الحذفُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ذلك، أو عاهدت ربي على ذلك حالفاً بالله لا أشتم طول الدهر مسلماً خصوصاً ولا أهجوه ولا يخرج من فيّ كلام زور، هذا كلامه وقوله " وإنني لبين رتاج " بكسر همزة فإن جملتها حالية، وقول " لبين رتاج ومقام " خبر إنّ، وقائماً - وروى بدله " واقفاً " - حال من الضمير المستقر في الطرف، وروي بالرفع فهو خبر ثان، أو هو خبر إنَّ والظرف متعلِّقة كقولك إن زيداً لفي الدار قائم، والرتاج - بكسر الراء وآخره جيم - قال 1 المبرد: الرتاج: غَلَق الباب، ويقال: باب مُرْتج: أي مغلق، ويقال: أُرْتج على فلان: أي غلق عليه الكلام، انتهى.
وقال ابن السّيد فيما كتبه على الكامل: الرِّتاج الْغَلَق، وذكره صاحب العين، وأنشد هذا البيت، وقال: يعني باب البيت ومقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويدل على هذا قول أبى شجرة السلمي: مثل الرتاج إذَا مَا لَزَّهُ الْغَلَقُ فهذا يدل على أن الرتاج غير الغلق، ومما يقوي قول المبرد في الرتاج قولً الحطيئة إلى عَجُزٍ كَالْبَابِ شُدَّ رِتَاجُهُ انتهى
وفي العباب الرَّتجُ بالتحريك - الباب العظيم، وكذلك الرِّتاج، ومنه رتاج الكعبة، ويقال: الرتاج الْمُغَلَق (2) وعليه باب صغير، انتهى و " أشتم " جاء من باب ضرب ونصر قال المبرد (1): التقى الحسن والفرزدق في جنازة، فقال الفرزدق للحسن: أتدري ما يقول الناس يا أبا سعيد؟ (قال: وما يقولون؟ قال) (3): يقولون
اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا، لستُ بخير الناس ولستَ بشرهم، ولكن ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال: شَهَادَة أن لا إله إلا الله منذ ستون سنةً، وخمسَ نجائب لاَ يُدْرَكْنَ، يعني الصلوات الخمس، فتزعم التميمية 1 أن الفرزدق رؤي في النوم فقيل له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي (فقيل له: بأى شئ؟ فقال) (3) بالكلمة التي نَازَعَنِيهَا الحسن، وحدّثني العباس بن الفرج (الرياشي) في إسنادٍ له ذكره، قال: كان الفرزدق يخرج من منزله فيرى بني تميم والمصاحف في حجورهم فيسر بذلك وَيَجْذَل به، ويقول: إيه فِدَاءً (2) لكم أبي وأمي، كذا والله كان آباؤكم، ونظر إليه أبو هريرة الدَّوْسيُّ رضي الله عنه فقال (له): مهما فعلت فَقَنَّطَكَ الناس فلا تقنط من رحمة الله، ثم نظر إلى قدميه فقال: إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفاً صالحاً يوم القيامة والفرزدق يقول في آخر عمره حين تعلق بأستار الكعبة وعاهد الله أن لا يكذب ولا يشتم مسلماً: ألَمْ تَرَنِي عَاهَدْتُ رَبِّي وَإنَّنِي لَبَيْنَ رِتَاجٍ قَائِماً وَمَقَامِ
إلى آخر البيتين.
وقال ابن السّيد فيما كتبه على كامله: قوله " والتقى الحسن والفرزدق في جنازة ذكر الهيثم بن عدى بن أبي بكر بن عياش أن الفرزدق لقي الحسن رحمه الله في جنازة عِمْرَان بن مِلْحَان أبي رجاء العطاردي، سنة خمس ومائة،
في أول خلافة هشام بن عبد الملك فكلّمه بما ذكره المبرد، ثم انصرف الفرزدق فقال: من (الطويل): ألَمْ تَرَ أنَّ النَّاسَ مَاتَ كَبِيرُهُم وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْبَعْثِ بَعْثِ مُحَمَّدِ وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ عَيْشُ سَبْعِينَ حِجَّةً وَسِتِّينَ لَمَّا بَانَ غَيْرَ مُوَسَّدِ إلى حُفْرَةٍ غَبْرَاءَ يُكْرَهُ وِرْدُها سِوَى أنَّهَا مَثْوَى وَضِيع وَسَيِّدِ نَرُوحُ وَنَغْدُو وَالحُتُوفُ أمَامنا يَضَعْنَ لَنَا حَتْفَ الرَّدَى كلَّ مَرْصَدِ وَقَدْ قَالَ لِي مَاذَا تُعِدُّ لِمَا تَرَى فَقِيهٌ إذَا مَا قَال غَيْرُ مَفَنَّدِ فَقُلْتُ لَهُ أعْدَدْتُ لِلْبَعْثِ وَالَّذِي أُرَادُ بِهِ أنِّي شِهيدٌ بِأَحْمَدِ وَأَنْ لاَ إله غَيْرُ رَبِّي هُوَ الَّذِي يُمِيتُ وَيُحْيِي يَوْمَ بَعْثٍ وَمَوْعِدِ فهذا الذى أعددت لا شئ غَيْرُهُ وَإنْ قُلْتَ لِي أكْثِرْ مِنَ الْخَيْرِ وَازْدَدِ فَقَالَ قدِ اعْتَصَمْتَ بِالْخَيْرِ كُلِّهِ تَمَسَّكْ بهذا يَا فَرَزْدَقُ تَرْشُدِ وذكر الأصبهاني عن محمد بن سلام أنها كانت جنازة النَّوار زوج الفرزدق.
وبعده قوله:
أطَعْتُكَ يَا إبْلِيسُ سَبْعِينَ حِجَّةً 1 فَلَمَّا انْتَهَى شَيْبِي وَتَمَّ تَمَامِي رَجَعْتُ إلَى رَبِّي وَأَيْقَنْتُ أنَّنِي مُلاَقٍ لأَيَّامِ الْمَنُونِ حِمَامي وهي قصيدة مطولة أنشدها يعقوب بن السكيت، انتهى ما كتبه ابن السيد.
وفي أمالي السيد الشريف (2) المرتضى رحمه الله تعالى روى أن الفرزدق
تعلق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللذين (كان) ارتكبهما وقال: ألم ترني عاهدت ربي، إلى آخر الأبيات الأربعة.
ثم حدث عن أبي عبيد الله الْمَرْزُباني بسند له أن الحسن البصري شهد جنازة النَّوَار امرأة الفرزدق، وكان الفرزدق حاضراً، فقال له الحسن وهو عند القبر: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانون سنة فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطُّنُبُ؟ وفي رواية أخرى أنه قال: نِعْمَ ما أعدت، ثم قال الفرزدق في الحال: أخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إنْ لَمْ يُعَافِنِي اشَدَّ مِنَ الْمَوْتِ التِهَاباً وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لَقَدْ خَابَ مِنْ أوْلاَدِ آدَمَ مَنْ مَشَى إلى النَّارِ مَغْلُولَ الْقِلاََدَةِ أزْرَقَا يُقَادُ إلَى نَارِ الْجَحيمِ مُسَرْبَلاً سَرَابيلَ قَطْرَانٍ لِبَاساً مُحَرِّقا قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه في بعض، ثم قال: حَسْبُك، ويقال: إن رجلاً رأى الفرزدق في منامه 1 بعد موته، فقال: ما فعل الله بك؟ فقال:
عفى عني بتلك الأبيات، انتهى.
وقال محمد بن حبيب في شرح المناقضات: إن الفرزدق حَجَّ فعاهد الله بين الباب والمقام أن لا يهجو أحداً وأن يُقيِّد نفسه حتى يجمع القرآن حفظاً، فلما قدم البصرة قَيَّدَ نفسَهُ وحلف أن لا يُطْلق قيده عنه حتى يجمع القرآن، وقال ألم ترني عاهدت ربي... الأبيات، وبلغ نساء بني مجاشع فحش الْبَعِيث وجرير بهنَّ فأتين الفرزدق مقيداً فقلن: قبح الله قَيْدَكَ وقدهتك جرير عورات نسائك، فأغضبنه ففض قيده وقال قصيدة يجيبهما، منها:
فَإِنْ يَكُ قَيْدِي كَانَ نَذْراً نَذرْتُهُ فَمَا بِيَ عَنْ أحْسَابِ قَوْمِي مِنْ شُغْلِ أنَا الضَّامِنُ الرَّاعِي عَلَيْهِمْ، وَإنَّمَا يُدَافِعُ عَنْ أحْسَابِهِمْ أنَا أَوْ مِثْلِي 1 والقصيدة التي البيت الشاهد منها أوردها الخضر الموصلي في شواهد التفسيرين، عند قوله تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رسولا) وقد مرت ترجمة الفرزدق في الشاهد الثلاثين من شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والثلاثون (من الطويل) 34 - لَقِيْتُ بِدَرْبِ الْقُلَّةِ الْفَجرَ لَقْيَةً شَفَتْ كَمَدِي وَاللَّيْلُ فِيهِ قَتِيلُ على أنه يجوز أن يأتي مصدر لقيته على لَقْيَةٍ قياساً كما في البيت وهو من قصيدة للمتنبي مدح فيها سيف الدولة أولها: لَيَالِيَّ بَعْدَ الظَّاعِنِينَ شُكُولُ طِوَالٌ، وَلَيْلُ الْعَاشِقِينَ طَوِيلُ إلى أن قال " لقيت بدرب القلة - إلخ " يريد أن الليل انقضى وبدت تباشير الصبح وقد وافى المكان فشفى لقاء الصبح كمده والليل قتيل في الفجر، لأنه ينقضي بطلوعه، وقد أخذ بعضهم هذا المعنى وكشف عنه فقال: وَلَمَّا رَأَيْتُ الصّبْحَ قَدْ سَلَّ سَيْفَهُ وَوَلَّى انْهِزَاماً لَيْلُهُ وَكَوَاكِبُهْ وَلاَحَ احْمِرَارٌ قُلْتُ قَدْ ذُبِحَ الدجى وهذا دَمٌ قَدْ ضَمَّخَ الأَرْضَ سَاكِبُهُ كذا في شرح الواحدي، والكمد: الحزن المكتوم، وهو مصدر من باب تَعِب، وكأنه لقي من الليل سَهَراً وكآبةً وطولاً فأكمده ذلك، ثم فرح بلقاء
الصباح فجعل الفجر قاتلا لليل شافياً له منه، ودَرْبُ القلة بضم القاف - موضع فرب ملطية 1 كان سيف الدولة غزا تلك النواحي في سنة اثنين وأربعين وثلثمائة، وذكر المتنبي المواضع التي غزاها في تلك السنة في هذه القصيدة وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثلاثون (من البسيط): 35 - هَا إنْ تا عِذْرةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ قُبِلَتْ فَإنَّ صَاحِبَها قَدْ تَاهَ فِي الْبَلَدِ على أن عِذره - بكسر العين - مصدر للنوع بتقدير صفة معلومة بقرينة الحال: أي عذر بليغ، والوجه أن هذا الوصف مفعوم من التنوين وهذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة بعد أن هرب منه إلى ملوك غَسَّان في الشام لما اتُّهِمَ بامرأته المتجردة وأراد قتله وأرسل إلى النعمان قصائد يتنَصَّل (بها) عما اتهم به ويعتذر إليه عن هروبه وإقامته عند ملوك غسان، وقد شرحنا حاله في الشاهد الرابع بعد المائة من شواهد شرح الكافية وقبل هذا البيت: نُبِّئْتُ أنَّ أبَا قاَبُوسَ أوْعَدَنِي وَلاَ قَرَارَ عَلَى زَأْرٍ من الاسد (2)
وهما آخر القصيدة.
