باب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البكري الدمياطي
- الكتاب
- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (هو حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين)
- المؤلف
- أبو بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي (المتوفى: 1310هـ)
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوريع
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـ - 1997 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
رسول الله (ص)، مردود بأن ذلك لسبب لم يوجد في غيره، وهو أن الله خيره فاختاره.
وأما الكافر فيلقنهما قطعا، مع لفظ أشهد، لوجوبه أيضا - على ما سيأتي فيه - إذ لا يصير مسلما إلا بهما.
وأن يقف جماعة بعد الدفن عند القبر ساعة يسألون له التثبيت ويستغفرون له، و (تلقين بالغ، ولو شهيدا) كما اقتضاه إطلاقهم - خلافا للزركشي
ذلك الثواب) أي هو دخول الجنة مع الفائزين.
(قوله: وبحث تلقينه) مبتدأ، خبره مردود.
(قوله: الرفيق الأعلى) قال حجر في فتاويه الحديثية.
قيل هو أعلى المنازل - كالوسيلة التي هي أعلى الجنة - فمعناه: أسألك يا الله أن تسكنني أعلى مراتب الجنة.
وقيل معناه: أريد لقاءك يا الله يا رفيق يا أعلى.
والرفيق من أسمائه تعالى، للحديث الصحيح: إن الله رفيق.
فكأنه طلب لقاء الله.
اه.
ع ش.
(قوله: لأنه آخر ما تكلم الخ) أي لأن لفظ الرفيق الأعلى آخر كلامه - صلى الله عليه وسلم -.
(قوله: مردود) أي فلو أتى به لم يحصل سنة التلقين، ويظهر أنه لا كراهة فيه.
اه.
ع ش.
(قوله: بأن ذلك) أي تكلمه - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى.
(وقوله: لم يوجد) أي السبب.
(وقوله: في غيره) أي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(وقوله: وهو إلخ) أي ذلك
السبب أن الله خير النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بقائه في الدنيا وبين لحوقه بالرفيق الأعلى، فاختار الرفيق الأعلى.
(قوله: وأما الكافر إلخ) مقابل لقوله بأنه مسلم.
ولو قدمه عنده وقال: ومن ثم يلقنها الكافر الخ لكان أنسب وأولى.
وعبارة شرح الرملي: وقول الطبري - كجمع - أن زيادتها أولى، لأن المقصود موته على الإسلام، مردود بأن هذا مسلم.
ومن ثم بحث الأسنوي أنه لو كان كافرا لقن الشهادتين وأمر بهما، لخبر الغلام اليهودي، ويكون ذلك وجوبا - كما أفاده الوالد رحمه الله تعالى - إن رجي إسلامه، وإلا فندبا.
اه.
وقوله: لخبر الغلام اليهودي: وهو ما رواه البخاري عن أنس.
قال: كان غلام يهودي يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمرض، فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم.
فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم.
فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.
(قوله: فليلقنهما) أي كلمتي التوحيد.
(وقوله: مع لفظ أشهد) أي مع تلقينه لفظ أشهد.
(وقوله: لوجوبه) أي لفظ أشهد.
(وقوله: أيضا) أي كوجوب كلمتي التوحيد.
(وقوله: على ما سيأتي فيه) أي على ما سيأتي في باب الردة من الخلاف في لفظ أشهد، هل يجب تكريره أو لا؟ وعبارته في باب الردة - أعاذنا الله منها - بعد كلام: ويؤخذ من تكريره - أي الشافعي رضي الله عنه - لفظ أشهد: أنه لا بد منه في صحة الإسلام، وهو ما يدل عليه كلام الشيخين في الكفارة وغيرها، لكن خالف فيه جمع.
وفي الأحاديث ما يدل لكل.
اه.
(قوله: إذ لا يصير الخ) تعليل لوجوب تلقينهما مع لفظ أشهد.
(وقوله: إلا بهما) أي بكلمتي التوحيد.
أي النطق بهما.
(قوله: وأن يقف جماعة الخ) معطوف على أن يلقن، أي ويندب أن يقف جماعة إلخ.
والمناسب تأخير هذا وذكره بعد قوله.
وتلقين بالغ إلخ، وإنما ندب وقوف جماعة بعد الدفن، لانه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من دفن ميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، وأسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسئل.
(واعلم) أن السؤال عام لكل مكلف، ويكون بحسب لغته - على الصحيح - وقيل بالسرياني.
وهو - على القول به - أربع كلمات، الأولى: اتره.
الثانية: اترح.
الثالثة: كاره.
الرابعة: سالحين.
فمعنى الأولى: قم يا عبد الله إلى سؤال الملكين.
ومعنى الثانية: فيم كنت؟ ومعنى الثالثة: من ربك وما دينك؟ ومعنى الرابعة: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي الخلق أجمعين؟ وقد ورد أن حفظ هذه الكلمات دليل على حسن الخاتمة.
(قوله: ساعة) أي بقدر ذبح جزور وتفرقة لحمها.
(وقوله: يسألون له التثبيت) كأن يقولوا اللهم ثبته.
فلو أتوا بغير ذلك - كالذكر على القبر - لم يكونوا آتين بالسنة وإن حصل لهم ثواب على ذكرهم.
