" أَسْمَاءُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مِمَّا مُضَارِعُهُ مَفْتُوحُ العين أَوْ مَضْمُومُهَا وَمِنَ الْمَنْقُوصِ عَلَى مَفْعَلٍ، نَحْوُ مَشْرَبٍ وَمَقْتَلٍ ومَرْمَى، وَمِنْ مَكْسُورِهَا وَالْمِثَالِ عَلَى مفعل، نحو مضرب وموعد، وجاء المنسك والمعجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمفرق وَالْمَسْقِطُ وَالْمَسْكِنُ وَالْمَرْفِقُ وَالْمَسْجِدُ وَالْمَنْخِرُ، وأَمَّا مِنْخِرٌ فَفَرْعٌ كَمِنْتِن وَلاَ غَيْرَهُمَا، وَنَحْوُ الْمِظِنَّةِ وَالْمَقْبَرَةِ فَتْحاً وَضَمًّا لَيْسَ بِقياسٍ، وَمَا عَدَاهُ فَعَلَى لَفْظِ الْمَفْعُولِ " أقول: اعلم أنهم (كأنهم) (كانوا) بنوا الزمان والمكان على المضارع، فكسروا العين فيما مضارعه مكسور العين، وفتحوهما فيما مضارعه مفتوحها، وإنما لم يضموها فيما مضارعه مضمومها نحو يَقْتُلُ وَيَنْصُرُ لأنه لم يأت في الكلام في غير هذا الباب مَفْعُلٌ إلا نادراً كمَكْرُم وَمَعُونٍ على ما ذكرنا، فلم يحملوا ما أدَّى إليه قياس كلامهم على بناء نادر في غير هذا الباب، وعُدِلَ إلى أحد اللفظين مَفْعَلٍ وَمَفْعِلٍ، وكان الفتح أخفَّ فحمل عليه وقد جاء من يَفْعُل المضموم العين كلماتٌ على مَفْعِل بالكسر لا غير، وهى: المشرق، والمغرب، والمرفق وهو مَوْصِل الذراع والعضد، وهو أيضاً كل ما يُنْتَفَع به، والارتفاق: الانتفاع، والاتكاء على الْمِرْفَق، ويقال فيهما الْمِرْفَق على وزن الْمِثْقَب أيضاً، لأنهما آلتا الرِّفق الذي هو ضد الْخُرْق، إذ المتكئ على مَرْفَقِه ساكن مطمئن، وكذا ذو المال المنتفع به على الأغلب، ومعنى الموضع فيهما أبعد وذلك بتأويل أنهما مَظِنَّتا الرفق ومحلاه، ومنها المنبت، والمخر، وَالْمَجْزِر، وَالمَسْقِط، وَالمَظِنَّةِ وقد جاء من يَفْعُل المضموم العين أيضاً كلماتٌ سمع في عينها الفتح والكسر، وهي
الْمَفْرَِق، وَالْمَحْشَِر، وَالْمَسْجَِد، وَالْمَنْسَِك 1، وَأَما الْمَحَِلُّ بمعنى الْمَنْزِل فلكون مضارعه على الوجهين قرئ قوله تعالى (فيحل عليكم غضبي) على الوجهين وجاء فيما مضارعه يَفْعِل بالكسر لغاتٌ بالفتح والكسر، وهي المدب، (3)2
وَمَأْوى الإِْبل، وَالْمَزِلَة، وَمَضْرِبة السيف، وجاء مَقْبُره ومَشْرُقة ومَفْيَأَة ومَفْيُؤَة ومقنأة ومقنؤة 1 فتحا وضما، وكذا الْمَشْرُبَة في الغرفة، لأنهم كانوا يشربون في الْغُرَف، وَالمَشْرُقَة وَالمَفْيَأة من ذوات الزوائد، إذ هما موضعان للتشرُّق والتَّفَيُّؤ فَيَشِذِّان من هذا الوجه أيضاً، ولهذا لم تعل المَفْيَأة، أو لأنه لم يُذْهب بها مَذْهَب الفعل، كما يجئ، والْمَسْرُبَة لشعر الصدر مضمومة العين لاغير، قال سيبويه: لم تذهب بالمسجد مَذْهَبَ الفعل، ولكنك جعلته اسماً لبيت، يعني أنك أخرجته عما يكون اسم الموضع، وذلك لأنك تقول: المَقْتَل
في كل موضع يقع فيه القتل، ولا تقصد به مكاناً دون مكان، ولا كذلك المسجد العين، إلا حرفين: مأقى العين، ومأوى الابل، وهما نادران، واللغة العالية فيهما " مأوى وموق وماق " اه.
واعتباره مأقى العين على مفعل كلام غير مبنى على تحقيق ولا نظر، لان قولهم " موق وماق " بثلاثة أحرف يدل على أن الميم من أصل الكلمة، فإذا قالوا مأقى مع ذلك تبينا أن الياء هي الزائدة، كما كان الاطل دليلا على أن الياء زائدة في الايطل، فوزن المأقى على هذا فعلى - بكسر اللام أو فتحا - (1) زل يزل زلا - كضرب يضرب -: زلق، والمزلة - بفتح الزاى وكسرها -: الموضع الذي تزلق عليه الاقدام ولا تثبت، وقال في اللسان: " وضريبة السيف، ومضربة ومضربة ومضربته ومضربته - بفتح الراء وكسرها فيهما -: حده، حكى الاخيرتين سيبويه، وقال: جعلوا اسما كالحديدة، يعنى أنهما ليستا على الفعل، وقيل: هو دون الظبة، وقيل: هو نحو من شبر في طرفه " اه والمشرقة: موضع القعود للشمس، وحكى ابن سيده فيه ثلاث لغات: فتح الراء، وضمها، وكسرها، وقال: هي الموضع الذي تشرق على الشمس، وخص بعضهم ذلك بالشتاء.
والمفيؤة: موضع الفئ، وهو ظل العشي، وحكى الفارسي عن ثعلب فيها المفيئة، مثل المعيشة، وحكى المجد في القاموس اللغتين اللتين حكاهما المؤلف.
والمفنأة - بفتح النون وضمها - الموضع الذي لا تصيبه الشمس في الشتاء، وحكى فيها الضم والفتح، من غير همز
فإنك جعلته اسماً لما يقع فيه السجود بشرط أن يكون بيتاً على هيئة مخصوصة، فلم يكن مبنياً على الفعل المضارع كما في سائر أسماء المواضع، وذلك أن مطلق الفعل لا اختاص فيه بموضع دون موضع، قيل: ولو أردت موضع السجود وموقع الجبهة من الأرض سواءٌ كان في المسجد أو غيره فتحت العين، لكونه إذن مبنياً على الفعل لكونه مطلقاً كالفعل، وكذا يجوز أن يقال في الْمَنْسَك، إذ هو مكان نسك مخصوص، وكذا الْمَفْرِق، لأنه مفرق الطريق، أو الرأس، وكذا مَضْرَبة السيف مخصوصة برأس السيف قدر شبر، وليس بمعنى موضع الضرب مطلقاً، فلذا جاء فيه الفتح أيضاً: أي لكونه غير مبني على الفعل، ولذا دخلته التاء التي لا تدخل الفعل، وكذا المَقْبُرة، إذ ليست اسماً لكل ما يقبر فيه: أي يدفن، إذ لا يقال لمدفن شخص واحد مقبرة فموضع الفعل إذن مَقْبَر كما هو القياس، وكذا المَشْرُقة اسم لموضع خاص لا لكل موضع يُتَشَرَّق فيه من الأرض من جانب الغرب أو الشرق (1) وكذا الْمَقْنأة والمفيأة، وكذا الْمَنْخِرِ صار اسماً لثَقْب الأنف، ولا يقصد فيه معنى النخر، وكذا المشربة ليس اسماً لكل موضع يشرب فيه الماء ويجري، قال سيبويه: وكذا الْمِطْبَخ والْمِرْبَد بكسر الميم فيهما اسمان لموضعين خاصين لا لموضع الطبخ مطلقاً، ولا لكل موضع الربود: أي الإقامة، بل المِطْبَخ بيت يطبخ فيه الأشياء معمول له، والْمِرْبَد مَحْبس الإبل، أو موضع يجعل فيه التمر، ويجوز أن يقال في الْمِرْفَق بكسر الميم في المعنيين: إن أصله الموضع، فلما اختص غُيِّر بكسر الميم عن وضع الفعل كما قال سيبويه في الْمِطْبَخ والمِرْبَد، فكل ما جاء على مَفْعِل بكسر العين مما مضارعه يَفْعُل بالضم فهو شاذ من
وجه، وكذا مَفْعِلة بالتاء مع فتح العين، 1، وكذا مِفْعَلٌ بكسر الميم وفتح العين، ومَفْعِلة كَالْمَظِنة أشذ، ومَفْعُلَة بضم العين كالْمَقْبُرَة أشذ، إذ قياس الموضع إما فتح العين أو كسرها، وكذا كل ما جاء من يَفْعِل المكسور العين على مَفْعَل بالفتح شاذ من وجه، وكذا مفعلة بالتاء معكسر العين، ومَفْعَلةُ بفتحها أشذ، لكن كلُّ ما ثبت اختصاصه ببعض الأشياء دون بعض وخروجه عن طريقة الفعل فهو العذر في خروجه (2) عن القياس كما ذكرنا قوله " ومن المنقوص " يعني نحو الْمَثْوى وإن كان من يَفْعِل بكسر العين وإن كان أيضاً مثالاً واوياً كالْمَوْلَى لموضع الولاية، وذلك لتخفيف الكلمة بقلب اللام ألفاً، وإنما كان المثال الواوي على مَفْعِل بالكسر وإن كان على يفعل كالمؤجل والْمَوْحِل لما ذكرنا في باب المصدر، وذكرنا هناك أن بعض العرب يقولون مَوْجَل ومَوْحَل فيطرد ذلك في الموضع والزمان أيضاً، وحكى الكوفيون الْمَوْضَع، وقد جاء على مَفْعَل بالفتح من المثال بعضُ أسماء ليست بمصادر ولأ امكنة مبنية على الفعل، كَمَوْحَد في العدد، والْمَوْهِبة للغدير من الماء (3)، وأما مَوْظَب في اسم
مكان ومَوْهَب وَمَوْأَلة وَمَوْكَل ومَوْرَق في أعلام رجال معينين فمنقولات من المبني على الفعل، وفيها العدل كما ذكرنا في باب مالا ينصرف والمثال اليائي بمنزلة الصحيح عندهم لخفته تقول في يَيْقَظ مَيْقَظ في المصدر والزمان والمكان، ومنه قوله نعالى (فنظرة إلى ميسرة) بفتح العين
قوله " ولا غيرهما " قال سيبويه: يقال في مُغِيرة مِغِيرة بكسر الميم للاتباع.
