سورة الأنعام (6) : الآيات 148 الى 150
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن كثير
- الكتاب
- تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)
- المؤلف
- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)
- المحقق
- محمد حسين شمس الدين
- الناشر
- دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
- الطبعة
- الأولى - 1419 هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
هَذِهِ مُنَاظَرَةٌ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وشبهة تشبث بِهَا الْمُشْرِكُونَ فِي شِرْكِهِمْ وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا، فَإِنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالتَّحْرِيمِ لِمَا حَرَّمُوهُ، وَهُوَ قَادِرٌ على تغييره بأن يلهمنا الإيمان ويحول بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْكُفْرِ فَلَمْ يُغَيِّرْهُ، فَدَلَّ عَلَى أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا بذلك، ولهذا قالوا لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى، وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ [الزخرف: 20] الآية، وكذلك الآية الَّتِي فِي النَّحْلِ مِثْلُ هَذِهِ سَوَاءٌ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَيْ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ ضَلَّ مَنْ ضَلَّ قَبْلَ هَؤُلَاءِ وَهِيَ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمَا أَذَاقَهُمُ اللَّهُ بَأْسَهُ وَدَمَّرَ عَلَيْهِمْ وَأَدَالَ عَلَيْهِمْ رُسُلَهُ الْكِرَامَ وَأَذَاقَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَلِيمِ الِانْتِقَامِ، قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ أي بأن الله رَاضٍ عَنْكُمْ فِيمَا أَنْتُمْ فِيهِ فَتُخْرِجُوهُ لَنا أَيْ فَتُظْهِرُوهُ لَنَا وَتُبَيِّنُوهُ وَتُبْرِزُوهُ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أَيِ
الْوَهْمَ وَالْخَيَالَ، وَالْمُرَادُ بِالظَّنِّ هَاهُنَا الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِيمَا ادَّعَيْتُمُوهُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: عَنِ ابْنِ عباس لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنا وَقَالَ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الْأَنْعَامِ: 107] فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عِبَادَتُنَا الْآلِهَةَ تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى فَأَخْبَرَهُمُ الله أنها لا تقربهم، فقوله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا يَقُولُ تَعَالَى لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ «1» .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أَيْ لَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فِي هِدَايَةِ مَنْ هَدَى وَإِضْلَالِ مَنْ ضَلَّ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ فكل ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْضَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُبْغِضُ الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الْأَنْعَامِ: 35] وَقَالَ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [يُونُسَ: 99] وَقَوْلُهُ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هُودٍ: 118- 119] قَالَ الضَّحَّاكُ:
لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَصَى اللَّهَ وَلَكِنْ لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى عِبَادِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ أَيْ أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا أَيْ هَذَا الَّذِي حَرَّمْتُمُوهُ وَكَذَبْتُمْ وَافْتَرَيْتُمْ عَلَى اللَّهِ فِيهِ فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أَيْ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَشْهَدُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَذِبًا وَزُورًا وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أَيْ يشركون به ويجعلون له عديلا.