والسؤال المذكور غير التلقين الآتي، وذلك لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: إذا دفنتموني فأقيموا بعد ذلك حول قبري ساعة، قدر ما تنحر جزور ويفرق لحمها، حتى أستأنس بكم
وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي.
(قوله: وتلقين بالغ) معطوف على أن يلقن أيضا.
أي ويندب تلقين بالغ الخ، وذلك لقوله تعالى: * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) * 1 وأحوج ما يكون العبد إلى التذكير في هذه الحالة.
وخرج بالبالغ
- (بعد) تمام (دفن) فيقعد رجل قبالة وجهه ويقول: يا عبد الله ابن أمة الله: اذكر العهد الذي خرجت عليه من
الطفل، فلا يسن تلقينه لأنه لا يفتن في قبره.
ومثله المجنون - إن لم يسبق له تكليف وإلا لقن - وعبارة النهاية: ولا يلقن طفل - ولو مراهقا - ومجنون لم يتقدمه تكليف - كما قيد به الأذرعي - لعدم افتتانهما.
اه.
(قوله: ولو شهيدا) الغاية للرد، ولا فرق بين شهيد المعركة وغيره.
وقال م ر: استثنى بعضهم شهيد المعركة، كما لا يصلى عليه.
وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى.
والأصح أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يسألون، لأن غير النبي يسئل عن النبي، فكيف يسأل هو عن نفسه؟.
اه.
وقوله: شهيد المعركة: قال ع ش: أي لأنه لا يسأل.
وأفاد اقتصاره عليه أن غيره من الشهداء يسأل.
وعبارة الزيادي: والسؤال في القبر عام لكن مكلف، ولو شهيدا إلا شهيد المعركة.
ويحمل القول بعدم سؤال الشهداء ونحوهم، ممن ورد الخبر بأنهم لا يسألون: على عدم الفتنة في القبر، خلافا للجلال السيوطي.
اه.
واستدل القرطبي لعدم سؤال شهيد المعركة بخبر مسلم هل يفتن الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة.
قال: ومعناه أن السؤال في القبر إنما جعل لامتحان المؤمن الصادق في إيمانه، وثبوته تحت بارقة السيوف أدل دليل على صدقه في إيمانه.
(قوله: خلافا للزركشي) أي في قوله إن الشهيد لا يلقن لعدم سؤاله.
وانظر: هل الزركشي يخالف في الشهيد مطلقا أو في شهيد المعركة؟.
(قوله: بعد إلخ) متعلق بتلقين، أي يندب التلقين بعد تمام دفنه، لخبر: العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان.
الحديث.
فتأخير تلقينه لما بعد إهالة التراب، أقرب إلى حالة سؤاله.
(قوله: فيقعد رجل الخ) بيان لكيفية التلقين.
(قوله: يقول: يا عبد الله إلخ) رواه الطبراني بلفظ: إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمعه.
ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا.
ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله - ولكن لا تشعرون - فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما.
فإن منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من لقن حجته؟ فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال فينسبه إلى أمه حواء، يقول يا فلان ابن حواء.
اه.
شرح الروض.
ورأيت في حاشية البرماوي على سم صيغة تلقين بأبسط مما هنا، ولا بأس بذكرها هنا تتميما للفائدة، وهي: ويسن تلقينه بعد الدفن وتسوية القبر، فيجلس عند رأسه إنسان يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، كل شئ هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى.
منها خلقناكم للأجر والثواب، وفيها نعيدكم للدود والتراب، ومنها نخرجكم للعرض والحساب.
باسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.
إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون.
يا فلان ابن فلانة، أو يا عبد الله، يا ابن أمة الله: يرحمك الله - ذهبت عنك الدنيا وزينتها، وصرت الآن في برزخ من برزخ الآخرة، فلا تنس العهد الذي فارقتنا عليه في دار الدنيا وقدمت به إلى دار الآخرة، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
فإذا جاءك الملكان الموكلان بك وبأمثالك من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يزعجاك ولا يرعباك، واعلم أنهما خلق من خلق الله تعالى - كما أنت خلق من خلقه - فإذا أتياك وأجلساك وسألاك وقالا لك: ما ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ وما اعتقادك؟ وما الذي مت عليه؟ فقل لهما: الله ربي.
فإذا سألاك الثانية، فقل لهما: الله ربي.
فإذا سألاك الثالثة وهي الخاتمة الحسنى فقل لهما بلسان طلق بلا خوف ولا فزع: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، والقرآن
الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد (ص) نبيا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا.
ربي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
قال شيخنا: ويسن تكراره ثلاثا، والاولى للحاضرين الوقوف، وللملقن القعود.
ونداؤه بالام فيه - أي إن عرفت، وإلا فبحواء - لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لان كليهما
إمامي، والكعبة قبلتي، والصلوات فريضتي، والمسلمون إخواني، وإبراهيم الخليل أبي، وأنا عشت ومت على قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
تمسك يا عبد الله بهذه الحجة، واعلم أنك مقيم بهذا البرزخ إلى يوم يبعثون.
