باب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البكري الدمياطي
- الكتاب
- إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (هو حاشية على فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين)
- المؤلف
- أبو بكر (المشهور بالبكري) عثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي (المتوفى: 1310هـ)
- الناشر
- دار الفكر للطباعة والنشر والتوريع
- الطبعة
- الأولى، 1418 هـ - 1997 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
باب الحج
1 هو آخر أركان الإسلام، وأخره عن الصوم نظرا للقول بأن الصوم أفضل منه، واقتداء بخبر: بني الإسلام الخ.
واعلم أن فضائله لا تحصى.
منها خبر: من جاء حاجا يريد وجه الله تعالى، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويشفع فيمن دعا له.
ومنها خبر: من قضى نسكه، وسلم الناس من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وروى ابن حبان عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الحاج حين يخرج من بيته لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا وقفوا بعرفات: باهى الله بهم ملائكته، يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا، أشهدكم أني غفرت لهم ذنوبهم وإن كانت عدد قطر السماء ورمل عالج.
وإذا رمى الجمار: لم يدر أحد ما له حتى يتوفاه الله تعالى يوم القيامة، وإذا حلق شعره فله بكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة.
فإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وقال ابن العماد في كشف الأسرار: وحكمة تركب الحج من الحاء والجيم: الإشارة إلى أن
الحاء من الحلم، والجيم من الجرم - فكأن العبد يقول: يا رب جئتك بجرمي - أي ذنبي - لتغفره بحلمك اه.
وأعمال الحج كلها تعبدية، وقد ذكر لهما بعض حكم، فمن ذلك ما ذكره في (الروض الفائق في المواعظ والرقائق) أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الحكمة في أفعال الحج، وما في المناسك الشريفة من المعاني اللطيفة، فقال: ليس من أفعال الحج ولوازمه شئ إلا وفيه حكمة بالغة، ونعمة سابغة، ونبأ وشأن وسر يقصر عن وصفه كل لسان.
فأما الحكمة في التجرد عند الإحرام: فإن من عادة الناس إذا قصدوا أبواب المخلوقين، لبسوا أفخر ثيابهم من اللباس، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: القصد إلى بابي خلاف القصد إلى أبوابهم، لأضاعف لهم أجرهم وثوابهم.
وفيه أيضا أن يتذكر العبد بالتجرد عند الإحرام: التجرد عن الدنيا عند نزول الحمام - كما كان أولا - لما خرج من بطن أمه مجردا عن الثياب، وفيه شبه أيضا بحضور الموقف يوم الحساب - كما قال تعالى: * (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) * (2).
- (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) * 2.
اه.
وأما الاغتسال عند الإحرام: فلحكمة ظاهرة الإحكام، وهو أن الله تعالى يريد أن يعرض الحجاج على الملائكة ليباهي بهم الأنام، فلا يعرضون على الملائكة الكرام إلا وهم مطهرون من الأدناس والآثام.
وفيه أيضا حكمة أخرى: وهي أن الحجاج يضعون أقدامهم على مواضع أقدام الأنبياء الأبرار، فيكونون قبل ذلك قد اغتسلوا لينالوا بركتهم في تلك الآثار، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: * (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) *. وأما الحكمة في التلبية: فإن الإنسان إذا ناداه إنسان جليل القدر أجابه بالتلبية وحسن الكلام، فكيف بمن ناداه مولاه الملك العلام، ودعاه إلى جنابة ليكفر عنه الذنوب والآثام؟ وإن العبد إذا قال: لبيك، يقول الله تعالى: ها أنا دان إليك، ومتجل عليك.
فسل ما تريد، فأنا أقرب إليك من حبل الوريد.
وأما الحكمة في الوقوف بعرفة وأخذ الجمار من المزدلفة: فإن فيه أسرار لذوي العلم والمعرفة، فمعناه: كأن العبد يقول - سيدي: حملت جمرات
وهو: بفتح أوله وكسره - لغة: القصد، أو كثرته إلى من يعظم.
وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي.
وهو من الشرائع القديمة.
وروي أن آدم عليه السلام حج أربعين حجة من الهند ماشيا، وأن جبريل قال له: إن
الذنوب والأوزار، وقد رميتها في طاعتك بالإقرار، إنك أنت الكريم الغفار.
وأما الحكمة في الذكر عند المشعر الحرام، وما فيه من الأجور العظام: فكأن الحق تعالى يقول: اذكروني أذكركم، من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، فإذا ذكرتموني عند المشعر الحرام ذكرتكم بين ملائكتي الكرام، وكتبت لكم توقيع الأمان من حلول الانتقام.
وأما الحكمة في حلق الرأس بمنى، ففيه حكمة يبلغ بها العبد جميع المنى، وذلك أن فيه يقظة وتذكيرا لا يفهمهما إلا من كان عالما نحريرا، لأن الحاج إذا وقف بعرفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، وضحى بمنى، وحلق رأسه، وطهر بدنه من الأدناس والآثام: كتب الله عزوجل له ثوابا، وضاعف له أجورا، ووقاه جحيما وسعيرا، وجعل له بكل شعرة يوم القيامة نورا، وأعطى توقيع الأمان - كما قال تعالى في كتابه المكنون: * (محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) * 2.
وأما الحكمة في الطواف، وما فيه من المعاني والألطاف: فإن الطائف بالبيت يقول بلسان حاله عند دعائه وابتهاله: سيدي، أنت المقصود، وأنت الرب المعبود، أتيت إليك مع جملة الوفود، وطفت ببيتك المشهود، وقمت ببابك أرجو الكرم والجود، وقد سبق خطابك لخليلك الأمين في محكم كتابك المبين: * (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) * 3.
وأما الحكمة في الوقوف بعرفات وما فيه من المعاني البديعة الصفات، فإن فيه تنبيها وتذكيرا بالوقوف بين يدي الحق سبحانه وتعالى يوم القيامة حفاة عراة مكشوفي الرؤوس، واقفين على أقدام الحسرة والندامة، يضجون بالبكاء والعويل، ويدعون مولاهم دعاء عبد ذليل، فلله در أقوام دعاهم مولاهم إلى البيت العتيق، فأجابوا داعي الوجد والتشويق، وساروا إليه مشاة على قدم التصديق، * (وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) * (4).
اه.
(قوله: هو) أي الحج، وهو مبتدأ، خبره القصد.
(وقوله: بفتح أوله وكسره) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير الواقع مبتدأ - على رأي سيبويه - أي هو حال كونه متلبسا بفتح أوله - وهو الحاء - أو كسره، القصد.
والفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة أهل نجد، وهما لغتان فصيحتان، قرئ بهما في السبع.
فبالكسر قرأ حفص وحمزة والكسائي، وبالفتح قرأ الباقون.
(وقوله: لغة القصد) أي على ما قاله الجوهري.
(وقوله: أو كثرته) أي على ما قاله الخليل.
(وقوله: إلى من يعظم) متعلق بالقصد: أي القصد إلى شئ يقصد تعظيمه - كعبة كان أو غيرها - وتعبيره بمن - التي للعاقل - على سبيل التغليب، لأن المعظم صادق بالعاقل وغيره، فغلب العاقل على غيره وعبر بمن، وهذا
الذي جرى عليه ضعيف، والصحيح أن معناه لغة: القصد مطلقا، إلى من يعظم، وإلى غيره.
(قوله: وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي) أي الأفعال الآتية، من إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، وحلق، مع ترتيب المعظم.
وهذا التعريف هو الموافق لما هو الغالب من أن المعنى الشرعي يشتمل على المعنى اللغوي وزيادة.
ويرد عليه أنه يقتضي أن الحج الشرعي: القصد المذكور، وإن كان ماكثا في بيته.
وأجيب عنه بأن المراد القصد المذكور مع فعل الأعمال المذكورة.
وعرفه بعضهم بأنه نفس الأفعال الآتية، وهذا هو الموافق لقولهم: أركان الحج، وسنن الحج.
إذا الأركان: أفعال.
فجعلها أجزاء للحج: يفيد أنه مركب منها، فهو عبارة عن مجموع أفعال.
ويمكن أن يقال إن جعلهم إياها أركانا للحج مجاز، لا حقيقة.
والمراد أنها أركان للمقصود منه، وهو فعل الأعمال، لا للقصد نفسه الذي هو الحج.
(قوله: وهو من الشرائع القديمة) أي لا من خصوصيات هذه الأمة - كما قيل به - قال القليوبي: ينبغي أن يكون هذا بمعناه اللغوي، أما بهذه الهيئة المخصوصة، فهو من خصائص هذه الأمة.
(قوله: وروي أن آدم الخ) استدلال على كونه من الشرائع القديمة.
(وقوله: ماشيا) قيل لمجاهد - أفلا كان يركب؟ قال: وأي شئ كان يحمله؟ (قوله: وأن جبريل إلخ)1
الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة.
قاب ابن إسحاق: لم يبعث الله نبيا بعد إبراهيم عليه
هذا لا يدل على أن الحج من الشرائع القديمة، وإنما يدل على أن الطواف منها.
(قوله: بهذا البيت) (اعلم) أنه كان من زمردة خضراء، وفيه قناديل من قناديل الجنة، فلما جاء الطوفان في عهد نوح رفعه الله إلى السماء الرابعة، وأخذ جبريل الحجر الأسود، فأودعه في جبل أبي قبيس - صيانة له من الغرق فكان مكان البيت خاليا إلى زمن إبراهيم عليه السلام، فلما ولد له إسماعيل وإسحق، أمره الله ببناء بيت يذكر فيه، فقال: يا رب بين لي صفته، فأرسل الله سحابة على قدر الكعبة، فسارت معه حتى قدم مكة، فوقفت في موضع البيت، ونودي يا إبراهيم: ابن على ظلها، لا تزد ولا تنقص - فكان جبريل عليه السلام: يعلمه، وإبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة.
وفي الإيضاح للنووي ما نصه: واختلف المفسرون في قوله تعالى: * (إن أول بيت وضع للناس) * 1.
فروى الأزرقي في كتاب مكة، عن مجاهد، قال: لقد خلق الله عزوجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأرض بألفي
سنة، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.
وعن مجاهد أيضا إن هذا البيت أحد أربعة عشر بيتا: في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت، بعضهن مقابل لبعض.
وروى الأزرقي أيضا عن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنهم قال: إن الله تعالى بعث ملائكة، فقال ابنوا لي في الأرض بيتا تمثال البيت المعمور وقدره.
وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
قال: وهذا كان قبل خلق آدم.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو أول بيت بناه آدم في الأرض.
اه.
وقد بني البيت عشر مرات - كما في القسطلاني على البخاري - وقد نظم بعضهم البانين على الترتيب فقال: بنى بيت رب العرش عشر فخذهم * * ملائكة الله الكرام، وآدم فشيث، فإبراهيم، ثم عمالق * * قصي، قريش - قبل هذين - جرهم وعبد الإله، ابن الزبير بنى - كذا * * بناء لحجاج - وهذا متمم وقوله: بناء لحجاج: أي بجانب الحجر فقط بأمر عبد الملك بن مروان، وبعض البناء كان ترميما.
قال ابن علان: قلت وقد سقط من بناء ابن الزبير ما بناه الحجاج الجدار الشامي، وجانب من الشرقي والغربي فسد محله بأخشاب من صبيحة سقوطه لعشرين من شعبان سنة 9301 تسع وثلاثين وألف إلى أوائل جمادي من السنة بعده، وقد أفردت لذلك مؤلفا واسعا، ثم لخصته.
فبالنظر لما ذكر من السد وهو من صاحب مكة الشريف مسعود بن إدريس، ثم من العمارة، وهي من جانب السلطان مراد خان بن السلطان أحمد خان - تكون أبنية الكعبة اثنتي عشرة مرة، وقد نظمت ذلك فقلت: بنى الكعبة الأملاك آدم بعده * * فشيث، وإبراهيم، ثم العمالقه وجرهم، قص مع قريش، وتلوهم * * هو ابن زبير، فادر هذا وحققه وحجاج تلو، ثم مسعود بعدهم * * شريف بلاد الله بالنور أشرقه ومن بعد ذا حقا بنى البيت كله * * مراد بن عثمان فشيد رونقه اه.
قلت وقد حدث ترميم في باطن الكعبة المعظمة في شهر ربيع الأخير سنة 1299 - ألف ومائتين وتسع وتسعين - في مدة سلطنة وخلافة مولانا السلطان الغازي عبد الحميد الثاني - نصره الله - ابن المرحوم مولانا السلطان الغازي عبد المجيد بن محمود بن عبد الحميد الأول.
وقد أرخ العمارة المذكورة شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، فريد العصر والأوان - مولانا الأستاذ السيد أحمد بن زيني دحلان - في بيت واحد، وجعل قبله بيتين للدخول على بيت التاريخ
فقال: اه.
الصلاة والسلام إلا حج.
والذي صرح به غيره: أنه ما من نبي إلا حج، خلافا لمن استثنى هودا وصالحا.
لسلطاننا عبد الحميد محاسن * * ومن ذا الذي بالحصر يقوى يعدد؟ وقد حاز تعميرا لباطن قبلة * * وتاريخه بيت فريد يحدد بناء بدا زهوا لداخل كعبة * * وسلطاننا عبد الحميد المجدد 82 169 207 97 655 19 7 53 - 841 سنة 458 1299 (فائدة) قال وهب بن منبه - رضي الله عنه -: مكتوب في التوراة: إن الله عزوجل يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين، بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام، فيقول لهم: اذهبوا فزموه بهذه السلاسل، ثم قودوه إلى المحشر، فيأتونه، فيزمونه بتلك السلاسل، ويمدونه.
وينادي ملك: يا كعبة الله سيري فتقول: لست بسائرة حتى أعطى سؤلي.
فينادي ملك من جو السماء: سلى.
فتقول الكعبة: يا رب شفعني في جيراني الذين دفنوا حولي من المؤمنين.
فتسمع النداء: قد أعطيتك سؤلك.
قال: فتحشر موتى مكة بيض الوجوه كلهم محرمين مجتمعين حول الكعبة يلبون.
ثم تقول الملائكة: سيري يا كعبة الله.
فتقول: لست بسائرة حتى أعطى سؤلي.
فينادي ملك من جو السماء: سلي تعطي.
فتقول الكعبة: يا رب عبادك المذنبون الذي وفدوا إلي من كل فج عميق شعثا غبرا، تركوا الأهل والأولاد والأحباب وخرجوا شوقا إلي زائرين مسلمين طائعين حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تشفعني فيهم، وتؤمنهم من الفزع الأكبر، وتجمعهم حولي.
فينادي الملك: فإن فيهم من ارتكب الذنوب بعدك، وأصر على الكبائر حتى وجبت له النار.
فتقول: يا رب، أسألك الشفاعة في المذنبين الذين ارتكبوا الذنوب العظام والأوزار، حتى وجبت لهم النار.
فيقول الله تعالى: قد شفعتك فيهم، وأعطيتك سؤلك.
فينادي ملك من جو السماء: ألا من زار كعبة الله فليعتزل عن الناس.
فيعتزلون، فيجعلهم الله تعالى حول البيت الحرام بيض الوجوه.
آمنين من النار، يطوفون ويلبون.
ثم ينادي ملك من جو السماء: ألا يا كعبة الله سيري.
فتقول الكعبة: لبيك اللهم لبيك، والخير كله بيديك، لبيك لا شريك لك لبيك.
إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
ثم يمدونها إلى المحشر.
(قوله: لم يبعث الله نبيا) أي رسولا، بدليل ذكر البعث، لأنه خاصة الرسول، لكن عبر جماعة بقولهم: إن جميع الأنبياء والرسل حجوا البيت.
(قوله: والذي صرح به غيره) أي غير ابن إسحاق.
وقصده بهذا بيان أن قول ابن إسحاق
بعد إبراهيم ليس بقيد.
(قوله: أنه ما من نبي إلا حج) أي من كان قبل إبراهيم، ومن كان بعده.
والمراد بالنبي ما يشمل الرسول.
(قوله: خلافا لمن استثنى هودا وصالحا) أي قال إنهما لم يحجا.
قال العلامة عبد الرؤوف: وقائله عروة بن الزبير - رضي الله عنهما - حيث قال: بلغني أن آدم ونوحا حجا دون هود وصالح، لاشتغالهما بأمر قومهما، ثم بعث الله إبراهيم فحجه وعلم مناسكه، ثم لم يبعث الله نبيا بعده إلا حجه.
ويجاب عن قول عروة بأن الحديث على فرض صحته معارض بأحاديث كثيرة أنهما حجا، منها قول الحسن في رسالته: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن قبر نوح وهود وشعيب وصالح فيما بين الركن والمقام وزمزم.
ومن المعلوم أنهم لا يأتون البيت بغير حج.
مع أن المثبت مقدم على النافي.
ولا تكره الصلاة بين الركن والمقام وزمزم توهما من حديث الحسن، لكونهما مقبرة، لأنها مقبرة الأنبياء، وهم أحياء في قبورهم، ولا يقال الكراهة أو الحرمة من حيث أن المصلي يستقبل قبر نبي، وهو منهي عنه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تتخذوا قبور أنبيائكم مساجدا.
لأن شرط الحرمة أو الكراهة تحقق ذلك، وهو منتف هنا اهـ.
ملخصا.
والصلاة أفضل منه، خلافا للقاضي.
وفرض في السنة السادسة على الاصح، حج (ص) قبل النبوة وبعدها وقبل الهجرة حججا لا يدرى عددها،
(قوله: والصلاة أفضل منه) أي من الحج.
أي ومن غيره من سائر عبادات البدن، وذلك لخبر الصحيحين: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة لوقتها.
قال حجر: ولا بدع أن يخص قولهم: أفضل عبادات البدن الصلاة بغير العلم.
وقيل الصوم أفضل، لخبر الصحيحين: قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به.
ورد ذلك بأن الصلاة تجمع ما في سائر العبادات، وتزيد عليها بوجوب الاستقبال، ومنع الكلام والمشي وغيرهما، ولأنها لا تسقط بحال، ويقتل تاركها، بخلاف غيرها.
وقال ابن أبي عصرون: الجهاد أفضل.
(وقوله: خلافا للقاضي) أي فإنه قال إن الحج أفضل منها، أي ومن غيرها من سائر العبادات، أي لاشتماله على المال والبدن، ولأنا دعينا إليه ونحن في الأصلاب، كما أخذ علينا العهد بالإيمان حينئذ.
ولأن الحج يجمع معاني العبادات كلها، فمن حج فكأنما صام، وصلى، واعتكف، وزكى، ورابط في سبيل الله، وغزا - كما قاله الحليمي -.
قال العلامة عبد الرؤوف: والظاهر أن قول القاضي هو أفضل: مفروض في غير العلم.
اه.
وحاصل المعتمد أن الأفضل مطلقا: اكتساب معرفة الله تعالى، بأن يقصد إلى النظر، وينظر في الآيات الدالة على وجوده تعالى، وعظيم قدرته، واتساع علمه في السموات والأرض وغيرهما مما يحصل به القطع بأن لا موجد لها سواه - كما قال البرعي رضي الله عنه: شهدت غرائب صنعه بوجوده * * لولاه ما شهدت به لولاه سل عنه ذرات الوجود فإنها * * تدعوه مفهوماتها رباه ثم العلم العيني وهو ما به صحة العمل، ثم فرض العين من غيره، وأفضله - على مذهب الجمهور - الصلاة.
قال الونائي ثم الصوم، ثم الحج، ثم العمرة، ثم الزكاة، ثم فرض الكفاية من العلم: وهو ما زاد على تصحيح العمل حتى يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، ثم فرض الكفاية من غيره، ثم نقل العلم: وهو ما زاد على الاجتهاد المطلق.
(قوله: وفرض في السنة السادسة) قال في النهاية - كما صححاه في السير، ونقله في المجموع عن الأصحاب - وجزم الرافعي هنا بأنه سنة خمس، وجمع بين الكلامين بأن الفريضة قد تنزل ويتأخر الإيجاب على الأمة، وهذا كقوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى) * 1 فإنا آية مكية، وصدقة الفطر مدنية.
اه.
(قوله: وحج - صلى الله عليه وسلم - إلخ) وكذلك اعتمر - صلى الله عليه وسلم - قبلها عمرا لا يدري عددها، وأما بعدها: فعمرة في رجب - كما قاله ابن عمر، وإن أنكرته عائشة، لأنه مثبت - وثلاثا - بل أربعا - في ذي القعدة: لأنه في حجة الوداع، كان في آخر أمره قارنا، وعمرة في شوال - كما صح في أبي داود - وعمرة في رمضان - كما في البيهقي، كذا في عبد الرؤوف.
(قوله: حججا لا يدرى عددها) قال في التحفة: وتسمية هذه حججا إنما هو باعتبار الصورة، إذ لم تكن على قوانين الحج الشرعي باعتبار ما كانوا يفعلونه من النسئ وغيره، بل قيل في حجة أبي بكر في التاسعة ذلك، لكن الوجه خلافه، لانه - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر إلا بحج شرعي، وكذا يقال في الثامنة التي أمر فيها عتاب بن أسيد أمير مكة، وبعدها حجة الوداع لا غير.
اه.
وكتب ابن سم ما نصه: قوله: وتسمية هذه حججا: إنما هو باعتبار الصورة أقول: قضية صنيعه أن حجه عليه الصلاة والسلام بعد النبوة قبل الهجرة لم يكن حجا شرعيا، وهو مشكل جدا.
اه.
وبعدها حجة الوداع لا غير.
وورد: من حج هذا البيت، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه قال شيخنا في حاشية
وكتب ع ش ما نصه: أقول وقد يقال لا إشكال فيه، لأن فعله - صلى الله عليه وسلم - بعد النبوة قبل فرضه لم يكن شرعيا بهذا الوجه
الذي استقر عليه الأمر.
فيحمل قول حجر، إذ لم يكن على قوانين الشرع إلخ، على أنه لم يكن على قوانين الشرع بهذه الكيفية.
اه.
قال العلامة باقشير.
قوله: على قوانين إلخ.
كأن المراد بقوانين الحج الشرعي: هو ما استقر عليه، فلا ينافي أن ما فعله أو أمر به شرعي.
اه.
وكتب السيد عمر البصري على قوله بل قيل في حجة أبي بكر الخ ما نصه: قال في الخادم حج أبي بكر رضي الله عنه في التاسعة كان في ذي القعدة لأجل النسئ، وكان بتقرير من الشرع، ثم نسخ بحجة الوداع.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن الزمان قد استدار إلخ.
اه.
ما في الخادم.
ونقله الفاضل عميرة وأقره، وهو واضح لا غبار عليه.
ولا يرد عليه قول الشارح رحمه الله تعالى، لأنه - صلى الله عليه وسلم - الخ.
اه.
وقوله لاجل النسئ: هو فعيل بمعنى مفعول، من قولك نسأت الشئ، فهو منسوء، إذا أخرته.
ومعنى النسئ الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية: هو أنه كانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره.
وكان الذي يحملهم على هذا: أن كثيرا منهم إنما كانوا يعيشون بإغارة بعضهم على بعض، ونهب ما يمكن نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضر بهم تواليها، وتشتد حاجتهم، وتعظم فاقتهم، فيحلون بعضها، ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم، فأنزل الله تعالى القرآن بتحريمه وعده من أنواع الكفر، فقال سبحانه وتعالى: * (إنما النسئ زيادة في الكفر) * 1 (قوله: وبعدها إلخ) أي وحج بعد الهجرة حجة الوداع لا غيرها.
(قوله: خرج من ذنوبه) قال ابن علان: الصغائر والكبائر والتبعات - كما يؤذن به عموم الجمع المضاف، وجاء التصريح بهما في رواية - وألف الحافظ ابن حجر في ذلك جزءا أسماه (قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج) وأفتى به الشهاب الرملي.
وحمله ولده على من مات فيه أو بعده وقبل تمكنه من الوفاء.
قال الشيخ محمد الحطاب المالكي - نقلا عن ابن خليل المكي شيخ المحب الطبري - أوائل مناسكه: قال مشايخنا المتقدمون: إن الضمان من الله بالمظالم والتبعات - والله أعلم - إنما ينزل على التائب الذي ليس بمصر، وقد يتعذر ردها إلى صاحبها والتحلل منه.
اه.
وألف فيه السيد بادشاه الحنفي جزءا.
قال الشارح - يعني ابن حجر - لكن ظاهر كلامهم يخالفه، والأول أوفق بظاهر السنة، والثاني أوفق بالقواعد، ويؤيده ما في المجموع عن القاضي عياض: غفران الصغائر فقط مذهب أهل السنة، والكبائر لا يكفرها إلا التوبة أو رحمه الله تعالى.
