سورة ص (38) : الآيات 1 الى 3
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ 1 بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ 2 كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 3
أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وقوله تعالى: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَيْ وَالْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلْعِبَادِ وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي المعاش والمعاد قال الضحاك في قوله تعالى: ذِي الذِّكْرِ كقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَيْ تَذْكِيرُكُمْ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جرير «1» . وقال ابن عباس رضي الله عنهما وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو حُصَيْنٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ ذِي الذِّكْرِ ذِي الشَّرَفِ أَيْ ذِي الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا الْقَسْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ قوله تعالى: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ [ص: 14] وقيل قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [ص: 64] حَكَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ «2» وَهَذَا الثَّانِي فِيهِ بُعْدٌ كثير وَضَعَّفَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ جَوَابُهُ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقِيلَ: جَوَابُهُ مَا تَضَمَّنَهُ سِيَاقُ السُّورَةِ بكمالها والله أعلم وَقَالَ قَتَادَةُ جَوَابُهُ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ واختاره ابن جرير ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ «3» عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العربية أنه قال جوابه جعلها ص بِمَعْنَى صِدْقٌ حَقٌّ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
وَقَوْلُهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ أي: إن هَذَا الْقُرْآنِ لَذِكْرًا لِمَنْ يَتَذَكَّرُ.
وَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّهُمْ من عِزَّةٍ أَيِ اسْتِكْبَارٍ عَنْهُ وَحَمِيَّةٍ وَشِقاقٍ أَيْ ومخالفة لَهُ وَمُعَانَدَةٍ وَمُفَارَقَةٍ، ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تَعَالَى: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أَيْ مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ فَنادَوْا أَيْ حِينَ جَاءَهُمُ العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا كَمَا قَالَ عز وجل: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ أَيْ يَهْرَبُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ [الْأَنْبِيَاءِ: 12- 13] قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عباس رضي الله عنهما
عن قول الله تبارك وتعالى: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ قَالَ لَيْسَ بِحِينِ نِدَاءٍ وَلَا نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما لَيْسَ بِحِينِ مِغَاثٍ وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَادَوُا النِّدَاءَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَأَنْشَدَ:
تَذَكَّرَ لَيْلَى لَاتَ حِينَ تَذَكُّرٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قوله تعالى: فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ يَقُولُ نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ «1» ، وَقَالَ قَتَادَةُ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ وَلَا إِجَابَةٍ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَعَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ لَاتَ هِيَ لَا الَّتِي لِلنَّفْيِ زِيدَتْ مَعَهَا التَّاءُ كَمَا تُزَادُ في ثم فيقولون ثمت ورب فَيَقُولُونَ رُبَّتْ وَهِيَ مَفْصُولَةٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى عَنِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِحِينَ وَلَا تَحِينَ مَنَاصٍ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ثُمَّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنَصْبِ حِينَ تَقْدِيرُهُ وَلَيْسَ الْحِينُ حِينَ مَنَاصٍ وَمِنْهُمْ من جوز النصب بها، وأنشد: [الوافر]
تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لَاتَ حِينَا ... وَأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ الْقَرِينَا «2»
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْجَرَّ بها وأنشد: [الخفيف]
طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ ... فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حين بقاء «3»
وأنشد بعضهم أيضا: [الطويل] ولات ساعة مندم «4»1234
بِخَفْضِ السَّاعَةِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ النَّوْصُ التَّأَخُّرُ والبوص التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أَيْ لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فرار ولا ذهاب والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
فصول الكتاب · 2193 فصل · 584 صفحة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]