فإذا قيل لك ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي الخلق أجمعين؟ فقل: هو محمد - صلى الله عليه وسلم -.
جاءنا بالبينات من ربه فاتبعناه وآمنا به وصدقنا برسالته.
فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم.
واعلم يا عبد الله أن الموت حق، وأن نزول القبر حق، وأن سؤال منكر ونكير فيه حق، وإن البعث حق، وأن الحساب حق، وأن الميزان حق، وأن الصراط حق، وأن النار حق، وأن الجنة حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
ونستودعك الله.
اللهم يا أنيس كل وحيد، ويا حاضرا ليس يغيب، آنس وحدتنا ووحدته وارحم غربتنا وغربته، ولقنه
حجته ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
(قوله: ويسن تكراره) أي التلقين.
وعبارة شرح الروض: قال الزركشي: قال صاحب الاستقصاء: ويسن إعادة التلقين ثلاثا.
قلت: وهو قياس التلقين عند الموت.
اه.
قال القمولي: قال العلماء ولا يعارض التلقين قوله تعالى: * (وما أنت بمسمع من في القبور) * وقوله: تعالى: * (إنك لا تسمع الموتى) * لانه - صلى الله عليه وسلم - نادى أهل القليب وأسمعهم، وقال: ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون جوابا.
وقال في الميت إنه يسمع قرع نعالكم.
وهذا يكون في وقت دون وقت.
اه.
(قوله: والأولى للحاضرين) أي تلقين الميت.
(وقوله: الوقوف) أي للحديث المار، وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه إلخ.
(قوله: وللملقن القعود) أي والأولى للملقن أن يقعد أي لأنه أقرب إلى إسماع الميت التلقين.
(قوله: ونداؤه بالأم فيه) أي نداء الميت بأمه في التلقين.
وهو مبتدأ، خبره جملة لا ينافي.
ولا يقال إنه لم يناد بها فيه، بل نودي بيا عبد الله.
وأما قوله ابن أمة الله، فليس بنداء، بل بدل، لأنا نقول: البدل على نية تكرار العامل، والتقدير يا ابن أمة الله.
(قوله: أي إن عرفت) أي التفسيرية ساقطة من عبارة شيخه، وهو الأولى.
ثم إن هذا يفيد أن الملقن يعين الأم باسمها - كفاطمة، وصالحة - وإلا فلا فائدة في التقييد به، لأنه معلوم أن لكل ميت أما.
وقوله: في صدر العبارة: ويقول عبد الله ابن أمة الله: يفيد عدم ذلك، ويؤيد الأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الطبراني المار، ثم يقول يا فلان بن فلانة، فإنهما كنايتان عن العلم، كزيد، وهند.
وقول الرجل فيه: يا رسول، فإن لم يعرف أمه.
الخ.
(قوله: وإلا فبحواء) أي وإن لم تعرف، فيناديه بحواء بأن يقول: يا عبد الله ابن حواء.
(قوله: لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم) أي لقوله تعالى: * (ادعوهم لآبائهم) * أي للصلب، وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم.
(قوله: لأن كليهما) أي دعاء الميت بأمه في التلقين، ودعاء الناس بآبائهم يوم القيامة.
وقوله: توقيف.
أي وارد من الشارع.
وقوله:123
توقيف، لا مجال للرأي فيه.
والظاهر أنه يبدل العبد بالامة في الانثى، ويؤنث الضمائر.
انتهى.
(و) يندب (زيارة قبور لرجل) لا لانثى، فتكره لها.
نعم، يسن لها زيارة قبر النبي (ص).
قال بعضهم: وكذا سائر الانبياء،
لا مجال للرأي فيه: أي لا دخل للعقل فيما هو توقيف.
(قوله: والظاهر أنه يبدل العبد بالأمة) بأن يقول: يا أمة الله.
(قوله: ويؤنث الضمائر) أي في اذكر، بأن يقول: اذكري.
وفي خرجت، بأن يكسر تاء المخاطب.
وفي رضيت كذلك.
(قوله: انتهى) أي قول شيخه في فتح الجواد لكن بتصرف.
وعبارته: وسن تلقين مكلف بعد تمام الدفن المأثور، وهو مشهور، ونداؤه بالأم فيه إن عرفت، وإلا فبحواء - كما دل الحديث الذي استدلوا به لأصل سنة التلقين ردا على من زعم أنه بدعة، ثم النداء بالأم لا ينافي دعاء الناس يوم القيامة بآبائهم، لأن كليهما توقيف لا مجال للرأي فيه.
وحكمته أن هذه دار ستر، وتلك دار هتك، لظهور آثار الأعمال على عاملها إلا على من وقي الله.
اه.
بحذف.
(قوله: ويندب زيارة قبور، لرجل) أي لخبر: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكركم الآخرة.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما من أحد يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه.
ويتأكد ندب الزيارة في حق الأقارب، خصوصا الأبوين، ولو كانوا ببلد آخر غير البلد الذي هو فيه، فقد روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه: من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر الله له، وكان بارا بوالديه.
وفي رواية: من زار قبر والديه كل جمعة أو أحدهما، فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم، غفر له بعدد ذلك آية أو حرفا.
وفي رواية: من زار قبر والديه أو أحدهما كأن كحجة.