وعن الإمام مالك أن ذلك عام في كل ما ورد، واستدل له المصنف بخبر مسلم فيمن أحسن وضوءه وصلاته كانت كفارة لما قبله من الذنوب ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله، وبه يرد قول مجلي رد الكلام الإمام، وهذا الحكم يحتاج لدليل، وفضل الله واسع.
ويرد أيضا - كما قال إبن عبد البر - بأنه جهل وموافقة للمرجئة في قولهم، ولو كان كما زعموا لم يكن للأمر بالتوبة معنى، وقد أجمع المسلمون أنها فرض، والفرض لا يصح شئ منه إلا بالقصد.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
لكن ربما أثرت هذه الطاعات في القلب، فحملت على التوبة.
وحديث العباس بن مرداس أنه - صلى الله عليه وسلم -: دعا لأمته عشية عرفة بالعفو حتى عن المظالم والدماء فلم يستجب له، ثم دعا لهم صبيحة مزدلفة فاستجيب له حتى عن المظالم والدماء.
وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحك من جزع الشيطان.
رواه ابن ماجة وأبو داود ولم يضعفه.
وإيراد ابن الجوزي له في الموضوعات رده الحافظ ابن حجر في قوة الحجاج إلى أن قال: وأحسن منه - أي من تضعيفه - أنه ليس في الحديث
الايضاح: قوله: كيوم ولدته أمه - يشمل التبعات.
وورد التصريح به في رواية، وأفتى به بعض مشايخنا، لكن ظاهر كلامهم يخالفه، والاول أوفق بظواهر السنة، والثاني أوفق بالقواعد.
ثم رأيت بعض المحققين نقل
تعرض لما الكلام فيه من تكفير الحج الكبائر والتبعات، إنما فيه أن الله استجاب دعاء نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالعفو عن جميع الذنوب بأنواعها، فإن كان المراد الحاضر من الأمة حينئذ، فظاهر عدم دلالته على المطلوب، وإن كان أمته مطلقا، فكذلك، إذ ليس في الحديث أن غفرانهم عن الحج إنما فيه إجابة لدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودلالته على المدعي تتوقف على ثبوت أنه - صلى الله عليه وسلم - أراد بالأمة الحاج منهم كل عام، وفي ثبوت ذلك بعد أي بعد.
اه.
كلام ابن علان.
وجزم المصنف - أي ابن حجر - في الحاشية بضعف حديث العباس ابن مرداس، فقال: ضعف البخاري وابن ماجه اثنين من رواته.
وقال ابن الجوزي أنه لا يصح، تفرد به عبد العزيز ولم يتابع عليه.
قال ابن حبان: وكان يحدث على التوهم والحسبان، فبطل الاحتجاج به.
اه.
وفي حاشية الشيخ باعشن على الونائي ما نصه: وحاصله أن ابن المنذر وجماعة حملوا التكفير في هذا ونحوه على ما يعم الصغائر والكبائر أخذا بإطلاق النصوص، وأن بعضهم - ومنهم العلامة ابن حجر - قيدها بالصغائر حملا للمطلق على المقيد، وعملا بما نقل من الإجماع، لكن في الإجماع نظر، إذ لو كان ثابتا لما جهله ابن المنذر وغيره من أكابر المتقدمين والمتأخرين، وحمل المطلق على المقيد إنما يكون فيما لم يرد فيه تصريح ينافي الحمل المذكور.
ومن ثم قال
العلامة الكردي: والذي يظهر أن ما صرحت به الأحاديث - من أنه يكفر الكبائر - لا ينبغي التوقف فيه بأنه يكفرها، وما أطلقت الأحاديث فيه يبقى الكلام فيه.
قال: وملت في الأصل إلى أن الإطلاق يشمل الكبائر، والفضل واسع، وما ذكره موافق للجمال الرملي.
اه.
من حاشية سيدنا وشيخنا السيد أحمد دحلان على عبد الرؤوف الزمزمي في المناسك.
وفي حاشية البجيرمي على الإقناع ما نصه: والحج يكفر الصغائر والكبائر، حتى التبعات على المعتمد، إن مات في حجه أو بعده وقبل تمكنه من أدائها.
كما قاله زي.
قال ع ش: وتكفيره لما ذكر: إنما هو لإثم الإقدام، لا لسقوط حقوق الآدميين - بمعنى أنه إذا غصب مالا، أو قتل نفسا ظلما عدوانا، غفر له إثم الإقدام على ما ذكر، ووجب عليه القود، ورد المغصوب إن تمكن، وإلا فأمره إلى الله تعالى في الآخرة.
ومثله سائر حقوق الآدميين، وهو بعيد مخالف لكلام الزيادي، وكلام الزيادي هو المشهور.
وسئل الرملي عن مرتكب الكبائر الذي لم يتب منا إذا حج، هل يسقط وصف الفسق وأثره كرد الشهادة، أو يتوقف على ذلك توبة؟ فأجاب بأنه يتوقف على التوبة مما فسق به.
وعبارة الرحماني: ولو قلنا بتكفير الصغائر والكبائر، إنما هو بالنسبة لأمور الآخرة حتى لو أراد الشهادة بعده فلا بد من التوبة، والاستبراء سنة.
اه.
بتصرف.
(قوله: كيوم ولدته أمه) أي خرج منها خروجا مثل خروجه يوم ولدته أمه، أو خرج منها حال كونه مشابها لنفسه يوم ولادته في البراءة، فهو إما صفة لمصدر محذوف، أو في محل نصب على الحال.
(قوله: يشمل التبعات) جمع تبعة بضمة بين فتحتين، وهي حق الآدمي صغيرة أو كبيرة.
اه.
عبد الرؤوف.
والضبط المذكور خلاف ما في القاموس، فإن الذي فيه كفرحة وكتابة، وكذا خلاف ما في المصباح، فإن الذي فيه ككلمة تأمل.
(قوله: وورد التصريح به) أي بلفظ التبعات.
(قوله: وأفتى به) أي بشموله للتبعات.
(قوله: لكن ظاهر كلامهم) أي الفقهاء.
(وقوله: يخالفه) أي ما ذكر من شموله للتبعات.
(قوله: والأول) أي شموله للتبعات.
(وقوله: أوفق بظواهر السنة) منها الحديث المتقدم، وهو حديث العباس بن مرداس، وقد تقدم ما فيه.
قال العلامة عبد الرؤوف: على أن الحديث مؤول بحمله على أنه يرجى لبعض الحجاج - إن الله يرضى عنه خصماءه.
(قوله: والثاني) أي عدم شموله لها المراد من قوله، لكن ظاهر كلامهم يخالفه.
(وقوله: أوفق بالقواعد) فإن القاعدة أن حق الله مبني على المسامحة، وحق الآدمي مبني على المشاحة، فلا يخرج منه
الاجماع عليه، وبه يندفع الافتاء المذكور تمسكا بالظواهر.
(والعمرة) وهي لغة: زيادة مكان عامر.
وشرعا: قصد الكعبة للنسك الآتي.
(يجبان) أي الحج والعمرة - ولا يغني عنها الحج وإن اشتمل عليها.
وخبر: سئل (ص) عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: لا ضعيف اتفاقا، وإن صححه الترمذي.
(على) كل مسلم، (مكلف) أي بالغ، عاقل، (حر): فلا يجبان على صبي ومجنون،
إلا برضاه.
(قوله: ونقل الإجماع عليه) أي على الثاني.
وفي نقل الإجماع نظر، كما تقدم عن باعشن.
(قوله: وبه
يندفع) أي وبالإجماع يندفع الإفتاء المذكور.
أي بشموله للتبعات.
(وقوله: تمسكا بالظواهر) علة الإفتاء.
(قوله: والعمرة) بالجر، عطف على الحج.
أي باب في بيان الحج وبيان العمرة، وهي بضم العين مع ضم الميم وإسكانها، وبفتح العين وإسكانها.
(قوله: وهي لغة: زيارة مكان عامر) أي ولذلك سميت عمرة.
وقيل سميت بها لأنها تفعل في العمر كله.
(قوله: وشرعا: قصد الكعبة إلخ) وقيل نفس الأعمال الآتية - كما تقدم في الحج - (وقوله: للنسك الآتي) أي الأعمال الآتية، من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق - أو تقصير -.
(فإن قلت): كلامه يقتضي اتحاد الحج والعمرة، إذ كل منهما قصد الكعبة للنسك.
(قلت) لا، لأن تقييده في تعريف كل بلفظ الآتي يدفع الاتحاد، إذ النسك الآتي في تعريف الحج غير النسك الآتي في تعريف العمرة، فما وعد بإتيانه في كل تعريف يخرج الآخر.
(قوله: يجبان إلخ) أي وجوبا عينيا على من ذكر.
أما الحج فإجماعا، بل معلوم من الدين بالضرورة، ومن أركان الإسلام.
وأما العمرة فعلى الأظهر، لما صح: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله: هل على النساء جهاد؟ قال: نعم.
جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة.
ويجبان أيضا - وجوبا كفائيا - كل سنة لإحياء الكعبة المشرفة على الأحرار البالغين، ولا يسقط بفعل غيرهم، وقيل يسقط، قياسا على الجهاد وصلاة الجنازة.
ويسنان من الأرقاء والصبيان والمجانين.
(واعلم) أن لهما خمس مراتب: صحة مطلقا - أي لم تقيد بمباشرة وغيرها - وصحة مباشرة، ووقوع عن النذر، ووقوع عن حجة الإسلام، وصحة وجوب.
ولكل مرتبة شروط.
واقتصر المؤلف - رحمه الله تعالى - على شروط مرتبة الوجوب - فيشترط للأولى: الوقت، والإسلام.
فلولي المال أن يحرم عن الصغير - كما سيأتي -.
ويشترط للثانية معهما: التمييز، ومعرفة الكيفية، والعلم بالأعمال.
بأن يأتي بها عالما أنه يفعلها عن النسك.
ويشترط للثالثة مع ما ذكر: البلوغ، والعقل، وإن لم يكن حرا فيصح نذر الرقيق الحج.
ويشترط للرابعة مع ذكر: الحرية، وإن لم يكن مستطيعا، فلو تكلف الفقير وحج حجة الإسلام صح، ووقع عنها.
ويشترط للخامسة مع ما ذكر: الاستطاعة.
(قوله: ولا يغني عنها الحج) أي لا يقوم مقام العمرة الحج، لأن كلا أصل قصد منه ما لم يقصد من الآخر - ألا ترى أن لها مواقيت غير مواقيت الحج، وزمنا غير زمن الحج؟ وحينئذ فلا يشكل بإجزاء الغسل عن الوضوء، لأن كل ما قصد به الوضوء موجود في الغسل.
اه.
تحفة.
(قوله: وإن اشتمل) أي الحج.
(وقوله: عليها) أي العمرة.
وذلك لأن أركان العمرة هي أركان الحج، ما عدا الوقوف.
والغاية لعدم الاستغناء بالحج عنها.
(قوله: وخبر) مبتدأ.
مضاف إلى جملة سئل إلخ إضافة بيانية.
(قوله: ضعيف) خبر المبتدأ.
(وقوله: اتفاقا) أي أن ضعفه ثابت باتفاق الحفاظ.
(قوله:
وإن صححه الترمذي) أي فلا يغتر بقوله.
وعبارة المغني: وأما خبر الترمذي عن جابر سئل إلخ، فضعيف.
قال في المجموع: اتفق الحفاظ على ضعفه، ولا يغتر بقول الترمذي فيه حسن صحيح.
وقال ابن حزم إنه باطل.
قال أصحابنا: ولو صح، لم يلزم منه عدم وجوبها مطلقا، لاحتمال أن المراد ليست واجبة على السائل لعدم استطاعته.
اه.
(قوله: على كل مسلم) قيد أول خرج به الكافر الأصلي، فلا يجبان عليه وجوب مطالبة بهما في الدنيا، حتى لو أسلم وهو معسر بعد استطاعته في الكفر، فإنه لا أثر لها.
أما المرتد، فيخاطب بهما في ردته، حتى لو استطاع ثم أسلم لزمه الحج، وإن افتقر.
فإن أخره حتى مات حج عنه من تركته - هذا إذا أسلم، فإن لم يسلم ومات على ردته: لا يقضيان عنه.
وكما لا يجبان على الكافر، لا يصحان منه، ولا عنه، لعدم أهليته للعبادة.
(قوله: مكلف) صفة لمسلم، وهو قيد ثان.
(قوله: ولا على رقيق.
فنسك غير المكلف - ومن فيه رق - يقع نفلا - لا فرضا (مستطيع) للحج، بوجدان الزاد ذهابا
أي بالغ عاقل) تفسير لمكلف.
(قوله: حر) أي كله ولو بالتين.
وإن كان حال الفعل قنا ظاهرا - كما في التحفة - وهو قيد ثالث.
(قوله: فلا يجبان على صبي ومجنون ولا على رقيق) أي لنقصهم.
والحج والعمرة إنما يجبان في العمر مرة واحدة، فاعتبر الكمال فيهما.
وأيضا الرقيق منافعه مستحقة لسيده، فليس مستطيعا.
وأخذ الشارح محترز بالغ وعاقل وحر ولم يأخذ محترز ما زاده - وهو مسلم - وكان الأولى ذكره أيضا، وقد علمته.
(قوله: فنسك الخ) مفرع على عدم وجوبهما على الصبي ومن بعده.
يعني وإذا لم يجبا على هؤلاء، فالنسك الواقع منهم يقع نفلا - أي يصح، ويقع تطوعا - لكن بشرط أن يتموه في الصبا والجنون والرق، فلو بلغ الصبي أو عتق وهو بعرفة، وأدرك من وقت الوقوف زمنا يعتد به في الوقوف، أو بعد إفاضته من عرفة ثم عاد إليها قبل خروج الوقت، أجزأته تلك الحجة عن فرض الإسلام، ولا دم عليه بوقوع إحرامه حال النقص، وإن لم يعد للميقات بعد الكمال، نعم، يجب عليه إعادة السعي بعد طواف الإفاضة إن كان قد سعى بعد طواف القدوم وطواف العمرة كالوقوف، فإن بلغ، أو عتق قبله، أو فيه، أجزأته تلك العمرة عن عمرة الإسلام، لكنه يعيد بعض الطواف الذي تقدم على البلوغ أو العتق.
فإن بلغ أو عتق بعد تمام الطواف، فالذي اعتمده في النهاية أنه يعيده، ويجزئه عن عمرة الإسلام.
وإفاقة المجنون بعد الإحرام عنه كبلوغ الصبي وعتق الرقيق في جميع ما ذكر.
(فائدة) الصبي إذا كان غير مميز يحرم عنه وليه، وإذا كان مميزا فهو مخير بين أن يحرم عنه أو يأذن له في ذلك.
ومثل الصبي: المجنون - فيجوز للولي أن يحرم عنه - ولو طرأ جنونه بعد البلوغ.
وكذا المغمى عليه - إن لم يرج زوال
إغمائه قبل فوات الوقوف - وإلا فلا يصح الإحرام عنه.
وأما الرقيق، فإن كان صغيرا: فللولي أن يحرم عنه، أو يأذن له إذا كان مميزا.
فإن كان بالغا فله أن يحرم بنفسه، ولو من غير إذن سيده، وإن كان له إذا لم يأذن له أن يحلله ولا يجوز لسيده أن يحرم عنه.
وصفة إحرام من ذكر عمن ذكر: أن ينوي جعله محرما بأن يقول: جعلته محرما، أو يقول - كما في الروض وشرحه - أحرمت عنه، ثم يلبي ندبا.
وحيث صار المولى محرما: أحضره وليه سائر المواقف: وجوبا في الواجب، وندبا في المندوب.
ويفعل عنه ما لا يمكن منه - كالرمي - بعد رمي نفسه، ويصلي عنه سنتي الطواف والإحرام.
ويشترط في الطواف طهرهما عن الحدث والخبث - كما اعتمداه في التحفة والنهاية -.
قال الكردي: وظاهر أن الولي إنما يفعلهما - أي الطواف والسعي - به بعد فعله عن نفسه - كما تقدم في الرمي -.
اه.
هذا إذا كان غير مميز، فإن كان مميزا طاف، وصلى، وسعى، وحضر المواقف، ورمى الأحجار بنفسه.
ثم إن الولي يغرم واجبا بإحرام، كدم تمتع، وقران، وفوات، وكفدية شئ من محظوراته إن ارتكبها المميز.
أما غيره، فلا فدية في ارتكابه محظورا على أحد.
ويغرم الولي زيادة النفقة بسبب السفر، ولو قبل صيرورته محرما.
(قوله: مستطيع) قيد رابع.
وإنما شرطت الاستطاعة، لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والاستطاعة: أن يكون قادرا على الزاد والراحلة، وأن يصح بدن العبد، وأن يكون الطريق آمنا.
ثم إن الاستطاعة نوعان: أحدهما: استطاعة مباشرة، وهذه يقال لها استطاعة بالبدن والمال، ولها أحد عشر شرطا - يؤخذ غالبها من كلام المصنف رحمه الله تعالى -.
الأول: وجود مؤن السفر ذهابا وإيابا.
الثاني: وجود الراحلة مع وجود شق محمل لمن لا يقدر على الراحلة: الثالث: أمن الطريق.
الرابع: وجود الماء والزاد في المواضع التي يعتاد حملهما منها بثمن مثله.
الخامس: خروج زوج أو محرم مع المرأة.
السادس: أن يثبت على الراحلة بلا مشقة شديدة.
السابع: وجود ما مر من1
وإيابا، وأجرة خفير - أي مجير يأمن معه - والراحلة - أو ثمنها: إن كان بينه وبين مكة مرحلتان أو دونهما وضعف عن المشي - مع نفقة من يجب عليه نفقته وكسوته إلى الرجوع.
ويشترط أيضا للوجوب: أمن الطريق على
الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.
الثامن: أن يبقى بعد الاستطاعة زمن يمكنه الوصول فيه إلى مكة باليسر المعتاد: التاسع: أن يجد رفقة حيث لم يأمن وحده.
العاشر: أن يجد ما مر بمال حاصل عنده أو بدين حال على ملئ.
الحادي
عشر: أن يجد الأعمى قائدا يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله - ولو بأجرة مثل قدر عليها -.
ثانيهما: استطاعة بإنابة الغير عنه، وهذه يقال لها استطاعة بالمال فقط، وإنما تكون في ميت ومعضوب.
وقد بينها بقوله: فرع، تجب إنابة الخ.
ثم إنه إذا استطاع ثم افتقر، لزمه التكسب والمشي إن قدر عليه، ولا يلزمه السؤال، خلافا للإحياء.
والفرق: أن أكثر النفوس تسمح بالتكسب - لا سيما عند الضرورة - دون السؤال.
(قوله: للحج) متعلق بمستطيع، واقتصر عليه لأن الاستطاعة له تغني عنه وعن العمرة، بخلاف الاستطاعة للعمرة في غير وقت الحج، وذلك لتمكنه من القرآن في الأولى، لا الثانية.
(قوله: بوجدان الزاد) تصوير وبيان للاستطاعة المفهومة من مستطيع.
أي أن الاستطاعة تحصل بوجدان الزاد إلخ.
ومحل ما ذكر: إذا لم يقصر سفره للنسك، بأن كان دون يومين من مكة، وكان يكتسب في أول يوم كفاية أيام الحج: وهي ما بين زوال سابع ذي الحجة، وزوال ثالث عشرة لمن لم ينفر النفر الأول، وإلا فلا يشترط وجدان ذلك، بل يلزمه النسك لقلة المشقة.
(وقوله: ذهابا وإيابا) أي مدة ذهابه وإيابه، وكذا مدة إقامته بمكة أو غيرها، وتعتبر مؤنة الإياب، وإن لم يكن له ببلده أهل وعشيرة، ومحل هذا - كما في التحفة - فيمن له وطن ونوى الرجوع إليه أو لم ينو شيئا، فمن لا وطن له، وله بالحجاز ما يقيته، لا تعتبر في حقه مؤنة الإياب قطعا، لاستواء سائر البلاد إليه، وكذا من نوى الاستطيان بمكة أو قر بها.
(قوله: وأجرة خفير) بالجر، عطف على الزاد.
أي وبوجدان أجرة خفير.
(وقوله: أي مجير) بيان لمعنى حفير.
أي أن معناه هو المجير، أي الذي يجير ويحرس ويحمي الركب من طالبيه.
قال في المصباح: خفرته: حميته من طالبيه، فأنا خفير.
والاسم: الخفارة - بضم الخاء وكسرها - والخفارة مثلثة الخاء.
جعل الخفير.
اه.
(وقوله: يأمن) أي مريد النسك على نفسه وماله وبضعه.
(وقوله: معه) أي المجير.
(قوله: والراحلة) معطوف على الزاد أيضا.
أي وبوجدان الراحلة.
وأصل الراحلة الناقة الصالحة للحمل.
والمراد بها هنا كل ما يصلح للركوب عليه بالنسبة لطريقه الذي يسلكه، ولو نحو بغل وحمار وبقر، وإن لم يلق به ركوبه عند ابن حجر.
وتشترط الراحلة، وإن كان قادرا على المشي، وشرط زيادة على الراحلة لأنثى وخنثى، ورجل متضرر بركوب الراحلة قدرة على شق محمل، وعلى شريك يليق به يعادله في الشق الآخر، فإن تضرروا بمحمل، اعتبر محارة كالشقدف، فمحفة وهي المعروفة بالتخت فسرير يحمله رجال، فالحمل على أعناق الرجال.
(وقوله: أو ثمنها) أي أو بوجدان ثمن الراحلة، أي أو وجدان أجرتها، فلا فرق في استطاعة الراحلة بين أن تكون هي
عنده أو يكون عنده ثمنها أو أجرتها.
(قوله: إن كان الخ) قيد في اشتراط وجدان الراحلة.
(وقوله: بينه) أي مريد النسك.
(وقوله: مرحلتان) أي فأكثر، وإن أطاق المشي.
نعم، ليس له المشي حينئذ، خروجا من خلاف من أوجبه.
(قوله: أو دونهما الخ) أي أو كان بينه وبين مكة دون مرحلتين، والحال أنه قد ضعف عن المشي، فإن قوي عليه بأن لم تحصل به مشقة تبيح التيمم فلا يعتبر في حقه الراحلة وما يتعلق بها.
(قوله: مع نفقة من يجب الخ) الظرف متعلق بوجدان، أو بمحذوف صفة للراد وما عطف عليه، أي وتعتبر الاستطاعة بوجدان الزاد مع وجدان نفقة من تجب عليه نفقته.
والمراد بالنفقة المؤنة.
ولو عبر بها لكان أولى، لتشمل الكسوة، والخدمة والسكنى، وإعفاف الأب، وثمن دواء، وأجرة طبيب.
والمراد بمن تجب عليه نفقته الزوجة، والقريب، والمملوك المحتاج لخدمته، وأهل الضرورات من المسلمين ولو من غير أقاربه لما ذكروه في السير من أن دفع ضرورات المسلمين بإطعام جائع، وكسوة عار، ونحوهما فرض على من ملك أكثر من كفاية سنة.
وقد أهمل هذا غالب الناس، حتى من ينتمي إلى الصلاح (وقوله: وكسوته) بالرفع
النفس والمال، ولو من رصدي، وإن قل ما يأخذه، وغلبة السلامة لراكب البحر، فإن غلب الهلاك - لهيجان الامواج في بعض الاحوال - أو استويا: لم يجب، بل يحرم الركوب فيه له ولغيره.
وشرط للوجوب على المرأة - مع ما ذكر - أن يخرج معها محرم، أو زوج، أو نسوة ثقات، ولو إماء، وذلك
عطف على نفقته الثانية، وبالجر عطف على الأولى.
وعلى كل، في كلامه الحذف إما من الأول، أو من الثاني.
(وقوله: إلى الرجوع) متعلق بمحذوف أي ويعتبر وجدان نفقة من ذكر من الذهاب إلى الرجوع.
(قوله: ويشترط أيضا للوجوب) أي وجوب النسك.
ولا يخفى أن هذا من شروط الاستطاعة التي هي شرط للوجوب.
فلو قال: ومع أمن الطريق عطفا على مع نفقة لكان أولى وأنسب.
(قوله: أمن الطريق إلخ) أي أمنا لائقا بالسفر، وهو دون أمن الحضر، ولو كان أمنه ظنا، ولو كان بخفير بأجرة مثله.
وخرج بالأمن على ما ذكر الخوف عليه من سبع أو غيره، فلا يجب عليه النسك حينئذ، لعدم الاستطاعة.
