شرح شافية ابن الحاجب - الرضي الأستراباذيصفحات 66-105

الإعلال

صفحات 66-105
عن هذه الطبعة
عَلَم
الأستراباذي، الرضي
الكتاب
شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
المؤلف
محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
الناشر
دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

في اصطلاحهم مختص بتغيير حرف العلة: أي

الألف والواو والياء، بالقلب أو الحذف، أو الإسكان.
ولا يقال لتغيير الهمزة بأحد الثلاثة: إعلال، نحو رَاسٍ ومَسَلَةٍ والمِرَاةِ، بل يقال: إنه تخفيف للهمزة، ولا يقال أيضاً لإبدال غير حروف العلة والهمزة، نحو هِيَّاك وعَلِجِّ 1 في إيّاكَ وعَلِيٍّ.
ولا لحذفها نحو حرفي حِرْح، ولا لإسكانها نحو إبْلٍ في إبِل، ولفظ القلب مختص في اصطلاحهم بإبدال حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض، والمشهور في غير الأربعة لفظ الإبدال، وكذا يستعمل في الهمزة أيضاً قوله: " للتخفيف " احتراز عن تغيير حرف العلة في الأسماء الستة نحو أبوك وأباك وأبيك، وفي المثنى وجمع السلامة المذكر نحو مُسلمان وَمُسلِمَيْن، ومَسلِمُون ومسْلِمِين، فإن ذلك للإعراب لا للتخفيف، وقد اشتهر في اصطلاحهم الحذف الإعلالي للحذف الذي يكون لعلة موجبة على سبيل الإطراد، كحذف ألف عصاً وياء قاضٍ، والحذف الترخيميُّ والحذفُ لا لعلة غير المطرد، كحذف لام يدودم وإن كان أيضاً حذفا للتخفيف قوله " ويجمعه القلبُ، والحذفُ، والإسكانُ " تفسيره كما ذكرنا في تخفيف الهمزة في قوله " يجمعه الإبدال، والحذف، وبين وبين " قوله: " وحروفه الألف، والواو، والياء " أي: حروف الاعلال، تسمى

الثلاثة حروف العلة، لأنها تتغير ولا تبقى على حال، كالعليل المنحرف المزاج المتغير حال بحال، وتغيير هذه الحروف لطلب الخفة ليس لغاية ثقلها بل لغاية خفتها، بحيث لا تحتمل أدنى ثقل، وأيضاً لكثرتها في الكلام، لأنه إن خلت كلمة من أحدها فخلوها من أبعاضها - أعني الحركات - محال، وكلُّ كثير مستثقلٌ وإن خف قوله " ولا تكون الالف أصلا في المتمكن ": أما في الثلاثي فلأن الابتداء بالألف محال والآخر مورد الحركات الإعرابية، والوسط يتحرك في التصغير، فلم يمكن وضعها ألفاً، وأما في الرباعي فالأول والثاني والرابع لما مر في الثلاثي، والثالث لتحركه في التصغير، وأما في الخماسي فالأول والثاني والثالث لما مر في الثلاثيِّ والرباعيِّ، والخامسُ لأنه مورد الإعراب، والرابعُ لكونه معتقب الإعراب في التصغير والتكسير، وأما في الفعل الثلاثي فلتحرك ثلاثتها في الماضي، وأما في الرباعي فلاتباعه الثلاثيّ وقد ذكر بعضهم أن الألف في نحو حاحيت وعاعيت غير منقلبة كما مر في باب ذى الزيادة 1

[... ] عندهم لا يختص بأحرف العلة وما يشبه أحرف العلة، سواء أكان للادغام أم لم يكن، وسواء أكان لازما أم غير لازم، ولا بد فيه من أن يكون الحرف المبدل في مكان الحرف المبدل منه وإذا تأملت هذا علمت أنه لا فرق بين الابدال في اللغة والابدال في اصطلاح أهل هذه الصناعة إلا من جهة أن الاصطلاح خصه بالحروف، وقد كان في اللغة عاما في الحروف وفى غيرها (ب) وللعلماء في تفسير القلب ثلاث طرق: الاولى - وهى التى ذكرها الرضى هنا - أنه جعل حروف العلة والهمزة بعضها مكان بعض، وهو على هذا التفسير يشمل تخفيف الهمزة في نحو بير وسوتم وراس، ويخرج منه إبدال الواو والياء تاء في نحوا اتعد واتسر.
والطريق الثانية - وهى التى سلكها ان الحاجب - أنه جعل حرف مكان حرف العلة للتخفيف، فهو عنده خاص بأن يكون المقلوب حرف علة، وأن يكون القلب للتخفيف، وهو من ناحية أخرى عام في المقلوب إليه حرف العلة، فيخرج عنه تخفيف الهمزة في نحو بير وسوتم وراس وخطايا، ويدخل فيه قلب الواو والياء تاء نحو اتعد واتسر، وهمزة نحو أواصل وأجوه وأقتت والاول.
والطريق الثالثة - وهى التى سلكها غير هذين من متأخرى الصرفيين كالزمخشري وابن مالك - أنه جعل حروف العلة بعضها مكان بعض، فيخرج عنه تخفيف الهمزة وقلب حرف العلة تاء أو همزة أو غيرهما من الحروف الصحيحة، ويدخل هذان النوعان عند هؤلاء في الابدال (ح) الاعلال في اصطلاح علماء العربية: تغيير حرف العلة بالقلب أو التسكين أو الحذف قصدا إلى التخفيف (د) تخفيف الهمزة: تغييرها بحذفها أو قلبها إلى حرف من حروف العلة، أو جعلها بين الهمزة وحروف العلة (هـ) التعويض في اللغة: جعل الشئ خلفا عن غيره، وفى الاصطلاح: جعل الحرف خلفا عن الحرف.
وللعلماء فيه مذهبان: أحدهما أنه يشترط كون الحرف المعوض في غير مكان الحرف المعوض منه، وهذا ضعيف وإن اشتهر عند الكثيرين،

