فإنه يزينها للحليل.
(قوله: لا له) الضمير يعود على الرجل المعلوم من المقام، أي ولا يحل للرجل.
وفيه أن التصريح بهذا لا حاجة إليه، لأن الحرمة المذكورة بقوله ويحرم التزين، إنما هي عليه وعلى الخنثى كما علمت فكان المناسب حذفه، والتصريح بما زدته هناك من قولي: أي الذكر البالغ والخنثى.
(قوله: بلا حائل) يحتمل ارتباطه بالغاية فيكون متعلقا بمحذوف صفة لافتراش.
ويحتمل ارتباطه بالنفي بالنسبة للافتراش، وهو الأقرب من صنيعه، أي لا يحل الحرير للرجل بلا حائل فيما إذا فرشه تحته.
أما مع وجود الحائل فيحل له، فلو فرش رجل - ومثله الخنثى - على الفراش الحرير شيئا غير حرير - ولو خفيفا مهلهل النسج - وجلس فوقه جاز، كما يجوز جلوسه على مخدة محشوة بحرير، وعلى نجاسة بينه وبينها حائل، حيث لم تلاق شيئا من بدن المصلي وثيابه، وكما يجوز الجلوس عليه مع الحائل يجوز الاستناد إليه معه.
(قوله: ويحل منه) أي الحرير.
(وقوله: حتى للرجل غاية في الحل) أي ويحل مطلقا للرجل وغيره.
(وقوله: خيط السبحة) قال الزيادي: وينبغي أن يلحق به خيط السكين، وخيط المفتاح.
وقال القليوبي: يحل خيط مصحف، وخيط ميزان وقنديل، ونحو تكة لباس.
ونقل عن شيخنا الزيادي حل منديل فراش الزوجة للرجل.
قال: وفيه نظر.
اه.
كردي: (قوله: والدراهم) أي وكيس الدراهم.
وقوله: وغطاء العمامة أي ويحل غطاء العمامة.
واعتمد م ر وأتباعه فيه وفي كيس الدراهم الحرمة.
وقال ع ش: محل الحرمة في استعمال غطاء العمامة.
إذا كان هو المستعمل له، أما لو كانت زوجته مثلا هي التي تباشر ذلك، فهل يحرم لأنها مستعملة له فيما ليس لبسا لها ولا افتراشا أم لا؟ فيه نظر.
والأقرب الأول، لأنها إنما استعملته لخدمة الرجل، لا لنفسها.
(قوله: وعلم الرمح) قال في القاموس: العلم محركة: الحبل الطويل، والراية، وما يعقد على الرمح، وسيد القوم.
اه.
والثالث هو المراد هنا.
(قوله: لا الشرابة التي برأس السبحة) أي لا تحل الشرابة.
وعبارة بعضهم: وفي شراريبها تردد، فقيل تحل مطلقا، وقيل تحرم مطلقا، والمعتمد التفصيل، فإن كانت من أصل خيطها جازت، وإلا فلا.
(قوله: ويجب لرجل لبسه الخ) أي يجب على الرجل أن يلبس الحرير، حيث لم يجد ساترا للعورة غيره للحاجة، فإن وجده حرم لبسه.
وفي ع ش ما نصه: (فرع) إذا اتزر ولم يجد ما يرتدي به ويتعمم من غير الحرير؟ قال أبو شكيل: الجواب أنه لا يبعد أن يرخص له في الارتداء أو التعمم به إذا لم يجد غيره وكان تركه يزري بمنصبه، فإن خرج متزرا مقتصرا على ذلك نظر: فإن قصد بذلك الاقتداء بالسلف وترك الالتفات إلى ما يزري بالمنصب لم تسقط بذلك مروءته، بل يكون فاعلا للأفضل، وإن لم يقصد ذلك بل فعل ذلك انخلاعا وتهاونا بالمروءة سقطت مروءته.
كذا في الناشري بأبسط من هذا.
اه.
سم على منهج.
ومن ذلك يؤخذ أن لبس الفقيه القادر على التجمل بالثياب التي جرت بها عادة أمثاله ثيابا دونها في الصفة والهيئة، إن كان لهضم النفس والاقتداء بالسلف الصالحين لم يخل بمروءته، وإن كان لغير ذلك أخل بها.
اه.
ومنه: ما لو ترك ذلك معللا بأن حاله معروف، وأنه لا يزيد مقامه عند الناس باللبس ولا ينقص.
بعدمه، وإنما كان هذا مخلا لمنافاته منصب الفقهاء، فكأنه استهزأ بنفس الفقه.
اه.
(وقوله: ساتر العورة)
الخلوة.
ويجوز لبس الثوب المصبوغ بأي لون كان، إلا المزعفر.
ولبس الثوب المتنجس في غير نحو الصلاة، حيث لا رطوبة، لا جلد ميتة، بلا ضرورة، كافتراش جلد سبع كأسد، وله إطعام ميتة لنحو طير، لا كافر،
مفعول ليجد، وهو يطلب مفعولا واحدا، لأنه من وجد بمعنى أصاب.
(وقوله: غيره) أي الحرير، وهو بدل من ساتر.
(وقوله: حتى في الخلوة) غاية لوجوب اللبس.
(قوله: إلا المزعفر) أي المصبوغ بالزعفران فيحرم، لأن حكمه حكم الحرير، حتى لو صبغ به أكثر الثوب حرم.
قال الكردي: وفي الإمداد: والأقرب تحريم ما زاد على أربع أصابع.
قال: نعم، إن صبغ السدي أو اللحمة بنحو زعفران اتجه أن يأتي فيه تفصيل المركب السابق في الحرير.
وفي النهاية: الأوجه أن المرجع في ذلك العرف، فإن صح إطلاق المزعفر عليه حرم، وإلا فلا.
اه.
ومثل المزعفر في الحرمة: المعصفر، للأخبار الدالة على ذلك، ولأنه من زي النساء.
قال في شرح الروض: وقول الشافعي يحرم على الرجل المزعفر دون المعصفر.
قال البيهقي فيه: الصواب تحريم المعصفر عليه أيضا، للأخبار الصحيحة التي لو بلغت الشافعي لقال بها، وقد أوصى بالعمل بالحديث الصحيح.
ذكر ذلك في الروضة وغيرها.
اه.
وفي التحفة: قال الزركشي عن البيهقي: وللشافعي نص بحرمته، فيحمل على ما بعد النسج، والأول على ما قبله، وبه تجتمع الأحاديث الدالة على حله، والدالة على حرمته، ويرد بمخالفته لإطلاقهم الصريح في الحرمة مطلقا، وله وجه وجيه، وهو أن المصبوغ بالعصفر من لباس النساء المخصوص بهن فحرم
للتشبه بهن، كما أن المزعفر كذلك، وإنما جرى الخلاف في المعصفر دون المزعفر، لأن الخيلاء والتشبه فيه أكثر منهما في المعصفر.
واختلف في الورس، فألحقه جمع متقدمون بالزعفران، واعترض بأن قضية كلام الأكثرين حله.
اه.
(قوله: ولبس الثوب المتنجس) معطوف على لبس الثوب المصبوغ، أي ويجوز لبس الثوب المتنجس، أي ولو بغير معفو عنه، لأن تكليف استدامة طهارة الملبوس مما يشق، خصوصا على الفقير، وبالليل، لأن نجاسته عارضة سهلة الإزالة.
ومع حل لبسه يحرم المكث به في المسجد من غير حاجة إليه - كما بحثه الأذرعي - لأنه يجب تنزيه المسجد عن النجس.
قال في النهاية: ويستثنى من ذلك - أي من حل لبسه - ما لو كان الوقت صائفا بحيث يعرق فيتنجس بدنه ويحتاج إلى غسله للصلاة مع تعذر الماء.
اه.
وقوله: مع تعذر الماء.
قال سم: الفرق بين ما أفهمه من الجواز حيث لم يتعذر الماء والمنع، إذا كان بدنه مترطبا بغير العرق شدة الابتلاء بالعرق.
اه.
(قوله: في غير نحو الصلاة) متعلق بيجوز المقدر.
أي يجوز لبس ذلك في غير نحو الصلاة كالطواف والخطبة، أما لبسه في نحو ذلك فيحرم.
وهذا إن كانت الصلاة مفروضة، ومثلها الطواف، ولبسه بعد الشروع فيه.
فإن كان ما ذكر نفلا فلا يحرم لجواز قطعه، أو لبسه قبل الشروع فيه سواء كان فرضا أو نفلا واستمر فيه فلا حرمه من جهة لبسه، وإنما الحرمة من جهة تلبسه بعبادة فاسدة، أو استمراره فيها.
أفاده في النهاية.
(قوله: حيث لا رطوبة) قيد في الجواز، أي يجوز حيث لم توجد رطوبة، أي في الثوب أو البدن، فإن وجدت حرم لحرمة التلطيخ بالنجاسة.
(قوله: لا جلد ميتة) بالجر معطوف على الثوب المتنجس، أي لا يجوز لبس جلد ميتة، سواء كانت ميتة كلب، أو خنزير، أو غير ذلك.
وعبارة التحفة مع الأصل: لا جلد كلب وخنزير.
وفرع أحدهما فلا يحل لبسه لغلظ نجاسته إلا لضرورة كفجأة قتال، أو خوف نحو برد ولم يجد غيره، نظير ما مر في الحرير.
وخرج بلبسه استعماله في غيره، كافتراشه، فيحل قطعا - كما في الأنوار - وإن قال الزركشي المذهب المنصوص أنه لا ينتفع بشئ منهما.
وكذا جلد الميتة غيرهما فيحرم لبسه في حال الاختيار - في الأصح - لنجاسة عينه، مع ما عليه من التعبد باجتناب النجس لإقامة العبادة.
اه.
(وقوله: بلا ضرورة) متعلق بيجوز المقدر، واحترز به عما إذا وجدت ضرورة، كخوف على نحو عضو من نحو شدة برد، وكفجأة حرب ولم يجد ما يقوم مقامه، فيجوز لبسه وإلباسه، كأكل الميتة للمضطر.
(قوله: كافتراش جلد سبع) الكاف للتنظير في عدم الجواز، لكن قيده في التحفة بما إذا كان به شعر.
وعبارتها: ويحرم نحو جلوس على جلد سبع كنمر وفهد به شعر، وإن جعل إلى الأرض - على الأوجه - لأنه من شأن المتكبرين.
اه.
ويؤخذ من العلة أن الحرمة لا من جهة النجاسة، فلا ينافي حينئذ ما مر عنه قريبا من أن افتراش
جلد الكلب والخنزير لا يحرم.
(قوله: وله إطعام ميتة) أي يجوز للشخص إطعام ميتة.
(وقوله: لنحو طير) أي من كل حيوان طاهر أو نجس، ككلب، وخنزير.
(قوله: لا كافر) أي لا يجوز
ومتنجس لدابة، ويحل مع الكراهة، استعمال العاج في الرأس واللحية حيث لا رطوبة، وإسراج بمتنجس بغير مغلظ إلا في مسجد، وإن قل دخانه - خلافا لجمع -.
وتسميد أرض بنجس، لا اقتناء كلب - إلا لصيد أو حفظ
إطعامها لكافر، أي وصبي غير مميز، كما لا يجوز إطعامها للمسلم وللصبي المميز.
ولو قال لآدمي ولو كافرا لكان أولى.
(قوله: ومتنجس لدابة) أي ويجوز إطعام طعام متنجس ولو بمغلظ لدابة.
ولو جمع بين هذا وما قبله وقال: وله إطعام ميتة ومتنجس لدابة لكان أخصر وأولى، لإيهام عبارته أن نحو الطير ليس من الدواب، وليس كذلك، ويدل له قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء) * قال المفسرون: الدابة كل ما دب على الأرض من الحيوان، وكما يجوز إطعام الدواب ذلك يجوز إسقاؤها الماء المتنجس.
(قوله: ويحل مع الكراهة استعمال العاج) عبارة الروض وشرحه: ولو كان النجس مشط عاج جافا فإنه يحرم استعماله.
والتصريح بهذا من زيادته على الروض أخذه من كلام الرافعي في الكلام على وصل الشعر، ومن كلام الأسنوي هنا، فإنه رد به قول النووي في مجموعه المشهور للأصحاب أن استعمال العاج في الرأس واللحية حيث لا رطوبة يكره، ولا يحرم، فقال: وما قاله غريب ووهم عجيب، فإن هذا التفصيل إنما ذكره الأصحاب في وضع الشئ في الإناء منه - أي العاج - فالتبس عليه ذلك بالاستعمال في البدن.
اه.
وما قال هو الغريب، والوهم العجيب، فقد نص على التفصيل المذكور في المشط والإناء: الشافعي في البويطي، وجزم به جمع منهم القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو علي الطبري، والماوردي، وكأنهم استثنوا العاج لشدة جفافه مع ظهور رونقه.
اه.
قال ع ش: وينبغي جواز حمله لقصد استعماله عند الاحتياج إليه، ومعلوم أن محل ذلك في غير الصلاة ونحوها، أما فيهما فلا يجوز، لوجوب اجتناب النجاسة فيهما في الثوب والبدن والمكان.
اه.
وفي المصباح: والعاج أنياب الفيل، قال الليث: ولا يسمى غير الناب عاجا، والعاج ظهر السلحفاة البحرية.
وعليه يحمل أنه كان لفاطمة - رضي الله عنها - سوار من عاج.
ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة، لأن أنيابها ميتة، بخلاف السلحفاة.
والحديث حجة لمن يقول بالطهارة.
اه.
(قوله: في الرأس واللحية) يفيد أنه لو استعمله في غيرهما من بقية البدن حرم.
(قوله: حيث لا رطوبة) ظرف متعلق بيحل، أي يحل ذلك حيث لا رطوبة موجودة، أي في الرأس واللحية أو في العاج.
فإن وجدت الرطوبة حرم، لتلطخ الرأس واللحية حينئذ بالنجاسة، وهو حرام.
(قوله: وإسراج بمتنجس) معطوف على استعمال العاج، أي ويحل مع الكراهة إسراج بمتنجس، لأنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الفأرة تقع في السمن الذائب، فقال: استصبحوا به أو قال: انتفعوا به.
رواه الطحاوي ووثق رواته.
وحينئذ يجوز إصلاح
الفتيلة بإصبعه، ويعفى عما أصابه منه لقتله.
(قوله: بغير مغلظ) متعلق بمتنجس، أي بدهن متنجس بنجاسة غير مغلظة، وهي نجاسة الكلب والخنزير.
فإن كان متنجسا به لا يحل الإسراج به لغلظ نجاسته، ويحل الإسراج أيضا بدهن نجس، كدهن الميتة - غير دهن الكلب والخنزير - أما هو فلا يحل لغلظه.
(قوله: إلا في مسجد) أي إلا الإسراج به في مسجد، فإنه يحرم مطلقا، انفصل منه دخان مؤثر في نحو حيطانه ولو قليلا أم لا، لحرمة إدخال النجاسة فيه لشرفه.
نعم، إن لم يوجد ما يوقد به غيره، واضطر إليه.
اتجه جوازه للضرورة بشرط من تلويث المسجد به.
ومثل المسجد الموقوف، فيحرم الإسراج فيه بالنجس، بشرط تلويثه به، فإن لم يحصل منه تلويث جاز، وأما ملك الغير، كالدار المستأجرة والمعارة، إن أدى الإسراج به إلى تنجس شئ منه بما لا يعفى عنه، أو بما ينقص قيمته أو أجرته بأن طال زمنه بحيث يعلق الدخان بالسقف أو الجدران حرم، وإلا فلا يحرم.
ويجوز تنجيسه بما جرت العادة به كتربية الدجاج، والحمام، ونحو ذلك، وكذا الموقوف.
(قوله: وإن قل دخانه) غاية في حرمة الإسراج بالمتنجس في المسجد.
(قوله: خلافا لجمع) أي قالوا بعدم حرمة الإسراج به في المسجد، وعللوا ذلك بقلة الدخان.
(قوله: وتسميد أرض) بالرفع.
معطوف على استعمال العاج أيضا، أي ويحل مع الكراهة تسميد أرض، أي جعل سماد أي سرجين بها، للحاجة إليه.
(وقوله: بنجس) متعلق بتسميد، ولا حاجة إليه، لأنه مستفاد من لفظ تسميد، هكذا في شرح الروض والفتح.
ثم رأيت في المصباح: أن السماد ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين، وعليه: فيكون قوله بنجس قيدا لإخراج التراب، فإنه لا كراهة فيه.
وعبارته: السماد، وزان سلام، ما يصلح به الزرع من تراب وسرجين.
وسمدت الأرض تسميدا: أصلحتها بالسماد.
اه.
(قوله: مال - ويكره - ولو لامرأة - تزيين غير الكعبة، كمشهد صالح بغير حرير، ويحرم به.
(وتعمم) لخبر: إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة، ويسن لسائر الصلوات.
وورد في حديث ضعيف ما يدل على أفضلية كبرها.
وينبغي ضبط طولها وعرضها بما يليق بلابسها عادة، في زمانه، فإن زاد فيها على ذلك كره، وتنخرم مروأة فقيه بلبس عمامة سوقي لا تليق به، وعكسه.
قال الحفاظ: لم يتحرر شئ في طول عمامته (ص)
لا اقتناء كلب) أي لا يحل اقتناؤه.