ونبئت - بالبناء للمفعول - بمعنى أخبرت، وأبو قابوس: كنية النعمان، وقابوس معرب كاووس اسم ملك من ملوك العجم، وأوعد - بالألف - لا يكون إلا في الشر، بمعنى هددني، والزأر: مصدر زَأرَ الأسدُ إذا صَوَّت بحنق، وهو تمثيل لغضبه، وقوله " ها إن تا عذرة " استشهد به الشارح في باب اسم الإشارة وفي هاء التنبيه من شرح الكافية، على أن الفصْل بين " ها " وبين اسم الإشارة بغير " أنا " وأخواته قليل، والفاصل هنا " إنَّ "، وتا: اسم إشارة للمؤنث، بمعنى هذه، وروي أيضاً " ها إن ذي عِذْرَة "، والإشارة لما ذكر في قصيدته من يمينه على أنه لم يأت بشئ يكرهه، وقيل: الإشارة للقصيدة: أي إن هذه القصيدة ذات عذرة، وقال بعضهم: التقدير أن عذرتي هذه عِذْرَة، والعِذْرة - بالكسر - اسم للعذر بالضم، قال صاحب الصحاح: يقال: عَذَرْته فيما صنع أعْذِره عذرا، والاسم الْمَعْذِرة والْعُذْرى، وكذلك العِذْرَة وهي مثل
الرِّكبة والجلْسة وأنشد هذا البيت، وفي المصباح عَذَرته فيما صنع عُذْراً، من باب ضرب، رفعت عند اللوم فهو معذور: أي غير ملوم وقوله " إن لم تكن نفعت فإن صاحبها " المحدث عنه في الجميع العِذْرَة، وأراد بصاحب العذرة نفسه وتاه الإنسان يتيه تَيْهاً: ضل عن الطريق، وأراد لازمه وهو الهلاك، والمعنى إن لم تقبل عذري فترضى عني فإني أضل في البلدة التي أنا فيها لما أنا فيه من عظيم الدهشة الحاصلة من وعيدك والنابغة الذبيانى شاعر جاهلي، وقد ترجمناه هناك:
أسماء الزمان والمكان أنشد الجار بردى فيهما: كَأَنَّ مَجِرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولَهَا عَلَيْهِ قَضِيمٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوَانِعُ وسيأتي شرحه إن شاء الله تعالى في أول باب المنسوب الآلة أنشد فيها، وهو الشاهد السادس والثلاثون (من الرجز) 36 - يَمَّمْنَ أعدادا بلبني أوأجا مُضْفْدِعَاتٍ كُلُّها مُطَحْلِبَهْ على أنه يقال: مُضَفْدِع ومُطَحْلِب، بوزن اسم الفاعل، بمعنى كثير الضفادع وكثير الطحالب والبيت أورده الجوهري في مادة الضفدع، وقال: يريد مياهاً كثيرة الضفادع وقال الصاغاني في العباب: وضَفْدَعَ الماء، إذا صارت فيه الضفادع، وأنشد البيت أيضاً ويمَّمْن بمعنى قَصَدْنَ، بنون الإناث، والأعداد: جمع عِدّ بكسر العين المهملة، وهو الماء الذي له مادَّة لا تنقطع كماء العين وماء البئر، ولُبْنَى - بضم اللام وسكون الموحدة بعدها نون وألف مقصورة - اسم جبل، وروي بدله " سَلْمى " وهو اسم جبل أيضا لطئ، وكذلك أجأجبل لطي بفتح الهمزة بعدها جيم، والأكثر همز آخره، قال امرؤ القيس: أبَتْ أَجَأٌ أنْ تُسْلِمَ الْعَامَ جَارَهَا فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ 1 وقد لا يهمز، كما في البيت، وكما قال العجاج: فإنْ تَصِرْ لَيْلَى بسلمى أو أجا
وقوله " بلبنى " الجار متعلق بمحذوف صفة لأعداد، وقوله " مضفدعات " صفة ثانية لأعداد، وكلها مبتدأ، والضمير للأعداد، ومطحلبة خبر المبتدأ، والجملة صفة ثالثة، والطُّحْلُب - بضم الطاء واللام ويجوز فتح اللام - شئ أخضر لزج يخلق في الماء ويعلوه، يقال: ماء طَحِل - بفتح فكسر - أي كثير طحلبه، وعين طحلة كذلك، ومطحلب قليل ولبيد رضي الله عنه هو شاعر صحابي من بني عامر، وقد تقدم ترجمته في الشاهد الثاني والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية المصغر أنشد فيه، وهو الشاهد السابع والثلاثون (من البسيط) 37 - يَا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلأَناً شَدَنَّ لَنَا مِنْ هو ليائكن الضَّالِ وَالسَّمُرِ على أن تصغير أميلح من قبيل تصغير لُطَيّف ونحوه، يريد أن التصغير في فعل التعجب راجع إلى المفعول المتعجب منه، أي هذه الغزلان مُلَيِّحات، قال سيبويه 1: أرادوا تصغير الموصوف بالملاحة، كأنهم قالوا مُلَيِّح، لكنهم عدلوا عن ذلك وهم يعنون الأول، ومن عادتهم أن يلفظوا بالشئ وهم يريدون شيئاً آخر، وقد أوردنا ما يتعلق به مفصلاً في الشاهد السادس من أوائل شرح الكافية
ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير يا صاحبي، وما: استفهامية تعجبية 1، وأملح: فعل تعجب من الملاحة وهي البهجة وحسن المنظر، وفعله ملح الشئ بالضم مَلاَحَة، وغزلاناً: مفعول فعل التعجب، جمع غزال، وهو ولد الظبية، قال أبو حاتم: الظبي أوَّلَ ما يولد طَلىً، ثم هو غزال، والأنثى غزالة، فإذا قوي وتحرك فهو شَادِن، فإذا بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر فهو خِشْفٌ، والرَّشَأَ: الفتي من الظباء، فإذا أثنى فهو ظبي، ولا يزال ثَنِيّاً حتى يموت والأنثى ثنية وظبية، والثَّنِيُّ على فَعِيل: الذي يُلقي ثنيّتَهُ أي سنة من ذوات الظلف والحافر في السنة الثالثة، وشَدَنَّ: من شَدَنَ الغزال بالفتح يَشْدُن بالضم شدونا، إذا قوي وطلع قرْنَاه واستغنى عن أمه، والنون الثانية ضمير الغزلان، وجملة " شدن " صفة غزلان، ولنا ومن: متعلقان بشدن، وقوله " من هو ليائكن " هو مصغر هؤلاء شذوذاً، وأصله أولاء - بالمد والقصر - وها: للتنبيه، وأولى: اسم إشارة يشار به إلى جمع، سواء كان مذكراً أو مؤنثاً، عاقلاً أو غير عاقل، والكاف حرف خطاب، والنون حرف أيضاً لجمع الإناث، وقد استشهد به النحاة على دخول التنبيه عليه وعلى تصغيره شذوذا، ورواه الجوهرى " من هؤ لياء بَيْنَ بين الضال والسمر " وقال: لم يصغروا من العل غير هذا، وغير قولهم " ما أحَيْسِنه " والضال: عطف بيان لاسم الإشارة، وهو السدر البري، جمع ضالة، ولهذا صح إتباعه لاسم الإشارة إلى الجمع، وألفه منقلبة من الياء، والسِّدر: شجر النبق، والسَّمُر بفتح السين وضم الميم: جمع سَمُرة، وهو شجر الطَّلح، وهو شجر عظيم شائك والبيت من جملة أبيات اختلف في قائلها، وعدتها، وقد ذكرنا الكلام عليه مستوفى هناك في الشاهد السادس
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثامن والثلاثون: 38 - وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بينهم دويهية تصفر منها الأنامل على أن تصغير دُوَيْهية قريب من التصغير للتعظيم، وحقق الشارح المحقق أن تصغيرها للتحقير، قال: إذ المراد بها الموت: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل، والقول بأن تصغيرها للتعظيم هو قول الكوفيين، وسوف هنا للتحقيق والتأكيد، والداهية: مصيبة الدهر، مشتقة من الدَّهْي بفتح الدال وسكون الهاء، وهو النكر، فإن كل واحد ينكرها ولا يقبلها، ودَهَاه الأمر يَدْهَاه إذا أصابه بمكروه، ورواه ابن دريد في الجمهرة " خُوَيْخِيَةٌ تصفر - إلخ " وقال: الْخُويْخِيَة الداهية، وهو بخاءين معجمتين مصغر الْخَوْخَة
بالفتح، وهي الباب الصغير، وكذا روى الطوسي أيضاً عن أبي عمرو، وقال: يقول: ينفتح عليهم باب يدخل عليهم منه الشر، وإذا مات الرجل أو قتل اصفرت أنامله واسودَّت أظافره.