[... ] والثانى أنه يجوز فيه أن يكون الحرف المعوض في غير مكان المعوض منه، وهو الغالب الكثير، نحو صفة وعدة، ونحو ابن واسم بناء على أنه من السمو، ويجوز أن يكون المعوض في مكان المعوض منه، كالتاء في أخت وبنت بناء على رأى، وكالالف في اسم بناء على أنه من الوسم، وكالياء في فرازيق وفريزيق، فانهما في مكان الدال من فرزدق.
فإذا علمت هذا تبين لك ما يأتي: أولا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الاولى - العموم والخصوص المطلق، إذ يجتمعان في إبدال حروف العلة والهمزة، وينفرد الابدال في ادكر أو الطجع ونحوهما مما ليس في حروف العلة والهمزة ثانيا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثانية - العموم والخصوص المطلق أيضا، إذ يجتمعان في نحو قال وباع وميزان وكساء ورداء واتصل واتسر، وينفرد الابدال في تظنى وفى أصيلال ونحوها ثالثا: أن بين الابدال والقلب - على الطريق الثالثة - العموم والخصوص المطلق أيضا، إذ يجتمعان في نحو قال وباع وميزان وسيد وميت، وينفرد الابدال في نحو دينار وقيراط وعلج وتميمج رابعا: أن بين الابدال والاعلال عموما وخصوصا وجهيا، إذ يجتمعان في نحو قال ورمى، وينفرد الابدال في نحو ادكر وازدحم واصطبر واضطجع، وينفرد الاعلال في نحو يقول ويبيع ويذكو ويسمو ويرمى ويقضى، ويعد ويصف، وعد وصف: أمرين من وعد ووصف خامسا: أن بين الابدال وتخفيف الهمزة عموما وخصوصا وجهيا إذ يجتمعان في نحو راس وبير ولوم، وينفرد الابدال في هراق في أراق، وهياك في إياك، وينفرد تخفيف الهمزة في نحو مسلة في مسألة وجيل في جيأل، وضو في ضوء، وشى في شئ سادسا: أن بيد الابدال والتعويض على المشهور التباين، إذ يشترط في الابدال كون المبدل في مكان المبدل منه، ويشترط في التعويض أن يكون العوض في غير مكان المعوض منه.
وعلى غير المشهور يكون بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل

قال: " وقد اتفقتا فاءين كوعد وَيُسْر، وَعَيْنَينِ كَقُوْل وَبَيْع، وَلاَمَيْنِ كَغَزو وَرَمْيٍ، وعينا وَلاَماً كَقُوَّةٍ وَحَيَّةٍ، وَتَقَدَّمَتْ كُلُّ واحدة عَلَى الأُخْرَى: فَاءً وَعَيْناً كَيَوْم وَوَيْلٍ، وَاخْتَلَفَتَا فِي أَنَّ الْوَاوَ تَقَدَّمَتْ عَيْناً عَلَى الْيَاءِ لاَماً، بِخِلاَفِ الْعَكْسِ، وَوَاوُ حَيَوَانٍ بَدِّلٌ مِنَ الْيَاء، وَأَنَّ الْيَاءَ وَقَعَتْ فَاءً وَعَيْناً فِي يين، إبدال تعويض ولا عكس، إذ يجتمعان في نحو فرازيق، وينفرد التعويض في نحو عدة وزنة وابن سابعا: أن بين الاعلال وتخفيف الهمزة التباين، إذ الاعلال خاص بحروف العلة، وتخفيف الهمزة خاص بالهمزة بداهة، ومن أدخل الهمزة في حروف العلة أو نص عليها في تعريف الاعلال، فقال: " إنه تغيير حروف العلة أو الهمزة بالقلب أو الحذف أو الإسكان " كان بين الاعلال وتخفيف الهمزة عنده العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو سال ومقرو، ونبى على أنه من النبأ، وينفرد الاعلال في نحو قال وباع ويقول ويبيع وقل وبع، وينفرد تخفيف الهمزة في جعلها بين بين ثامنا: أن بين الاعلال والقلب - على الطريق الاولى - العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو قال، وينفرد الاعلال في نحو يقول وقل، وينفرد القلب في نحو بير وراس، وهذا على الرأى المشهور.
أما على رأى من يجعل الهمزة من حروف العلة فيكون بين القلب والاعلال - على الطريق المذكورة - العموم والخصوص المطلق، إذ ينفرد الاعلال عن القلب في الحذف والتسكين، ويكون بينهما - على الطريق الثانيه والثالثة - العموم والخصوص المطلق، إذ يجتمعان في نحو قال ورمى وأواصل واتعد واتسر، وينفرد الاعلال في الحذف والاسكان تاسعا: أن بين الاعلال والتعويض التباين عاشرا: أن بين القلب - على الطريق الاولى - وتخفيف الهمزة العموم والخصوص الوجهى، إذ يجتمعان في نحو بير، وينفرد تخفيف الهمزة في نحو مسلة، وينفرد القلب في نحو قال.
أما على الطريق الثانية والثالثة فبينهما التباين، إذ شرط القلب أن يكون المقلوب حرفا من حروف العلة، وتخفيف الهمزة خاص بها حادى عشر: أن بين تخفيف الهمزة والتعويض التباين، وهو واضح

وَفَاءً وَلاَماً فِي يَدَيْتُ، بِخِلافِ الْوَاوِ، إلاَّ فِي أَوَّلَ عَلَى الأَصَحِّ، وَإلاَّ فِي الْوَاوِ عَلَى وَجْهٍ، وَأَنّ الْيَاءِ وَقَعَتْ فَاءً وَعَيْناً ولاما في يبيت، بِخِلاَفِ الْوَاوِ إلاَّ فِي الْوَاوِ عَلَى وَجْهٍ " أقول: اعلم أن كون الفاء ياء والعين واواً لم يسمع إلا في يَوْم ويُوح 1، ولم يسمع العكس إلا في نحو وَيْل (2) وَوَيْح (3) وَوَيْس (4) ووَيْب (5)، واتفقتا أيضاً في كونهما عيناً ولاماً كَقَوٍّ (6) وَبَوِّ (7) وَحَيٍّ وَعِيٍّ (8)، وكلاهما قليلان قلة كون العين واللام حلقيين كلحِحَ (9) وَبَعَّ (10) وبخ (11)، وأهمل كونهما

همزتين، وندر كونهما هاءين، نحو قَةَ 1 وَكَهَّ (2) في وجهي، وكون الواو عيناً والياء لاماً نحو طويت أكثر من كون العين واللام واوين كَقُوَّة، فالحمل على الأول عند خفاء الأصل أولى، فيقال: إن ذا في اسم الإشارة أصله ذَوَى لا ذَوَو 2 قوله " الواو تقدمت عيناً على الياء لاماً " هو كثير: (نحو) طَوَيْت وَنَوَيْت وَغَوِيتُ، بخلاف العكس: أي لم يأت العين ياء واللام واواً، لأن الوجه أن يكون الحرف الأخير أخف مما قبله، لتثاقل الكلمة كلما ازدادت حروفها، والحرف الأخير معْتقَب الإعراب قوله " وواو حيوان بدل من ياء " عند سيبويه وأصحابه، أبدلت منها لتوالى الياءين، وأبدلت الثانية، لأن استكراه التتالي إنما حصل لأجلها، وأيضاً لو أبدلت العين واواً لحمل على باب طَوَيْت الكثيرِ، وظن أنها أصل في موضعها، لكثرة هذا الباب، فلما قلبت الثانية واواً صارت مستنكرة في موضعها، فيتنبه بذلك على كونها غير أصل، وقال المازني: واو حَيَوان أصل، وليس في حَيِيتُ دليل على كون الثانية ياء، لجواز أن يكون كشقيت ورضيت، قلبت ياء لانكسار ما قبلها، لكن سيبويه حكم بما حكم لعدم نظيره في كلامهم لو جعل الواو أصلاً.
قوله " وأن الياء وقعت فاء وعينا في يين " هو وادٍ ولا أعلم له نظيرا