(وقوله: على النفس) أي له ولغيره.
(وقوله: والمال) أي ويشترط أمن الطريق على المال، لكن بشرطين: أن يحتاج إليه للنفقة والمؤنة، وأن يكون له لا لغيره.
فلو أراد استصحاب مال خطير للتجارة أو نحوها، وكان يأمن عليه لو تركه في بلده، فإنه لا يعتبر الخوف عليه، ولا يعد عذرا، وكذلك لو أراد استصحاب مال غيره إن لم يجب عليه حفظه والسفر به.
فإن وجب عليه حفظه والسفر به كوديعة فكماله.
ومثل النفس المال، والبضع، وجميع ما يحتاج لاستصحابه لسفره، فإن خاف على شئ منها لم يلزمه النسك للضرر وإن اختص الخوف به.
(قوله: ولو من رصدي) غاية في اشتراط الأمن: أي يشترط الأمن حتى من الرصدي، وهو بفتح الصاد وسكونها الذي يرصد الناس أي يرقبهم في الطريق أو القرى ليأخذ منهم شيئا ظلما.
(قوله: وإن قل ما يأخذه) أي الرصدي، وهو غاية في
اشتراط أمن الطريق.
أي يشترط ما ذكر، وإن كان المال الذي يأخذه الرصدي شيئا يسيرا.
قال في شرح المنهج: ويكره بذل المال لهم أي المترصدين لأنه يحرضهم على التعرض للناس، سواء كانوا مسلمين أم كفارا لكن إن كانوا كفارا وأطاق الخائفون مقاومتهم سن لهم أن يخرجوا للنسك ويقاتلوهم لينالوا ثواب النسك والجهاد اه.
وكتب البجيرمي قوله ويكره بذل المال أي قبل الاحرام أما بعده فلا يكره اه قوله وغلبة السلامة معطوف على أمن الطريق أي ويشترط أيضا غلبة السلامة لراكب البحر أي عند أهل البحر العارفين به قال في التحفة وظاهر تعبيرهم بغلبة السلامة أنه لو اعتيد في ذلك الزمن الذي يسافر فيه أنه يغرق فيه تسعة ويسلم عشرة لزم ركوبه ويؤيده الحاقهم الاستواء بغلبة الهلاك ولا يخلو عن بعد فلو قيل المعتبر العرف فلا يكتفي بتفاوت الواحد ونحوه لم يبعد ويؤيده ما يأتي في الفرار عن الصف وعليه فالمراد الاستواء العرفي أيضا لا الحقيقي وخرج بالبحر الأنهار العظيمة كجيحون والنيل فيجب ركوبها قطعا لأن المقام فيها لا يطول والخوف لا يعظم وقول الأذرعي محله إذا كان يقطعها عرضا وإلا فهي في كثير من الأوقات كالبحر وأخطر مردود بأن البر فيها قريب أي غالبا فيسهل الخروج إليه اه بتصرف قوله فإن غلب الهلاك هو وما بعده محترز غلبة السلامة وقوله لهيجان الأمواج أي أو لخصوص ذلك البحر وقوله في بعض الأحوال أي الأوقات قوله أو استويا أي السلامة والهلاك ومثله جهل الحال كما في البجيرمي قوله لم يجب أي ركوب البحر بدليل الاضراب بعده ويحتمل لم يجب أي الحج أي لم يلزمه قوله بل يحرم الخ الاضراب انتقالي وقوله فيه أي في البحر قوله له ولغيره أي للحج ولغير الحج قوله وشرط للوجوب أي وجوب الحج ولو قال وشرط للاستطاعة في المرأة الخ لكان أولى قوله مع ما ذكر أي من وجدان الزاد والراحلة وأمن الطريق وغيرها مما تقدم وقوله أن يخرج معها محرم أي بنسب أو رضاع أو مصاهرة ولو فاسقا لأنه مع فسقه يغار عليها من مواقع الريب وقوله أو زوج أي ولو فاسقا لما تقدم وألحق بهما جمع عبدها الثقة إذا كانت هي ثقة أيضا والأجنبي الممسوح الذي لم يبق فيه شهوة للنساء قوله أو نسوة ثقاة بأن بلغن وجمعن صفات العدالة قال في التحفة ويتجه الاكتفاء بالمراهقات بقيده السابق وبمحارم فسقهن بغير نحو زنا أو قيادة ونحو ذلك ثم قال لكن نازع جمع في اشتراط ثلاث المصرح به كلامهما وقالوا ينبغي الاكتفاء بثنتين ويجاب بأن
لحرمة سفرها وحدها، وإن قصر، أو كانت في قافلة عظيمة، ولها - بلا وجوب - أن تخرج مع امرأة ثقة لاداء فرض الاسلام، وليس لها الخروج لتطوع، ولو مع نسوة كثيرة، وإن قصر السفر، أو كانت شوهاء.
وقد صرحوا بأنه يحرم على المكية التطوع بالعمرة من التنعيم مع النساء، خلافا لمن نازع فيه (مرة) واحدة في العمر (بتراخ) لا على الفور.
نعم، إنما يجوز التأخير بشرط العزم على الفعل في المستقبل، وأن لا يتضيقا عليه
خطر السفر اقتضى الاحتياط في ذلك على أنه قد يعرض لأحداهن حاجة تبرز ونحوه فيذهب اثنتان وتبقى اثنتان ولو
اكتفى بثنتين لذهبت واحدة وحدها فيخشى عليها اه قوله وذلك أي اشتراط خروج من ذكر معها وقوله لحرمة سفرها وحدها أي لخبر الصحيحين لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو محرم وفي رواية لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم وفي رواية بريدا إلا ومعها محرم وقوله يومين في الرواية الأولى وثلاثة أيام في الرواية الثانية وبريدا في الثالثة ليس قيد أو المراد كل ما يسمى سفرا سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا قوله وإن قصر أي السفر وهو غاية لحرمة السفر وحدها قوله أو كانت أي المرأة وهو معطوف على قصر فهو غاية ثانية قوله ولها بلا وجوب الخ أفاد بهذا أن اشتراط جمع من النسوة الثقاة إنما هو للوجوب أما الجواز فلها أن تخرج مع امرأة واحدة ثقة ولها أيضا أن تخرج وحدها إذا تيقنت الأمن على نفسها كما في المغنى وعبارته تنبيه ما جزم به المصنف من اشتراط النسوة هو شرط للوجوب أما الجواز فيجوز لها أن تخرج لاداء حجة الاسلام مع المرأة الثقة على الصحيح في شرحي المهذب ومسلم قال الإسنوي فافهمه فإنهما مسألتان إحداهما شرط وجوب حجة الاسلام والثانية شرط جواز الخروج لا دائها اشتبهتا على كثير حتى توهموا اختلاف كلام المصنف في ذلك وكذا يجوز لها الخروج وحدها إذا أمنت وعليه حمل ما دل من الأخبار على جواز السفر وحدها قوله لاداء فرض الاسلام مثله لنذر والقضاء كما في التحفة قوله وليس لها الخروج لتطوع أي كنسك تطوع أو غيره من الاسفار التي لا تجب قال في التحفة نعم لو مات نحو المحرم وهو في تطوع فلها اتمامه اه.
قوله وإن قصر السفر غاية في امتناع خروجها للتطوع وقوله أو كانت شوهاء أي قبيحة المنظر وهو معطوف على قصر فهو غاية ثانية قوله وقد صرحوا الخ لا حاجة إليه بعد قوله وإن قصر السفر إذ هو صادق به ويمكن أن يقال أنه ساقه كالتأييد له وعبارة التحفة أما النفل فليس لها الخروج له مع نسوة وإن كثرن حتى يحرم على المكية الخ اه.
وقوله يحرم على المكية التطوع بالعمرة والحيلة إذا أرادت العمرة أن تنذر التطوع فحينئذ لا يحرم عليها الخروج لأنها صارت واجبة قوله خلافا لمن نازع فيه أي في تحريم خروج المكية للتنعيم قوله مرة واحدة وذلك لانه - صلى الله عليه وسلم - لم يحج بعد فرض الحج إلا مرة واحدة وهي حجة الوداع ولخبر أبي هريرة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم.
رواه مسلم.
ولخبر الدارقطني بإسناد صحيح عن سراقة قال قلت يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال لا بل للأبد وأما حديث البيهقي الآمر بالحج في كل خمسة أعوام فمحمول على الندب لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حج حجة أدى فرضه ومن حج حجة ثانية داين ربه ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار قيل أن رجلا قتل وأوقد عليه طول الليل فلم تعمل فيه وبقي أبيض اللون فسألوا سعدون الخولاني عن ذلك فقال لعله حج ثلاث حجج قالوا نعم قوله بتراخ لا يصح تعلقه فيجبان لأنهما وجبا على المستطيع حالا والتراخي في الفعل بل متعلق بمحذوف أي ويفعلان بعد استكمال شروط الوجوب على التراخي وذلك لأن الحج وجب سنة ست وأخره النبي - صلى الله عليه وسلم -
بنذر، أو قضاء، أو خوف عضب، أو تلف مال بقرينة، ولو ضعيفة.
وقيل يجب - على القادر - أن لا يترك الحج في كل خمس سنين - لخبر فيه.
(فرع) تجب إنابة عن ميت عليه نسك من تركته - كما تقضى منه ديونه - فلو لم تكن له تركة، سن لوارثه أن
مع مياسير أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين إلى عشرة من غير شغل يحرب ولا خوف من عدو وقيس به العمرة كذا في ابن الجمال قوله لا على الفور قال في الإيضاح هذا مذهبنا وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى وأحمد والمزني يجب على الفور اه قوله نعم إنما يجوز التأخير الخ استدراك على قوله بتراخ الموهم أنه على الاطلاق من غير اشتراط شئ واعلم أنه إذا جاز له التأخير لو جود شروطه فأخر ومات تبين فسقه من وقت خروج قافلة بلده في آخر سنى الامكان إلى الموت فيرد ما شهد به وينقض ما حكم به قوله بشرط العزم على الفعل في المستقبل فلو لم يعزم على ما ذكر حرم عليه التأخير قوله وأن لا يتضيقا الخ معطوف على العزم أي وبشرط أن لا يتضيق عليه الحج والعمرة قوله بنذر بيان لتصوير تضيقهما أي يتصور تضيقهما بأن ينذر وقوعهما في سنة معينة كان قال الله على أن حج في هذه السنة أو أعتمر في هذه السنة فيجبان عليه بسببه فور أو إذا حج خرج من فرضه ومن نذره فيقع أصل الفعل عن الفرض والتعجيل عن النذر قال في البهجة وأجزأت فريضة الإسلام * عن نذر حج واعتمار العام قوله أو قضاء معطوف على نذر أي وان لا يتضيقا عليه بقضاء كأن أفسد حجه أو عمرته فإنه يجب عليه القضاء فورا قوله أو خوف عضب معطوف أيضا على نذر أي وان لا يتضيقا عليه بخوف عضب بقول عدلى طب أو معرفة نفسه فان تضيقا عليه بذلك حرم التأخير قال في الايضاح على الأصح اه وكتب ابن الجمال قوله على الأصح قال في شرح المهذب لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره الا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله وهذا مفقود
في مسئلتنا ووجه مقابل الأصح أن أصل الحج على التراخي فلا يتغير بأمر محتمل اه قوله أن تلف مال عطف على عضب أي أو خوف تلف مال وقوله بقرينة متعلق بمحذوف صفة لخوف بالنسبة للعضب وللتلف أي خوف حاصل له بقرينة ولو كانت ضعيفة قوله وقيل يجب الخ مقابل قوله مرة واحدة قوله لخبر فيه أي لخبر وارد في وجوب الحج في كل خمسة أعوام وهو أن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام ولا يفد على لمحروم وفيه أن هذا الخبر لا يدل على وجوبه كل خمسة أعوام وإنما يدل على تأكد طلبه قوله تجب إنابة إلخ أي فورا وذلك لخبر البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال اقضوا حق الله فالله أحق بالوفاء شبه الحج بالدين وأمر بقضائه فدل على وجوبه وقوله عن ميت أي غير مرتد أما هو فلا تصح الإنابة عنه وهو معلوم من تعبيره بتركته إذا المرتد لا تركة له موروثة عنه لتبين زوال ملكه بالردة وقوله عليه نسك أي في ذمته نسك واجب حج أو عمرة ولو قضاء أو نذرا وذلك بأن مات بعد استقرار النسك عليه ولم يؤده وخرج بذلك ما إذا مات قبل أن يستقر عليه فلا يقضى من تركته لكن للوارث والأجنبي الحج والاحجاج عنه على المعتمد نظر إلى وقوع حجة الاسلام عنه وإن لم يكن مخاطبا بها في حياته وخرج أيضا النفل فلا يجوز التنفل عنه بالحج أو العميرة إلا أن أوصى به وقوله من تركته متعلق بإنابة وضميره يعود على الميت أي إنابة من تركته والمخاطب بها من عليه قضاء دينه من وصى فوارث فحاكم قوله كما تقضى منه ديونه الضمير الأول يعود على التركة والثاني يعود على الميت وذكر الضمير الأول باعتبار تأويل التركة بالميراث وفي بعض نسخ الخط منها وهو الأولى قوله فلو لم تكن له أي للميت وهو مقابل لمحذوف أي هذا إن كانت له تركة فلو لم تكن الخ قوله سن لوارثه أن يفعله عنه أي يفعل النسك عنه بنفسه أو
يفعله عنه، فلو فعله أجنبي، جاز، ولو بلا إذن، وعن آفاقي معضوب عاجز عن النسك بنفسه: لنحو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه - بأجرة مثل فضلت عما يحتاجه المعضوب يوم الاستئجار، وعما عدا مؤنة نفسه وعياله
نائبه قوله فلو فعله أي النسك من حج أو عمرة وقوله جاز أي فعل الأجنبي وتعبيره هنا بجازو في سابقه بسن يفيد عدم سنة للأجنبي وليس كذلك بل يسن له أيضا لكن الوارث يتأكد له قوله ولو بلا إذن قال في التحفة ويفرق بينه وبين توقف الصوم عنه على إذن القريب بأن هذا أشبه بالديون فأعطى حكمها بخلاف الصوم اه قوله وعن آفاقى معضوب معطوف على عن ميت أو وتجب الإنابة عن آفاقى معضوب بعين مهملة فضاد
معجمة من العضب وهو القطع كأنه قطع عن كمال الحركة أو بعين فصاد مهملة من العصب كأنه قطع عصبه ووجوب الإنابة على الفور أن عضب بعد الوجوب والتمكن وعلى التراخي أن عضب قبل الوجوب أو معه أو بعده ولم يمكنه الأداء وذلك لأنه مستطيع بالمال وهي كالاستطاعة بالنفس ولخبر الصحيحين أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله أن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه قال نعم والمراد بالآفاقي هنا من كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر فلو كان المعضوب دون مرحلتين أو كان بمكة لزمه أن يحج بنفسه لأنه لا يتعذر عليه الركوب فيما مر من محمل فمحفة فسرير ولا نظر للمشقة عليه لاحتمالها في حد القرب وإن كانت تبيح التيمم فإن عجز عن ذلك حج عنه بعد موته من تركته كما في التحفة وفي النهاية كالمغنى عدم لزوم الحج بنفسه أن أنهاه الضنى إلى حالة لا يحتمل الحركة معها يحال فتجوز الإنابة حينئذ قال الكردي واعتمد الشارح في حاشيته على متن العباب عدم الصحة للمكي مطلقا والصحة لمن هو على دون مسافة القصر وتعذر عليه بنفسه ولو على سرير يحمله رجال اه ولو استأجر من يحج عنه فحج عنه ثم شفى لم يجزه ولم يقع عنه فلا يستحق الأجير أجرة ويقع الحج نفلا للأجير ولو حضر مكة أو عرفة في سنة حج الأجير لم يقع عنه لتعين مباشرته بنفسه ويلزمه للأجير الأجرة وفرق بينه وبين ما إذا شفى بعد حج الأجير بأنه لا تقصير منه في حق الأجير بالشفاء بخلاف الحضور فأنه بعد أن ورط الأجير مقصر به فلزمته أجرته كذا في سم عن شرح العباب قوله عاجز بالجر صفة كاشفة لمعضوب فهي كالتفسير له وضابط العاجز الذي تصح له الإنابة أن يكون بحيث لا يستطيع الثبوت على المركوب ولو على سرير يحمله رجال إلا بمشقة شديدة لا تحتمل عادة قال النووي في شرح مسلم ومذهبنا ومذهب الجمهور جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب وهو الزمانة والهرم ونحوهما وقال مالك والليث والحسن بن صالح لا يحج أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الاسلام قال القاضي عياض وحكى عن النخعي وبعض السلف لا يصح الحج عن ميت ولا غيره وهي رواية عن مالك وإن أوصى به ثم قال النووي ويجوز الاستنابة في حجة التطوع على أصح القولين عندنا اه قوله لنحو زمانة متعلق بعاجز واللام تعليلية أي عاجز لاجل نحو زمانة وهي الابتلاء والعاهة وضعف الحركة من تتابع المرض والندرج تحت نحو الكبر والهرم وقوله أو مرض معطوف على زمانة من عطف العام على الخاص وقوله لا يرجى برؤه الجملة صفة لمرض أي لا يرجى الشفاء منه أي بقول عدلى طب أو بمعرفة نفسه إن كان عارفا قوله بإجرة مثل متعلق بإنابة مقدرة أي وتجب الإنابة عنه
بوجود أجرة مثل أي أو دونها أن رضي الأجير به لا بأكثر وان قل قال في حاشية الايضاح وشرح الرملي وابن علان وغيرها يشترط في الأجير أن يكون عدلا وإلا لم تصح إنابته ولو مع المشاهدة لأن نيته لا يطلع عليها وبهذا يعلم أن هذا شرط في كل من يحج عن غيره بإجازة أو جعلة وفي فتاوى ابن حجر ما يقتضي جواز استئجار المعضوب عن نفسه فاسقا.
اه.
ومثل وجود أجرة المثل في وجوب الإنابة: وجود متبرع يحج عنه معضوب عدل قد حج عن نفسه.
وإذا كان بعضا، اعتبر فيه كونه غير ماش، ولا معول على الكسب أو السؤال، إلا أن يكتسب في يوم كفاية أيام وكان السفر قصيرا لا وجود متطوع بمال للأجرة، فلا تجب الإنابة به لعظم المنة.
بعده، ولا يصح أن يحج عن معضوب بغير إذنه، لان الحج يفتقر للنية، والمعضوب أهل لها وللاذن.
(أركانه) أي الحج: ستة.
أحدها: (إحرام) به، أي بنية دخول فيه، لخبر: إنما الاعمال بالنيات.
ولا يجب تلفظ بها، وتلبية، بل يسنان فيقول بقلبه ولسانه: نويت الحج، وأحرمت به لله تعالى - لبيك اللهم لبيك إلى آخره.
واعلم أي الإجارة من حيث هي قسمان: إجارة عين - كاستأجرتك لتحج عني، أو عن ميتي بكذا ويشترط لصحتها أن يكون الأجير قادرا على الشروع في العمل، فلا يصح استئجار من لا يمكنه الشروع لنحو مرض أو خوف، أو قبل خروج القافلة، لكن لا يضر انتظار خروجها بعد الاسئجار.
فالمكي ونحوه يستأجر في أشهر الحج لتمكنه من الإحرام، وغيره يستأجر عند خروجه، بحيث يصل الميقات في أشهر الحج، ويتعين فيها أن يحج الأجير بنفسه.
وإجارة ذمة - كألزمت ذمتك الحج عني، أو عن ميتي - فتصح، ولو لمستقبل، بشرط حلول الأجرة وتسليمها في مجلس العقد.
وله أن يحج بنفسه، وأن يحج غيره، ويجوز أن يحج عن غيره بالنفقة.
واغتفر الجهالة فيه، لأنه ليس إجارة، ولا جعالة، بل إرفاق.
(قوله: فضلت) أي الأجرة.
(قوله: عما يحتاجه) أي من مؤنته ومؤنة عياله.
(قوله: يوم الاستئجار) أي وليلته، كما في عبد الرؤوف.
(قوله: وعما عدا الخ) معطوف على عما يحتاجه، أي وفضلت عما عدا مؤنة نفسه وعياله بعد يوم الاسئجار أي عما عدا نفقته ونفقة عياله بعده.
فالمراد بالمؤنة هنا: خصوص النفقة، لا ما يشمل الكسوة والسكنى والخادم، وإلا لم يبق لما عداها شئ يندرج فيه، إذ المراد بما عداها ما ذكر - من الكسوة، والخادم، والسكنى، ونحوها.
والحاصل يشترط في الأجرة أن تكون فاصلة عن جميع ما يحتاجه من نفقة وكسوة وخادم لنفسه أو لعياله بالنسبة ليوم الاستئجار.
ويشترط أن تكون فاضلة عن جميع ما يحتاجه أيضا بالنسبة لما بعد يوم الاستئجار، ما عدا النفقة، أما
هي سواء كانت لنفسه أو لعياله - فلا يشترط أن تكون الأجرة فاضلة عنها بعد يوم الاستئجار، وذلك لأنه إذا لم يفارق البلد أمكنه تحصيلها، ولو بالغرض.
(قوله: ولا يصح أن يحج) يقرأ بالبناء للمجهول، والجار والمجرور نائب فاعله، أي ولا يصح أن يحج أحد قريبا كان أو أجنبيا عن معضوب.
وقوله بغير إذنه متعلق بيحج، والضمير يعود على المعضوب.
(قوله: لأن الحج الخ) تعليل لعدم الصحة.
(قوله: والمعضوب أهل لها) أي للنية، إذ لو تكلف الحج وحج صح حجه.
(وقوله: وللإذن) أي وأهل للإذن.
(فائدة) لو امتنع المعضوب من الإذن، لم يأذن الحاكم عنه، ولا يجبره عليه وإن تضيق إلا من باب الأمر بالمعروف.
(قوله: أركانه أي الحج) أي أجزاؤه.
فالإضافة من إضافة الأجزاء إلى الكل، أو من إضافة المفصل للمجمل.
(وقوله: ستة) وقيل أربعة بعد الحلق أو التقصير واجبا، وبإسقاط الترتيب.
(قوله: أحدها) أي الأركان.
(وقوله: إحرام به) أي بالحج.
(قوله: أي بنية دخول) تفسير لمعنى الإحرام هنا.
وفسره به لأنه الملائم للركنية، ويفسر أيضا بنفس الدخول، إلا أنه بهذا المعنى لا يعد ركنا بل يجعل موردا للصحة والفساد، بحيث يقال: صح الإحرام، أو فسد الإحرام.
(قوله: لخبر الخ) دليل لركنية الإحرام على التفسير الذي ذكره.
(قوله: ولا يجب تلفظ بها) أي بالنية المرادة من الإحرام.
(قوله: وتلبية) أي ولا يجب تلبية، فهو بالرفع معطوف على تلفظ.
وقوله: بل يسنان أي التلفظ بها والتلبية.
(وقوله: فيقول بقلبه) أي وجوبا.
وقوله: وبلسانه أي ندبا.
وقوله: نويت الحج أي أو العمرة، أو هما، أو النسك.
وقوله: وأحرمت به لله تعالى عطف مرادف أتى به للتأكيد ولا تجب نية الفرضية جزما، لأنه لو نوى به النفل وقع عن الفرض.
ولو تخالف القلب واللسان فالعبرة بما في القلب.
هذا إن حج عن نفسه، فإن حج أو اعتمر عن غيره
(و) ثانيها: (وقوف بعرفة) أي حضوره بأي جزء منها ولو لحظة، وإن كان نائما، أو مارا، لخبر الترمذي:
الحج عرفة وليس منها: مسجد إبراهيم عليه السلام، ولا نمرة.
والافضل للذكر تحري موقفه (ص)، وهو عند الصخرات المعروفة.
وسميت عرفة، قيل: لان آدم وحواء تعارفا بها، وقيل غير ذلك.
ووقته (بين زوال)
قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان، وأحرمت به لله تعالى.
ولو أخر لفظ عن فلان عن وأحرمت به لم يضر على المعتمد إن كان عازما عند نويت الحج مثلا أن يأتي به، وإلا وقع للحاج نفسه.
وقوله: لبيك اللهم لبيك إلخ يسن أن يذكر في هذه التلبية ما أحرم به، ولا يجهر فيها.
(قوله: وثانيها) أي ثاني أركان الحج.
وقوله: أي حضوره تفسير مراد للوقوف بعرفة.
أي أن المراد بالوقوف حضور المحرم في أرض عرفات مطلقا.