وقيل: المراد من الأنامل الأظفار، فإن صفرتها لا تكون إلا بالموت والبيت من قصيدة للبيد، رضى الله عنه، ابن عامر الصحابي، وتقدم شرح أبيات منها مع ترجمته في الشاهد الثالث والعشرين بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثلاثون (من الطويل) 39 - فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَاهِقِ الرأس لم تكن لتبلغه حتى تكِلَّ وتَعْمَلاَ على أنه استُدل لمجئ التصغير بتصغير جبيل في البيت قال ابن 1: يعيش: للتصغير معان ثلاثة: تحقير ما يتوهم (2) أنه عظيم كرجيل
وتقليل ما يتوهَّم أنه كثير كدُرَيْهِمَات، وتقريب ما يجوز أن يتوهم أنه بعيد كبُعَيْدِ العصر وقُبَيْلَ الفجر، وأضاف الكوفيون قسماً رابعاً يسمونه تصغير التعظيم، كقول الشاعر: دُوَيْهِيَة تصفرُّ منْها الأنامل والمراد التعظيم، إذ لا داهية أعظم من الموت، وقال آخر: فويق جبيل شاق الرأس - البيت قال " جبيل " ثم قال " شاهق الرأس " وهو العالي، فدل على أنه أراد تفخيم شأنه، وهذا ليس من أصول البصريين، وجميع ما ذكروه راجع إلى معنى التحقير، فأما قولهم " دويهية " فالمراد أن أصغر الأشياء قد يفسد الأمور العظام، فحتف النفوس قد يكون بصغير الأمر الذي لا يؤبه له، وأما " فويق جبيل " فالمراد أنه صغير العرض دقيق الرأس شاق المصعد لطوله وعلوه، انتهى ومن الكوفيين أبو حنيفة الدِّيَنَوريُّ، قال في كتاب النبات: وإنما صغر الجبل على وجه التعظيم، كما قالوا للداهية: دويهية، ولم يرد التحقير، وكيف قد قال " شاهق الرأس " وكذا قال ابن السكيت في شرحه للبيت، قال: يقول: هو صغير العرض ذاهب في السماء، وفويق جبيل أراد أن يكبره بتصغيره كما قال وكل أناس سوف... البيت ويروى " سامق الرأس " و " شاهق الرأس " و " شامخ الرأس " والجميع واحد، انتهى وتبعهم ابن هشام في 1 المغني، فقال: ونظير رب في إفادة التكثير تارة والتقليل أخرى صيغ التصغير، تقول حجير ورجيل فتكون للتقليل، وقال:
فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخٍ لَنْ تَنَالَهُ - البيت 1 وقال لبيد رضي الله عنه: وكل أناس سوف - البيت ولم يتعرض له شراحه بشئ قال الشمني: تمثيله بجبيل ودُويهية للتكثير، وبحجير ورجيل للتقليل، مبنى على عدم الفرق بين التعظيم والتكثير وبين التحقير والتقليل، انتهى.
وقال ابن الملا: والتصغير في كل من فويق وجبيل ليس للتقليل الذي يراد به التحقير، لأن وصفه بما ذكر مناف لحقارته، بل هو للتعظيم، وأريد بالدويهية
الموت، ومن ثم قلنا إن تصغيرها للتعظيم إذ لا داهية أعظم من الموت، ومن زعم أن الداهية إذا كانت عظيمة كانت سريعة الوصول فالتصغير لتقليل المدة فقد تَكَلَّفَ، أو أن التصغير على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم فيها: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفس الامر فقد تعسَّف، هذا كلامه وهذا مجرد دعوى من غير بيان للتكلف والتعسف والبيت من قصيدة لأوس بن حَجَر في وصف قوس، ولابد من نقل أبيات قبله حتى يتضح معناه، قال بعد ستة أبيات من القصيدة: وَإنِّي امْرُؤٌ أعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ بَعْدَما رَأَيْتُ لَهَا نَاباً مِنَ الشَّرِّ أعْصَلاَ أصَمَّ رُدَيَنِيّاً كَأَنَّ كُعُوبَهُ نَوَى الْقَسْبِ عَرَّاصاً مُزَجًّى مُنَصَّلا عَلَيْهِ كَمِصْبَاحٍ الْعَزِيزِ يَشْبُّهُ لِفِصْحٍ ويَحْشُوهُ الذُّبَالَ الْمُفَتَّلا وَأَبْيَضَ هِنْدِيًّا كَأنَّ غِرَارَهُ تَلأْلُؤُ بَرْقٍ في حَبِيّ تَكَلَّلاَ إِذَا سُلَّ مِنْ غِمْدٍ تأكَّلَ أَثْرُهُ عَلَى مِثْلِ مِسْحَاةِ اللُّجَيْنِ تأكلا
كَأَنَّ مَدَبَّ النَّمْلِ يَتَّبِعُ الرُّبَا وَمَدْرَجَ ذَرٍّ خَافَ بَرْداً فَأَسْهَلاَ عَلَى صَفْحَتَيْهِ بَعْدَ حينِ جِلاَئِهِ كَفَى بِالَّذِي أُبْلي وَأَنْعَتُ مُنْصُلاَ وَمَبْضُوعَةً مِنْ رَأْسِ فَرْعٍ شَظِيَّةً بِطَوْدٍ تَرَاهٌ بالسَّحَابِ مُجَلَّلاَ عَلَى ظَهْرِ صَفْوَانٍ كَأَنَّ مُتُونَهُ عُلِلْنَ بدُهْنٍ يُزْلِقُ الْمُتَنَزِّلاَ يُطِيفُ بِهَا رَاعٍ يُجَشِّم نَفْسَهُ ليكلأَ فِيهَا طَرْفَهُ مُتَأَمِّلاَ فَلاَقَى امْرأً مِنْ بَيْدَعَان وَأَسْمَحَتْ قَرُونَتُهُ بِالْيَأْسِ.
مِنْهَا وَعَجَّلاَ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَذْكُرَنَّ مخيرا يَدُلُّ عَلَى غُنْمٍ وَيْقْصُرُ مُعْمِلاَ
عَلَى خَيْرِ مَا أَبْصَرْتَهَا مِنْ بِضَاعَةٍ لِمُلْتَمِسٍ بَيْعاً بِهَا أَوْ تَبَكُّلاَ فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخِ الرَّأْسِ لَمْ تَكُنْ لِتَبْلُغَهُ حَتَّى تَكِل وَتَعْمَلاَ فَأَبْصَرَ ألْهَاباً مِنَ الطَّوْدِ دُونَهَا يَرَى بَيْنَ رَأْسِي كُلِّ نِيقَيْنِ مَهْبِلاَ فَأَشْرَطَ فِيهَا نَفْسَه وَهُوَ مُعْصِمٌ وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لَهُ وَتَوَكَّلاَ وقَدْ أكَلَتْ أظْفَارَهُ الْصَّخْرُ كلما تعيا عليه طول مرقى تَسَهَّلاَ فَمَا زَالَ حَتَّى نَالَهَا وَهْوَ مُعْصِمٌ عَلَى مَوْطِنٍ لَوْ زَلَّ عَنْهُ تَفَصَّلاَ فَلَمَّا نَجَا مِنْ ذَلِكَ الْكَرْبِ لَمْ يَزَلْ يُمظِّعُهَا مَاءَ اللِّحَاءِ لِتَذْبُلاَ فَلَمَّا قَضى مِما يُرِيدُ قَضَاءَهُ وَصَلَّبَهَا حِرْصاً عَلَيْهَا فَأَطْوَلاَ أَمَرَّ عَلَيْهَا ذات حد دعالها رَفِيقاً بِأَخْذٍ بِالْمَداوِسِ صَيْقَلاَ فَجَرَّدَهَا صَفْرَاءَ لاَ الطُّولُ عَابَهَا وَلاَ قِصَرٌ أزْرَى بِهَا فَتَعَطَّلاَ ثم وصفها بعشرة أبيات وقال: فَذَاكَ عَتَادِي في الْحُرُوبِ إِذَا الْتَظَتْ وَأرْدَفَ بَأْسٌ مِنْ حُروبٍ وَأَعْجَلاَ قوله " وإني امرؤ أعددت ": أي هيأت عدة، و " أعصل " بمهملتين أعوج قال ابن السكيت في شرحه: يقول: هي حرب قَدُمَتْ وَأَسَنَّت فهو أشد لها وقوله " أصم ردينيا إلخ " هو مفعول أعددت: والأصم: المصمت الذي لا جوف له
وموصوفه محذوف أي رمحاً أصم، والرمح الرُّدَيْنِيُّ منسوب إلى ردينة بالتصغير وهي امرأة كانت تقوم الرماح وكان زوجها سَمْهَرٌ أيضاً يقوم الرماح، يقال لرماحه السمهرية، قال ابن السكيت: الكعب الأنبوب، ويسمون العقدة كعباً، وهو المراد هنا، والقَسْبُ: تمر يابس نواه مر صلب، والعرص - بمهملات - الشديد الاضطراب، والمُزَجَّى: الذي جعل له زُجٌّ بضم الزاي وتشديد الجيم، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح تغرز في الأرض، والْمُنَصَّلُ: الذي جعل له نصل، وهو السنان
وقوله " عليه كمصباح العزيز إلخ " المصباح: السراج، والعزيز: الملك، وسراجه أشد ضوءاً، وَيَشُبُّهُ: يوقده، والفِصْح بالكسر - يوم فطر النصارى، والذبال بالضم الفتائل، وكل فتيلة ذبالة، ويحشوه: أي يحشو موضع الفتائل، يقول: على ذلك الرمح الأصم سراج كسراج الملك من توقده لارتفاع ناره، ثم وصف الرمح بثلاثة أبياتٍ أُخَر.
