سورة الأعراف (7) : آية 54
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54)
يخبر تعالى أنه خلق الْعَالَمَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَالسِّتَّةُ الْأَيَّامُ هِيَ: الْأَحَدُ وَالِاثْنَيْنُ وَالثُّلَاثَاءُ وَالْأَرْبِعَاءُ وَالْخَمِيسُ وَالْجُمُعَةُ وَفِيهِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُ وَفِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ هَلْ كَلُّ يَوْمٍ مِنْهَا كَهَذِهِ الْأَيَّامِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْأَذْهَانِ أَوْ كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيُرْوَى ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَّا يَوْمُ السَّبْتَ فَلَمْ يَقَعْ فِيهِ خَلْقٌ لِأَنَّهُ الْيَوْمُ السَّابِعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ السَّبْتُ وَهُوَ الْقَطْعُ.
فَأَمَّا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «1» فِي مُسْنَدِهِ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أَمِّ سَلَمَةَ عن أبي1
هُرَيْرَةَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلْقَ الْجِبَالَ فِيهَا يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلْقَ الشَّجَرَ فِيهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ» «1» فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ حَجَّاجٍ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهِ وَفِيهِ اسْتِيعَابُ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَلِهَذَا تَكَلَّمَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلُوهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ لَيْسَ مَرْفُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فَلِلنَّاسِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَقَالَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا ليس هذا موضع بسطها وإنما نسلك فِي هَذَا الْمَقَامِ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَهُوَ إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِ الْمُشَبِّهِينَ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ لا يشبهه شيء من خلقه ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ بَلِ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ نُعَيْمُ بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال من شبه الله بخلقه كَفَرَ وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَلَيْسَ فِيمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولَهُ تَشْبِيهٌ فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الْآيَاتُ الصَّرِيحَةُ وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِ الله وَنَفَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى النَّقَائِصَ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الْهُدَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أَيْ يَذْهَبُ ظَلَامُ هَذَا بِضِيَاءِ هَذَا وَضِيَاءُ هَذَا بِظَلَامِ هَذَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ الْآخَرَ طَلَبًا حَثِيثًا أَيْ سَرِيعًا لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ بَلْ إِذَا ذَهَبَ هَذَا جَاءَ هذا وعكسه كقوله وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: 37- 40] فَقَوْلُهُ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أَيْ لَا يَفُوتُهُ بِوَقْتٍ يتأخر عنه بل هو في أثره بلا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا قَالَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ مِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ وَكِلَاهُمَا قَرِيبُ الْمَعْنَى أَيِ الْجَمِيعُ تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَسْخِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَلِهَذَا قَالَ مُنَبِّهًا أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ أَيْ لَهُ الملك والتصرف تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ كقوله تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [الفرقان: 61] الآية.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «2» : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا12
بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الشَّامِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم «من لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَحَمِدَ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ وَحَبِطَ عَمَلُهُ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْعِبَادِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ» لِقَوْلِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَرَوِيَ مَرْفُوعًا «اللَّهُمَّ لَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ وَلَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ وَإِلَيْكَ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ وأعوذ بك من الشر كله» .
فصول الكتاب · 2193 فصل · 584 صفحة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]