قوله " فتحاً وضماً " يعني بهما الْمَقْبُرة، دون المِظنَّة، فإنه لم يأت فيها إلا الكسر، وإنما كان الفتح في المقبة شاذاً لكونها بالتاء، والْمَفْعَل في المكان والزمان والمصدر قياسه التجرد عن التاء قوله " وما عداه فعلى لفظ المفعول " يعني ماعد الثلاثي المجرد، وهو ذو الزيادة والرباعي، فالمصدر بالميم منه والمكان والزمان على وزن مفعوله، قياساً لا ينكسر، كَالْمَخْرَج والْمُسْتَخْرَج والْمُقَاتَل والْمُدَحْرَج والْمُتَدَحْرَج وَالْمُحْرَنْجَم يحتمل كل منها أربعة معان قال: " الآلَةُ عَلَى مِفْعَلٍ وَمِفْعَالٍ وَمِفْعَلَةٍ، كَالْمِحْلَبِ وَالْمِفْتَاحِ وَالْمِكْسَحَةِ، وَنَحْوُ الْمَسْعُطِ وَالْمُنْخُلِ وَالْمُدُقِّ وَالْمُدْهُنِ وَالْمُكْحُلَةِ وَالْمُحْرُضَةِ لِيْسَ بِقِياس ".
أقول: اعلم أن الْمِحْلََبَ ليس موضع الحلب، لأن موضعه هو المكان الي يَقعد فيه الحالب للحَلْب، بل هو آلة يحصل بها الحلب، وكذا المسرجة - بكسر الميم - كما قال سيبويه قوله " ونحو المسعط والمنخل " هذا لفظ جار الله، وهو موهم أنه جاء من هذا النوع غير الألفاظ المذكورة أيضاً، وقال سيبويه: جاء خمسة أحرف بضم
الميم: المُكْحُلَة، والْمُسْعُط، وَالْمُنْخُل، والْمُدُقّ، والمدهن، هذر كلامه، وجاء المُنْصًل 1 أيضاً، لكنه ليس بآلة النصل، بل هو بمعنى النصل، وأما المُحْرُضة فذكرها الزمخشري، وفي الصحاح الْمِحْرَضَة بكسر الميم وفتح الراء، وكذا قال ابن يعيش: لا أعرف الضم (2) فيها، قال سيبويه في الأحرف الخمسة: هي مثل المُغْفور والمُغْثُور، وهما ضرب من الصمغ، والْمُغْرود: ضرب من الكمأة، والمُغْلُوق: المغلاق، أربعة أحرف جاءت على مُفْعُول، لا نظير لها في كلام العرب، وقال سيبويه في المكحلة وأخواتها: لم يذهبوا بها مذهب الفعل، ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية، يعني أن المكحلة ليست لكل ما يكون فيه الكحل، ولكنها اختصت بالآلة المخصوصة، وكذا أخواتها، فلم تكن مثل المِكْسَحَة والمِصْفَاة، فجاز تغييرها عما عليه قياس بناء الآلة كما قلنا في المسجد وأخواته، والْمُسْعُط: ما يسعط به الصبي أو غيره، أي يجعل به السعوط في أنفه، والمُدُق: ما يدق به الشئ كفِهْرِ العطار، والمدهن: ما يجعل فيه الدهن من زجاج ونحوه، ولو قيل إن الْمُكْحُلَة وَالمُدْهُن موضعان
للكحل والدهن، ولم يبنيا على مَفْعِلٍ كما هو بناء المواضع لانهما ليس موضعين لما يفعل فيه الشئ كَالْمَقْتَلِ حتى يبنيا على الفعل، بل هما موضعان لاسم جامد، لم يبعد، فإذا جعلا آلتين فهما بمعنى آلة الحل والدَّهن - بفتح الكاف والدال - كالمِثْقَبِ لآلة الثقب، والمِحْرَضَة: وعاء الحُرْض: أي الأشنان، والظاهر أن مَضْرِبة السيف آلة الضرب، لا موضعه، غُيِّرَت عما هو قياس بناء الآلة لكونها غير مذهوب بها مذهب الفعل وجاء الْفِعَالُ أيضاً للالة، كالخياط والنظام واعلم أن الشئ إذا كثر بالمكان وكان اسمه جامداً فالباب فيه مَفْعَلة بفتح العين، كالْمَأْسَدَة وَالْمَسْبَعَةِ والْمَذْأبة: أي الموضع الكثير الأُسْد والسباع والذئاب، وهو مع كثرته ليس بقياس مطرد، فلا يقال مَضْبَعة وَمَقْرَدَة، ولم يأتوا بمثل هذا في الرباعي فما فوقه، نحو الضِّفْدَع والثعلب، بل استغنوا بقوله: كثير الثعالب، أو تقول: مكان مُثَعْلِب وَمُعَقْرِب وَمُضَفْدَع وَمُطَحْلِب بكسر اللام الأولى على أنها اسم فاعل، قال (لبيد): - 29 - يَمَّمَنَ أَعْدَاداً يلبنى أوْ أَجَا مُضْفْدِعَاتٍ كُلُّها مُطَحْلِبَهْ 1
ولو كانوا يقولون من الرباعي على قياس الثلاثي لقالوا مُثَعْلَبَة وَمُعَقْرَبَة على وزن المفعول، لأن نظير المَفْعَلَ فيما جاوز الثلاثة على وزن مفعوله، نحو مُدَحْرَج وَمُقَاتل وَمُمَزَّق، كما ذكرنا في المكان والزمان والمصدر، ولم يسمع مُثَعْلَبَة وَمُعَقْرَبَة بفتح اللام، فلا تظن أن معنى قول سيبويه " فقالوا على ذلك أرض مُثَعْلَبَة وَمُعَقْرَبَة " أن ذلك مما سمع، بل معنى كلامه أنهم لو استعملوا من الرباعي لقالوا كذا، قال: ومن قال ثعالة قال مَثْعَلة، لأن ثعالة من الثلاثي، قال الجوهري: وجاء مَعْقَرَة بحذف الباء: أي كثيرة العقارب، وهو شاذ 1 قال: " الْمُصَغَّرُ الْمَزِيدُ فيهِ لِيَدُلَّ عَلَى تَقْلِيلٍ، فَالْمُتَمَكِّنُ يُضَمُّ أَولُهُ وَيُفْتَحُ ثَانِيهِ وَبَعْدَهُما يَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَيُكْسَرُ مَا بَعْدَهَا في الأَرْبَعَة إلاَّ فِي تَاءِ التَّأْنِيثِ وأَلِفَيْهِ وَالأَْلف والنُّونِ المُشَبَّهَتَيْنِ بِهِما وِأَلِفِ أفعال جمعا "
أقول: يعني المصغر ما زيد فيه شئ حتى يدل على تقليل، فيشمل المهمات كذيَّاكَ واللَّذَيَّا وغيرهما، والتقليل يشمل تقليل العدد كقولك: " عندي دُرَيْهِمَات " أي أعدادها قليلة، وتقليل ذات المصغر بالتحقير حتى لا يتوهم عظيماً نحو كُلَيْب وَرُجَيْل، ومن مجاز تقليل الذات التصغيرُ المفيد للشفقة والتلطف كقولك يا بُنَيَّ وَيا أُخَيَ، وأنت صُدَيِّقي، وذلك لأن الصِّغَار يشفق عليهم ويتلطف بهم، فكني بالتصغير عن عزة المصغر على من أُضيف إليه، ومن ذلك التصغير المفيد للملاحة كقولك هو لطيف مليح ومه قوله: - 3 - يا ما أميلح غزلا ناشدن لَنَا 1 (مِنْ هؤُلَيَّائِكنَّ الضَّالِ وَالسَّمُرِ) وذلك لأن الصغار في الأغلب لطاف ملاح، فإذا كبرت غَلُظَت وَجَهُمَت، ومن تقليل ذات المصغر تصغير قبل وبعد في نحو قولك خروجي قُبَيْل قيامك، أو بُعَيْده، لأن القبل هو الزمان المتقدم على الشئ، والبعد هو الزمان المتأخر عنه، فمعنى قبيل قيامك أي في زمان متقدم على قيامك صغير المقدار، والمراد أن الزمان الذي أوله مقترن بأخذي في الخروج وآخره متصل بأخذك في القيام صغير المقدار، ومنه تصغير الجهات الست كقولك: دُوَيْن النهر، وفُوَيْق الأرض، على ما ذكرنا من التأويل في قبيل وبعيد، والغرض من تصغير مثل هذا الزمان والمكان