وقال " وأبيض هنديّاً إلخ " هو معطوف على أصم: أي وأعددت أيضاً أبيض هنديّاً وهو السيف، والغرار بكسر المعجمة حد السيف، والحبي: ما حبا من السحاب أي ارتفع وأشرف، وتكلَّل السحاب: صار بعضه فوق بعض، وهو أشد لإضاءة البرق، وقوله " إذا سل من غمد إلخ " سَلَلْت السيف من غمده: أي أخرجته من قرابه، وتأكل: توهج واشتد، وأثر السيف بالفتح: جوهره، والمِسْحَاة بالكسر إناء من فضة، وهو القدح، واللجين الفضة، يقول على متن سيف كأنه فضة، وقوله " كأن مَدَبَّ النمل إلخ " الْمَدَبُّ الموضع الذي يدب فيه، والرّبا جمع رَبْوَة وهو ما ارتفع من الأرض، والْمَدْرج كالمدب وزناً ومعنى، وإنما يتبع النمل الربا لأنه يفر من الندى، يقول: اشتد على النمل البرد في أعلى الوادي فأسهل أي أتى السهل فاستبان أثره، قوله " على صفحتيه " متعلق بمدب النمل، والجِلاء: الصقل قال ابن السكيت: أُبلِي - بضم الهمزة - أشفيك من نعته وأحدثك عنه ويقال أبْلِنِي يميناً أي طيِّب نفسي، وَالْمُنْصُل - بضم الميم والصاد - السيف.
وقوله ومبضوعة
هو معطوف على أصم أيضاً: أي وأعددت قوساً مبضوعة أي مقطوعة، والفرع أعلى الشجرة، والشظية - بفتح الشين وكسر الظاء المعجمتين - الشقة والفلقة، وهي صفة لمبضوعة، والباء في بطود متعلقة بمحذوف حال من رأس فرعٍ، وجملة " تراه إلخ " صفة لطود، والرؤية بصرية، ومفعولها الهاء الراجعة إلى طود، ومجللاً حال من الهاء، وهو اسم مفعول من جلله بمعنى غطاه وألبسه، وبالسحاب متعلق
به، وقوله " على ظهر صفوان إلخ " قال ابن السكيت: يقول: نبتت على حجر يزلق الرجل المتنزل لملاسته، وَعُلِلْنَ سقين مرة بعد مرة، وقوله " يطيف بها راع إلخ " قال ابن السكيت: يطيف بهذه القوس المبضوعة راعٍ أي حافظٌ ليجعل طرفه كالئاً يحفظ منها منظراً، والكالئ الحافظ، وقوله " فلاقى امرء امن بيدعان إلخ " قال ابن السكيت: " فعجل به اليأس: أي لم يتحبَّس به اليأس، هذا الذي رآها لاقى امرءا من بيدعان وهو حي من اليمن من أزد السراة.
وقد استشعر اليأس منها، فاستشار الآخر فقال: هل تذكر رجلاً يصيب الغنم ويقصر العمل: أي يجئ بعمل قصير، أراد أنهما تشاورا فدله على الذي رأى فعجلا، يقول: كان نسي أنه يئس منها فلما دله عليها عجَّل إلى ما قال، وأسمحت قرونته وقرينته جميعاً وهي النفس باليأس: أي تابعته نفسه علي اليأس ولم تنازعه، وهذا مثل قولك: لقي فلان فلاناً ونسي ما أتى إليه: أي وقد نسي، انتهى كلامه، وقوله " فقال له هل إلخ " أي: هل تذكرن رجلاً يدل على غنيمة، ويقصر معملاً: أي ويقل العمل والعناء: وقوله " على خير ما أبصرتها " قال ابن السكيت: " أي فقال هل تدل على خير ما أبصرتها؟ أي: خير ما أبصرت من بضائع الناس، والتبكل: التغنم، يقال: تبكل أي تغنم إن أراد بيعاً أو غنماً، وقال: المتبكل الذي يتأكل بها الناس يقول لهذا سوف أبيعك ولهذا سوف أعيرك " انتهى وقال أبو حنيفة في كتاب النبات: ميدعان حي من أزد السراة، وهم أهل
جبال، شجيرة، يقول: إما لأن يبريها وإما لأن يتخذها معاشاً لصيد أو غزو، والتبكل التكسب من ها هنا وها هنا وأصل البكل الخلط، والقواسون يطلبون هذه العيدان العتق من مظانها من منابتها، حيث كانت من السهول والوعور، ويستدلون عليها الرِّعاء وقناص الوعول ويجعلون فيها الجعائل وربما أبصروا
الشجرة منها بحيث لا يستطيعه راق ولا نازل فيتدلون عليها بالحبال في المهاوي والمهالك كما يتدلى من يشتار العسل على الوقاب 1 وأخبرني بعض الأعراب: قال يطلب القواسون هذه العيدان الْعُتْق فإن وجدوها مستحكمة اقتطوها، وإن لم تكن مستحكمة حوضوا حولها وحملوا إليها الماء، فربما ربوها كذلك سنين حتى تستحكم، قال: وإذا وجد الرعاء منها شجرة دلوا عليها القواس وأخذوا على ذلك ثواباً، فقلت له: وكم تبلغ القوس عندكم؟ فقال: (تبلغ) إذا كانت جيدة خمسمائة درهم، وقد ذكر أوس ابن احجر كل ذلك في وصفه القوس فقال في منَعَة منبت عودها: ومبضوعة من رأس فرع إلى آخر أبيات ثلاثة، ثم قال ثم ذكر استرشاده مَنْ عسى أن يدله فقال: فلاقى امرأ من ميدعان إلى آخر أبيات ثلاثة.
ثم قال ثمّ وصف امتناع منبتها وتدلِّيه عليه بالحبال فُوَيق جبيل شاهق الرأس إلى آخر الابيات، وقوله " فويق " مصغر فوق، وهو ظرف متعلق بأبصرتها من قوله " على خير ما أبصرتها " في البيت المتقدم، والبلوغ: الوصول، وَكَلّ يَكِلّ من باب ضرب كلالة تعب وأعيا، ويتعدى بالالف، وتعمل: أي تجتهد في العمل، فهو مضمن معنى الاجتهاد ولهذا لم يتعد، وأصله التعدي، يقال: عملته أعمله عملاً من باب فرح: أي صنعته، والاجتهاد مقدم في المعنى على الكلال، ولا مانع من تأخره لفظاً لأن
الواو لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبا، فقد يكون مدخلوها متقدماً على سابقه باللفظ، كقوله تعالى (وَمِنْكَ ومن نوح) وروي " وَتُعْمِلا " بضم التاء وكسر الميم، والمعنى وتجهد نفسك أو غيرك فالمفعول محذوف، وأصل أعمل تعديه إلى مفعولين، تقول: أعْمَلْتُهُ كذا أي جعلته عاملاً له، وروي البيت كذا أيضاً: فُوَيْقَ جُبَيْلٍ شَامِخٍ لَنْ تَنَالَهُ بِقُنَّتِهِ حتى تكل وتعملا
والنيل: الاصابة والوصول إلى الشئ، وقنة الجبل - بضم القاف وتشديد النون - أعلاه كقلته، باللام، وقوله " فأبصصر ألهاباً - إلخ " جمع لِهْب بكسر اللام وسكون الهاء، قال الجوهري: هو الفرجة والهواء يكون بين الجبلين، وأنشد هذا البيت، والطود: الجبل، ودونها أي دون المبضوعة، ودون هنا: بمعنى أمام، وفاعل أبضر ضمير الرجل من ميدعان، والنيق - بكسر النون - المشرف من الجبل، والْمَهْبِل - بفتح الميم وكسر الموحدة - المهوي والمهلك، قال أبو حنيفة: ثم ذكر تدليه عليها بالحبال ومخاطرته بنفسه فقال " فأشرط فيها نفسه - إلى آخر أبيات ثلاثة " وقال ابن السكيت: أشرط نفسه: جعلها علماً للموت، ومنه أشراط الساعة، ويقال: أشرط نفسه في ذلك ذلك الأمر: أي خاطر بها، والْمُعْصِم والْمُعْتَصِم واحد، وهو المتعلق: أي متعلقاً بالحبل، فذلك الذي ألقى من أسباب حباله، والسبب: الحبل، والجمع أسباب، ويصلح أن يكون الواحد سبّاًَ بالكسر، قال أبو ذؤيب تَدَلَّى عَلَيْهَا بَيْنَ سِبّ وَخَيْطَةٍ فالسِّب: الحبل، والخيطة: الوتد، انتهى.
وتَوَكَّل: أي اعتمد على الله، وقوله " وقد أكلت أظفاره " قال ابن السكيت يتوصل من مكان ثم ينزل بعده وروي " طول مَرْقىً تَوَصَّلا " أي توصل من مكان إلى مكان، كقولك: اجعل هذه وُصْلَةً، وقوله " فما زال حتى نالها " قال ابن السكيت: مُعْصِمٌ: مشفق،
والموطن: الموضع الذي صار إليه، انتهى، وتفصل: تقطع: وقوله " فأقبل لا يرجو - إلخ " قال ابن السكيت يقول: عسى أن أفلت وأنجو، وقوله " فلما نجا من ذلك الكرب " هو الشدة، ويمظعها بالظاء المعجمة والعين المهملة، وَاللِّحاء بكسر اللام، قشر العود، وقال ابن السكيت يمظعها: يشربا، يقال: مظع الأديم
الودك: أي شربه، يقول: لم يزل يسقيها ماء لحائها ليكون أجود لها، ولو قشر اللحاء عنها لأفسدها، وقوله " فلما قضى مما يريد - إلخ " صَلَّبها: يبسها، يقال: ثمرة مصلبة: أي يابسة، وأطول: أطال، وقوله " أمر عليها - إلخ " قال ابن السكيت: الرفيق: الحاذق، والمداوس: المصاقل، واحدها مدْوَسٌ، وهو الذي يصقل به، وقوله " فجردها صفراء - إلخ " قال ابن السكيت: يقول: لو كانت قصيرة لتعطلت وكانت أصغر من أن يرمي عنها ولم تعب من طول فتُعَطَّل: تترك لا تتخذ قوساً، وقوله " فذاك عَتَادي - إلخ " الإشارة راجعة إلى الرمح والسيف والقوس، وَالْعَتَاد: العُدة، والتظت: التهبت.