قوله " إلا في أوَّل على الأصح " يعني أن فاءه وعينه واوان أيضاً على الأصح، كما مر 1 فالحق أن الواو والياء متفقتان ههنا في كون كل واحدة منهما فاء وعيناً، كل واحدة منهما في كلمة واحدة فقط (2)، وكون الفاء والعين من جنس واحد قليل نادر في غير حروف العلة أيضاً نحو بير (3) لا لتقاء مثلين مع تعذر إدغام أولهما في الثاني، وتقل الكراهة شيئاً بوقوع فصل نحو كَوْكَب، وبحصول موجب الإدغام كما في أوَّل قوله " وفاء ولاما في يَدَيْت " أي: أصبت يده، وأنعمت قوله " إلا في الواو على وجه " ذهب أبو علي إلى أن أصل واو وَيَو لكراهة بناء الكلمة عن الواوات، ولم يجئ ذلك في الحرف الصحيح إلا لفظة بَبِّه (4)، وذلك لكونها صوتاً، وذهب الأخفش إلى أن أصله وَوَو، لعدم تقدم الياء عيناً على الواو لاما، فتقول على مذهب أبي علي: وَيَّيْتُ واواً، قلبت الواو الأخيرة ياء كما في أعْلَيْت، وتقول في مذهب الأخفش: أوَّيْتُ، وقال ثعلب: وَوَّيْتُ، ورده ابن جني، وهو الحق، وذلك لأن الاستثقال في وَوَّيْت أكثر منه في وَوَاصل، لاجتماع ثلاث واوات واعلم أن تماثل الفاء واللام في الثلاثي قليل، وإن كانا صحيحين أيضاً كَقَلًق وَسَلَس.
قوله " وأن الياء وقعت فاء وعينا ولاما في يَيَّيْتُ " مذهب أبي علي أن

أصل الياء يَوَى، فتقول: يَوَّيْت ياء حسنة: أي كتبت ياء، وعند غيره أصله يَيَي، وكذا الخلاف بينهم في جميع ما هو على حرفين من أسماء حروف المعجم ثانية ألف، نحو باتا ثا را، فهم يقولون: بَيَّيْت وتييت وثييت، إلى آخرها، وقال أبو علي: بَوَّيْتُ إلى آخرها، وعند أبي على جمعها: أَبْوَاء وأَتْوَاء وعند غيره: أَبْيَاء وَأَتْيَاء، وإنما حكموا بذلك لورود الإمالة في جميعها، وليس بشئ، لأنه إنما تمال هذه الأسماء وهي غير متمكنة فألفاتها في ذلك الوقت أصل، كألف ماولا، وإنما يحكم على ألفاتها بكونها منقلبة إذا زيد على آخرها ألف أخرى وصيرت همزة، قياساً على نحو رداء وكساء، وذلك عند وقوعها مركبة معربة، فألحقوا إذن ألفاتها بألفات سائر المعربات في كونها منقلبة، وهي لا تمال ألفها إذن، كما مر في باب الإمالة 1، فلا دلالة إذن في إمالتها قبل التركيب على كون ألفاتها بعد التركيب في الأصل ياء، وإنما حكم أبو علي بكونها واواً وبأن لامها ياء لكثرة باب طَوَيْت ولويت، وكونه أغلب من باب قُوَّة وَحَييت، وأما حيوان فواوه ياء على الأصح، كما مر، وما ثانية ألف من هذه الأسماء وبعده حرف صحيح نحو دال ذال صاد ضاد كاف لام فقبل إعرابها وتكريبها لا أصل لألفاتها، لكونها غير متمكنة في الأصل، كما مر، وأما بعد إعرابها فجعلها في الأصل واواً أولى من جعلها ياء، لأن باب دار ونار أكثر من باب ناب وغاب، فتقول: ضَوَّدْتُ ضاداً، وكَوَّفت كافاً، وَدَوَّلت دالاً، والجمع أضواد وأكواف وأدوال، وأما جيم وشين وعَيْن فعينها ياء نحو بَيْت ودِيك، إذ الياء موجودة، ولا دليل على كونها عن الواو، ويجوز عند سيبويه أن يكون أصل جيم فُعْلاً - بضم الفاء، وفِعْلاً - بكسرها - خلافا للاخفش (2)

قال: " الفاء: تُقْلَبُ الْوَاوُ هَمْزَةً لُزُوماً فِي نَحْوِ أَوَاصِلَ وَأُوَيْصِلٍ، وَالأُوَلِ، إِذَا تَحَرَّكَتِ الثَّانِيَةُ، بِخِلاَفِ وُورِيَ، وَجَوَازاً فِي نَحْوِ أجُوهٍ وَأُورِيَ، وَقَالَ الْمَازِنِيُّ: وَفِي نَحْوِ إشَاحٍ، وَالْتَزَمُوهُ فِي الأَولَى حَمْلاً عَلَى الأَوَلِ، وأما أُنَاةٌ وَأَحَدٌ وَأَسْمَاءُ فَعَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ ". أقول: اعلم أنهم استثقلوا اجتماع المثلين في أول الكلمة، فلذلك قل نحو ببر وددن، فالواوان إذا وقعتا في الصدر - والواو أثقل حروف العلة - قلبت أولاهما همزة وجوباً، إلا إذا كانت الثانية مدة منقلبة عن حرف زائد، نحو وُورِيَ في وَارَى، فإنه لا يجب قلب الأولى همزة، لعروض الثانية من جهتين: من جهة الزيادة، ومن جهة انقلابها عن الألف، ولكون المد مخففاً لبعض الثقل، وإن لم تكن الثانية مدة: سواء كانت منقلبة عن حرف زائد كأواصل وَأُوَيْصل، أو غير منقلبة عنه كأوْعَد على جَوْرَبٍ من وعد، وكذا إن كانت مدة لكنها غير منقلبة عن شئ كما تقول من وعد على وزن طُومَار 1: أو عاد، وجب قلبُ الأولى همزة، وكذا إذا كانت الثانية منقلبة عن حرف أصلي، كما قال الخليل في فُعْل من وَأَيْتُ مخففاً: أُويٌ (2) ومن ذلك مذهب الكوفية في أُولى، فإن أصله عندهم وؤلى، ثم وولى الياء واوا لتسلم الضمة؟ ذهب سيبويه إلى الاول والاخفش إلى الثاني، وسيأتى هذا الخلاف مبسوطا ومعللا في كلام المؤلف في هذا الباب، فقول المؤلف " ويجوز عند سيبويه أن يكون أصل جيم فُعْلاً - بضم الفاء - وفِعْلاً - بكسرها - خلافاً للأخفش " معناه أنه يتعين على قول الاخفش أن تكون على فعل - بالكسر - إذ لو كانت فعلا - بالضم - لوجب عنده قلب الياء واوا، فكان يقال: جوم، وأما على مذهب سيبويه فيجوز أن تكون الكسرة أصلية، فهو فعل - بالكسر - ويجوز أن تكون الكسرة منقلبة عن ضمة فأصله فعل - بالضم - (1) الطومار: الصحيفة.
وانظر (ح 1 ص 198، 217) (2) أصل أوى وؤى - كقفل - ثم خفف بقلب همزته الساكنة واوا كما تخفف سؤلا: فصار وويا، فاجتمع واوان في أول الكلمة فوجب قلب أولاهما همزة.