وروي إن الرجل لا يموت والداه وهو عاق لهما فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارين.
فأفادت هذه الأخبار أن من زار قبر أبويه كان بارا لهما غير عاق ولا مضيع حقهما.
وكان ابن واسع يزور القبور يوم الجمعة ويقول: بلغني أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما بعده.
وورد أيضا: أن أرواح المؤمنين تأتي في كل ليلة إلى سماء الدنيا وتقف بحذاء بيوتها، وينادي كل واحد منها بصوت حزين ألف مرة.
يا أهلي، وأقاربي، وولدي.
يا من سكنوا بيوتنا، ولبسوا ثيابنا، واقتسموا أموالنا.
هل منكم من أحد يذكرنا ويتفكرنا في غربتنا ونحن في سجن طويل وحصن شديد؟ فارحمونا يرحمكم الله، ولا تبخلوا علينا قبل أن تصيروا مثلنا.
يا عباد الله: إن الفضل الذي في أيديكم كان في أيدينا، وكنا لا ننفق منه في سبيل الله، وحسابه ووباله علينا، والمنفعة لغيرنا.
فإن لم تنصرف - أي الأرواح - بشئ، فتنصرف بالحسرة والحرمان.
وورد أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما الميت في قبره إلا كالغريق المغوث.
ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها.
ويسن أن يكون الزائر على طهارة، وفي سم ما نصه: قال في شرح العباب: ولا يسن السفر لقصد زيارة غير نبي أو
عالم أو صالح، خروجا من خلاف من منعه كالجويني فإنه قال أن ذلك لا يجوز.
اه.
ولم يبينوا أن الزائر يزور قائما أو قاعدا؟ ويحتمل أن يقال يفعل ما يليق لو كان الميت حيا، وقد يستدل للقيام مطلقا أو للأكابر بالقيام في زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
اه.
(قوله: لا لأنثى) تصريح بالمفهوم، ومثلها الخنثى.
(قوله: فتكره) أي الزيارة، لأنها مظنة لطلب بكائهن، ورفع أصواتهن، لما فيهن من رقة القلب، وكثرة الجزع، وقلة احتمال المصائب.
وإنما لم تحرم لانه - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة تبكي على قبر صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري متفق عليه.
فلو كانت الزيارة حراما لنهي عنها.
ولخبر عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ - تعني إذا زرت القبور -.
قال: قولي: السلام على أهل الدار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
ومحل ذلك حيث لم يترتب على خروجها فتنة، وإلا فلا شك في التحريم.
ويحمل على ذلك الخبر الصحيح.
لعن الله زوارات القبور.
والعلماء، والاولياء.
ويسن - كما نص عليه - أن يقرأ من القرآن ما تيسر على القبر، فيدعو له مستقبلا للقبلة.
(وسلام) لزائر على أهل المقبرة عموما، ثم خصوصا، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين - عند أول
(قوله: نعم، يسن لها زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -) أي لأنها من أعظم القربات للرجال والنساء.
(قوله: قال بعضهم) هو ابن الرفعة والقمولي وغيرهما.
(وقوله: وكذا الخ) أي مثل زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، زيارة سائر قبور الأنبياء والعلماء والأولياء، فتسن لها.
وفي التحفة ما نصه: قال الأذرعي إن صح - أي ما قاله بعضهم - فأقاربها أولى بالصلة من الصالحين.
اه.
وظاهره أنه لا يرتضيه.
لكن ارتضاه غير واحد، بل جزموا به.
والحق في ذلك أن يفصل بين أن تذهب لمشهد كذهابها للمسجد، فيشترط هنا ما مر، ثم من كونها عجوز ليست متزينة بطيب ولا حلي ولا ثوب زينة - كما في الجماعة - بل أولى، وإن تذهب في نحو هودج مما يستر شخصها عن الأجانب، فيسن لها - ولو شابة - إذ لا خشية فتنة هنا.
ويفرق بين نحو العلماء والأقارب بأن القصد إظهار تعظيم نحو العلماء بإحياء مشاهدهم، وأيضا فزوارهم يعود عليهم منهم مدد أخروي، لا ينكره إلا المحرومون، بخلاف الأكابر، فاندفع قول الأذرعي إن صح الخ.
اه.
وفي النهاية: والأوجه عدم إلحاق قبر أبويها وأخواتها وبقية أقاربها بذلك، أخذا من العلة، وإن بحث ابن قاضي شهبة الإلحاق.
اه.
(قوله: ويسن كما نص عليه أن يقرأ الخ) أي لما ورد إن فمن زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده يس والقرآن الحكيم، غفر له بعدد ذلك آية أو حرفا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا بفاتحة الكتاب والإخلاص والمعوذتين، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر، فإنه يصل إليهم.
فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللم أوصل ثواب ما قرأته إلى فلان.
(وحكى) بعض أهل العلم أن رجلا رأى في المنام أهل القبور في بعض المقابر قد خرجوا من قبورهم إلى ظاهر المقبرة، وإذا بهم يلتقطون شيئا ما يدري ما هو.