ويعجبنى قوله بعد هذا بأربعة أبيات: وَإنِّي وَجَدْتُ النَّاسَ إلاَّ أقَلَّهُمْ خِفَافَ الْعُهُودِ يُسْرِعُونَ التَّنَقُّلا بَنِي أُمِّ ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ يَرَوْنَهُ وَإنْ كَانَ عَبْداً سَيِّد الامر حجفلا وَهُمْ لِمُقِلِّ الْمَالِ أوْلاَدُ عَلَّةٍ وَإنْ كَانَ مَحْضاً فِي الْعَشِيرَةِ مَخْوَلاَ وَلَيْسَ أخْوكَ الدَّائِمُ الْعَهْدِ بِالَّذِي يَذُمُّكَ إنْ وَلَّى وَيُرْضِيكَ مُقْبِلاَ وَلَكِنْ أخُوكَ الناءِ مَا كُنْتُ آمِنَاً وَصَاحِبُكَ الأَدْنَى إذَا الأَمْرُ أعْضَلاَ وهذا آخر القصيدة: وأراد التنقل عن المودة، وجحفل: كثير الأتباع، وجيش جحفل: إذا كان كثير الأصوات، وقوله " وهم لمقل المال - إلخ " أي: يبغضون من لا مال له وإن كان شريفاً، والمحض: الخالص النسب، ومُخْوَل - بفتح الواو - كثير الأخوال، والناء: البعيد، حذفت الياء لضرورة الشعر،
وروي النأي على المصدر، قال ابن السكيت: صَيَّر المصدر في موضع الصفة، وأعضل الأمر: اشتد وأوس بن حجر شاعر جاهلي بفتحتي الحاء المهملة والجيم، وتقدمت ترجمته
في الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الأربعون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز، أو السريع): 40 - وَمَهْمَهَيْنَ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ على أن الشاعر إذا قال قصيدة قبل رويها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهي مردفة، ولزمه أن يأتي (بالردف) في جميع القصيدة، كما في هذين البيتين، وتقدم بعض منها في الشاهد الرابع والعشرين لَمْ يَبْقَ مَنْ آيٍ بِهَا يُحَلَّيْنْ وقوله " ومهمين - إلخ " الواو واو ربَّ، والْمَهْمَهُ: القَفْر المخوف، والْقَذَف - بفتح القاف والذال المعجمة بعدها فاء - البعيد من الأرض، والْمَرْت - بفتح الميم وسكون الراء المهملة - الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، وَالظَّهر: ما ارتفع من الأرض، شبهه بظهر ترس في ارتفاعه وَتَعَرِّيه من النبت، وجواب رب المقدرة هو قوله جُبْتُهُمَا بالنَّعْتِ لا بِالنَّعْتَيْنْ من جاب الوادي يجوبه جَوْباً، إذا قطعه بالسير فيه، وقد نُعِتَا لي مرةً واحدة فلم أحتج إلى أن ينعتا لى مرة ثانية، وصف نفسه بالحذق والمهارة، والعرب تفتخر بمعرفة الطرق وتقدم شرحه بأكثر من هذا في الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائة، وفي الشاهد الثالث والسبعين بعد الخمسائة، من شواهد الكافية
وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والأربعون (من الهزج): 41 - وَقَدْ أَغْدُو على أشقر يَغْتَالُ الصَّحَارِيَّا على أنه جمع صحراء، فلما قلبت الألف بعد الراء في الجمع ياء قلبت الهمزة التي أصلها ألف التأنيث ياء أيضاً، وهذا أصل كل جمع لنحو صحراء، ثم يخفف بحذف
الياء الأولى فيصير صَحَارِيَ بكسر الراء وتخفيف الياء مثل مَدَارِيَ، ويجوز أن تبدل الكسرة فتحة فتقلب الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها كما فعلوا في مَدَاري، وهذان الوجهان هما المستعملان، والأول أصل متروك يوجد في الشعر وقد تقدم الكلام عليه بأبسط من هذا في الشاهد الثاني والخمسين بعد الخمسمائة.
وأغدو: مضارع غدا غُدُوّاً إذا ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، والأشقر من الخيل: الذي حمرته صافية، والشُّقْرَة في الإنسان: حمرة يعلوها بياض، ويغتال: يُهْلك، يقال: اغتاله أي أهلكه، واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة، فإن أصل اغتاله بمعنى قتله على غفلة، والصحراء من الأرض: الفضاء الواسع، والشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والأربعون 42 - حِمّى لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إلاَّ بِأَمْرِنَا وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيْاثِقِ على أنه حُكِيَ أن المياثق لغة لبعض العرب، وهو جمع ميثاق، وأصله مِوثاق قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فكان القياس في الجمع أن ترجع الواو، لزوال موجب قلبها ياء قال أبو الحسن 1 الأخفش فيما كتبه على أمالي أبي زيد: رواه الفراء
" عَقْدَ المياثق " أخبرنا بذلك عنه ثعلب، وهذا شاذ، والرواية " عهد المواثق " وهو أجود وأشهر 1 ورواه الصاغاني في العباب بالياء عن ابن الأعرابي، قال: الميثاق العهد،
وأخْذُ الميثاق بمعنى الاسْتحلاف، وصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها، والجمع المواثق والمياثيق على اللفظ، وقد جاء في الشعر المياثق، أنشد ابن الأعرابي لعياض ابن دُرَّة الطَّائي: حمى لا يحل الدهر... البيت انتهى وراه أبو زيد الأنصاري في أماليه على القياس، قال: وقال عياض بن أم دُرَّة الطائي، وهو جاهلي: وَكُنَّا إذَا الدِّينُ الْغُلُبَّى بَرَى لَنَا إذَا مَا حَلَلْنَاهُ مُصَابَ الْبَوَارِقِ حِمىً لا يحل الدَّهْر إلاَّ بإِذْنِنَا وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَوَاثِقِ الدين: الطاعة، والغلبي: المغالبة، ويرى لنا: عرض، يَبْرِي بَرْياً، وانبرى ينبري انبراء، انتهى.
قال أبو الحسن الأخفش: قال أبو سعيد: حِفْظِي عياض بن درة، انتهى فعهد المواثق فيه شذوذ واحد، وهو حذف الياء من مواثيق، وفي عهد المياثق شذوذان: عدم رجوع الواو، وحذف الياء بعد المثلثة، ولا يخفى أن الْغُلُبَّى - بضم الغين واللام وتشديد الموحدة - ليس مصدراً للمفاعلة، إنما هو أحد مصادر غلبة يغلبه غَلْباً بسكون اللام وَغَلَبَاً بتحريكها وغَلَبَة بإلحاق الهاء وَغَلاَبية كَعَلانية وَغُلَبَّة كحُزَقَّة وَغُلُبَّى ومَغْلَبَة بفتح اللام، كذا في العباب، وَالْمَصَاب بفتح الميم: اسم مكان من صابه المطر إذا مطر، والصوب: نزول المطر، والبوارق: جمع بارقة، وهي سحابة ذات برق
وأنشد بعده وهو الشاهد الثالث والأربعون (من الوافر): 43 - وقاءٌ مَّا مُعَيَّةُ مِنْ أبِيهِ لِمَنْ أوْفَى بِعَهْدٍ أوْ بِعَقْدِ على أن مُعَيَّة مصغر مُعاوِية، حذفت ألفه عند التصغير فصار مُعَيْوِية، فاجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها فصار مُعَيِّية بثلاث ياءات، فحذف الياء الثالثة التي هي لام الفعل وفتحت الثانية لأجل الهاء فصار مُعَيَّة، على وزن مُفَيْعة، كذا قال ابن يعيش وفي الجمهرة لابن دريد: وَفَى يفي وفاء وأوفى يوفي، لغتان فصيحتان، قال الشاعر وقاء ما معيه من أبيه البيت معية: هو ابن الصمة أخو دريد، وكان الصمة قتل في جوار بَيْبة 1 بن سفيان بن مجاشع، وكان مُعَيَّة أسيراً في أيديهم، فقال الصمة وهو يكيد بنفسه هذه القصيدة، يقول: أما إذا غدرتم فأطلقوا عن ابني مُعَية، فإن فيه وقاء مني، انتهى كلامه والوقاء - بكسر الواو وفتحها بعدها قاف - هو ما وقيت به شيئاً، وما زائدة، والعهد: الأمان والمواثق (2) والذِّمَّة، وَالْعَقْد: إحكام العهد من عَقْدَتُ الحبلَ عَقْداً والصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم - فارس شاعر جاهلي من بني جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهو والد دُرَيْد بن الصمة الذي قتل في غزوة حُنَيْنٍ كافراً
وأنشد الجاربردي 1، وهو الشاهد الرابع والأربعون 44 - وَهْوَ إذَا الْحَرْبُ هَفَا عُقَابُهُ مِرْجَمُ حَرْبٍ تَلْتَظِي حِرَابُهُ
على أن الحرب قد يكون مذكراً كما في البيت، فإن الهاء من " عُقَابه " ضمير الحرب وهذا الرجز أورده الجوهري في الصحاح 2، ونقل كلامه الجاربرديُّ برمته، وهو فيه غير منسوب لأحد، ولم يتكلم عليه ابن بري في أماليه بشئ، وقد وقع في بعض نسخ الصحاح " تلتقي " بدل " تلتظي " وقال الصفدي في حاشيته عليه: الذي رواه ابن الأعرابي " تلتظي حرابه " بدل " تلتقي " وكذا هو بخط الجوهري، والذي وجدته بخط ياقوت " تلتقي " والصواب " تلتظي " كما رواه ابن الأعرابي، انتهى.
" وهو " ضمير الممدوح بالشجاعة، قال الجوهري: وهفا الطائر بجناحه: أي خَفَقَ وطار، وأنشد هذا الرجز، وَالْعُقَاب - بالضم - من أعظم جوارح الطير، شبه الحرب الشديدة به، وَالْمِرْجَم - بكسر الميم وفتح الجيم - قال الجوهري: ورجل مِرْجَم: أي شديد كأنه يُرْجَم به معاديه، والرجم الرمي بالحجارة، انتهى.
وأضافه إلى الحر لانه لا يُرْجم على الأعداء فيها، وتلتظي: تلتهب، جملة حالية، والحراب - بالكسر - جمع حربة، يريد أن لها بريقاً كشُعْلة النار، وصحَّفه الجار برى بالجيم، فقال: وجراب البئر جوفها من أسفلها إلى أعلاها، انتهى.
والهاء ضمير مرجم، وإذا: ظرف متعلق بمرجم وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والاربعون (من الرجز)
45 - إنَّا وَجَدْنَا عُرُسَ الْحَنَّاطِ لَئِيمَةً مَذْمُومَةَ الْحُوَّاط
على أن الْعُرُسُ مؤنثة، بدليل لئيمة ومذمومة، وَالعُرُس: بضمتين وبضمة فسكون، قال الجوهري: والعرس طعام الوليمة، يذكر ويؤنث، قال الراجز: إنَّا وَجَدْنَا عُرُسَ الْحَنَّاطِ لَئِيمَةً مَذْمُومَةَ الْحُوَّاط نَدْعَى مَعَ النَّسَّاجِ وَالْخَيَّاطِ والجمع الأعراس وَالْعُرُسَات، وقد أعْرَس فلان: أي اتخذ عُرُساً، وأعرس بأهله إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها، ولا تقل عَرَّس (أي بالتشديد) والعامة تقوله، انتهى.