والمراد بالمحرم الأهل للعبادة، فلا يكفي حضور غير الأهل لها كالمجنون، والمغمى عليه، والسكران جميع وقت الوقوف لكن يقع حج المجنون نفلا
كالصبي الذي لا يميز فيبني وليه بقية الأعمال على ما مضى.
وكذا المغمى عليه والسكران، إن أيس من إفاقتهما.
وقوله: بأي جزء منها أي من عرفة، وذلك لخبر مسلم: وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف.
ويكفي ولو على ظهر دابة، أو شجرة فيها، لا على غصن منها، وهو خارج عن هوائها، وإن كان أصلها فيها، ولا على غصن فيها دون أصلها.
وقال ابن قاسم: يكفي في هذه الصورة الوقوف عليه قياسا على الاعتكاف ولا يكفي الطيران في هوائها أيضا، خلافا للشبراملسي.
(قوله: ولو لحظة) أي يكفي حضوره في عرفة ولو لحظة.
(قوله: وإن كان نائما) أي يكفي ما ذكره، وإن كان نائما أو مارا، ولو في طلب آبق، وإن لم يعلم أن المكان مكانها، ولا أن اليوم يومها.
(قوله: لخبر الترمذي الخ) دليل على ركنية الوقوف.
(قوله: الحج عرفة) جملة معرفة الطرفين فتفيد الحصر أي الحج منحصر في عرفة أي في الوقوف لا يتجاوزه إلى غيره، وليس كذلك.
ويجاب بأنه على حذف مضاف، أي أنها معظمة، وخصت بالذكر مع أن الطواف أفضل منها كما يأتي لكونه يفوت الحج بفواتها، دونه.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وليس منها) أي من عرفة.
مسجد إبراهيم، أي صدره، وهو محل الخطبة والصلاة، وذلك لأنه من عرفة، وأما آخره فهو من عرفة.
(قوله: ولا نمرة) أي وليس منها نمرة وهو بفتح النون وكسر الميم موضع بين طرف الحل وعرفة.
وليس منها أيضا وادي عرفة.
قال في الإيضاح: واعلم أنه ليس من عرفات وادي عرفة، ولا نمرة، ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام المسمى بمسجد إبراهيم عليه السلام ويقال له مسجد عرفة، بل هذه المواضع خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة.
اه.
وقوله: ولا المسجد أي صدره كما علمت.
(قوله: والأفضل للذكر) أي ولو صبيا، وخرج بالذكر الأنثى والخنثى، فإن الأفضل لهما الوقوف في حاشية الموقف، ما لم يخشيا ضررا.
(وقوله: تحرى موقفه) أي قصده.
(قوله: وهو) أي موقفه - صلى الله عليه وسلم -.
(وقوله: عند الصخرات المعروفة) أي وهي المفترشة في أسفل جبل الرحمة الذي بوسط أرض عرفة.
واعلم أن الصعود على الجبل للوقوف عليه كما يفعله العوام خطأ، مخالف للسنة كما نص عليه في الإيضاح.
(قوله: وسميت) أي الأرض التي يجب الوقوف فيها.
فنائب الفاعل يعود على معلوم من السياق.
(قوله: لأن آدم وحواء تعارفا بها) أي حين هبط من الجنة ونزل بالهند، ونزلت بجدة.
(قوله: وقيل غير ذلك) أي وقيل في سبب التسمية غير ذلك، وهو أن جبريل لما عرف إبراهيم مناسك الحج، وبلغ الشعب الأوسط الذي هو موقف الإمام، قال له: أعرفت؟ قال: نعم.
فسميت عرفات.
وقيل إنما سميت بذلك: من قولهم عرفت المكان إذا طيبته ومنه قول الله تعالى: * (الجنة عرفها لهم) 1 * أي طيبها لهم.
(فائدة) قال - صلى الله عليه وسلم -: أفضل الأيام يوم عرفة، وإذا وافق يوم جمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة.
أخرجه رزين.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا كان يوم عرفة يوم جمعة غفر الله لجميع أهل الموقف - أي بغير واسطة - وفي غير يوم الجمعة يهب قوما لقوم.
للشمس يوم عرفة، وهو تاسع ذي الحجة، (و) بين طلوع (فجر) يوم (نحر).
وسن له الجمع بين الليل والنهار، وإلا أراق دم تمتع - ندبا.
(و) ثالثها: (طواف إفاضة) ويدخل وقته بانتصاف ليلة النحر، وهو أفضل الاركان، حتى من الوقوف، خلافا للزركشي.
ويروى عن محمد بن المنكدر أنه حج ثلاثا وثلاثين حجة، فلما كان آخر حجة حجها، قال وهو بعرفات: اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثا وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضي، والثانية عن أبي، والثالثة عن أمي، وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا، ولم تتقبل منه.
فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة، نودي في المنام: يا ابن المنكدر، أتتكرم على من خلق الكرم؟ أتجود على من خلق الجود؟ أن الله تعالى يقول لك: وعزتي وجلالي، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام.
وعن علي بن الموفق رحمة الله عليه قال: حججت في بعض السنين، فنمت بين مسجد الخيف ومنى، فرأيت ملكين قد نزلا من السماء، فقال أحدهما لصاحبه: يا عبد الله، أتعلم كم حج بيت ربنا في هذه السنة؟ قال: لا.
قال ستمائة ألف.
ثم قال له: أتدري كم قبل منهم؟ قال: لا.
قال ستة أنفس.
ثم ارتفعا في الهواء، فقمت وأنا مرعوب، وقلت: واخيبتاه أين أكون أنا في هذه الستة أنفس؟ فلما وقفت بعرفة وبت بالمزدلفة، رأيت الملكين قد نزلا من السماء على عادتهما، فسلم أحدهما على الآخر، وقال: يا عبد الله، أتدري ما حكم ربك في هذه الليلة؟ قال: لا.
قال: فإنه وهب لكل واحد من الستة المقبولين مائة ألف، وقد قبلوا جميعا.
قال: فانتبهت، وبي من السرور ما لا يعلمه إلا الله تعالى، إذ قبل الحجاج جميعهم ومنحهم برا وجودا، ولم يجعل منهم شقيا ولا محروما، ولا مطرودا.
(قوله: ووقته) أي الوقوف.
وقوله: بين زوال إلخ أي يدخل بزوال شمس ذلك اليوم، ويخرج بطلوع فجر يوم النحر.
فمن وقف قبل الزوال وذهب من عرفة، لا يصح وقوفه، وكذلك من وقف بعد الفجر.
ومن وقف بينهما صح وقوفه، ولو لحظة قبل الفجر، وذلك لانه - صلى الله عليه وسلم - وقف بعد الزوال رواه مسلم، وأنه قال: من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج.
وفي رواية: من جاء عرفة ليلة جمع أي ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج.
((قوله: وهو) أي يوم عرفة.
(وقوله: تاسع ذي الحجة) فلو وقفوا قبله أو بعده لم يصح وقوفهم.
نعم، إن وقف الحجيج أو
فرقة منهم وهم كثير على العادة يوم العاشر للجهل - بأن غم عليهم هلال ذي حجة صح.
وإن وقفوا بعد التبين، كما إذا ثبت الهلال ليلة العاشر، ولم يتمكن من الوقوف فيها لبعد المسافة، وإليه حينئذ تنتقل أحكام التاسع كلها، فلا يعتد بوقوفهم قبل الزوال، ولا يصح رمي جمرة العقبة إلا بعد نصف ليلة الحادي عشر والوقوف.
وهكذا جميع الأحكام.
(قوله: وسن له) أي للحاج، الجمع بين الليل والنهار، وقيل يجب.
(قوله: وإلا) أي وإن لم يجمع بينهما.
(وقوله: أراق دم تمتع) أي دما كدم التمتع في كونه مرتبا مقدرا.
وقوله: ندبا أي وعلى المعتمد، وعلى مقابله تجب إراقة دم.
(قوله: وثالثها) أي أركان الحج.
(وقوله: طواف إفاضة) أي لقوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * 1.
(فائدة) سمى البيت عتيقا: لأن الله تعالى أعتقه من أيدي الجبابرة، فلم يسلط عليه جبار قط، بل كل من قصده بسوء هلك.
وقال أبو بكر الواسطي: إنما سمي عتيقا لأن من طاف به صار عتيقا من النار، ولله در من قال: طوبى لمن طاف بالبيت العتيق وقد * * لجا إلى الله في سر وإجهار ونال بالسعي كل القصد حين سعى * * وطاف جهرا بأركان وأستار
(و) رابعها: (سعي) بين الصفا والمروة (سبعا) - يقينا - بعد طواف قدوم ما لم يقف بعرفة، أو بعد طواف إفاضة.
فلو اقتصر على ما دون السبع لم يجزه، ولو شك في عددها قبل فراغه أخذ بالاقل، لانه المتيقن.
ومن
ذاك السعيد الذي قد نال منزلة * * علياء في دهره من كل أوطار وكل من طاف بالبيت العتيق غدا * * بين الورى معتقا حقا من النار (قوله: ويدخل وقته) أي طواف الإفاضة.
وقوله: بانتصاف ليلة النحر أي بدخول النصف الثاني من ليلة النحر، فلو طاف قبله لم يصح.
(قوله: وهو) أي الطواف.
(وقوله: أفضل الأركان) أي لأنه مشبه بالصلاة ومشتمل عليها، والصلاة أفضل من الحج، والمشتمل على الأفضل أفضل.
وهذا معتمد الرملي.
واستوجهه شيخ الإسلام.
وقال ابن حجر في التحفة: الوقوف أفضل على الأوجه لخبر: الحج عرفة أي معظمه كما قالوه ولتوقف صحة الحج عليه، ولأنه جاء فيه من حقائق القرب وعموم المغفرة وسعة الإحسان ما لم يرد في الطواف الخ.
اه.
(قوله: خلافا للزركشي) أي القائل إن الوقوف أفضل الأركان لما مر.
(قوله: ورابعها: سعي) أي ورابع الأركان: السعي بين الصفا والمروة، لما روى الدارقطني وغيره بإسناد حسن أنه - صلى الله عليه وسلم - استقبل القبلة في المسعى، وقال: يا أيها الناس، اسعوا فإن السعي قد
كتب عليكم، أي فرض.
وأصل السعي: الإسراع، والمراد به هنا: مطلق المشي.
وشروطه سبعة، ذكر بعضها المؤلف، وهي: قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة، وكونه سبعا، وكونه من بطن الوادي، والترتيب بأن يبدأ بالصفا في الأوتار، وبالمروة في الأشفاع وأن لا يكون منكوسا، ولا معترضا كالطواف، وعدم الصارف عنه كما يفعله العوام من المسابقة وأن يقع بعد طواف صحيح قدوم أو إفاضة.
وقد نظمها م د فقال: شروط سعي سبعة وقوعه * * بعد طواف صح ثم قطعه مسافة سبعا ببطن الوادي * * مع فقد صارف عن المراد وليس منكوسا ولا معترضا * * والبدء بالصفا كما قد فرضا (قوله: يقينا) صفة لسبعا.
(قوله: بعد طواف قدوم) متعلق بمحذوف صفة لسعي، أي سعي واقع بعد طواف قدوم.
(قوله: ما لم يقف بعرفة) أي ما لم يتخلل بين طواف القدوم والسعي الوقوف بعرفة، فإن تخلل لم يصح سعيه بعده - لقطع تبعيته للقدوم بالوقوف - فيلزمه تأخيره إلى ما بعد طواف الإفاضة.
ولو نزل من عرفة إلى مكة قبل نصف الليل، هل يسن له طواف القدوم ويجوز له السعي عقبه أم لا؟ اضطراب كلام ابن حجر فيه - فجرى في التحفة على أنه يسن له طواف القدوم، ولا يجوز السعي بعده.
وعلله بأن السعي متى أخر عن الوقوف وجب وقوعه بعد طواف الإفاضة، وجرى في حاشيته على الإيضاح على سنية القدوم، وجواز السعي بعده، وعبارتها ومر عن الأذرعي أنه يسن لمن دفع من عرفة إلى مكة قبل نصف الليل طواف القدوم، فعليه يجوز له السعي بعده.
وقد يفهمه قولهم لو وقف لم يجز السعي إلا بعد طواف الإفاضة لدخول وقته، وهو فرض، فلم يجز بعد نفل مع إمكانه بعد فرض.
اه.
فأفهم التعليل بدخول وقته جوازه قبله.
اه.
والمعتمد ما في التحفة، لأنه إذا اختلف كلامه في كتبه فالمعتمد ما في التحفة.
(قوله: أو بعد طواف إفاضة) معطوف على بعد طواف القدوم.
فشرط صحة السعي أن يقع بعد أحد هذين الطوافين القدوم أو الركن، وذلك لأنه الوارد عنه - صلى الله عليه وسلم -، بل حكي فيه الإجماع، فلا يجوز بعد طواف نفل كأن أحرم من بمكة بحج منها، ثم تنفل بطواف، وأراد السعي بعده كما في المجموع.
اه.
تحفة.
(قوله: فلو اقتصر) أي الساعي.
وقوله: على ما دون السبع محترز سبعا.
وقوله: لم يجزه أي السعي.
(قوله: ولو شك إلخ) محترز يقينا.
وقوله: في عددها أي السبع المرات، بأن تردد هل سعى ستا أو سبعا 1؟.
(قوله: قبل فراغه) أي السعي.
واحترز به عما إذا وقع الشك بعد فراغه، فإنه لا يؤثر.
سعى بعد طواف القدوم لم يندب له إعادة السعي بعد طواف الافاضة، بل يكره.
ويجب أن يبدأ فيه في المرة الاولى بالصفا ويختم بالمروة - للاتباع - فإن بدأ بالمروة لم يحسب مروره منها إلى الصفا وذهابه من الصفا إلى المروة مرة وعوده منها إليه مرة أخرى.
ويسن - للذكر - أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة.
وأن يمشي أول
(قوله: أخذ بالأقل) وهو الست.
أي وجوبا.
(قوله: لأنه) أي الأقل هو المتيقن.
(قوله: ومن سعى بعد طواف القدوم لم يندب إلخ) لانه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم، ولم يعيدوه بعد الإفاضة.
(قوله: بل يكره) أي ما ذكر من الإعادة.
ولو عبر بالتاء بدل الياء لكان أولى.
وما ذكر من الكراهة هو ما جزم به في الروض، وأقره شيخ الإسلام في شرحه، واعتمداه في التحفة والنهاية.
وظاهر عبارة المغني أنها خلاف الأولى، وهذا كله في الكامل.
أما الناقص برق أو صبا إذا أتى بالسعي بعد القدوم، ثم كمل قبل الوقوف، أو فيه، أو بعده، وأعاده وجبت عليه الإعادة، وفي غير القارن.
أما هو، فاعتمد الخطيب أنه يسن له الإتيان بطوافين وسعيين.
واعتمد غيره أنه كغير القارن، فلا يسن له إعادة الطواف والسعي.
(قوله: ويجب أن يبدأ فيه) أي في السعي.
(وقوله: في المرة الأولى) بدل بعض أو اشتمال من الجار والمجرور قبله.
(قوله: للاتباع) هو قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قالوا له: أنبدأ بالصفا أم بالمروة؟ إبدأوا بما بدأ الله به.
(قوله: وذهابه من الصفا إلى المروة مرة الخ) هذا هو الصحيح الذي قطع به جماهير العلماء، وعليه العمل في الأزمنة كلها.
وأما ما ذهب إليه بعضهم من أنه يحسب الذهاب والعود مرة واحدة - فهو فاسد لا يعول عليه.
ولا يسن الخروج من خلافه، بل يكره، وقيل يحرم، ولا بد من استيعاب ما بينهما في كل مرة بأن يلصق عقبه أو حافر دابته بأصل ما يذهب منه، ورأس أصابعه بما يذهب إليه.
قال عبد الرؤوف: فلا يكفي رأس النعل الذي تنقص عنه الأصابع إلخ.
وأقره ابن الجمال.
قال ابن حجر في شرح بأفضل: وبعض درج الصفا محدث، فليحذر من تخلفها وراءه.
قال الكردي: وهذا الذي ذكره الشارح هنا هو المعتمد عنده، وكذلك شيخ الإسلام والمغني والنهاية.
وجرى م ر في شرح الإيضاح وابن علان على أن الدرج المشاهد الآن ليس شئ منه بمحدث، وأنه يكفي إلصاق الرجل أو حافر الدابة بالدرجة السفلى، بل الوصول لما سامت آخر الدرج المدفونة كاف، وإن بعد عن آخر الدرج الموجودة اليوم بأذرع، وفيه فسحة عظيمة للعوام، فإنهم لا يصلون لآخر الدرج، بل يكتفون بالقرب منه.
هذا كله في درج الصفا.
أما المروة فقد اتفقوا فيها على أن العقد الكبير المشرف الذي بوجهها هو حدها، لكن الأفضل أن يمر تحته، ويرقى على البناء المرتفع بعده.
اه.
وقوله: هو المعتمد عنده لعله في غير التحفة، وإلا فقد عقبة فيها بقوله كذا قال المصنف وغيره.
ويحمل على أن هذا باعتبار زمنهم، وأما الآن فليس شئ بمحدث لعلو الأرض حتى غطت درجات
كثيرة.
اه.
(قوله: ويسن للذكر) خرج به الأنثى والخنثى، فلا يسن لهما الرقي، ولو في خلوة - على الأوجه الذي اقتضاه إطلاقهم - خلافا للأسنوي ومن تبعه، اللهم إلا إذا كانا يقعان في شك لولا الرقي، فيسن لهما حينئذ - على الأوجه - احتياطا.
اه.
تحفة.
واعتمد في النهاية أنهما لا يسن لهما الرقي إلا إن خلا المحل عن غير المحارم فيما يظهر، قال: وما اعترض به من أن المطلوب من المرأة - ومثلها الخنثى - إخفاء شخصها ما أمكن، وإن كانت في خلوة.
يرد بأن الرقي مطلوب لكل أحد، غير أنه سقط عن الأنثى والخنثى طلبا للستر، فإذا وجد ذلك مع الرقي صار مطلوبا، إذ الحكم يدور مع العلة، وجودا وعدما.
اه.
(قوله: إن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة) في مذهبنا قول بوجوب الرقي، وعبارة الإيضاح مع شرحه لابن - وهى السابعة - أو ذاهب إلى جهة الصفا - وهى السادسة - وبقى سابعة فالاحتياط أن يجعلها سادسة، ويذهب إلى جهة الصفا، ثم يأتي بالسابعة.
وهذا مجرد تصوير، وإلا فيمكن أن يتصور بغير ذلك.
اه.
مولف.
السعي وآخره، ويعدو - الذكر - في الوسط، ومحلهما معروف.
(و) خامسها: (إزالة شعر) من الرأس، بحلق أو تقصير، لتوقف التحلل عليه - وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات، فتعميمه (ص) لبيان الافضل، خلافا لمن أخذ منه وجوب التعميم.
وتقصير المرأة أولى من حلقها، ثم
الجمال: وقال بعض أصحابنا هو أبو حفص عمر بن الوكيل يجب الرقي على الصفا والمروة بقدر قامة.
هكذا نقل البغوي عنه، وجرى عليه في الروضة وأصلها، والمشهور عنه وجوب صعود يسير، وهو الذي نقله عنه في المجموع، وهذا ضعيف، والصحيح المشهور أنه لا يجب، لكن الاحتياط أن يصعد، للخروج من الخلاف والتيقن.
فاحفظ ما ذكرناه في تحقيق واجب المسافة، فإن كثيرا من الناس يرجع بغير حج إن كان نسكهم حجا، ولا عمرة إن كان عمرة، لإخلاله بواجبه.
وبالله التوفيق.
اه.
وقد علمت أن هذا بالنظر لما كان، وأما الآن، فقد غلت الأرض حتى غطت درجات كثيرة، فقطع المسافة متيقن من غير رقي أصلا.
وقال في التحفة: الرقي الآن بالمروة متعذر، لكن بآخرها دكة، فينبغي رقيها، عملا بالوارد ما أمكن.
اه.
وقال البجيرمي إن الرقي الآن بقدر قامة غير متأت.
(قوله: وأن يمشي) معطوف على أن يرقى، فيكون لفظ يسن مسلطا عليه، لكن بقطع النظر عن قيده، وهو للذكر، لأن المشي لا فرق فيه بين الذكر وغيره.
أي ويسن أن يمشي الساعي أول السعي على هينته.
(وقوله: ويعدو الذكر) أي ويسن أن يعدو الذكر في الوسط.
والعدو الإسراع في المشي.
وخرج بالذكر الأنثى والخنثى، فيمشيان على هينتهما في
جميع المسعى، ولو في خلوة وليل على المعتمد وقيل يعدوان بليل عند الخلوة.
(قوله: ومحلهما معروف) أي محل المشي ومحل العدو معروفان.
فمحل العدو ابتداؤه من قبل الميل الأخضر المعلق بركن المسجد بستة أذرع إلى أن يتوسط الميلين الأخضرين، أحدهما بجدار دار العباس رضي الله عنه وهي الآن رباط منسوب إليه والآخر بجدار المسجد ومحل المشي ما عدا ذلك.
(قوله: وخامسها إزالة شعر) أي وخامس الأركان إزالة شعر.
أي إذا كان في رأسه شعر، وإلا فيسقط عنه، لكن يسن إمرارا الموسى.
وعده من الأركان مبني على جعله نسكا أي عبادة وهو المشهور المعتمد.
ومقابله أنه استباحة محظور، أي ممنوع بمعنى محرم عليه قبل ذلك، من الحظر وهو المنع بمعنى التحريم، وهو مبني على أنه ليس نسكا، وهو ضعيف.
ويترتب على جعله نسكا أنه يثاب عليه.
وعلى جعله استباحة محظور أنه لا يثاب عليه.
قال في النهاية مع الأصل والحلق أي إزالة شعر الرأس أو التقصير في حج أو عمرة في وقته نسك على المشهور، فيثاب عليه، إذ هو للذكر أفضل من التقصير، والتفضيل إنما يقع في العبادات.
وعلى هذا هو ركن كما سيأتي وقيل واجب.
والثاني هو استباحة محظور، فلا يثاب عليه، لأنه محرم في الإحرام، فلم يكن نسكا، كلبس المخيط.
اه.
(قوله: من الرأس) أي من شعره، فلا يجزئ شعر غيره وإن وجبت فيه الفدية لورود لفظ الحلق أو التقصير فيه، واختصاص كل منهما عادة بشعر الرأس.
وشمل ذلك المسترسل عنه، وما لو أخذها متفرقة.
(قوله: بحلق) هو استئصال الشعر بالموسى.
(وقوله: أو تقصير) هو قطع الشعر من غير استئصال.
والحلق والتقصير ليسا متعينين، فالمدار على إزالة الشعر بأي نوع من أنواع الإزالة، حلقا، أو تقصيرا، أو نتفا، أو إحراقا، أو قصا.
(قوله: لتوقف التحلل عليه) أي على ما ذكر من إزالة الشعر.
وكان الأولى أن يزيد كما في المنهج مع عدم جبره بدم، لإخراج رمي جمرة العقبة، لأنه وإن توقف التحلل عليه لكنه يجر بدم، فهو ليس بركن.
(قوله: وأقل ما يجزئ) أي من إزالة الشعر.
(قوله: ثلاث شعرات) أي إزالة ثلاث شعرات، لقوله تعالى: * (محلقين رؤوسكم ومقصرين) * 1 لأن الرأس لا يحلق، والشعر جمع، وأقله ثلاث كذا استدلوا به، ومنهم المصنف في المجموع قال الأسنوي: ولا دلالة في ذلك، لأن الجمع إذا كان مضافا كان للعموم، وفعله - صلى الله عليه وسلم - يدل عليه أيضا.
نعم، الطريق إلى توجيه المذهب أن يقدر لفظ الشعر منكرا مقطوعا عن الإضافة.
والتقدير شعرا من رؤوسكم.
أو نقول قام الإجماع كما نقله في المجموع
يدخل مكة بعد رمي جمرة العقبة والحلق، ويطوف للركن فيسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم - كما هو الافضل - والحلق والطواف والسعي لا آخر لوقتها.
ويكره تأخيرها عن يوم النحر، وأشد منه: تأخيرها عن أيام التشريق، ثم عن خروجه من مكة.
على أنه لا يجب الاستيعاب، فاكتفينا في الوجوب بمسمى الجمع.
اه.
مغنى.
(قوله: فتعميمه - صلى الله عليه وسلم -) أي الشعر، بإزالة جميعه.