قال: فتعجبت من ذلك، ورأيت رجلا منهم جالسا لا يلتقط معهم شيئا، فدنوت منه وسألته: ما الذي يلتقط هؤلاء؟ فقال يلتقطون ما يهدي إليهم المسلمون من قراءة القرآن والصدقة والدعاء.
فقال: فقلت له: فلم لا تلتقط أنت معهم؟ قال أنا غني عن ذلك.
فقلت: بأي شئ أنت غني؟ قال بختمة يقرؤها ويهديها إلى كل يوم ولدي يبيع الزلابية في السوق الفلاني.
فلما استيقظت ذهبت إلى السوق حيث ذكر، فإذا شاب يبيع الزلابية، ويحرك شفتيه.
فقلت: بأي شئ تحرك شفتيك؟ قال أقرأ القرآن وأهديه إلى والدي في قبره.
قال: فلبثت مدة من الزمان، ثم رأيت الموتى قد خرجوا من القبور، وإذا بالرجل الذي كان يلتقط صار يلتقط، فاستيقظت وتعجبت من ذلك، ثم ذهبت إلى السوق لا تعرف خبر ولده فوجدته قد مات.
(قوله: من القرآن) بيان لما، مقدم عليه.
(قوله: فيدعو له) أي فعقب القراءة يسن أن يدعو للميت رجاء الإجابة، لأن الدعاء ينفع الميت، وهو عقب القراءة أقرب إلى الإجابة.
وسيأتي - في باب الوصية - كلام في حصول ثواب الدعاء والقراءة للميت - إن شاء الله تعالى - (وقوله: مستقبلا للقبلة) حال من فاعل يدعو، أي يدعو حال كون الداعي مستقبلا للقبلة.
وعبارة المغني: وعند الدعاء يستقبل القبلة وإن قال الخراسانيون باستحباب استقبال وجه الميت.
اه.
(قوله: وسلام لزائر إلخ) أي ويندب سلام لزائر على أهل المقبرة، أي لما روى عن أبي هريرة: قال أبو رزين: يا رسول الله، إن طريقي على الموتى، فهل لي كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: قل السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين.
أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وإنا شاء الله بكم لاحقون.
قال أبو رزين: هل يسمعون؟ قال: يسمعون ولا يستطيعون أن يجيبوا - أي جوابا يسمعه الحي -.
وقال: يا أبا رزين: ألا ترضى أن ترد عليك بعددهم الملائكة؟.
(قوله: عموما) أي لجميع من في المقبرة.
(وقوله: ثم خصوصا) أي لمن قصد زيارته من أقاربه.
(قوله: فيقول الخ)
المقبرة -.
ويقول عند قبر أبيه - مثلا -: السلام عليك يا والدي.
فإن أراد الاقتصار على أحدهما أتى بالثانية، لانه أخص بمقصوده، وذلك لخبر مسلم: أنه (ص) قال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
والاستثناء للتبرك، أو للدفن بتلك البقعة، أو للموت على الاسلام.
(فائدة) ورد أن من مات يوم الجمعة أو ليلتها أمن من عذاب القبر وفتنته.
وورد أيضا: من قرأ قل هو الله أحد، في مرض موته مائة مرة، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر،
تفريغ على الإتيان بالسلام عموما، وما بعده على الإتيان به خصوصا (قوله: ويقول عند قبر أبيه الخ) قال سم: عبارة العباب: ويقول وهو قائم أو قاعد مقابل وجه الميت: السلام عليكم إلخ.
وفي شرحه عقب وهو قائم أو قاعد - كما في المجموع عن الحافظ أبي موسى الأصبهاني - قال: كما أن الزائر في الحياة ربما زار قائما أو قاعدا أو مارا.
وروي القيام من حديث جماعة.
اه.
(واعلم) أنهم صرحوا في باب الحديث وغيره بأن قراءة القرآن جالسا أفضل.
وصرح به المصنف في التبيان، وقضيته أن من أراد القراءة عند القبر سن له الجلوس.
اه.
(قوله: فإن أراد الإقتصار على أحدهما) أي صيغة العموم، أو صيغة الخصوص.
(قوله: أتى بالثانية) أي الصيغة الثانية، وهي: السلام عليك يا والدي مثلا.
(قوله: لأنه) أي الثانية.
والأولى لأنها بضمير المؤنث.
(وقوله: أخص بمقصوده) أي أكثر دلالة على مقصوده الذي.
هو زيارة نحو أبيه، بخلاف الأولى، فإنها تشمله وغيره، فهي ليست أدل على مقصوده.
(قوله: وذلك) أي ما ذكر من سنية السلام على أهل المقبرة من حيث هو، لخبر مسلم الخ.
(قوله: السلام عليكم إلخ) زاد ابن السني عن عائشة رضي الله عنها: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: من دخل المقابر فقال: اللهم رب الأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا من عندك، وسلاما مني.
استغفر له كل مؤمن مذ خلق الله آدم.
وأخرجه ابن أبي الدنيا بلفظ.
كتب الله له بعدد من مات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات.
وأخرج البيهقي عن بشير بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجبانة فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم الله غربتكم، وتجاوز الله عن سيئاتكم، وقبل الله حسناتكم - لا يزيد على هؤلاء الكلمات -.