وكذا قال صاحب العباب وزاد بعد البيت الثالث وَكُلِّ عِلْجٍ شَخِمِ الآباطِ ثم قال: وقال دُكَيْن وقد أتى عُرْساً فحجب، فرجز بهم، فقيل: من أنت؟ فقال: دكين، فقال (من مشطور الرجز): تَجَمَّعَ النَّاسُ وَقَالُوا عُرْسُ إذَا قِصَاعٌ كَالأَكُفِّ خَمْسُ وَدُعِيَتْ قَيْسٌ وَجَاءَتْ عَبْسُ فَفُقِئَتْ عَيْنٌ وَفَاظَتْ نَفْسُ 1 انتهى وأورد ابن السكيت في إصلاح المنطق الرجز الأول، وقال شارح أبياته ابن السيرافي: الْحَنّاط: بائع الحنطة، والْحَوَّاط: الذين أحاطوا بالعرس، وذمها لأن المدعوين فيها الحاكة والخياطون، انتهى.
ولم يتكلم عليه ابن بري في أماليه على
الصحاح بشئ، ولا الصفدي في حاشيته عليه وكتب ياقوت الموصلي الخطّاط على هامش الصحاح: الْحُوَّاط: القوم الذين يقومون على رءوس الناس في الدعوات، والرجز لدكين الراجز، انتهى: ونُدعَى: بضم النون وفتح العين، والْعِلج - بكسر العين - الرجل من كفار العجم، وَالشَّخِم - بفتح الشين وكسر الخاء المعجمتين - المنتن ودكين بالتصغير: راجز إسلامي من معاصري الفرزدق وجرير، وهو دكين ابن رجاء من بني فقيم، ومدح عمر ابن عبد العزيز وهو والي المدينة وله معه حكاية أوردها ابن قتيبة في كتاب 1 الشعراء وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والأربعون (من المتقارب) 46 - عَلَيْهِ مِنَ اللُّؤْمِ سِرْوَالَةٌ على أن السِّرْوَالَة واحد السراويل، وتمامه فَلَيْسَ يَرِقُّ لِمُسْتَعْطِفِ وقائله مجهول حتى قيل: إنه مصنوع واللؤم بالهمز الشح ودناءة الآباء، وتقدم الكلام عليه في الشاهد الثالث والثلاثين من شرح شواهد الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والأربعون، وهو من شواهد سيبويه (2) (من الرجز) قَدْ رَوِيَتْ إلاَّ الدُّهَيْدِهِينَا قُلَيِّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينا 47 - على أنه كان القياس دُهَيْدِهَات وَأبَيْكِرَات قال سيبويه (2) الدَّهْدَاه
حاشية الابل، فكأنه حقر دهاده فرده إلى الواحد، وهو دَهْداه، وأدخل الياء والنون كما تدخل في أرضين وسنين، وذلك حين اضطر في الكلام إلى أن يدخل ياء التصغير، وأما أبيكرينا فانه جمع الا بكر (كما يُجْمَعَ الْجُزْرَ وَالطُّرُق فتقول جُزُرات وَطُرُقَات) 1 ولكنه أدخل الياء والنون كما أدخلها في الدُّهَيْدِهِين.
انتهى كلامه وقال ابن جني في سر الصناعة عند سَرْد ما جمع بالواو والنون من كل مؤنث معنوي كأرض أو مؤنث بالتاء محذوف اللام كُثَبة، ما نصُّه: " فإن قلت: فما بالهم قالوا: قَدْ رَوِيْتَ إلاَّ الدُّهَيْدِهِينَا إلخ فجمعوا تصغير دَهْدَاه، وهو الحاشية من الإبل، وَأَبْكُراً، وهو جمع بَكْر بالواو والنون، وليسا من جنس ما ذكر؟ فالجواب أن أبكراً جمع بكر، وكل جمع فتأنيثه سائغ مستمر لأنه جماعة في المعنى، وكأنه قد كان ينبغي أبْكِرَة، وإذا ثبت أن أفْعُلا من أمثلة الجموع يجوز في الاستعمال والقياس تأنيثه، فصار إذن جمعهم إياها بالواو والنون في قوله " أُبَيْكرونا " إنما هو عوض من الهاء المقدرة، فجرى مجرى أرض في قولهم، وأما " دهيدهينا " فإن واحده دَهْدَاه فهو نظير الصِّرْمة فكأن الهاء فيها لتأنيث الفرقة، كما أن الهاء في عصبة لتأنيث الجماعة، فكأنه كان في التقدير دهداهة، فجمع الواو والنون تعويضاً من الهاء المقدرة، قال أبو علي: وحسن أيضاً جمعه بالواو والنون أنه قد حذفت ألف دهداه في التحقير، ولو جاء على الأصل لقيل دُهَيْدِيه، فواحد " دهيدهينا " إنما هو دُهَيْدِه، وقد حذفت الألف من مكبره، فكان ذلك أيضا مستهلا للواو والنون وداعياً إلى التعويض بهما، انتهى.
والبيتان من رجز أورده أبو عبيد في الغريب المصنف، قال: الحاشية صغار الإبل، والدَّهْداه مثل ذلك، قال الراجز: يَا وَهْبُ فَابْدأ بِبَنِي أبينَا ثُمَّتَ ثَنِّ بِبَنِي أخِينَا وَجِيرَةِ الْبَيْتِ الْمُجَاوِرِينَا قَدْ رَوِيَتْ إلاَّ الدُّهَيْدِهِينَا إلاَّ ثَلاَثِينَ وَأرْبَعِينَا قُلَيِّصَاتٍ وَأُبَيْكِرِينَا وقليصات: جمع مصغر قَلُوص، وهي الناقة الشابة، وأبَيْكِرِين: جمع أبيكر مصغر أبْكُر، وهو جمع بَكْر بالفتح، وهو في الإبل بمنزلة الشاب في الناس.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا الشاهد الثالث والثمانين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الثامن والأربعون (من السريع): 48 - فِي كُلِّ يَوْمٍ ماو كل ليلاوه على أن " ليلاه " في معنى ليلة، وعليه جاء التصغير في قولهم: لُيَيْلية، وجاء الجمع أيضاً في قولهم اللَّيَالي قال ابن جني في باب الاستغناء بالشئ عن الشئ من الخصائص 1: " ومن ذلك استغناؤهم بليلة عَنْ لَيْلاه، وعليها جَاءتْ لَيالٍ، على أن ابن الأعرابي قد أنشد: في كُلِّ يَوْمٍ مّا وَكُلِّ لَيْلاَهْ حَتَّى يَقُولُ كُلُّ رَاءٍ إذْ رَآهْ يَا وَيْحَهُ منْ جَمَلٍ ما أَشْقَاهْ وهذا شاذ لم يسمع إلا من هذه الجهة وقال في المحتسب أيضاً: " فأمَّا أهَالٍ فكقولهم ليال، كأن واحدهما أهلات
ولَيْلاَه، وقد مر بنا تصديقاً لقول سيبويه فإن واحدهما في التقدير ليلاة ما أنشده ابن الأعرابي: في كُلِّ يَوْمٍ مّا وَكُلِّ ليلاه حتى يقول من رآه إذْ رَآهْ وقال السيوطي في شرح أبيات المغني: ونقل ابن جني في ذي القد 1 عن أبي علي أنه أراد " وكل ليلة " ثم أشبع فتحة اللام، فصارت ليلاة، انتهى: وفي العباب للصاغاني " يقال: كان الأصل ليلاه فحذفت الألف لأن تصغيرها لُيَيْلِية " وقال الفراء: ليلة كانت في الاصل ليلية، ولذلك صغرت لييلية، ومثلها الكيكةً البيضةُ، كانت في الأصل كيكية، وجمعها الكياكي، انتهى.
" في كل يوم ما - إلخ " متعلق الجار في بيت قبله لم أقف عليه، والمعنى أعمله في كل يوم وكل ليلة، وأنشد السيوطي بعده البيتين فقال ابن الملا في شرح المغنى: في متعلقة بقوله ما أشقاه، ولم يذكر البيت الآخر، وما زائدة، ورواه ابن الملا " في كل ما يوم " وقال: ما زائدة، وقوله " إذ رآه " بحذف الهمزة، وهي عين الكلمة، والْوَيْح: كلمة ترحم تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، ومن " جمل " بيان للضمير في ويحه، " ما أشقاه " تعجب وهذا الرجز لم أقف على قائله، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والأربعون (من البسيط): 49 - أمَا أقاتل عن ديني على فرس ولا كذا رَجُلاً إلاَّ بِأَصْحَابِ على أن رجلاً بمعنى راجل، قال ابن يعيش (2): ومن تصغير الشاذ قولهم رُوَيْجل في تصغير رجل، وقياسه رجيل، كأنهم صغروا راجلاً في معنى رجل وإن لم
لم يظهر به استعمال، كما قالوا: رجل في معنى راجل، وأنشد البيت، ثم قال: فكأنهم صغروا لفظاً وهم يريدون آخر والمعنى فيهما واحد، انتهى.
وفي نوادر أبي زيد 1 قال حُيي بن وائل وأدرك قطريّاً (ابن الفجاءة) (2) الخارجي أحَدَ بني مازن: أما أقاتل عن ديني على فرس ولا كذا رجلا إلا بأصحاب لقد لقيت إذن شراً وأدركني ما كنت أزعم في خَصْمي مِنَ العاب قال أبو عمر الجرمي (3): رجل راجل، قال السكري: قوله رجلاً معناه راجل، كما يقول العرب جاءنا فلان حافياً رجلاً أي راجلاً كأنه قال: أما أقاتل فارساً ولا كما أنا راجلاً إلا ومعي أصحاب لقد لقيت إذن شرّاً لو أني أقاتل وحدي ويقال راجل ورجال، قال تعالى: (فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) وكذلك (يأتوك رجالا (وعلى كل ضامر) (4)) ورَاجِلُ وَرَجْلَةٌ وَرَجُلٌ وَرِجَالٌ ورُجَالَى، والعاب العيب انتهى.