ثم أولى، وعليه قراءة قالون (عَادَ لُؤلَى) (1) بالهمزة عند نقل حركة همزة أولى إلى لام التعريف، ورد المازني على الخليل بأن الواو في مثله عارضة غير لازمة، إذ تخفيف الهمزة في مثله غير واجب، فقال: يجوز أُويٌ ووُويٌ، لضمة الواو، لا لاجتماع الواوين، كما في وجوه وأجوه وإن كانت الثانية أصلية غير منقلبة عن شئ وجب قلب الأولى همزة: سواء كانت الثانية مدة كما في الأولى عند البصرية وأصله وولى، أو غير مدة كالأول عندهم.
وقول المصنف " إذا تحركت الثانية " هذا شرط لم يشترطه الفحول من النحاة كما رأيت من قول الخليل: أوى، في وُوى، وقال الفارسي أيضاً إذا اجتمع الواوان أبدلت الأولى منهما همزة كأويصل، ثم قال: ومن هذا قولهم الأولى في تأنيث الأول، ثم قال: وإن كانت الثانية غير لازمة لم يلزم إبدال الأولى منهما همزة كما في ووُرِي، وقال سيبويه: إذا بنيت من وعد مثل كوكب قلت: أوعد، فقد رأيت كيف خالفوا قول المصنف، وبنى المصنف على مذهبه أن قلب الأولى في أوى (2)

  • كما يجئ في مسائل التمرين - غَيْرُ واجب، وأن واواً أولى قلبت همزةً وجوباً، حملاً للواحد على الجمع هذا، وإنما قلبت الواو المستثقلة همزة لاياء لفرط التقارب بين الواو والياء، والهمزة أبعد شيئاً، فلو قلت ياء لكان كأن اجتماع الواوين المستثقل باق.
    قوله " وجواز في نحو أُجُوه وأورِي " كل واو مخففة غير ما ذكرنا مضمومة ضمة لازمة: سواء كانت في أول الكلمة كوُجُوه، ووُعِد، وووري، أو في حشوها كأدْؤُر وأنْؤُر والنُّؤُور 1 فقلبها همزة جائز جوازاً مطرداً لا ينكسر، وذلك لأن الضمة بعض الواو، فكأنه اجتمع واوان، وكان قياس الواوين المجتمعين غير أول نحو طَوَوِيّ جواز قلب الأولى همزة، لكن لما كان ذلك الاجتماع بياء النسبة وهي عارضة كالعدم - كما تقرر في باب النسبة - صار الاجتماع كلا اجتماع.
    هذا، وإن كان الضم على الواو للإعراب نحو هذه دَلْوُك أو للساكنين نحو اخْشَوُا القوم، لم تقلب همزة، لعروض الضمة، وإن كانت الواو المضمومة مشددة كالتقوُّل لم تقلب أيضاً همزة، لقوتها بالتشديد وصيرورتها كالحرف الصحيح قوله " وقال المازني وفي نحو إشاح " يعني أن المازني يرى قلب الواو المكسورة المصدرة همزة قياساً أيضاً، والأولى كونه سماعياً، نحو إشاح (2) وإعاء وإلْدَة (3) وإفادة (4) في ولدة ووفادة، وإنما جاء القلب في المكسورة

أيضاً لأن الكسرة فيها ثقل أيضاً، وإن كان أقل من ثقل الضمة، فاستثقل ذلك في أول الكلمة دون وسطها، نحو طَوِيل وعَوِيل 1، لأن الابتداء بالمستثقل أشنع وأما الواو المفتوحة المصدرة فليس قلبها همزة قياساً بالاتفاق، بل جاء ذلك في أحرف، نحو أناة (2) في وَنَاةٍ، وأجَمَ في وَجَم (3)، وأحدٍ في وَحَد، وأسْمَاء في اسم امرأة فَعْلاَء من الوسامة عند الأكثرين، وليس بجمع، لأن التسمية بالصفة أكثر من التسمية بالجمع، وقال بعض النحاة: أصل أخَذَ وخذ، بدلالة اتخذ كاتَّصَل (4) قال سيبويه (ج 2 ص 355): " ولكن ناسا كثيرا يجرون الواو إذا كانت مكسورة مجرى المضمومة فيهمزون الواو المكسورة إذا كانت أولا، كرهوا الكسرة فيها، كما استثقل في ييجل وسيد وأشباه ذلك، فيمن ذلك قولهم: إسادة، وإعاء، وسمعناهم ينشدون البيت لابن مقبل: إلا الا فادة فاستولت ركائبنا عند الجبابير بالبأساء والنعم " اه (1) العويل: رفع الصوت بالبكاء، وانظر (ج 2 ص 176) (2) قال في اللسان: " امرأة وناة وأناة وأنية: حليمة بطيئة القيام، الهمزة فيه بدل من الواو.
وقال اللحيانى: هي التى فيها فتور عند القيام والقعود والمشى.
وفى التهذيب: فيها فتور لنعمتها " اه بتصرف (3) الوجوم: السكوت على غيظ، وقد وجم يجم وجما ووجوما، وقالوا: أجم، على البدل (4) يريد أن بعض النحاة لما رأى أن العرب تقول: اتخذ بمعنى أخذ، والمقرر عندهم أن الهمزة لا تقلب تاء، ولذلك خطأوا المحدثين في روايتهم " أمرنى رسول الله أن أتزر " تحلل من ذلك بأن ذكر أن أخذ أصله وخذ، فاتخذ ليس من المقلوب عن الهمزة، ولكنه عن الواو، وهو رأى غير سديد، لان اتخذ يجوز أن يكون ثلاثيه المجرد تخذ بدليل قول الشاعر وهو جندب بن مرة الهذلى: تخذت غراز إثرهم دليلا وفروا في الحجاز ليعجزوني