(وقوله: إلا لصيد أو حفظ مال) أي فيحل، وذلك لما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: من اقتنى كلبا، إلا كلب ماشية أو ضاربا، نقص من أجره كل يوم قيراطان.
وفي رواية عن ابن عمر أنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: من اتخذ كلبا، إلا كلب زرع، أو غنم، أو صيد، ينقص من أجره كل يوم قيراط.
(قوله: ويكره ولو لامرأة الخ) المناسب تقديم هذا على قوله: ويجوز لبس الثوب المصبوغ.
إلخ.
(قوله: غير الكعبة) أما هي، فيحل تزيينها حتى بالحرير إن خلا عن نقد، ومثلها قبره - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء، لفعل السلف والخلف.
(قوله: كمشهد صالح) أي كقبره، وهو تمثيل لغير الكعبة.
وفي ع ش ما نصه: قال سم على منهج: اعتمد م ر أن ستر توابيت الصبيان والنساء والمجانين وقبورهم بالحرير جائز كالتكفين، بل أولى، بخلاف توابيت الصالحين من الذكور البالغين العاقلين، فإنه يحرم سترها بالحرير.
ثم قال: ثم وقع
منه الميل لحرمة ستر قبور النساء بالحرير، ووافق على جواز تغطية محارة المرأة.
(فرع) هل يجوز الدخول بين ستر الكعبة وجدارها لنحو الدعاء؟ لا يبعد جواز ذلك، لأنه ليس استعمالا، وهو دخول لحاجة.
وهل يجوز الالتصاق لسترها من خارج في نحو الملتزم؟ فيه نظر، فليحرر.
اه.
وقوله: وهو دخول لحاجة (أقول): قد تمنع الحاجة فيما ذكر، ويقال بالحرمة، لأن الدعاء ليس خاصا بدخوله تحت سترها، ويفرق بين هذا وبين جواز الالتصاق لسترها من خارج في نحو الملتزم، بأن الملتزم ونحوه مطلوب فيه أدعية مخصوصة.
وقوله: فيه نظر فليحرر - الظاهر الجواز.
اه.
بتصرف.
(قوله: بغير حرير) متعلق بتزيين.
(قوله: ويحرم) أي التزيين.
(وقوله: به) أي بالحرير.
زاد في النهاية: والصور، وعلل الحرمة بعموم الأخبار.
(قوله: وتعمم) معطوف على غسل، أي وسن لمريدها تعمم.
(قوله: لخبر: إن الله وملائكته إلخ) أي ولخبر: صلاة بعمامة أفضل من خمس وعشرين بغير عمامة، وجمعة بعمامة أفضل من سبعين بغير عمامة وعن علي - رضي الله عنه -: العمائم تيجان العرب.
وكانت عمائم الملائكة يوم بدر بيضاء، ويوم حنين حمراء.
(قوله: ويسن) أي التعميم.
وعبارة التحفة: وتسن العمامة للصلاة، ولقصد التجمل، للأحاديث الكثيرة فيها، واشتداد ضعف كثير منها يجبره كثرة طرقها، وزعم وضع كثير منها تساهل، كما هو عادة ابن الجوزي هنا، والحاكم في التصحيح - ألا ترى إلى حديث: اعتموا تزدادوا حلما.
حيث حكم ابن الجوزي بوضعه، والحاكم بصحته، استرواحا منهما على عادتهما؟ وتحصل السنة بكونها على الرأس أو نحو قلنسوة تحتها.
اه.
(قوله: وورد في حديث ضعيف الخ) قال في التحفة: لكنه شديد الضعف، وهو وحده لا يحتج به ولا في فضائل الأعمال.
اه.
(قوله: وينبغي ضبط طولها وعرضها الخ) هذا تقييد لما يدل عليه الحديث الصحيح من أفضلية كبرها، فكأنه قال: محله إن كان الكبر يليق به، وإلا فليفعل اللائق به.
قال ابن القيم: لم تكن عمامته - صلى الله عليه وسلم - كبيرة يؤذي الرأس حملها، ولا صغيرة تقصر عن وقاية الرأس من نحو حر أو برد، بل كانت وسطا بين ذلك، وخير الأمور الوسط.
اه.
(قوله: فإن زاد فيها) أي العمامة على ذلك، أي على ما يليق به.
(قوله: كره) أي الزائد.
وفي فتاوى ابن حجر ما نصه: (سئل) هل العمامة الكبيرة والتي بلا عذبة مكروهة أو لا؟ (فأجاب): إن كان كبرها لعذر، كبرد ونحوه، أو لكون كبرها من شعار علماء تلك الناحية وهو منهم، ولا يعرف ويقتدى بقوله ويمتثل أمره إلا إن كان عليه شعارهم، فلا كراهة في كبرها، بل هو حينئذ بقصد العذر سنة أو واجب، لأن التوقي عن الآفات والمهالك مندوب، بل واجب إن انحصر ذلك التوقي في شئ بعينه، ولأن اتخاذ شعار العلماء لمن هو منهم وتوقفت معرفة كونه منهم على ذلك سنة مؤكدة، لأنا مأمورون بنشر العلم، وهداية الضالين، وإرشاد المسترشدين الخ.
اه.
(قوله: وتنحرم مروءة فقيه بلبس عمامة سوقي لا تليق إلخ) ومثل العمامة غيرها من سائر الثياب، فتنخرم مروءة فقيه يلبس ثياب سوقي، وكذا عكسه.
وكتب ع ش على قول م ر: نعم، ما صار شعارا للعلماء يندب لهم لبسه ليعرفوا ما
وعرضها.
قال الشيخان: من تعمم فله فعل العذبة، وتركها، ولا كراهة في واحد منهما.
زاد النووي: لانه لم يصح في النهي عن ترك العذبة شئ.
انتهى.
لكن قد ورد في العذبة أحاديث صحيحة وحسنة، وقد صرحوا بأن أصلها سنة.
قال شيخنا: وإرسالها بين الكتفين أفضل منه على الايمن.
ولا أصل في اختيار إرسالها على الايسر.
وأقل ما ورد في طولها أربعة أصابع، وأكثره ذراع.
قال ابن الحاج المالكي: عليك أن تتعمم قائما، وتتسرول قاعدا.
قال في المجموع: ويكره أن يمشي في نعل واحدة، ولبسها قائما، وتعليق جرس فيها.
نصه، أي ويحرم على غيرهم التشبيه بهم فيه ليلحقوا بهم.
وعبارة طب في ليلة النصف.
وبحث الزركشي أنه يحرم على غير الصالح التزيي به إن غر به غيره حتى يظن صلاحه فيعطيه، قال بعضهم: وهو ظاهر، إن قصد به هذا التغرير.
فليتأمل.
ومثله من تزيا بزي العالم، وقد كثر في زماننا.
اه.
(قوله: قال الحفاظ: لم يتحرر إلخ) قال حجر: وما وقع للطبري من أن طولها نحو سبعة أذرع، ولغيره أن طولها سبعة أذرع في عرض ذراع، لا أصل له، لكن ذكر النووي أنه كان له - صلى الله عليه وسلم - عمامة قصيرة، وكانت ستة أذرع، وعمامة طويلة وكانت اثني عشر ذراعا.
ولا يسن تحنيك العمامة عند الشافعية، وهو تحديق الرقبة وما تحت الحنك واللحية ببعض العمامة.
واختار بعض الحفاظ ما عليه كثيرون، أنه يسن.
وأطالوا في الاستدلال له بما رد عليهم.
(قوله: فعل العذبة) هي اسم لقطعة من القماش تغرز في مؤخر العمامة.
وينبغي أن يقوم مقامها إرخاء جزء من طرف العمامة من محلها.
اه.
ع ش.
(قوله: وتركها) أي وله ترك العذبة.
(قوله: لا كراهة في واحد منهما) أي الفعل والترك.
(قوله: زاد النووي) أي علة عدم الكراهة، وهي لأنه الخ.
(قوله: لكن قد ورد الخ) استدراك مما يفيده قول الشيخين فله فعل.
إلخ.
من أن ذلك جائز جوازا مستوي الطرفين.
وأفاد به أن المراد بالجواز ما يشمل الندب.
وعبارة التحفة: وجاء في العذبة أحاديث كثيرة، منها صحيح، ومنها حسن، ناصة على فعله - صلى الله عليه وسلم - لها لنفسه ولجماعة من أصحابه وعلى أمره بها، ولأجل هذا تعين تأويل قول الشيخين وغيرهما من تعمم فله إلخ: بأن المراد من فعل العذبة الجواز الشامل للندب.
وتركه - صلى الله عليه وسلم - لها في بعض الأحيان إنما يدل على عدم وجوبها، أو عدم تأكد ندبها.
اه.
(وقوله: أحاديث صحيحة) منها ما روي عن نافع ابن عمر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه.
أي إذا لف عمامته على رأسه أرخى طرفها بين كتفيه.
قال بعضهم: وكأن حكمة سنها: ما فيها من تحسين الهيئة.
(قوله: وقد صرحوا) أي الفقهاء.
(وقوله: بأن أصلها) أي العذبة، بقطع النظر عن كيفية إرسالها، هل من جهة اليمين أو اليسار أو بين الكتفين؟ وهذا يفيد أنه لم يرد في كيفية إرسالها شئ.
وفي التحفة خلافه، وعبارتها: وقد استدلوا بكونه - صلى الله عليه وسلم - أرسلها بين الكتفين تارة، وإلى الجانب الأيمن أخرى، على أن كلا منهما سنة، وهذا تصريح منهم بأن أصلها سنة، لأن السنية في إرسالها إذا أخذت من فعله - صلى الله عليه وسلم - له، فأولى أن تؤخذ سنية أصلها من فعله لها، وأمره بهذا متكررا.
اه.
(قوله:
وإرسالها) أي العذبة.
(وقوله: أفضل) أي لأن حديث الأول أصح.
(وقوله: منه) أي من إرسالها.
(وقوله: على الأيمن) أي الجانب الأيمن.
(قوله: ولا أصل في اختيار الخ) أي ولا دليل على اختيار إرسال العذبة على الشق الأيسر.
قال في التحفة: وأما إرسال الصوفية لها من الجانب الأيسر لكونه جانب القلب، فتذكر تفريغه مما سوى ربه، فهو شئ استحسنوه والظن بهم أنهم لم يبلغهم في ذلك سنة، فكانوا معذورين.
وأما بعد أن بلغتهم السنة فلا عذر لهم في مخالفتها.
اه.
(قوله: وأقل ما ورد في طولها) أي العذبة.
قال في النهاية: ويحرم إطالتها طولا فاحشا.
اه.
وقيد في التحفة حرمة إفحاش الطول بما إذا قصد الخيلاء، وقال: فإن لم يقصد كره.
(قوله: عليك إلخ) هو إسم فعل بمعنى الزم، والمصدر المؤول مفعوله، أي الزم التعمم قائما، والتسرول قاعدا.
ومما ينسب لسيدنا علي - رضي الله عنه -: ما تسبتسمكت قط، ولا تر بعلبنت قط، ولا تعمقعددت قط، ولا تسرولقمت قط.
أي ما أكلت السمك يوم السبت قط، ولا شربت اللبن يوم الأربعاء قط، ولا تعممت قاعدا قط، ولا تسرولت قائما قط.
(قوله: ويكره أن يمشي في نعل واحدة) أي أو نحوها، كخف واحد.
وذلك لخبر الصحيحين: لا يمشي أحدكم في النعل الواحدة، لينعلهما جميعا، أو ليخلعهما جميعا.
وفي رواية لمسلم: إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها.
والمعنى فيه
ولمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله تعالى فيه.
(وتطيب) لغير صائم - على الاوجه - لما في الخبر الصحيح: أن الجمع بين الغسل، ولبس الاحسن، والتطيب، والانصات، وترك التخطي، يكفر ما بين الجمعتين.
والتطيب بالمسك أفضل، ولا تسن الصلاة عليه (ص) عند شمه، بل حسن الاستغفار عنده - كما قال شيخنا -، وندب تزين بإزالة ظفر من يديه، ورجليه، لا إحداهما، فيكره.
وشعر نحو إبطه وعانته لغير مريد التضحية في عشر ذي الحجة، وذلك للاتباع.
وبقص شاربه حتى تبدو حمرة الشفة وإزالة ريح كريه، ووسخ.
أن مشيه يختل بذلك، وقيل: لما فيه من ترك العدل بين الرجلين، والعدل مأمور به.
وقيس بالنعل نحوها.
اه.
شرح الروض.
(قوله: ولبسها قائما) أي ويكره لبسها قائما للنهي الصحيح عنه، خوف انقلابه.
ويؤخذ منه أن المداس المعروفة الآن ونحوها لا يكره فيها ذلك، إذ لا يخاف منه انقلاب.
ويسن أن يبدأ بيمينه لبسا.
ويساره خلعا، وأن يخلع نحو نعليه إذا جلس، وأن يجعلهما وراءه أو بجنبه، إلا لعذر، كخوف عليهما، وذلك لخبر ابن عباس - رضي الله عنهما -: من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيجعلهما لجنبه.
رواه أبو داود بإسناد حسن.
(قوله: وتعليق جرس فيها) أي ويكره تعليق جرس في النعل، أي ولو كان النعل لدفع الهوام.
كما يكره استصحابه مطلقا، لما ورد إن ملائكة الرحمة لا تصحب من كان معه ذلك، فإن كان مع غيره، وعجز عن إزالته، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما فعل هؤلاء، فلا تحرمني صحبة ملائكتك، وبركتهم.
لم يحرمهما.
وكذا من أنكر بقلبه عند عدم تمكنه من القول.
كما استظهره العلامة ابن حجر.
(قوله: ولمن قعد في مكان إلخ) أي ويكره لمن قعد في مكان أن يفارقه قبل أن يذكر الله فيه، لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا
قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة.
وعنه أيضا، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: من قعد مقعدا لم يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله ترة.
وهي بكسر التاء وتخفيف الراء.
ومعناه نقص، وقيل: تبعة، وقيل: حسرة.
وعنه أيضا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى ولم يصلوا على نبيهم فيه إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم.
وعنه أيضا، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك.
وفي حلية الأولياء، عن علي - رضي الله عنه - قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليقل في آخر مجلسه، أو حين يقوم: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
(قوله: وتطيب) معطوف على غسل، أي وسن لمريد الجمعة تطيب، أي استعمال الطيب.
(قوله: لغير صائم) أي غير محرم.
أما الأول فيكره له استعمال الطيب.
وأما الثاني فيحرم.
وهذا التفصيل في حق الذكر.
وأما المرأة والخنثى فيكره لهما الطيب عند إرادتهما حضور الجمعة مطلقا، كما يكره لهما الزينة ومفاخر الثياب عندما ذكر.
نعم، يسن لهما قطع الرائحة الكريهة.
(قوله: لما في الخبر الصحيح) أي ولقول الشافعي - رضي الله عنه - الآتي: (قوله: والتطيب بالمسك أفضل) قال في الفتح: وأفضل منه المخلوط بماء الورد.
(قوله: وندب تزين بإزالة ظفر إلخ) للأخبار الآتية.
(قوله: لا إحداهما) أي لا يندب التزين بإزالة ظفر من إحداهما.
(قوله: فيكره) جواب شرط مقدر، أي أما التزين بإزالة الظفر من إحداهما فيكره، إن لم يكن هناك عذر.
(قوله: وشعر نحو إبطه) معطوف على ظفر، أي وندب تزين بإزالة شعر نحو إبطه.
والمراد بنحو ذلك: ما عدا الرأس - كأنفه - أما هو فلا يندب إزالة شعرة إلا في النسك، وفي المولود في سابع ولادته، وفي الكافر إذا أسلم وأما في غير ذلك فهو مباح، إلا إن تأذى ببقاء شعره، أو شق عليه تعهده، فيندب.
قال ع ش: وكذا يندب إذا صار تركه مخلا بالمروءة.
وينبغي له إذا أراد الجمع بين الحلق والغسل يوم الجمعة، أن يؤخر الحلق عن الغسل إذا كان عليه جنابة ليزيل الغسل أثرها عن الشعر.
اه.
(قوله: وعانته) إن جعلت اسما للنابت - كما هو الأشهر - فهي معطوفة على شعر، وإن جعلت اسما للمنبت فهي معطوفة على نحو إبطه.
وعلى كل، هو من عطف الخاص على العام.
(قوله: لغير مريد التضحية) متعلق بندب، أي ندب التزين لغير مريد التضحية.
(وقوله: في عشر ذي والمعتمد في كيفية تقليم اليدين: أن يبتدئ بمسبحة يمينه إلى خنصرها، ثم إبهامها، ثم خنصر يسارها إلى إبهامها على التوالي، والرجلين: أن يبتدئ بخنصر اليمنى إلى خنصر اليسرى على التوالي، وينبغي البدار بغسل محل القلم، ويسن فعل ذلك يوم الخميس أو بكرة الجمعة.
وكره المحب الطبري نتف شعر الانف، قال: بل يقصه، لحديث فيه.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد
الحجة) ظاهر صنيعه انه متعلق بمريد، وهو لا يصح، كما هو ظاهر، فيتعين أن يكون متعلقا بمحذوف، هو مفهوم قوله
لغير مريد التضحية أي أما هو، فيكره له التزين بذلك في عشر ذي الحجة.
