سورة الصافات (37) : الآيات 149 الى 160
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153)
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158)
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)
يَقُولُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ في جعلهم لله تعالى الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ أَيْ مِنَ الذُّكُورِ أَيْ يَوَدُّونَ لِأَنْفُسِهِمُ الْجَيِّدَ وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل: 58] أي يسوؤه ذَلِكَ وَلَا يَخْتَارُ لِنَفْسِهِ إِلَّا الْبَنِينَ، يَقُولُ عز وجل فَكَيْفَ نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْقِسْمَ الَّذِي لا يختارونه لأنفسهم ولهذا قال تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَيْ سَلْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ كقوله عز وجل: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [النجم: 21- 22] .
وقوله تبارك وتعالى: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ أَيْ كَيْفَ حَكَمُوا عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ إِنَاثٌ وَمَا شاهدوا خلقهم كقوله جل وعلا وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ [الزُّخْرُفِ: 19] أَيْ يُسْأَلُونَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وقوله جلت عظمته: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ أَيْ مِنْ كَذِبِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ أَيْ صَدَرَ مِنْهُ الْوَلَدُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فذكر الله تعالى عَنْهُمْ فِي الْمَلَائِكَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي غَايَةِ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ، فَأَوَّلًا جَعَلُوهُمْ بَنَاتِ اللَّهِ فَجَعَلُوا لله ولدا تعالى وتقدس، وَجَعَلُوا ذَلِكَ الْوَلَدَ أُنْثَى ثُمَّ عَبَدُوهُمْ مِنْ دون الله تعالى وتقدس وَكُلٌّ مِنْهَا كَافٍ فِي التَّخْلِيدِ فِي نَارِ جهنم.
ثم قال تعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ أَيْ أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين كقوله عز وجل: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً [الْإِسْرَاءِ: 40] وَلِهَذَا قَالَ تبارك وتعالى: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَيْ مَا لَكُمْ عُقُولٌ تَتَدَبَّرُونَ بِهَا مَا تَقُولُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ أَيْ حُجَّةٌ عَلَى
مَا تَقُولُونَهُ، فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أَيْ هَاتُوا بُرْهَانًا عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى كِتَابٍ مُنَزَّلٍ مِنَ السَّمَاءِ عَنِ اللَّهِ تعالى أَنَّهُ اتَّخَذَ مَا تَقُولُونَهُ فَإِنَّ مَا تَقُولُونَهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِنَادُهُ إِلَى عَقْلٍ بَلْ لَا يجوزه العقل بالكلية.
وقوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قَالَ مُجَاهِدٌ:
قال المشركون الملائكة بنات الله تعالى فقال أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَمَنْ أُمَّهَاتُهُنَّ، قَالُوا بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وابن زيد ولهذا قال تبارك وتعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أَيِ الَّذِينَ نَسَبُوا إِلَيْهِمْ ذَلِكَ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أَيْ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمُحْضَرُونَ فِي الْعَذَابِ يَوْمَ الْحِسَابِ لِكَذِبِهِمْ فِي ذَلِكَ وَافْتِرَائِهِمْ وَقَوْلِهِمُ الْبَاطِلَ بِلَا عِلْمٍ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً قَالَ زَعَمَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ وَإِبْلِيسُ أخوان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، حكاه ابن جرير «1» .
وقوله جلت عظمته: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ أَيْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَعَمَّا يصفه به الظالمون الملحدون علوا كبيرا.
قوله تعالى: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَهُوَ من مثبت إلا أن يكون الضمير قي قوله تعالى: عَمَّا يَصِفُونَ عائد إلى الناس جميعهم ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وَهُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِلْحَقِّ المنزل على كل نبي مرسل، وَجَعَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَفِي هَذَا الذي قاله نظر «2» والله سبحانه وتعالى أعلم.