شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذيصفحات 315-354

الحذفُ

صفحات 315-354
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأستراباذي، الرضي
الكتاب
شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
المؤلف
محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
الناشر
دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

البيت من أبيات لأبي الأسود الدؤلي، روى الأصبهاني في الأغاني، قال: كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة، فيتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت: يا أبا الأسود، هل لك أن أتزوجك فإني صناع الكف حسنة التدبير قانعة بالميسور؟ قال: نعم، فجمع أهلها وتزوجته، فوجدها بخلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدت يدها إلى جبايته، وأفشت سره، فغدا على من كان حضر تزويجها، فسألهم أن يجتمعوا عنده، ففعلوا، فقال لهم: أرَيْتَ امرأ كنت لم أبله أتَانِي فَقَالَ: اتَّخِذْنِي خَلِيلاَ فَخَالَلْتُهُ ثُمَّ أَكْرَمْتُهُ فَلَمْ أسْتَفِدْ مِنْ لديه فتيلا وألفيته حبن جَرَّبْتُهُ كَذُوبَ الْحَدِيثِ سَرُوقاً بَخِيلاَ فَذَكَّرْتُهُ ثُمَّ عَاتَبْتُهُ عِتَاباً رَفِيقاً وَقَوْلاً جَمِيلاَ فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ وَلاَ ذَاكِرِ الله إلاَّ قَلِيلاَ ألَسْتُ حَقِيقاً بِتَوْدِيعِهِ وَإتْبَاعِ ذَلِكَ صُرْماً طَوِيلاَ فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود، فقال: تلك صاحبتكم، وقد طلقتها، وأنا أحب أن أستر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم " انتهى وخاللته: اتخذته خليلا، والفتيل: الشئ الحقير، والرفيق: من الرِّفق، وهو ضد العُنْف، وألفيته: وجدته، يتعدى إلى مفعولين، ومستعتب: اسم فاعل، وهو الراجع بالعتاب، وحذف التنوين للضرورة من " ذاكِرِ الله "، ولفظ الجلالة منصوب، وروي بالإضافة، والتوديع: هنا الترك والفراق، والصوم - بالضم -: الهجر.
وقد تكلمنا على هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الثاني والأربعين بعد التسعمائة من شواهد شرح الكافية

وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المائة -: (من الخفيف) 157 - صَاحِ هَل رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ براع رد في الضرع ما قَرَى فِي الْعِلاَبِ على أن أصله " هل رأيت " فحذفت الهمزة واستشهد به صاحب الكشاف على قراءة الكسائي (أرَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين) وروي: صَاحِ أبْصَرْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ وعلى هذا لا شاهد فيه، ومعناه كقول المتنبي: (من الوافر) وَمَا مَاضِي الشَّبَابِ بِمُسْتَرَدٍ وَمَا يَوْمٌ يَمُرُّ بِمُسْتَعَادِ وصاح: منادى مرخم صاحب، وهل ريت: استفهام إنكاري، ويجوز أن يكون تقريريا، وقوله " براع " متعلق بمسعت، وسمع له استعمالات أربعة ذكرناها في شواهد شرح الكافية: منها أن يتعدى بالباء، ومعناه الإخبار، ويدخل على غير المسموع، ولا يحتاج إلى مصحح من صفة ونحوه، تقول: ما سمعت بأفضل منه، وفي المثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، قابله بالرؤية لأنه بمعنى الإخبار عنه المتضمن للغيبة، وقال الشاعر (من البسيط) وَقَد سَمِعْتُ بِقَوْمٍ يُحْمَدُونَ فَلَمْ أسْمَعْ بِمِثْلِكَ لاَ حِلْماً وَلاَ جُودَا والراعي: الذي يرعى الماشية، ومن شأنه أن يحلبها، ورده: رجعه، والضَّرع لذوات الظلف كالثدي للمرأة، والظِّلْف - بالكسر - من الشاء والبقر ونحوهما كالظفر من الإنسان، وما: مفعول رد، وهو اسم موصول: أي اللبن الذي قراه: أي جمعه، والعلاب - بكسر العين المهملة - جمع عُلْبة - بضمها وهي محلب من جلد، وقال ابن دريد في الجمهرة: " الْعُلْبَة: إناء من جلد جِنْبِ بعير، وربما كان من أديم، والجمع علاب، يتخذ كالعُسِّ، يحتلب فيه " وأنشد هذا البيت 1،

وروى " في الحِلاَب " بكسر الحاء المهملة، قال صاحب العباب: الإناء الذي يحلب فيه، وأنشد هذا البيت لاسماعيل بن يسار النِّسائي، ونقل خَضِر الموصلي من الصحاح أنه لا سماعيل المذكور، وهذا لا أصل له، فإنه لم ينشده إلا في مادة الرؤية، ولم ينشده إلا غفلاً غير معزو، ولهذا قال ابن بري في أمالية عليه: هذا البيت مجهول لا يعرف قائله، وقد أورده صاحب الأغاني في قصيدة لإسماعيل أولها: مَا عَلَى رَسْمِ مَنْزِلٍ بِالْجَنَابِ لَوْ أبَانَ الْغَدَاةَ رَجْعَ الْجَوَابِ غَيَّرْتْهُ الصَّبا وَكُلُّ مُلِثٍّ دَائمِ الْوَدْقِ مُكْفَهِرِّ السَّحَابِ دَارَ هِنْدٍ وَهُلْ زَمَانِي بِهِنْدٍ عَائِدٌ بِالْهَوَى وَصَفْوِ الْجنَابِ كَالَّذِي كَانَ وَالصِّفَاءُ مَصُونٌ لَمْ تَشِنْهُ 1 بِهِجْرَةٍ واجْتِنَابِ ذَاكَ مِنْهَا إذْ أنْتَ كَالْغُصْنِ غَضًّا (2) وَهْيَ رُودٌ كَدُمْيَةِ الْمِحْرَابِ غَادَةٌ تَسْتَبِي الْعُقُولَ بِثَغْرٍ (3) طَيِّبِ الطَّعْمِ بَارِدِ الأَنْيَابِ وَأثيثٍ مِنْ فَوْقِ لَوْنٍ نَقِيٍّ كَبَياضِ اللُّجَيْنِ في الزِّرْيَابِ فأَقِلَّ الْمَلاَمَ فِيهَا وأقْصِرْ لَجَّ قَلْبي منْ لَوْعَتِي وَاكْتِئَابيِ (4)

صَاحِ أَبْصَرْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ رَدَّ في الضرع ما قرى في الحلاب 1 وقال فيما يفخر عَلَى العرب بالعجم: رُبَّ خَالٍ مُتَوَّجٍ لِي وَعَمٍّ مَاجِدِ الّمُجْتَدَى (2) كَرِيمِ النِّصَابِ إنَّمَا سُمِّيَ الفوارس بالفرس مضاهاة رفعة الانساب فاتزكى الْفَخْرَ يَا أُمَامُ عَلَيْنَا وَاتْرُكِي الْجَوْرَ وَانْطِقِي (3) بِالصَّوَابِ إذْ نُرَبِّي بناتنا وتدسون سفاها ببالكم فِي التُّرَابِ قال صاحب الأغاني: " كان إسماعيل بن يسار النِّسَائي مولى بني تيم بن مرة تيم قريش، وكان منقطعاً إلى ابن الزبير، فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان وفد إليه مع عُرْوَة بن الزبير، ومدحه، ومدح الخلفاء من ولده، وعاش عمراً طويلاً إلى أن أدرك آخر سلطان بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية وإنما سمي إسماعيل بن يسار النِّسَائيَّ لأن أباه كان يصنع طعام العرس ويبيعه، فيشتره منه من أراد التعريس (من المتجملين و) (4) ممن لا تبلغ حاله اصطناع ذلك، وقيل: إنما سمي به لأنه كان يبيع النَّجْد والفُرْشَ التي تتخذ للعرائس، وقيل: إنما لقب به لأن أباه كان يكون عنده طعام العرسات مصلحاً أبداً، فمن طرقه وجده عنده معدا

وروى المدائني قال: استأذن إسماعيل على الغَمْر بن يزيد بن عبد الملك يوماً فحجبه ساعة، ثم أذن له، فدخل يبكي، فقال له: مالك تبكي؟ قال: كيف لا أبكي وأنا على مَروَانِيتي ومروانية أبي أحجب عنك؟ فجعل الغَمْر يعتذر إليه، وهو يبكي، فما سكت حتى وصله الغَمْر بحلة لها قدر، وخرج من عنده، فلحقه رجل، فقال له: أخبرني - ويلك يا إسماعيل - أيُّ مروانية كانت لك ولأبيك؟ قال: بُغْضُنَا إياهم، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فقال: لعن الله مروان، تقرباً بذلك إلى الله، وإقامة له مقام التوحيد وكان إسماعيل يكنى أبا فائد، وكان أخواه محمد وإبراهيم شاعرين أيضاً، وهم من سبي فارس، وكان إسماعيل شُعُوبيّاً 1 شديد التعصب للعجم، له شعر كثير يفخر بالأعاجم، أنشد يوماً في مجلس فيه أشعيب: إذ نربى بناتنا وتدسون سَفَاهاً بَنَاتِكُمْ فِي التُّرَابِ فقال أشعب: صدقت والله يا أبا فائد، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهن له، قال: وما ذاك؟ قال: دفن القوم بناتهم خوفاً من العار عليهن، وربيتموهن لتنكحوهن، فضحك القوم حتى استغربوا، وخجل إسماعيل، حتى لو قدر أن يسيخ في الأرض لفعل ومدح إسماعيل رجلاً من أهل المدينة يقال له عبد الله بن أنس، وكان قد لحق ببنى مروان، وأصاب منهم خيراً، وكان إسماعيل صديقاً له فرحل إليه إلى دمشق، فأنشده مدائح له، ومَتَّ إليه بالجوار والصداقة فلم يعطه شيئاً، فقال يهجوه (من الوافر)