قرب ظروفهما مما أضيفا إليه من ذلك الجانب الذي أفاده الظرفان، فمعي خروجي قُبَيل قيامك قرب الخروج من القيام من جانب القبلية، وكذا ما يماثله وقيل: يجئ التصغير للتغظيم، فيكون من باب الكناية، يكنى بالصغر عن بلوغ الغاية في العظم، لان الشئ إذا جاوز حده جانس ضده، وقريب منه قول الشاعر: - 31 - دَاهِيَةٌ قَدْ صُغِّرَتْ مِنَ الْكِبَرْ صِلُّ صَفاً مَا تَنْطَوِي مَنَ الْقِصَرْ 1 واستدل لمجئ التصغير للإشارة إلى معنى التعظيم بقوله: - 32 - وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تدْخُلُ بينهم دويهية تصفر منها الأَْنَامِلُ (2) ورُدَّ بأن تصغيرها على حسب احتقار الناس لها وتهاونهم بها، إذ المراد بها الموت: أي يجيئهم ما يحتقرونه مع أنه عظيم في نفسه تصفر منه الأنامل، واستدل أيضا بقوله:
33 - فويق جبيل شاهق الرأس لم تكن لبتلغه حتى تكلل وَتَعْمَلاَ 1 ورد بتجويز كون المراد دقة الجبل وإن كان طويلاً، وإذا كان كذا فهو أشد لصعوده واعلم أنه قصدوا بالتصغير والنسبة الاختصار كما في التثنية والجمع وغير ذلك، إذ قولهم رُجَيْل أخف من رجل صغير، وكوفي أخصر من منسوب إلى الكوفة، وفيهما معنى الصفة كما ترى، لكن المنسوب يعلم رفعاً بخلاف المصغر، لما مر في شرح (2) الكافية، ولما كان استعمال الجمع في كلامهم أكثر من استعمال
المصغر، وهم إليه أحوج، كثرو أبنية الجمع ووَسَّعوها ليكون لهم في كل موضع لفظ من الجمع يناسب ذلك الموضع، إذ ربما يحتاج في الشعر أو السجع إلى وزن دون وزن فَقَصْرهم الجموع على أوزان قليقد كالتصغير مَدْعاة إلى الحرج، بخلاف المصغر، ثم لما كان أبنية المصغر قليلة واستعمالها في الكلام أيضاً قليلاً، صاغوها على وزن ثقيل، إذ الثق مع القلة محتمل، فجلبوا لأولها أثقل الحركات، ولثالثها أوسط حروف المد ثقلاً، وهو الباء، لئلا يكون ثقيلا بمرة، وجاءوا بين الثقلين بأخف الحركات، وهو الفتحة، لتقاوم شيئاً من ثقلهما، والأولى أن يقال: إن الضم والفتح في عنيق وجميل وَصُرَيْد غيرهما في عُنُق وَجَمَل وَصُرَد، كما قيل في فُلْك وَهِجَان قوله " فالمتمكن يضم أوله " إنما خص المتمكن لأن المبهمات تصغر على غير هذا النمط، كما يجئ في آخر الباب قوله " في الأربعة " احتراز من الثلاثي، لأن ما بعد الياء فيه حرف الإعراب فلا يجوز أن يلزم الكسر، وكان ينبغي أن يقول " في غير الثلاثي " ليعم نحو عُصَيفِير 1 وَسُفَيْرج، وإذا حصل بعد ياء التصغير مثلان أدغم أحدهما في الآخر فيزول الكسر بالإدغام، نحو أصيم ومديق، ويعد هذا من باب التقاء السكانين على حده، كما يجئ في بابه، وهو أن يكون الساكن الأول حرف مدأى ألفا أو واوا أو ياء ما قبلها من الحركة من جنسها، إذ ما قبل ياء التصغير وإن لم يكن من جنسها لكن لما لزمها السكون أجريت مجرى المدمع أنفي مثل هذا الياء والواو أي الساكن المفتوح ما قبله شيئاً من المد، وإن لم يكن تاماً، ألا ترى أن الشاعر إذا في الفاعل وهو أصل معمولات الفعل لم يعمل في غيره من الظرف والحال وغير ذلك " اه وسيأتي لهذا الموضوع مزيد بحث في أول باب النسب (1) عصيفير: تصغير عصفور وفي بعض النسخ عصيفر - بمهملتين - فتكون تصغير عصفر وهو نبات يصبغ به
قال قصيدة قبل رويها ياء أو واو ساكنة مفتوح ما قبلها فهي مردفة ولزمه أن يأتي بها في جميع القصيدة كما في قوله: - 34 - وَمَهْمَهَيْنَ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنْ (2) قوله " إلا في تاء التأنيث " لانها كلمة مركبة مع الأولى وإن صارت كبعض حروف الأولى من حيث دوران الإعراب عليها، وآخر أولى الكلمتين المركبتين مفتوح، فصار حكم التاء في فتح ما قبلها في المصغر والمكبر سواء قوله " وألفي التأنيث " أي المقصورة والممدودة، نحو حُبَيْلَى وحُمَيْرَاء، وإنما لم يكسر ما قبلهما إبقاء عليهما من أن ينقلبا ياء، وهما علامتا التأنيث، والعلامة لا تغير ما أمكن، أما لزوم انقلاب علامة التأنيث ياء في المقصورة فظاهر، وأما في الممدودة فالعلامة وإن كانت هي الهمزة المنقلبة عن ألف التأنيث، والألف التي قبلها للمد كما في حمار، لكن لما كان قلب ألف التأنيث همزة لا واواً ولا ياء للألف التي قبلها، كما ذكرنا في باب التأنيث، استلزم قلب الأولى ياء قلب الثانية ياء أيضاً كما في قوله: - 35 - لَقَدْ أَغْدُو عَلَى أشقر يغتال الصحاريا (1)
وقد تغير علامة التأنيث إذا اضطروا إليه، وذلك إذا وقعت قبل ألف التثنية نحو حبليان، أو ألف الجمع نحو حبليات، وإنما جاز تغييرها بلا ضرورة في نحو حمداوان وحَمْرَاوات إجراء لألفي التأنيث الممدودة والمقورة مجرى واحدا في قبلهما قبل ألفي التثنية والجمع.
وقد يجئ أسماء في آخرها ألف للعرب فيها مذهبان: منهم من يجعل تلك الألف للتأنيث فلا يقلبها في التصغير ياء، ومنهم من يجعلها لغير التأنيث فيكسر ما قبلها ويقلبها ياء، وذلك نحو علقى وذفرى وتترى، فمن نونهال قال عُلَيْقٍ وَذًفَيْرٍ وتُتَيْرٍ، ومن لم ينونها قال عُلَيْقَى وذُفَيْرَى وتترى (1) وكذا يجئ في الممدودة ما لهم فيه مذهبان كَغَوْغَاء 1 من نوَّنه وجعله فعلالا كزلزال قال في التصغير - بتشديد الياء - جمع صحراء وهي البرية وتشديد الياء في صحارى هو الاصل في جمع ما مفرده مثل صحراء كعذاره ولكنهم كثيرا ما يخففون بحذف الياء الأولى لاستثقال الياء المشددة في آخر الجمع الاقصى مع بقاء كسر ما قبلها، وقد يخففون بعد ذلك بفتح هذه الكسرة وقلب الياء ألفا كما قالوا عذارى وصحارى ومدارى.
وسيأتى لذلك مزيد بحث في باب جمع التكسير (1) علقى: شجر تدوم خضرته في القيظ وله أفنان طوال دقاق وورق لِطاف اختلف في ألفها فبعضهم يجعلها للتأنيث فلا ينونها.
وبعضهم يجعلها للالحاق بجعفر وينونها والذفرى: العظم الشاخص خلف الاذن، واختلف في ألفها أيضا على النحو السابق.
وتترى: أصلها وترى من المواترة وهى المتابعة، فالتاء بدل من الواو بدلا غير قياسي واختلف في ألفها أيضا فمنهم من جعلها للالحاق بمنزلة أرطى ومعزى، ومنهم من يجعلها للتأنيث بمنزلة سكرى وغضبى.
غويفى، ومن لم ينونه وجعله كحمراء قال غويغاء، وكذا في قُوبَاء 1 من فتح الواو فالألف للتأنيث لا غير، وتصغيره قُوَيْبَاء، ومن سكنها وجعله ملحقاً بقُرْطاس فتصغيره قُوَيْبِيٌّ.