(وقوله: لبيان الأفضل) أي فحلق جميع الشعر لغير المرأة هو الأفضل إجماعا، وللآية السابقة، فإنه فيها قدم المحلقين على المقصرين، والتقديم يقتضي الأفضلية، لأن العرب تبدأ بالأهم والأفضل، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: اللهم ارحم المحلقين.
فقالوا: يا رسول الله: والمقصرين؟ فقال: اللهم ارحم المحلقين.
ثم قال في الرابعة: والمقصرين.
هذا كله ما لم ينذر الحلق، وإلا وجب، ويستثنى من أفضلية الحلق ما لو اعتمر قبل الحج في وقت لو حلق فيه لم يسود رأسه من الشعر في يوم النحر فالتقصير حينئذ أفضل.
(قوله: خلافا لمن أخذ منه) أي من تعميمه - صلى الله عليه وسلم -.
وهو الإمام مالك، والإمام أحمد.
(قوله: وتقصير المرأة) أي الأنثى، فتشمل الصغيرة، والخنثى مثلها.
(وقوله: أولى من حلقها) أي لما روى أبو داود بإسناد حسن: ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير.
قال الخطيب في مغنيه: ولا تؤمر بالحلق إجماعا بل يكره لها الحلق على الأصح في المجموع.
وقيل يحرم، لأنه مثلة وتشبيه بالرجال.
ومال إليه الأذرعي في المزوجة والمملوكة، حيث لم يؤذن لهما فيه.
اه.
وفي التحفة والنهاية: ويندب لها أن تعم الرأس بالتقصير، وأن يكون قدر أنملة، قاله الماوردي إلا الذوائب، لأن قطع بعضها يشينها.
(قوله: ثم يدخل مكة الخ) لا يخفي عدم ارتباطه بما قبله، فكان الأولى والأنسب أن يذكره في سنن الحج، إذ دخول مكة بعد الرمي، والحلق من السنن.
أو يذكره في واجبات الحج بعد الكلام على رمي جمرة العقبة.
ومعنى كلامه: أنه إذا رمى جمرة العقبة وحلق، سن له أن يدخل مكة، ويطوف، ويسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، وترك الذبح مع أنه سنة قبل ذهابه إلى مكة للطواف.
والحاصل الأعمال المشروعة يوم النحر أربعة: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق، ثم الطواف.
وترتيبها كما ذكر سنة لما روى مسلم: أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني حلقت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر، فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال: ارم ولا حرج.
وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - ما سئل عن شئ يومئذ - قدم ولا أخر - إلا قال افعل ولا حرج.
ويدخل وقتها ما سوى الذبح بنصف ليلة النحر.
(قوله: كما هو الأفضل) الضمير يعود على السعي بعد طواف القدوم، أي كما أن السعي بعد طواف القدوم هو الأفضل، وهذا هو الذي جرى عليه شيخه في التحفة، ونصها: وإذا أراد السعي بعد طواف القدوم كما هو الأفضل،
لأنه الذي صح عنه - صلى الله عليه وسلم - لم تلزمه الموالاة اه.
والذي جرى عليه الرملي: أن السعي بعد طواف الإفاضة أفضل، وعبارته بعد كلام لكن الأفضل تأخيره عن طواف الإفاضة كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى قال: لأن لنا وجها باستحباب إعادته بعده.
اه.
وظاهر عبارة المغني الجريان على ما جرى عليه الأول، ونصها: وهل الأفضل السعي بعد طواف القدوم، أو بعد طواف الإفاضة؟ ظاهر كلام المصنف في مناسكه الكبرى الأول، وصرح به في مختصرها.
اه.
(قوله: والحلق) أي والتقصير.
وقوله: والسعي أي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم.
(قوله: لا آخر لوقتها) لأن الأصل فيما أمرنا به الشارع أن لا يكون مؤقتا، فما كان مؤقتا فهو على خلاف الأصل، وحينئذ فيبقى من عليه ذلك محرما حتى يأتي به كما في المجموع.
(قوله: ويكره تأخيرها) أي الثلاثة.
وقوله: عن يوم النحر أي فالأفضل فعلها
(و) سادسها: (ترتيب) بين معظم أركانه - بأن يقدم الاحرام على الجميع، والوقوف على طواف الركن والحلق والطواف على السعي - إن لم يسع بعد طواف القدوم - ودليله الاتباع.
(ولا تجبر) أي الاركان، (بدم).
وسيأتي ما يجبر بالدم.
(وغير وقوف) من الاركان الستة (أركان العمرة) لشمول الادلة لها، وظاهر أن الحلق يجب تأخيره عن سعيها، فالترتيب فيها في جميع الاركان.
(تنبيه) يؤديان بثلاثة أوجة: إفراد: بأن يحج ثم يعتمر.
وتمتع: بأن يعتمر ثم يحج.
وقران: بأن يحرم بهما
فيه.
(قوله: وأشد منه) أي من تأخيرها عن يوم النحر في الكراهة.
(قوله: وسادسها: ترتيب) أي وسادس الأركان: الترتيب.
ونقل ع ش عن سم على المنهج ما نصه: قوله وسادسها الترتيب.
إلخ.
أقول: لي هنا شبهة وهي: أن شأن ركن الشئ أن يكون بحيث لو انعدم انعدم ذلك الشئ، ولا شبهة في أنه إذا حلق قبل الوقوف ثم وقف وأتى ببقية الأعمال، حصل الحج، وكان الحلق ساقطا لعدم مكانه، وإن أثم بفعله في غير محله وتفويته، فقد حصل له الحج مع انتفاء الترتيب.
فليتأمل.
اه.
أقول: ويمكن اندفاع هذه الشبهة بأن يقال: الحلق إنما سقط لعدم شعر برأسه، لا لتقدمه على الوقوف، لأن حلقه قبله لم يقع ركنا، والإثم إنما هو لترفهه بإزالة الشعر قبل الوقوف، وهذا كما لو اعتمر وحلق، ثم أحرم بالحج عقبه، فلم يكن برأسه شعر بعد دخول وقت الحلق، فإن الحلق ساقط عنه، وليس ذلك اكتفاء بحلق العمرة، بل لعدم شعر يزيله.
اه.
(قوله: بين معظم أركانه) أي الحج، وهو ثلاثة أركان كما ذكره الشارح النية: وهي مقدمة على الجميع.
والوقوف: وهو مقدم على باقي الأركان.
والطواف وهو مقدم على السعي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم.
(قوله: بأن يقدم الإحرام إلخ) تصوير للترتيب بين المعظم، والمراد نية الدخول في النسك.
وقوله: على الجميع أي جميع
الأركان أي الباقي بعد النية.
وقوله: والوقوف على طواف الركن والحلق أي ويقدم الوقوف على طواف الركن والحلق، وأما هما، فلا ترتيب بينهما.
وقوله: والطواف على السعي أي ويقدم الطواف عليه.
(قوله: إن لم يسع بعد طواف القدوم) أي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإن كان قد سعى بعده سقط عنه، ولا تسن إعادته كما مر وعليه، فلا يكون هناك ترتيب بين المعظم.
(قوله: ودليله) أي الترتيب.
(وقوله: الاتباع) أي وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قوله: خذوا عني مناسككم.
(قوله: ولا تجبر أي الأركان) أي لا دخل للجبر فيها، وذلك لانعدام الماهية بانعدامها، فلو جبرت بالدم مع عدم فعلها للزم عليه وجود الماهية بدون أركانها، وهو محال.
بجيرمي.
(قوله: وسيأتي ما يجبر بالدم) وهي الواجبات الآتي بيانها، كالإحرام من الميقات.
(قوله: وغير وقوف من الأركان الستة) أي وهو: النية، والطواف، والسعي، والحلق، والترتيب.
(قوله: أركان العمرة) خبر المبتدأ، وهو لفظ غير.
(قوله: لشمول الأدلة إلخ) يعني أن الأدلة التي استدل بها على وجوب النية والطواف والسعي في الحج، تدل أيضا على وجوبها في العمرة، فهي ليست قاصرة على الحج.
(قوله: وظاهر أن الحلق) أي في العمرة.
(وقوله: يجب تأخيره عن سعيها) أي العمرة.
(قوله: فالترتيب الخ) مفرع على وجوب تأخير الحلق عنه.
(وقوله: فيها) أي في العمرة.
(وقوله: في جميع الأركان) أي لا في المعظم فقط، كالحج.
(قوله: يؤديان) أي الحج والعمرة.
(وقوله: بثلاثة أوجه) أي فقط، ووجه الحصر فيها أن الإحرام إن كان بالحج أولا فالإفراد، أو بالعمرة أولا فالتمتع، أو بهما معا فالقران.
ولا يرد على الحصر ما لو أحرم إحراما مطلقا، لأنه غير خارج عن الثلاثة، لأنه لا بد من صرفه لواحد منها، فالإحرام مطلقا مع الصرف لواحد منها في
معا.
وأفضلها: إفراد - إن اعتمر عامه - ثم تمتع.
وعلى كل من المتمتع والقارن: دم - إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام - وهم من دون مرحلتين.
معنى الإحرام ابتداء بذلك الواحد.
(قوله: إفراد) بالرفع، خبر لمتبدأ محذوف، وبالجر بدل من ثلاثة أوجه، وبدأ به لأنه أفضلها.
(قوله: بأن يحج) تصوير للإفراد.
(وقوله: ثم يعتمر) أي ولو من غير ميقات بلده، ولو من أدنى الحل.
(قوله: وتمتع) معطوف على افراد، فهو بالرفع أو بالجر.
(قوله: بأن يعتمر) أي ولو في غير أشهر الحج، لكنه وأن سمي متمتعا لا يلزمه دم، وإن أتى بأعمالها في أشهر الحج.
(وقوله: ثم يحج) ولو في غير عامه، لكنه حينئذ لا يلزمه دم.
(قوله: وقران) معطوف على إفراد أيضا، ويجري فيه الوجهان: الرفع والجر.
(قوله: بأن يحرم بهما) أي بالحج والعمرة، وهو تصوير للقران.
(وقوله: معا) مثله ما لو أحرم بالعمرة ثم قبل شروعه في أعمالها أدخل الحج عليها، فيقال لهذا قران.
(قوله: وأفضلها إفراد) أي لأن رواته أكثر، ولأن جابرا رضي الله عنه منهم وهو أقدم صحبة، وأشد عناية بضبط
المناسك - ولأنه - - صلى الله عليه وسلم - - اختاره أولا، وللإجماع على أنه لا كراهة فيه ولا دم، بخلاف التمتع والقران، والجبر أيضا دليل النقصان.
قال في التحفة: ولأن بقية الروايات يمن ردها إليه بحمل التمتع على معناه اللغوي، وهو الانتفاع، والقران على أنه باعتبار الآخر، لأنه - صلى الله عليه وسلم - اختار الإفراد أولا، ثم أدخل عليه العمرة خصوصية له للحاجة إلى بيان جوازها في هذا المجمع العظيم، وإن سبق بيانها منه قبل متعددا.
اه.
قوله: إن اعتمر عامه أي محل الأفضلية إن اعتمر في سنة الحج بأن لا يؤخرها عن ذي الحجة، وإلا كان كل منهما أفضل منه، لكراهة تأخيرها عن سنته.
قال الكردي: ومن صور الإفراد الفاضل بالنسبة للتمتع الموجب للدم: ما لو اعتمر قبل أشهر الحج ثم حج من عامه، لكنها مفضولة بالنسبة للإتيان بالعمرة بعد الحج فيما بقي من ذي الحجة - كما في الإمداد - ويسمى ذلك تمتعا أيضا.
اه.
(قوله: ثم تمتع) أي ثم يليه في الفضيلة تمتع، فهو أفضل من القران، وذلك لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين، وإنما ربح أحد الميقاتين فقط، بخلاف القارن، فإنه يأتي بعمل واحد من ميقات واحد.
(قوله: وعلى كل من المتمتع والقارن: دم) أما الأول: فبالإجماع، لربحه الميقات، إذ لو أحرم بالحج أولا من ميقات بلده لاحتاج بعده إلى أن يحرم بالعمرة من أدنى الحل، وبالتمتع لا يخرج من مكة، بل يحرم بالحج منها.
قال في التحفة: وبهذا يعلم أن الوجه فيمن كرر العمرة في أشهر الحج أنه لا يتكرر عليه، وإن أخرج الدم قبل التكرر، لأن ربحه الميقات بالمعنى الذي تقرر لم يتكرر.
وأما الثاني: فلما صح أنه - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن نسائه البقر يوم النحر.
قالت عائشة - رضي الله عنها -: وكن قارنات.
ولأنه وجب على المتمتع بنص القرآن، وفعل المتمتع أكثر من فعل القارن، فإذا لزمه الدم فالقارن أولى.
(قوله: إن لم يكن) أي كل من المتمتع والقارن.
وهو شرط لوجوب الدم، أي يشترط في وجوب الدم عليهما أن لا يكونا من حاضري المسجد الحرام، وذلك لقوله تعالى في المتمتع: * (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * 1 أي ما ذكر من الهدي والصوم عند فقده لمن - أي على من لم يكن أهله أي وطنه - حاضري المسجد الحرام، وقيس عليه في ذلك القارن، والجامع بينهما الترفه فيهما.
فالمتمتع ترفه بربح ميقات الحج، والقارن ترفه بترك أحد الميقاتين أيضا.
ويشترط أيضا لوجوب التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من مكة، وأن يكون إحرامه بالعمرة ثم بالحج في سنة واحدة، وأن لا يعود إلى الميقات قبل الإحرام أو بعده وقبل التلبس
بنسك.
(وشروط الطواف) ستة: أحدها: (طهر) عن حدث وخبث.
(و) ثانيها: (ستر) لعورة قادر، فلو زالا فيه جدد، وبنى على طوافه، وإن تعمد ذلك، وطال الفصل.
فحاصل الشروط أربعة، إذا فقد واحد منها لم يجب عليه شئ.
ويشترط لوجوبه على القارن أيضا أن لا يعود من مكة قبل الوقوف إلى الميقات، فحاصل ما يشترط له اثنان إذا فقد واحد منهما لم يجب عليه شئ.
(قوله: وهم) أي حاضرو المسجد الحرام.
(وقوله: من دون مرحلتين) أي من استوطنوا بالفعل حالة الإحرام لا بعده محلا دون مرحلتين أي من الحرم على الأصح وذلك لأن المسجد الحرام حيث ذكر في القرآن المراد به جميع الحرم إلا في آية * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * 1 وآية * (سبحان الذي أسرى) * 2 فالمراد به الكعبة في الأول، وحقيقته في الثاني.
وقيل من مكة لأن المسجد الحرام في الآية غير مراد به حقيقته اتفاقا، وحمله على مكة أقل تجوزا من حمله على جميع الحرم.
(قوله: وشروط الطواف) لما أنهى الكلام على الأركان، شرع في بيان شروط بعضها وهو الطواف وخصه من بينها بذلك لكونه أفضلها، ولعظم الخطر فيه.
وهذه الشروط ليست خاصة بطواف الإفاضة، بل هي له بسائر أنواعه، من قدوم، ووداع، ونذر، وتطوع، وتحلل.
(وقوله: ستة) بل ثمانية.
فسابعها: كونه في المسجد.
وثامنها: عدم صرفه لغيره، كطلب غريم.
وكإسراعه خوفا من أن تلمسه امرأة.
وقد نظمها بعضهم فقال: واجبات الطواف ستر وطهر * * جعله البيت يا فتى عن يسار في مرور تلقاء وجه وبالأسود * * يبدأ محاذيا وهو سار مع سبع بمسجد ثم قصد * * لطواف في النسك ليس بجار فقد صرف لغيره ذي ثمان * * قد حكى نظمها نظام الدرار (قوله: أحدها: طهر عن حدث) أي بنوعيه: الأصغر والأكبر.
وقوله: وخبث أي في ثوبه، وبدنه، ومطافه.
قال في التحفة: نعم، يعفى عما يشق الاحتراز عنه في المطاف من نجاسة الطيور وغيرها، إن لم يتعمد المشي عليها، ولم تكن رطوبة فيها أو في مماسها كما مر قبيل صفة الصلاة.
ومن ثم عد ابن عبد السلام غسل المطاف من البدع.
اه.
قال الرملي رحمه الله تعالى: ومما شاهدته مما يجب إنكاره والمنع منه، ما يفعله الفراشون بالمطاف من تطهير ذرق إ الطيور، فيأخذ خرقة مبتلة فيزيل بها العين، ثم يغسلها، ثم يمسح بها محله، فيظن أنه تطهير، بل تصير النجاسة غير معفو عنها، ولا يصح طواف الشافعية عليها، إذ لا بد بعد إزالة العين من صب الماء على المحل.
اه.
(قوله: وثانيها) أي
الشروط الستة.
(قوله: ستر لعورة قادر) أي على الستر، فإن كان عاجزا عنه طاف عاريا وأجزأه كما لو صلى كذلك بخلاف ما إذا عجز عن الطهارة حسا أو شرعا، فبحث الأسنوي منعه كالمتنجس العاجز عن الماء من طواف الركن، لوجوب الإعادة، فلا فائدة في فعله.
وقطع طواف النفل والوداع بأن له فعلهما مع ذلك، وهو ضعيف.
وقد حرر هذا المقام في التحفة، وذكر حاصل المعتمد منه، ونصها: ولو عجز عن الستر طاف عاريا، ولو للركن إذ لا إعادة عليه أو عن الطهارة حسا أو شرعا.
ففيه اضطراب حررته في الحاشية.
وحاصل المعتمد منه: أنه يجوز لمن عزم على الرحيل أن يطوف، ولو للركن، وإن اتسع وقته، لمشقة مصابرة لاحرام بالتيمم، ويتحلل به، وإذا جاء مكة لزمه إعادته، ولا يلزمه عند فعله تجرد ولا غيره، فإن مات وجب الإحجاج عنه بشرطه.
ولا يجوز طواف الركن ولا غيره لفاقد الطهورين، بل الأوجه أن يسقط عنه طواف الوادع.
ولو طرأ حيضها قبل
(و) ثالثها: (نيته): أي الطواف، (إن استقل) بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات، وإلا فهي سنة.
(و) رابعها: (بدؤه بالحجر الاسود محاذيا له) في مروره (ببدنه): أي بجميع شقه الايسر.
وصفة
طواف الركن، ولم يمكنها التخلف لنحو فقد نفقة أو خوف على نفسها، رحلت إن شاءت، ثم إذا وصلت لمحل يتعذر عليها الرجوع منه إلى مكة تتحلل كالمحصر ويبقى الطواف في ذمتها.
والأحوط لها أن تقلد من يرى براءة ذمتها بطوافها قبل رحيلها.
اه.
بتصرف.
(قوله: فلو زالا) أي الطهر والستر.
(وقوله: فيه) أي في الطواف.
(قوله: جدد) أي الطائف، الطهر والستر.
فمفعول الفعل محذوف، والفاعل ضمير مستتر يعود على معلوم من المقام.
(قوله: وبنى على طوافه) أي بنى على ما أتى به من الطوفات.
ومعنى البناء على الماضي أنه يبنى من الموضع الذي وصل إليه، ولا يجب استئنافه، لكن يسن، خروجا من الخلاف.
(قوله: وإن تعمد ذلك) أي زوال الطهر والستر، وهو غاية في الاكتفاء بالبناء.
(وقوله: وطال الفصل) أي وإن طال الفصل.
فهو غاية ثانية لما ذكر، وذلك لعدم اشتراط الولاء فيه.
(قوله: وثالثها) أي الشروط الستة.
(وقوله: نيته) أي قصده بقلبه والتلفظ بها سنة كسائر النيات.
(قوله: إن استقل) أي الطواف.
(قوله: بأن لم يشمله نسك) تصوير لاستقلاله.
أي أن استقلاله مصور بأن لا يشمله نسك، أي لا يندرج تحته كالحج.
(قوله: كسائر العبادات) الكاف للتنظير، أن نظير سائر العبادات في وجوب النية فيها.
(قوله: وإلا فهي سنة) أي وإن لم يستقل، بأن
يشمله نسك، فهي سنة، وذلك لإغناء نية النسك عن نية الطواف.
قال في حاشية الإيضاح بعد كلام قرره: إن كان المراد بالنية قصد الفعل فهو شرط في كل طواف.
أو تعيين الطواف فليس بشرط في كل طواف فما المحل في وجوب النية فيه؟ أي وفي عدمه.
قال: وقد يجاب بأن المختلف فيه هو قصد نفس الفعل، لا مطلق القصد.
نظير قولهم يشترط قصد فعل الصلاة، ولا يكفي مطلق قصدها مع الغفلة عن ربطه بالفعل، فطواف النسك يكفي فيه مطلق القصد، وطواف غيره لا بد فيه من قصد الفعل، دون التعيين كنية نفل الصلاة المطلق اه.
وقال الونائي في منسكه في مبحث سنن الطواف ما نصه: منها أي السنن: النية أي نية فعل الحقيقة الشرعية بالمسماة بالطواف وهي الدوران حول البيت، فلا ينافي اشتراط قصد الفعل بأن يلحظ كونه عن الطواف لاشتراط عدم الصارف.
اه.
قال الشيخ باعشن عليه: والحاصل أن قصد مطلق الفعل وهو قصد الدوران بالبيت لا بد منه في كل طواف.
وأما ملاحظة كونه عن الطواف الشرعي فواجب في طواف غير النسك، وسنة في طواف النسك.
اه.
وقال بعضهم: المراد من كون النية سنة في طواف النسك نية كونه ركن الحج أو واجبه.
أما قصد الفعل فلا بد منه مطلقا، وهو لا يغاير ما مر.
قوله: ورابعها) أي الشروط الستة.
(قوله: بدؤه بالحجر الأسود) أي ركنه، وإن قلع منه وحول منه لغيره، وذلك للاتباع، فلا يعتد بما بدأ به قبله، ولو سهوا، فإذا انتهى إليه ابتدأ منه، وكذا لا يعتد بما بدأ به بعدة من جهة الباب.
ووصف الحجر بكونه أسود بحسب الحالة الراهنة، وإلا فليس كذلك بحسب الأصل.
قال السيوطي في التوشيح: أخرج أحمد والترمذي وابن حبان حديث: إن الحجر والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاآ ما بين المشرق والمغرب.
وأخرج الترمذي حديث: نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم.
وروي عن وهب بن منبه أن آدم لما أمره الله تعالى بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة التي هي الحجر الأسود مسح بها دموعه، فلما نزل إلى الأرض لم يزل يبكي، ويستغفر الله، ويمسح دموعه بتلك الجوهرة حتى اسودت من دموعه.
ثم لما بنى البيت أمره جبريل أن يجعل تلك الجوهرة في الركن، ففعل.
المحاذاة: أن يقف بجانبه من جهة اليماني - بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه - ثم ينوي، ثم يمشي مستقبلة حتى يجاوزه، فحينئذ ينفتل ويجعل يساره للبيت، ولا يجوز استقبال البيت إلا في هذا.
وفي بهجة الأنوار: إن الحجر الأسود كان في الابتداء ملكا صالحا، ولما خلق الله آدم وأباح له الجنة كلها إلا الشجرة التي نهاه عنها، ثم جعل ذلك الملك موكلا على آدم أن لا يأكل من تلك الشجرة، فلما قدر الله تعالى إن آدم يأكل من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك، فنظر تعالى إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرا ألا ترى أنه جاء في الأحاديث: الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله يد، ولسان، وأذن، وعين، لأنه كان في الابتداء، ملكا؟ (تنبيه) خمسة أشياء خرجت من الجنة مع آدم عود البخور، وعصا موسى من شجر الآس وأوراق التين التي كان يستتر بها آدم والحجر الأسود، وخاتم سليمان.
ونظمها بعضهم في قوله: وآدم معه أهبط العود والعصا * * لموسى من الآس النبات المكرم وأوراق تين واليمين بمكة * * وختم سليمان النبي المعظم وزاد بعضهم: الحجر الذي ربطه نبينا على بطنه، ومقام إبراهيم، وهو الحجر الذي كان يقف عليه لبناء البيت فيرتفع به حتى يضع الحجر، ويهبط حتى يتناوله من إسماعيل، وفيه أثر قدميه.
(قوله: محاذيا) حال من الضمير في بدؤه، العائد على الطائف.
(وقوله: له) أي للحجر الأسود، كله أو بعضه، فلا يشترط محاذاة كله.
(وقوله: في مروره) أي في حال مروره.
(قوله: ببدنه) متعلق بمحاذيا.
(قوله: أي بجميع شقه الأيسر) تفسير مراد للبدن أي أن المراد بالبدن جميع الشق الأيسر، فهو على سبيل المجاز المرسل، والعلاقة الكلية والجزئية، والمراد أيضا بجميع الشق الأيسر مجموعه، وهو أعلاه المحاذي لصدره، وهو المنكب.