لَعَمْرُكَ مَا إلَى حَسَن رَحَلْنَا ولا زرنا حُسَيْناً يَا ابْنَ أنْسِ وَلاَ عَبْداً لِعَبدِهِمَا فَنَحْظَى بِحُسْنِ الْحَظِّ مِنْهُمْ غَيْرَ بَخْسِ وَلَكِنْ ضَبَّ جَنْدَلَةٍ أتَيْنَا مُضِبّاً فِي مَكَامِنِهِ يُفَسِّي فَلَمَّا أنْ أتَيْنَاهُ وَقُلْنَا بَحَاجَتِنا تَلَوَّنَ لَوْنَ وَرْسِ فَقُلْتُ لِأَهْلِهِ: أبِهِ كُزَازٌ؟ وَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أتْرَاهُ يُمْسي؟ فَكَانَ الْغُنْمُ أنْ قُمْنَا جَمِيعاً مَخَافَةَ أنُ نُزَنَّ بِقَتْلِ نَفْسِ وترجمته في الأغاني طويلة، واكتفينا منها بهذا القدر وقال خضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين: البيت الشاهد لمُضَاضِ ابن عَمْرو الجرهمي، من أبيات أولها: قَدْ قَطَعْتُ الْبِلاَدَ فِي طلب الثروة وَالمَجْدِ قَالِصَ الأَثْوَابِ وَسَرَيْتُ الْبِلاَدَ قَفْراً لِقَفْرٍ بِقَنَاتِي وَقُوَّتِي وَاكْتِسَابِي فَأَصَابَ الرَّدَى بَنَاتِ فُؤَادِي بِسِهَامٍ مِنَ الْمَنَايَا صُيَابِي فَانْقَضَتْ شرَّتِي وَأقْصرَ جَهْلِي وَاسْتَرَاحَتْ عَوَاذِلِي مِنْ عِتَابِي وَدَفَعْتُ السَّفَاهَ بِالْحِلْمِ لَمَّا نَزَلَ الشَّيْبُ فِي مَحَلِّ الشَّبَابِ صَاحَ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ... البيت وقال السهيلي في الأرض الأنف 1: " كان عبد الله بن جدعان في ابتداء أمرء صُعْلًُوكاً وكان مع ذلك شِرِّيراً فاتكاً لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته ونفاه أبوه، فخرج في شعاب مكة حائراً يتمنى الموت، فرأى شقاً في جبل فظن حية فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله، فدخل فيه فإذا به ثعبان عظيم له عينان كالسِّرَاجَين، فحمل عليه الثعبان فأفرج له فانساب عنه، فوقع في قلبه أنه مصنوع، فأمسكه بيده فإذا هو مصنوع من

ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه، ودخل البيت فإذا جُثَث على سُرُر طِوال 1 لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جُرْهُم، وآخرهم موتاً الحارث بن مُضَاض، وعليهم ثياب لا يُمَس منها شئ إلا انتثر كالهباء من طول الزمن، وشعرٌ مكتوب (في اللوح) فيه عظات، آخر بيت منه: صَاحَ هَلْ رَيْتَ أوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ... البيت وقال ابن هشام: " كان اللوح من رخام، وفيه: أنا نُفَيْلة بن عبد الْمَدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جُرْهم بن قحطان بن هود نبي الله عليه صلوات الله، عشت خمسمائة عام وقطعت الأرض في طلب الثروة والمجد والملك، فلم يكن ذلك ينجيني من الموت، وتحته مكتوب الأبيات السابقة: قَدْ قَطَعْتُ الْبِلاَدَ... إلى آخرها وفي ذلك (البيت) كَوْمٌ عظيم من اليواقيت والزَبَرْجَد والذهب والفضة، فأخذ منه ما أخذ، ثم علَّم على الشَّق بعلامة وَأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به ليسترضيه، ووصل عشيرته كلهم فَسَادَهُمْ، وجعل ينفق من الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف، حتى ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يستظل في الهاجرة بظل جَفْنَته، وكانت بحيث يأكل منها الراكب على بعيره، وسقط فيها مرة غلام فغرق فيها فمات ومُضَاض بن عمرو الجُرْهمي جاهلي، من شعره المشهور من قصيدة: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلى الصَّفَا أنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ " انتهى ما أورده الموصلي باختصار

ورأيت هذه الأبيات لأبي نُفَيْلة وكان من الْمُعْمَّرِين وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة -: (من الطويل) 158 - إذَا قَامَ قَوْمٌ يأسلون مليكهم عطاء فدهماء الَّذِي أنَا سَائِلَه على أنه قدم فيه الهمزة التي هي عين الفعل على السين التي هي فاء الفعل، للاستكراه من تخفيفها بالحذف لو أبقيت على حالها و " الذي " مبتدأ، وجملة " أنا سائله " من المبتدأ والخبر صلة الموصول، ودهماء - وهي اسم امرأة - خبر الذى، والجمل جواب إذا، و " دَهْمَاء " يحتمل أن يكون اسم امرأة، ويحتمل أن يكون اسم فرس 1 وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة -: (من الوافر) 159 - أُرِي عَيْنَي ما لم تَرْأياهُ كِلاَنَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ على أنه جاء لضرورة الشعر إثبات الهمزة في " تَرْأياه " والقياس نقل حركتها إلى الراء وحذفها، قال ابن جني في سر الصناعة: " وقد رواه أبو الحسن " ما لَمْ تَرَيَاه " على التخفيف الشائع عنهم في هذا الحرف " انتهى وقال في المحتسَب من سورة البقرة: " قرأ أبو عبد الرحمن السلمي (أَلَمْ ترأ إلى الملا) ساكنة الراء، وهذا لعمري أصل هذا الحرف، رأى يرأى كرعى يرعى، إلا أن أكثر لغات العرب فيه تخفيف بحذفها وإلقاء حركتها على الراء قبلها، وصار حرف المضارعة كأنه بدل من الهمزة، وكذلك أفْعَلُ مِنْهُ كقوله تعالى (لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بما أراك الله " أصله أرآك الله، وحكاها صاحب الكتاب عن أبي الخطاب، ثم إنه قد جاء مع هذا تحقيق هذه الهمزة وإخراجها على أصلها كقوله:

أُرِي عَيْنَي مَا لَمْ تَرْأيَاهُ فخفف أُري وحقق ترأياه، ورواه أبو الحسن " تَرَيَاه " على زحاف الوافر، وأصله " ترأياه " على أن مُفَاعَلَتُنْ لحقها العصب بسكون لامها، فنقلت إلى مفاعيلن، ورواية أبى الحسن " يمالت " مفاعيلُ، فصار الجُزء بعد العصب إلى النقص " انتهى.
وقال الزجاجي في أمالية الكبرى 1: " أما قوله ترأياه فإنه إلى أصله، والعرب لم تستعمل يرى وترى ونرى وأرى إلا بإسقاط الهمزة تخفيفاً، فأما في الماضي فإنها مثبتة، وكان المازني يقول: الاختيار عند أن أرْوِيه " لَمْ تَرَيَاه " بغير همز، لأن الزحاف أيسر من رَدِّ هذا إلى أصله، وكذلك كان ينشد قول الآخر: (من الطول) ألم تر ما لا قيت وَالدَهْرُ أعْصُرٌ وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْأ ويَسْمَعُ بتخفيف الهمزة (2) " انتهى.

وقال قبل هذا 1 " أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حَمْدان البصري وأبو غانم الغنوي قالا: أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الْحُباب (الْجُمَحِي) عن محمد بن سلام، قال: كان سراقة البارقي شاعرا ظريفا زوارا للملوك حلو الحديث، فخرج في جملة من خرج لقتال المختار فوقع أسيراً فأتى به المختار، فلما وقف بين يديه قال: يا أمين آل محمد (2) إنه لم يأسرني أحد ممن بين يديك، قال: ويحك! فمن أسرك؟ قال: رأيت رجالاً على خيل بُلْق يقاتلوننا ما أراهم الساعة: هم الذين أسروني، فقال المختار لأصحابه: إن عدوكم يرى من هذا الامر ما لاترون، ثم أمر بقتله، فقال: يا آمين آل محمد (2): إنك لتعلم أنه ما هذا أوان تقتلني فيه، قال: فمتى أقتلك؟ قال: إذا فَتَحْتَ دِمَشْق ونقضتها حجراً ثم جلست على كرسي في أحد أبوابها، فهناك تدعوني فتقتُلني وتَصْلِبُنِي، فقال المختار: صدقت، ثم التفت إلى صاحب شُرْطته، فقال: ويحك! من يخرج سري إلى الناس، ثم أمر بتخليه سراقة، فلما أفلت أنشأ يقول - وكان المختار يكنى أبا إسحق -: ألاَ أبلِغْ أبا إسحق أنِّي رَأَيْتُ الْبُلْقَ دُهْماً مُصْمَتَاتِ أُرِي عَيْنَيَّ ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات

كَفَرْتُ بِوَحْيِكُمْ وَجَعَلْتُ نَذْراً 1 عَلَيَّ قِتَالَكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ " انتهى كلام الزجاجي وحديث القتل وفتح دمشق نسبه الجاحظ لغير سراقة، قال في كتاب المحاسن والأضداد في فضل محاسن الدهاء والحيل: " الهيثم بن الحسن بن عمارن، قال: قدم شيخ من خزاعة أيام المختار، فنزل على عبد الرحمن بن أبان الخزاعي، فلما رأى ما يصنع سوقة المختار بالمختار من الإعظام جعل يقول: يا عباد الله، أبا لمختار يصنع هذا؟ والله لقد رأيته يتبع الإماء بالحجاز (2) فبلغ ذلك المختار، فدعا به وقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه، فقال: لا والله لا تقدر على ذلك، قال: ولم؟ قال: أمّا دون أن أنظر إليك وقد هدمت مدينة دمشق حجراً حجراً وقتلت المقاتلة وسبيت الذرية ثم تصلبني على شجرة على نهر (فلا) (3) والله إني لأعرف الشجرة الساعة، وأعرف شاطئ ذلك النهر، فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: أمَا إن الرجل قد عرف الشجرة، فحبس، حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خُزاعة، أو مُزاح عند القتل؟ قال: أنشدك الله أن أقتل ضياعاً، قال: وما تطلب ها هنا؟ قال: أربعة آلاف درهم أقضي بها ديني، قال: ادفعوا له بذلك، وإياك أن تصبح بالكوفة، فقبضها وخرج، وعنه قال: كان سراقة البارقيّ من ظرفاء أهل الكوفة، فأسره رجل من أصحاب المختار فأتى به المختار فقال له: أسرك هذا؟ قال سراقة: كذب، والله ما أسرني إلا رجل على ثياب بيض على فرس أبلق، فقال المختار: أما إن الرجل قد عاين الملائكة، خلوا سبيله، فلما أفلت أنشأ يقول:

ألا أبلغ أبا إسحق... إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وكذا روى هذه الحكاية الأصبهاني في الأغاني من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي.
وفي هذه الروايات اختصار، فإن هذه الأبيات قالها بعد ما أسر ثَالثاً، قال ابن عبد ربه وفى العقد الفريد 1: أبو حاتم قال: حدثنا أبو عبيدة، قال: أُخِذ سراقة بن مرداس البارقي أسيراً يوم جَبَّانة السَّبيع (2) فَقُدِّم في الأسرى إلى المختار، فقال: (من الرجز) امننن عَلَيَّ الْيَوْمَ يَا خَيْرَ معَدْ يَا خَيْرَ مَنْ لَبَّى وصًلَّى وَسَجَدْ فعفى عنه المختار وخلى سبيله، ثم خرج مع (إسحق) ابن الأشعث، فأُتى به المختار أسيراً، فقال له: ألم أعف عنك وأمنُنْ عليك؟ أما والله لأقتلنك، قال: لا، والله لا تفعل إن شاء الله، قال: ولم؟ قال: لأن أبي أخبرني أنك تفتح الشام حتى تهدم مدينة دمشق حجراً حجراً وأنا معكم، ثم أنشده: (من الوافر) ألا أبلغ أبا إسحق أنَّا حَمَلْنَا حَمْلَةً كَانَتْ عَلَيْنَا (3) خَرَجْنَا لاَ نَرَى الضُّعَفَاءَ شَيْئاً (4) وَكَانَ خُرُوجُنَا بَطَراً وَحَيْنَا (5) نَرَاهُمْ فِي مَصَفِّهُمُ قَلِيلاً وَهُمْ مِثْلُ الدَّبَا لَمَّا الْتَقَيْنَا فَأسْجحْ إذْ قَدَرْتَ فَلَوْ قَدَرْنَا لَجُرْنَا في الْحُكُومَةِ واعْتَدَيْنَا تَقَبَّل تَوْبَةً مِنِّي، فإنى سأشكر إن جعلت النقد دينا

قال: فخلى سبيله، ثم خرج (إسحق) ابن الأشعث ومعه سراقة فأخذ أسيراً وأتى به المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك، يا عدو الله، هذه ثالثة، فقال سراقة: أما والله ما هؤلاء الذين أخذوني، فأين هم؟ لا أراهم! إنا لما التقينا رأينا قوماً عليهم ثياب بيض وتحتهم خيل بُلْق تطير بين السماء والأرض، فقال المختار: خلوا سبيله ليخبر الناس، ثم عاد 1 لقتاله، فقال: ألاَ من مُبَلِّغُ الْمُخْتَارِ عَنِّي بِأَنَّ الْبُلْقَ دُهْمٌ مُضْمَرَاتِ أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرَأيَاهُ إلخ الشعر " انتهى وقوله " رأيت الْبُلْقَ دُهْماً إلخ " هو جمع أبْلَق وَبلقاء، وأراد الخيل الْبُلْق، وهي ما فيها بياض وسواد، ودهم: جمع أدهم ودَهْماء، من الدُّهْمَة - بالضم - وهي السواد، وأراد أن الخيل الْبُلْق التي ذكرت أنها تطير إنما هي خيل دهم نحاربك عليها، والمُصْمَت - بضم الميم الأولى وفتح الثانية - قال الجوهري: هو من الخيل البهيم: أي لون كان لا يخالط لونَه لونٌ آخر، وروي بدله " مضمرات " بوزنه، يقال: أضمرت الفرس، إذا أعددته للسباق، وهو أن تعلقه قُوتاً بعد السمن (2)، وقوله " أُرِي عَيْنَيَّ إلخ " بضم الهمزة، مضارع من الإراءة خفف بحذف الهمزة من آخره، و " ما " نكرة بمعنى شئ مفعول ثان لأرى، والأول هو عَيْنيَّ، وكلانا: أي أنا وأنت والبيت كذا أورده أبو زيد بمفرده في نوادره (3) ورواه أبو حاتم عن أبي عبيدة " ما لَمْ تُبْصِرَاهُ إلخ " وحينئذٍ لا شاهد فيه، والترهة: بضم المثناة وتشديد الراء المفتوحة

قال الأخفش فيما كتبه على النوادر: التَّرَّهات الاباطليل، وفي الصحاح قال الأصمعي: التُّرَّهات: الطرق الصغار غير الجادَّة، تتشعب عنها، الواحدة تُرَّهة فارسيّ معرب، ثم استعير في الباطل وسُراقة بن مِرْداس البارقي بضم السين وآخره قاف، ومِرداس بكسر الميم، قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: بارق اسم جبل نزل به سعد بن علي بن حارثة بن عمرو بن عامر، فنُسبوا إلى ذلك الجبل، وبارق: أخو خزاعة، وهذا هو سُراقة بن مرداس الأصغر، وهو شاعر مشهور خبيث قال يهجو جريراً من قصيدة: (من الكامل) أبْلِغْ تَمِيماً غثَّها وَسَمِينَهَا وَالْحُكْمُ يَقْصِدُ مَرَّة وَيَجُورُ أنَّ الفَرْزْدَقُ بَرَّزَتْ حَلَبَاتُهُ عَفْواً وَغُودِرَ فِي التُّرَابِ جَرِيرُ هَذَا قَضَاءُ الْبَارقِيِّ وَإنَّنِي بِالْمَيْلِ فِي مِيزَانِهِمْ لَبَصِيرُ فهجاه جرير في القصيدة التي خاطب فيها بشر بن مروان (من الكامل): يَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ 1... قَدْ كَانَ بَالُكَ أنْ تَقُولَ لِبَارِقٍ يَا آل بَارِقَ فِيمَ سُبَّ جرير وذكر الآمدي شاعرين آخرين متقدمين عليه في الزمان، يقال لكل منهما: سُرَاقة بن مِرداس البارقي: أحدهما سراقة بن مدارس الأكبر، والآخر هو شاعر فارس له شعر في يوم أوطاس، (2) ثم قال الآمدي: " وفي شعراء العرب

من يقال له سُراقة جماعة لم نقصد إلى ذكرهم وإنما ذكرت سراقة بن مرداس لاتفاق الاسم واسم الأب " انتهى، ولم يَرْفع نسب واحد من الثلاثة إلى قبيلة وأنشد الجاحظ لسراقة صاحب البيت الشاهد (من البسيط): قَالُوا سُرَاقَةُ عِنِّينٌ فَقُلْتُ لَهُمْ الله يَعْلَمُ أنِّي غَيْرُ عِنِّينِ فإنْ طلبتم بى الشئ الَّذِي زَعَمُوا فَقَرِّبُونِي مِنْ بِنْتِ ابْنِ يَامِينِ وأنشد الجاربردي هنا - وهو الشاهد الستون بعد الماية -: (من الطويل) 160 - ألم تر ما لاقيت والدهر أعْصُرٌ وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْءَ وَيَسْمَعُ على أنه جاء على الأصل لضرورة الشعر، كما تقدم قبله وقال ابن جني في سر الصناعة: " قرأت على أبي على في نوادر أبي زيد: ألَمْ ترَ مَا لاقيت والدهر أعْصُرٌ كذا قرأته عليه " تَرَ " مخففاً، ورواه غيره، " تَرْء ما لاقيت " على وزن تَرْعَ، وهذا على التحقيق المرفوض في هذه الكلمة في غالب الأمر وشائِع الاستعمال " انتهى.
ولم يتعرض لما في الصمراع الثاني، لأنه لم يتزن إلا بذكر الهمزة، فيكون على غير رواية أبي علي في كل من المصراعين ضرورة وهذا البيت والذي قبل كذا في الصحاح، وقد أنشدهما أبو زيد في النوادر وفي كتاب الهمز، قال في كتاب الهمز: " وعامة كلام العرب في يَرَى ونَرَى وتَرَى وأرى ونحوه على التخفيف، وبعضهم يحققه وهو قليل في كلام العرب، كقولك زيد يرأى رَأْياً حسناً، نحو يَرْعَى رَعْياً حسناً، قال سراقة البارقي: أُرِي عَيْنَيَّ مَا لَمْ تَرْأيَاهُ... البيت.
وقال الأعلم بن جَرَادة السعدي - وأدرك الاسلام -: ألم ترما لاَقَيْتُ وَالدَّهْرُ أعْصُرٌ وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْءَ وَيَسْمَعُ

بِأَنَّ عَزِيزاً ظَلَّ يَرْمِي بِجَوْزِهِ إليَّ ورَاءَ الحاجزين ويفرع وأنشدني أعرابي من بني تميم لنفسه (من البسيط): هَلْ تَرْجِعَنَّ لَيَالٍ قَدْ مَضَيْنَ لَنَا وَالعَيْشُ مُنْقَلِبٌ إذْ ذَاكَ أفْنَانَا إذْ نَحْنُُ فِي غَرَّةِ الدُّنْيَا وَبَهجَتِهَا والدَّارُ جَامِعَةٌ أزْمَانَ أزمانا لما استمر بها شَيْحَانُ مُبْتَجِحٌ بِالْبَيْنِ عَنْكَ بِمَا يَرْآكَ شَنْآنَا فكل هؤلاء حقق الهمزة من يرى، وهو قليل في الكلام، والتحقيق الأصل " انتهى كلامه.
وقوله " ألم تر " استفهام والرؤيا بصرية، و " ما " مفعولها، ولاقيت بضم التاء، والدهر مبتدأ وأعصر خبره، وهو جمع عَصْر يريد أن الدهر مختلف أزمانه لا يبقى على حال سرور وصفاء، بل غالبه كدر، وقوله " ومن يتمل العيش إلخ " مَنْ شرطية، ويتمل: شرط مجزوم بحذف الألف، ويرء: جواب الشرط، ويسمع: معطوف عليه، وكسر للقافية، وقافية البيت الثاني مرفوع فيكون في الأول إقواء، وكذا رواهما أبو زيد في الكتابين، قال ابن بري في أمالية على الصحاح: " ويروى ويسمعُ بالرفع على الاستئناف، لأن القصيدة مرفوعة " وذكر البيت الثاني.
أقول: ليس المعنى على الاستئناف، ولعله أراد بالاستئناف ابتناءه على مبتدأ محذوف، والتقدير وهو يسمع، وإطلاق الاستئناف على هذا شائع، فيكون موضع الجملة جزماً بالعطف على يرء، وجَازَفَ ياقوت فيما كتبه على الصحاح قال: بخط أبي سهل يَرْءَ ويَسْمِعِ بجزمهما، وهو سهو منه والقصيدة مرفوعة، وصوابه: وَمَنْ يَتَمَلَّ الْعَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ بالرفع يريد أن " مَنْ " فيه موصولة مبتدأ ويتملى: صلته، ويرأى وَيسمع: خبره، وتحقيق الهمزة ضرورة أيضاً، وهذا صحيح معنى وإعراباً، إلا أنه طعن فيه رواية أبي زيد:

وتملى عيشه: استمتع به ملاوة، والملاوة - مثلثة الميم -: الزمان الواسع، يريد من يعش كثيراً يَرَوَ يسمع ما لم يكن رآه وسمعه، والعيش: مصدر عاش، إذا صار ذا حياة، فهو مصدر عائش، والأنثى عائشة، وقوله " بأنّ عزيزاً " خبر أن غير مذكور في هذا البيت، وإنما هو في بيت بعده، وظل: استمر، والجوز: بفتح الجيم وآخره زاي معجمة، ورمْيُ الجوز عبارة عن الإسراع في الذهاب، " وإليَّ " متعلق بيرمي، وكذلك ورَاء، والحاجزين: جمع حاجز من حجزه، إذا منعه، يريد أن الأعداء قدامه تمنعه من الوصول إليه، " ويفرع " معطوف على يرمي، وهو مضارع أفْرَعَ، قال أبو زيد بعد إنشاده: أي يصير الفَرْع، ويقال: أفرع إذا أخذ في بطن الوادي خلافُ المصعد، قال: (من البسيط) لاَ يُدْرِكَنَّكَ إفْرَاعِي وَتَصْعِيدِي وفرع رأسه بالعصا إذا علاه " انتهى وفي الصحاح: فَرَعْت الجبل صَعِدْته، وأفرعت في الجبل انحدرت وقد أورد أبو تمام البيت الشاهد من أبيات للأعلم في كتاب مختار أشعار القبائل، وليس فيها البيت الثاني الذي أورده أبو زيد، وأبو تمام كذا أوردها (من الطويل): وَإنِّي لأَقْتَادُ الْقَرِينَ إلَى الْهَوَى وَيَقْتادُنِي يَوْماً قَرِينِي فَأتْبَعُ وأطمع بما لَمْ يَحْتَضِرْنِي يَأْسُهُ وَأْيْأَسُ مِمَّا لاَ يُرَى فِيهِ مَطْمَعُ وأُبْغِضُ أصْحَابَ الْمَلاَذَةِ وَالقِلَى وَيُطْلَبُ بِالْمَعْرُوفِ خَيْرِي فَأُخْدَعُ وَتَزْعُمُ هِنْدٌ أنَّنِي قَاتِلِي الْهَوَى إلَيْهَا وَقَدْ أهْوَى فَلاَ أتَوَجَّعُ ألِكنِي إلَيْهَا بالسَّلاَمِ فلا يسؤ بَنَا ظَنُّهَا، إنَّ النَّوَى سَوْفَ تَجْمَعُ وَلاَ تَرْعَ لِلَوَاشِي الظُّنُونَ فَإِنَّهُ بِتَفْرِيقِ مَا بَيْنَ الأَحِبَّةِ مولع أل تر مالا قيت... البيت نَصَحْتُ لَهُمْ مَا يَعْمَلُونَ فَضَيَّعُوا لِنُصْحِي فَلاَ يَحْزُنْكَ نُصْحٌ مُضَيَّعُ

هذا ما أورده أبو تمام، وقال: الملاذة: كذب المودة " وقوله " هَلْ تَرْجِعَنَّ لَيَال... البيت " أورده ابن هشام في بحث إذ من المغني، قال: " وقد يحذف أحد شطري الجملة فيظن من لاخبرة له أنها أضيفت إلى المفرد، كهذا البيت، والتقدير إذ ذاك كذلك ". واسم الإشارة الأول أشير به إلى العيش باعتبار حاله، والثاني المحذوف إلى حال الأفنان، وهي الأغصان والأحوال، ونصبه حال من ليال، و " إذ " متعلقة بمنقلب، والمعنى هل ترجع ليالينا حال كونها مثل الأغصان الملتفة في نضارتها وحسنها؟ أو حال كونها ذات فنون من الحسن وقال أبو زيد بعد إنشاد الأبيات في النوادر: الشَّيْحَانُ: الغيور، والمبتجح: المفتخر والذي يُعْرف 1 " انتهى وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادي والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 161 - أانْ رَأَتْ رِجُلاً أَعْشَى أَضَرَّبِهِ رَيْبُ الْمَنُونِ وَدَهْرٌ مُتْبِلٌ خَبِلُ ونص سيبويه: " والمخففة فيما ذكرنا بمنزلتها محققة في الزنة، يدلك على ذلك قول الأعشى أان رأتْ رَجُلاً... البيت

فلو لم تكن بزنتها محققة لانكسر البيت " انتهى وقال الأعلم: " استشهد به على تخفيف الهمزة الثانية من قوله: أان، وجعلها بَيْن بَيْن، والاستدلال بها على أن همزة بين بين في حكم المتحركة، ولولا ذلك لانكسر البيت، لأن بَعْد الهمزة نوناً ساكنة، فلو كانت الهمزة المخففة في الحكم ساكنة لالتقى ساكنان، وذلك لا يكون في الشعر إلا في القوافي " انتهى والبيت من قصيدة الأعشى المشهورة التي أولها: وَدِّعْ هُرَيْرَةَ، إنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّها الرَّجُلُ وهي ملحقة بالقصائد المعلقات، وقد شرحنا غالبها في مواضع متعددة من شواهد شرح الكافية، وقبله: صَدَّتْ هُرَيْرَةُ عَنَّا مَا تُكَلِّمُنَا جَهْلاً بِأُمِّ خُلَيْدٍ، حَبْلَ مَنْ تَصِلُ؟ وبعده: قَالَتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جِئْتُ زَائِرَهَا وَيْلِي عَلَيْكَ وَوَيْلِي مِنْكَ يَا رَجُلُ وقوله " صدَّت هريرة إلخ " روى أبو عبيدة: صدت خُلَيْدة، وقال: هي هريرة، وهي أم خُلَيد، وخُلَيْد: مصغر خالد تصغير الترخيم، وصدت: أعرضت وقوله " جهلا بأم خليد " علة للنفي، والباء للملابسة، وأعاد اسمها للتلذذ به، وحسنه ذكره بغير لفظه الأول و " حَبْل " مفعول تصل، وقدم وجوباً لإضافته إلى ماله الصدارة، وهو مَنْ، فإنها للاستفهام التعجبي، يريد: حبل أيِّ رجل تصل إذا لم تصلنا؟ كذا قال الخطيب التبريزي وغيره، وعليه تبقى الجملة غير مرتبطة بما قبلها، والجيد أن تكون مَنْ موصولة " وحبل " مفعول لقوله " جَهْلاً " والحبل هنا مستعار للعُلْقة.
والوصل: ضد القطع، وقوله " أن رأت رجلاً إلخ " الهمزة الأولى للاستفهام.
و" أن " بالفتح هي أن المصدرية.
وهي مع مدخولها مجرورة بلام العلة، أو من التعليلية، والتقدير أصدّت لأجل أن رأت رجلاً هذه صفته.
و" رأت " أبصرت، و " رجلاً " مفعوله، و " أعشى " صفته.
والأعشى الذي

لا يبصر بالليل، والأجهر - بالجيم -: الذي لا يبصر نهاراً، والمؤنث عشواء وجهراء، وجملة " أضربه " حال من أعشى، ويجوز أن تكون صفة ثانية لرجلاً.
قال صاحب المصباح: " ضره يضره - من باب قتل - إذا فعل به مكروهاً، وأضربه يتعدى بنفسه ثلاثيا بالباء باعيا ". قال الأزهري: " كل ما كان سوء حال وفقر وَشدة في بدن فهو ضُرٌّ - بالضم - وما ضد النفع فهو بفتحها، ورجل ضرير: به ضرر من ذهاب عين أو ضنىً " والريب: التردد بين موقعي تهمة، بحيث يمتنع من الطمأنينة على كل منهما، وأصله قلق النفس واضطرابها، ومنه ريب الزمان لنوائب الزوجة ومصائبه المقلقة، كذا في مُهِمَّات التعاريف للمناوي.
و" المنون " المنية، قال الاصمعي: هو واحد لاجمع له، وذهب إلى أنه مذكر، وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له، ومُتْبِل: اسم فاعل، قال صاحب العباب: " وأتبله الدهر مثل تبله، وأنشد هذا البيت، وقال: أي يذهب بالأهل والولد، وتَبَله الحب: أي أسقمه، وتبلهم الدهر: أي أفناهم، والتبل، كفَلْسٍ: التِّرةُ والذحل 1 يقال: أصيب بتبل وهو متبول، وروي بدله " مفسد " من الإفساد، وروي " مفند " أيضاً بمعناه، قال التبريزي: والمفند من الفَنَد وهو الفساد، ويقال: فَنَّده، إذا سَفَّهه، قال تعالى (لَوْلاَ أن تفندون) وخَبل - بفتح المعجمة وكسر الموحدة - قال صاحب العباب: ودهر خَبِل: أي ملتو على أهله، وأنشد البيت، وقوله " قالت هريرة إلخ " قال بعضهم: هذا أخنث بيت قالته العرب، و " زائرَها " حال من التاء: أي زائر لها وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الكامل)

162 - راحت بمسلمة البغال عشية فارعي فَزَارَةُ لاَ هَنَاكِ الْمَرْتَعُ على أن أصله هنأك - بالهمز - فأبدلت ألفاً، قال سيبويه: " واعلم أن الهمزة التي يحقق أمثالها أهل التحقيق من بني تميم وأهل الحجاز وتجعل في لغة أهل التخفيف بَيْنَ بَيْن تبدل مكانها الألف إذا كان ما قبلها مفتوحاً، والياء إذا كان ما قبلها مكسوراً، والواو إذا كان ما قبلها مضموماً، وليس ذا بقياس متلئب، 1 وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشئ الذي تبدل التاءُ من واوه، نحو أتْلَجْت، فلا يجعل قياساً في كل شئ من هذا الباب، وإنما هي بدل من واو أوْلجت، فمن ذلك قولهم: منساة، وإنما أصلها منسأة (2)، وقد يجوز في ذاكله البدل حتى يكون قياساً متلئباً إذا اضطر الشاعر، قال الفرزدق: رَاحَتْ بِمَسْلَمَة البِغَالُ..البيت فأبدل الألف مكانها، ولو جعلها بين بين لانكسر البيت، وقال حسان ابن ثابت رضي الله عنه: سَالَتْ هُذَيْلُ رَسُولَ الله... البيت الآتي وقال القرشي زيد بن عمرو: سَالَتَانِي الطَّلاَق... البيت الآتي فهؤلاء ليس من لغتهم سِلْتُ ولا يَسَالُ، وبَلَغَنَا أن سَلْت تَسالُ لغة، وقال عبد الرحمن بن حسان: وَكُنْتُ أذَلَّ مِنْ وَتِدٍ... البيت الآتي: يريد الواجئ، وقالوا: نبيّ وبريّة، فألزمها أهل التحقيق البدل، وليس كل شئ نحوهما يفعل به ذا، إنما يؤخذ بالسمع، وقد بلغنا أن قوماً من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحققون نبيئا وبريئة، وذلك قليل ردئ، فالبدل ههنا