ويدل على ذلك تصريحه به في مبحث الأضحية، وعبارته هناك: وكره لمريدها إزالة نحو شعره في عشر ذي الحجة، وأيام التشريق حتى يضحي.
اه.
ولو صرح به هنا لكان أولى.
(قوله: وذلك) أي ندب التزين بما ذكر، للاتباع، والأولى تأخيره عن قوله بعده وبقص إلخ، ليكون دليلا له أيضا.
(قوله: وبقص شاربه) معطوف على بإزالة، أي وندب تزين بقص شاربه، وهو المراد بالإحفاء المأمور به في خبر الصحيحين، ويكره استئصاله وحلقه.
(قوله: وإزالة ريح كريه) بالرفع معطوف على تزين، أي وندب إزالة إلخ.
وبالجر، معطوف على إزالة، أي وندب تزين بإزالة ريح كريه، أي بالماء أو غيره.
(قوله: والمعتمد في كيفية تقليم إلخ) يعني أن المعتمد في إزالة الأظفار مخالفتها، لما روي: من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينه رمدا.
(وقوله: أن يبتدئ بمسبحة يمينه إلخ) وقيل يبدأ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإبهام، ثم البنصر، ثم السبابة، ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة، ثم البنصر.
(قوله: والرجلين) معطوف على اليدين، أي والمعتمد في كيفية تقليم الرجلين.
(قوله: وينبغي البدار بغسل محل القلم) وذلك لأن الحك به قبل الغسل يخشى منه البرص.
(قوله: ويسن فعل ذلك) أي التزين بما ذكر.
والأولى، ويسن ذلك، بحذف لفظ: فعل.
(وقوله: يوم الخميس أو بكرة الجمعة) أي لورود كل.
قال السيوطي في رسالته المسماة (بالإسفار عن قلم الأظفار) ما نصه: أخرج البزار والطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة.
وأخرج الطبراني عن عائشة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من قلم أظفاره يوم الجمعة وقي من السوء في مثلها وأخرج البيهقي في سننه، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقلم أظفاره، ويقص شاربه في كل جمعة.
وأخرج عبد الرازق عن سفيان الثوري أنه كان يقلم أظفاره يوم الخميس، فقيل له غدا يوم الجمعة.
فقال: السنة لا تؤخر.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي هريرة مرفوعا: من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى، والبرص، والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر.
اه.
وفي النهاية: قال في الأنوار: ويستحب قلم الأظفار في كل عشرة أيام، وحلق العانة كل أربعين يوما.
وهذا جري على الغالب.
والمعتبر في ذلك أنه مؤقت بطولها عادة.
ويختلف حينئذ باختلاف الأشخاص والأحوال.
اه.
قال ابن حجر: وقد اشتهر على ألسنة الناس في ذلك وأيامه أشعار منسوبة لبعض الأئمة، وكلها زور وكذب.
اه.
وقوله: أشعار، منها قول بعضهم: في قص الأظفار يوم السبت آكلة * * تبدو، وفيما يليه تذهب البركه
وعالم فاضل يبدو بتلوهما * * وإن يكن بالثلاثا فاحذر الهلكه ويورث السوء في الأخلاق رابعها * * وفي الخميس غنى يأتي لمن سلكه والعلم والحلم زيدا في عروبتها * * عن النبي روينا فاقتفوا نسكه (قوله: وكره المحب الطبري نتف إلخ) عبارة ع ش: وكره المحب الطبري نتف الأنف.
قال: بل يقصه، لحديث فيه، قيل: بل في حديث: إن في بقائه أمانا من الجذام.
اه.
وينبغي أن محله: ما لم يحصل منه تشويه، وإلا فيندب قصه.
اه.
(قوله: قال الشافعي الخ) المناسب تقديم هذا وذكره بعد قوله وتطيب، أو بعد قوله كإزالة ريح كريه ووسخ، أو تأخير قوله وإزالة إلخ وتقديم قوله والمعتمد في كيفية تقليم إلى قوله لحديث فيه عليه.
(وقوله: قل همه) الفرق بين
عقله.
(و) سن (إنصات) أي سكوت مع إصغاء (لخطبة)، ويسن ذلك، وإن لم يسمع الخطبة، نعم، الاولى - لغير السامع - أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا، ويكره الكلام، ولا يحرم، خلافا للائمة الثلاثة: حالة الخطبة،
الهم والغم، كما قاله الحليمي: أن الهم ينشأ عنه النوم، والغم ينشأ عنه عدمه.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وسن إنصات) أي على الجديد، والقديم يوجبه، ويحرم الكلام.
ومحل الخلاف: في كلام لا يتعلق به غرض مهدم ناجز، فإن تعلق به ذلك - كما لو رأى أعمى يقع في بئر - لم يكن حراما قطعا، بل قد يجب عليه ذلك، لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت عن الكلام.
(قوله: أي سكوت مع إصغاء) تفسير للإنصات، والإصغاء هو إلقاء السمع إلى الخطيب، فإذا انفك السكوت عن الإصغاء فلا يسمى إنصاتا.
(قوله: الخطبة) متعلق بإنصات، أي وسن إنصات لخطبة، لقوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن) * أي الخطبة * (فاستمعوا له وأنصتوا) *.
(قوله: ويسن ذلك) أي الإنصات.
والأولى والأخصر حذف هذا، والاقتصار على الغاية بعده.
(قوله: وإن لم يسمع الخطبة) غاية في السنية، وأفهمت أن ندب الإنصات لا يختص بالأربعين، بل سائر الحاضرين فيه سواء.
قال الكردي: قال في الإيعاب تجويز الكلام هنا لا ينافي ما مر من وجوب استماع أربعين للخطبة، وأن ذلك شرط لصحة الصلاة، وبيانه: أن الواجب إنما هو استماع الأركان فقط، فلو تكلم الكل إلا في الأركان جاز عندنا، وإن تكلم واحد من الأربعين بحيث انتفى سماعه لبعض الأركان أثم، لا من حيث الكلام، بل من حيث تفويته الشرط الذي هو سماع كل الأركان إلخ.
وسبق عن م ر إن الشرط إنما هو السماع بالقوة، لا بالفعل.
اه.
(قوله: نعم، إلخ) إلخ.
وسبق عن م ر أن الشرط إنما هو السماع بالقوة، لا بالفعل.
اه.
(قوله: نعم، الخ) إستدراك من سنية الإنصات بالنسبة لأحد شقي الغاية المفهمة أن غير الإنصات لا يسن، وأفاد به أن هذا المفهوم ليس مرادا، بل الأولى له في هذه الحالة ما ذكره.
(قوله: أن يشتغل بالتلاوة والذكر) قال ع ش: بل ينبغي أن يقال أن الأفضل له
اشتغاله بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدما على التلاوة، لغير سورة الكهف، والذكر، لأنها شعار اليوم.
اه.
(قوله: سرا) أي بحيث لا يشوش على الحاضرين.
(قوله: ويكره الكلام) أي الظاهر الآية السابقة، وخبر مسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت - يوم الجمعة - والإمام يخطب، فقد لغوت.
(قوله: ولا يحرم) أي الكلام، للأخبار الدالة على جوازه، كخبر الصحيحين.
عن أنس - رضي الله عنه -: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم جمعة قام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا.
فرفع يديه ودعا.
وخبر البيهقي بسند صحيح، عن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا دخل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقال: متى الساعة؟ فأومأ الناس إليه بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فقاله له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله.
قال: إنك مع من أحببت.
وجه الدلالة أنه عليه السلام لم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجوب السكوت.
وبه يعلم أن الأمر للندب في: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * 1 بناء على أنه الخطبة، وأن المراد باللغو في خبر مسلم: إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت، مخالفة السنة.
(قوله: خلافا للأئمة الثلاثة) أي حيث قالوا بحرمته.
(فائدة) لو كلم شافعي مالكيا وقت الخطبة، فهل يحرم عليه، كما لو لعب الشافعي مع الحنفي الشطرنج لإعانته له على المعصية أو لا؟ الأقرب عدم الحرمة.
ويفرق بينهما بأن لعب الشطرنج لما لم يتأت إلا منهما كان الشافعي كالملجئ له، بخلافه في مسألتنا، فإنه حيث أجابه المالكي وتكلم معه كان باختياره لتمكنه من أنه لا يجيبه.
ويؤخذ منه أنه لو كان إذا لم يجبه لحصل له منه ضرر، لكون الشافعي المكلم أميرا أو ذا سطوة، يحرم عليه، لكن لا من جهة الكلام، بل من جهة الإكراه على المعصية.
اه.
ع ش.
(قوله: حالة الخطبة) متعلق بيكره.
والمراد حال ذكر أركانها، بدليل قوله بعد: ولا حال الدعاء للملوك.
(قوله:
لاقبلها، ولو بعد الجلوس على المنبر، ولا بعدها، ولا بين الخطبتين، ولا حال الدعاء للمملوك، ولا لداخل مسجد، إلا إن اتخذ له مكانا واستقر فيه.
ويكره للداخل السلام، وإن لم يأخذ لنفسه مكانا، لاشتغال المسلم عليهم، فإن سلم لزمهم الرد، ويسن تشميت العاطس، والرد عليه، ورفع الصوت - من غير مبالغة - بالصلاة والسلام عليه (ص) عند ذكر الخطيب اسمه أو وصفه (ص).
قال شيخنا: ولا يبعد ندب الترضي عن الصحابة، بلا
لا قبلها الخ) أي لا يكره الكلام قبل الخطبة.
قال في النهاية: لأنه قبل ذلك يحتاج إلى الكلام غالبا.
(قوله: ولو بعد الجلوس على المنبر) غاية في عدم الكراهة قبلها.
قال البجيرمي: وهذا بخلاف الصلاة، فإنها تحرم بمجرد جلوسه على المنبر، وإن لم يشرع في الخطبة، وإن علم أنه يفرغ من الصلاة ويدرك أول الخطبة.
كما اعتمده م ر.
اه.
والفرق أن قطع الكلام هين، بخلاف الصلاة.
(قوله: ولا بعدها) أي ولا يكره الكلام بعدها، أي بعد تمام الخطبة.
(قوله: ولا بين الخطبتين) أي ولا يكره بين الخطبتين.
(قوله: ولا حال الدعاء للملوك) أي ولا يكره حال الدعاء للملوك، أي لأنه ليس
من الأركان.
ومثل الدعاء لهم: الترضي عن الصحابة.
(قوله: ولا لداخل مسجد الخ) أي ولا يكره الكلام لداخل المسجد في أثناء الخطبة إلا إن اتخذ له مكانا واستقر فيه جلس أولا فإنه يكره.
وعبارة الروض وشرحه: ويباح الكلام للداخل في أثنائها ما لم يجلس، يعني ما لم يتخذ له مكانا ويستقر فيه، والتقييد بالجلوس جري على الغالب.
اه.
(قوله: ويكره للداخل السلام) أي على المستمع.
قال ع ش: ومثله الخطيب.
وينبغي أن لا يعد نسيانه لما هو فيه عذرا في وجوب الرد عليه.
اه.
ويستثنى الخطيب، فلا يكره له السلام.
(قوله: وإن لم يأخذ لنفسه مكانا) غاية في الكراهة.
(قوله: لاشتغال إلخ) علة للكراهة، والاشتغال يكون بالاستماع للخطبة إن كان المسلم عليه من السامعين، وبقراءة الخطبة إن كان هو الخطيب.
(وقوله: المسلم عليهم) يقرأ بصيغة المبني للمفعول، والجار والمجرور نائب فاعله.
(قوله: فإن سلم) أي الداخل.
(قوله: لزمهم الرد) أي وإن كره السلام، لأن كراهته ليست ذاتية، بخلافه على نحو قاضي الحاجة، فإن الكراهة فيه ذاتية.
ولذلك لا يلزمه الرد.
وعبارة النهاية: وإنما لم يجب الرد على نحو قاضي الحاجة، لأن الخطاب منه ومعه سفه وقلة مروءة، فلا يلائمه الرد، بخلافه هنا، فإنه يلائمة، لأن عدم مشروعيته لعارض، لا لذاته، بخلافه ثم، فلا إشكال.
اه.
وخالف الغزالي في وجوب الرد، وعبارته: ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب، فإن سلم لم يستحق جوابا.
اه.
(قوله: ويسن تشميت العاطس) أي إذا عطس حال الخطبة.
ولسنية التشميت شروط، أن يحمد الله تعالى العاطس، وأن لا يزيد على الثلاث، وأن لا يكون بسبب.
ففي صحيح مسلم: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه.
وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم، ولا يشمت بعد ثلاث.
قال النووي في الأذكار: واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل يقال له في الثالثة إنك مزكوم.
قال: والمعنى فيه أنك لست ممن يشمت بعد هذا، لأن هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس.
اه.
وإنما لم يكره التشميت - كسائر الكلام - لأن سببه قهري.
(قوله: والرد عليه) الضمير يعود على المشمت بصيغة اسم الفاعل المفهوم من تشميت، وإن كان ظاهر صنيعه أنه يعود على العاطس، أي ويسن الرد من العاطس على المشمت بأن يقول العاطس للمشمت - بعد قوله له يرحمك الله -، يهديكم الله ويصلح بالكم.
قال النووي في الأذكار: وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح
بالكم.
أي شأنكم.
اه.
(قوله: ورفع الصوت) أي ويسن رفع الصوت حال الخطبة.
(وقوله: من غير مبالغة) أما معها فيكره.
(قوله: بالصلاة إلخ) متعلق برفع الصوت.
(قوله: عند ذكر إلخ) متعلق بيسن المقدر.
(وقوله: اسمه) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(وسئل) ابن حجر: هل يجوز للحاضرين والمؤذنين إذا سمعوا اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلوا عليه جهرا أو لا؟ (فأجاب) بقوله: أما حكم الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -، عند سماع ذكره برفع الصوت من غير مبالغة، فهو أنه جائز بلا كراهة، بل هو
رفع صوت.
وكذا التأمين لدعاء الخطيب.
اه.
وتكره تحريما - ولو لمن لم تلزمه الجمعة بعد جلوس الخطيب على المنبر: وإن لم يسمع الخطبة - صلاة فرض، ولو فائتة تذكرها الآن، وإن لزمته فورا، أو نفل، ولو في حال الدعاء للسلطان.
والاوجه أنها لا تنعقد كالصلاة بالوقت المكروه، بل أولى.
ويجب على من بصلاة تخفيفها، بأن يقتصر على أقل مجزئ عند جلوسه على المنبر.
وكره لداخل تحية فوتت تكبيرة الاحرام إن
سنة.
وعبارة العباب وشرحي له: قال النووي وغيره: ولا يكره أيضا رفع الصوت بلا مبالغة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ الخطيب: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي) * 1 الآية.
ونقل الروياني ذلك عن الأصحاب، فقال: إنه يكون كالتشميت، لأنه كلا سنة.
فقول القاضي أبي الطيب يكره لأنه يقطع الإستماع، ضعيف.
بل صوب الزركشي خلافه.
اه.
(قوله: قال شيخنا) لعله في غير التحفة وفتح الجواد والفتاوي من بقية كتبه.
نعم، العبارة التي نقلتها عن الفتاوي - عند قول الشارح: ويسن الدعاء لولاة الصحابة - فيها حكم التأمين من السامعين، وفيها حكم ترضي الخطيب عنهم.
وأما ترضي السامعين المراد هنا فلم يذكر فيها.
(قوله: ولا يبعد ندب الترضي عن الصحابة) أي ترضي السامعين عنهم عند ذكر الخطيب أسماءهم.
(قوله: بلا رفع صوت) متعلفق بندب.
أما مع رفع الصوت فلا يندب، لأن فيه تشويشا (قوله: وكذا التأمين الخ) أي وكذا لا يبعد ندب التأمين بلا رفع صوت لدعاء الخطيب.
(قوله: وتكره تحريما) أي كراهة تحريم، فهو منصوب على المفعولية المطلقة على حذف مضاف، وفيه أنه عبر في التحفة بالحرمة، ونصها: ويحرم إجماعا صلاة فرض إلخ.
اه.
وبين كراهة التحريم والحرمة فرق، وإن كان كل منهما يقتضي الإثم، وذلك الفرق هو أن كراهة التحريم: ما ثبتت بدليل يحتمل التأويل، والحرمة: ما ثبتت بدليل قطعي.
فتنبه.
(قوله: ولو لمن لم تلزمه الجمعة) أي تكره تحريما مطلقا على من لزمته الجمعة وعلى من لم تلزمه، بأن يكون عبدا أو مسافرا، أو امرأة.
لكن الكراهة محصورة فيمن لم تطلب منه تحية المسجد.
بأن كان جالسا وأراد أن يصلي: (قوله: بعد جلوس الخطيب) أما قبله - ولو بعد صعوده على المنبر - فلا يحرم.
(قوله: وإن لم يسمع الخطبة) غاية في كراهة التحريم.
وإنما كرهت تحريما على من لم يسمع لاشتغاله بصورة عبادة، ومن ثم فارقت الصلاة الكلام بأن الاشتغال به لا يعد إعراضا عنه بالكلية، وأيضا فمن شأن المصلي الإعراض عما سوى صلاته، فإنه قد يفوته بها سماع أول الخطبة، بل لو أمن فوات ذلك كان ممتنعا أيضا.
