سورة يس (36) : الآيات 20 الى 25
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24)
إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنهما وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: إِنَّ أَهْلَ القربة هَمُّوا بِقَتْلِ رُسُلِهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، أَيْ لِيَنْصُرَهُمْ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: وَهُوَ حَبِيبٌ، وَكَانَ يَعْمَلُ الْجَرِيرَ وَهُوَ الْحِبَالُ وَكَانَ رَجُلًا سَقِيمًا قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ كَسْبِهِ مُسْتَقِيمَ الفطرة.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ أَوْ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: اسم صاحب يس حبيب، وَكَانَ الْجُذَامُ قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: كَانَ اسْمُهُ حَبِيبَ بْنَ مَرَى.
وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: اسْمُ صَاحِبِ يس حَبِيبٌ النَّجَّارُ، فَقَتَلَهُ قَوْمُهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ قَصَّارًا.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ: كَانَ إِسْكَافًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ يتعبد في غار هناك، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ يَحُضُّ قَوْمَهُ عَلَى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ الذين أتوهم اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً أَيْ عَلَى إِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فِيمَا يَدْعُونَكُمْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي أَيْ وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِلَّذِي خَلَقَنِي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَيْ يَوْمَ الْمَعَادِ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ أَيْ هَذِهِ الآلهة
الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِهِ لَا يَمْلِكُونَ مِنَ الأمر شيئا، فإن الله تعالى لَوْ أَرَادَنِي بِسُوءٍ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [يُونُسَ: 107] وَهَذِهِ الْأَصْنَامُ لَا تَمْلِكُ دَفْعَ ذَلِكَ وَلَا مَنْعَهُ، وَلَا يُنْقِذُونَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أَيْ إِنِ اتَّخَذْتُهَا آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ تعالى: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فيما بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما وَكَعْبٍ وَوَهْبٍ: يَقُولُ لِقَوْمِهِ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ فَاسْمَعُونِ أَيْ فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُ لِلرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ أَيِ الَّذِي أَرْسَلَكُمْ فَاسْمَعُونِ أَيْ فَاشْهَدُوا لِي بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَقَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ:
بَلْ خَاطَبَ بِذَلِكَ الرُّسُلَ، وَقَالَ لَهُمْ: اسْمَعُوا قَوْلِي لِتَشْهَدُوا لِي بما أقول لكم عند ربي، إني آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ وَاتَّبَعَتْكُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ عن هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وكعب ووهب رضي الله عنهما: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، وَثَبُوا عَلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يَمْنَعُ عَنْهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلُوا يَرْجُمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَقَعَصُوهُ، وَهُوَ يَقُولُ كذلك، فقتلوه رحمه الله.