ولم يأت في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة كما جاء ما أوله واو مضمومة إلا يِسار لغة في يَسَار لليد اليسرى، ويِقَاظ جمع يَقْظَان.
وربما فروا من اجتماع الواوين في أول الكلمة بقلب أولاهما تاء كما في تَوْرَاة وتَوْلج (1)، وهو قليل، كما يفر من واو واحدة في أول الكلمة بقلبها تاء نحو تراث (2) وتقوى قال " وتُقْلَبَانِ تَاءً فِي نَحْوِ اتَّعَدَ وَاتَّسَرَ، بِخَلاَفِ اِيتَزَرَ " أقول: اعلم أن التاء قريبة من الواو في المخرج، لكون التاء من أصول الثنايا، والواو من الشفتين، ويجمعهما (3) الهَمْسُ، فتقع التاء بدلا منها كثيرا، وإذا كانت محتملة لهذا الوجه وهو وجه لا شذوذ فيه سقط الاستدلال بها على ما ذكره، وقد قرئ قوله تعالى: (لو شئت لتخذت عليه أجرا) (1) التولج: كناس الوحش، والمكان الذى تلج فيه، وأصله وولج - بزنة كوثر - من الولوج (2) التراث: المال الموروث، وانظر (ج 1 ص 207 - 216) (3) مفاد كلام المؤلف أن الواو من الحروف المهموسة، وليس كذلك، لان حروف الهمس هي المجموعة في قولهم: حثه شخص فسكت، وليست الواو منها، بل هي من الحروف المجهورة، ولذلك علل غيره من النحاة بغير هذا التعليل، قال ابن يعيش (ح 10 ص 37): " ولما رأوا مصيرهم إلى تغيرها (يريد الواو) بتغير أحوال ما قبلها، قلبوها إلى التاء، لانها حرف جلد قوى لا يتغير بتغير أحوال ما قبله، وهو قريب المخرج من الواو، وفيه همس مناسب لين الواو " اه.
وقال أبو الحسن الاشمونى في شرحه للالفية عند قول ابن مالك ذو اللين فاتا في افتعال أبدلا وشذ في ذى الهمز نحو ائتكلا: " أي إذا كان فاء الافتعال حرف لين: يعنى واوا أو ياء، وجب في اللغة الفصحى إبدالها تاء فيه وفى فروعه من الفعل واسمى الفاعل والمفعول لعسر النطق

لكنه مع ذلك غير مطرد، إلا في باب افْتَعَل، لما يجئ، نحو تُراث وتَجاه وتَوْلج وتَتْرَى (1) من المواترة، والتُّلَج (2) والتُّكأة (3) وتَقْوَى من وَقَيْت، وَتَوْرَاة (4) عند البصريين فَوْعلة من وَرَى الزند، كَتوْلج، فإن كتاب الله نور بحرف اللين الساكن مع التاء لما بينهما من مقاربة المخرج ومنافاة الوصف، لان حرف اللين من المجهور والتاء من المهموس " اه.
هذا على المصطلح عليه في معنى الهمس، ولعله يريد منه معنى أوسع من المعنى: الاصطلاحي كالذى ذكره صاحب اللسان عن شمر حيث قال: " قال شمر: الهمس من الصوت والكلام: مالا غرر له في الصدر، وهو ما همس في الفم " (1) قال في اللسان: " وجاءوا تترى، وتترى (الاول غير منون والثانى منون): أي متواترين، التاء مبدلة من الواو، قال ابن سيده: وليس هذا البدل قياسا، إنما هو في أشياء معلومة، ألا ترى أنك لا تقول في وزير: تزير، إنما تقيس على إبدال التاء من الواو في افتعل وما تصرف منها إذا كانت فاؤه واوا، فأن فاءه تقلب تاء وتدغم في تاء افتعل التى بعدها، وذلك نحو اتزن، وقوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترى) من تتابع الاشياء وبينها فجوات وفترات، لان بين كل رسولين فترة، ومن العرب من ينونها فيجعل ألفها للالحاق بمنزلة أرطى ومعزى، ومنهم من لا يصرف، يجعل ألفا للتأنيث بمنزلة ألف سكرى وغضبى، قال الازهرى: قرأ أبو عمرو وابن كثير منونة، ووقفا بالالف، وقرأ سائر القراء تترى غير منونة " اه (2) التلج: فرخ العقاب، وهو مأخوذ من الولوج، فأصله ولج كصرد (3) التكأة - كتخمة -: العصا، وما يتكأ عليه، والرجل الكثير الاتكاء، وأصله وكأة، بدليل توكأت (4) اختلف النحويون في التوراة، فقال البصريون تاؤها بدل من الواو، وأصلها ووراة على وزن فوعلة، وذهبوا إلى أن اشتقاقها من ورى الزند، إذا أخرج النار، وذلك لان كتاب الله تعالى يهتدى به، والنار مصدر النور الذى يهتدى به، ونصر هذا المذهب أبو على الفارسى، لان فوعلة في الكلام أكثر من تفعلة مثل الحوصلة والجوهرة والدوخلة والحوقلة، وهو مصدر قياسي لكل فعل على

وعند الكوفيين هما تَفْعله وتَفْعَلٌ، والاول أولى، لكون فَوْعَل أكثر من تَفْعل والتاء أقل مناسبة للياء منها للواو، فلذلك قل إبدالها منها، وذلك في ثِنْتَان وكِلْتا على قول (1) وإبدال التاء من الواو (في الأول) أكثر منه في غيره، نحو أحت وبنت، ولولا أداؤها لشئ من معنى التأنيث لم تبدل من الواو في الآخر، فلما كثر إبدال التاء من الواو في الأول واجتمع معه في نحو أو تعد واو تصل داعٍ إلى قلبها مطلقاً، صار قلبها تاء لازماً مطرداً، وذلك الداعي إلى مطلق القلب حصولُ التخالف في تصاريفه بالواو والياء لو لم يقلب، إذ كنت تقول: ايتَصَل، وفيما لم يسم فاعله أو تُصِل، وفي المضارع واسم الفاعل والمفعول يَوْتَصِل مُوتَصَل مُوتَصَل، وفي الأمر ايتَصِل، فلما حصل هذا الداعي إلى مطلق قلبها إلى حرف جَلْد لا يتغير في الاحوال - وللواو مثال فوعل، والحمل على الكثير أولى، وذهب قوم منهم أبو العباس المبرد إلى أن توراة تفعلة - بكسر العين - وأصلها تورية مصدر ورى - بالتضعيف - ثم نقلت حركة الياء إلى ما قبلها ثم قلبت الياء ألفا على لغة طيئ الذين يقولون: باداة وناصاة وجاراة وتوصاة في بادية وناصية وجارية وتوصية، فصار توراة والاشتقاق عندهم كالاشتقاق عند الفريق الاول، إلا أن فعل هذا مضعف العين، وضعف النحاة هذا المذهب بأن تفعلة في الاسماء قليل، وأنت لو تدبرت ما ذكرناه لعلمت أن أبا العباس لم يحمله على القليل، إذ القليل إنما هو تفعلة من الاسماء، فأما المصادر فأكثر من أن يبلغها الحصر، وهذا الوزن قياس مطرد في مصدر فعل المضعف العين المعتل اللام كالتزكية والتعزية والتوصية ومهموز اللام كالتجزئة والتهنئة، ويأتى قليلا في صحيح اللام نحو التقدمة، ومن القليل في الاسماء التدورة وهو المكان المستدير تحيط به الجبال والتتوبة وهى اسم بمعنى التوبة، ولولا ما فيه من قلب الياء ألفا اكتفاء بجزء العلة لكان مذهبا قويا (1) انظر في الكلام على هاتين الكلمتين (ج 1 ص 221)