وإنما لم تقلب الألف التي قبل النون الزائدة ياء تشبيهاً لها بألف حمراء، وليس كل ألف ونون زائدتين في آخر الاسم تشبهان بألف التأنيث الممدودة فيمتنعَ قلب ألفه في التصغير ياء، فإذا أرادت تمييز ما يقلب ألفه ياء مما لا تقلب فاعلم أنهما إذا كانا في علم مرتجل نحو عُثْمان وعِمْران وسَعْدان وغَطَفان وَسَلْمَان وَمَرْوَان شابهتاها، لأن تاء التأنيث لا تلحقهما لا قبل العلمية ولا معها، أما قبلها فلفرضنا ارتجالها، وأما معها فلأن العلمية مانعة كما مر فيما لا ينصرف (2)، فعلى هذا تقول عثيمان
عميران وَسُعَيْدَان وغُطَيْفان وَسُلَيْمَان وَمُرَيَّان، وأما عُثْمانٌ في فرخ الحُبَارى على ما قيل وسَعْدَانٌ في نبت فتصغيرهما عُثَيْمِين وسُعَيْدِين، وليسا أصلين لسَعْدَان وعثمان علمين، بل اتفق العلم المرتجل والجنس، كما اتفق الأعجمي والعربي في يعقوب وآزر، وَسَعْدَان اسم مرتجل من السعادة كسُعَاد منها، وعثمان مرتجل من العثم 1، وكذا إن كانتا في صفة ممتنعة من التاء كَجَوْعان وسكران تشابهانها بانتفاء التاء، فتقول: سُكَيْرَان وَجُوَيْعَان، وإن كانتا في صفة لا تمتنع من التاء كالْعُرْيَان وَالنَّدْمَان وَالصَّمَيَان للشجاع وَالْقَطَوان للبطئ شبهتا بالالف والنوف في باب سكران، لكونها صفات مثله وإن لحقتها التاء، فقيل: عُرَيَّان وَنُدَيْمَان وصُمَيَّان وَقُطَيَّان، وإن كانتا في الاسم الصريح غير العلم فإنهما لا تشبهان بالألف والنون في باب سكران مطلقاً، إذ لا يجمعهما الوصف كما جمع عرياناً وسكران، بل ينظر هل الألف رابعة أو فوقها، فإن كانت رابعة نظر، فإن كان الاسم الذي هما في آخره مساويا لاسم آخره لان قبلها ألف زائدة في عدد الحروف والحركات والسكنات وإن لم يساوه وزناً حقيقيًّا قُلِبَ في التصغير ياء تشبيهاً لها بذلك الألف الذي قبل اللام، وذلك في ثلاثة أوزان فقط: فَعْلاَن، وَفُعْلاَن، وَفِعْلاَن، كحومان وسلطان وسرحان، فإن نون حومان موقعها موقع اللام في جَبَّار وزَلْزال، وموقع نون عليه التاء المفيدة لمعنى التأنيث، وإن بقى لفظ العلم مع تلك الزيادة واقعا على ما كان موضوعا له جازت مطلقا إن لم يخرج العلم بها عن التعيين كياء النسبة وياء التصغير وتنوين التمكن نحو هاشمى وطليحة، وإن خرج بها عن التعيين جازت بشرط جبران التعيين بعلامته كما في الزيدان والزيدون على ما يجئ في باب الاعلام " اه (1) العثم - بفتح فسكون -: جبر العظم المكسور على غير استقامته، وتقول عثمت المرأة المزادة - من باب نصر - إذا خرزتها خرزا غير محكم، وفي المثل " إلا أكن صنعا فانى أعتثم " أي: إن لم أكن حاذقا فأنى أعمل على قدر معرفتي، والصنع بفتحتين - الماهر الحاذق
سلطان كلام قرطاس وَزنَّار (1) وطومار، وموقع نون سِرْحان كلام سِرْبال (1) ومفتاح وإصباح، فتقول: حُوَيمين وَسُلَيْطِين وَسُرَيْحِين، كزليزيل وقريطيس ومفيتيح، وإن لم يكن الاسم المذكور مساوياً لما ذكرنا فيما ذكرنا كالظَّرِبَان وَالسَّبُعَان (3) وفِعْلاَن وفُعُلاَن وفُعَلاَن إن جاءت في كلامهم لم يشبه ألفها بالألف التي قبل اللام، إذ لا يقع موقع الألف والنون فيها ألف زائدة بعدها لام، بل تُشَبَّه الألف والنون فيها بالألف والنون في باب سكران، فلا نقلب الألف ياء، نحو ظُرَيْبَان وسُبَيْعَان في تصغير ظَرْبان وسَبُعان، وإنما جاز تشبيههما بها ههنا في التصغير ولم يجز ذلك في الجمع فلم يَقُل ظرابان بل ظرابين لتمام بنية التصغير قبل الألف والنون، وهي فُعَيْل، بخلاف بنية الجمع الاقصى، وإذا جاز لهم لإقامة بنية الجمع الأقصى قلب ألف التأنيث وهي أصل الألف والنون كما في الدعَاوى والفتاوى والحبالي في المقصورة والصَحَارَى في الممدودة كما يجئ في باب الجمع فكيف بالألف والنون
وكان قياس نحو وَرَشَان وَكَرَوَان 1 أن يكون كظربان، إذ لا يقع موقع نونه لام، كما لم يقع موقع نون ظَرِبَان وسَبُعان، لكنه لما جاءت على هذا
الوزن الصفات أيضاً كالصَّمَيَان وَالْقَطَوان (2) وشبهت ألفها بألف سكران فلم تقلب كما مر، قصدوا الفرق بينهما، فقلبت في الاسم فقيل: وُرَيْشين وكُرَيْوِين (3)، لأن تشبيه الصفة بالصفة أنسب وأولى من تشبيه الاسم بها وإن كانت الألف فوق الرابعة: فإن كانت خامسة كزَعْفَرَان وعُقْرُبَان وأُفْعُوَان (4) لم يجز تشبيهها بالألف التي قبل اللام وقلبها ياء، إذ لا تقلب تلك الألف ياء في التصغير إلا رابعة كمفتاح ومصباح، فلم يبق إلا تشبيهها بألف التأنيث ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلا الملوان قال في اللسان: " ولا يعرف في كلامهم اسم على فعلان (بفتح الفاء وضم العين) غيره " اه (1) الورشان - بفتحات - طائر شبه الحمامة، والانثى ورشانة، يجمع على ورشان - بالكسر - ووراشين، والورشان أيضا: الجزء الذي يغطيه الجفن الاعلى من بياض المقلة.
والكروان بالتحريك - طائر، ويدعى الحجل والقبج (الاول كبطل والثاني كفلس) وجمعه كروان (بكسر فسكون) وكراوين (2) الصميان - بفتحات - من الرجال: الشديد المحتنك السن، والجرئ الشجاع، والصميان أيضا: التلفت والوثب: يقال رجل صميان، إذا كان ذا توثب على الناس والقطوان - بفتحات -: مقارب الخطو في مشيه.
يقال: قطا في مشيته يقطو واقطواطى فهو قطوان وقطوطى (3) كذا في جميع النسخ بتصحيح الواو، والذي يقتضيه القياس كما يأتي في كلام المؤلف قريبا أن يقال: كربين بقلب الواو التي هي لام ياء وجوبا.
اللهم إلا أن يكون أراد الاتيان بها حسب الاصل (4) العقربان - بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه مع تخفيف الباء وتشديدها -: الذكر من العقارب.