كالبدل في مِنْسأة، وليس بدل التخفيف، وإن كان اللفظ واحداً " انتهى كلام سيبويه قال الأعلم: " الشاهد في إبداله الألف من الهمزة في قوله: هَنَاك، ضرورة وإن كان حقها أن تجعل بَيْن بَيْن لأنها متحركة، يقول هذا حين عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق ووليها عمر بن هُبَيْرَة الفَزَارِي فهجاهم الفرزق ودعا على قومه أن لا يهنئوا النعمة بولايته، وأراد بغال البريد التي قدمت بمسلمة عند عزله " انتهى.
وكذا قال المبرد في الكامل عند ما أنشد قول العُديل بن الفَرْخ العِجْلِيّ (من الطويل): فَلَوْ كانت في سلمى أجا وشعاثها لَكَانَ لِحَجَّاجٍ عَلَيَّ دَلِيلُ قال: أجا وسلمى: جبلا طيّئ، وأجأُ مهموز، والشاعر إذا احتاج إلى قلب الهمز قلبه على حركة ما قبله، وأنشد هذه الأبيات، وقال: أما الفرزدق فإنه يقول لما عزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق بعد قتله يزيد بن المهلب لحاجة الخليفة إلى قربه ووُلي عمر بن هُبَيْرَة الفزاري فقال: رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عشية فارعي فزارة لاهناك الْمَرْتَعُ وَلَقَدْ عَلِمْتُ إذَا فزَارَةُ أُمِّرَتْ أنْ سَوْفَ تَطْمَعُ فِي الإِمَارَةِ أشْجَعُ فَأَرَى الأُمُورَ تَنَكَّرَتْ أعْلاَمُهَا حَتَّى أُمَيَّةُ عَنْ فَزَارَةَ تَنْزَعُ ولخلق ربك ماهم وَلَمِثْلُهُمْ فِي مِثْلِ مَا نَالَتْ فَزَارَةُ يَطْمَعُ عُزِلَ ابْنُ بِشْرٍ وابن عمر وقبله وأخُو هَرَاةَ لِمِثْلِهَا يَتَوَقَّعُ فلما ولي خالد بن عبد الله القسري على عمر بن هُبَيْرَة قال رجل من بني أسد يجيب الفرزدق (من الكامل):

عجب الفرزدق من فزارة إذْ رَأَى عَنْهَا أُمَيَّةَ فِي الْمَشَارِقِ تَنْزَعُ فَلَقَدْ رَأَى عَجَباً وَأُحْدِثَ بَعْدَهُ أمْرٌ تَضِجُّ لَهُ الْقُلُوبُ وَتَفْزَعُ بَكَتْ الْمَنَابِرُ مِنْ فَزَارَة شَجْوَهَا فَاليَوْمَ مِنْ قَسْرٍ تّذُوبُ وَتَجْزَعُ وَمُلُوكُ خِنْدِفَ أسْلَمُونَا لِلْعِدَى لِلهِ دَرُّ مُلُوكِنَا مَا تَصْنَعُ! كانُوا كَتَارِكَةٍ بَنِيهَا جَانِباً سَفَها وَغَيْرَهُمُ تَصُونُ وَتُرْضِعُ انتهى.
وفي الأغاني: " كان مسلمة بن عبد الملك على العراق بعد قتل يزيد بن المهلب، فلبث بها غير كثير، ثم عزله يزيد بن عبد الملك واستعمل عمر بن هُبَيْرَة على العراق فأساء وعزل قبيحاً، فقال الفرزدق: وَلَّتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عَشَيَّةً إلى آخر الأبيات الخمسة ابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان على البصرة، أمَّرَه عليها مسلمة، وابن عمرو: سعيد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأخو هراة: سعيد بن عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص " انتهى.
وقال ابن السيرافي: " ابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم ابن أبي العاص، عزل عن الكوفة، وأخو هراة سعيد بن الحارث بن الحكم " انتهى.
وقوله " راحت بمسلمة إلخ " قال صاحب المصباح: راح يروح رواحا - وتروح مثله - يكون بمعنى الغُدُو، وبمعنى الرجوع، وقد يتوهم بعض الناس أن الروح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أيّ وقت كان: من ليل أو نهار، قاله الأزهري وغيره، وعليه قوله عليه الصلاة والسلام " مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمْعَةِ في أوَّلِ النَّهَارِ فَلَهُ كَذَا " أي: من ذهب، والعشية: واحدة العَشِيِّ، قال صاحب المصباح: العشي: قيل: ما بين الزوال إلى الغروب ومنه يقال للظهر وَالعصر: صلاتا العشي، وقيل: هو آخر

النهار، وقيل: من الزوال إلى الصباح، وقوله " فارعى فزارة " هو أمر من الرعي، من رَعَتِ الماشية تَرْعَى إذا سرحت بنفسها إلى المرعى، وهو ما ترعاه الدواب، وفزارة: أبو قبيلة من غطفان، وهو هنا مبني على الضم، لأنه منادى وحرف النداء مقدر، وباعتبار القبيلة (قال) فارعَيْ بالخطاب إلى المؤنث وجعلهم بهائم ترعى، وقوله " لا هناك المرتع " لا: هُنا دعائية، دعا عليهم بأن لا يكون مرتعهم هنيئاً لهم، وهَنأنِي الطعام يَهنؤني - بفتح العين فيهما - ومهموز الآخر: أي ساغَ وَلذَّ بلا مشقة، والكاف مكسورة، والمرتع: مصدر ميمي، يقال: رتعت الماشية رَتْعاً، من باب نفع، ورتوعاً: رعت كيف شاءت، والمرتع: موضع الرتوع أيضاً، وقد صار هذا المصراع مثلاً، قال الميداني في أمثاله: " ارْعَيْ فزارة لا هَنَاكِ الْمَرْتَع " يضرب لمن يصيب شيئاً ينفس به عليه، وقد استشهد بالبيت في التفسيرين في سورة طه على أن طه في قراءة الحسن رحمه الله أمر للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم أن يطأ الأرض بقدميه معاً، فإنه كان عليه السلام يقوم في تهجده على إحدى رجليه.
والأصل " طَأْ " قلبت الهمزة ألفاً كما في لا هَنَاكِ، ثم بني الأمر عليه، كالأمر من يرى " رَ " ثم ألحق هاء السكت فصار طَهْ وقد خبط خَضِر الموصلي خبط عشواء في شرح أبياتهما قال: " الرواح نقيض الغدو، ومسلمة هذا هو عبد الملك بن بشر، وهو الممدوح، وكان على العراق فعزل عنها، وولي موضعه عمر بن هُبَيْرَة، ولا هَنَاك المرتع: دعاء على الناقة أي لاهناك رعي هذا المرتع، والمعنى أن ممدوحك مسلمة قد عزل وراح على البغال عشية فاقصدي بني فزارة وارعي مرعاها، وفي بعض الحواشي ارعْيْ يا فزارة فإن الخطاب لهم، قال: وكان مسلمة هذا يمنعهم المرعى، فلما عزل خاطبهم بذلك وأمرهم بالمرعى " هذا كلامه.
وخطؤه من وجوه ظاهرة، وقبيح بمثله أن يكتب على العمياء من غير مراجعة

وتنقير، مع أن البيت من أبيات سيبويه والمفصل وغيرهما، والله الموفق للصواب.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه - (من الخفيف) 163 - سَالَتَانِي الطَّلاَقَ أنْ رَأَتَامَا لى قليلا قد جئتانى بِنُكْر لما تقدم قبله، ونقلنا كلام سيبويه فيه، وقبله.
تِلْكَ عِرْسَايَ تَنْطِقَانِ بِهُجْرٍ وَتَقُولاَنِ قَوْلَ زُورٍ وَهَتْر وقوله " تلك عِرْساي " مبتدأ وخبر، و " عرساي " مثنى عرس، مضاف إلى الياء، والعِرْس - بالكسر - الزوجة: أي هما عرساي، ويجوز أن يخالف اسم الإشارة المشار إليه كقوله تعالى: (عَوَانٌ بين ذلك) والهُجْر - بالضم - الفُحْش من الكلام، والهتر: مصدر هتره، من باب نصر، إذا مزق عرضه، وقوله " سالتاني الطلاق " قال الأعلم: هذه لغة معروفة، وعليه قراءة من قرأ (سالَ سَائِلٌ بَعَذَابٍ وَاقِعٍ) وروي " تَسْألاني الطلاق " فلا شاهد فيه، وقوله " قد جئتماني بنكر " التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنُّكر - بالضم - الأمر القبيح، وروى أيضاً: سَالَتَانِي الطَّلاَقَ أنْ رَأَتَانِي قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْر وهما من أبيات قد شرحناها مفصلة مع ترجمة قائلها، والاختلاف فيه، في الشهر الشاهد الثامن والسبعين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكفاية وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 164 - سَاْلتْ هذيل رسول الله فاحشة ضلت هُذَيْلٌ بِمَا قَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ

لما تقدم قبله، وتقدم نقل كلام سيبويه فيه قال المبرد في الكامل: " وأما قول حسان: سالت هذيل، فليس من لغته سِلْتُ أسَالُ مثل خِفْتُ أخاف، وهما يتساولان، هذا من لغة غيره، وكانت هذيل سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل لها الزنا، ويروى أن أسَدِيّاً وهُذَلِيّاً تفاخراً فرضيا برجل، فقال: إني ما أقضي بينكما إلا على أن تجعلا لي عَقْداً وثيقاً أن لا تضرباني ولا تشتماني، فإني لست في بلاد قومي، ففعلا، فقال: يا أخا بني أسد، كيف تفاخر العرب وأنت تعلم أنه ليس حى أحب إلى الجيش ولا أبغض إلى الضيف ولا أقل تحت الرايات منكم؟ وأما أنت يا أخا هذيل فكيف تظلم الناس وفيكم خلال ثلاث: كان منكم دليل الحبشة على الكعبة، ومنكم خَوْلَة ذات النَّحْيَيْن، وسألتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل لكم الزنا، ولكن إذا أردتم بيتي مضر فعليكم بهذين الحيين من تميم وقيس، قوما في غير حفظ الله " انتهى.
وفي الروض الأنف للسُّهَيْلي: " قوله: سالت هذيل، ليس على تسهيل الهمزة، ولكنها لغة، بدليل قولهم: تسايل القوم، ولو كان تسهيلاً لكانت الهمزة بين بين، ولم يستقم وزن الشعر بها، لأنها كالمتحركة، وقد تقلب ألفاً ساكنة كما قالوا: المِنْساة، لكنه شئ لا يقاس عليه، وإذا كانت سال لغة في سأل فيلزم أن يكون المضارع يسيل، ولكن حكى يونس سِلْتَ تَسَألُ مثل خِفْتَ تخاف، وهو عنده من ذوات وقال الزجاج: الرجلان يتسايلان، وقال النحاس والمبرد: يتساولان، وهو مثل ما حكى يونس وقال صاحب مختصر أسد الغابة: إن أبا كبير الهذلي الشاعر أسلم، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أحِلَّ لي الزنا، فقال: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال: لا، قال: فارض للناس ما ترضى لنفسك، قال: فادع الله أن يذهب ذلك عني، وقال حسان يذكر ذلك:

سالت هذيل رسول الله فاحشة ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ سَالُوا رَسُولَهُمُ مَا لَيْسَ مُعْطِيَهُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ وَكَانُوا سُبَّةَ الْعَرَبِ انتهى.
وزاد ابن هشام في السيرة بعدهما بيتين آخرين، وهما: وَلَنْ تَرَى لِهُذَيْلٍ دَاعِياً أبَداً يَدْعُو لِمَكْرُمَةٍ عَنْ مَنْزِلِ الْحَرْبِ لَقَدْ أرداوا الْفُحْشِ وَيْحَهُمُ وَأنْ يُحَلُّوا حَرَاماً ما كَانَ فِي الْكُتُبِ وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الوافر) 165 - وَكُنْتَ أذَلَّ مِنْ وَتِدٍ بِقَاعٍ يُشَجِّجُ رَأْسَهُ بِالْفِهْرِ وَاجِي على أن أصله واجِئ - بالهمز - فقلبت الهمزة ياء لضرورة الشعر عند سيبويه كما تقدم نصه واعترض عليه الشارح المحقق تبعاً لابن الحاجب بأن هذا القلب جائز في الوقف قياساً، والقلب في مثله إنما يكون ضرورة لو كان في غير الوقف واعتراض ابن الحاجب في شرح المفصل، قال: " وأصله واجئ، فقلبت الهمزة ياء، وقد أنشده سيبويه أيضاً على ذلك، وهو عندي وَهَمٌ، فإن هذه الهمزة موقوف عليها، فالوجه أن تسكن لأجل الوقف، وإذا سكنت جرها حركة ما قبلها، فيجب أن تقلب ياء، فليس لإيرادهم لها فيما خرج عن القياس من إبدال الهمزة حرف لين وجه مستقيم، وقد اعْتُذِرَ لهم عن ذلك بأن القصيدة مطلقة بالياء، وياء الإطلاق لا تكون مبدلة عن همزة، لأن المبدل عن الهمزة في حكم الهمزة، فجلعها ياء الإطلاق ضرورة، فصح إيرادهم لها فيما خرج عن القياس في قلب الهمزة حرف لين، والجواب أن ذلك لا يدفع كون التخفيف ياء جائزاً على القياس،

لأن الضرورة في جعل الياء مبدلة عن الهمزة ياء للإطلاق، لا أن إبدالها على خلاف القياس، لأنهما أمران متقاطعان، فتخفيفها إلى الياء أمر، وجعلها ياء للإطلاق أمر آخر، والكلام إنما هو إبدالها ياء، ولا ينفع العدول إلى الكلام في جعلها ياء الإطلاق، فثبت أن قلبها في مثل هذا مثل قياس تخفيف الهمزة، وأن كونها إطلاقاً لا يضر في كونها جارية على القياس في التخفيف، نعم يضر في كونه جعل ما لا يصح أن يكون إطلاقاً، وتلك قضية ثانية، هذا بعد تسليم أن الياءات والواوات والألفات المنقلبات عن الهمزة لا يصح أن تكون إطلاقاً، وهو في التحقيق غير مسلم، إذ لا فرق في حرف الإطلاق بين أن يكون عن همزة وبين أن يكون غير ذلك، كما في حرف الردف وألف التأسيس " هذا آخر كلامه وكأنه لم يقف على ما كتبه الزمخشري هنا من مناهيه على المفصل، وهو قوله: " لا يقال: وقف على الهمزة واجئ ثم قَلَبها ياء لكسرة ما قبلها، لأنه لو وقف لوقف على الجيم الذي هو حرف الروى " انتهى.
وهذا تحقيق منه وشرح لمراد سيبويه، لأنه إنما منع الوقوف على الهمزة في واجئ، لأنه كان يصير حرف الروى همزة، فيختلف الرويان اختلافاً شديداً، بخلاف الإكفاء في نحو قوله: (من الرجز) بنى إلى البر شئ هَيِّنٌ الْمَنْطِقُ اللَّيِّنُ وَالطُّعَيِّمْ فلا يجوز أن يقال: وقف على الهمزة، وأنه فعل به بعد الوقف على الجيم ما فعل من إسكان الهمزة وقلبها ياء للضرورة، وإنما يقال: أبْدل منها إبدالاً محضاً ولا يخففها التخفيف القياسي، فإن التخفيف القياسي هو إبدالها إذا سكنت بالحرف الذي منه حركة ما قبلها، نحو رأس في رأس، وإذا خففت تخفيفاً قياسياً كانت في حكم المحققة، وإذا كانت في حكم المحققة اختلف الرويان، ولذلك أبدلوا في الشعر وَلم يحققوا، خوفاً من انكساره، ومن اختلاف رويه، وهذا البدل

هو الذي ذكره سيبويه في قوله: " وقد يجوز في ذا كله البدل حتى يكون قياساً إذا اضطر الشاعر " وذكر أن البدل في المفتوحة بالألف وفي المكسورة بالياء وفي المضمومة بالواو ليس بقياس 1، يريد أن القياس أن تجعل بَيْن بَيْن، وقلبها على وجه البدل شاذ وهو من ضرورة الشعر، وقول الزمخشري: " لأنه لو وقف لوقف على الجيم إلخ " يريد أنه إذا أدى الأمر إلى أن تقلب الهمزة ياء صار واجي كقاضي، وحكمن الوقف على المنقوص المنون في الرفع والجر في الاختيار حذف الياء والوقف على الحرف الذي قبلها، نحو هذا قاض ومرت بقاضْ، وإن جاز إثبات الياء فيهما، لكن المختار حذفها هذا، والبيت من قصيدة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت رضي الله عنه هجا بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص وكان يهاجيه، وقبله: وَأمَّا قَوْلُكَ الْخُلَفَاءُ مِنَّا فَهُمْ منعوا وريدك من وداجى ولولاهم لَكُنْتَ كَحُوتِ بَحْرٍ هَوَى فِي مُظْلِمِ الْغَمَرَاتِ دَاجِي وَكُنْتَ أذَلَّ مِنْ وَتِدٍ بِقَاعٍ... البيت افتخر ابن الحكم على ابن حَسَّان بأن الخلفاء منا لا منكم، أن الخلافة في قريش، وبنو أمية منهم، وابن حسان من الأنصار، والأنصار هم الأوس والخزرج، وهم من أزد غَسَّان من عرب اليمن قحطان.
والوريد: عرق غليظ في العنق، وهما وريدان في صفحتي مُقَدَّم العنق، ويقال: له: الوَدَج - بفتحتين - والوداج أيضاً بكسر الواو، والوَدَجَانِ: عرقان غليظان يكتنفان نقرة النحر يميناً وشمالاً، وقيل: هما عرقان في العنق يتفرعان من الوريدين، ويقال للودج الأخْدَع أيضاً، والأخْدَعَان: الودجان، وقوله " وداجي " كذا جاء بالإضافة إلى الياء، والوداج: مصدر وادج، فاعل،

وليس بمراد، وإنما المراد مصدر وَادَجَ كسافر بمعنى سَفَرَ، يقال: ودَجْتُ الدابة وَدْجاً - من باب وعَد - إذا قطعت وَدَجَها، وهُوَ لها كالفصد للإنسان، ولو رُوِي وِدَاج، بدون ياء، لحمل على أنه جمع ودج، كجمال جمع جَمَلٍ، وقدر مضاف: أي صَفْع وِدَاج، ونحوه، ويكون الجمع باعتبار ما حوله، يقول: لولا أن الخلفاء من قومك وقد احتميت بهم لذبحتك أو لصفعتك على أخْدَعَيْكَ، والغَمرات: جمع غَمرة: - بالفتح - وهي قطع الماء التي بعضها فوق بعض، وَداجي: أسود، من دَجَا الليل يَدْجو دَجْواً إذا أظلم، يريد لولاهم لكنت خاملاً لعدم نباهتك مختفياً لا يراك أحد كالحوت في البحر لا يرى لعمقه وتكاثف المياه عليه، ورواه شراح أبيات المفصل ولولاهم لكنت كعَظْم حُوتٍ وقالوا: لكنت كعظم سمكة وقع في البحر لا يُشْعر به.
وقوله " وكنت أذَلّ إلخ " الوتد: بفتح الواو وكسر التاء، والقاع المستوي من الأرض، ويشجج: مبالغة يُشجُّ رأسه، إذا جرحه وشق لحمه، والفهر - بكسر الفاء -: الحجر ملء الكف، ويؤنث، والواجي: الذي يدق، اسمُ فاعل من وجأت عنقه - بالهمز - إذا ضربته، وفي أمثال العرب " أذَلُّ مِنْ وَتَِدٍ بِقَاع " لأنه يدق ومن أمثالهم " أيضاً أذَلُّ مِنْ حِمَارٍ مُقَيَّدٍ " وقد جمعهما الشاعر فقال: (من البسيط) وَلاَ يُقِيمُ بِدَارِ الذُّلِّ يَأْلَفُهَا إلاَّ الأذلاَّنِ عَيْرِ الدَّارِ والْوَتَدُ هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ وَذَا يُشَجُّ فَلاَ يَرْثِي لَهُ أحَدُ وقال المبرد في الكامل: " كانا يتهاجيان، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم أن يؤدبها، وكانا تقاذفا، فضرب ابن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين، فقيل لابن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فأشِِد بذكره وارفعه إلى

معاوية، فقال: والله إذن لا أفعل وقد حدَّني حد الرجال الأحرار وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا القول: وأنشد الجار بردى هنا - وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز) 166 - وَأُمِّ أوْعَالٍ كها أو أقرابا على أن دخول الكاف على الضمير شاذ في الاستعمال، لا في القياس، إذ القياس أن يدخل الكاف على الاسم، ظاهراً كان أو مضمراً، كسائر حروف الجر، والبيت من أرجوزة للعجاج، وقبله: خَلَّى الذِّنَابَاتِ شَمالاً كَثَباً وهذا في وصف حمار الوحش أراد أن يرد الماء مع أُتُنِه فرأى الصياد، وفاعل " خلَّى " ضميرٌ، وهو مضمن معنى جعل، والذِّنابات: مفعوله الاول، وشمالا: ضرف في موضع المفعول الثاني، والذنابات: جمع ذِنابة - بالكسر - وهو آخر الوادي ينتهي إليه السيل، والكثب - بفتح الكافي والمثلثة -: القرب، وأراد القريب، وأ أوعال: قيل بالنصب معطوف على الذِّنابات، وقيل مرفوع بالابتداء، و " كها " الجار والمجرور في موضع خبر المبتدأ، و " أقرب " معطوف على مدخول الكاف، وأم أوعال: هضبة في ديار بني تميم، والهضبة: الجَبل المنبسط على وجه الأرض، وضمير " كها " للذِّنابات وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد السادس والثلاثين بعد الثمانمائة من شواهد شرح الكافية.