بانقلابها عهدٌ قديم - كان انقلابها تاء ههنا أولى، ولا سيما (و) بعدها تاء الافتعال، وبانقلابها إليها يحصل التخفيف بالإدغام فيها، والياء وإن كانت أبعد عن التاء (من الواو) وإبدالها منها أقل، كما ذكرنا، لكن شاركت الواو ههنا في لزوم التخالف لو لم تقلب، إذ كنت تقول ايتسر، وفي المبنى للمفعول أو تسر، وفي المضارع يَيْتَسِر، وفيما لم يسم فاعله يُوتَسَر، وفي الفاعل والمفعول مُوتَسِر ومُوتَسَر، فأتبعت الياء الواو في وجوب القلب والإدغام فقيل: اتَّسَر، وأما افتعل من المهموز الفاء - نحو ائتزر وائتمن - فلا تقلب ياؤه تاء، لأنه وإن وجب قلب همزته مع همزة الوصل المكسورة ياء، وحكم حروف العلاة المنقلبة عن الهمزة انقلاباً واجباً حكم حروف العلة، لا حكم الهمزة، كما تبين في موضعه، لكن لما كانت همزة الوصل لا تلزم، إذ كنت تقول نحو " قال ائتزر " فترجع الهمزة إلى أصلها، روعى أصل الهمزة، وبعض البغاددة جَوِّز قلب يائها تاء فقال: اتز واتَّسَرَ، وقرئ شاذاً (الَّذِي اتُّمِنَ أمَانَتَهُ) وبعض أهل الحجاز لا يلتفت إلى تخالف أبنية الفعل ياء وواوا، فيقول: ايتعد وايتسر، ويقول في المضارع: يا تعد ويا تسر، ولا يقول يوتعد وييتسر، استثقالاً للواو والياء بين الياء المفتوحة والفتحة، كما في ياجل وياءَسُ، واسم الفاعل موتعد وموتسر، والأمر ايتَعِدْ وايتَسِرْ، هذا عندهم قياس مطرد قال: " وَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً إذَا انْكَسَرَ مَا قبلها، والياء واو إذَا انْضَمَّ مَا قَبْلَها، نَحْوُ مِيزَانٍ وَمِيقَاتٍ، وَمُوقِظِ وَمُوسِر " أقول: اعلم أن الواو إذا كانت ساكنة غير مدغمة وقبلها كسرة، فلا بد من قلبها ياء، سواء كانت فاء كمِيقَاتٍ أو عيناً نحو قيل (1)، وأما إذا كانت

لاماً فتقلب ياء وإن تحركت كالداعِي، لأن اللام محل التغيير، وإن كانت فاء متحركة مكسوراً ما قبلها لم تقلب ياء، نحو إوزَّه، وأصله إوْزَزَة، وكذا العين نحو عوَض، إلا أن تكون عين مصدرٍ معلٍّ فعلُه، نحو قام قِياماً، أو عين جمع معل واحده كديم 1، كما يجئ بعد، وإنما لم تقلب المتحركة التي ليست لاماً ياء لكسرة ما قبلها لقوتها بالحركة، فلا تجذبها حركة ما قبلها إلى في شرح الكافية (ج 2 ص 251) حيث يقول: " في ما اعتل عينه من الماضي الثلاثي نحو قال وباع فيما بنى للمفعول منه ثلاث لغات: قيل وبيع باشباع كسرة الفاء - وهى أفصحها، وأصلهما قول وبيع استثقلت الكسرة على حرف العلة فحذفت عند المصنف ولم تنقل إلى ما قبلها، قال: لان النقل إنما يكون إلى الساكن دون المتحرك، فبقى قول وبيع - بياء ساكنة بعد الضمة - فبعضهم يقلب إلىاء واوا لضمة ما قبلها، فيقول قول ونوع، وهى أقل اللغات، والاولى قلب الضمة كسرة في اليائى فيبقى ببيع، لان تغيير الحركة أقل من تغيير الحرف، وأيضا لانه أخف من بوع، ثم حمل " قول " عليه لانه معتل عين مثله، فكسرت فاؤه، فانقلبت الواو الساكنة ياء.
وعند الجزولى استثقلت الكسرة على الواو والياء فنقلت إلى ما قبلهما، لان الكسرة أخف من حركة ما قبلهما، وقصدهم التخفيف ما أمكن، فيجوز على هذا نقل حركة إلى متحرك بعد حذف حركته إذا كانت حركة المنقول أخف من حركة المنقول إليه، فبقى قول وبيع، فقلبت الواو الساكنة ياء كما في ميزان، قال: وبعضهم يسكن العين ولا ينقل الكسرة إلى ما قبلها، فيبقى الواو على حالها، ويقلب الياء واوا، لضمة ما قبلها، وهذه أقلها، لثقل الضمة والواو، والاولى أولى، لخفة الكسرة والياء، وقول الجزولى أقرب، لان إعلال الكلمة بالنظر إلى نفسها أولى من حملها في العلة على غيرها، والمصنف إنما اختار حذف الكسرة لاستبعاد نقل الحركة إلى متحرك، ولا بعد فيه على ما بينا " اه (1) الديم: جمع ديمة - ككسرة وكسر - وهى المطر الدائم في سكون ليس فيه رعد ولا برق.
انظر (ح 2 ص 104)

ناحيتها، مع كونها في غير موضع التغيير، وكذا إذا كانت مدغمة، نحو اجلوذا (1)، لأنها إذن قوية فصارت كالحرف الصحيح، وقد تقلب المدغمة ياء، نحو اجْلِيواذ، ودِيوَان، كما تقلب الحروف الصحيحة المدغمة ياء،، نحو دينار قوله " والياء واواً إذا انضم ما قبلها " إذا انضم ما قبل الياء فإن كانت ساكنة متوسطة فلا يخلو: إما أن تكون قريبة من الطرف، أو بعيدة منه.
فإن كانت بعيدة منه بأن يكون بعدها حرفان قلبت الياء واواً، سواء كانت زائدة كما في بُوطِر (2) أو أصلية كما في كُولَلٍ، على وزن سُوددٍ من الكَيْل، وكذا فُعْلِلَ يفعلل منه، نحوكولل يُكَيْلل، وسواء كانت الياء فاء كمُوقِن وأُوقِنُ، أو عيناً نحو كُولَل، إلا في فُعْلَى صفة نحو كيصى (3) وضيزى (4) وفى فعلان جمعا نحو بيضان، كما يجئ حكمهما، ولا تقلب الضمة لأجل الياء كسرة، وذلك لأن الياء بعيدة من الطرف، فلا يطلب التخفيف بتبقيتها بحالها، بل تقلب واواً إبقاءً على الضمة، إذ الحركات إذا غيرت تغير الوزن، وبإبدال