وقد يؤخذ من ذلك أن الطواف ليس كالصلاة هنا.
ويمنع من سجدة التلاوة والشكر.
اه.
نهاية.
وقوله: أن الطواف ليس كالصلاة: جزم به في التحفة.
(وقوله: ويمنع إلخ) جعلهما في التحفة كالطواف، فلا يمنع منهما، وعبارتها: لا طواف وسجدة تلاوة وشكر.
(قوله: صلاة فرض) نائب فاعل تكره.
(قوله: ولو فائتة الخ) غاية في الكراهة، أي تكره تحريما صلاة الفرض، ولو كانت فائتة تذكرها حال جلوس الخطيب على المنبر.
(قوله: وإن لزمته فورا) غاية في الفائتة، أي ولو كانت الفائتة لزمته فورا، أي لزمه قضاؤها فورا، بأن فاتته من غير عذر، فإنه يكره تحريما قضاؤها حينئذ.
قال ع ش: فلا يفعله، وإن خرج من المسجد عاد إليه بسبب فعله فيما يظهر - أخذا مما قالوه فيما لو دخل المسجد في الأوقات المكروهة بقصد التحية.
اه.
(قوله: أو نفل) بالجر، معطوف على فرض.
(قوله: ولو في حال الدعاء) غاية في الكراهة أيضا.
(والحاصل) أنها تستمر إلى فراغ الخطبة وتوابعها.
(قوله: والأوجه أنها لا تنعقد) عبارة المغنى: وإذا حرمت لم تنعقد - كما قاله البلقيني - لأن الوقت ليس لها، وكالصلاة في الأوقات الخمسة المكروهة، بل أولى، للإجماع على تحريمها هنا، كما مر بخلافها ثم.
اه.
والفرق حينئذ بينها وبين الصلاة في المكان المغصوب - حيث انعقدت مع أنها تحرم -: أن النهي هنا لذات الصلاة، وهناك لأمر خارج، وهو شغل ملك الغير من غير إذنه.
(قوله: كالصلاة بالوقت المكروه) أي فإنها لا تنعقد فيه.
(وقوله: بل أولى) أي بل عدم انعقادها بعد جلوس الخطيب على المنبر أولى من عدم انعقادها فيه، وذلك لإعراضه عما هو مأمور به، وهو الإنصات للخطيب.
(قوله: يقتصر الخ) تصوير للتخفيف.
(وقوله: على أقل مجزئ) هو الإتيان بالواجبات فقط، كما سيصرح به قريبا.
واعتمد في النهاية أن
صلاها، إلا فلا تكره، بل تسن، لكن يلزمه تخفيفها بأن يقتصر على الواجبات - كما قاله شيخنا - وكره احتباء حالة الخطبة للنهي عنه، وكتب أوراق حالتها في آخر جمعة من رمضان، بل وإن كتب فيها نحو اسماء سريانية يجهل معنا حرم.
(و) سن (قراءة) سورة (كهف) يوم الجمعة وليلتها، لاحاديث فيها.
وقراءتها نهارا آكد،
المراد بالتخفيف ترك التطويل عرفا، وعبارتها: والمراد بالتخفيف فيما ذكر، الاقتصار على الواجبات.
قال الزركشي: لا الإسراع.
قال: ويدل له ما ذكروه أنه إذا ضاق الوقت وأراد الوضوء، اقتصر على الواجبات.
اه.
وفيه نظر.
والفرق بينه وبين ما استدل به واضح، وحينئذ فالأوجه أن المراد به ترك التطويل عرفا.
اه.
فعليه إن طول عرفا بطلت وإلا فلا.
وعلى الأول إن زاد على الواجبات بطلت، وإلا فلا.
(قوله: عند جلوسه) متعلق بتخفيفها، أو متعلق بصلة من.
(فرع) قال سم: ينبغي فيما لو ابتدأ فريضة قبل جلوس الإمام فجلس في أثنائها، أنه إن كان الباقي ركعتين جاز له فعلهما، ولزمه تخفيفهما.
أو أكثر، امتنع فعله، وعليه قطعها، أو قلبها نفلا، والاقتصار على ركعتين، مع لزوم تخفيفها.
ولو أراد بعض الجالسين فريضة ثنائية، فخرج من المسجد ثم دخله بقصد التوصل لفعل تلك الفريضة، فينبغي امتناع ذلك، كما لو
دخل المسجد وقت الكراهة بقصد التحية فقط.
اه.
(وقوله: ولو أراد الخ) تقدم عن ع ش ما يؤيده.
(قوله: وكره) أي تنزيها.
(وقوله: لداخل) أي محل الصلاة.
(وقوله: تحية) نائب فاعل كره.
(وقوله: فوتت تكبيرة الإحرام) أي غلب على ظنه ذلك، بأن دخل والصلاة قد أقيمت أو قرب قيامها، فحينئذ يتركها، ويقف حتى تقام الصلاة، ولا يقعد لئلا يجلس في المسجد قبل التحية.
(قوله: وإلا فلا تكره) أي وإن لم تفوت عليه ذلك، أي لم يغلب على ظنه ذلك، لم تكره.
(قوله: بل تسن) أي التحية بنيتها، وهو الأولى.
أو راتبة الجمعة القبلية إن لم يكن صلاها.
وحينئذ الأولى نية التحية معها، فإن أراد الاقتصار فالأولى - فيما يظهر - نية التحية، لأنها تفوت بفواتها بالكلية إذا لم تنو، بخلاف الراتبة القبلية للداخل.
فإن نوى أكثر منهما أو صلاة أخرى بقدرهما لم تنعقد.
اه.
تحفة.
(قوله: لكن يلزمه تخفيفها) وذلك لخبر مسلم: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فجلس، فقال يا سليك، قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما.
ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما.
وقوله: قم فاركع: إنما أمره بذلك لأنه جلس جاهلا بطلب التحية منه، فلم تفت بذلك.
(قوله: وكره احتباء) قال الكردي هو - كما في الإيعاب - أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو يديه أو غيرهما.
اه.
قال ابن زياد اليمني: إذا كان يعلم من نفسه عادة أن الاحتباء يزيد في نشاطه فلا بأس به.
اه.
وهو وجيه، وإن لم أره في كلامهم.
ويحمل النهي عنه والقول بكراهته على من يجلب له الفتور والنوم.
اه.
(وقوله: للنهي عنه) أي في خبر أبي داود والترمذي، عن معاذ بن أنس، قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب.
قال في شرح الروض: وحكمته - أي النهي عنها - أنه يجلب النوم، فيعرض طهارته للنقض، ويمنع الاستماع.
اه.
(قوله: وكتب أوراق حالتها) أي وكره كتب أوراق حالة الخطبة، وتسمى الحفائظ.
قال في التحفة: كتابة الحفائظ آخر جمعة من رمضان بدعة منكرة - كما قاله القمولي - لما فيها من تفويت سماع الخطبة، والوقت الشريف فيما لم يحفظ عمن يقتدي به، ومن اللفظ المجهول، وهو كعسلهون، أي وقدم جزم أئمتنا وغيرهم بحرمة كتابة وقراءة الكلمات الأعجمية التي لا يعرف معناها.
وقول بعضهم أنها حية محيطة بالعرش رأسها على ذنبها، لا يعول عليه، لأن مثل ذلك لا مدخل للرأي فيه، فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن معصوم على أنها بهذا المعنى، لا تلائم ما قبلها في الحفيظة، وهو لا آلاء إلا آلاؤك يا الله كعسلهون، بل هذا اللفظ في غاية الإيهام.
ومن ثم قيل أنها اسم صنم أدخلها ملحد على جهلة العوام، وكأن بعضهم أراد دفع ذلك الإيهام، فزاد بعد الجلالة: محيط به علمك كعسلهون، أي كإحاطة تلك الحية بالعرش، وهو غفلة عما تقرر أن هذا لا يقبل فيه إلا ما صح عن معصوم، وأقبح من
ذلك: ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخميس في هذه الجمعة عقب صلاتها، زاعمين أنها تكفر صلوات العام أو العمر المتروكة، وذلك حرام، أو كفر، لوجوه لا تخفى اه.
(قوله: بل وإن كتب فيها) أي في الأوراق.
والإضراب انتقالي.
(وقوله: نحو أسماء سريانية) اندرج تحت نحو الأسماء العبرانية ونحوها من كل ما يجهل معناه.
(وقوله: حرم)
وأولاه بعد الصبح، مسارعة للخير، وأن يكثر منها، ومن سائر القرآن فيهما.
ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيره إن حصل به تأذ لمصل أو نائم - كما صرح النووي في كتبه - وقال شيخنا في شرح العباب: ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد.
وحمل كلام النووي بالكراهة: على ما إذا خف التأذي، وعلى كون القراءة في غير المسجد، وإكثار صلاة على النبي (ص) (يومها وليلتها) للاخبار الصحيحة الآمرة بذلك، فالاكثار منها أفضل من
أي كتب ذلك، والفعل جواب إن.
(قوله: وسن قراءة سورة كهف) حكمة تخصيصها من بين سور القرآن، أن الله تعالى ذكر فيها يوم القيامة، ويوم الجمعة يشبهها، لما فيه من اجتماع الخلق، ولأن القيامة تقوم يوم الجمعة.
(قوله: يوم الجمعة وليلتها) (سئل) الشمس الرملي عمن قرأ نصف الكهف ليلا ونصفها نهارا، هل يحصل له الثواب المخصوص أو لا؟ (فأجاب) بأنه لا يحصل له الثواب المخصوص، وإنما يحصل له أصل الثواب.
اه.
من الفتاوى: (قوله: لأحاديث فيها) دليل لسنية قراءة سورة الكهف، أي وسن قراءتها لورود أحاديث فيها.
منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: من قرأها يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين.
ومنها: من قرأها ليلتها أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق.
قال الغزالي في الإحياء: وليقرأ سورة الكهف خاصة، فقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - أن من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أو يوم الجمعة، أعطي نورا من حيث يقرأها إلى مكة، وغفر له إلى يوم الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح.
وعوفي من الداء، والدبيلة، وذات الجنب، والبرص والجذام، وفتنة الدجال.
(قوله: وقراءتها) أي سورة الكهف.
(وقوله: آكد) أي من قراءتها ليلا.
(قوله: وأولاه) أي النهار.
(وقوله: بعد الصبح) متعلق بمحذوف خبر أولاه.
والمعنى: أن قراءة سورة الكهف بعد الصبح أفضل من قراءتها بقية النهار، مسارعة للخير ما أمكن.
وفي المغني: والظاهر أن المبادرة إلى قراءتها أول النهار أولى، مسارعة وأمنا من الإهمال.
وقيل: قبل طلوع الشمس.
وقيل: بعد العصر.
اه.
(قوله: وإن يكثر منها) أي ويسن أن يكثر من قراءة سورة الكهف، وأقل الإكثار ثلاث مرات، كما في حواشي المحلي، وحواشي المنهج.
(قوله: ومن سائر القرآن) أي وسن أن يكثر من سائر القرآن قال المؤلف في (إرشاد العباد) أخرج الدارمي عن مكحول: من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل.
وهو عن كعب: اقرؤا سورة هود يوم الجمعة والطبراني عن أبي أمامة: من قرأ حم الدخان في ليلة جمعة أو يوم جمعة بنى الله له بيتا في الجنة.
اه.
(وقوله: فيهما) أي في ليلة الجمعة ويومها.
(قوله: ويكره الجهر بقراءة الكهف) لم يعبر هنا بالسورة للإرشاد للرد على من شذ فكره ذكر ذلك من غير سورة.
(قوله: وغيره) الأولى
وغيرها، لأن المراد من الكهف السورة.
(قوله: إن حصل به) أي بالجهر.
وهو قيد في الكراهة.
(قوله: أو نائم) قال سم: ظاهره ولو في المسجد وقت إقامة المفروضة.
وفيه نظر، لأنه مقصر بالنوم.
اه.
(قوله: ينبغي حرمة الجهر بالقراءة في المسجد) أي بحضرة المصلين فيه.
وعبارة الشارح في (باب الصلاة): وبحث بعضهم المنع من الجهر بقرآن أو غيره بحضرة المصلي مطلقا، أي شوش عليه أولا، لأن المسجد وقف على المصلي، أي أصالة - دون الوعاظ والقراء.
اه.
(قوله: وحمل) بالبناء للفاعل، وفاعله يعود على شيخه، إن كان هذا الحمل موجودا في شرح العباب، وبالبناء للمجهول ونائب فاعله كلام النووي، إن لم يكن موجودا فيه.
فانظره.
(وقوله: بالكراهة) متعلق بكلام معنى تكلم، أي حمل تكلمه بالكراهة أي قوله بها.
(قوله: على ما إذا خف التأذى) متعلق بحمل، وهذا يخالف الإطلاق المار في العبارة المارة آنفا إن كانت الواو في قوله بعد: وعلى كون إلخ بمعنى أو - كما هو ظاهر صنيعه - فإن كانت باقية على معناها فلا مخالفة، لأنه يصير المحمول عليه مجموع شيئين: خفة التأذي، وكون القراءة في غير المسجد.
(قوله: وإكثار صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -) قال الحلبي في حواشي المنهج: قال أبو طالب المكي: أقل إكثار الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - ثلثمائة مرة.
اه.
(قوله: للأخبار الصحيحة الآمرة بذلك) منها: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي.
وخبر: أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فأكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا.
وفي الإحياء ما نصه: يستحب أن يكثر الصلاة على
إكثار ذكر لم يرد بخصوصه.
قاله شيخنا.
(ودعاء) في يومها، رجاء أن يصادف ساعة الاجابة، وأرجاها، من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة.
وهي لحظة لطيفة.
وصح أنها آخر ساعة بعد العصر، وفي ليلتها لما جاء عن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا اليوم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: من صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة.
قيل: يا رسول الله، كيف الصلاة عليك؟ قال: تقول: اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي.
وتعقد واحدة.
وإن قلت: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء، وأعطه الوسيلة، وابعثه المقام الذي وعدته، واجزه عنا ما هو أهله، واجزه أفضل ما جزيت نبيا عن أمته، وصل عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والصالحين، يا أرحم الراحمين.
تقول هذا سبع مرات.
فقد قيل: من قالها في سبع جمع، في كل جمعة سبع مرات، وجبت له شفاعته - صلى الله عليه وسلم -.
وإن أراد أن يزيد أتى بالصلاة المأثورة، فقال: اللهم اجعل فضائل صلواتك، ونوامي بركاتك، وشرائف زكواتك، ورأفتك، ورحمتك، وتحيتك، على محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين، قائد الخير، وفاتح البر، ونبي الرحمة، وسيد الأمة.
اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه،
وتقربه عينه، يغبطه به الأولون والآخرون.
اللهم اعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة، والدرجة الرفيعة، والمنزلة الشامخة المنيفة.
اللهم أعط محمدا سؤاله، وبلغه مأموله واجعله أول شافع، وأول مشفع، اللهم عظم برهانه، وثقل ميزانه، وأبلج حجته، وارفع في أعلى المقربين درجته.
اللهم احشرنا في زمرته، واجعلنا من أهل شفاعته، وأحينا على سنته، وتوفنا على ملته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه، غير خزايا ولا نادمين، ولا شاكين ولا مبدلين، ولا فاتنين ولا مفتونين، آمين يا رب العالمين.
وعلى الجملة، فكل ما أتى به من ألفاظ الصلاة، ولو بالمشهورة في التشهد، كان مصليا.
وينبغي أن يضيف إليه الاستغفار، فإن ذلك أيضا مستحب في هذا اليوم.
اه.
ملخصا.
(قوله: فالإكثار منها أفضل من إكثار ذكر أو قرآن) يعني أن الإكثار من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الجمعة ويومها أفضل من الإكثار بغيرها من الذكر والقراءة.
(وقوله: لم يرد بخصوصه) فاعل الفعل يعود على الأحد الدائر من الذكر أو القرآن، أو يعود على المذكور منهما، أي لم يرد كل من الذكر والقرآن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخصوصه، فإن ورد فيه ذلك بخصوصه، كقراءة الكهف، والتسبيح عقب الصلوات، فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(قوله: ودعاء) بالجر معطوف على صلاة، أي وسن إكثار دعاء إلخ.
(قوله: رجاء الخ) علة لسنية الإكثار من الدعاء.
(وقوله: ساعة الإجابة) أي أن الدعاء فيها يستجاب ويقع ما دعا به حالا يقينا، فلا ينافي أن كل دعاء مستجاب.
وهي من خصائص هذه الأمة.
اه.
برماوي.
(قوله: وأرجاها) أي ساعة الإجابة، أي أقربها رجاء، أي حصولا.
(وقوله: من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة) قال سم: لا يخفى أنه من حين جلوس الخطيب إلى فراغ الصلاة يتفاوت باختلاف الخطباء، إذ يتقدم بعضهم، ويتأخر بعضهم، بل يتفاوت في حق الخطيب الواحد، إذ يتقدم في بعض الجمع ويتأخر في بعض، فهل تلك الساعة متعددة فهي في حق كل خطيب ما بين جلوسه إلى آخر الصلاة، وتختلف في حق الخطيب الواحد أيضا باعتبار تقدم جلوسه وتأخره؟ فيه نظر.