وأنشد أيضاً بعده - وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة - (من الطويل): 167 - وَيُسْتَخْرَجَ الْيَرْبُوعُ مِنْ نافِقَائِهِ وَمِنْ جُحْرِهِ بالشَّيْحَةِ اليُتَقَصَّعُ على أن دخول " أل " على الفعل شاذ مخالف للقياس والاستعمال، إذ هي خاصة بالاسم، وصوابه فيستخرج بالفاء السبيبة، ونصبه بأن مضمرة بعدها، وبالبناء للمفعول، و " اليربوع " نائب الفاعل، وهو دُوَيْبَة تحفر الأرض وله جُحْران: أحدهما القاصعاء، وهو الذي يدخل فيه، وثانيهما النافقاء، وهو الجحر الذي يكتمه وَيظهر غيره، وهو موضع يرققه، فإذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه، فانتفق: أي خرج، والجحر، - بضم الجيم - يطلق على مأوى اليربوع والضب والحية، وقوله " بالشيحة " رواه أبو عمرو الزاهد وغيره تبعاً لابن الأعرابي " ذِي الشيحة " وقال: لكل يربوع شيحة عند جحره، ورد عليه أبو محمد الأعرابي في " ضالَّة الأديب ": صوابه بالشيخة - بالخاء المعجمة - وهي رملة بيضاء في بلاد بنى أسد وحنظلة، وقوله " اليتقطع " رواه الرياشي بالبناء للمفعول، يقال: تقطع اليربوع دخل في قاصعائه، فيكون صفة للجحر، وصلته محذوفة: أي من جحره الذي يتقطع فيه، وروي بالبناء للفاعل، فيكون صفة اليربوع: ورواه أبو زيد في نوادره " المتقصِّعُ " باسم المفعول " فيكون من صفة اليربوع أيضاً، لكن فيه حذف الصلة.
والبيت من أبيات شرحناها وافياً في أول شاهد من شواهد شرح الكفاية وأنشدب بعده - وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل)

168 - أيا ضبية الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاَجِلٍ وَبَيْنَ النَّقَا آأنت أمْ أُمُّ سَالِم على أنه فصل بين الهمزتين بألف قال سيبويه: " ومن العرب ناس يدخلون بين ألف الاستفهام وبين الهمزة ألفاً إذا التقتا، وذلك أنهم كرهوا التقاء همزتين ففصلوا، كما قالوا: أخْشَيْنَانِّ، ففصلوا بالألف كراهية التقاء هذه الحروف المضاعفة، قال ذو الرمة: أيا ضبية الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جُلاَجِلٍ... البيت " اه 1 وبزيادة الألف يكون قوله " نقا آأن " مفاعيلين، جزءاً سالماً، ويجوز أن تحقق الهمزتان بلا زيادة ألف فيكون قوله " نقا أأن " مفاعلن، جزءاً مقبوضاً، وأورده الشارح والزمخشري في المفصل تبعاً لسيبويه بزيادة الألف، لأنه معها يمتد الصوت ويكون جزءاً سالماً، وهو أحسن، وحملا على الأصل، لأن الزحاف فرع ومراعاة الأصل أولى، وأما البيت بعده فلا يستقيم إلا بإقحام الألف بين الهمزتين، قال أبو علي في كتاب الشعر: فيه حذف خبر المبتدأ، التقدير أأنْتِ هي أمْ أمُّ سالم، فإن قلت: فما وجه هذه المعادلة؟ وهل يجوز أن يشكل هذا عليه حتى يستفهم عنه، وهو بندائه، لها قد أثبت أنها ظبية الْوَعْساء؟ ألا ترى أنه لو نادى رجلاً بما يوجب القذف لكان في ندائه بذلك كالخبر عنه؟ فكذلك إذا قال: يا ظبية الوعساء قد أثبتها ظبية الوعساء، وإذا كان كذلك فلا وجه لمعادلته إياها بأم سالم حتى يصير كأنه قال: أيكما أمُّ سالم؟ فالقول في ذلك أن المعنى على شدة المشابهة من هذه الظبية لأم سالم، فكأنه أراد التبستمَا عليّ واشتبهتما، حتى لا أفصل بينكما، فالمعنى على هذا الذي ذكرناه شدة المشابهة، لأنه ليس ظبية الوعساء من أم سالم... إلى آخر ما ذكره " والبيت من قصيدة طويلة لذي الرمة، وقبله:

أقُولُ لِدَهْنَاوِيَّةٍ عَوْهَجٍ جَرَتْ لَنَا بَيْنَ أعْلَى عُرْفَةٍ فالصَّرائِمِ وبعده: هِيَ الشِّبْهُ إلاَّ مِدْرَيَيْهَا وَأُذْنَهَا سَوَاءً وَإلاَّ مَشْقَةً فِي الْقَوَائِمِ وقوله " أقول لدَهْنَاوِية " أي: لظبية منسوبة إلى الدهناء - بالمد وبالقصر وهو موضع في بلاد تميم، والعوهج - بفتح العين المهملة وآخره جيم -: الطويلة العنق، وَجَرَتْ: سنحت، والعرفة - بضم العين المهملة وبالفاء -: القطعة المشرفة من الرمل، والصرائم: قطع من الرمل، جمع صَرِيمة، وقوله " أيَا ظَبْيَة إلخ " هو مقول القول، ويروى " فيا ظبية " - بالفاء - وليس بالوجيه، وَالْوَعْسَاء، الرابية اللينة من الرمل، ويقال: الوَعْسَاء: الأرض اللينة ذات الرمل، والمكان أوْعَسُ، و " جلاجل " بجيمين أولاهما مضمومة، وروى بفتحها أيضاً، وروي " حُلاحِل " - بمهملتين أولاهما مضمومة - وهو اسم مكان، والنقا: التل من الرمل، وأم سالم: هي محبوبته، وقوله " هي الشِّبه إلخ " المْدْرَى - بكسر الميم وسكون الدال المهملة -: القرن، والمَشْقَةُ: الدِّقة، يقال: فلان ممشوق الجسم: أي دقيق خفيف، يقول: هي أشبه شئ بأم سالم إلا قرنيها وأذنيها، وإلا حُموشة 1 في قوائمها، فأما العنق والعين والملاحة فهي شبيهة بها، قال الأصمعي في شرح ديوانه هنا: " يقال: إن مسعوداً أخاه وهشاماً عابا عليه كثرة تشبيهه المرأة بالظبية، وقِيلِهِ: إنها دقيقة القوائم، وغير ذلك، فقال هذه القصيدة، واستثنى هذا الكلام فيها " وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة -: (من الطويل)

169 - حزق إذا ما الناس أبدوا فكاهة تفكر آإيَّاهُ يَعْنُونَ أم قِرْدَا لما تقدم قبله والبيت أورده أبو زيد في كتاب الهمز، وقال: وبعض العرب يقول: يا زيد، آأعطيت فلاناً؟ فيفرق بين الهمزتين بالألف الساكنة، ويحققهما، قال الشاعر: حُزُقٍ إذَا مَا الْقَوْمُ أبْدَوْا فُكَاهَةً... البيت وأورده ابن جني في سر الصناعة، والزمخشري في المفصل و " الحُزق " بضمتي الحاء المهملة والزاي المعجمة وتشديد القاف، فسره أبو زيد بالقصير، وكذا في العباب.
قال: والحُزُقُّ وَالْحُزُقَّةُ القصير، قال جامع بن عمرو بن مرخية الكلابي: وليس بجواز لأحلاس رحله ومزوده كيسا من الرأي أو زهدا حزق إذا ما القوم... البيت وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُرَقِّصُ الحسن أو الحسين رضي الله عنهما، ويقول: حُزُقَّة حُزُقَّهْ تَرَقَّ عَيْنَ بَقَّهْ، فترقى الغلام حتى وضع قدميه على صدره عليه الصلاة والسلام، قال ابن الأنباري: حُزُقَّةٌ حُزُقَّةْ: معناها المداعبة والترقيص له، وهي في اللغة الضعيف الى يقارب خَطْوَه من ضعف بدنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لضعف كان فيه ذلك الوقت، قال: وَالحُزُقَّة في غير هذا الضِّيق 1، قالها الأصمعي، وقال أبو عبيدة: الحزقة القصير العظيم البطن الذي إذا مشى أدار أليته، ومعنى تَرَقْ: أي اصْعَد، عَيْنَ بَقَّهْ: أي

يا ضمير العين، لأن عين البقة نهاية في الصغر " انتهى وهذان البيتان من قصيدة لجامع المذكور أورد منها أبو محمد الأعرابيّ في ضالة الأديب ثلاثة عشر بيتاً وهي هذه: تَعَالَى بِأَيْدٍ ذَارِعَاتٍ وَأرْجُلٍ مُنْكَبَّةٍ روحٍ يَخِدْنَ بِنَا وَخْدَا سَعَالِيَ لَيْلٍ مَا تَنَامُ وَكُلِّفَتْ عشِيَّةَ خْمِس الْقَوْمِ هَاجِرَةً صَخْدَا فَجِئْنَ بِأَغْبَاشٍ وَمَا نَزَلَ الْقَطَا قَرَامِيصَ مَأْوَاهُ وَكَانَ لَهَا وِرْدَا وَجِئْنَ يُنَازِعْنَ الأَزِمَّةَ مُقْدِماً مَحَاوِيقَ قَدْ لاَقَتْ مَلاَوِيحُهَا جَهْدَا إلى طَامِيَاتٍ فَوْقَهَا الدِّمْنُ لَمْ نَجِدْ لَهُنَّ بَأَوْرَاد وَلاَ حَاضِرٍ عَهْدَا فَشَنَّ عَلَيْهَا فِي الإزَاءِ بِسُفْرَةٍ فَتىً مَاجِدٌ تثْنِي صَحَابَاتُهُ حَمْدَا كَأَنَّهُمْ أرْبَابُهُ وَهْوَ خَيْرُهُمْ إذَا فِزِعُوا يَوْماً وَأَوْرَاهُمُ زَنْدَا وَأجْدَرُهُمْ أنْ يُعْمِلَ العيس تَشْتَكِي مَنَاسِمُهَا في الْحَجِّ أوْ قَائِداً وَفْدَا خَفيفٌ لَهُمْ فِي حَاجِهِمْ وَكَأَنَّمَا يُعِدُّونَ لِلأَبْطَالِ ذَا لبدة وردا إذا ما دعو لِلْخَيْرِ أوْ لِحَقِيقَةٍ دَعَوْا رَعْشَنِيّاً لَمْ يَكُنْ خَالُهُ عَبْدَا وَلَيْسَ بحَوَّازٍ لأَحْلاَسِ رَحْلِهِ وَمِزْوَدِهِ كيسا من الرأي أو زهدا حزق إذا ما القوم أبدوا فكاهة تذكر آإياه يعنوم أمْ قِرْدَا وَلاَ هَجْرَعٍ سَمْجٍ إذَا مَاتَ لَمْ يَجِدْ بِهِ قَوْمُهُ فِي النَّائِبَاتِ لَهُ فَقْدَا وقوله " تعالى بأيد " أي: تتعالى وترتفع الابل بأيد، ذارعات: أي مسرعات، والذرع والتذريع: تحريك الذراعين في المشي، وَ " مُنَكَّبَةٍ " اسم فاعل من نكب تنكبيا، إذا عدل عن الطريق، ويقال: نَكَبَ عن الطريق يَنْكُبُ نكوباً، بالتخفيف أيضاً، ورُوح: جمع أرْوَح، وروحاء، من الرَّوَح - بفتحتين ومهملتين - وهو سعة في الرجلين، وهو أن تتباعد صدور القدمين وتتدانى الْعَقِبَانِ، وَالْوَخْدُ - بالخاء المعجمة -: ضرب من سير الإبل، وهو رمي القوائم