والأول: ما بعد الآية على وزن فاعل، والثاني على وزن فَعْلَةٍ: - بفتح الفاء وسكون العين - والثالث: على وزن فَعْل بفتح الفاء وسكون العين، والرابع: على وزن فعَّال بضم الفاء وتشديد العين، والخامس: فُعَالَى بضم الفاء وتخفيف العين والقصر، قوله " لقيت إذاً شرّاً لو أني أقاتل وحدي " كذا رأيته في نسخة قديمة صحيحة، ورواه أبو الحسن الأخفش: أي إني أقاتل وحدي أي " إني " موضع " لو " والمعنى عليه كما يظهر بالتأمل، ويؤيده أن غير أبي زيد روى أن حُيي بن وائل خرج راجلاً يقاتل السلطان، فقيل له: أتخرج راجلاً (تقاتل) (4) ؟ فقال: أما أقاتلهم إلا على فرس، كذا قال الأخفش، وقال: قال أبو حاتم: قوله " أما
مخفف الميم مفتوح الألف، واحترز بهذا الضبط عن القراءة بكسر الهمزة وتشديد الميم فتكون أما بالتخفيف استفتاحية وحيى - بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتانية الأولى وتشديد الثانية -: رجل من الخوارج وفي نسخ الشرح " أو هكذا رجلاَ إلا بأصحاب " وكذا في شرح الجاربردي في باب الجمع، وقال: معنى البيت الإنكار على من يرى أن مقاتلة هذا الشاعر لا تجوز إلا حال مصاحبته مع أصحابه، فقال: لم لا أقاتل منفرداً سواء أكون فارساً أو راجلاً، انتهى.
وهذا المعنى مراده قطعاً، لكن في أخذه من البيت خفاء وفي تركيبه 1 تعقيد وقلاقة وينظر في هذا الاستثناء (2) ثم رأيت في أمالي الصحاح لابن بري قال بعد أن نقل كلام أبي زيد ما نصه: وقال ابن الأعرابي: قوله " ولا كذا ": أي ما ترى رجلاً (3)، وقال المفضل: أمَا خفيفة بمعنى ألا، وألا تنبيه يكون بعدها أمر أو نهي أو إخبار (فالذي بعد أما هنا إخبار) (4) كأنه قال: أما أقاتل فارساً وراجلاً، وقال أبو علي في الحجة بعد أن حكى عن أبي زيد ما تقدم: فرجُل على ما حكى أبو زيد صفة ومثله نَدُسٌ وفطن وحذر
وأحرف نحوها، ومعنى البيت كأنه يقول: اعلموا أني أقاتل عن ديني وعن حسبي وليس تحتي فرس ولا معي أصحاب، انتهى كلام ابن بري المنسوب أنشد فيه، وهو الشاهد الخمسون (من الطويل): 50 - كَأَنَّ مَجَرَّ الرَّامِسَاتِ ذُيُولَهَا عَلَيْهِ قَضِيمٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوانِعُ عَلَى أن فيه حذف مضاف، والتقدير كان أثر مجر أو موضع مجر، ومَجَرٌّ مصدر ميمي مضاف لفاعله، وذيولها: مفعوله، ولا يجوز أن يكون اسم مكان، فإنه لا يرفع فضلاً عن أن ينصب، وكذا اسم الزمان والآلة، وإنما كان بتقدير مضاف لأنه إن كان مصدراً فلا يصلح الإخبار عنه بقضيم، وإن كان اسم مكان فلا يصح نصبه المفعولَ، وروي بجر " ذيولها " فيكون بدلاً من الرامسات بدلَ بعض، وعليه فالمجر اسم مكان ولا حذف وقال ابن بري في شرح أبيات الإيضاح لأبي علي.
قال أبو الحجاج: بل لابد من اعتقاد محذوفات ثلاثة يصح بها المعنى، تقديرها كأنَّ أثر موضع مجر الرامسات ذيولَهَا نَقْشُ قضيم، والرامسات: الرياح الشديدة الهبوب، من الرَّمْس وهو الدفن، وذيولها: مآخيرها، وذلك أن أوائلها تجئ بشدة ثم تسكن، والقضيم - بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة - حصير منسوج خيوطة سيور،
وقال ابن بري: القضيم الجلد الأبيض عن الأصمعي وغيره، وقال يعقوب: الصحيفة البيضاء، وقال أيضاً: هو النِّطَع الأبيض، وقال صاحب العين: هو الحصير المنسوج تكون خيوطه سيوراً بلغة أهل الحجاز، شبه آثار الديار بنقش على ظهر مِبْنَاة، انتهى قال شارح ديوان النابغة: شبه آثار هذه الرامسات في هذا الرسم بحصير من
جريد أو أدم برمله الصوانع: أي تعمله وتخرزه، ومن فسر القضيم بجلد أبيض يكتب فيه كالأندلسي وابن يعيش والجاربردي لم يصب، فإن الصوانع جمع صانعة، والمعهود في نساء العرب النسيج وما أشبهه لا الكاتبة، والمعنى يقتضيه أيضاً، فإن الرَّمْل الذي تمر عليه الريح يشبه الحصير المنسوج، والعرب لا تعرف الكتابة رجالها فضلا عن نسائها، وإنما حدث فيها الخَطُّ والكتابة في الإسلام وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصل: يقول: كأن أثر جرّ الرياح الرامسات ذيولها على ذلك الربع قضيم: أي خطوط قضيم زينته بالكتابة النساء الحاذقات للكتابة، أو كان موضع الرامسات قضيم، شبه أثار جر الرياح بالخطوط في القضيم، أو موضِعَهَا الذي 1 هبّت عليه بالقضيم الْمُنَمَّق، وفي البيت سؤال وجواب، أما السؤال فإن المجَر اسم مكان، وقد عمل في ذيولها، وبيان كونه اسم مكان أنه أخبر عنه بقضيم، ولا يستقيم المجر بمعنى الجر لأنه يؤدي إلى تشبيهه وهو معنى بالرَّقِّ وهو عين، ولا معنى لذلك، والجواب أن اسم المكان لا يعمل باستقراء لُغتهم، وإذا وجدنا ما يخالفه وجب تأويله، وله هنا تأويلان: أحدهما: تقدير مضاف قبل مجر، والمجر مصدر، والتقدير كأنَّ موضع جر الرامسات، وهو خير من تقدير أثر، لئلا يحصل ما هرب عنه من الإخبار بقضيم إذ الأثر يشبه بالكتابة لا بالرق، وغرضنا هنا التشبيه بالرق، ولقائل أن يقول: لعل من قال إن تقديره كان أثر جر الرامسات قدر قبل قضيم مضافاً محذوفاً، وهو خطوط قضيم، فيصح المعنى، والثاني: أن يكون مجر موضعاً على ظاهره، والمضاف محذوف من الرامسات، كأنه قال: مجرجر الرامسات، هذا كلامه وهو ملخص من شرح المفصل للاندلسي، وقد نقله ابن المستوفي في شرح أبيات المفصل، ورد قوله " تقدير موضع خير من تقدير أثر " بأنه لا فرق بينهما لان أثر الجر وموضع الجر واحد، إلا أن يتوهم متوهم أن أثره ما بقي من فعله، وموضعه مكان فعله، انتهى:
وقوله " والثاني أن يكون مجر موضعاً - إلخ " قال الأندلسي: والوجه الثاني أن يكون مجر موضعاً على ظاهره، والمضاف محذوف من الرامسات، كأنه قال: كأن مجرجر الرامسات، ويتأكد هذا بأمرين: أحدهما: مطابقة المشبه بالمشبه به، لأن فيه ذكر الموضع أولاً والأثر ثانياً، كما أن المشبه به ذكر فيه الرق أولاً والتنميق ثانياً، والآخر أن المحذوف مدلول عليه بمجر لان مجرا معناه الجر، فلم يقدر إلا بما دلَّ عليه، بخلاف التقدير الأول، فإن المؤدي إليه امتناع استقامته في الظاهر، وهو موجود بعينه ها هنا مع الوجهين الآخرين، ويضعف من جهة أن " ذيولها " تكون منصوبة بمصدر مقدر، والنصب بالمصدر المقدر لا يكاد يوجد، ومن أجل ذلك قدم التقدير الأول، انتهى.
والبيت من قصيدة للنابغة الذبياني، قال بعد بيتين من أولها: تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أعوام واذ الْعَامُ سَابِعُ رَمَادٌ ككُحْلِ الْعَيْنِ ما إنْ تُبينُهُ وَنُؤْيٌ كجِذْمِ الْحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ كَأَنَّ مَجَرَّ الرَّامِسَاتِ ذيولها عليه قضيم نمقته الصَّوانِعُ عَلَى ظَهْرِ مِبْنَاة جَديدٍ سُيُورُهَا يَطُوفُ بِهَا وَسْطَ اللَّطِيمَةِ بَائِعُ
توهمت: تفرست، وآيات الدار: علامات دار الحبيبة لا ندراسها، واللام بمعنى بعد، ورمادٌ ونؤيٌ استئناف لتفسير بعض الآيات: أي بعض الآيات رماد وبعضها نُؤْي، وإنْ: زائدة، وتبينه: تظهره، وفاعله إما ضمير ديار الحبيبة وإما ضمير المخاطب، والنؤى - بضم النون وسكون الهمزة - حفيرة تحفر حول الخباء، ويجعل تُرَابها حاجزاً لئلا يدخل المطر، والْجَذْمُ بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة: الأصل، والباقي.
والخاشع: اللاطئ بالأرض قد اطمأن وذهب شخوصه، وقوله " كأن مجر الخ " ضمير عليه راجع إلى النؤى، وقال بعض شراح الشواهد: راجع إلى الربع، وليس الربع مذكوراً في الشعر، وإنما قاله على
التخمين، ونمقته: حسنته، والصوانع: جمع صانعة، من الصنع بالضم وهو إجادة الْفِعْل، وليس كل فعل صنعا 1، ولا يجوز نسبته إلى الحيوان غير الآدمي ولا إلى الجمادات وإن كان الفعل ينسب إليها، وقوله " على ظهر مبناة - إلخ " الْمِبْنَاة - بكسر الميم وسكون الموحدة بعدها نون - النطع بكسر فسكون وبفتحتين وكعنب بساط من أديم، وقال ابن برى: الْمِبْنَاةَ هي كَالْخِدْرِ تتخذ للعروس يبني بها زوجها فيه (2)، ولذلك سميت مِبْنَاةً، وكانوا ينقشون النِّطْع بالقضيم وهي الصحف البيض تقطع وينقش بها الأدم تلزق عليه وتخرز، وقال الأصمعي: كانوا يجعلون الحصير المزين المنقوش على نطع ثم يطوفون به للبيع، قال قطرب: وسمي المسك لطيمة لأنه يجعل على الملاطم، وهي الخدود، انتهى.