قال ذلك الرجل: فأمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر، فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير جاؤني، قلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر.
وقد عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك.
قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها.
قلت: فأنا أعود لذلك.
قال: فما تركتها بعد.
(قوله: والاستثناء للتبرك إلخ) جواب عما يقال إن اللحوق بهم محقق، فلا معنى للاستثناء.
وحاصل الجواب أنه أتى به للتبرك أو باعتبار الدفن في تلك البقعة، أو باعتبار الموت على الإسلام، أي نلحقكم في هذه البقعة إن شاء الله تعالى، أو نلحقكم ونموت على الإسلام إن شاء الله.
قال في شرح الروض: والصحيح أنه للتبرك، امتثالا لقوله تعالى: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) *.
اه.
(قوله: فائدة) الأولى أن يقول فوائد، بصيغة الجمع.
(قوله: أمن من عذاب القبر وفتنته) قال في التحفة: وأخذ منه أنه لا يسئل، وإنما يتجه ذلك إن صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أو عن صحابي، إذ مثله لا يقال من قبل الرأي.
ومن ثم قال شيخنا: يسأل من مات برمضان أو ليلة الجمعة - لعموم الأدلة الصحيحة.
اه.
والفرق بين فتنة القبر وعذابه، أن الأولى تكون بامتحان الميت بالسؤال.
وأما العذاب فعام يكون ناشئا عن عدم جواب السؤال، ويكون عن غير ذلك.
(قوله: وأمن من ضغطه القبر) أي ضمته للميت، وهي أول ما يلقاه الميت من أهوال القبر، فهي قبل السؤال.
وجاوز الصراط على أكف الملائكة.
وورد أيضا: من قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين - أربعين مرة - في مرضه فمات فيه، أعطي أجر شهيد، وإن برئ برئ مغفورا له.
غفر الله لنا، وأعاذنا من عذاب القبر وفتنته.
وقد صرحت الروايات والآثار بأن ضمة القبر عامة، للصالح وغيره.
وقد قال الشهاب ابن حجر: قد جاءت الأحاديث الكثيرة بضمة القبر، وأنه لا ينجو منها صالح ولا غيره، بل أخبر - صلى الله عليه وسلم - في سعد بن معاذ سيد الأوس من الأنصار أنه اهتز لموته عرش الرحمن استبشارا لقدوم روحه، وإعلاما بعظيم مرتبته، وأنه لم ينج منها، وأنه شيع جنازته سبعون ألف ملك، وأنه لو كان أحد بنحو منها لنجا منها هذا العبد الصالح.
لكن الناس مختلفون فيها، قيل ضمة القبر: التقاء جانبيه على جسد الميت.
قال الحكيم الترمذي: لا نعلم أن للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - في القبر ضمة ولا سؤالا، لعصمتهم.
قيل هي للمطيع حنو، ولغيره ضمة سخط.
ويرده ما ورد في سعد بن معاذ أنه ضغط في قبره ضغطة شديدة بحيث اختلفت أضلاعه فيها، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذلك، فقال إنه كان يقصر في بعض الطهور من البول.
وأن الضمة المذكورة تكون لكل أحد، حتى الأطفال.
لكن ذكر إن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها سلمت من هذه الضمة، وأن من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه كذلك - أي يسلم منها، وكذا الأنبياء.
وحكمتها: أن الأرض أمهم، ومنها خلقوا، فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما ردوا إليها ضمتهم ضمة الوالدة التي غاب ولدها ثم قدم عليها، فمن كان مطيعا لله ضمته برفق ورأفة، ومن كان عاصيا ضمته بعنف سخطا منها لله عليه.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وجاوز الصراط على أكف الملائكة) في رواية.
وحمله الملائكة بأجنحتها حتى يجيزونه من الصراط إلى الجنة.
(قوله: ورود أيضا من قال الخ) في إرشاد العباد للمؤلف، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أخبرك بأمر حق من تكلم به في أول مضجعه عن مرضه نجاه الله من النار؟ قلت: بلى قال: لا إله
إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، وسبحان الله رب العباد والبلاد، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على كل حال.
الله أكبر.
كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان.
اللهم إن كنت أمرضتني لقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم الحسنى، وأعذني كما أعذت أولئك الذي سبقت لهم منك الحسنى.
إن مت في مرضك ذلك، فإلى رضوان الله والجنة، وإن كنت قد اقترفت ذنوبا تاب الله عليك.
وروي.
ما من ميت يقرأ عنده يس إلا هون الله عليه.
ويستحب - إذا احتضر الميت - أن يقرأ عنده أيضا سورة الرعد فإن ذلك يخفف عن الميت سكرة الموت، وإنه أهون لقبضه، وأيسر لشأنه.
وذكر جماعة أن السواك يسهل خروج الروح، لاستياكه - صلى الله عليه وسلم - عند موته.
وروى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أتاه ملك الموت وهو على وضوء، أعطي الشهادة.
نسأل الله أن يمن علينا بالشهادة، ويمنحنا الحسنى وزيادة، ويرزقنا التقوى والاستقامة، بجاه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - المظلل بالغمامة.