والافعوان - بضم أوله وثالثه وسكون ثانيه كذل - الذكر من الافاعى
فقيل: زعيفران وعقيربان وأفيعيان وفي صِلِّيَان (1) صُلَيْلِيَان، وكان القياس أن يقال في أسطوانة أُسَيْطِيَانة، لكنه حذف الواو فيها شاذاً، فصارت الألف رابعة فقيل: أسيطينة، كثعيمين، وكذا قيل في الجمع أسَاطين، كذا قياس إنسان أن يُصَغر على أنيسين كسريحين لكنه لما زيد ياء قبل الألف شاذاً في الأصح كما يجئ في ذي الزيادة صارت الألف خامسة كما في أفعوان وعقربان وإن كانت الألف فوق الخامسة: فإن كان في جملة الأحرف المتقدمة عليها ما يلزمه حذف بحيث تصير الألف بعد حذفه خامسه بقيت بحالها لأنها تصير إذن كما في عقربان، وذلك كما تقول في عَبَوْثَرَان (2) عُبَيْثِرَان، لأن الواو زائدة، وإن لم يكن كذلك حَذَفْتَ الألف والنون كما تقول في قَرَعْبَلاَنة (3) قُرَيْعِبة لأنك تحذف الأصلي قبلهما فكيف تخليهما؟
وأما العلم المنقول عن الشئ فحكمه حكم المنقول عنه، تقول في سِرْحَان 1 وَوَرَشَانَ وسُلْطَان أعلاماً: سريحين ووريشين وسليطين، تكون قبل التصغير غير منصرفة للعلمية والألف والنون، وتنصرف بعد التصغير لزوال الألف بانقلابها ياء، وهذا كما لا ينصرف مِعْزَى علماً لمشابهة ألفها لألف التأنيث فإذا صغرنه صرفته لانقلابها ياءً نحو مُعَيْزٍ، وتقول في ظربان وعقربان وسكران وندمان أعلاماً: ظريبان وعقيربان وسكيران ونديمان كما كانت قبل النقل إلى العلمية، وهذا كما تقول في أجمال علماً: أُجَيْمَال، بالألف على ما ذكره سيبويه هذا، ثم إنَّ النحاة قالوا في تعريف الألف والنون المشبهتين بألف التأنيث: كل ما قلب ألفه في الجمع ياء فاقلبها في التصغير أيضاً ياء، وما لم تقلب في التكسير فلا تقلب في التصغير، وهذا رد إلى الجهالة، ولا يطرد ذلك في نحو ظربان لقولهم ظربيان وظرابين، وما لم يعرف هل قلب ألفه في التكسير أو لا اختلفوا فيه: فقال السيرافي وأبو علي: لا تقلب ألفه حملاً على باب سكران، لأنه هو الأكثر، وقال الأندلسي: يحتمل أن يقال: الأصل عدم التغيير، وأن يقال: الأصل الحمل على الأكثر فتغير والله أعلم، وإنما تغير ألف أفعال إبقاء على علامة ما هو مستغرب في التصغير، أعني الجمع، وذلك لأنهم - كما يجئ - لم يصغروا من (2) صيغ الجمع المكسر إلا الأربعة الأوزان التي للقلة، وهي: أَفْعُلُ وأفعال وأفعلة وفعلة، حكى صوت باب ضخم في حالتي فتحه وإسفاقه وهما حكايتان متاينتان جلن على حده وبلق على حدة، إلا أنهما التزقا في اللفظ فظن غير المميز أنهما كلمة واحدة " اه (1) السرحان: الذئب، وقيل: الاسد بلغة هذيل.
قال سيبويه: النون زائدة وهو فعلان، والجمع سراحين وسراحن وسراحي (2) إنما لم يصغروا جموع الكثرة لأن المقصود من تصغير الجمع تقليل العدد
فلم يجمعوا بين تقليل العدد بالتصغير وتكثيره بإبقاء لفظ جمع الكثرة لكون ذلك يشبه أن يكون تناقضا
فكان تصغير الجمع مستنكراً في الظاهر، فلو لم يُبْقُوا علامته لم يحمل السامع المصغر على أنه مصغر الجمع لتباين بينهما في الظاهر، وأما ألف نحو إخراج وإدخال فهي وإن كانت علامة المصدر إلا أنها تقلب في التصغير ياء، إذ لا يستغرب تصغير المصدر استغراب تصغير الجمع، وإذا سميت بأجمال قلت أيضاً أجيمال كما ذكرنا.
قال: " وَلاَ يُزَادُ عَلَى أَرْبَعةٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ في غَيْرِهَا إلاَّ فُعَيْلٌ وفُعَيْعِلٌ وَفُعَيْعِيلٌ، وَإِذَا صُغِّرَ الْخُمَاسِيُّ عَلَى ضَعْفِهِ فالأَوْلَى حَذْفُ الْخَامِسِ، وَقِيلَ: مَا أَشْبَهَ الزَّائِدَ، وسمع الاخفش سفير جل " أقول: قوله " ولا يزاد على أربعةٍ " عبارة ركيكة، مراده منها أنه لا يصغر الخماسي، أي: لا يرتقي إلى أكثر من أربعة أحرف أصول في التصغير، لأن للأسماء ثلاث درجات: ثلاثي، ورباعي، وخماسي، فيصغر الثلاثي، ويزاد عليه أن يُرْتَقَى منه إلى الرباعي أيضاً، فيصغر، ولا يزاد على الرباعي: أي لا يزاد الارتقاء عليه، بل يقتصر عليه، فإن صغرته على ضعفه فالحكم ما ذكر من حذف الخامس قوله " ولذلك " أي لأنه لا يرتقي من الرباعي لا تتجاوز أمثلة التصغير عن ثلاثة، وذلك أنه إن كان ثلاثيًّا على أي وزن كان من الأوزان العشرة فتصغيره على فُعَيْل، وإن كان رباعيًّا فإما أن يكون مع الأربعة مدة رابعة أولا، فتصغير الأول فُعَيْعِيل، وتصغير الثاني فُعَيعل، وحكى الأصمعي في عَنكبوتُ عُنَيْكبيت وعَنَاكبيت، وهو شاذ قوله " لم يجئ في غيرها " أي: في غير ذي تاء التأنيث، وذي ألف التأنيث، وذز الالف والنون المشبهتين، وذي ألف أفعال، وأما فيها فيجئ غير الأمثلة الثلاثة
ويجئ الأمثلة الثلاثة قبل تاء التأنيث، كقديرة وسليهبة وزنييرة (1)
في زُنْبورة، وكذا قبل ألف التأنيث الممدودة، نحو حُمَيْرَاء وخُنَيْفِسَاء ومُعَييِّرَاء 1 في مَعْيُورَاء، وكذا قبل الألف والنون نحو سُلَيْمَان وجُعَيْفِرَان وعُبَيْثِرَان بإبدال الياء من الواو المحذوفة، ولا يجى قبل ألف الجمع إلا فُعَيْل كأجَيْمال، وكذا قبل ألف التأنيث المقصورة لا يجى فُعَيْعِل وَفُعَيْعِيل، لأنها تحذف خامسة في التصغير كما يجئ.
وكان على المصنف أن يذكر ياء النسبة أيضاً نحو بُرَيْدِي في بريدى (1) ومَشَيْهدِي في مَشْهَديّ ومطيليقي في منطلقي، بإبدال الياء من النون، فيقول: لم يجئ في غيرها وغير المنسوب بالياء إلا كذا " وتصغيرها قدير بلا هاء على غير قياس.
قال الازهري: القدر مؤنثة عند جميع العرب بلا هاء فإذا صغرت قلت لها قديرة وقدير، بالهاء وغير الهاء، والسليهبة تصغير السلهبة والسلهبة بفتح السين والهاء بينهما لام ساكنة الجسيمة من النساء، يقال فرس سلهب وسلهبة للذكر إذا عظم وطال وطالت عظامه.
وزنيبيرة تصغير زنبورة كما قال المؤلف والزنبورة والزنبور والزنبار (كقرطاس) ضرب من الذباب لساع.
قال الجوهري: الزنبور الدبر (النحل) وهى تؤنث، والزنبار لغة فيه حكاها ابن السكيت، ويجمع الزنابير، وأرض مزبرة كثيرة الزنابير كأنهم ردوه إلى ثلاثة أحرف وحذفوا الزيادات ثم بنوا عليه كما قالوا أرض معقرة ومثعلة أن ذات عقارب وثعالب (1) المعيوراء: اسم لجمع العير، قال الازهرى: المعيورا: الحمير، مقصور، وقد يقال المعيوراء ممدودة مثل المعلوجا والمشيوخا والمأتوناه يمد ذلك كله ويقصر (2) البردى - بضم الباء وسكون الراء -: ضرب من تمر الحجاز جيد معروف
عند أهل الحجاز، وفي الحدث أنه أمر أن يؤخذ البردى في الصدقة.
والبردى - بفتح الباء - نبت معروف، واحدته بردية، وهذه الياء التى في بردى على اختلاف ضبطيه ليست ياء النسب، وإنما هي ياء زيدت لا للدلالة على معنى كياء الكرسي وقد صرح بذلك المؤلف في أول باب النسب من هذا الكتاب، فتسميته لها هنا ياء النسبة فيه تسامح، والمراد أنها على صورة ياء النسبة
فإن قال فُعَيْلِيٌّ هو فعيل، والياء زائدة قلنا: لا شك في زيادتها إلا أنها صارت كجزء الكلمة، مثل تاء التأنيث، بدليل دوران إعراب الكلمة عليها كما على التاء وتصح المعارضة بنحو حُمَيْزَةَ وَحُبَيْلَى وَحُمَيْرَاءَ، فإنها فُعَيْل، والتاء والألفان زوائد.
وهلا ذكر المثنى والمجموع نحو العميران والعميرون، فقال: ويكسر ما بعدها إلا في تاء التأنيث وألفيه وياء النسبة وألف المثنى ويائه وواو الجمع وألف جمع المؤنث وألف أفعال والألف والنون المضارعتين وكذا في المركب نحو بعلبك قوله " فالأولى حذف الخامس " لأن الكلمة ثقيلة بالخمسة الأصول، فإذا زدت عليها ياء التصغير زادت ثقلاً، وسبب زيادة الثقل وإن كانت زيادة الياء لكنه لا يمكن حذفها إذ هي علامة التصغير، فحذف ما صارت به الكلمة مؤدية إلى الثقل بزيادة حرف آخر عليها، وذلك هو الخامس، ألا ترى أن الرباعي لا يستثقل بزيادة الياء عليه، فحذف الحرف الخامس مع أصالته فإن قيل: أليس في كلام العرب ما هو زائد على الخماسي نحو قَبَعْثَرًى وسَلْسَبيل (1) وغير ذلك؟ قلت: بلى، لكن تلك الزيادات ليست بقياسية فلا يكثر المزيد فيه بسببها
إذ كل واحد كالشاذ في زنته، وأما زيادة ياء التصغير فقياس، فلو سنوا قاعدة زيادتها على الخماسي الأصلي حروفُه لصارت قياساً، فيؤدي إلى الكثرة، إذ يصير لهم قانون يقاس عليه فإن قيل: أليس مثل مستخرج قياسا؟
قلت: بلى، لكنه مبني على الفعل وجار مجراه، وجاز ذلك في العمل كثيراً غالباً قريباً من القياس، نحو اسْتَخْرَجَ واحرنجم، لكونه أقل أصولاً من الاسم إذ لا يجئ منه الخماسي الأصلي حروفه، والثقل بالحروف الأصول لرسوخها وتمكنها أشد وأقوى.