وذلك لأن المحاذاة لا تكون إلا به كما هو ظاهر وعبارة التحفة: تنبيه يظهر أن المراد بالشق الأيسر أعلاه المحاذي للصدر، وهو المنكب، فلو انحرف عنه بهذا، أو حاذاه ما تحته من الشق الأيسر، لم يكف.
اه.
ثم إن ما ذكر من اشتراط المحاذاة مفروض في الابتداء، أما الانتهاء فيجب أن يكون الذي حاذاه في آخر الطواف هو الذي حاذاه في أوله، ومقدما إلى جهة الباب، ليحصل استيعاب البيت بالطواف.
وزيادة ذلك الجزء احتياط فلو حاذى أولا طرفه مما يلي الباب، اشترط أن يحاذيه آخرا.
وهذه دقيقة يغفل عنها.
(قوله: وصفة المحاذاة) أي الكيفية التي تحصل بها المحاذاة، وهذه الكيفية ليست بواجبة، بل هي الفاضلة، وذلك لأنه لو ترك الاستقبال المذكور وحاذى الطرف مما يلي الباب بشقه الأيسر أجزأه، وفاتته الفضيلة.
(قوله: أن يقف) أي مستقبلا للبيت.
وقوله: بجانبه أي الحجر الأسود.
وقوله: من جهة اليماني متعلق بيقف.
أي يقف من جهة الركن اليماني.
وقوله: بحيث إلخ الباء لتصوير الوقوف بجانبه، أي يقف وقوفا مصورا بحالة
هي أن يصير جميع الحجر الأسود عن يمينه، أي ويصير منكبه الأيمن عند طرفه.
(قوله: ثم ينوي) أي ثم بعد وقوفه المذكور ينوي الطواف.
(قوله: ثم يمشي مستقبله) أي ثم بعد النية يمشي إلى جهة يمينه مستقبلا للحجر.
وقوله: حتى يجاوز أي يمشي مستقبلا إلى أن يجاوز الحجر.
والمراد إلى أن يبدأ في المجاوزة بحيث يحاذي منكبه طرف الحجر، وليس المراد إلى تمام المجاوزة، بدليل قوله فحينئذ إلخ كما ستعرفه.
وعبارة غيره: إلى أن يحاذي منكبه طرف الحجر، فينحرف حينئذ، ويجعل جميع يساره لطرف الحجر.
اه.
وهي ظاهرة.
وهذا على ما جرى عليه شيخه ابن حجر.
أما على ما جرى عليه م ر: فالمراد إلى تمام المجاوزة، لأن الانفتال عنده يكون بعدها، لا في حال المجاوزة.
(قوله: فحينئذ ينفتل) أي حين المجاوزة ينفتل، لا بعدها على ما جرى عليه ابن حجر أما على ما جرى عليه الرملي: فالانتقال يكون بعدها كما علمت ولا بد من استحضار النية عند هذا الانفتال، لأنه أول الطواف، وما قبله مقدمة له.
(قوله: ويجعل يساره للبيت) معطوف على ينفتل، أي حينئذ يجعل يساره، ويصح جعل الواو للحال، أي ينفتل حال كونه جاعلا يساره.
ويدل على هذا عبارة التحفة ونصها: فينفتل جاعلا يساره محاذيا جزءا من الحجر بشقه الأيسر.
اه.
(و) خامسها: (جعل البيت عن يساره) مارا تلقاء وجهه، فيجب كونه خارجا بكل بدنه حتى بيده عن
شاذروانه وحجره - للاتباع - فإن خالف شيئا من ذلك لم يصح طوافه، وإذا استقبل الطائف - لنحو دعاء - فليحترز عن أن يمر منه أدنى جزء قبل عوده إلى جعل البيت عن يساره.
ويلزم من قبل الحجر أن يقر قدميه في
(قوله: ولا يجوز استقبال البيت إلا في هذا) أي في ابتداء الطواف.
قال العلامة عبد الرؤوف: هذا الاستثناء صوري، لأن أول الطواف الواجب، هو هذا الانفتال، وما قبله مقدمته، لا منه.
ومن ثم لم تجز النية إلا إن قارنته.
اه.
وما ذكره هو معتمد ابن حجر، واعتمد الجمال الرملي والخطيب وابن قاسم وغيرهم أن أول طوافه ما فعله أولا، وأن الاستثناء حقيقي.
(قوله: وخامسها) أي الشروط الستة.
(قوله: جعل البيت عن يساره) أي في كل خطوة من خطوات طوافه، فلو مر منه جزء وهو مستقبل البيت أو مستدبره لدعاء أو زحمة أو استلام أو نحوها، بطلت تلك الخطوة وما بني عليها حتى يرجع إلى محله الذي وقع الخلل فيه، أو يصل إليه فيما بعد تلك الطوفة.
(فائدة) الطواف يمين، لما في مسلم: عن جابر رضي الله عنه، أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى البيت فاستقبل الحجر، ثم مشى عن يمينه.
أي الحجر.
وحينئذ يكون الطائف عن يمين البيت، وغلط كثيرون فسرى إلى ذهنهم من اشتراط جعل البيت عن يساره أن الطواف يسار.
(وقوله: مارا تلقاء وجهه) أي على الهيئة المعتادة له في المشي، سواء طاف منتصبا، أو منحنيا، أو زحفا، أو حبوا وإن قدر على المشي في الجميع.
(قوله: فيجب كونه إلخ) هذا التفريع لا محل له، فالأولى التعبير بالواو ويكون
مستأنفا، ساقه لبيان شرط آخر.
وقوله: بكل بدنه ومثله ثوبه المتحرك بحركته عند حجر، لا نحو عود في يده.
ومشى الخطيب في مغنيه: والرملي في النهاية، على أن الثوب وإن تحرك بحركته لا يضر.
(قوله: حتى بيده) أي حتى يجب خروج يده.
(قوله: عن شاذروانه) متعلق بخارجا، وهو جدار قصير نقصه ابن الزبير من عرض الأساس، وهو من الجهة الغربية واليمانية فقط كما في شرح بأفضل وموضع من النهاية وغيرهما، لكن المعتمد كما في التحفة ثبوته في جهة الباب أيضا.
والحاصل أنه مختلف في ثبوته من جميع الجوانب فالإمام والرافعي لا يقولان به إلا في جهة الباب، وشيخ الإسلام ومن وافقه لا يقولان به من جهة الباب، وأبو حنيفة لا يقول به في جميع الجوانب، وفيه رخصة عظيمة، بل لنا وجه إن مس جدار الكعبة لا يضر، لخروج معظم بدنه عن البيت.
وقوله: وحجره هو بكسر الحاء، ما بين الركنين الشاميين، عليه جدار قصير بينه وبين كل من الركنين فتحة، ويسمى أيضا حطيما، لكن الأشهر أنه ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم.
(قوله: للاتباع) دليل لوجوب جعل البيت عن يساره، ولوجوب خروجه بكل بدنه عنه.
والاتباع في الأول خبر جابر المار مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: خذوا عني مناسككم وفي الثاني أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف خارجه مع قوله خذوا إلخ، ويدل له أيضا قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * 1 وإنما يكون طائفا به إذا كان خارجا عنه، وإلا فهو طائف فيه.
(قوله: فإن خالف شيئا من ذلك) راجع لجميع ما قبله، فاسم الإشارة يعود على المذكور من الطهر والستر وما بعدهما من الشروط.
فلو طاف عاريا أو غير متطهر، أو من غير نية، أو لم يبدأ بالحجر الأسود، أو لم يجعل البيت عن يساره بأن جعله عن يمينه أو عن يساره لكن مشى القهقري، أو لم يخرج بكل بدنه عن الشاذروان والحجر، لم يصح طوافه.
(قوله: وإذا استقبل الخ) هذه المسألة مفرعة على جعل البيت عن يساره.
والتي بعدها أعني ويلزمه إلخ مفرعة على وجوب كونه خارجا بكل بدنه عما ذكره.
فكان المناسب أن يترجم لهما كعادته.
بأن يقول: فرعان (قوله: فليحترز عن أن يمر منه أدنى جزء إلخ) فإن مر منه أدنى جزء وهو مستقبل الكعبة قبل أن يجعل البيت عن يساره، بطلت تلك الخطوة وما بني عليها حتى يرجع إلى المحل الذي مر منه وهو مستقبل، أو يصل إليه في الطوفة الثانية مثلا وتلغو الطوفة التي وقع الخلل فيها.
(قوله: ويلزم من قبل الحجر) أي أو استلم الركن اليماني.
وهذه المسألة من الدقائق التي ينبغي التنبه لها كما نص عليه
محلهما حتى يعتدل قائما، فإن رأسه - حال التقبيل - في جزء من البيت.
(و) سادسها: (كونه سبعا) يقينا، ولو في الوقت المكروه، فإن ترك منها شيئا - وإن قل - لم يجزئه.
(وسن أن يفتتح) الطائف (باستلام الحجر) الاسود بيده، (و) أن (يستلمه في كل طوفة)، وفي الاوتار
في الإيضاح.
(وقوله: أن يقر قدميه في محلهما) أي يثبتهما في محلهما.
فلو زالت قدماه من محلهما إلى جهة الباب
قليلا ولو بعض شبر في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل عليهما في الموضع الذي زالتا إليه فإن لم يرجع إلى المحل الذي زالتا منه ومضى من هناك إلى طوافه، بطلت طوفته هذه، لأنه قطع جزءا من مطافه وبدنه في هواء الشاذروان.
(قوله: وسادسها) أي الشروط الستة.
(قوله: كونه) أي الطواف.
(وقوله: سبعا يقينا) فلو شك في العدد أخذ بالأقل كالصلاة إن كان الشك في الأثناء.
فإن كان بعد الفراغ لم يؤثر، ومثله ما لو شك بعده في شرط من الشروط كالطهارة فإنه لا يؤثر.
ولو أخبره عدل على خلاف ما يعتقده، فإن كان بالنقص سن الأخذ به إن لم يورثه الخبر ترددا وإلا وجب الأخذ.
وفارق الصلاة بأنها تبطل بالزيادة.
وإن كان بالتمام لم يجز الأخذ به إلا إن بلغوا عدد التواتر.
(قوله: ولو في الوقت المكروه) هذه الغاية للتعميم، ولكن لا محل لها هنا، إذ لا علاقة بينها وبين العدد حتى يعمم بها فيه، فكان المناسب أن يذكر مسألة مستقلة كما صنع شيخه وعبارته: ولا يكره في الوقت المنهي عن الصلاة فيه.
والمعنى أن الطواف يصح ولو في الأوقات التي تكره فيها الصلاة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء.
(قوله: فإن ترك منها) أي السبع.
وهو مفهوم قوله سبعا، وقد علمت مفهوم قوله يقينا.
(وقوله: شيئا وإن قل) أي ولو بعض خطوة.
(قوله: لم يجزئه) أي الطواف.
أي إن لم يتداركه، فلو مات وقد ترك بعض خطوة من طواف الحج لم يصح حجه.
(قوله: وسن أن يفتتح الطائف) شروع في ذكر بعض سنن الطواف.
وهي كثيرة.
منها ما ذكره المؤلف، ومنها السكينة، والوقار، وعدم الكلام إلا في خير كتعليم جاهل برفق إن قل وسجدة التلاوة لا الشكر لأن الطواف كالصلاة، وسجدة الشكر تحرم فيها.
ومنها رفع اليدين عند الدعاء، وجعلهما تحت صدره في غير الدعاء بالكيفية المعهودة في الصلاة كما نص عليه في التحفة وعبارتها بعد كلام: ورفع اليدين في الدعاء كما في الخصال، ومنه مع تشبيههم الطواف بالصلاة في كثير من واجباته وسننه الظاهر في أنه يسن ويكره فيه كل ما يتصور من سنن الصلاة ومكروهاتها يؤخذ أن السنة في يدي الطائف إن دعا رفعهما، وإلا فجعلهما تحت صدره بكيفيتهما ثم.
اه.
ومنها الدعاء فيه، وهو بالمأثور أفضل، حتى من القراءة، وهو كما في شرح الروض نقلا عن الأصحاب - أن يقول عند استلام الحجر في كل طوفة والأولى آكد بسم الله والله أكبر.
اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وقبالة الباب اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار ويشير بقلبه إلى مقام إبراهيم.
وعند الانتهاء إلى الركن العراقي اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك،
والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق، وسوء المنظر في المال والأهل والولد.
وعند الانتهاء تحت الميزاب اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك.
واسقني بكأس محمد - صلى الله عليه وسلم - شرابا هنيئا لا أظمأ بعده أبدا، يا ذا الجلال والإكرام.
وبين الركن الشامي واليماني اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا، وسعيا مشكورا، وعملا مقبولا، وتجارة لن تبور.
والمناسب للمعتمر أن يقول: وعمرة مبرورة.
ويحتمل استحباب التعبير بالحج مراعاة للخبر، ويقصد المعنى اللغوي وهو مطلق القصد نبه عليه الأسنوي، قال في المغنى: ومحل الدعاء بهذا إذا كان الطواف في ضمن حج أو عمرة، وإلا فيدعو بما أحب.
اه.
وقال بعضهم: يأتي بما ذكر ولو كان الطواف ليس طواف نسك اتباعا للوارد، ويقصد بذلك أيضا المعنى اللغوي.
وبين اليمانيين اللهم * (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) * 1.
آكد، وأن يقبله، ويضع جبهته عليه، (و) يستلم (الركن) اليماني، ويقبل يده بعد استلامه، (و) أن (يرمل
(قوله: باستلام الحجر الأسود إلخ) اختصر المؤلف ما يندب للطائف عند ابتداء الطواف، وحاصله أنه يندب له قبل البدء بالطواف إذا كان المطاف خاليا أن يستقبل الحجر الأسود، ويستلمه بيده، ثم يقبله بفمه، ثم يضع جبهته عليه، ويراعي ما ذكر في كل مرة ويكرره ثلاثا.
هذا كله عند القدرة، فإن عجز عن التقبيل استلم بيده اليمنى، فإن عجز عنه فباليسرى، فإن عجز عن استلامه استلمه بنحو عود ثم قبل ما استلم به، فإن عجز عن استلامه أشار إليه بيده أو بشئ فيها ثم قبل ما أشار به.
ولا يشير بالفم إلى التقبيل، ولا يزاحم للتقبيل، بل تحرم المزاحمة له وللاستلام إن آذى غيره أو تأذى به، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: يا عمر، إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف.
إن وجدت خلوة، وإلا فهلل وكبر.
رواه الشافعي وأحمد - رضي الله عنهما - وأما نصه في الأم على طلب الاستلام أول الطواف وآخره ولو بالزحام، فمحمول على زحام ليس معه ضرر بوجه.
(قوله: وأن يقبله) المصدر المؤول معطوف على استلام.
(قوله: ويستلم الركن اليماني) أي عند القدرة، وإلا أشار إليه بيده، أو بشئ فيها.
(فائدة) مما ورد في فضل الركن اليماني قوله - صلى الله عليه وسلم -: ما مررت بالركن اليماني إلا وعنده ملك ينادي: آمين.
آمين.
فإذا مررتم فقولوا: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: وكل بالركن اليماني سبعون ملكا.
من قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة قالوا: آمين.
قال العز بن جماعة: ولا تعارض بين الحديثين على تقدير الصحة إذ يحتمل أن السبعين موكلون به لم يكلفوا التأمين وإنما يؤمنون عند سماع الدعاء، والملك كلف قول آمين.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن عند الركن اليماني بابا من أبواب الجنة، والركن الأسود من أبواب الجنة، وما من أحد يدعو عند الركن الأسود إلا استجاب الله له.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ما بين الركن اليماني والحجر الأسود روضة من رياض الجنة.
وعن عطاء: قال: قيل: يا رسول الله تكثر من استلام الركن اليماني قال: ما أتيت عليه قط إلا وجبريل قائم عنده يستغفر لمن يستلمه.
وعن مجاهد أنه قال: ما من إنسان يضع يده على الركن اليماني ويدعو إلا استجيب له، وأن بين الركن اليماني والركن الأسود سبعين ألف ملك لا يفارقونه، هم هنالك منذ خلق الله البيت.
(قوله: ويقبل يده) أي أو ما أشار به للركن عند عدم استلامه كما في التحفة والنهاية والمغني وجزم حجر في شرح بأفضل ومختصر الإيضاح وحاشيته أنه لا يقبل ما أشار به للركن اليماني فارقا بين الحجر وبين الركن اليماني بأن الحجر أشرف، فاختص بذلك.
واعلم أنه لا يسن تقبيل الركنين الشاميين ولا استلامهما.
قال م ر: والسبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أن ركن الحجر فيه فضيلتان كون الحجر فيه، وكونه على قواعد أبينا إبراهيم.
واليماني فيه فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد أبينا إبراهيم.
وأما الشاميان فليس لهما شئ من الفضيلتين.
اه.
(قوله: وإن يرمل) أي وسن الرمل، وسببه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة بأصحابه معتمرين سنة سبع قبل الفتح بسنة وقد وهنتهم الحمى، فقال المشركون: هؤلاء قد وهنتهم حمى يثرب، فلم يبق لهم طاقة بقتالنا، فأطلع الله نبيه على ما قالوا، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ليرى المشركون جلدهم وبقاء قوتهم، ففعلوا، فلما رآهم المشركون قالوا: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ إنهم لأجلد من كذا وكذا.
وإنما شرع مع زوال سببه ليتذكر به فاعله نعمة - ذكر) في الطوفات (الثلاث الاول من طواف بعده سعي) بإسراع مشيه مقاربا خطاه، وأن يمشي في الاربعة الاخيرة على هيئته - للاتباع - ولو ترك الرمل في الثلاث الاول: لا يقضيه في البقية.
ويسن أن يقرب - الذكر - من البيت، ما لم يؤذ أو يتأذ بزحمة، فلو تعارض القرب منه والرمل: قدم، لان ما يتعلق بنفس العبادة، أولى من المتعلق بمكانها، وأن يضطبع في طواف يرمل فيه، وكذا في السعي: وهو جعل وسط ردائه تحت منكبه الايمن،
الله بظهور الإسلام، وإعزاز أهله، وتطهير مكة من المشركين على ممر الأعوام والسنين.
وقوله: ذكر خرج به الأنثى، فلا يسن لها الرمل ولو ليلا، ولو في خلوة لأن بالرمل تتبين أعطافها، وفيه تشبه بالرجال.
قال في التحفة: بل يحرم إن
قصدت التشبه.
ومثل الرمل في ذلك الاضطباع.
ومثل الأنثى: الخنثى.
(قوله: في الطوفات) بإسكان الواو على الأفصح ويجوز فتحها.
(قوله: من طواف بعده سعي) أي حال كون الطوفات الثلاث كائنة من طواف يعقبه سعي، أي مطلوب في حج أو عمرة، وإن كان مكيا.
فإن رمل في طواف القدوم، وسعى بعده سعي الحج، لا يرمل في طواف الركن، لأن السعي بعده حينئذ غير مطلوب، ولا رمل في طواف الوداع لذلك.
(قوله: بإسراع مشيه) تصوير للرمل.
أي أن الرمل هو أن يسرع فيه مشيه أي مع هز كتفيه ومع غير عدو ووثب، ويسمى خببا.
وقوله: مقاربا حال من فاعل إسراع.
وقوله: خطاه بضم الخاء جمع خطوة، بضم الخاء أيضا: اسم لما بين القدمين، أما الخطوة بالفتح وهي نقل القدم فجمعها خطاء بكسر الخاء والمد كركوة وركاء كما قال في الخلاصة: فعل وفعلة فعال لهما.
(قوله: وأن يمشي في الأربعة) معطوف على أن يرمل.
أي وسن أن يمشي في الأربعة الأخيرة.
(وقوله: على هيئته) أي سجيته وطبيعته.
وفي بعض النسخ على هينته بنون، فتاء أي تأنيه.
(قوله: للاتباع) دليل لسنية الرمل في الثلاث الأول، ولسنية المشي في الأربعة الأخيرة، وهو ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا.
وروى مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم -: رمل من الحجر إلى الحجر ثلاثا، ومشى أربعا.
(قوله: ولو ترك الرمل) ضبطه الخطيب في منسكه بفتح الراء والميم، ولكن القياس إسكان الميم.
(قوله: لا يقضيه) أي الرمل في البقية، أي الأربعة الأخيرة.
وذلك لأن هيئتها السكينة، فلا تغير، كالجهر لا يقضى في الأخيرتين إذا ترك من الأولتين.
(قوله: ويسن أن يقرب الذكر من البيت) أي تبركا به، لشرفه، ولأنه أيسر لنحو الاستلام.
وخرج بالذكر الأنثى، والخنثى، فلا يقربان استحبابا في حالة طواف الذكور بل يكونان في حاشية المطاف، بحيث لا يخالطان الذكور.
(قوله: ما لم يؤذ أو يتأذ بزحمة) قيد في سنية القرب.
أي ويسن مدة عدم إيذائه غيره أو تأذيه بسبب زحمة لو قرب، وإلا فلا يسن له القرب.
وعبارة شرح الروض، نعم إن تأذى بالزحام أو آذى غيره فالبعد أولى.
قال في المجموع.
كذا أطلقوه.
وقال البندنيجي: قال الشافعي في الأم ابتداء الطواف وآخره فأحب له الاستلام ولو بالزحام.
اه.
وقد توهم أنه يغتفر في الابتداء والآخرة التأذي والإيذاء بالزحام، وهو ما فهمه الأسنوي، وصرح به، وليس مرادا كما نبه عليه الأذرعي وقال: إنه غلط قبيح.
(وحاصل نص الام إلخ) أنه يتوقى الأذى والإيذاء بالزحام مطلقا، ويتوقى الزحام الخالي عنهما إلا في الابتداء والآخر.
اه.
(قوله: فلو تعارض القرب منه) أي من البيت من غير رمل.
(وقوله: والرمل) أي مع البعد.
(وقوله: قدم) أي الرمل، على القرب، فكونه يرمل في حاشية المطاف أولى من كونه يقرب من غير رمل.
(قوله: لأن ما يتعلق الخ) عبارة شرح الروض: لأن الرمل شعاره مستقل، ولأنه متعلق بنفس العبادة، والقرب متعلق بمكانها، والمتعلق بنفسها أولى، بدليل أن صلاة الجماعة في البيت أولى من الانفراد في المسجد هذا إن لم يخش ملامسة النساء مع التباعد، فإن خشيها تركه - أي التباعد والرمل - فالقرب حينئذ بلا رمل أولى - تحرزا عن ملامستهم المؤدية إلى انتقاض الطهارة - وكذا لو كان بالقرب أيضا نساء، وتعذر الرمل في جميع المطاف - لخوف الملامسة - فترك الرمل أولى.
اه.
بحذف.
(قوله: وأن يضطبع) معطوف على أن يقرب.
أي ويسن أن يضطبع الذكر في طواف يرمل فيه، وهو الذي يعقبه السعي، ولو كان
وطرفيه على الايسر - للاتباع - وأن يصلي بعده ركعتين خلف المقام، ففي الحجر.
(فرع) يسن أن يبدأ كل من الذكر والانثى بالطواف عند دخول المسجد للاتباع، رواه الشيخان - إلا أن
لابسا.
(قوله: وكذا في السعي) أي وكذا يسن الاضطباع في السعي، قياسا على الطواف.
قال في التحفة: ويكره فعله في الصلاة كسنة الطواف.
اه.
(قوله: وهو) أي الاضطباع، شرعا.
أما لغة: فهو افتعال من الضبع - بإسكان الباء - وهو العضد.
(وقوله: جعل وسط) بفتح السين في الأفصح.
(وقوله: وطرفيه) أي وجعل طرفيه - أي الرداء -.
(وقوله: على الأيسر) أي منكبه الأيسر.
(قوله: للاتباع) دليل لسنية الاضطباع وهو أنه - صلى الله عليه وسلم -: اعتمر هو وأصحابه من الجعرانة، ورملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوها أعلى عواتقهم اليسرى.
رواه أبودواد بإسناد صحيح.
(قوله: وأن يصلي بعده) أي وسن أن يصلي بعد الطواف ركعتين.
(وقوله: خلف المقام) أي وإن بعد ثلثمائة ذراع.
والأفضل أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع.
(وقوله: ففي الحجر) عبارة غيره: فإن لم يتيسر له خلفه، ففي الكعبة، فتحت الميزاب، فبقية الحجر، فالحطيم، فوجه الكعبة، فبين اليمانيين، فبقية المسجد، فدار خديجة، فمكة، فالحرم.
