سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 95
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا اخْتَبَرَ بِهِ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَعْنِي بِالْبَأْسَاءِ مَا يُصِيبُهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ، وَالضَّرَّاءِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، أَيْ يَدْعُونَ وَيَخْشَعُونَ وَيَبْتَهِلُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّهُ ابْتَلَاهُمْ بِالشِّدَّةِ لِيَتَضَرَّعُوا فَمَا فَعَلُوا شيئا من الذي أراد منهم، فقلب عليهم الْحَالَ إِلَى الرَّخَاءِ لِيَخْتَبِرَهُمْ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ أَيْ حَوَّلْنَا الحالة مِنْ شِدَّةٍ إِلَى رَخَاءٍ وَمِنْ مَرَضٍ وَسَقَمٍ إِلَى صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ وَمِنْ فَقْرٍ إِلَى غِنًى لِيَشْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ فَمَا فَعَلُوا، وَقَوْلُهُ حَتَّى عَفَوْا أَيْ كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ، يُقَالُ عَفَا الشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ.
وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يقول تعالى:
ابتليناهم بِهَذَا وَهَذَا لِيَتَضَرَّعُوا وَيُنِيبُوا إِلَى اللَّهِ فَمَا نَجَعَ فِيهِمْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا انْتَهَوْا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا، بَلْ قَالُوا: قَدْ مَسَّنَا مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ ثُمَّ بَعْدَهُ مِنَ الرَّخَاءِ مِثْلُ مَا أَصَابَ آبَاءَنَا فِي قَدِيمِ الزمان والدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، بل لم يَتَفَطَّنُوا لِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ وَلَا اسْتَشْعَرُوا ابْتِلَاءَ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْحَالَيْنِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الضَّرَّاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» «1» فَالْمُؤْمِنُ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِمَا ابْتَلَاهُ الله به من الضراء والسراء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ ذُنُوبِهِ، وَالْمُنَافِقُ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ لَا يَدْرِي فِيمَ رَبَطَهُ أَهْلُهُ وَلَا فِيمَ أَرْسَلُوهُ» «2» أَوْ كَمَا قَالَ، وَلِهَذَا عَقَّبَ هَذِهِ الصِّفَةَ بِقَوْلِهِ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَيْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ بَغْتَةً، أي على بغتة، وَعَدَمِ شُعُورٍ مِنْهُمْ أَيْ أَخَذْنَاهُمْ فَجْأَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ «مَوْتُ الْفَجْأَةِ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أسف للكافر» «3» .
فصول الكتاب · 2193 فصل · 584 صفحة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]