قوله " وقيل ما أشبه الزائد " اعلم أن من العرب من يحذف في الخماسي الحرف الذي يكون من حروف " اليوم تنساه " وإن كان أصليًّا لكونه شبيه الزائد، فإذا كان لابد من حذف فحذف شبه الزائد أولى، كما أنه إذا كان في كلمة على خمسة زائدٌ حذف الزائد كان نحو دُحَيْرج في مدحرج، لكن الفرق بين الزائد حقيقية وبين الأصلي المشبه له بكونه من حروف " اليوم تنساه " أن مثل ذلك الأصلي لا يحذف إلا إذا كان قريب الطرف بكونه رابعاً، بخلاف الزائد الصرف، فإنه يحذف أين كان، فلا يقال في جَحْمَرِش جُحَيْرش لبعد الميم من الطرف، كما يقال في مُدَحْرج دحيرج، وقال الزمخشري: إن بعض العرب يحذف شبه الزائد أين كان، وهو وهم على ما نص عليه السيرافي والأندلسي، فإن لم يكن مجاور الطرف شيئاً من حروف " اليوم تنساه " لكن يشابه واحداً منها في المخرج حذف أيضاً، فيقال في فرزدق: فَرَيْزِق، لأن الدال من مخرج التاء
قوله " وسمع الأخفش سفيرجل " يعني بإثبات الحروف الخمسة كراهة لحذف حرف أصلي، وبإبقاء فتحة الجيم كما كانت، وحكى سيبويه عن بعض النحاة في التصغير والتكسير سُفَيْرِجَلٌ وسَفَارِجَلُ - بفتح الجيم فيهما - فقال الخليل لو كنت محقراً للخماسي بلا حذف شئ منه لسكنت الحرف الذي قبل الأخير فقلت سُفَيْرِجْلٌ قياسا عى ما ثبت في كلامهم، وهو نحو دُنَيْنِير، لأن الياء ساكنة قال " وَيُرَدُّ نَحْوُ بَابٍ وَنَابٍ وَمِيزَانٍ وَمُوقِظٍ إِلَى أصْلِهِ لِذَهَابِ المُقْتَضِي، بِخِلاَف قَائم وَتُرَاثٍ وَأُدَدٍ، وَقَالُوا عُيَيْدُ لِقَوْلِهِمْ أَعْيَاد "
أقول: اعْلَم أن الاسم إما أن يكون فيه قبل التصغير سبب قلب أو حذف أولا: فإن كان فإما أن يزيل التصغير ذلك السبب، أولا، فما يزيل التصغير سبب القلب الي كان فيه نحو باب وناب، ونحو ميزان ومُوقظ، ونحو طَيٍّ وَليٍّ، ونحو عطاء وكساء، ونحو ذَوَائِب وماءٍ وشاء عند المبرد، وفم، ونحو قائم وبائع، ونحو أرؤر والنّؤر، ونحو مُتَّلج ومُتَّعد 1، وما يزيل التصغير سبب الحذف الذي
كان فيه نحو عصًا وفَتًى وعَمٍ 1 والسبب هو اجتماع الساكنين، وقريب منه ما لم يُزِلِ التصغير سبب الحذف لكنه عرض في التصغير ما يمنع من اعتبار ذلك السبب، كالثلاثي المحذوف منه حرفٌ إما لقصد التخفيف على غير قياس نحو سَهٍ وغَدٍ، ونحو ابن واسم وبنت وأخت وحَمٍ، فإن قصد التخفيف بالحذف لا يمكن اعتباره في التصغير، إذ لا يتم الوزن بدون المحذوف، وإما لإعلال قياسي كعِدَة وزنة، وما لا يزيل التصغير سبب القلب الذي كان في مكبره نحو تُرَاث وَأدَد (2) وما لا يزيل التصغير سبب الحذف الذي كان في مكبره كميت لوقوعها بعد ياء التصغير وهى ساكنة.
وأدؤر جمع دار وأصله أدور قلبت الواو المضمومة ضمة لازمة همزة جوازا، فإذا صغر وقعت العين بعد ياء التصغير في اسم زائد على الثلاثة فوجب أن تكون مكسورة فزال سبب قلب العين همزة.
والنؤور بزنة صبور: النيلج ودخان الشحم، وحصاة كالائمة تدق فتسفها اللثة: والنؤور أيضا المرأة النفور من الريبة، وأصل النؤر النوور، قلبت الواو همزة جوازا لكونها
مضمومة ضما لازما، فأذا صغر زال سبب قلبها همزة لانها تقع ثانيا في المصغر، وهو مفتوح على ما قدمنا.
وأصل متلج ومتعد موتلج وموتعد (بوزان مفتعل) من الولوج والوعد فقلب الواو فيهما تاء لوقوعها قبل تاء الافتعال ثم أدغمت في التاء، فأذا صغرا حذفت تاء الافتعال لانها تخل بصيغة التصغير فيزول بحذفها سبب قلب الواو تاء (1) أصل عصا وفتى عصو وفتى قلبت لامهما ألفا لتحركهما وانفتاح ما قبلهما، ثم حذفت الالف تخلصا من التقاء الساكنين، وكذا التنوين، فإذا صغرا زال سبب قلب لامهما ألفا لوقوعها بعد ياء التصغير التي هي ساكنة، ومتى زال سبب القلب ألفا زال سبب الحذف.
وأصل عم عمى استثقلت الضمة أو الكسرة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان الياء والتنوين فحذفت الياء، فإذا صغر وقعت الياء بعد ياء التصغير الساكنة فلا تستثقل الحركة عليها كما لم تستثقل على نحو ظبي، فيزول سبب الحذف (2) التراث كغراب: المال الموروث، أصله وراث استثقلوا الواو المضمومة في أول الكلمة فأبدلوها تاء إبدالا غير قياسي: وأدد: علم شخصي، وأصله ودد فقلبت
وهارٍ وناسٍ ويَرَى وأرى ونَرَى وترى ويَضَع وتضع وخَيْر وشر (1) وإن لم يكن فيه قبل التصغير سبب قلب ولا حذف فإما أن يعرض في التصغير ذلك كعروض سبب قلب ألف نحو ضارب وحِمَار، وواو جَدْوَل وأسْوَد وعُرْوَة ومِزْوَدٍ وعصفور وعروض (2)، وكعروض سبب حذف خامس نحو سفرجل، وثالثة يا آت نحو أحْوَى (3) ومعاوية وعطاء، وألف نحو مساجد، وما يحذف من نحو مستخرج واستخراج ومنطلق وانطلاق، وإما أن لا يعرض فيه ذلك كما في تصغير نحو رجل وجعفر الواو المضمومة ضمة لازمة همزة جوازا، فإذا صغر واحد من هذين اللفظين لم يزل التصغير سبب القلب فيه لبقاء الضمة.
فالقس الذي أزال التصغير سبب القلب الذي كان فيه اختلف في بعضه: هل ينتفي المسبب لزوال السبب أو لا؟ واتفق في بعضه على أنه ينتفي ذلك بانتفاء سببه، فمما اتفقوا فيه على رجوع الأصل الألف المنقلبة عن الواو والياء ثانية لتحركها وانفتاح ما قبلها، تقول في باب وناب: بُوَيْب وينيب، لزوال فتحة ما قبلهما، وبعض العرب يجعل المنقلبة عن الياء في مثله واواً أيضاً حملا على الاكثر، فإن أكثر الالفا في الأجوف منقلبة عن الواو، وهذا مع مناسبة الضمة للواو بعدها، وبعض العرب يكسر أول المصغر في ذوات الياء نحو نِيَيْب وشِيَيْخ، خوفاً على الياء من انقلابها واواً لضمة ما قبلها، وتَفَصِّياً من استثقال ياء بعد ضمة لو بقيتا كذلك، وهذا كما قيل في الجمع بِيُوت وشِيُوخ - بكسر الفاء - وقرئ به في الكتاب العزيز، وإذا كان الألف في نحو باب مجهول الأصل وجب قلبها في التصغير واواً عند سيبويه، لأن الواو على ما مر أقرب، فتقول في تصغير صَابٍ وآءَةٍ 1 - وهما شجران -: صُوَيْب وَأُوَيْأة، والأخفش يحملها على الياء لحفتها فيقول: صُيَيْب وأُيَيأة، وتقول في " رجلٌ خافٌ " أي خائف، و " كبشٌ صافٌ " برفع لاميهما: خُوَيْفٌ وصُوَيْفٌ، بالواو لا غير، لأنه يجوز أن يكون أصله خائفاً وصائفاً فحذفت العين، فتكون
الألف زائدة، فوجب قلبها واواً كما في ضُوَيرب، وأن يكون خَوِفاً وصَوِفاً كقولك: رجل مَالٌ، من مال يمال كفزع يفزع، فترد الألف إلى أصلها كما في بُوَيْب، وكذا تقول: إن الألف في فتًى ترد إلى أصلها لزوال فتحة ما قبلها، وكذا في العصا ترد إلى الواو، لكنها تقلب ياء لعروض علة قلبها في التصغير ياء ومن المتفق عليه رد الياء المنقلبة عن الواو لسكونها وانكسار ما قبلها إلى أصلها نحو مِيقَاتٍ وريح، تقول في تصغيرهما: مُوَيْقيت ورُوَيحة، لزوال الكسر والسكون، وهذا كما تقول في الجمع مَوَاقيت، وحكى بعض الكوفيين أن من العرب من لا يردها في الجمع إلى الواو، قال: - 36 - حِمّى لاَ يُحَلُّ الدَّهْرَ إِلاَّ بِأَمْرِنَا وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَقْدَ المياثق 1
وإنما قالوا عُيَيْد في تصغير عيد ليفرقوا بينه وبين تصغير عود، وكذلك فرقوا جمعيهما فقالوا أعياد في جمع عيد وأعواد في جميع عود 1 وكذا اتفقوا على ردّ الأصل في قريريط وذنينير لزوال الكسر الموجب لقلب أول المضعف ياء، كما قيل قَرَاريط ودنانير.
وكذا اتفقوا على رد أصل الياء التي كانت أبدلت من الواو لاجتماعها مع الياء وسكون أولاهما، كما تقول في تصغير طَيّ وَلَيّ، لتحرك الأولى في التصغير، وكذا تقول: طُوَيَّان ورُوَيَّان في تصغير طَيَّان (2) ورَيَّان، كما تقول في الجمع: طِوَاء ورِوَاء، وكذا إِذا حقرت قيا (3) وأصله قوى كجبر من الأرض
القواء: أي القفر.
وكذا اتفقوا على رد أصل الهمزة المبدلة من الواو والياء لتطرفها بعد الألف الزائدة، نحو عطاء وقضاء، فتقول: عُطَيٌّ، تردها إلى الواو، ثم تقلبها ياء لانكسار ما قبلها، ثم تحذفها نسيا لاجتماع ثلاث يا آت كما يجئ، وكذا تقلب همزة الإلْحاق في حِرْباء ياء، فتقول: حُرَيْبي، لأن أصلها ياء كما يجئ في باب الاعلال
وإن كانت الهمزة أصلية خليتها كأُلَيِّئة في تصغير ألاءة 1، وإن لم تعرف هل الهمزة صل أو بدل من الواو والياء خليت الهمز في التصغير بحاله ولم تقلبه، إلى أن يقوم دليل على وجوب انقلابه، لأن الهمزة موجودة، ولا دليل على أنها كانت في الأصل شيئاً آخر، وكذلك ترد أصل الياء الثانية في بَرِيَّةٍ (2) وهو الهمزة عند من قال: إنها من برأ أي خلق، لأنها إنما قلب ياء لكون الياء قبلها ساكنة حتى تدغم فيها، ومن جعلها من البرى - وهو التزاب - لم يهمزها في التصغير، وكذا النبي أصله عند سيبويه الهمز، لقولهم تنبأ مسيلمة (3) فخففت بالإدغام كما في برية، فكان قياس التصغير نُبَيِّئ، قال سيبويه: لكنك إذا صغرته أو جمعته على أفعلاء كأنبياء تركت الهمزة لغلبة تخفيف الهمزة في النبي فتقول في التصغير نُبَيٌّ بياءين على حذف الثالث كما في أُخَيّ، وقد جاء النبآء
وكذا اتفقوا على رد الألف في آدم إلى أصلها، وهو الهمزة، في التصغير والجمع، لكنه يعرض للهمزة فيهما ما يوجب قلبها واواً، وذلك اجتماع همزتين متحركتين لا في الآخر غير مكسورة إحداهما، كما يجئ في باب تخفيف الهمزة وكذا اتفقوا على أنك إذا صغرت ذَوَائب اسم رجل قلت: ذؤيئب بهمزتين مكتنفتين للياء، لأن أصل ذَوَائِب ذآئِب بهمزتين، إذ هي جمع ذُؤَابة 1 فكره اكتناف همزتين للألف التي هي لخفتها كلا فصل، فأبدلوا الأولى شاذا لزوماً واواً، وإنما لم يقلبوا الثانية لتعود الأولى إلى القلب في المفرد: أي في ذؤابة، وإنما أبدلت واواً لأنها أبدلت في مفرده ذلك، وليكون كأَوادم وجوامع، هذا، وقال سيبويه في تصغير شاء: شُوَيّ، قال: أصل شاء إما شَوَيٌ أو شَوَوٌ قلبت العين ألفاً واللام همزة وكلاهما (2) شاذ، وفيه جمع بين إعلالين، والقياس قلب اللام
فقط ألفاً، قال: ليس لفظ شاء من شاة لأن أصلها شَوْهَة بدليل شُوَيهة، بل هو بالنسبة إلى شاة كنسوة إلى امرأة، واستدل على كون لامه حرف علة بقولهم في الجمع شَوِيٌّ ككليب، وقال المبرد: شَوِيٌّ من غير لفظ 1 شاء، وأصل شاء شَوَهٌ فهو من شاة كتمر من تمرة، قلبت العين ألفاً على القياس، كما في باب، ثم قلبت الهاء همزة لخفائها بعد الألف الخافي أيضاً، وهذا كما أن أصل ماء مَوَه، قال: فتقول في تصغير شاء: شويه، كما تقول في ماء: مويه، لزوال الألف الخافي في التصغير، فترد اللام إلى أصلها، كما تقول في الجمع: شياه، ومياه وكذا اتفقوا على رد ميم " فم " إلى أصله، وهو الواو، لأنه إنما جعلت مما لئلا تحذف باجتماع الساكنين، فيبقى الاسم على حرف وما اختلف في هذا القسم في رجوع الحرف المقلوب فيه إلى أصله باب قائم ونائم، وباب أدؤر والنؤر، بالهمزة، وباب مُتَّعد، قال سيبويه في الجميع: لا ترد إلى أصولها في التصغير، بل تقول: قويتم، وأديئر، وأدَيْئر، بالهمزة بعد الياء فيهما وكذا نُؤَيِّر، بالهمزة قبل الياء، وَمُتَيْعِد وَمُتَيْزن، ولعل ذلك لأن قلب العين همزة في باب قائل، وقلب الواو في متعد - وإن كانا مطردَيْنِ - إلا أن العلة فيهما ليست بقوية، إذ قلب العين ألفاً في قائم ليس لحصول العلة في جوهره، ألا ترى أن ما قبل العين أي الألف ساكن عريق في السكون، بخلاف سكون
قاف أَقْوَمَ، ومع هذا لم يكن حرف العلة في الطرف الذي هو محل التغيير كما كانت في رِدَاء، فلا جرم ضعف علة القلب فيه ضعفاً تاماً حتى صارت كالعدم،
لكنه حمل في الإعلال على الفعل نحو قال، فلما كانت علة القلب ضعيفة لم يُبَالَ بزوال شرطها في التصغير بزوال الألف، وإنما كان الألف شرط علة القلب لأنها قبل العين المتحركة كالفتحة، أو نقول: هي لضعفها كالعدم فكأن واو قَاوِم متحرك مفتوح ما قبلها، وكذا نقول: إن علة قلب الواو في أو تعد تاء ضعيفة، وذلك لأن الحامل عليه كراهة مخالفة الماضي للمضارع لو لم تقلب الواو تاء، لكون الماضي بالياء والمضارع بالواو، مع كون التاء في كثير من المواضع بدلاً من الواو نحو تُرَاث وتُكَلَة وتَقْوَى 1، ونحو ذلك، ومخالفة الماضي للمضارع غير عزيزة كما في قال يقول وباع يبيع، فظهر أن قلب الواو تاء وإن كان مطرداً إلا أنه لضرب من الاستحسان، ولقد تخفيف الكلمة بالإدغام ما أمكن، ولضعف العلة لم يقلبه بعض الحجازيين تاء، بل قالوا يتعد يا تعد، كما يجئ في باب الإعلال، فلما ضعفت علتا قلب عين نحو قائم وفاء نحو مُتّعد صار الحرفان كأنهما أبدلا لا لِعِلة، فلم يُبَالَ بزوال العلتين في التصغير، فقيل: قويئم بالهمزة، ومتيعد بالتاء وحذف الافتعال، كما في تصغير نحو مرتفع.