ولا يفوتان إلا بموته.
اه.
الأفضل لمن طاف أسابيع، فعلهما بعد كل أسبوع.
وإذا أخرهما صلى لكل منها ركعتين.
ويجزئ للكل ركعتان، ويسن أن يقرأ فيهما سورتي الكافرون، والإخلاص وأن يجهر بالقراءة ليلا، وما ألحق به مما بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ويسر فيما عدا ذلك.
(فائدة) عن عبد الله بن سليمان، قال: طاف آدم عليه السلام بالبيت سبعا حين نزل على الأرض، ثم صلى ركعتين، ثم أتى الملتزم، فقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي.
وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي.
وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي.
اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قضيت علي، فأوحى الله تعالى إليه: يا آدم، قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك: ولن يدعو بها أحد من ولدك إلا كشفت همومه وغمومه، وكشفت عنه ضيقه، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، ورزقته من حيث لا يحتسب، وأتته الدنيا وهي راغمة، ولو كان لا يريدها.
(تنبيه) اختلف العلماء في الصلاة والطواف في المسجد الحرام - أيهما أفضل؟ فقال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد: الصلاة لأهل مكة أفضل، وأما الغرباء، فالطواف لهم أفضل.
وقال بعضهم: الطواف أفضل مطلقا.
واختلفوا أيضا في أن الطواف بعد صلاة الصبح أفضل، أو الجلوس إلى طلوع الشمس مع الاشتغال بالذكر أفضل؟ فقال كثيرون - منهم الشهاب الرملي - إن الطواف أفضل.
وقال آخرون إن الجلوس أفضل، واستصوبه ابن حجر مؤيدا له بأنه صح أن: من صلى الصبح، ثم قعد يذكر الله تعالى إلى أن تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كان له أجر حجة وعمرة تامتين.
ولم يرد في الأحاديث الصحيحة في الطواف ما يقارب ذلك، وبأن بعض الأئمة كره الطواف بعد صلاة الصبح، ولم يكره أحد تلك الجلسة، بل أجمعوا على ندبها، وعظيم فضلها.
وحمل الأولون القعود في الحديث المذكور: على استمرار الذكر وعدم تركه.
قالوا: والطواف: فيه الذكر والطواف، فقد جمع بين الفضليتين.
(قوله: فرع الخ) مراده يذكر في هذا الفرع ما يسن للقادم مكة أول قدومه، وليس مراده بيان ما يسن لداخل المسجد الحرام - لأن هذا قد علم من مبحث تحية المسجد، حيث قال هناك: وتكره لخطيب، ولمريد طواف، فيكون ذكره هنا لا فائدة فيه.
وإذا علمت أن هذا مراده لما ذكر، فكان المناسب أن يقول - كغيره - فرع: يسن لمن قدم مكة أن يبدأ بدخول المسجد، وأن يشتغل عقبه بالطواف.
(قوله: يسن أن يبدأ) أي قبل تغيير ثيابه، واكتراء منزله، وحط رحله، وسقي دوابه.
(وقوله: كل من الذكر والأنثى) أي ما عدا ذات الجمال والشرف، أما هي: فالسنة في حقها تأخير الطواف إلى الليل.
(وقوله: بالطواف) أي طواف القدوم إن لم يعتمر، أو بطواف العمرة إن اعتمر.
(قوله: عند دخول المسجد)
يجد الامام في مكتوبة، أو يخاف فوت فرض، أو راتبة مؤكدة فيبدأ بها - لا بالطواف.
(وواجباته) أي الحج خمسة، وهو ما يجب بتركه الفدية (إحرام من ميقات) فميقات الحج لمن بمكة: هي.
وهو للحج والعمرة للمتوجه من المدينة: ذو الحليفة المسماة ببئر علي.
ومن الشام ومصر والمغرب: الجحفة.
ومن تهامة اليمن:
أي عقب دخوله.
ولو لم يطف عقب دخوله من غير عذر، ففي فواته وجهان: قيل يفوت، وقيل لا.
وعبارة شرح الروض: قال في المجموع: قد ذكرنا أنه يؤمر بطواف القدوم أول قدومه، فلو أخره ففي فواته وجهان حكاهما الإمام، لأنه يشبه تحية المسجد.
اه.
وقضيته أنه لا يفوت بالتأخير، ومعلوم أنه لا يفوت بالجلوس - كما تفوت به تحية المسجد -.
نعم،
يفوت بالوقوف بعرفة، ويحتمل فواته بالخروج من مكة.
اه.
(قوله: للاتباع) هو ما رواه الشيخان من أنه - صلى الله عليه وسلم - أول شئ بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت والمعنى فيه أن الطواف تحية البيت، لا المسجد، فلذلك يبدأ به.
(قوله: إلا إن يجد الخ) استثناء من سنية البدء بالطواف، أي محل سنيته إن لم يجد الإمام في مكتوبة.
ومثله ما إذا قرب وقت إقامة الجماعة المشروعة، ولو في نفل كالعيد.
(قوله: أو يخاف الخ) أي أو إلا أن يخاف فوت فرض، أو فوت راتبة مؤكدة لضيق الوقت.
(وقوله: فيبدأ بها) أي بالمكتوبة.
مع الإمام.
وبالفرض وبالراتبة، فالضمير يعود على الثلاث.
وقوله: لا بالطواف: أي لا يبدأ بالطواف، لأنه لا يفوت لو أخره، بخلافها، فإنه تفوت.
قال في شرح الروض: ولو كان عليه فائتة قدمها على الطواف أيضا، ولو دخل وقد منع الناس من الطواف صلى تحية المسجد.
جزم به في المجموع.
اه.
(قوله: وواجباته الخ) أي وأما واجبات العمرة فشيئان: الإحرام من الميقات، واجتناب محرمات الإحرام.
(وقوله: خمسة) أي بناء على عده طواف الوداع من المناسك.
والذي صححه الشيخان أنه ليس منها، فهو واجب مستقل، وعليه، تكون الواجبات أربعة، وترك المصنف سادسا، وهو: التحرز عن محرمات الإحرام، والأولى أن يبدل طواف الوداع به.
(قوله: وهي) أي الواجبات.
(وقوله: ما يجب بتركه الفدية) أي والإثم إن كان لغير عذر.
(واعلم) أن الفرق بين الواجبات والأركان خاص بهذا الباب، لأن الواجبات في غيره تشمل الأركان والشروط، فكل ركن واجب، ولا عكس، فبينهما عموم وخصوص بإطلاق.
(قوله: إحرام من ميقات) أي كون الإحرام منه، لأنه الواجب، وأما أصل الإحرام: فركن - كما تقدم -.
قال في التحفة: هو لغة: الحد.
وشرعا: هنا زمن العبادة ومكانها.
فإطلاقه عليه حقيقي، إلا عند من يخص التوقيت بالحد بالوقت فتوسع.
اه.
(واعلم) أن المصنف تعرض للميقات المكاني، ولم يتعرض للزماني، فهو بالنسبة للحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة.
وبالنسبة للعمرة: جميع السنة، لكن قد يمتنع الإحرام بها لعارض، ككونه محرما بالحج، لامتناع إدخال العمرة على الحج إن كان قبل تحلله، ولعجزه، عن التشاغل بعملها إن كان بعده، وقبل النفر من منى، وككونه محرما بالعمرة، لأن لا تدخل على العمرة.
(قوله: فيمقات الحج الخ) شروع في بيان المواقيت.
(وقوله: لمن بمكة) أي سواء كان مكيا أو آفاقيا.
(وقوله: هي) أي مكة.
فلو أحرم خارج بنيانها أي في محل يجوز قصر الصلاة فيه لمن سافر منها ولم يعد إليها قبل الوقوف - أساء، ولزمه دم.
وهل الأفضل أن يحرم من باب داره، أو من المسجد الحرام؟ وجهان.
والمعتمد ألأول، لكن بعد إتيانه أولا
المسجد، وصلاته ركعتين فيه - كما في حاشية الايضاح - ونصها: المعتمد أنه يسن له أولا ركعتا الإحرام بالمسجد، ثم يأتي إلى باب داره فيحرم عند أخذه في السير بنفسه أو دابته إذ الإحرام لا يسن عقب الركعتين، بل عند الخروج إلى عرفة ثم يدخل المسجد محرما لطواف الوداع المسنون له.
اه.
(قوله: وهو) أي الميقات.
(قوله: للحج والعمرة) الجار والمجرور حال من المبتدأ على رأي سيبويه، أو من خبره.
ومثله الجار والمجرور الذي بعده.
(قوله: ذو الحليفة) تصغير الحلفة بفتح أوله واحدة الحلفاء نبات معروف.
(وقوله: المسماة ببئر علي) قال في التحفة لزعم العامة أنه قاتل الجن فيها.
اه.
وفي شرح الرملي وابن علان: إنه كذب لا أصل له.
وفي البجيرمي: بل نسبت إليه لكونه حفرها.
اه.
يلملم، ومن نجد اليمن والحجاز: قرن.
ومن المشرق: ذات عرق.
وميقات العمرة لمن بالحرم الحل،
وقد أبدى العلامة الكردي في حاشيته الكبرى حكمة لطيفة لكون ميقات المدينة أبعد المواقيت، وعبارته: ظهر للفقير في تقرير حكمة ذلك هو أن يقال: إن الله اختار لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لكونه أفضل الأنبياء أفضل المواقيت، لبعده عن مكة، فتعظم المشقة والأجر على قدر النصب ومنح أهل بلدته الشريفة هذه الفضيلة ببركة جواره - صلى الله عليه وسلم -، واقتفائهم طريقه التي سلكها - صلى الله عليه وسلم -، فكل من جاء من المدينة من الآفاق، وسلك الطريق التي سلكها - صلى الله عليه وسلم -، وجب حقه عليه - صلى الله عليه وسلم - بتطفله على فسيح بابه، فمنح بالفضل العظيم الذي منه وجوب شفاعته - صلى الله عليه وسلم - له، لاستحقاقه إياها بالوعد الصادق منه - صلى الله عليه وسلم -، فصار لعدم تطرق احتمال خلف فيه كأنه واجب حقيقي، بل أبلغ منه إذ قد يوجد تخلف عن الواجبات من بعض المكلفين وشفاعته الخاصة المرادة في مثل هذا المقام لا تكون إلا لمن ختم له بالإيمان.
وهو رأس مال الدنيا والآخرة.
ومنه الإحرام مما أحرم منه - صلى الله عليه وسلم - لينال فضيلة مشقة مصابرة الإحرام من أبعد المواقيت.
وأيضا.
ينال فضيلة ابتاعه - صلى الله عليه وسلم - بالإحرام منه، فهي تربو على كل فضيلة.
ألا ترى إلى قول أئمتنا بتفضيل الحج راكبا على الحج ماشيا مع ما ورد فيه من الفضل مما لم يرد مثله في حق الراكب؟ قالوا: لكن في فضيلة الاتباع ما يربو على ذلك، وبتفضيل صلاة الظهر بمنى يوم النحر عليها في المسجد الحرام، فكيف بما حوى فضيلتي الاتباع وعظم المشقة؟ اه.
(قوله: ومن الشام الخ) معطوف على من المدينة، أي وهو للمتوجه من الشام ومصر والمغرب.
(قوله: الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة، وهي أوسط المواقيت سميت بذلك لأن السيل أجحفها أي أزالها فهي الآن خراب، ولذلك بدلوها الآن برابغ، وهي قبل الجحفة بيسير، فالإحرام من رابغ مفضول
لتقدمه على الميقات إلا إن جهلت الجحفة، أو تعسر بها فعل السنن للإحرام من غسل ونحوه، أو خشي من قصدها على ماله، فلا يكون مفضولا.
(قوله: ومن تهامه اليمن) معطوف على من المدينة أيضا، أي وهو للمتوجه من تهامه اليمن، وهي اسم للأرض المنخفضة، ويقابلها نجد، فإن معناه الأرض المرتفعة، واليمن الذي هو إقليم معروف، مشتمل على نجد وتهامة، وفي الحجاز مثلهما.
(وقوله: يلملم) بفتح التحتية أوله، أو يقال له ألملم بهمزة أوله.
ويقال له أيضا يرمرم براءين مهملتين.
وهو جبل من جبال تهامة، بينه وبين مكة مرحلتان طويلتان.
(قوله: ومن نجد واليمن والحجاز) معطوف أيضا على من المدينة، أي وهو للمتوجه من نجد واليمن والحجاز، أي من الأرض المرتفعة منهما كما تقدم.
وقوله: قرن بفتح القاف وسكون الراء، هو جبل على مرحلتين من مكة، ويقال له قرن المنازل، وقرن الثعالب.
وأما قرن بفتح الراء فهو اسم قبيلة ينسب إليها أويس القرني رضي الله عنه.
(قوله: ومن المشرق) معطوف على من المدينة أيضا، أي وهو للمتوجه من المشرق، وهو إقليم تشرق الشمس من جهته، شامل للعراق وغيره.
(وقوله: ذات عرق) هي قرية خربة في طريق من طرق الطائف، أرضها سبخة تنبت الطرفاء، بينها وبين مكة مرحلتان.
وعرق بكسر العين المهملة، وسكون الراء جبل صغير مشرف على وادي العقيق.
(تنبيه) قد نظم بعضهم المواقيت مع بيان مسافتها، فقال: قرن يلملم ذات عرق كلها * * في البعد مرحلتان من أم القرى ولذي الحليفة بالمراحل * * عشرة وبها لجحفة ستة فاخبر ترى والأصل فيها خبر الصحيحين: أنه - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم.
وقال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة.
(قوله: وميقات العمرة لمن بالحرم الحل) أي فيلزمه الخروج إليه، ولو بأقل من خطوة، ليحصل له فيها الجمع بين
وأفضله الجعرانة، فالتنعيم، فالحديبية.
وميقات من لا ميقات له في طريقه: محاذاة الميقات الوارد إن حاذاه في بر أو بحر، وإلا فمرحلتان من مكة، فيحرم الجائي في البحر من جهة اليمين من الشعب المحرم الذي يحاذي يلملم، ولا يجوز له تأخير إحرامه إلى الوصول إلى جدة، خلافا لما أفتى به شيخنا من جواز تأخيره إليها، وعلل
الحرم والحل، كما في الحج فإنه فيه الجمع بين الحرم والحل بعرفة، فلو لم يخرج إليه، وأتى بالعمرة أجزأته، لكنه يأثم ويلزمه دم، إلا أن خرج إليه بعد إحرامه وقبل الشروع في شئ من أعمالها فلا دم، وكذا لا إثم إن كان وقت الإحرام عازما على هذا الخروج، وإلا أثم فقط.
(قوله: وأفضله الجعرانة) أي أفضل بقاع الحل الجعرانة أي لاعتماره - صلى الله عليه وسلم -
منها بنفسه، ولحكاية الأذرعي عن الجندي في فضائل مكة أنه اعتمر منها ثلثمائة نبي وهي بكسر الجيم، وسكون العين، وتخفيف الراء على الأفصح -: قرية في طريق الطائف، على ستة فراسخ من مكة، سميت باسم امرأة كانت ساكنة بها.
(قوله: فالتنعيم) أي فيليها في الرتبة التنعيم لامره - صلى الله عليه وسلم - السيدة عائشة بالاعتمار منها.
والتنعيم هو المكان المعروف بمساجد عائشة سمي بذلك لأن عن يمينه واديا يقال له ناعم، وعن يساره واديا يقال له نعيم، وهو في واد يقال له نعمان، بينه وبين مكة فرسخ.
(قوله: فالحديبية) أي فيلي التنعيم الحديبية، لأنه - صلى الله عليه وسلم - هم بالاعتمار منها فصده المشركون، فقدم فعله، ثم أمره، ثم همه.
والحديبية بتخفيف الياء على الأفصح بئر بين طريقي جدة والمدينة على ستة فراسخ من مكة، سميت بذلك لأن عندها شجرة حدباء، كانت بيعة الرضوان عندها.
(قوله: وميقات من لا ميقات له في طريقه) أي كأهل مصر والمغرب إذا سلكوا لجة البحر.
وفي البجيرمي ما نصه: لا يقال المواقيت متفرقة لجهات مكة، فكيف يتصور عدم محاذاته الميقات؟ فينبغي أن المراد عدم المحاذاة في ظنه، دون نفس الأمر، لأنا نقول يتصور بالجائي من سواكن إلى جدة، من غير أن يمر برابغ ولا بيلملم، لأنهما حينئذ أمامه، فيصل جدة قبل محاذاتهما، وهي على مرحلتين من مكة، فتكون هي ميقاته.
شرح حجر.
اه.
(قوله: محاذاة الميقات الوارد إن حاذاه) هذا إذا حاذى ميقاتا واحدا، فإن حاذى ميقاتين، أحرم من محاذاة أقربهما إليه، فإن استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة، ومن سكن بين مكة وبين الميقات فميقاته مسكنه.
(قوله: وإلا فمرحلتان) أي وإن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلتين من مكة، لأنه لا ميقات بينه وبين مكة أقل من هذه المسافة.
(قوله: فيحرم الجائي الخ) مفرع على قوله محاذاة الميقات الخ.
وقوله: من جهة اليمن متعلق بالجائي.
(وقوله: من الشعب) متعلق بيحرم.
(وقوله: المحرم) لعل في العبارة سقطا أي المسمى بالمحرم، أو الذي يقال له المحرم.
وقوله: الذي الخ صفة للشعب.
(قوله: ولا يجوز له) أي للجائي في البحر من جهة اليمن.
(قوله: خلافا لما أفتى به شيخنا) هو مصرح به في التحفة، ونصها: وبه يعلم أن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة، لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم كما صرحوا به.
قال الكردي بعد أن ساق العبارة المذكورة: وممن قال بالجواز: النشيلي مفتي مكة والفقيه أحمد بلحاج، وابن زياد اليمني وغيرهم.
وممن قال بعدم الجواز: عبد الله بن عمر بامخرمة، ومحمد بن أبي بكر الأشخر، وتلميذ الشارح عبد الرؤوف.
قال: لأن جدة أقل مسافة بنحو الربع كما هو مشاهد وإن وجد تصريح لهم بأن كلا من يلملم وجدة
مرحلتان، فمرادهم أن كلا لا ينقص عن مرحلتين، ولا يلزم منه استواء مسافتهما، لا سيما وقد حقق التفاوت الكثير ممن سلك الطريقين، وهم عدد كادوا أن يتواتروا.
قال ابن علان في شرح الإيضاح: وليس هذا مما يرجع لنظر في المدرك حتى يعمل فيه بالترجيح، بل هو أمر محسوس يمكن التوصل لمعرفته بذرع حبل طويل يوصل لذلك.
اه.
وفي البطاح ما نصه: قال ابن الجمال وما في التحفة مبني على اتحاد المسافة الظاهر من كلامهم، فإذا تحقق
بأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم إليها.
ولو أحرم من دون الميقات لزمه دم - ولو ناسيا، أو جاهلا - ما لم يعد إليه قبل تلبسه بنسك، ولو طواف قدوم، وأثم غيرهما (ومبيت بمزدلفة) ولو ساعة من نصف ثان من ليلة النحر،
التفاوت فهو قائل بعدم الجواز قطعا، بدليل صدر كلامه النص في ذلك، وأيضا كل محل من البحر بعد رأس العلم أقرب إلى مكة من يلملم.
وقد قال بذلك في التحفة.
1 وقال شيخنا السيد العلامة يوسف بن حسين البطاح الأهدل نقلا عن شيخنا السيد العلامة سليمان بن يحيى بن عمر مقبول رحمهم الله تعالى ما حاصله إن من أحرم من جدة من أهل اليمن يلزمه دم، وكل من وافق الشيخ ابن حجر - مثل ابن مطير، وابن زياد، وغيرهم من اليمنيين فكلامهم مبني على اتحاد المسافة بين ذلك، وقد تحقق التفاوت كما علمت فهم قائلون بعدم جواز ذلك، أخذا من نص تقييدهم المسافة.
اه.
(قوله: من جواز الخ) بيان لما.
وقوله: تأخيره أي الإحرام.
وقوله: إليها أي إلى جدة.
(قوله: وعلل) أي شيخه، الجواز، فالمفعول محذوف.
(قوله: بأن مسافتها) أي جدة.
(وقوله: إلى مكة) أي المنتهية إلى مكة.
فالجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمسافتها.
وقوله: كمسافة يلملم خبر أن.
وقوله: إليها أي إلى مكة.
(قوله: ولو أحرم من دون الميقات لزمه دم) هذا إن بلغه مريد النسك، ولو في العام القابل، وإن أراد إقامة طويلة ببلد قبل مكة، فإن بلغه غير مريد للنسك ثم عن له الإحرام من بعده، فميقاته حيث عن له، ولا يلزمه شئ، وهذا يسمى الميقات المعنوي.
(قوله: ولو ناسيا أو جاهلا) قال في التحفة: وساوى الجاهل والناسي غيرهما في ذلك لأن المأمور به يستوي في وجوب تداركه المعذور وغيره.
نعم، استشكل ما ذكر في الناسي للإحرام بأنه يستحيل أن يكون حينئذ مريدا للنسك.
وأجيب بأن يستمر قصده إلى حين المجاوزة، فيسهو حينئذ، وفيه نظر، لأن العبرة في لزوم الدم وعدمه بحاله عند آخر جزء من الميقات، وحينئذ: فسهوه إن طرأ عند ذلك الجزء فلا دم، أو بعده فالدم.
اه.
(قوله: ما لم يعد الخ) قيد في لزوم الدم.
أي يلزمه الدم مدة عدم عوده إلى الميقات قبل تلبسه بنسك بأن لم يعد أصلا، أو عاد بعد التلبس فإن عاد
إليه قبل التلبس بنسك سقط عنه الدم، لقطعه المسافة من الميقات محرما.
(قوله: ولو طواف قدوم) غاية في النسك المشترط عدم التلبس به.
أي ولو كان ذلك النسك طواف قدوم، فإذا عاد قبل الشروع فيه سقط عنه الدم، فإن عاد بعده لم يسقط.
(قوله: وأثم غيرهما) أي غير الناسي والجاهل.
وهذا هو الفارق بين الناسي والجاهل وغيرهما، فهما يلزمهما الدم من غير إثم، وهو يلزمه الدم مع الإثم.
(قوله: ومبيت بمزدلفة) معطوف على إحرام، وهذا هو الواجب الثاني من الواجبات.
(قوله: ولو ساعة) غاية لما يحصل به المبيت الواجب.
أي يحصل المبيت ولو بحضوره ساعة، والمراد بها القطعة من الزمن لا الساعة الفلكية.
وأفاد بهذه الغاية أن المبيت ليس المراد به معناه الحقيقي، بل المراد به مطلق الحصول بمزدلفة.
فإن قيل إذا كان معنى المبيت غير مراد هنا، فلم عبر به كغيره من الفقهاء؟ أجيب بأنه عبر به لمشاكلة المبيت بمنى، ثم إن الحصول بها كاف، وإن لم يطمئن، أو ظنها غير مزدلفة، أو كان بنية غريم، أو نائما، أو مجنونا، أو مغمى عليه، أو سكران.
(و) مبيت (بمنى) معظم ليالي أيام التشريق.
نعم، إن نفر قبل غروب شمس اليوم الثاني، جاز وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها، وإنما يجب المبيت في لياليها لغير الرعاء وأهل السقاية (وطواف الوداع) لغير
واشترط م ر: أن يكون أهلا للعبادة كوقوف عرفة.
وجمع ابن الجمال بحمل كلام الرملي على المتعدين، وكلام غيره على غيرهم.
اه.
وإنما لم يجب هنا معظم الليل كما في المبيت بمنى لأن الأمر بالمبيت لم يرد هنا بخلافه بمنى على المتعدين، وكلام غيره على غيرهم.
اه.
وإنما لم يجب هنا معظم الليل - كما في المبيت بمنى -.
(قوله: من نصف ثان من ليلة النحر) فمن لم يكن بها فيه - بأن لم يحضر فيها أصلا، أو حضر ونفر قبل نصف الليل ولم يعد إليها فيه - لزمه دم لتركه الواجب.
نعم، إن تركه لعذر - كأن خاف - أو انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت، أو أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن ففاته المبيت، لم يلزمه شئ.
أفاده في شرح المنهج.
(قوله: ومبيت بمنى) معطوف أيضا على إحرام، وهو الواجب الثالث.
(قوله: معظم ليالي الخ) أي ويجب المبيت بها معظم ليالي أيام التشريق.