(خاتمة) نسأل الله حسن الختام - تسن تعزية المصاب، لما أخرجه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من عزى مصابا فله مثل أجره.
وأخرج الترمذي أيضا عن أبي برزة: من عزى ثكلى كسي بردا.
وأخرج ابن ماجه والبيهقي عن عمرو بن حزم: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة.
وقد أرسل الإمام الشافعي - رضي الله عنه - إلى بعض أصحابه يعزيه في ابن له قد مات بقوله: إني معزيك لا إني على ثقة * * من الخلود، ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد ميته * * ولا المعزي ولو عاشا إلى حين والتعزية: هي الأمر بالصبر، والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة وللحي بجبر المصيبة، فيقال فيها: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك، وجبر معصيتك، أو أخلف عليك، أو نحو ذلك.
وهذا في تعزية المسلم بالمسلم.
وأما تعزية المسلم بالكافر فلا يقال فيها: وغفر لميتك، لأن الله لا يغفر الكفر.
وهي مستحبة قبل مضي ثلاثة أيام من الموت، وتكره بعد مضيها.
ويسن أن يعم بها جميع أهل الميت من صغير
وكبير، ورجل وامرأة، إلا شابة وأمرد حسنا، فلا يعزيهما إلا محارمهما، وزوجهما.
ويكره ابتداء أجنبي لهما بالتعزية، بل الحرمة أقرب.
ويكره لأهل الميت الجلوس للتعزية، وصنع طعام يجمعون الناس عليه، لما روى أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة، ويستحب لجيران أهل الميت - ولو أجانب - ومعارفهم - وإن لم يكونوا جيرانا - وأقاربه الأباعد - وإن كانوا بغير بلد الميت - أن يصنعوا لأهله طعاما يكفيهم يوما وليلة، وأن يلحوا عليهم في الأكل.
ويحرم صنعه للنائحة، لأنه إعانة على معصية.
وقد اطلعت على سؤال رفع لمفاتي مكة المشرفة فيما يفعله أهل الميت من الطعام.
وجواب منهم لذلك.
(وصورتهما).
ما قول المفاتي الكرام بالبلد الحرام دام نفعهم للأنام مدى الأيام، في العرف الخاص في بلدة لمن بها من الأشخاص أن الشخص إذا انتقل إلى دار الجزاء، وحضر معارفه وجيرانه العزاء، جرى العرف بأنهم ينتظرون الطعام، ومن غلبة الحياء على أهل الميت يتكلفون التكلف التام، ويهيئون لهم أطعمة عديدة، ويحضرونها لهم بالمشقة الشديدة.
فهل لو أراد رئيس الحكام - بما له من الرفق بالرعية، والشفقة على الأهالي - بمنع هذه القضية بالكلية ليعودوا إلى التمسك بالسنة السنية، المأثورة عن خير البرية وإلى عليه ربه صلاة وسلاما، حيث قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما يثاب على هذا المنع المذكور؟ أفيدوا بالجواب بما هو منقول ومسطور.
(الحمد لله وحده) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والسالكين نهجهم بعده.
اللهم أسألك الهداية للصواب.
نعم، ما يفعله الناس من الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام، من البدع المنكرة التي يثاب على منعها والي الأمر، ثبت الله به قواعد الدين وأيد به الإسلام والمسلمين.
قال العلامة أحمد بن حجر في (تحفة المحتاج لشرحك المنهاج): ويسن لجيران أهله - أي الميت - تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم، للخبر الصحيح.
اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم.
ويلح عليهم في الأكل ندبا، لأنهم قد يتركونه حياء، أو لفرط جزع.
ويحرم تهيئه للنائحات لأنه إعانة على معصية، وما اعتيد من جعل أهل الميت طعاما ليدعوا الناس إليه، بدعة مكروهة - كإجابتهم لذلك، لما صح عن جرير رضي الله عنه.
كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام بعد دفنه من النياحة.
ووجه عده من النياحة ما فيه من شدة الاهتمام بأمر الحزن.
ومن ثم كره اجتماع أهل الميت ليقصدوا بالعزاء، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم.
اه.
وفي حاشية العلامة الجمل على شرح المنهج: ومن البدع المنكرة والمكروه فعلها: ما يفعله الناس من الوحشة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجمع والأربعين، بل كل ذلك حرام إن كان من مال محجور، أو من ميت عليه دين، أو يترتب عليه ضرر، أو نحو ذلك.
اه.
وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبلال بن الحرث رضي الله عنه: يا بلال من أحيا سنة من سنتي قد أميتت من بعدي، كان له من الأجر مثل من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيئا.
ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، كان عليه مثل من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيئا.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: إن هذا الخير خزائن، لتلك الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مفتاحا للخير، مغلاقا للشر.
وويل لعبد جعله الله مفتاحا للشر، مغلاقا للخير.
ولا شك أن منع الناس من هذه البدعة المنكرة فيه إحياء للسنة، وإماته للبدعة، وفتح لكثير من أبواب الخير، وغلق لكثير من أبواب الشر، فإن الناس يتكلفون تكلفا كثيرا، يؤدي إلى أن يكون ذلك الصنع محرما.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
كتبه المرتجي من ربه الغفران: أحمد بن زيني دحلان - مفتي الشافعية بمكة المحمية - غفر الله له، ولوالديه، ومشايخه، والمسلمين.