وخالف الجرمي في الأول، فقال: قُوَيِّل وبوَيِّع بترك الهمزة لذهاب شرط العلة، وهو قوع العين بعد الألف، وقد اشترط سيبويه أيضاً في كتاب في قلب العين في اسم الفاعل ألفاً ثم همزة وقوعها بعد الألف، واتفق عليه النحاة، فلا
وجه لقول المصنف في الشر إن علة قلب العين ألفاً فيه حاصلة، وهي كونه اسم فاعل من فعل مُعَل، فإن هذه العلة إنما تؤثر بشرط وقوع العين بعد الألف
باتفاق مهم وحالف الزجاج في نحو متعد فقال في تصغيره: مُوَيْعد، لذهاب العلة وهي وقوع الواو قبل التاء، ذلك لأن التاء تحذف في التصغير كما في مُرْتَدع وَمُجْتمع كما يجئ.
وأما نحو أدؤر ونَؤُر فإن سيبويه لم يبال بزوال علة قلب الواو همزة في التصغير وهي كونها واواً مضمومة، لأنها وإن كانت مطردة في جواز قلب كل واو مضمومة ضمة لازمة همزةً، كما يجئ، لكنها استحسانية غير لازمة، نحو وُجُوه ونحوه، فهي علة كلا علة، وخالفه المبرد فقال: إنما همزت الواو لانضمامها، وقد زالت في التصغير فتقول في أدؤر ونَؤُر المهموزين: أُدَيِّر بالياء المشددة ونُوَيِّر بالواو الصريحة، ولا كلام في نحو تُخمة وتُرَاث وتُهْمة 1، لأن قلب الواو تاء لأجل انضمامها في أول الكلمة، فكرهوا الابتداء بحرف ثقيل متحرك بأثقل الحركات، والضمة حاصلة في التصغير، وهذا القلب غير مطرد، بخلافه في نحو اتَّعد قوله " وأُدَد " (2) هو أبو قبيلة من اليمن، وهو أُدد بن زيد بن كهلان بن
سبأ بن حمير، وأدٌّ أبو قبيلة، وهو أد بن طابخة بن الياس بن مضر، يعني أنه في الأصل وُدَد بالواو المضمومة، واستثقل الابتداء بها فقلبت همزة كما في أجوه وأُقِّتَت، وإبدال الواو المضمومة ضمة لازمة همزة في الأول كانت أو في الوسط قياسٌ مطرد لكن على سبيل الجواز لا الوجوب، ولا أدري أي شئ دعاهم إلى دعوى انقلاب همزة أدد عن الواو، وما المانع من كونه من تركيب " أدد " وقد جاء منه الإدُّ بمعنى الأمر العظيم، وغير ذلك قال: " فَإِنْ كَانَتْ مَدَّةٌ ثَانِيَةٌ فَالْوَاوُ لاَزِمَةٌ، نَحْوُ ضُوَيْرِبٍ في ضَارِبٍ وَضُوَيْرِيبٍ في ضِيرَابٍ، وَالاسْمُ عَلَى حَرْفَيْنِ يُرَدُّ مَحْذُوفُهُ، تَقُولُ في عِدَةٍ وَكُلْ اسْماً وَعَيْدَة وَأُكَيْلٌ، وَفِي سه ومذا سما ستيهة ومنيذ، وفي دم وَحِرٍ دُمَيٌّ وَحُرَيْحٌ، وَكَذَلِكَ بَابُ ابْنٍ وَاسْمٍ وَأُخْتٍ وَبِنْتٍ وَهَنْتٍ، بِخِلاَفِ بِابِ مَيْتٍ وَهَارٍ وَنَاسٍ " أقول: قد مر أن نحو ضويرب مما عرض فيه في التصغير علة القلب اعلم أن كل مدة زائدة ثانية غير الواو تقلب في التصغير واواً لانضما ما قبلها، فتقول في ضارب وضيراب وطُومار: ضُوَيرِب وَضُوَيْريب وطُوَيْمِير 1، وأما إن لم تكن زائدة نحو الْقِير (2) والنَّاب فلا، بل تقول: قُيَير ونُيَيْب قوله " والاسم على حرفين يرد محذوفه " هذا من باب ما عرض فيه في التصغير مانع منه من اعتبار سبب الحذف الذي كان في المكبر كما ذكرنا اعلم أن كل اسم ثلاثي حذف فاؤه أو عينه أو لامه وجب في التصغير ردها، يجعلوه بمنزلة عمر " اه وهذا الصنيع منه يشعر بوجود خلاف في همزة أدد، هل هي أصلية أو منقلبة عن الواو، وأنه لم يترجح عنده أحد المذهبين (1) الطومار: الصحيفة، والمؤلف أراد أن يمثل به لما كانت المدة الثانية فيه واوا، وحكمها أن تبقى في التصغير ولا تقلب (2) القير - بالكسر - والقار: شئ أسود يطلى به السفن والابل، أو هما الزفت
لأن أقل أوزان التصغير فُعَيْل، ولا يتم إلا بثلاثة أحرف، فإذا كنت محتاجاً إلى حرف ثالث فَرَدُّ الأصلي المحذوف من الكلمة أولى من اجتلاب الأجنبي، وأما إن كانت الكلمة موضوعة على حرفين أو كُنْتَ لا تعرف أن الذاهب منها أي شئ هو، زدت في آخرها في التصغير ياء، قياساً على الاكثر، لان ما يحذف من الثلاثي اللام دون الفاء والعين، كدمٍ ويدٍ وفم وَحِرٍ، وأكثر ما يحذف من اللام حرف العلة، وهي إما واو، أو ياء، ولو زدت واواً وجب قلبها ياء لاجتماعها مع الياء الساكنة قبلها، فجئت من أول الأمر بالياء، فقلت في تصغير مَنْ وَمِن وأن الناصبة للمضارع وإن الشرطية أعلاماً: مُنَيّ وَأُنَيّ، وأما إذا نسبت إلى مثل هذه فيجيئ حكمها في باب النسب، وتقول في تصغير عدة: وعيدة وهذ التاء وإن كانت كالعوض من الفاء ولذلك لا يتجامعان نحو وَصْلة وَوَعْدَة، لكنه لم يتم بنية تصغير الثلاثي - أي فُعَيْل - بها، لأن أصلها أن تكون كلمة مضمومة إلى كلمة، فلهذا فتح ما قبلها كما فتح في نحو بَعْلَبَك، فالتاء مثل كرب ما قبلها، وأما إذا قامت التاء مقام اللام وصارت عوضاً منه كما في أُخت وبنت فإنها تخرج عما هو حدها من فتح ما قبلها، بل تسكن ويوقف عليها تاء، ولا يعتد بمثل هذه أيضاً في البنية، بل يقال أَخَيَّه برد اللام حفظاً لأصل التاء، وهو الانفصال، وكونُهَا كلمة غير الكلمة الأولى، فإذا لم يعتد بها في البنية في نحو بِنْتٍ مع كونها عوضاً من اللام قائمة مقامها لما فيها من رائحة التأنيث فكيف يعتد بها فيها في نحو عِدَة مع عدم قيامها مقام المعوض منه بدلالة فتح ما قبلها كما هو حقها في الأصل وكذا الوقف عليها هاء، وتقول في كل اسما: أُكَيْل، ترد الهمزة التي هي فاء الكلمة، ولا ترد همزة الوصل، لأنه إنما احتيج إليها لسكون الفاء، وفي المصغر يتحرك ذلك
قوله " وفي مذ " هذا بناء على أن أصله منذ، وقد ذكرنا في شرح (1) الكافية أنه لم يقم دليل عليه قوله " سه " أصله سَتَه وفيه ثلاث لغات إحداها هذه، وهي محذوفة العين، والثانية سَتٌ بحذف اللام مع فتح السين، والثالثة است بحذف اللام وإسكان السين والمجئ بهمزة الوصل فأما إذا سميت بقُمْ وبع فإنك تقول في المكبر: قُومٌ وبيع، كما مر في باب الأَعلام (2) فلا يكون من هذا الباب قوله " وفي دَم وَحِرٍ " لام دم ياء، ولام حِرٍ حاء، حذفت لاستثقال الحاءين بينهما حرف ساكن، وحذفُ العين في سَهٍ ومُذ واللام من حر ودم ليس قياساً بل القياس في نحو عَمٍ وَفَتًى، وحذف الفاء في كُلْ شاذ، وفي عِدَة قياس كما يجئ في موضعه قوله " وكذا باب ابن واسم وبنت وهَنْت " يعني إذا حذفت اللام وأبدلت منها همزة الوصل في أول الكملة أو التاء في موضعه فإنه لا يتم بالبدلين بنية تصغير الثلاثي، بل لابد من رد اللام، وإنما لم يتم بهمزة الوصل لأنها غير لازمة، بل لا تكون إلا في الابتداء، فلو اعتد بها لم تبق البنية في حال الدرج إن سقطت
الهمزة وإن لم تسقط خرجت همزة الوصل عن حقيقتها، لأنها هي التي تسقط في الدرج، وإنما لم يعتد بالتاء في البنية لما فيها من رائحة التأنيث لاختصاص الإبدال بالمؤنث دون المذكر، وإنما قلنا إن الهمزة والتاء بدلان من اللام لأنهما لا تجامعانه، ولم يجئ من الكلمات ما أبدل من لامه تاء فيكون ما قبلها ساكناً ويوقف عليها تاء إلا سبع كلمات: أخت، وبنت، وهَنْت، وَكَيْتَ، وذيْتَ، وثنتان 1