أي معظم كل ليلة منها بزيادة على النصف ولو لحظة - للاتباع - مع خبر: خذوا عني مناسككم.
واعلم أن منى طولا ما بين وادي محسر وأول العقبة التي بلصقها الجمرة.
فليست العقبة مع جمرتها منها على المعتمد وقيل إنهما منها.
والحاصل أن في المسألة رأيين أحدهما أن كلا من الجمرة والعقبة من منى، وهو ضعيف.
ثانيهما: أنهما ليسا منها، وهو المذهب.
وأما ما أفهمه قول بعضهم إن الجمرة منها دون العقبة إلا الجزء الذي عنده الجمرة، وأن من قال إن العقبة منها مراده ذلك الجزء، ومن قال ليست منها مراده بقيتها فهو رأي له استحساني ضعيف جدا لا مستند له، فلا يعول عليه.
(قوله: نعم، إن نفر الخ) إستدراك من قوله ليالي أيام التشريق الصادق بالليلة الثالثة، فإن ليالي جمع، وأقله ثلاثة.
(قوله: جاز) أي بشروط إذا فقد واحد منها تعين عليه مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها.
فإن نفر حينئذ لزمه دم لترك رمي اليوم الثالث ومد لترك مبيت الليلة الثالثة إن بات الليلتين قبلها، وإلا لزمه دم أيضا لترك المبيت.
وهي أن يكون نفره بعد الزوال، وأن يكون بعد الرمي جميعه، وأن يكون قد بات الليلتين أو فاته بعذر، وأن ينوي النفر قبل خروجه من منى، وأن تكون نية النفر مقارنة له، وأن لا يعزم على العود للمبيت، وأن يكون نفره قبل الغروب.
وأفاد هذا الأخير المؤلف بقوله قبل غروب شمس.
ومعنى نفره قبل الغروب سيره منها بالفعل قبله، وإن لم ينفصل من منى إلا بعده، واختلفوا فيما لو غربت الشمس وهو في شغل الارتحال، فجرى ابن حجر والخطيب - تبعا لابن المقري - على أن له النفر، لأن في تكليفه حل الرحل والمتاع مشقة عليه، وجرى الرملي تبعا لشيخه شيخ الإسلام في الأسنى والغرر على عدم الجواز.
(قوله: وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمي يومها) أي من غير دم عليه، ومن غير إثم، لقوله تعالى: * (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) * 1 ولإتيانه بمعظم العبادة.
(قوله: المبيت في لياليها) أي أيام التشريق، ومثلها ليلة مزدلفة.
ولو ثنى الضمير لكان أولى.
(قوله: لغير الرعاء) بكسر الراء والمد، أما هم فيسقط عنهم المبيت، ولو لم
يعتادوا الرعي قبل، أو كانوا أجراء أو متبرعين.
لكن إن تعسر عليهم الإتيان بالدواب إلى منى، وخشوا من تركها لو باتوا ضياعا بنحو نهب، أو جوع لا يصبر عليه عادة، وخرجوا قبل الغروب.
وذلك لانه - صلى الله عليه وسلم - رخص لرعاء الإبل أن يتركوا المبيت بمنى.
وقيس بمنى مزدلفة، قال في النهاية: وصورة ذلك - أي خروجه قبل الغروب في مبيت مزدلفة - أن يأتيها قبل الغروب، ثم يخرج منها حينئذ على خلاف العادة.
اه.
ومثلها شرح الروض والمغني.
(قوله: وأهل السقاية) بالجر، عطف على الرعاء.
أي ولغير أهل السقاية - وهي بكسر السين - موضع كان بالمسجد الحرام يسقى فيه الماء
حائض، ومكي - إن لم يفارق مكة بعد حجه - (ورمي) إلى جمرة العقبة بعد انتصاف ليلة النحر، سبعا، وإلى
ويجعل في حياض يسبل للشاربين.
والمراد بها ما هو أعم من ذلك، وهو الموضع الذي يسقى فيه الماء مطلقا، في المسجد الحرام، أو في غيره، قديما كان أو حادثا.
وخرج بغير أهل السقاية أهلها، فيسقط عنهم المبيت، لانه - صلى الله عليه وسلم - رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل السقاية.
رواه الشيخان.
وقيس بسقاية العباس غيرها من بقية السقايات.
ولا فرق في سقوط ذلك بين أن يخرجوا ليلا أو نهارا.
والفرق بينهم وبين أهل الرعاية حيث اعتبر خروجهم قبل الغروب أن هؤلاء شغلهم ليلا ونهارا، بخلاف أهل الرعاية.
قال ابن الجمال: وهذا باعتبار الشأن أي الغالب فلو فرض الاحتياج إلى الرعي ليلا دون السقاية انعكس الحكم.
اه.
ويسقط المبيت مطلقا أيضا عن خائف عن نفس، أو عضو، أو بضع، أو مال - وإن قل ويسقط مبيت مزدلفة عمن أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن ولم يمكنه العود لمزدلفة بعده كما تقدم والأولى لأهل السقاية والرعاية تأخير الرمي يوما فقط، فيؤدونه في اليوم الثاني قبل رميه، ولو قبل الزوال.
واعلم أن العذر في المبيت يسقط الدم والإثم، وفي الرمي يسقط الإثم فقط.
(قوله: وطواف الوداع) بالرفع، معطوف على إحرام أيضا، وقد علمت أن عده من واجبات الحج رأي ضعيف، والمعتمد أنه واجب مستقل.
وعبارة الإيضاح: اختلف أصحابنا في أن طواف الوداع من جملة مناسك الحج أم عبادة مستقلة؟ فقال إمام الحرمين: هو من مناسك الحج، وليس على غير الحج طواف الوداع إذا خرج من مكة.
وقال البغوي وأبو سعيد المتولي وغيرهما ليس هو من المناسك، بل يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة تقصر
فيها الصلاة سواء كان مكيا أو غير مكي.
قال الإمام أبو القاسم الرافعي: هذا الثاني هو الأصح، تعظيما للحرم، وتشبيها لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله للإحرام، ولأنهم اتفقوا على أن من حج وأراد الإقامة بمكة لا وداع عليه، ولو كان من المناسك لعم الجميع.
اه.
(قوله: لغير حائض) أما هي: فلا يجب عليها طواف الوداع.
ومثل الحائض النفساء، وذو الجرح الذي لا يأمن تلويث المسجد منه، وفاقد الطهورين، والمستحاضة في زمن نوبة حيضها، والخائف على نفس، أو بضع أو مال تأخر له.
قال الكردي: فهذه الأعذار تسقط الدم والإثم.
وقد يسقط العذر الإثم لا الدم فيما إذا لزمه وخرج عامدا عالما عازما على العود قبل وصوله لما يستقر به وجوب الدم، ثم تعذر العود.
وترك طواف الوداع بلا عذر ينقسم على ثلاثة أقسام أحدها: لا دم ولا إثم، وذلك في ترك المسنون منه، وفيمن عليه شئ من أركان النسك، وفيمن خرج من عمران مكة لحاجة ثم طرأ له السفر.
ثانيها عليه الإثم ولا دم، وذلك فيما إذا تركه عامدا عالما وقد لزمه بغير عزم على العود ثم عاد قبل وصوله لما يتسقر به الدم، فالعود مسقط للدم لا للإثم.
ثالثها ما يلزمه بتركه الإثم ثم الدم، وذلك في غير ما ذكر من الصور.
اه.
بحذف.
(قوله: ومكي) أي ولغير مكي، أما هو فلا يجب عليه طواف الوداع.
والمراد بالمكي: من هو مقيم بمكة سواء كان مستوطنا أو غيره فشمل الآفاقي الذي نوى الإقامة بعد حجه بمكة.
(قوله: وإن لم يفارق الخ) الجملة صفة لمكي، فهو قيد له فقط، فإن فارق المكي مكة وجب عليه كغيره طواف الوداع إن كان سفره طويلا.
(وقوله: بعد حجة) لبيان الواقع، فهو لا مفهوم له، وذلك لأن الفرق أنه من المناسك، فهو لا يكون إلا بعدها.
(قوله: ورمي) بالرفع، عطف على إحرام.
وهذا هو الواجب الخامس، ولصحته شروط، ذكر بعضها المؤلف، وهي الترتيب في الزمان والمكان والأبدان.
ومعنى الأول: أنه لا يرمي عن يومه إلا إذا رمى عن أمسه.
ومعنى الثاني أنه لا يرمي الجمرة الثانية إلا إذا رمى الأولى ولا يرمي الثالثة إلا إذا رمى الثانية.
ومعنى الثالث أنه لا يرمي عن غيره حتى يرمي عن نفسه، وأن يكون سبعا، وأن
الجمرات الثلاث بعد زوال كل يوم من أيام التشريق سبعا سبعا، مع ترتيب بين الجمرات (بحجر) أي بما
لا يصرف الرمي بالنية لغير النسك كرمي عدو أو اختبار جودة رميه - وأن يكون بما يسمى حجرا ولو بلورا، وعقيقا، وزبرجدا، ومرمرا - لا لؤلؤ، وذهب، وفضة، ونورة طفئت، وجص طبخ، وآجر، وخزف، وملح.
وأن يكون قاصدا المرمى.
فلو قصد غيره لم يكف، وإن وقع فيه كرميه نحو حية في الجمرة، ورميه العلم المنصوب في الجمرة عند ابن حجر قال: نعم، لو رمى إليه بقصد الوقوع في المرمى وقد علمه فوقع فيه، اتجه الإجزاء لأن قصده غير صارف حينئذ
اه.
قال عبد الرؤوف: والأوجه أنه لا يكفي وكون قصد العلم حينئذ غير صارف ممنوع، لأنه تشريك بين ما يجزئ وما لا يجزئ أصلا.
اه.
وفي الإيعاب: أنه يغتفر للعامي ذلك، واعتمد م ر إجزاء رمي العلم إذا وقع في المرمى، قال: لأن العامة لا يقصدون بذلك إلا فعل الواجب، والمرمى هو المحل المبني فيه العلم ثلاثة أذرع من جميع جوانبه، إلا جمرة العقبة فليس لها إلا جهة واحدة.
وأن يكون رميا فلا يكفي الوضع في المرمى -، وأن يكون باليد، فلا يكفي بنحو رجله وقوسه مع القدرة - فإن عجز عنه باليد قدم القوس، فالرجل، فالفم.
وقد نظمها بعضهم فقال: شروط رمي للجمار ستة * * سبع بترتيب، وكف، وحجر، وقصد، مرمى - يا فتى - وسادس * * تحقق - لأن يصيبه الحجر (قوله: إلى جمرة العقبة) متعلق برمي، وهي السفلى من جهة مكة.
قال في التحفة: والسنة لرامي هذه الجمرة أن يستقبلها، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه كما صححه المصنف خلافا للرافعي في قوله إن يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة.
هذا في رمي يوم النحر، أما في أيام التشريق، فقد اتفقا على استقبال الكعبة كما في بقية الجمرات.
ويحسن إذا وصل منى أن يقول ما روي عن بعض السلف: اللهم هذه منى قد أتيتها وأنا عبدك وابن عبديك، أسألك أن تمن علي بما مننت به على أوليائك.
اللهم إني أعوذ بك من الحرمان والمصيبة في ديني يا أرحم الراحمين.
قال: وروى ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما أنهما لما رميا جمرة العقبة قالا: اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا مغفورا.
اه.
(قوله: بعد انتصاف ليلة النحر) متعلق برمي أيضا، وهو بيان لوقت جواز رمي جمرة العقبة، أما وقت الفضيلة فبعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وهذا الرمي تحية منى، فالأولى أن يبدأ به فيها قبل كل شئ، إلا لضرورة، أو عذر كزحمة، أو انتظار وقت فضيلة لمن تقدم دخوله إليها قبل ارتفاع الشمس.
(قوله: سبعا) مفعول مطلق لرمي، أي رميا سبعا.
(قوله: وإلى الجمرات الثلاث) معطوف على إلى جمرة العقبة.
أي ورمي إلى الجمرات الثلاث.
(قوله: بعد زوال إلخ) متعلق برمي بالنسبة إلى الجمرات، أي ويكون الرمي إلى الجمرات الثلاث بعد الزوال، فلا يصح الرمي قبل الزوال.
وهذا بالنسبة لرمي اليوم الحاضر، أما بالنسبة لرمي اليوم الغائب فيتدارك في بقية أيام التشريق، ولو كان قبل الزوال.
(واعلم) أن الرمي أيام التشريق ثلاثة أوقات: وقت فضيلة: وهو بعد الزوال.
ووقت اختيار: وهو إلى غروب شمس كل يوم.
ووقت جواز: وهو إلى آخر أيام التشريق.
(قوله: سبعا) مفعول مطلق، أي يرميها رميا سبعا.
وسبعا الثانية مؤكدة للأولى.
(قوله: مع ترتيب) متعلق بمحذوف صفة لرمي.
أي رمي الجمرات الثلاث كائن مع ترتيب بينها، بأن يبدأ بالجمرة الأولى وهي التي تلي عرفة، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة.
وهذا ترتيب في المكان، وهو أحد أقسام الترتيب الثلاثة، وقد تقدم التنبيه عليها.
(قوله: بحجر) متعلق برمي.
أي رمي بحجر.
وخرج به غيره، فلا يصح الرمي به، وذلك كاللؤلؤ، والإثمد، والنورة والجص المحرقين، والزرنيخ، والمدر، والآجر، والخزف، والملح، والذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص.
يسمى به، ولو عقيقا وبلورا.
ولو ترك رمي يوم، تداركه في باقي أيام التشريق، وإلا لزمه دم، بترك ثلاث رميات فأكثر.
(وتجبر) أي الواجبات بدم، وتسمى هذه أبعاضا.
(وسننه) أي الحج (غسل)، فتيمم (لاحرام ودخول مكة) ولو حلالا - بذي طوى، (وقوف) بعرفة
(قوله: أي بما يسمى به) أي أن المراد به هنا كل ما يطلق عليه حجر من أي جنس، ومنه الكذان بفتح الكاف، فذال مشددة وهو حجارة رخوة كأنها مدر، ومنه المرمر وهو الرخام.
(قوله: ولو عقيقا وبلورا) أي ولو كان الذي يسمى حجرا من الأحجار النفسية كالياقوت والبلور وهذا بالنسبة للإجزاء لا بالنسبة للجواز، فيحرم الرمي به إن ترتب عليه كسر أو إضاعة مال.
وعبارة النهاية نعم، قال الأذرعي يظهر تحريم الرمي بالياقوت ونحوه إذا كان الرمي يكسرها ويذهب معظم ماليتها، ولا سيما النفيس منها، لما فيه من إضاعة المال والسرف، والظاهر أنه لو غصبه أو سرقه ورمى به، كفى.
ثم رأيت القاضي ابن كج جزم به، قال: كالصلاة في المغصوب.
اه.
(قوله: ولو ترك رمي يوم) أي أو يومين، عمدا كان أو سهوا أو جهلا.
(قوله: تداركه في باقي أيام التشريق) أي ويكون حينئذ أداء، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام جوزه للرعاة وأهل السقاية، وقيس عليهم غيرهم.
وأفهم قوله في أيام التشريق: أنه ليس له تداركه في لياليها، والمعتمد جوازه فيها أيضا، وجوازه قبل الزوال.
بل جزم الرافعي وتبعه الأسنوي وقال: إنه المعروف بجواز رمي كل يوم قبل الزوال، وعليه، فيدخل بالفجر.
(قوله: وإلا لزمه دم) أي وإن لم يتداركه في باقي أيام التشريق بأن لم يتداركه أصلا، أو تداركه بعد أيام التشريق لزمه دم، وسيأتي بيانه.
(وقوله: بترك ثلاث رميات) وصورة ذلك لا تكون إلا في آخر جمرة من آخر أيام التشريق، إذ لو تركها من غير ذلك لما صح رمي ما بعدها، فلا يكون المتروك ثلاث رميات فقط.
وإذا ترك رمي واحدة لزمه مد، أو رميتين لزمه مدان.
وصورة ذلك ما تقدم.
(قوله: وتجبر، أي الواجبات، بدم) أي إذا ترك واحدا منها جبر بدم.
وهذا مكرر مع قوله في تعريف الواجبات وهي ما يجب بتركه الفدية.
فكان الأولى أن يقتصر على ما هنا، يتركه هناك، لا العكس، لأن ما هنا متن، وما هناك شرح، والأولى للشارح أن يراعي المتن.
(قوله: وتسمى هذه أبعاضا) أي يطلق عليها أبعاض، لكن على سبيل المجاز، لا الحقيقة، لأن الأبعاض الحقيقية هي أجزاء الماهية التي إذا فقد واحد
منها فقدت الماهية.
والواجبات هنا ليست كذلك.
(قوله: وسننه إلخ) هي كثيرة.
منها: أنه يستحب للإمام أو نائبه أن يخطب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر أو الجمعة خطبة فردة، يأمرهم فيها بالغدو إلى منى في اليوم الثامن، ويعلمهم فيها ما أمامهم من المناسك، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان قبل التروية بيوم خطب الناس وأخبرهم بمناسكهم رواه البيهقي.
ويخرج بهم من غد بعد صلاة الصبح إن لم يكن يوم جمعة إلى منى، فيصلي بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيتون بها، فيصلي بهم الصبح، فإذا طلعت الشمس على ثبير وهو جبل كبير معروف هناك ساروا من منى إلى عرفات، ولا يدخلونها، بل يقيمون بنمرة وهي موضع بقرب عرفة حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس ذهبوا إلى مسجد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -، ثم يخطب الإمام بهم قبل صلاة الظهر خطبتين خفيفتين، يعلمهم في الأولى المناسك، ويحثهم على إكثار الذكر والدعاء بالموقف، وإذا قام للثانية أذن للظهر، فيفرغ المؤذن مع فراغها، ثم يقيم، ويصلي بالناس الظهر والعصر جمع تقديم، ويقصرهما أيضا إذا كانوا مسافرين سفرا طويلا، ويأمر المكيين ومن لم يبلغ سفره مسافة القصر بالإتمام وعدم الجمع.
ثم بعد فراغهم من الصلاة يذهبون إلى الموقف ويعجلون السير إليه.
وأفضله للذكر موقفه - صلى الله عليه وسلم -، وهو عند الصخرات الكبار المفترشة في أسفل جبل الرحمة، فإذا غربت الشمس قصدوا مزدلفة، مارين على طريق المأزمين، وعليهم السكينة والوقار.
وأخروا المغرب ليصلوها مع العشاء بمزدلفة جمع تأخير، ويقفون عند المشعر الحرام، ويدعون بها إلى الإسفار، ثم يسيرون قبل طلوع الشمس بسكينة ووقار، وشعارهم التلبية والذكر، فإذا وجدوا فرجة أسرعوا.
فإذا بلغوا وادي محسر موضع بين مزدلفة ومنى - أسرعوا في المشي حتى يقطعوا عرض الوادي.
ويسن أن يقول فيه ما قاله عمر وابنه رضي الله عنهما.
عشيتها، وبمزدلفة، ولرمي أيام التشريق، (وتطيب) البدن، والثوب ولو بما له جرم (قبيله) أي الاحرام وبعد الغسل، ولا يضر استدامته بعد الاحرام، ولا انتقاله بعرق (وتلبية) وهي: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك
إليك تعدو قلقا وضينها * * معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها * * قد ذهب الشحم الذي يزينها ومعناه: إن ناقتي تعدو إليك بسرعة في طاعتك قلقا وضينها.
والوضين حبل كالحزام من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد في طاعتك، والمراد صاحب الناقة.
(قوله: غسل، فتيمم) أي فإن عجز عن الغسل فسن تيمم، لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فإذا تعذر أحدهما بقي
الآخر، ولأنه ينوب عن الواجب، فالمندوب أولى.
قال في التحفة: ولو وجد من الماء بعض ما يكفيه، فالذي يتجه أنه إن كان ببدنه تغير أزاله به، وإلا فإن كفى الوضوء توضأ به، وإلا غسل بعض أعضاء الوضوء، وحينئذ إن نوى الوضوء تيمم عن باقيه غير تيمم الغسل، وإلا كفى تيمم الغسل.
فإن فضل شئ عن أعضاء الوضوء غسل به أعالي بدنه.
(وقوله: لإحرام) متعلق بكل من غسل فتيمم.
ويسن ما ذكر من الغسل والتيمم له لك أحد، في كل حال، ولو لنحو حائض، وإن أرادته قبل الميقات، ويكره تركه.
وغير المميز يغسله وليه، وينوي عنه.
(قوله: ودخول مكة) معطوف على إحرام، أي ولدخول مكة.
وعبارة التحفة مع الأصل ولدخول الحرم، ثم لدخول مكة، ولو حلالا للاتباع.
نعم، قال الماوردي: لو خرج منها فأحرم بالعمرة من نحو التنعيم، واغتسل منه لإحرامه، لم يسن له الغسل لدخولها، بخلاف نحو الحديبيه أي مما يغلب فيه التغير وأخذ منه أنه لو أحرم من نحو التنعيم بالحج لكونه لم يخطر له إلا حينئذ أو مقيما ثم، بل وإن أخر إحرامه تعديا واغتسل لإحرامه لا يغتسل لدخوله.
ويؤخذ منه أنه لو اغتسل لدخول الحرم، أو لنحو استسقاء بمحل قريب منها لا يغتسل لدخولها أيضا.
ويتجه أن هذا التفضيل إنما هو عند عدم وجود تغير، وإلا سن مطلقا.
اه.
(قوله: ولو حلالا) غاية في سنية الغسل لدخول مكة، أي يسن الغسل له ولو كان حلالا أي غير محرم قال في النهاية: قال السبكي: وحينئذ لا يكون هذا من أغسال الحج إلا من جهة أنه يقع فيه.
اه.
(قوله: بذي طوى) متعلق بغسل المرتبط بدخول مكة.
أي ويسن الغسل لدخول مكة بذي طوى للاتباع.
رواه الشيخان.
وطوى بفتح الطاء أفصح من ضمها وكسرها واد بمكة على طريق التنعيم، وسمي بذلك لاشتماله على بئر مطوية بالحجارة أي مبنية بها لأن الطي: البناء.
قال في شرح الروض: هذا أي استحباب الغسل فيها - إن كانت بطريقه، بأن أتى من طريق المدينة، وإلا اغتسل من نحو تلك المسافة.
قال المحب الطبري: ولو قيل يستحب له التعريج إليها والاغتسال بها اقتداء وتبركا، لم يبعد.
قال الأذرعي: وبه جزم الزعفراني.
اه.
(قوله: ووقوف بعرفة) معطوف على إحرام أي ولوقوف بعرفة.
وقوله: عشيتها: أي عرفة.
والأفضل: كونه بنمرة بعد الزوال.
ويحصل أصل السنة بالغسل بعد الفجر قياسا على غسل الجمعة.
(قوله: وبمزدلفة) معطوف على بعرفة.
أي وللوقوف بمزدلفة، ويدخل وقت هذا الغسل بنصف الليل كغسل العيد فينويه به أيضا.
(قوله: ولرمي أيام التشريق) معطوف على الإحرام.
أي ولرمي كل يوم من أيام التشريق قبل زواله أو بعده (قوله: وتطيب) معطوف على غسل، أي ويسن تطيب للذكر وغيره غير الصائم.
(وقوله: في البدن) اتفاقا.
(وقوله: والثوب) أي الإزار، والرداء على الأصح - قياسا على البدن قال في التحفة: لكن المعتمد ما في المجموع أنه لا يندب تطيبه جزما،
للخلاف القوي في حرمته.
ومنه يؤخذ أنه مكروه، كما هو قياس كلامهم في مسائل صرحوا فيها بالكراهة، لأجل الخلاف في الحرمة.
ثم رأيت القاضي أبا الطيب وغيره صرحوا بالكراهة.
اه.
(قوله: ولو بما له جرم) غاية لسنية التطيب، أي يسن ولو بما له جرم.
لكن لو نزع ثوبه المطيب بعد الإحرام ثم لبسه، لزمته الفدية كما لو ابتدأ لبس مطيب.
(قوله: قبيلة) ظرف متعلق بتطيب.
وخرج به التطيب بعده، فإنه يضر كما سيذكره.
(وقوله: أي الإحرام) تفسير للضمير.
(قوله: وبعد الغسل) معطوف على قبيله، أي ويسن قبل الإحرام أو بعد الغسل، لتدوم رائحة الطيب.
بخلافه قبله فإنها تذهب به.
(قوله: لا يضر استدامته) أي الطيب في البدن والثوب، لما روي عن عائشة رضي الله عنها: كأني أنظر إلى وبيص