وقال غيره: واللطيمة بفتح اللام وكسر الطاء سوق فيها بز وطيب، يقول: القضيم الذي هو الحصير على هذا النطع يطوف بها بائع في الموسم، قال الأصمعي: كان من يبيع متاعاً يفرش نطعاً وَيَضَع عليه متاعه، والنطع يسمى مبناة، فيقول: نشر هذا التاجر حصيراً على نِطَعٍ، وإنما سميت مبناة لأنها كانت تتخذ قباباً، والقبة والبناء سواء،
والانطاع يبني بها القباب والنابغة الذبياني شاعر جاهلي ترجمناه في الشاهد بعد المائة من شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والخمسون (من الرجز): 51 - ذَكَّرْتَنِي الطعن وكنت ناسيا
على أنه مثل يضرب في الحديث يستذكر به حديث غيره وأول من قاله رُهَيْم ابن حَزْن الْهِلاَلِي، وكان انتقل بأهله وماله من بلده يريد بلداً آخر، فاعترضه قوم من بني تغلب، فعرفوه وهو لا يعرفهم، فقالوا له: خَلِّ ما معك وانج بنفسك، قال لهم: دونكم المالَ ولا تتعرضوا لِلْحُرَم، فقال له بعضهم: إن أردت أن نفعل ذلك فألقِ رمحك، فقال: وإن معي لَرُمْحاً؟ فشدَّ عليهم، فجعل يقتل واحداً بعد واحد، وهو يرتجز ويقول: رُدُّوا عَلَى أقْرَبِهَا الأقَاصِيَا إنَّ لَهَا بالمَشْرِفِيِّ حَادِيَا ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا وقيل: إن أصله أن رجلاً حمل على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح فأنساه الدهش ما في يده، فقال له الحامل: ألْقِ الرمح، فقال الآخر: إن معي رمحاً لا أشعر به؟ ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا فحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه، يضرب في تذكر الشئ بغيره، ويقال: إن الحامل صخر بن معاوية السلمي، والمحمول عليه يزيد بن الصَّعِق، كذا في غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل تأليف إسماعيل بن هبة الله الموصلي الشافعي، واقتصر الزمخشري في مستقصى الأمثال على القول الأول والثالث وقوله " ردوا على أقربها " الضمير للإبل، والأقاصي: جمع أقصى وهو البعيد، والْمَشْرِفي - بفتح الميم والراء - السيف نسبة إلى مشارف على خلاف القياس 1، ومَشَارِف - بفتح الميم - اسم قرية يعمل فيها السيوف الجيدة،
والحادي: السائق، ورُهَيْم: مصغر رُهْم بضم الراء وسكون الهاء، وروي مكبراً أيضاً، وحَزْن - بفتح الهاء وسكون الزاي - وهو شاعر جاهلي وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والخمسون (من السريع) 52 - وَكُنْتُ كَالسَّاعِي إلى مثعب موائلا من سبل، الرَّاعِدِ ضربه هنا مثلاً، وهو كقوله: المُسْتَجِيرُ بِعُمْرِهِ عِنْدَ كُرْبَتِهِ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ والبيت لسعيد بن حسان، وقبله: فَرَرْتُ مِنْ مَعْنٍ وَإفْلاَسِهِ إلَى الْيَزِيديّ أبِي وَافِدِ ومعن: هو معن بن زائدة الجواد المشهور المضروب (مثلاً) في الجود والكرم، وكان من أمراء الدولة الأموية والدولة العباسية، وإنما قال " وإفلاسه " لأن الإفلاس لازم للكرام في أكثر الأيام، واليزيدي: هو أحد أولاد يزيد بن عبد الملك، والساعي: من سَعَى الرجل إلى صاحبه: أي ذهب إليها، وَالْمَثْعب - بفتح الميم وسكون المثلثة وفتح العين المهملة - قال الجوهري: هو أحد مثاعب الحياض، وانثعب الماء: جرى في المثعب، والْمُوائل: اسم فاعل من واءل منه على وزن فاعَل: أي طلب النجاة وهرب، والْمَوْئل: الملجأ، وقد وأل يَئل وَأْلاً، أي لجأ، والسبل بالسين المهملة والباء الموحدة المفتوحتين: هو المطر، والراعد: سحاب ذو رعد، ويقال: رَعَدَتْ السماء رَعْداً من باب قتل ورُعُوداً: لاح منها الرعد، يقول أنا في التجائي إليه كالهارب من السحاب ملتجئأً إلى الميزاب، فقد وقعت في أشد مما هربت منه، ولم أر هذين البيتين إلا في تاريخ يمين الدولة محمود بن سبكتكين للعتبي، أوردهما تمثيلاً، ونسبهما إلى سعيد المذكور.1
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والخمسون (من الطويل): 53 - وَلَسْتُ بِنَحْوِيّ يَلُوكُ لِسَانَهُ وَلكِنْ سَلِيقِيٌّ أقول فأعرب على أن السليقي في النسبة لسليقة شاذ قال صاحب العباب: السليقة: الطبيعة، يقال: فلان يتكلم بالسليقة: أي بطبعة لا عن تعلم، وفي حديث أبي الأسود الدؤلي أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقية: أي اللغة التي يسترسل فيها المتكلم بها على سليقته من غير تعهد إعراب ولا تجنب لحن، قال: وَلَسْتُ بِنَحْوِيّ يَلُوكُ لِسَانَه البيت ولم يتكلم عليه ابن بري في أماليه على الصحاح، ولا الصفدي في حاشيته عليه، وكذا أورده ابن الأثير في النهاية غير منسوب إلى قائله
والنحوي: الرجل المنسوب إلى علم النحو، ويلوك لسانه: من لاك الشئ في فمه، إذا عَلَكَهُ، يريد التكلف والتصنع في الكلام، وسليقي: خبر مبتدأ محذوف: أي أنا سليقي، والقياس سَلَقي كحنفي في النسبة إلى حنيفة، وأعرب: من الإعراب، وهو القول المفصح عما في الضمير، وجملة " أقول - إلخ " صفة كاشفة لسليقي.
ولم أقف على قائله، والله سبحانه أعلم وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والخمسون (من الوافر) 54 - جَرَى الدَّمَيَانِ بالْخَبَرِ الْيَقِينِ على أنه شاذ، والقياس الدَّمَانِ، لما سيأتي في البيت الذي بعده وقد أوردنا ما قيل فيه مستوفى في الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية
وهذا المصراع من أبيات ثلاثة لعلي بن بَدَّالٍ السّلمِيِّ، رواها ابن دريد في المجتبى، وهي: لَعَمْرِكَ إنَّنِي وَأَبا رَباحٍ عَلَى حَالِ التكاشر منذ حين لا بغضه وَيُبْغِضُنِي وَأَيْضاً يَرَانِي دُونَه وَأَرَاهُ دُونِي وَلَوْ أنَّا عَلَى جُحْرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالْخَبَرِ الْيَقِينِ والتكاشر: المباسطة في الكشر وهو التبسم، ورواه ابن دريد في الجمهرة كذا عَلَى طُولِ التَّجَاوُرِ مُنْذُ حِينِ والْجُحْرُ - بضم الجيم وسكون الحاء -: الشق في الأرض، وقوله " جرى الدميان إلخ " أراد بالخبر اليقين ما اشتهر عند العرب من أنه لا يمتزج دم المتباغضين، وهذا تلميح، قال ابن الأعرابي: معناه لم يختلط دمي ودمه من بغضي له وبغضه لي، بل يجري دمي يَمْنَةً ودمه يسرة وقد استقصينا الكلام على معناه وإعلاله هناك، فليراجع ثمة وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والخمسون (من الكامل): 55 - يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ عِنْدَ مُحَلِّم على أنه شاذ، والقياس يَدان بدون رَدِّ اللام المحذوفة، لأن هذه اللام لم ترد عند الإضافة إذا قلت: يَدُه قال ابن يعيش: وإذا لم يرجع الحرف الساقط في الإضافة لم يرجع في التثنية، ومثاله يَدٌ وَدَمٌ، فإنك تقول دَمَانِ ويَدَانِ، فلا ترد الذاهب، لانه لايرد في الإضافة، فأما قوله: يَدَيَانِ بَيْضَاوَانِ... البيت
وقول الاخر: جَرَى الدَّمَيَانِ... البيت وحمله 1 أصحابنا على القلة والشذوذ وجعلوه من قبيل الضرور، والذى أراه أن بعض العرب يقول في اليد يَداً في الأحوال كلها، يجعله مقصوراً كرحىً وفَتىً، وتثنيته على هذه اللغة يَدَيَانِ، مثل رَحَيَانِ، يقال منقوصاً ومقصوراً، وعليه قول الشاعر: فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا وَلَكنْ عَلَى أقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا انتهى: وقد أشبعنا الكلام عليه في الشاهد الرابع والستين بعد الخمسمائة، وتمامه: قَدْ يَمْنَعَانِكَ أنْ تُضَامَ وَتُهْضَمَا ومُحَلِّم - بكسر اللام -: اسم رجل، وضامه يضيمه بمعنى ظلمه، وكذا، هضمه وفيه روايات أخر ذكرناها هناك وأنشد هنا الجار بردى، وهو الشاهد السادس والخمسون (من الطويل) 56 - فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا وَلَكنْ عَلَى أقْدَامِنَا يَقْطُرُ الدَّمَا على أن دما أصله دَمَيٌ تحرك الياء وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً فصار دماً كما في البيت، وهذا إنما يتم إذا كان فتح الميم قبل حذف اللام، وعلى أنّ يقطر بالمثناة التحتية، وعلى أن الدما بمعنى الدم، وفي كل منها بحث ذكرناه مفصلاً في الشاهد السادس والستين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية، والاعقاب: