سورة البقرة (2) : آية 125
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ يقول: لا يقضون فيه وَطَرًا، يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَثَابَةً لِلنَّاسِ يَقُولُ يَثُوبُونَ، رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ «2» .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا أَبِي أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ قَالَ: يَثُوبُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ، قَالَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي رِوَايَةٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعَطِيَّةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكِ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «3» : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ123
قَالَ: لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ مُنْصَرِفٌ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ قَضَى مِنْهُ وَطَرًا.
وَحَدَّثَنِي «1» يُونُسُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ قَالَ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْبُلْدَانِ كُلِّهَا وَيَأْتُونَهُ، وَمَا أَحْسَنَ ما قاله الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي «2» : [الرمل]
جُعِلَ الْبَيْتُ مَثَابًا لَهُمْ ... لَيْسَ مِنْهُ الدَّهْرُ يَقْضُونَ الْوَطَرْ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ مَثابَةً لِلنَّاسِ أَيْ مَجْمَعًا وَأَمْناً قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ أَمْنًا لِلنَّاسِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ: عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً يقول وأمنا مِنَ الْعَدُوِّ وَأَنْ يُحْمَلَ فِيهِ السِّلَاحُ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ لَا يُسْبَوْنَ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالُوا: مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا.
وَمَضْمُونُ مَا فَسَّرَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ هَذِهِ الْآيَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَذْكُرُ شَرَفَ الْبَيْتِ وَمَا جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِهِ شَرْعًا وَقَدَرًا، مِنْ كَوْنِهِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، أَيْ جَعَلَهُ مَحَلًّا تَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ، وَتَحِنُّ إِلَيْهِ، وَلَا تَقْضِي مِنْهُ وَطَرًا وَلَوْ تَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ كُلَّ عَامٍ اسْتِجَابَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِدُعَاءِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي قَوْلِهِ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، إِلَى أَنْ قَالَ: رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ [إِبْرَاهِيمَ: 40] وَيَصِفُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ جَعَلَهُ أَمْنًا مَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ ثُمَّ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى قَاتِلَ أبيه أو أخيه فيه، فلا يعرض له، كما وصف في سورة المائدة في قوله تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [المائدة: 97] أي يدفع عَنْهُمْ بِسَبَبِ تَعْظِيمِهَا السُّوءُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ لَمْ يَحُجَّ النَّاسُ هَذَا الْبَيْتَ، لَأَطْبَقَ اللَّهُ السَّمَاءَ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا هَذَا الشَّرَفُ إِلَّا لِشَرَفِ بَانِيهِ أَوَّلًا، وَهُوَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الْحَجِّ: 26] .
وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آلِ عِمْرَانَ: 96- 97] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، نَبَّهَ عَلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهُ.
فَقَالَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِالْمَقَامِ مَا هو، فقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عمرو بْنُ شَبَّةَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلَفٍ، يَعْنِي عبد الله بن عيسى، أخبرنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قَالَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مجاهد وعطاء مثل ذلك.
وقال أيضا أخبرنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فَقَالَ سَمِعْتُ ابن عباس قال: أما مقام12
إِبْرَاهِيمَ الذِي ذُكِرَ هَاهُنَا، فَمَقَامُ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الذي في المسجد، ثم قال: ومقام إِبْرَاهِيمَ يُعَدُّ كَثِيرٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ الْحَجُّ كُلُّهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ لِي عَطَاءٌ فَقَالَ: التَّعْرِيفُ وَصَلَاتَانِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَشْعَرِ، وَمِنًى، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقُلْتُ أَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ لَا.
وَلَكِنْ قَالَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ الْحَجُّ كُلُّهُ.
قُلْتُ: أَسْمَعْتَ ذَلِكَ لِهَذَا أَجْمَعَ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قَالَ: الْحَجَرُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّ اللَّهِ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجار، وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ كَمَا يَقُولُونَ لَاخْتَلَفَ رِجْلَاهُ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمَقَامُ الْحَجَرُ الذِي وَضَعَتْهُ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ تَحْتَ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى غَسَلَتْ رَأْسَهُ.
حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ «1» وَضَعَّفَهُ وَرَجَّحَهُ غَيْرُهُ.
وَحَكَاهُ الرَّازِيُّ «2» فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، سَمِعَ جَابِرًا يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَمَّا طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَذَا مقام أبينا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مَقَامُ خَلِيلِ رَبِّنَا؟ قَالَ:
نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقَالَ ابْنُ مردويه:
أخبرنا دعلج بن أحمد، أخبرنا غيلان بن عبد الصمد، أخبرنا مسروق بن المرزبان، أخبرنا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ مَرَّ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: يَا رسول الله أليس نقوم بمقام خَلِيلِ رَبِّنَا؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَفَلَا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟
فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقَالَ ابْنُ مردويه: أخبرنا علي بن أحمد بن محمد القزويني، أخبرنا علي بن الحسين، حدثنا الجنيد، أخبرنا هشام بن خالد، أخبرنا الْوَلِيدُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جابر، قال: لَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ الذِي قَالَ اللَّهُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الْوَلِيدُ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: هَكَذَا حَدَّثَكَ وَاتَّخِذُوا؟ قَالَ: نَعَمْ هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ نَحْوَهُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ «3» : بَابُ قَوْلِهِ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى مَثَابَةً يَثُوبُونَ يَرْجِعُونَ،123
حدثنا مسدد، أخبرنا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آية الحجاب.
قال: وَبَلَغَنِي مُعَاتِبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ حَتَّى أتيت إحدى نسائه، قالت: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللَّهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ [التَّحْرِيمِ: 5] ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، هَكَذَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا، وَعَلَّقَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ عَنْ شَيْخِهِ سَعِيدِ بْنِ الْحَكَمِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ أَبِي مَرْيَمَ المصري، وقد تفرد عنه بالرواية الْبُخَارِيُّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَرَوَى عَنْهُ الْبَاقُونَ بِوَاسِطَةٍ، وَغَرَضُهُ مِنْ تَعْلِيقِ هَذَا الطَّرِيقِ لِيُبَيِّنَ فِيهِ اتِّصَالَ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا لم يسنده لأن أبا أَيُّوبَ الْغَافِقِيَّ فِيهِ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أحمد فيه هو سيء الْحِفْظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «1» : حَدَّثَنَا هشيم، أخبرنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَافَقْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ نِسَاءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.
وَاجْتَمَعَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم نِسَاؤُهُ فِي الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التَّحْرِيمِ: 5] ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ:
وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثلاث، فذكره.
وقد رواه البخاري عن عمر وابن عَوْنٍ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، كُلُّهُمْ عَنْ هُشَيْمِ بن بشيربه.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ هَنَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ كِلَاهُمَا، عَنْ حُمَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ تِيرَوَيْهِ الطَّوِيلُ بِهِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورواه علي المديني بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا مِنْ صَحِيحِ الْحَدِيثِ وَهُوَ بَصْرِيٌّ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مسلم بن حجاج فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ آخَرَ وَلَفْظٍ آخَرَ، فَقَالَ: أخبرنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ، وَفِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ.1
وقال أبو حاتم الرازي: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثلاث أو وافقت رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ حَجَبْتَ النِّسَاءَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَالثَّالِثَةُ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُصَلِّي عَلَى هَذَا الْكَافِرِ الْمُنَافِقِ؟ فَقَالَ: إِيهًا عَنْكَ «1» يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَنَزَلَتْ وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [التَّوْبَةِ: 84] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذَا وَلَا هَذَا بَلِ الْكُلُّ صَحِيحٌ وَمَفْهُومُ الْعَدَدِ إِذَا عَارَضَهُ مَنْطُوقٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أخبرني جعفر عن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعًا حَتَّى إِذَا فَرَغَ عَمَدَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.