(الحمد لله) من ممد الكون أستمد التوفيق والعون.
نعم، يثاب والي الأمر - ضاعف الله له الأجر، وأيده بتأييده - على منعهم عن تلك الأمور التي هي من البدع المستقبحة عند الجمهور.
قال في (رد المحتار تحت قول الدار المختار) ما نصه: قال في الفتح: ويستحب لجيران أهل الميت، والأقرباء الأباعد، تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم.
حسنه الترمذي، وصححه الحاكم.
ولأنه بر ومعروف، ويلح عليهم في الأكل، لأن الحزن يمنعهم من ذلك، فيضعفون حينئذ.
وقال أيضا: ويكره الضيافة من الطعام من أهل الميت، لأنه شرع في السرور، وهي بدعة.
روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعهم الطعام من النياحة.
اه.
وفي البزاز: ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع، ونقل الطعام إلى القبر في المواسم إلخ.
وتمامه فيه، فمن شاء فليراجع.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
كتبه خادم الشريعة والمنهاج: عبد الرحمن بن عبد الله سراج، الحنفي، مفتي مكة المكرمة - كان الله لهما حامدا مصليا مسلما.
وقد أجاب بنظير هذين الجوابين مفتي السادة المالكية، ومفتي السادة الحنابلة.
(واعلم) أنه يندب الصبر على المصائب، لما أخرجه الشيخان أن بنتا له - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إليه تدعوه وتخبره أن ابنها في الموت.
فقال - صلى الله عليه وسلم - للرسول: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى.
فمرها: فلتصبر، ولتحتسب.
وأخرج البخاري: ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة.
وفي حديث: من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب.
ولذلك قال بعضهم: اصبر لكل مصيبة وتجلد * * واعلم بأن المرء غير مخلد واصبر كما صبر الكرام فإنها * * نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها * * فاذكر مصابك بالنبي محمد وقال آخر: تذكرت لما فرق الدهر بيننا * * فعزيت نفسي بالنبي محمد وقلت لها: إن المنايا سبيلنا * * فمن لم يمت في يومه مات في غد وقال آخر: مات خير الخلق من قد خصه * * ربه بالصحب من خير صحاب كل حي ذائق كأس الفنا * * هكذا المسطور في أم الكتاب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيها الناس لكم بالمصطفى * * أسوة، فالموت يدني للذهاب فثقوا بالله، وارضوا، وخذوا * * ما قضى الله بصبر واحتساب قال المؤلف في (إرشاد العباد): وكأن القاضي حسينا - من أكابر أئمتنا - أخذ من هذا قوله الذي أقروه عليه: يجب على كل مؤمن أن يكون حزنه على فراق النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا أكثر منه على فراق أبويه، كما يجب عليه أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من نفسه، وأهله، وماله.
اه.
وفي حديث آخر: إنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي إنما يحمد الصبر عند مفاجأة المصيبة، وأما فيما بعد فيقع السلو طبعا.
ومن ثم قال بعضهم: ينبغي للعاقل أن يفعل بنفسه أول أيام المصيبة ما يفعله الأحمق بعد خمسة أيام.
وفي حديث آخر: إن الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر.
وورد: من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الخنث، كانوا له حصنا من النار.
فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -.
قدمت اثنين.
قال: واثنين.
قال آخر: إني قدمت واحدا.
قال: وواحدا، ولكن ذلك في أول صدمة.
وفي حديث مسلم إن الأطفال دعاميص الجنة - أي حجاب أبوابها - يتلقى أحدهم أباه - أو قال أبويه - فيأخذه بثوبه - أو قال بيده - فلا ينتهي حتى يدخله الجنة.
وفي خبر مسلم: أنه مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت: لا يحدثه إلا أنا.
فلما جاء قربت إليه عشاءه، فأكل، وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كان تتصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأته أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا.
قالت أم سليم: فاحتسب ابنك.
فغضب، ثم انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما.
وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما، ضحك عند دفن ابنه، فقيل له: أتضحك؟ فقال: أردت أن أرغم الشيطان.
وقال أبو علي الرازي: صحبت الفضيل ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا مبتسما، ولا مستبشرا، إلا يوم مات ابنه علي، فقلت له في ذلك، فقال: إن الله أحب أمرا فأحببته.
والأخبار والحكايات الدالة على تأكد الصبر كثيرة شهيرة، ويتأكد لمن ابتلي بمصيبة - بميت، أو في نفسه، أو أهله، أو ماله، وإن خفت - أن يكثر * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * 1 اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف علي خيرا منها.
لأن الله تعالى وعد من قال ذلك * (عليهم صلوات من ربهم ورحمة) * 2 وأنهم * (هم المهتدون) * ولخبر مسلم أن من قال ذلك آجره الله وأخلف له خيرا.
وقال ابن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعطه غيرهم: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * ولو أوتوه لقاله يعقوب عليه السلام.
ولم يقل يا أسفى على يوسف.
جعلنا الله من الصابرين في الضراء، الشاكرين في السراء.
آمين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.