الحرف لا يتغير، والإبقاء على الوزن أولى إذا لم يعارض ذلك موجب لإبقاء الياء على حالها مثل قربها من الطرف الذي هو محل التخفيف، كما في بيض، وإذا كانت الضم التي قبلها من كلمة والياء الساكنة من كلمة أخرى، نحو يَا زَيْدُ اوْأَس، قال سيبويه: يقول بعض العرب: يا زيدُ ايْأس، بالياء، تشبيهاً بقيل مُشَمًّا، واستضعفه سيبويه، وقال: يلزم أن يقال: يا غُلاَمِ اوْجَلْ، بالواو، مع كسرة ما قبلها، ولهم أن يفرقوا باستثقال الواو في أول الكلمة مع كسرة ما قبلها، بخلاف الياء المضموم ما قبلها، إذ ثبت له نظير نحو قيلَ، وإن كانت قريبة من الطرف بأن يكون بعدها حرف، فإن كان جمع أفْعَلَ كبِيضٍ وجب قلب الضمة كسرة إجماعاً، لاستثقالهم الجمع مع قرب الواو من الطرف الذي هو محل التخفيف، وحُمِل فُعْلاَنُ عليه، لكونه بمعناه، مع أن فُعْلاً أكثر كبِيض وبِيضان، وجعل ياء فُعْلَى صفة كحِيكى 1 وضيزى كالقريبة من الطرف، لخفة الألف مع قصد الفرق بين فُعْلَى اسماً وبينها صفة والصفة أثقل والتخفيف بها أولى، فقيل طوبى في الاسم وضيزى في الصفة، وأما بِيع فأصله بُيع، حذفت كسرته ثم قلبت الضمة كسرة، وبعضهم يقول بُوع بتغيير الحرف دون الحركة حملاً على قُولَ، وإن لم تكن القريبةُ من الطرف شيئاً من هذه الأشياء كفُعْل من البَيْع وتُفْعُل منه فقد يجئ الخلاف فيها، وإن كانت الياء المضموم ما قبلها لاماً فإنه يكسر الضم نحو الترامي، وإن كانت متحركة أيضاً، ولا تقلب واواً، لأن آخر الكلمة ينبغي أن يكون خفيفاً، حتى لو كان واواً قبلها ضمة قلبت ياء والضمة كسرة كالتغازى

وإن كانت الياء المضموم ما قبلها خفيفة متحركة، فإن كانت فاء أو عيناً سلمت: سواء كانت مفتوحة كمَيسَّر وهيام 1 وعُيَبَة (2) أو مضمومة نحو تُيُسِّر وعُيُن في جمع عِيان (3) وبُيُض في جمع بَيُوض (4) كما ذكرنا في باب الجمع، وإن كانت لاماً كسرت الضمة كما ذكرنا، لأن الآخر محل التخفيف وإن كانت الياء المضموم ما قبلها مشددة سلمت نحو سُيَّل (5) ومُيَّل (6) وإن كانت أخيراً: فإن كانت الكلمة على فُعْل كلُيٍّ في جمع ألْوَى (7) جاز إبقاء الضمة وجعلها كسرة، وإن لم يكن كذلك وجب قلب الضمة كسرة، لثقل الكلمة مع قرب الضمة من الآخر نحو سلى قال: " وَتُحْذَفُ الْوَاوُ مِنْ (نحو) يَعِدُ وَيَلِدُ، لِوُقُوعِها بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ أَصْلِيَّةٍ، ومِنْ ثَمَّ لَمْ يُبْنَ مِثْلُ وَدَدْتُ - بالفتحُ - لِمَا يَلْزَمُ منْ إعْلاَلَيْن فِي يَدُّ، وَحُمِلَ أَخْوَاتُهُ نحوُ تَعِدُ وَنَعِدُ وَأَعِدُ وَصِيغَةُ أَمْرِهِ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ حُمِلَتْ فَتْحَةُ يَسَعُ وَيَضَعُ عَلَى الْعُرُوضِ، وَيوْجَلُ عَلَى الأَصْلِ، وَشُبِّهَتا

بالتجاري والتحارب، بِخِلاَفِ اليَاءِ فِي نَحْو يَيْسِرُ وييئس، وَقَدْ جَاءَ يَئِسُ، وَجَاءَ يَاءَسُ كَمَا جَاءَ يا تعد، وَعَلَيْهِ جَاءَ مُوتَعِدٌ وَمُوتَسِرٌ فِي لُغَةِ الشَّافِعِيِّ، وَشَذِّ فِي مُضَارِع وَجِلَ يَيْجَلُ وَيَاجَلُ وَيَيجَلُ، وَتُحْذَفُ الْوَاوُ مِنْ نَحْوِ الْعِدَةِ وَالْمِقَةِ، وَنَحْوَ وِجْهَةٍ قَلِيلٌ " أقول: اعلم أن الفعل فرع على الاسم في اللفظ كما في المعنى، لأنه يحصل بسبب تغيير حركات حروف المصدر، فالمصدر كالمادة والفعل كالمركب من الصورة والمادة، وكذا اسم الفاعل والمفعول والموضع والآلة، وجميع ما هو مشتق من المصدر، وعادتهم جارية بتخفيف الفروع كما ظهر لك فيما لا ينصرف، لأنها لاحتياجها إلى الأصول فيها ثقل معنوي، فخففوا ألفاظها تنبيهاً عليه، وفي الفعل ثقل من وجه آخر وهو أن ثلاثيه - وهو أكثره - لا يجئ ساكن العين، وأنه يجر عِيالاً كالفاعل ضرورة، والمفعول والحال والتمييز كثيراً، وأيضاً يتصل بآخر الفعل كثيراً ما يكون الفعل معه كالكلمة الواحدة - أعني الضمائر المتصلة المرفوعة - والمضارع فرع الماضي بزيادة حرف المضارعة عليه، فلذا يتبع الماضي في الإعلال كما سنبين، والأمر فرع المضارع، لأنه أخذ منه على ما تقدم، فعلى هذا صار الفعل أصلاً في باب الإعلال، لكونه فرعاً ولثقله، ثم تبعه المصدر الذي هو أصله في الاشتقاق كالعدة والإقامة والاستقامة والقيام، وسائِرُ الأسماء المتصلة بالفعل كاسم الفاعل والمفعول والموضع كقائم وَمُقيم ومُقَام على ما سيتبين بعد، وخفف المضارع لأدنى ثقل فيه، وذلك كوقوع الواو فيه بين ياء مفتوحة وكسرة: ظاهرة كما في يعد، أو مقدرة كما في يضع ويسع، فحذف الواو لمجامعتها للياء على وجه لم يمكن معه إدغام إحداهما في الأخرى كما أمكن في طيٍّ، ولا سيما مع كون الكسرة بعد الواو، والكسرة بعض الياء، ومع كون حركة ما قبل الواو غيرَ موافقة له كما وافقت في يُوعِد مضارعِ أوعد، وإنما حذفت الواو دون الياء لكونها أثقلهما، مع أن الياء علامة المضارعة، وأن

