سورة البقرة (2) : آية 216
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)
هَذَا إِيجَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُفُّوا شَرَّ الْأَعْدَاءِ عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ غَزَا أَوْ قَعَدَ، فَالْقَاعِدُ عَلَيْهِ إِذَا اسْتُعِينَ أَنْ يُعِينَ، وَإِذَا اسْتُغِيثَ أَنْ يُغِيثَ، وَإِذَا اسْتُنْفِرَ أَنْ يَنْفِرَ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ قَعَدَ.
(قُلْتُ) وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الفتح: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .
وَقَوْلُهُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أَيْ شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ وَمَشَقَّةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يُجْرَحَ مَعَ مَشَقَّةِ السَّفَرِ وَمُجَالَدَةِ الْأَعْدَاءِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أَيْ لِأَنَّ الْقِتَالَ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ.
وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا قَدْ يُحِبُّ الْمَرْءُ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْقُعُودُ عَنِ الْقِتَالِ قَدْ يَعْقُبُهُ اسْتِيلَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى الْبِلَادِ وَالْحُكْمِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَيْ هُوَ أَعْلَمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ مِنْكُمْ، وَأَخْبَرُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ، فَاسْتَجِيبُوا لَهُ وَانْقَادُوا لأمره، لعلكم ترشدون.