وَقَالَ ابن جرير «2» : حدثنا يوسف بن سلمان، أخبرنا حاتم بن إسماعيل، أخبرنا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ، قَالَ: اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّكْنَ فَرْمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا ثُمَّ نفذ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ «3» فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ.
فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ إِنَّمَا هُوَ الْحَجَرُ الذِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، لَمَّا ارْتَفَعَ الْجِدَارُ أَتَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ وَيُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ فَيَضَعُهَا بِيَدِهِ لرفع الجدار، وكلما كَمَّلَ نَاحِيَةً انْتَقَلَ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ جِدَارٍ نَقَلَهُ إِلَى النَّاحِيَةِ التِي تَلِيهَا، وهكذا حتى تم جدران الْكَعْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مَعْرُوفًا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قصيدته المعروفة اللامية: [الطويل]
وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ ... عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وَقَدْ أَدْرَكَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ فيه كما قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يزيد عن ابن123
شِهَابٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: رأيت المقام فيه أَصَابِعِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِخْمَصُ قَدَمَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «1» : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا عِنْدَهُ وَلَمْ يؤمروا بمسحه.
وقد تَكَلَّفَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ شَيْئًا مَا تَكَلَّفَتْهُ الْأُمَمُ قَبْلَهَا، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا مَنْ رَأَى أَثَرَ عَقِبِهِ وَأَصَابِعِهِ فِيهِ فَمَا زَالَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ يَمْسَحُونَهُ حَتَّى اخْلَوْلَقَ وَانْمَحَى.
(قُلْتُ) وَقَدْ كَانَ هذا الْمَقَامُ مُلْصَقًا بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ قَدِيمًا وَمَكَانُهُ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ إِلَى جَانِبِ الْبَابِ مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ يُمْنَةَ الدَّاخِلِ مِنَ الْبَابِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ هُنَاكَ، وَكَانَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَضَعَهُ إِلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ أَنَّهُ انْتَهَى عِنْدَهُ الْبِنَاءُ فَتَرَكَهُ هُنَاكَ وَلِهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أُمِرَ بِالصَّلَاةِ هُنَاكَ عِنْدَ الفراغ من الطَّوَافِ، وَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ انْتَهَى بِنَاءُ الْكَعْبَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ فِيهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «اقْتَدَوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَهُوَ الذي نزل القرآن بوفاته فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحد من أصحابه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أصحابنا، قال: أول ما نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْآنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بكر أحمد بن علي بن الحسين البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضيل الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ، حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة رضي الله عنها: أن المقام كان زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وزمان أبي بكر رضي الله عنه، مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَعَ ما تقدم.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا أَبِي أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ، يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَةَ وَهُوَ إِمَامُ الْمَكِّيِّينَ فِي زمانه: كان المقام من سُقْعِ الْبَيْتِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَوَّلَهُ عُمَرُ إِلَى مَكَانِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَ قَوْلِهِ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قَالَ: ذَهَبَ السَّيْلُ بِهِ بَعْدَ تَحْوِيلِ عَمَرَ إِيَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ هَذَا، فَرَدَّهُ عَمَرُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ قبل تحويله، وقال سُفْيَانُ لَا أَدْرِي أَكَانَ لَاصِقًا بِهَا أَمْ لَا؟ فَهَذِهِ الْآثَارُ مُتَعَاضِدَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، والله علم.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: أخبرنا ابن عمر وهو أحمد بن محمد بن حكيم، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب بن أبي تمام، أخبرنا آدم هو ابن أبي إياس في تفسيره، أخبرنا شريك عن1
إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فَكَانَ الْمَقَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَحَوَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على موضعه هذا.
قال مجاهد: وكان عُمَرُ يَرَى الرَّأْيَ فَيَنْزِلُ بِهِ الْقُرْآنُ.
هَذَا مُرْسَلٌ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ مُخَالَفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْآنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مَعَ اعْتِضَادِ هَذَا بِمَا تقدم، والله أعلم.