كمشي النعام، وقوله " سَعَالِيَ لَيْلٍ " أي: كسعالي ليل، شبه الإبل بالسِّعْلاَة، وهي أنثى الغول وأخبثها، وأضافها إلى الليل لكمال قوتها فيه، و " كُلِّفَتْ " بالبناء للمفعول، وَالْخِمْس - بالكسر - هو أن ترد الإبل الماء يوماً ولا ترد بعده إلا في اليوم الخامس، فيكون صبرها عن الماء ثلاثة أيام، والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، وأراد سَيْرَ هاجرة، والصَّخْد - بالصاد المهملة والخاء المعجمة -: مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: صَخَدته الشمس، من باب منع: أي أصابته وأحرقته، وقوله " فجئن بأغباش ": أي جاءت الإبل بأغباش جَمعِ غَبَش - بفتحتين - وهو البقية من الليل، ويقال: ظلمة آخر الليل، والقطا أسبق الطير إلى الماء، والقَرَامِيص: حُفَر صِغَار يستكنُّ فيها الإنسان من البرد، الواحد قُرْموص، والوِرْدُ - بالكسر -: ورود الماء، يريد أن الإبل سبقت القطا إلى الورد، وقوله " وجئن ينازعن إلخ " أي يُجَاذِبْنَ، وَالأَزِمَّة: جمع زِمام، والمُقْدِم: اسم فاعل من أقدم إذا جدّ، وهو المنازعُ منه، و " محاويق " حال من فاعل ينازعن، وهو جمع مَحْوقة - بالفتح - وهي التي دعكها السفر وأتعبها، اسم مفعول من حاقة يَحُوقه حَوْقاً، وهو الدلك والتمليس، و " ملاويحها " فاعل لافت، جمع مِلْوَاح - بالكسر - وهي الشديدة العطش، من لاَحَ لَوْحاً من باب نصر، إذا عطش، ولاحة السفر: أي غيره، والجهد: المشقة، وقوله " إلى طاميات " أي: جاءت الابل إلى مياه طاسيات: أي مرتفعات في الأحواض، من طما الماء يَطْمُو طُمُوًّا - بالطاء المهملة - إذا ارتفع وملأ النهر، والدِّمْن - بكسر الدال -: البَعر، وماء متدمن، إذا سقط فيه أبعار الإبل والغنم، وَأوْرَادٌ: جمع وِرْدٍ - بالكسر - والورد هنا.
القوم الذين يردون الماء، والحاضر: المقيم، يقال: على الماء حاضر، وقوم حُضَّار، إذا حضروا المياه، وقوله " فَشَنَّ عَلَيْهَا " أي: على الإبل، وَشَنَّ الماء على الشراب: أي فَرَّقه عليه، والإزاء - بكسر

الهمزة بعدها زاي معجمة والمد -: مصب الماء في الحوض، قال أبو زيد: هو صخرة، وما جَعَلْتَ وقاية على مصب الماء حين يفرغ الماء، وَالسُّفْرة - بالضم - الجلدة التي يؤكل عليها الطعام، و " فتى " فاعل شَن، و " تُثْنِي " من الثناء وهو الذكر الجميل، و " أرْبَابه " ساداته، والمناسم: جمع مَنْسِم - كَمَجْلِس -: طرف خف البعير، وحاجٌ: جمع حَاجَة، و " يُعِدّون " من أعدّه لكذا: أي هيأه، و " ذالبدة " مفعولهُ، أراد به الأسد، واللبدة - بكسر اللام - وهو الشعر المتلبد بين كتفي الأسد، قال صاحب الصحاح: الوَردُ: الذي يُشَمُّ، وبلونه قيل للأسد وَرْد، وللفرس وَرْد، وقوله " إذا ما دَعَوْا إلخ " أراد إذا دعا القوم لبذل الخير أو لحماية حقيقة، وأراد به من يحق عليه حمايته من عشيرة وغيرها، والرعشنى: المسرع، وقوله " وليس بجواز إلخ " هو مبالغة حائز، من حاز الشئ، إذا جمعه، والإحْلاس: جمع حِلْس - بالكسر -: أثاث البيت، والرَّحْلُ: المنزل والمأوى، ومِزْوَدِهِ معطوف على أحلاس، وَالْمِزْوَد - بالكسر -: ما يجعل فيه الزاد، وهو طعام السفر، وكَيْساً: مفعوله لاجله: أي لا يحوز: إمَّا لكيسه وإما لزهده، والْكَيْسُ: الكياسة، وهي خلاف الْحُمْقِ، وقوله " حزق " بالجر صفة لِحِوَّاز، والفُكاهة - بالضم - المزاح وانبساط النفس، يقول: هو ليس ممن إذا تمازح القوم تفكر أيَعْنُونه ويريدونه أم يعنون القِرْد لشبهه به، فيشتبه عليه الأمر، وقوله " ولا هِجْرَعٍ " بالجر معطوف على حُزُقّ، والهِجْرَعِ بكسر الهاء والراء 1 وسكون الجيم بينهما، وهو الطويل، و " سَمْج " صفته من السماجة، أي: ليس بطويل قبيح، وقوله " إذا مات إلخ " يقول: هو ليس ممن لا يبكي عليه قومه في الشدائد بعد موته، بل يبكون عليه، لأنه يدفع عنهم نوائب الدهر.

الاعلال أنشد فيه - وهو الشاهد السبعون بعد المائة -: (من الوافر) 170 - أعَارَتْ عَيْنُهُ أمْ لَمْ تَعَارَا على أنه قد يُعل باب فَعِلَ من العيوب، فإن عارت أصله عَوِرت - بكسر الواو - فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو قليل، والكثير عَوِرَ يَعْوَرُ، لأنه في معنى اعْوَرَّ يعوَرُّ، فلما كان اعور لابد له من الصحة لسكون ما قبل الواو صحت العين في عَوِرَ وَحَوِلَ ونحوهما، لأنها قد صحت فيما هو بمعناها، فجعلت صحة العين في فَعِلَ أمارة لأنه في معنى افْعَلَّ قال سيبويه: لم يَذْهب به مذهبَ افْعَلَّ، فكأنه قال: عارت تَعْوَرُ، ومن قال هكذا فالقياس أن يقول: أعار الله عينه، وقد رواه صاحب الصحاح - وتبعه صاحب العباب - بالعين المهملة والغين المعجمة، ومعنى عارت عينه صارت عوراء، وقالا في المعجمة: وغارت عينه تغُور غَوْراً وغُؤوراً: دخلت في الرأس، وغارت تغار لغة فيه، وصدره عنده: وَسَائِلَةٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ عَنِّي أي: رب سائلة وأنشده ابن قتيبة في أدب الكاتب: تُسَائِلُ بابْنِ أحْمَرَ مَنْ رَآهُ على أن الباء بمعنى عن قال الجواليقي في شرحه: " عمرو بن أحمر من باهلة، وهو أحد عُوران قيس، وهم خمسة شعراء: تَمِيم بنُ أبيّ بن مقبل، والراعي، والشماخ، وحميد بن ثور، وابن أحمر، يقول: تسائل هذه المرأة عن ابن أحمر أصارت عينه عوراء أم لم تَعْوَرّ؟ يقال: عارت العين وعُرتُها أنا وعوَّرتها، ويروى تِعَارَا - بفتح التاء

وكسرها - وهي لغة فيما كان مثله، وأراد تَعَارَنْ بالنون الخفيفة - التي للتأكيد فأبدل منها ألفاً لينه للوقف " انتهى.
وروى ابن دريد صدره في الجمهرة ورُبَّتَ سَائِلٍ عَنِّي حفى قال: وربما قالوا: في معنى رُبَّ، وأنشد البيت و " الحفي " بالحاء المهملة والفاء: المستقصى في السؤال وقال ابن السيد في شرح أدب الكاتب: " هذا البيت لعمرو بن أحمر، وهذا من الشعر الذي يدل على قائله، ويغنى عن ذكره، ووقع في شعره: ورُبَّتَ سَائِلٍ عَنِّي حَفّي، وهو الصحيح، لأنه ليس قبل هذا البيت مذكور يعود إليه الضمير من قوله: تُسَائِل، ولعل الذي ذكر ابن قتيبة رواية ثانية مخالفة للرواية التي وقعت إلينا من هذا الشعر، وبعد هذا البيت: فَإنْ تَفْرَحْ بِمَا لاَقَيْتُ قَوْمِي لِئَامُهُمُ فَلَمْ أكثرْ حِوَارَا والحوار - بالحاء المهملة -: مصدر حاورته في الأمر إذا راجعته فيه، يقول: لم أكثر مراجعة من سُرَّ بذلك من قومي، ولا أعنفه في سروره لما أصابني، وكان رماه رجل يقال له مَخْشِيٌّ بسهم ففقأ عينه، وفي ذلك بقول: (من البسيط) شَلَّتْ أنَامِلُ مَخْشِي فَلاَ جَبَرَتْ وَلاَ اسْتَعَانَ بِضَاحِي كَفِّهِ أبَدَا أهْوَى لَهَا مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرَقَهَا وَكُنْتُ أدْعُو قَذَاهَا الإثْمدَ الْقَرِدَا أعْشُو بِعَيْنٍ وأُخْرَى قَدْ أضَرَّبِهَا رَيبُ الزَّمَانِ فَأمْسى ضَوْءُهَا خَمِدَا وقوله " أم لم تعارا " قياسه أن يقول: أم لم تَعَرْ كَلَمْ تخف، ولكنه أراد النون الخفيفة " انتهى كلامه وأورده ابن عصفور في الضرائر قال: " ومنها ردّ حرفِ العلة المحذوف لا لتقاء

جارٍ التحميل