وظاهر الخبر التعدد، ولا مانع منه.
ثم رأيت الشارح سئل عن ذلك، فأجاب بقوله: لم يزل في نفسي ذلك منذ سنين، حتى رأيت الناشري نقل عن بعضهم أنه قال: يلزم على ذلك أن تكون ساعة الإجابة في حق جماعة غيرها في حق آخرين، وهو غلط ظاهر، وسكت عليه.
وفيه نظر.
ومن ثم قال بعض المتأخرين ساعة الإجابة في حق كل خطيب وسامعيه ما بين أن يجلس إلى أن تنقضي الصلاة، كما صح في الحديث، فلا دخل للعقل في ذلك بعد صحة النقل.
اه.
قال الشارح في شرح العباب: وقد سئل البلقيني: كيف يدعو حال الخطبة وهو مأمور بالإنصات؟ (فأجاب) بأنه ليس من شروط الدعاء التلفظ، بل استحضاره بقلبه كاف.
اه.
وقد يقال ليس المقصود من الإنصات إلا ملاحظة
معنى الخطبة، والاشتغال بالدعاء بالقلب بما يفوت ذلك.
اه.
(قوله: وهي لحظة لطيفة) أي أن ساعة الإجابة لحظة لطيفة، وأفاد بهذا أنه ليس المراد بقولهم فيها وأرجاها من جلوس إلخ، أن ساعة الإجابة مستغرقة لما بين الجلوس وآخر الصلاة، بل المراد أنها لا تخرج عن هذا الوقت، فإنها لحظة لطيفة.
ففي الصحيحين، عند ذكره إياها وأشار بيده يقللها.
الشافعي - رضي الله عنه - أنه بلغه أن الدعاء يستجاب فيها، وأنه استحبه فيها.
وسن إكثار فعل الخير فيهما - كالصدقة وغيرها - وأن يشتغل - في طريقه وحضوره محل الصلاة - بقراءة، أو ذكر، أفضله الصلاة على النبي (ص) قبل الخطبة، وكذا حالة الخطبة إن لم يسمعها - كما مر - للاخبار المرغبة في ذلك.
وأن يقرأ عقب سلامه من الجمعة - قبل أن يثني رجليه، وفي رواية: قبل أن يتكلم - الفاتحة، والاخلاص، والمعوذتين، سبعا
(قوله: وصح أنها آخر ساعة بعد العصر) هذا لا يعارض ما تقدم من أنها من جلوس الخطيب إلى آخر الصلاة لأنه يحتمل أنها منتقلة، تكون يوما في وقت ويوما في وقت آخر.
وعبارة شرح المنهج: وأما خبر: يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، فيه ساعة لا يوجد فيها مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر.
فيحتمل أن هذه الساعة منتقلة تكون يوما في وقت، ويوما في آخر، كما هو المختار في ليلة القدر.
اه.
قال البجيرمي: وقوله منتقلة: ضعيف، والمعتمد أنها تلزم وقتا بعينه.
كما أن المعتمد في ليلة القدر أنها تلزم ليلة بعينها.
فقوله: كما هو المختار، ضعيف.
اه.
(قوله: وفي ليلتها) معطوف على في يومها أي وسن إكثار دعاء في ليلتها.
(قوله: لما جاء) أي ورد.
(وقوله: أنه) أي الشافعي.
(وقوله: بلغه) أي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فهو مرفوع.
اه.
ع ش (قوله: وسن إكثار فعل الخير فيهما) أي في يوم الجمعة وليلتها، لما أخرجه ابن زنجوية عن ابن المسيب بن رافع قال: من عمل خيرا في يوم الجمعة ضعف له بعشرة أضعاف في سائر الأيام، ومن عمل شرا فمثل ذلك اه.
إرشاد العباد.
ويقاس باليوم: الليلة، إذ لا فرق.
(قوله: كالصدقة) تمثيل لفعل الخير.
قال في الإحياء: الصدقة مستحبة في هذا اليوم خاصة، فإنها تتضاعف، إلا على من سأل والإمام يخطب وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه.
قال كعب الأحبار: من شهد الجمعة ثم انصرف فتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة، ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وسجودهما وخشوعهما، ثم يقول: اللهم إني أسألك باسمك باسم الله الرحمن الرحيم، وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
لم يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه.
وقال بعض السلف: من أطعم مسكينا يوم الجمعة، ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحدا ثم قال حين يسلم الإمام: بسم الله الرحمان الحي القيوم.
أسألك أن تغفر لي، وترحمني، وتعافيني من النار.
ثم دعا بما بدا له، استجيب له.
(وقوله: وغيرها) أي غير الصدقة، كالوقف وإماطة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،.
وزيارة مريض.
(قوله: وأن يشتغل) المصدر المؤول معطوف على إكثار، أي وسن الاشتغال إلخ، ولا حاجة إلى ذكر هذا، لأنه يعلم مما قبله، إذ فعل الخير شامل للقراءة والذكر ونحوهما.
وقد صرح أولا بأن الإكثار من
الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من إكثار ذكر أو قرآن لم يرد بخصوصه.
(قوله: في طريقه) أي إلى المسجد.
قال في المغنى: والمختار كما قال المصنف في تبيانه - أن القراءة في الطريق جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها، فإن التهى عنها كرهت.
قال الأذرعي: ولعل الأحوط ترك القراءة فيها، فقد كرهها بعض السلف فيه.
ولا سيما في مواضع الرحمة الغفلة.
اه.
(وقوله: وحضوره) أي وفي حضوره.
والمراد أن يشتغل في وقت انتظار الصلاة.
(وقوله: محل الصلاة) ظرف متعلق بحضوره.
(قوله: بقراءة) متعلق بيشتغل.
(قوله: وأفضله) أي الذكر.
(قوله: قبل الخطبة) متعلق بحضور، فكان الأولى أن يذكره بعده - كما في المغنى والنهاية - قال في الروض وشرحه: وليشتغل - ندبا - من حضر قبل الخطبة بالذكر، والتلاوة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
اه.
(قوله: وكذا حالة الخطبة) أي وكذا يسن أن يشتغل بما ذكر إذا حضر حالة الخطبة ولم يسمعها.
(قوله: كما مر) أي قريبا في قوله: نعم، الأولى لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا.
(قوله: للأخبار المرغبة) تعليل لسنية الإكثار من فعل الخير وسنية الاشتغال.
(وقوله: في ذلك) أي المذكور من إكثار فعل الخير والاشتغال بما ذكر من القراءة، والذكر والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد علمت بعضا من الأخبار الواردة في ذلك.
فلا تغفل.
(والحاصل) ينبغي أن يجعل يوم الجمعة للآخرة، فكيف فيه عن جميع أشغال الدنيا، ويكثر فيه الأوراد فعل الخير، كما هو عادة السلف.
(قوله: وأن يقرأ الخ) معطوف على إكثار أيضا.
أي وسن أن يقرأ.
(قوله: قبل أن يثني رجليه) أي قبل أن يصرفهما عن الهيئة التي سلم عليها ويردهما إلى هيئة أخرى.
فهو بفتح الياء من ثنى: كرمى.
قال في
سبعا، لما ورد أن من قرأها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأعطي من الاجر بعدد من آمن بالله ورسوله .. (مهمة) يسن أن يقرأها، وآية الكرسي، و * (شهد الله) *، بعد كل مكتوبة وحين يأوي إلى فراشه، مع
المصباح: ثنيت الشئ أثنيه ثنيا، من باب رمى: إذا عطفته، ورددته.
وثنيته عن مراده: إذا صرفته عنه.
اه.
بتصرف.
(قوله: الفاتحة إلخ) مفعول يقرأ.
(قوله: سبعا سبعا) حال من القراءة المأخوذة من يقرأ، أو نائب عن المفعول المطلق.
أي يقرأ ذلك حال كون قراءة كل واحدة من السور المذكورة مكررة سبعا سبعا، أو يقرأ ذلك قراءة سبعا سبعا.
(قوله: لما ورد إن من قرأها) أي الفاتحة وما بعدها.
وورد أيضا أن من قرأها حفظ الله له دينه ودنياه وأهله وولده.
وورد أيضا 1 عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من قرأ بعد صلاة الجمعة * (قل هو الله أحد) * و * (قل أعوذ برب الفلق) * و * (قل أعوذ برب الناس) * سبع مرات أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: من قال بعد قراءة ما تقدم: اللهم يا غني يا حميد، يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، اغنني بفضلك عمن سواك، وبحلالك عن حرامك.
أغناه الله، ورزقه من حيث لا يحتسب.
وقال أنس - رضي الله عنه -: من قال يوم الجمعة
سبعين مرة: اللهم اغنني بفضلك عمن سواك، وبحلالك عن حرامك.
لم يمر عليه جمعتان حتى يغنيه الله تعالى.
(فوائد) الأولى: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من قال بعدما تقضى الجمعة سبحان الله العظيم وبحمده.
مائة مرة، غفر الله له مائة ألف ذنب، ولوالديه أربعة وعشرين ألف ذنب.
الثانية: عن سيدي عبد الوهاب الشعراني - نفعنا الله به - أن من واظب على قراءة هذين البيتين في كل يوم جمعة، توفاه الله على الإسلام من غير شك، وهما: إلهي لست للفردوس أهلا * * ولا أقوى على نار الجحيم فهب لي توبة، واغفر ذنوبي * * فإنك غافر الذنب العظيم ونقل عن بعضهم أنها تقرأ خمس مرات بعد الجمعة .. الثالثة: عن عراك بن مالك، أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، وقال: اللهم أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، وقد قلت وقولك الحق * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) *.
(تنبيه) وجدت في هامش حاشية الكردي ما نصه: ذكر ع ش في حاشيته على م ر أنه ينبغي تقديم المسبعات المذكورة على الذكر الوارد عقب الصلاة، لحث الشارع على طلب الفور فيها، ولكن في ظني أن في (شرح المناوي على الأربعين) أنه يقدم التسبيح وما معه عليها، وينبغي أيضا أن يقدم المسبعات على تكبير العيد.
اه.
وقوله: على تكبير العيد: أي التكبير المقيد في عيد الأضحى.
(قوله: مهمة، يسن أن يقرأها) أي الفاتحة، والإخلاص، والمعوذتين.
(وقوله: وآية الكرسي) بالنصب، معطوف على مفعول يقرأ.
(قوله: وشهد الله) أي ويقرأ آية شهد الله، وهي: * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (2) *.
(قوله: بعد كل مكتوبة) متعلق بيقرأ.
(قوله: وحين يأوى) معطوف على الظرف قبله، فهو متعلق بما تعلق به، أي ويسن أن يقرأ ما ذكر حين يأوي على فراشه، أي يستقر لأجل النوم.
(قوله: مع
أواخر البقرة، والكافرون، ويقرأ خواتيم الحشر وأول غافر - إلى إليه المصير و * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا) * إلى آخرها، صباحا ومساء، مع أذكارهما، وأن يواظب كل يوم على قراءة آلم، السجدة، ويس، والدخان، والواقعة، وتبارك، والزلزلة، والتكاثر وعلى الاخلاص مائتي مرة، والفجر في عشر ذي الحجة، ويس، والرعد عند المحتضر.
ووردت في كلها أحاديث غير موضوعة.
أواخر إلخ) متعلق بيقرأ المقدر، أي يقرؤها مع قراءة أواخر البقرة.
(وقوله: والكافرون) معطوف على أواخر، أي ومع قراءة الكافرون، وأثبت الواو فيه للحكاية.
(قوله: ويقرأ خواتيم الحشر) أي ويسن أن يقرأ خواتيم الحشر، وهي: * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم، يتفكرون، هو الله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم.
هو الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون.
هو الله الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السموات والأرض، وهو الغزيز الحكيم) * 1 (وقوله: وأول غافر، إلخ) هو: * (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير) 2 * (وقوله: أفحسبتم) أي ويقرأ آية أفحسبتم، وهي: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) * 3.
(قوله: صباحا ومساء) متعلق بقوله ويقرأ خواتيم إلخ.
أي ويقرأ خواتيم إلخ.
أي ويقرأ ذلك في الصباح والمساء.
(وقوله: مع أذكارهما) أي الصباح والمساء.
أي ويقرأ ما ذكر زيادة على أذكارهما، وقد عقد لها المؤلف في (إرشاد العباد) بابا مسقلا، فانظره إن شئت.
(قوله: وأن يواظب كل يوم الخ) أي ويسن أن يواظب كل يوم.
(قوله: وعلى الإخلاص الخ) أي ويسن أن يواظب - مع ما ذكر - على الإخلاص كل يوم مائتي مرة.
(وقوله: والفجر) أي ويواظب على الإخلاص مع * (والفجر وليال عشر) * 4 في عشر ذي الحجة.
(قوله: ويس) أي ويسن أن يقرأ يس، لخبر: اقرؤا على موتاكم يس.
رواه أبو داود، وصححه ابن حبان.
وقال: المراد به من حضره الموت، يعني مقدماته، لأن الميت لا يقرأ عليه.
وفي رباعيات أبي بكر الشافعي: ما من مريض يقرأ عند يس إلا مات ريانا، وأدخل قبره ريانا، وحشر يوم القيامة ريانا.
قال الجاربردي: ولعل الحكمة في قراءتها أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها، فإذا قرئت عليه تجدد له ذكر تلك الأحوال.
(وقوله: والرعد) أي ويسن أن يقرأ عنده الرعد أي لقول جابر بن زيد: فإنها تهون عليه خروج الروح.
(وقوله: عند المحتضر) متعلق بيقرأ المقدر.
(قوله: ووردت في كلها أحاديث غير موضوعة) قد استوعبها الإمام النووي في أذكاره، فليراجعها من شاء.
(تنبيه) ينبغي للعاقل أن يواظب على الأذكار النبوبة الواردة عن خير البرية، المشروعة بعد المكتوبة وغيرها من
جميع الأحوال، فإن من أفضل حال العبد حال ذكره رب العالمين، واشتغاله بالأذكار الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد المرسلين، فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه (بالمسلك القريب لكل سالك منيب) تأليف العالم النحرير الماهر، الجامع بين علمي الباطن والظاهر، سيدنا الحبيب طاهر بن حسين بن طاهر باعلوى، فإنه كتاب حوي من نفائس الأذكار، وجلائل الأدعية والأوراد ما يشرق به قلب القارئ، ويسلك به سبيل الرشاد.
كيف لا وقد استوعب جملة من الأوراد وأحزاب السادة الأبرار ما يستوعب به السالك آناء الليل وأطراف النهار؟ فبادر أيها السالك، الطالب طريق الآخرة، إلى تحصيله، وشمر عن ساعد الاجتهاد بالعمل بما فيه وسلوك سبيله، تفز إن شاء الله تعالى بما ترجو، ومن غوائل النفس والشيطان وظلمات غيهما بنوره تنجو.
وفقنا الله للعمل بما فيه.
وأعاذنا من العجز والكسل عن مواظبته، بجاه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وآله وصحبه.
(وحرم تخط) رقاب الناس، للاحاديث الصحيحة فيه، والجزم بالحرمة ما نقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي، واختارها في الروضة، وعليها كثيرون.
لكن قضية كلام الشيخين: الكراهة، وصرح بها في المجموع (لا لمن وجد فرجة قدامه) فله - بلا كراهة - تخطي صف واحد أو اثنين، ولا لامام لم يجد طريقا إلى المحراب إلا بتخطي، ولا لغيره إذا أذنوا له فيه لا حياء على الاوجه، ولا لمعظم ألف موضعا.
ويكره
(قوله: وحرم تخط) قال في الإحياء لما ورد فيه من الوعيد الشديد، وهو أنه يجعل جسرا يوم القيامة يتخطاه الناس.
وروى ابن جريج مرسلا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلا يتخطى رقاب الناس حتى تقدم فجلس فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عارض الرجل حتى لقيه، فقال: يا فلان ما منعك أن تجمع اليوم معنا؟ قال: يا نبي الله قد جمعت معكم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألم نرك تتخطى رقاب الناس؟ أشار به إلى أنه أحبط عمله.
وفي حديث مسند أنه قال: ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: أو لم ترني يا رسول الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: رأيتك تأنيت وآذيت - أي تأخرت عن البكور وآذيت الحضور -.
ومهما كان الصف الأول متروكا خاليا فله أن يتخطى رقاب الناس لأنهم ضيعوا حقهم، وتركوا موضع الفضيلة.
قال الحسن: تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يوم الجمعة فإنه لا حرمة لهم، وإذا لم يكن في المسجد إلا من يصلي فينبغي أن لا يسلم، لأنه تكليف جواب في غير محله.
اه.
(وقوله: رقاب الناس) أي قريبا منها، وهو المناكب.
والمراد بالرقاب الجنس، فيشمل تخطي رقبة أو رقبتين.
قال ع ش: ويؤخذ من التعبير
بالرقاب أن المراد بالتخطي: أن يرفع رجله بحيث يحاذي في تخطيه أعلى منكب الجالس.
وعليه: فما يقع من المرور بين الناس ليصل إلى نحو الصف الأول ليس من التخطي، بل من خرق الصفوف، إن لم يكن ثم فرج في الصفوف يمشي فيها.
اه.
ومن التخطي المحرم ما جرت به العادة من التخطي لتفرقة الأجزاء، أو تبخير المسجد، أو سقي الماء، أو السؤال لمن يقرأ في المسجد.
(قوله: للأحاديث الصحيحة فيه) أي في حرمة التخطي، أي الدالة على حرمته، لما فيها من الوعيد الشديد.
(قوله: والجزم بالحرمة إلخ) ضعيف.
(قوله: واختارها) أي الحرمة.
(قوله: لكن قضية إلخ) معتمد.
(وقوله: الكراهة) أي التنزيهية.
قال ع ش: قال سم: على منهج (فإن قلت): ما وجه ترجيح الكراهة على الحرمة، مع أن الإيذاء حرام، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: اجلس فقد آذيت ... (قلت): ليس كل إيذاء حراما، وللمتخطي هنا غرض، فإن التقدم أفضل.
اه.
(قوله: لا لمن الخ) أي لا يحرم التخطي لمن وجد إلخ.
(وقوله: فرجة) بضم الفاء وفتحها، قال البرماوي: وهي خلاء ظاهر، أقله ما يسع واقفا.
وخرج بها السعة، فلا يتخطى إليها مطلقا.
اه.
(قوله: فله) أي لمن وجد فرجة.
(وقوله: تخطي صف واحد أو اثنين) أي رجل أو رجلين، ولو من صف واحد، لا أكثر منهما.
ومثال تخطي الرجل فقط، ما إذا كان في آخر الصف بجنب الحائط فإن زاد على الصفين ورجا أن يتقدموا إليها إذا أقيمت الصلاة، كره لكثرة الأذى، فإن لم يرج ذلك فلا كراهة، وإن كثرت الصفوف.
وكذلك إذا قامت الصلاة ولم يسدوها فيخرقها وإن كثرت.
وفي البجيرمي: وحاصل المعتمد أنه إذا وجد فرجة لا يكره التخطي مطلقا أي سواء كانت قريبة أو بعيدة رجا تقدم أحد إليها أم لا.
وأما اسحباب تركه فإذا وجد موضعا اسحب ذلك، وإلا فإن رجا انسدادها فكذلك، وإلا فلا يستحب تركها.
اه.
(قوله: ولا لإمام) معطوف على لمن وجد فرجة، أي ولا يحرم التخطي لإمام لاضطراره إليه.
(وقوله: لم يجد طريقا إلى المحراب) أي أو المنبر، فإن وجد طريقا يبلغ بها بدون التخطي كره.
(قوله: ولا لغيره) معطوف أيضا على لمن وجد، أي ولا يحرم التخطي لغير الإمام.
(وقوله: إذا أذنوا) أي الحاضرون.
قال في المغنى: ولا يكره لهم الإذن والرضا بإدخالهم الضرر على أنفسهم، لكن يلزمهم من جهة أخرى، وهو أن الإيثار بالقرب مكروه.
اه.
(وقوله: فيه) أي في التخطي.
(وقوله: لا حياء) خرج به ما إذا أذنوا له حياء منه، فيحرم التخطي، أو يكره.
(قوله: ولا لمعظم) معطوف أيضا على لمن وجد.
أي ولا يحرم التخطي لمعظم، أي في النفوس.
قال في التحفة: وقيده الأذرعي بمن ظهر صلاحه وولايته ليتبرك الناس به.
(قوله: ألف موضعا) قال ع ش: أي أو لم يألف.
اه.
تخطي المجتمعين لغير الصلاة، ويحرم أن يقيم أحدا - بغير رضاه - ليجلس مكانه.
ويكره إيثار غيره بمحله،
إلا إن انتقل لمثله أو أقرب منه إلى الامام.
وكذا الايثار بسائر القرب.
وله تنحية سجادة غيره - بنحو رجله - والصلاة في محلها، ولا يرفعها - ولو بغير يده - لدخولها في ضمانه.
(و) حرم على من تلزمه الجمعة (نحو مبايعة) كاشتغال بصنعة (بعد) شروع في (أذان خطبة)، فإن عقد صح العقد، ويكره قبل الاذان بعد
(واعلم) أن الذي ذكره الشارح من الصور المستثناة من حرمة التخطي أو كراهته على القولين أربع صور، وبقي منها: إذا سبق الصبيان أو العبيد أو غير المستوطنين إلى الجامع، فإنه يجب على الكاملين إذا حضروا التخطي لسماع الخطبة إذا كانوا لا يسمعونها مع البعد.
ومنها: ما إذا كان الجالسون عبيدا لذلك المتخطي أو أولادا له، ولهذا، يجوز أن يبعث عبده ليأخذ له موضعا في الصف الأول، فإذا حضر السيد تأخر العبد.
قاله ابن العماد.
ومنها: ما إذا جلس الشخص في طريق الناس.
(قوله: ويكره تخطي المجتمعين لغير الصلاة) الظاهر أن كراهة ذلك مبنية على القول بكراهة تخطي المجتمعين للصلاة.
أما على القول بالحرمة فيحرم.
ويؤيده التصريح بلفظ أيضا بعد قوله لغير الصلاة في عبارة الفتح، ونصها: ويكره تخطي المجتمعين لغير الصلاة أيضا.
اه.
فقوله أيضا: أي ككراهة ذلك للصلاة.
(قوله: ويحرم أن يقيم إلخ) لخبر الصحيحين: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن يقول تفسحوا وتوسعوا، فإن قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة على الغير.
ومحل الحرمة في الأول - كما في ع ش - حيث كانوا كلهم ينتظرون الصلاة - كما هو الفرض - أما ما جرت به العادة من إقامة الجالسين في موضع الصف الذين قد صلوا جماعة إذا حضرت جماعة بعدهم وأرادوا فعلها: فالظاهر أنه لا كراهة فيه ولا حرمة، لأن الجالس ثم مقصر باستمرار الجلوس المؤدي لتفويت الفضيلة على غيره.
(قوله: ويكره إيثار غيره) أي ويكره لمن سبق في مكان من الصف الأول مثلا أن يقوم منه ويجلس غيره فيه.
(قوله: إلا إن انتقل لمثله) أي إلا إن انتقل المؤثر لمكان مثل المكان الذي آثر به، فلا يكره الإيثار.
(وقوله: أو أقرب منه إلى الإمام) أي أو إلا أن انتقل لمكان أقرب إلى الإمام من المكان الذي آثر به، فلا يكره.
فإن انتقل لمكان أبعد من الذي آثر به كره.
(قوله: وكذا الإيثار بسائر القرب) أي وكذلك يكره الإيثار بها، وأما قوله تعالى: * (ويؤثرون على أنفسهم) * 1 فالمراد الإيثار في حظوظ النفس.
نعم، إن أثر قارئا أو عالما ليعلم الإمام أو يرد عليه إذا غلط، فالمتجه أنه لا كراهة، لكونه مصلحة عامة: (قوله: وله تنحية الخ) مرتبط بقوله فله بلا كراهة تخطي إلخ.
يعني أن من وجد فرجة أمامه، له تخطي صف أو صفين لأجل سدها، وله تنحية سجادة في تلك الفرجة لغيره، لتعديه بفرش سجادته مع غيبته.
وفي البجيرمي ما نصه: وما جرت به العادة من فرش السجادات بالروضة ونحوها - من الفجر، أو طلوع الشمس - قبل حضور أصحابها مع تأخيرهم إلى الخطبة أو ما يقاربها: لا بعد في كراهته، بل قد يقال بتحريمه، لما فيه من تحجير المسجد من غير فائدة - كما في شرح م ر -.
وعبارة البرماوي: ويكره بعث سجادة ونحوها، لما فيه من التحجير مع عدم إحياء البقعة،
خصوصا في الروضة الشريفة.
اه.
وظاهر عبارة ح ل أن البعث المذكور حرام.
ونصها: ولا يجوز أن يبعث من يفرش له نحو سجادة لما فيه إلخ.
وقول م ر: بل قد يقال بتحريمه، أي تحريم الفرش في الروضة.
قال ع ش عليه: هذا هو المعتمد اه.
(قوله: بنحو رجله) متعلق بتنحية أي وله تنحيتها - أي دفعها - بنحو رجله من غير رفع لها، واندرج تحت نحو يده وعصاه.
(قوله: والصلاة) بالرفع، عطفا على تنحية.
(وقوله: في محلها) أي السجادة، فلو صلى عليها حرم بغير رضا صاحبها.
(قوله: ولا يرفعها) أي يحملها ثم يلقيها في مكان آخر (قوله: ولو بغير يده) كرجله (وقوله: لدخولها في ضمانه) أي لو رفعها ولو قال لئلا تدخل في ضمانه لكان أولى.
وسيذكر الشارح في (باب الوقف) هذه المسألة بأبسط مما هنا.
(قوله: وحرم على من تلزمه الجمعة نحو مبايعة) أي لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم
الزوال.
(و) حرم على من تلزمه الجمعة - وإن لم تنعقد به - (سفر) تفوت به الجمعة، كأن ظن أنه لا يدركها في طريقه أو مقصده، ولو كان السفر طاعة مندوبا، أو واجبا، (بعد فجرها) أي فجر يوم الجمعة، إلا خشي
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) *.
1 فورد النص في البيع، وقيس عليه غيره.
ومحل الحرمة، في حق من جلس له: في غير الجامع، أما من سمع النداء فقام قاصدا الجمعة، فباع في طريقه أو قعد في الجامع وباع، فإنه لا يحرم عليه.
لكن البيع في المسجد مكروه، ومحلها أيضا، إن كان عالما بالنهي، ولا ضرورة كبيعه للمضطر ما يأكله، وبيع كفن لميت خيف تغيره بالتأخير، وإلا فلا حرمة، وإن فاتت الجمعة.
وخرج بقوله من تلزمه الجمعة: من لا تلزمه، فلا حرمة عليه، ولا كراهة.
لكن إذا تبايع مع من هو مثله.
أما إذا تبايع مع من تلزمه حرم عليه أيضا، لإعانته على الحرام.
وقيل: كره له ذلك.
(قوله: كاشتغال بصنعة) تمثيل لنحو مبايعة.
قال في النهاية: وهل الاشتغال بالعبادة - كالكتابة - كالاشتغال بنحو البيع؟ مقتضى كلامهم: نعم.
اه.
قال ع ش: أي فيحرم خارج المسجد، ويكره فيه.
(قوله: بعد شروع) متعلق بحرم.
(وقوله: في أذان خطبة) أي الأذان الذي بين يدي الخطيب، وقيد الأذان بما ذكر لأنه الذي كان في عهده - صلى الله عليه وسلم -، فانصرف النداء في الآية إليه.
(قوله: فإن عقد) أي من حرم عليه العقد.
بيعا كان أو غيره.
وعبارة المغني مع الأصل: فإن باع من حرم عليه البيع صح بيعه، وكذا سائر عقوده، لأن النهي لمعنى خارج عن العقد، أي وهو التشاغل عن صلاتها، فلم يمنع الصحة، كالصلاة في الدار المغصوبة.
اه.
(قوله: ويكره) أي نحو مبايعة.
(وقوله: قبل الأذان) أي الذي بين يدي الخطيب، وإن كان بعد الأذان الأول.
(وقوله: بعد الزوال) متعلق بيكره، أو متعلق بمحذوف حال من نائب فاعله.
وإنما كره ذلك بعده لدخول وقت الوجوب.
نعم، إن فحش تأخير الجمعة عن الزوال فلا كراهة، وخرج ببعد الزوال ما إذا وقع ذلك قبله، فلا يكره، وهذا محمول على من لم يلزمه السعي قبله، وإلا فيحرم عليه من وقت
وجوبه عليه.
(قوله: وحرم على من تلزمه الخ) أي لما صح أن من سافر يوم الجمعة بعد الفجر دعا عليه ملكاه، فيقولان: لا نجاه الله من سفره، ولا أعانه على قضاء حاجته.
(حكي) ابن أبي شيبة عن مجاهد: أن قوما خرجوا في سفر حين حضرت الجمعة، فاضطرم عليهم خباؤهم نارا، من غير نار يرونها.
(قوله: سفر) فاعل حرم.
قال البجيرمي: وخرج به النوم قبل الزوال، فلا يحرم، وأن علم فوات الجمعة به.
كما اعتمده شيخنا م ر لأنه ليس من شأن النوم الفوات.
وخالفه غيره اه.
وقوله: وخالفه غيره.
أي فيما إذا علم فوات الجمعة به.
(قوله: تفوت به الجمعة) أي بحسب ظنه، وخرج به ما إذا لم تفت به، بأن غلب على ظنه إدراكها في مقصده أو طريقه، فلا يحرم لحصول المقصود، وهو إدراكها.
قال سم: ولو تبين خلاف ظنه بعد سفره فلا إثم، والسفر غير معصية، كما هو ظاهر.
اه.
وفي التحفة: وقيده - أي عدم الحرمة - فيما إذا لم تفت عليه صاحب التعجيز بحثا بما إذا لم تبطل بسفره جمعة بلده، بأن كان تمام الأربعين.
وكأنه أخذه مما مر آنفا من حرمة تعطيل بلدهم عنها.
لكن الفرق واضح، فإن هؤلاء معطلون بغير حاجة، بخلاف المسافر، فإن فرض أن سفره لغير حاجة اتجه ما قاله، وإن تمكن منها في طريقه.
اه.
(قوله: كان ظن إلخ) تمثيل للسفر الذي تفوت به الجمعة، والأولى بأن ظن بباء التصوير.
(وقوله: لا يدركها) أي الجمعة.
(وقوله: في طريقه) أي بأن لم يكن فيه محل تقام فيه الجمعة.
(وقوله: أو مقصده) أي وطنه أو غيره، بأن ظن أنه إذا وصله يجد الجمعة قد صليت.
(قوله: ولو كان السفر طاعة) غاية في الحرمة، وهي للرد على القديم الذي يخص حرمة السفر قبل الزوال بالمباح، ويجعل سفر الطاعة قبل الزوال جائزا.
اه.
بجيرمي.
(وقوله: مندوبا أو واجبا) المناسب مندوبة أو واجبة، ليكون تعميما في الطاعة.
والمندوبة: كزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والواجبة: كالحج.
(قوله: بعد فجرها) متعلق بحرم، أو بمحذوف صفة لسفر، وإنما حرم من بعد الفجر، مع أن وقت الوجوب إنما يدخل بالزوال، لأن الجمعة مرتبطة باليوم، ولذا وجب السعي إليها قبل الزوال على بعيد الدار.
(قوله: أي فجر يوم الجمعة) أفاد بهذا التفسير أن إضافة فجر لضمير الجمعة لأدنى ملابسة، إذ الفجر ليومها، لا لها، لكن لما كانت تقع في اليوم نسب إليها ما ينسب إليه.
(قوله: إلا إن خشي إلخ)
من عدم سفره ضررا، كانقطاعه عن الرفقة، فلا يحرم إن كان غير سفر معصية، ولو بعد الزوال، ويكره السفر ليلة الجمعة، لما روي بسند ضعيف: من سافر ليلتها دعا عليه ملكاه.
أما المسافر لمعصية فلا تسقط عنه الجمعة مطلقا.
قال شيخنا: وحيث حرم عليه السفر هنا لم يترخص ما لم تفت الجمعة، فيحسب ابتداء سفره من وقت فوتها.
(تتمة) يجوز لمسافر سفرا طويلا قصر رباعية، مؤداة، وفائتة سفر قصر فيه، وجمع
استثناء من حرمة السفر بعد الفجر أي وحرم بعده، إلا إذا خاف من عدم سفره حصول ضرر له، فلا يحرم حينئذ.
(وقوله: كانقطاعه إلخ) تمثيل للضرر.
(وقوله: عن الرفقة) أي الذي يخشى الضرر بمفارقتهم.
قال ع ش: وليس من التضرر ما جرت به العادة من أن الإنسان قد يقصد السفر في وقت مخصوص لأمر لا يفوت بفوات ذلك الوقت.
اه.
قال البجيرمي:
كالذين يريدون السفر لزيارة سيدي أحمد البدوي في أيام مولده في يوم الجمعة مع رفقة، وكانوا يجدون رفقة أخر مسافرين في غيره.
اه.
ويستثنى من الحرمة أيضا ما لو احتاج إلى السفر لإدراك وقوف عرفة، أو لإنقاذ نحو مال أو أسير، فيجوز له السفر ولو بعد الزوال، بل يجب لإنقاذ أسير أو نحوه، كقطع الفرض لذلك.
(قوله: إن كان غير سفر معصية) قيد في عدم الحرمة، وسيذكر قريبا محترزه.
(قوله: ويكره السفر ليلة الجمعة) في فتاوى ابن حجر ما نصه: (سئل) رضي الله عنه - هل يكره السفر ليلة الجمعة؟ (فأجاب) بقوله: مقتضى قول الغزالي في الخلاصة: من سافر ليلتها دعا عليه ملكاه.
الكراهة، وهو متجه إن قصد بذلك الفرار عن الجمعة، قياسا على بيع النصاب الزكوي قبل الحول، إلا أن يفرق بأن الحول ثم سبب للوجوب، وانعقد في حقه، بخلافه هنا.
وكأن هذا مدرك قوله بعضهم: لم أر لأحد من الأصحاب ما يقتضي الكراهة.
اه.
(قوله: دعا عليه ملكاه) أي قالا: لا نجاه الله من سفره، ولا أعانه على قضاء حاجته.
اه.
(قوله: أما المسافر لمعصية) محترز قوله إن كان غير سفر معصية.
والمناسب تقديمه على قوله ويكره ليلتها.
والتعبير بقوله: أما سفر المعصية.
(قوله: فلا تسقط عنه الجمعة) المناسب فيحرم عليه السفر، ولا تسقط عنه الجمعة.
(قوله: مطلقا) أي سواء خشي من عدم سفره ضررا أم لا، وذلك لأنه في حكم المقيم.
(قوله: وحيث حرم عليه السفر هنا) أي بأن سافر بعد فجر يوم الجمعة ولم تمكنه في طريقه ولم يتضرر بتخلفه.
(وقوله: لم يترخص) أي برخص السفر من القصر والجمع والتنقل إلى جهة مقصدة.
(وقوله: ما لم تفت الجمعة) قيد في عدم الترخص، أي لم يترخص مدة عدم فوات الجمعة بأن يبقى وقت يسعها وخطبتها.
فإن فاتت الجمعة بخروج وقتها أو باليأس منها، ترخص من حين الفوات.
(قوله: فيحسب ابتداء سفره الخ) مفرع على مفهوم القيد، أي فإن فاتت فيحسب ابتداء سفره من وقت فوتها، لانتهاء سبب المعصية.
قال سم: ينبغي إذا وصل لمحل لو رجع منه لم يدركها أن ينعقد سفره من الآن، وإن كانت إلى ذلك الوقت لم تفعل في محلها.
اه.
(تتمة) لم يتعرض المؤلف لمسألة الاستخلاف، ولا بد من التعرض لها تتميما للفائدة، فأقول: (اعلم) أن الإمام إذا خرج من الإمامة بنحو تأخر عن المقتدين، أو من الصلاة بحدث أو غيره فخلفه غيره جاز، سواء استخلف نفسه أو استخلفه الإمام، أو القوم، أو بعضهم، لأن الصلاة بإمامين بالتعاقب جائزة.
كما في قصة أبي بكر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه، حيث كان يصلي أبو بكر إماما بالناس في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأحس النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخفة في بدنه يوما، فدخل يصلي وأبو بكر محرم بالناس، فتأخر أبو بكر وقدمه، واقتدى به بعد خروجه من الإمامة.
وحاصل ما يتعلق بهذه المسألة أن الاستخلاف إما أن يكون في الجمعة، وإما أن يكون في غيرها.
فالأول: إما أن يكون في أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصلاة، أو في الصلاة.
فإن كان الأول: اشترط سماع الخليفة ما مضى من أركانها، وإن كان الثاني: اشترط سماع الخليفة جميع أركانها، إذ من لم يسمع ليس من أهل الجمعة، وإنما يصير من أهلها إذا دخل في الصلاة.
وإن كان الثالث: فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع الإستخلاف قبل أن يقتدي الخليفة به، وهذا لا يصح مطلقا، لاحتياج المقتدين إلى تجديد نية
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القدوة به المؤدي إلى إنشاء جمعة بعد أخرى.
ثانيها: أن يقع بعد القدوة أو في ركوعها وهنا يصبح وتحصل الجمعة له ولهم ثالثها: أن يقع بعد ركوع الركعة الأولى، ولو في اعتداله، وهذا يحرم عليه، لأنه يفوت بذلك الجمعة على نفسه، فيجب أن يتقدم غيره ممن أدركه في الركوع أو قبله.
ومع ذلك لو تقدم هو صحت الجمعة لهم، لا له.
ووقع خلاف بين المتأخرين: فيما إذا أدرك الخليفة ركوع الثانية وسجدتيها، أو استخلف في التشهد؟ فقال ابن حجر: لا يدرك الجمعة، بل يتمها ظهرا، وقال شيخ الإسلام والخطيب والرملي: يدرك الجمعة، فيأتي بركعة ثم يسلم.
والثاني: وهو ما إذا وقع الاستخلاف في غير الجمعة، يجوز مطلقا، سواء كان الخليفة مقتديا بالإمام قبل أن تبطل صلاته أم لا، لكنهم يحتاجون لنية الاقتداء به في الثانية إن خالف الإمام في ترتيب صلاته، بأن استخلف في الثانية أو في الأخيرة، فإن لم يخالفه في ذلك، بأن استخلف في الأولى أو في ثالثة الرباعية، فلا يحتاجون لنية الاقتداء، أما في الأولى، وهي ما إذا كان مقتديا به قبل أن تبطل صلاته، فلا يحتاجون لنية الاقتداء مطلقا، لأنه تلزمه مراعاة نظم صلاة الإمام باقتدائه به.
ثم إن كان عالما بنظم صلاة الإمام فذاك، وإلا فيراقب من خلفه.
فإذا هموا بالقيام قام، وإلا قعد.
وفي الرباعية إذا هموا بالقعود قعد، وتشهد معهم، ثم يقوم، فإذا قاموا معه علم أنها ثانيتهم، وإلا علم أنها آخرتهم.
ثم إنه إنما يجوز الاستخلاف إن وقع عن قرب بعد بطلان صلاة الإمام، بأن لم ينفردوا بعده بركن قولي، أو فعلي، أو يمض زمن يمكن وقوع ذلك فيه، وإلا امتنع في الجمعة مطلقا وامتنع في غيرها بغير تجديد نية الاقتداء منهم به.
ولو انفرد بعض المقتدين بركن دون بعض احتاج الأول لتجديد نية الاقتداء، دون الثاني.
هذا في غير الجمعة.
فإن كان فيها وكان غير المنفردين بالركن أربعين، بقيت الجمعة، وإلا بطلت إن كان الانفراد بالركن في الركعة
الأولى.
فإن كان في الثانية بقيت الجمعة أيضا.
(فروع) لو أراد الإمام أن يستخلف قبل خروجه من الإمامة أو من الصلاة: لا يجوز، ولو بطلت صلاة الخليفة، فتقدم ثالث فأخرج نفسه مما مر فتقدم رابع وهكذا، جاز.
ويشترط في كل منهم ما يشترط في الخليفة الأول.
ويراعي الكل نظم صلاة الإمام الأول.
ولو توضأ الأول، ثم اقتدى بخليفته، فأحدث الخليفة، ثم تقدم هو: جاز.
والكلام على مسألة الاستخلاف مما أفرد بالتأليف.
وفي هذا القدر كفاية.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
(قوله: تتمة) أي في بيان كيفية صلاة المسافر، من حيث القصر والجمع.
وقد أفردها الفقهاء بباب مستقل.
ويذكرونه عقب الجماعة وقبل الجمعة.
(واعلم) أي الأصل في القصر قبل الإجماع قوله تعالى: * (وإذا ضربتم في الأرض) * 1 أي سافرتم فيها، ومثلها البحر: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * (1) قال يعلى بن أمية - رضي الله عنه - قلت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنما قال تعالى: * (إن خفتم) * (1) وقد أمن الناس.
فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته.
رواه مسلم.
وروى ابن أبي شيبة: إن خيار أمتي من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا استغفروا، وإذا سافروا قصروا.
والأصل في الجمع ما رواه الشيخان، عن ابن عمر، أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا عجل السير جمع بين المغرب والعشاء ورويا أيضا عن معاذ قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك، وكان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
ورويا أيضا عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع بين الظهر والعصر في السفر.
وشرع القصر في السنة الرابعة من الهجرة - كما قاله ابن الأثير - وقيل في السنة الثانية في ربيع الثاني منها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وشرع الجمع في السنة التاسعة من الهجرة في غزوة تبوك - اسم مكان في طرف الشام - وهي آخر غزواته عليه الصلاة والسلام.
(قوله: يجوز لمسافر) أي تخفيفا عليه لما يلحقه من مشقة السفر الحاصلة فيه من الركوب والمشي مع الألم الناشئ من ترك المألوف من الوطن وغيره.
وأشعر تعبيره بالجواز أن الأفضل الإتمام.
نعم، إن بلغ سفره ثلاث مراحل ولم يختلف في جواز قصره فالأفضل القصر للاتباع، وخروجا من خلاف أبي حنيفة - رضي الله عنه - فإنه
يوجب القصر حينئذ.
وخرج بقولنا ولم يختلف في جواز قصره: من اختلف في جواز قصره، كملاح يسافر في البحر ومعه عياله في سفينة، ومن يديم السفر مطلقا كالساعي فإن الإتمام أفضل له، خروجا من خلاف من أوجبه، كالإمام أحمد رضي الله عنه.
وروعي مذهبه دون مذهب أبي حنيفة في ذلك لموافقته الأصل، وهو الإتمام.
ثم إنه أورد على التعبير بالجواز أنه قد يجب القصر فيما لو أخر الصلاة إلى أن بقي من وقتها ما لا يسعها إلا مقصورة لأنه لو أتمها للزم إخرا بعض الصلاة عن وقتها مع تمكنه من إيقاعها في الوقت.
وقد يجب القصر والجمع معا فيما لو أخر الظهر إلى وقت العصر بنية الجمع، ولم يصل حتى بقي من وقت العصر ما يسع أربع ركعات.
وأجيب بأن المراد بالجواز.
ما قابل الإمتناع فيشمل الوجوب.
(قوله: سفرا طويلا) هذا أحد شروط القصر والجمع، وهو ثمانية وأربعون ميلا هاشمية.
وذلك لأن ابني عمر وعباس - رضي الله عنهم - كانا يقصران ويفطران في أربعة برد، ولا يعرف مخالف لهما.
ومثله لا يكون إلا عن توقيف.
والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام، والقدمان ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضات، والإصبع ست شعيرات معتدلات معترضات، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون.
وهذا تحديد لمسافة القصر بالمساحة.
وأما تحديدها بالزمان فهو سير يومين معتدلين، أو ليلتين معتدلتين، أو يوم وليلة وإن لم يعتدلا، بسير الأثقال، وهي الإبل المحملة، مع اعتبار النزول المعتاد للأكل، والشرب، والصلاة، والاستراحة.
وقد نظم بعضهم ضابط مسافة القصر بالتحديد الأول في قوله: مسافة القصر احفظوها واسمعوا * * هي أربع من قيس برد تذرع ثم البريد من الفراسخ أربع * * ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا والميل ألف أي من الباعات قل * * والباع أربع أذرع فتتبعوا ثم الذراع من الأصابع أربع * * من بعدها العشرون ثم الإصبع ست شعيرات فبطن شعيرة * * منها إلى ظهر لأخرى توضع
ثم الشعيرة ست شعرات كذا * * من شعر بغل ليس من ذا مدفع (قوله: قصر رباعية) هي الظهر والعصر والعشاء، وخرج بها الثنائية والثلاثية فلا يقصران.
قال في النهاية: وأما خبر مسلم: فرضت الصلاة في الخوف ركعة فمحمول على أنه يصليها فيه مع الإمام، وينفرد بالأخرى.
إذ الصبح لو قصرت لم تكن شفعا، وخرجت عن موضوعها.
والمغرب لا يمكن قصرها إلى ركعتين، لأنها لا تكون إلا وترا، ولا إلى ركعة، لخروجها بذلك عن باقي الصلوات.
اه.
ولا بد أن تكون الرباعية مكتوبة أصالة، فلو كانت نافلة أو منذورة لا يصح قصرها.
وأما المعادة، فله قصرها إن قصر أصلها وصلاها خلف من يصليها مقصورة، أو صلاها إماما، سواء صلى الأولى جماعة أو فرادى.
(قوله: مؤداة) دخل فيها ما لو سافر وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، فإنه
العصرين والمغربين تقديما وتأخيرا، بفراق سور خاص ببلد سفر، وإن احتوى على خراب ومزارع.
ولو جمع قريتين، فلا يشترط مجاوزته، بل لكل حكمه، فبنيان وإن تخلله خراب أو نهر أو ميدان.
ولا يشترط
يقصرها، سواء شرع فيها في الوقت وهو ظاهر، لكونها مؤداة، أم صلاها بعد خروج الوقت لأنها فائتة سفر.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وفائتة سفر) الواو بمعنى أو، ومدخولها معطوف على مؤادة مضاف إلى لفظ سفر المضاف إلى قصر.
وفيه متعلق بمقدر داخل على فائتة، وضميره يعود على سفر القصر.
والمعنى: أن قصر الصلاة الرباعية التي فاتتة في سفر القصر جائز في سفر القصر.
أما فائتة الحضر فلا يجوز قصرها في السفر.
وكذلك فائتة السفر لا يجوز قصرها في الحضر.
ولو شك في أنها فائتة سفر أو حضر قضاها تامة احتياطا، ولأن الأصل الإتمام.
(قوله: وجمع الخ) معطوف على قصر، أي ويجوز لمسافر سفرا طويلا جمع العصرين والمغربين - أي ضم إحدى الصلاتين للأخرى في وقت واحدة منهما - سواء كانتا تامتين، أو مقصورتين، أو إحداهما تامة والأخرى مقصورة.
وفي البجيرمي: وعند المالكية يجوز الجمع في السفر القصير.
أما عندنا فلا جمع في قصير، وجمعه - صلى الله عليه وسلم - في عرفة ومزدلفة لأنه كان مستديما في سفره الطويل إذ لم يقم قبلهما ولا بعدهما أربعة أيام، فالجمع للسفر، وعند الإمام أبي حنيفة للنسك.
اه.
(وقوله: تقديما) أي في وقت الأولى لغير المتحيرة، لأن شرطه ظن صحة الأولى - كما يأتي - وهو منتف فيها.
وألحق بها كل من تلزمه الإعادة.
وفيه نظر ظاهر، لأن الأولى مع ذلك صحيحة فلا مانع، وكالظهر: الجمعة في هذا، فيمتنع على المتحيرة أن تجمع بينها وبين العصر جمع تقديم.
اه.
تحفة بزيادة.
(وقوله: وتأخيرا) أي في وقت الثانية.
ولو للمتحيرة، فيجوز جمعها جمع تأخير.
قال ع ش: والفرق بين الجمعين: أنه يشترط لجمع التقديم ظن صحة الأولى، وهو منتف في المتحيرة، بخلاف التأخير، فإنه لا يشترط ظنه ذلك فجاز، وإن أمكن وقوع الأولى مع التأخير في زمن
الحيض، مع احتمال أن تقع في الطهر: لو فعلتها في وقتها.
اه.
ويستثنى الجمعة، فلا يجوز جمعها تأخيرا، لأنها لا يتأتى تأخرها عن وقتها.
(قوله: بفراق سور) متعلق بيجوز: يعني أنه لا يجوز ما ذكر من القصر والجمع إلا بفراق سور خاص بتلك البلدة التي سافر منها إن كان، لأن ابتداء السفر إنما يكون بمجاوزته، فإن لم يكن لها سور أصلا، أو كان لكن ليس خاصا بها، كقرى متفاصلة جمعها سور واحد، فابتداؤه بمجاوزة الخندق إن كان، فإن لم يكن فالقنطرة إن كانت، فإن لم تكن فالعمران.
(قوله: وإن احتوى الخ) غاية في اشتراط فراق السور، لجواز ما ذكر، أي لا بد من فراق السور إن احتوى - أي أحاط - ذلك السور بخراب ومزارع، بأن تكون داخلة.
وذلك لأن ما في داخل السور معدود من نفس البلد، محسوب من موضع الإقامة.
وعبارة الروض وشرحه: ويحصل ابتداء السفر من بلد له سور بمفارقة سور البلد المختص به، ولو لاصقة من خارجه بنيان - أي عمران - أو مقابر أو احتوى على خراب ومزارع فتكفي مفارقة ما ذكر، لأن ما كان خارجه - كالأولين - لا يعد من البلد، بخلاف ما كان داخله، كالآخرين.
اه.
بحذف.
(قوله: ولو جمع قريتين إلخ) المناسب لتعبيرة أولا بالبلد أن يقول: ولو جمع بلدين.
وهذا مفهوم قوله خاص ببلد سفر.
وعبارة الروض وشرحه: وإن جمع السور بلدين متقاربين فلكل منهما حكمه، فلا يشترط مجاوزة السور كما فهم أيضا من قوله فيما مر سور البلد المختص به - كما مرت الإشارة إليه - والقريتان في ذلك كالبلدين.
اه.
(قوله: فبنيان) معطوف على قوله سور، أي ويجوز لمسافر ما ذكر من القصر والجمع بفراق بنيان - أي عمران - إن لم يكن للبلد التي سافر منها سور، فإن لم يكن هناك بنيان فبفراق حلة - بكسر الحاء - إن سافر من خيام حي، وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة، بحيث يجتمع أهلها للسمر في ناد واحد، ويستعير بعضهم من بعض.
ويدخل في الحلة عرفا: مرافقها، كمعاطن إبل، وملعب صبيان ومطرح رماد، فلا بد من مجاوزتها.
ولا بد أيضا من مجاوزة عرض واد إن سافر في عرضه، ومجاوزة مهبط إن كان في ربوة، ومجاوزة مصعد إن كان في وهدة، إن اعتدلت الثلاثة، فإن أفرطت سعتها اكتفى بمجاوزة الحلة عرفا.
وما تقرر من أنه لا بد من مجاوزة السور، أو العمران، أو الحلة، هو في سفر البر، ومثله سفر البحر المنفصل ساحله عن العمران.
أما المتصل ساحله بالعمران عرفا.
فإذا سافر فيه وأراد أن يترخص
مجاوزة بساتين وإن حوطت واتصلت بالبلد، والقريتان إن اتصلتا عرفا كقرية، وإن اختلفتا اسما، فلو انفصلتا - ولو يسيرا - كفى مجاوزة قرية المسافر، لا لمسافر لم يبلغ سفره مسيرة يوم وليلة بسير الاثقال مع النزول المعتاد لنحو استراحة وأكل وصلاة، ولا لآبق، ومسافر عليه دين حال قادر عليه من غير إذن دائنه، ولا لمن
بالقصر والجمع ونحوهما، فلا يجوز إلا بخروجه من البلد، وجري السفينة أو جري زورقها إليها آخر مرة، وإلا فمتى ما كان الزورق يذهب ويعود فلا يترخص من به، وإذا جرى الزورق آخر مرة إلى السفينة جاز الترخص لمن به، ولو
قبل وصوله إلى السفينة ولمن بها أيضا.
وقيد في التحفة وفي شرح بأفضل: اعتبار جري السفينة أو الزورق ببلد لا سور لها.
قال الكردي: وهو احتمال للأسنى.
وقال الخطيب: هو أوجه.
وعلى هذا فالساحل الذي له سور: العبرة بمجاوزة سوره.
والذي فيه عمران من غير سور: العبرة فيه بجري السفينة أو الزورق.
وفي شرحي الإرشاد: أنه لا فرق في ذلك بين السور والعمران، فلا بد من ركوب السفينة.
اه.
(قوله: وإن تخلله) أي البنيان.
وهو غاية في اشتراط فراق البينان، أي يشترط فراقه.
وإن وجد في خلاله - أي وسطه - خراب أو نهر أو ميدان: فالعبرة في أول السفر بمجاوزة البنيان، لا بمجاوزة ما ذكر، لأنه معدود من البنيان محسوب من موضع الإقامة.
(قوله: ولا يشترط مجاوزة بساتين) أي ولا مزارع ولا خراب هجر بالتحويط على العامر أو زرع أو اندرس بأن ذهبت أصول حيطانه، وذلك لأن ما ذكر ليس محل إقامة.
(وقوله: وإن حوطت) أي البساتين، أي حوط عليها بسور مثلا.
(وقوله: واتصلت) أي البساتين.
قال في الروض وشرحه: ولو كانت متصلة بالبلد وفيها دور يسكنها ملاكها، ولو أحيانا - أي في بعض فصول السنة - اشترط مجاوزتها.
هذا ما في الروضة، كالشرحين.
وأطلق المنهاج - كأصله - عدم اشتراطها.
وقال في المجموع بعد نقله الأول عن الرافعي: وفيه نظر.
ولم يتعرض له الجمهور.
والظاهر أنه لا يشترط مجاوزتها، لأنها ليست من البلد.
قال في المهمات: وبه الفتوى.
اه.
(قوله: والقريتان إن اتصلتا) أي ولو بعد أن كانتا منفصلتين.
(وقوله: كقرية) أي فيشترط مجاوزتهما معا، لكن إن لم يكن بينهما سور، وإلا اعتبر مجاوزته فقط.
قال سم: والحاصل من مسألة القريتين أنهما إن اتصل بنيانهما ولم يكن بينهما سور، اشترط مجاوزتهما.
وإن كان بينهما سور، اشترط مجاوزته فقط، وإن اتصل البنيان.
اه.
(قوله: وإن اختلفتا) أي القريتان.
وهو غاية في كون حكمهما حكم القرية الواحدة.
(قوله: فلو انفصلتا) أي القريتان.
(قوله: ولو يسيرا) أي ولو كان ذراعا.
كما في الإيعاب نقلا عن المجموع عن صاحب الحاوي.
واعتمد في التحفة والنهاية الضبط بالعرف، وأن قول الماوردي جري على الغالب اه.
كردي.
(قوله: كفى إلخ) جواب فلو (وقوله: مجاوزة قرية المسافر) أي فقط ولا يشترط مجاوزته القريتين (قوله: لا المسافر الخ) معطوف على المسافر سفرا طويلا، ومحترزه أنه لا يجوز القصر والجمع لمسافر سفرا قصيرا.
وهو ما بينة بقوله: لم يبلغ سفره إلخ.
(وقوله: مسيرة يوم وليلة) أي أربعة وعشرين ساعة ذهابا فقط.
(وقوله: بسير الأثقال) المراد بالأثقال: الإبل المحملة بالأثقال، أي الأحمال، على سبيل المجاز المرسل.
والعلاقة المجاورة.
(قوله: مع النزول المعتاد) متعلق بمحذوف حال من سير، أي حال كونه مصاحبا للنزول المعتاد.
(قوله: ولا لآبق الخ) هو وما بعده من أفراد محرز قيد محذوف كان الأولى التصريح به وهو أن يكون سفره غير معصية فاحترز به عما إذا كان معصية بأن يكون أنشأه معصية من أوله، ويسمى حينئذ عاصيا بالسفر.
وذلك كعبد آبق من سيده، وكمدين موسر حل الدين الذي عليه قبل سفره ولم يف به، وكمسافر لقطع الطريق.
أو يكون قلبه معصية بعد أن أنشأه طاعة، بأن قطع الطريق، أو آبق من سيده، ويسمى حينئذ عاصيا بالسفر في السفر.
فإن تاب الأول - وهو العاصي بالسفر - فأول سفره محل توبته، فإن كان الباقي طويلا في الرخصة التي يشترط فيها طول السفر - كالقصر والجمع - أو قصيرا في الرخصة التي لا يشترط فيها ذلك - كأكل الميتة للمضطر - ترخص، وإن كان الباقي قصيرا في الرخصة التي يشترط فيها طول السفر، لم يترخص.
وأما الثاني - وهو العاصي بالسفر في السفر - فإن تاب ترخص مطلقا، وإن كان الباقي قصيرا اعتبارا بأوله وآخره.
وألحق بسفر المعصية سفر من أتعب نفسه أو دابته بالركض بلا غرض شرعي، وإن كان
سافر لمجرد رؤية البلاد - على الاصح -.
وينتهي السفر بعوده إلى وطنه، وإن كان مارا به، أو إلى موضع
سفره لطاعة.
وبقي قسم ثالث، وهو العاصي في السفر، وهو من سافر لطاعة بقصد الحج مثلا، فارتكب معصية في طريقه - كأن زنى، أو شرب الخمر - مع بقاء قصده الشئ الذي أنشأ السفر لأجله.
وهذا لا يمنع من الترخص مطلقا.
(والحاصل) أن العاصي ثلاثة أقسام الأول: العاصي بالسفر، وهو الذي أنشأ معصية.
والثاني: العاصي بالسفر في السفر، وهو الذي قلبه معصية بعد أن أنشأه طاعة، كأن جعله لقطع الطريق ونأى عن الطاعة التي قصدها.
والثالث: العاصي في السفر، وهو الذي يسافر بقصد الطاعة وعصى في أثنائه مع استمرار الطاعة التي قصدها.
(قوله: ومسافر الخ) معطوف على آبق، وسفره هذا معصية، كما علمت.
(قوله: قادر عليه) أي على وفائه.
(قوله: ولا لمن سافر لمجرد رؤية البلاد) هذا أيضا محترز قيد محذوف كان الأولى ذكره، وهو أن يكون سفره لغرض صحيح كزيارة، وتجارة، وحج.
(قوله: وينتهي السفر إلخ) لما بين المحل الذي يصير مسافرا إذا وصل إليه وهو خارج السور أو البنيان، شرع يبين المحل الذي إذا وصل إليه ينقطع سفره.
وحاصل ما يقال فيه أنه رجع بعد سفره من مسافة القصر إلى وطنه انتهى سفره بمجرد وصول السور إن كان، سواء نوى الإقامة به أم لا، كأن له فيه حاجة أم لا.
وأما إذا رجع إلى غير وطنه، ولم يكن له حاجة، ونوى قبل الوصول إليه إقامة مطلقا أو أربعة أيام صحاح، وكان وقت النية ماكثا مستقلا، انتهى سفره بمجرد وصول السور أيضا.
أما إذا لم ينو أصلا، أو نوى إقامة أقل من أربعة أيام، فلا ينتهي سفره بوصول السور، وإنما ينتهي بإقامة أربعة أيام صحاح،
غير يومي الدخول والخروج.
وأما إذا كان له حاجة، فإن لم يتوقع انقضاءها قبل أربعة أيام، بل جزم بأنها لا تقضى إلا بعد الأربعة، انتهى سفره بمجرد المكث والاستقرار، سواء نوى الإقامة بعد الوصول أم لا.
فإن توقع انقضاءها كل يوم، لم ينته سفره إلا بعد ثمانية عشر يوما صحاحا.
هذا كله إذا رجع بعد وصوله إلى مسافة القصر، فإن رجع قبل وصوله إلى مسافة القصر لحاجة كتطهر وأخذ متاع، أو نوى الرجوع وهو مستقل ماكث، فإن كان إلى وطنه: انتهى سفره بابتداء رجوعه أو نيته.
وإن كان إلى غير وطنه: لا ينتهي سفره، بل يترخص وإن دخل البلد، فإن رجع قبل ذلك لا لحاجة، بل للإقامة: انقطع سفره برجوعه مطلقا إلى وطنه، أو إلى غيره.
وقد حرر العلامة الكردي مسألة ما ينتهي به السفر بتحرير لم يسبق إلى مثله، ولا بأس بذكره هنا تتميما للفائدة، فنص عبارته: ظهر للفقير في ضبط أطراف هذه المسألة أن تقول أن السفر ينقطع بعد استجماع شروطه بأحد خمسة أشياء: الأول: بوصوله إلى مبدأ سفره من سور أو غيره وإن لم يدخله، وفيه مسألتان: إحداهما أن يرجع من مسافة القصر إلى وطنه، وقيده في التحفة بالمستقبل، ولم يقيده بذلك في النهاية وغيرها.
الثانية: أن يرجع من مسافة القصر إلى غير وطنه، فينقطع بذلك أيضا، لكن بشرط قصد إقامة مطلقة أو أربعة أيام كوامل.
الثاني: انقطاعه بمجرد شروعه في الرجوع إلى ما سافر منه، وفيه مسألتان: إحداهما رجوعه إلى وطنه من دون مسافة القصر.
الثانية: إلى غير وطنه من دون مسافة القصر بزيادة شرط، وهو نية الإقامة السابقة.
الثالث: بمجرد نية الرجوع وإن لم يرجع وفيه مسألتان: إحداهما: إلى وطنه، ولو من سفر طويل، بشرط أن يكون مستقلا ماكثا.
الثانية: إلى غير وطنه، فينقطع بزيادة شرط، وهو نية الإقامة السابقة فيما نوى الرجوع إليه.
فإن سافر من محل نيته فسفر جديد، والتردد في الرجوع كالجزم به.
الرابع: انقطاعه بنية إقامة المدة السابقة بموضع غير الذي سافر منه، وفيه مسألتان: إحداهما: أن ينوي الإقامة المؤثرة بموضع قبل وصوله إليه، فينقطع سفره بوصوله إليه بشرط أن يكون مستقلا، الثانية: نيتها بموضع عند أو بعد وصوله إليه، فينقطع بزيادة شرط، وهو كونه ماكثا عند النية.
آخر، ونوى إقامته به مطلقا، أو أربعة أيام صحاح، أو علم أن إربه لا ينقضي فيها، ثم إن كان يرجو حصوله
كل وقت: قصر ثمانية عشر يوما.
وشرط لقصر نية قصر في تحرم، وعدم اقتداء - ولو لحظة - بمتم ولو مسافرا
الخامس: انقطاعه بالإقامة دون غيرها، وفيه مسألتان: إحداهما: انقطاعه بنية إقامة أربعة أيام كوامل غير يومي
الدخول والخروج.
ثانيهما: انقطاعه بإقامة ثمانية عشر يوما صحاحا، وذلك فيما إذا توقع قضاء وطره قبل مضي أربعة أيام كوامل، ثم توقع ذلك قبل مضيها، وهكذا إلى أن مضت المدة المذكورة.
فتلخص أن إنقضاء السفر بواحد من الخمسة المذكورة، وفي كل واحد منها مسألتان، فهي عشر مسائل، وكل ثانية من مسألتين تزيد على أولاهما بشرط واحد، وهذا لم أقف على من ضبطه كذلك.
والله أعلم.
اه.
(قوله: وإن كان مارا به) أي بوطنه في سفره، كأن خرج منه ثم رجع من بعيد قاصدا المرور به من غير إقامة.
(قوله: وإلى موضع آخر) معطوف على إلى وطنه، أي وينتهي سفره بعوده إلى موضع آخر غير وطنه.
(قوله: ونوى إقامته به) أي وكان مستقلا، فلا بد في انتهاء سفره بعوده إلى الموضع الآخر من هذين القيدين نية الإقامة به، سواء نواها قبل بلوغه ذلك الموضع أو بعده.
وكونه مستقلا، وهو غير الزوجة والقن.
فإن لم ينو الإقامة به لا ينتهي سفره بمجرد وصوله ذلك الموضع الآخر، بل ينتهي بإقامة أربعة أيام بالفعل، أو نوى الإقامة ولكنه غير مستقل كقن وزوجة، فلا أثر لنيته المخالفة لنية متبوعه.
قال سم: لكن يبعد أنه لو نوى الإقامة ماكثا، وهو قادر على المخالفة وصمم على قصد المخالفة أثرت نيته.
(وقوله: مطلقا) أي من غير تقييد بزمن، لا بأربعة أيام، ولا بأكثر.
(قوله: أو أربعة أيام) أي أو نوى الإقامة أربعة أيام صحاح، أي غير يومي الدخول والخروج، لأن في الأول الحط، وفي الثاني الترحال، وهما من أشغال السفر فلا يعتبران.
قال في التحفة: تنبيه: يقع لكثير من الحجاج أنهم يدخلون مكة قبل الوقوف بنحو يوم ناوين الإقامة بمكة بعد رجوعهم من منى أربعة أيام فأكثر، فهل ينقطع سفرهم بمجرد وصولهم لمكة نظرا لنية الإقامة بها - ولو في الأثناء - أو يستمر سفرهم إلى عودهم إليها من منى، لأنه من جملة مقصدهم؟ فلم تؤثر نيتهم الإقامة القصيرة قبله ولا الطويلة إلا عند الشروع فيها وهي إنما تكون بعد رجوعهم من منى ووصولهم مكة؟ للنظر فيه مجال، وكلامهم محتمل، والثاني أقرب.
اه.
(قوله: أو علم) معطوف على ونوى إقامته به، فهو راجع للموضع الآخر، أي وينتهي سفره بوصوله إلى موضع آخر، وقد علم أن إربه - بكسر أوله وسكون ثانيه وبفتحهما - أي حاجته.
(وقوله: لا ينقضي فيها) أي الأربعة الأيام بأن علم بقاءه مدة تزيد على أربعة أيام صحاح، وذلك لبعده عن هيئة المسافرين.
(قوله: ثم إن كان إلخ) لا محل لثم هنا، بل الأولى والمناسب التفريع، بأن يقول: فإن كان إلخ.
(وقوله: يرجو حصوله) أي الإرب من حين وصوله ذلك الموضع الآخر.
(وقوله: كل وقت) مراده مدة لا تقطع السفر كيوم ويومين.
(وقوله: قصر ثمانية عشر يوما) أي غير يومي الدخول والخروج، لانه - صلى الله عليه وسلم - أقامها بعد فتح مكة لحرب هوازن يقصر الصلاة، ومثل القصر - عل المنقول المعتمد - سائر رخص
السفر.
(قوله: وشرط الخ) ذكر للقصر أربعة شروط، وذكر فيما تقدم شرطين له وللجمع، لكن لا بعنوان الشرطية، وهما: كونه طويلا، ومجاوزة السور أو البنيان.
وبقي عليه أربعة شروط: كون السفر مباحا، وكونه لغرض صحيح، وكون المسافر قاصدا محلا معلوما من حيث المسافة بأن يعلم أن مسافته مرحلتان فأكثر سواء كان معينا - كمكة - أو غير معين - كالحجاز، وكونه عالما بجواز القصر، فلو قصر جاهلا بذلك لم يصح لتلاعبه.
وقد ذكر محترز الشرطين الأولين من هذه الأربعة، كما سبق التنبيه عليه.
(قوله: نية قصر) أي كأن يقول: نويت أصلي الظهر مقصورة، ومثل ذلك ما لو نوى الظهر مثلا ركعتين، وإن لم ينو ترخصا، وما لو قال أؤدي صلاة السفر، فلو لم ينو ما ذكر، بأن نوى الإتمام أو أطلق: أتم لأونه المنوي في الأولى، والأصل في الثانية.
وكذا لو شك هل نوى القصر أو الإتمام؟ فيجب عليه الإتمام، وإن تذكر عن قرب، لتأدي جزء من الصلاة حال التردد.
(وقوله: في تحرم) أي مع التحرم، كأصل النية، فلو نواه بعد الإحرام لم ينفعه، فيجب الإتمام.
(قوله: وعدم اقتداء ولو لحظة بمتم) فإن اقتدى به في جزء من صلاته - كأن أدركه آخر صلاته - لزمه الإتمام، لخبر الإمام أحمد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - سئل ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعا إذا ائتم بمقيم؟