سورة يس (36) : الآيات 55 الى 58
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا ارْتَحَلُوا مِنَ الْعَرَصَاتِ، فَنَزَلُوا فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، أَنَّهُمْ فِي شُغُلٍ عَنْ غَيْرِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: فِي شُغُلٍ عَمَّا فِيهِ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ أَيْ فِي نَعِيمٍ مُعْجَبُونَ أَيْ بِهِ، وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ ابن عباس رضي الله عنه:
فَاكِهُونَ أَيْ فَرِحُونَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وسعيد الْمُسَيَّبِ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالْأَعْمَشُ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ قَالُوا: شَغَلَهُمُ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ أَيْ بِسَمَاعِ الْأَوْتَارِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَعَلَّهُ غَلَطٌ مِنَ الْمُسْتَمِعِ، وَإِنَّمَا هُوَ افْتِضَاضُ الْأَبْكَارِ.
وَقَوْلُهُ عز وجل: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَحَلَائِلُهُمْ، فِي ظِلالٍ أي في ظلال الأشجار عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَخُصَيْفٌ الْأَرائِكِ هِيَ السُّرُرُ تَحْتَ الْحِجَالِ.
[قُلْتُ] نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا هذه التخوت تحت البشاخين، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله عز وجل: لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ أَيْ مَهْمَا طَلَبُوا وَجَدُوا مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمَلَاذِّ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دينار، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ الْمُعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى.
حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَمِعَ أسامة بن زيد رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا هَلْ مُشَمِّرٌ إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ كُلُّهَا يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَمُقَامٌ فِي أَبَدٍ فِي دَارِ سلامة، وفاكهة خضرة وخيرة وَنَعْمَةٍ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ» قَالُوا:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «1» فِي كِتَابِ الزُّهْدِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ به.
وقوله تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قَالَ ابْنُ جرير: قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فَإِنَّ اللَّهَ تعالى نفسه سلام على أهل الجنة، وهذا1
الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الْأَحْزَابِ:
44] . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فَإِذَا الرَّبُّ تَعَالَى قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فذلك قوله تعالى:
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قَالَ: فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَيَبْقَى نُورُهُ وَبِرْكَتُهُ عَلَيْهِمْ وَفِي دِيَارِهِمْ» . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «1» فِي كِتَابِ السُّنَةِ مِنْ سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «2» : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إذا فرغ الله تعالى مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَقْبَلَ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ، قَالَ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ الْقُرَظِيُّ، وَهَذَا في كتاب الله تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فيقول الله عز وجل: سَلُونِي، فَيَقُولُونَ: مَاذَا نَسْأَلُكَ أَيْ رَبِّ؟ قَالَ: بَلَى سَلُونِي، قَالُوا: نَسْأَلُكَ أَيْ رَبِّ رِضَاكَ، قَالَ: رِضَائِي أُحِلُّكُمْ دَارَ كَرَامَتِي، قَالُوا: يَا رَبِّ فَمَا الَّذِي نَسْأَلُكَ، فَوَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ وَارْتِفَاعِ مَكَانِكَ لَوْ قَسَّمْتَ عَلَيْنَا رِزْقَ الثَّقَلَيْنِ لَأَطْعَمْنَاهُمْ وَلَأَسْقَيْنَاهُمْ وَلَأَلْبَسْنَاهُمْ وَلَأَخْدَمْنَاهُمْ لَا يَنْقُصُنَا ذَلِكَ شَيْئًا.
قال تعالى إِنَّ لَدَيَّ مَزِيدًا، قَالَ: فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي دَرَجِهِمْ حَتَّى يَسْتَوِيَ فِي مَجْلِسِهِ، قَالَ: ثُمَّ تَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تحملهم إليهم الملائكة، ثم ذكر نحوه.
وهذا خبر غريب، أورده ابن جرير من طرق، والله أعلم.