الثقل حصل من الواو، لكونها الثانية ثم تحذف الواو مع سائر حروف المضارعة من تعد وأعد ونعد، طرداً للباب، والأمر مأخوذ من المضارع المحذوف الواو نحو تعد، ولو أخذناه أيضاً من تَوْعِد الذي هو الأصل لحذفناها أيضاً، لكونه فرعه.
وأما المصدر فلما كان أصلَ الفعل في الاشتقاق لم يجب إعلاله بإعلال الفعل، إلا إذا كان جزء مُقْتَضِي الإعلالِ فيه ثابتاً كالكسرة في قيام، أو كان مناسباً للفعل في الزيادة المصدرة كإقامة واستقامة، فلهذا جاز حذف الواو من مصدر يعد وَإثباتُهَا نحو عِدة ووَعْد: إذ ليس فيه شئ من علة الحذف ولا المناسبة المذكورة، وإذا حذفت منه شيئاً بالإعلال لم تذهَل عن المحذوف رأساً، بل تعوض منه هاء التأنيث في الآخر كما في عدة واستقامة، وذلك لأن الإعلال فيه ليس على الأصل، إذ هو إتباع الأصل للفرع، وإنما كسر العين في عدة وأصله وَعْدٌ لأن الساكن إذا حرك فالأصل الكسر، وأيضاً ليكون كعين الفعل الذي أُجري هو مجراه 1، فلهذا لم يجتلب همزة الوصل بعد حذف الفاء، وإذا فتحت العين في المضارع لحرف الحلق جاز أن يفتح في المصدر أيضاً، نحو يسَع سَعةً، وجاز في بعضها أن لا يفتح نحو يهب هِبة، وقولهم في الصِّلة صُلة بالضم شاذ، وقد يجري مصدر فعُل يفعُل - بضم عينهما - إذا كان اللام حلقياً مجرى مصدر يسَع، نحو ودُع (2)

يودعُ دَعة، ووطُؤَ 1 يوطؤ طِئة وطأة، وذلك للتنبيه على أن حق واو مضارعه أن تكون محذوفة، لاستثقال وقوعها بين ياء مفتوحة وضمة، ولكنها لم تحذف تطبيقاً للفظ بالمعنى، إذ معنى فَعُل للطبائع اللازمة المستمرة على حال، وكذا كان حق عين مضارعة أن تكون مفتوحة، لكون اللام حلقية، وقولهم لِدَة أصله المصدر (2)، جُعل اسماً للمولود: كقولهم ضرب الأمير: أي مضروبه، وأما الجهة (3) والرِّقَة (4) فشاذان، لأنهما ليسا بمصدرين، فليس تأوهما بدلاً من الواو، وإنما لم يحذف الواو في نحو يَوْعِيدٍ على مثال (5) يقْطِينٍ من الوعد لضعف

علة الحذف، وحذفها في الفعل نحو إنما كان لكونه الأصل في باب الإعلال كما مر، وحذف في يَذَر حملاً على يَدَع، لكونه بمعناه، ويدع مثل يسَع لكنه أميت 1 ماضيه، ويَجُدُ بالضم عند بني عامر (2) شاذ، وحذفُ الواو منه: إما لأن أصله يجد - بالكسر - أو لاستثقال الواو بين الياء المفتوحة والضمة في غير باب فَعُل يفعُل - بضم العين فيهما - وإنما حذفت من يَضَع مضارع وضع - بفتح العين - لكونه مكسور العين في الأصل، إذ جميع باب فعَل يفعَل بفتح العين فيهما: إما فعَل يفعُل - بضم عين المضارع - أو فعَل يفعِل - بكسر عينه - كما ذكرنا في أول الكتاب، ومضارع فَعَل من المثال الواوي لا يجئ مضموم العين كما مر هناك، فتبين أنه كان يفعل بالكسر، وأما وَسعَ يَسَعُ ووَطِئَ يَطأ فقد تبين لنا بحذف الواو أن عينهما كان مكسوراً ففتح، لحرف الحلق كما مر، ولا ثالث لهذين اللفظين، ففَتْح نحو يؤجل أصل، بدليل بقاء الواو، وإذا وقع الياء في المضارع بين ياء مفتوحة وكسرة لم تحذف كالواو، لأن اجتماع الياءين ليس في الثقل كاجتماع الواو والياء وحكى سيبويه حذف الياء في لفظين يَسَرَ البعير يَسِرُهُ (3) - من اليَسْرِ - ويَئِس يَئِس، وهما شاذان، وبعضهم يقلب الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والفتحة ألفاً، لأن فيه ثقلاً، لكن ليس بحيث يحذف الواو له، فيقول

في يوجل: ياجل، وبعضهم يقلبها ياء، لأن الياء أخف من الواو، وبعضهم يستشنع قلب الواو ياء لا لعلة ظاهرة، فيكسر ياء المضارع ليكون انقلاب الواو ياء لوقوعها بعد كسرة، وليس الكسر فيه كالكسر في نِعْلَمُ وتِعْلَمُ، لأن من كسر ذلك لا يكسر الياء، فلا يقول: يِعْلَمُ وظاهر كلام السيرافي وأبي عليّ يدل على أن قلب واو نحو يَوْجل ألفاً أو ياء قياس، وإن قل، قال السيرافي: يقلبون الواو ألفاً في نحو يوجَلِ ويوحَل وما أشبه ذلك، فيقولون: يا جل وياحل، وقال أبو علي: أما فَعِلَ يَفْعَل نحو وَجِلَ يوْجل ووَحِلَ يوْحَلُ ففيه أربع لغات، وهذا خلاف ظاهر قول المصنف - أعني قوله " وشذ في مضارع وجِل كذا وكذا " - فإنه مفيد خصوصية الوجوه المذكورة بهذا اللفظ.
وبعضهم يقلب الياء الواقعة في المضارع بين الياء المفتوحة والفتحة ألفاً نحو يابس وياءَس، حملاً للياء على الواو، كما حملت في اتَّسَر من اليُسْرِ، على ما مر، ولا يكون ذلك إلا في المفتوح العين، كما أن نحو يا حل وياجَلَ كان فيه، قال سيبويه: وليس ذلك بمطرد، ولا يكسر الياء ههنا كما كسرت في يِيجَل، لأن ذلك في الواو لقصد عروض علة قلب الواو ياء، كما مر قوله " وكَسْرَةٍ أصْلِيةٍ " ليشمل نحو يَعِدُ ويقع، فإن أصله يَوْقِع، قال الكوفيون: إنما حذف الواو في يعد فرقاً بين المتعدي واللازم، وذلك لأنك تقول في اللازم: يَوْجَل ويَوْحَل، من غير حذف، وليس ما قالوا بشئ، إذ لو كان كذلك لم يحذف من وحَدَ يَحِدُ 1 ووجِدَ: أي حزن - يجد، وونَمَ (2) الذبابَ ينم، ووكف البيت يكف.

قوله " ومن ثم لم يبن مثل ودَدْتُ " يعني ومن جهة وجوب حذف الواو الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الأصلية لم يبن فَعَل - بفتح العين - من المضاعف المعتل فاؤه بالواو، إذ كان يلزم إذن أن يكون مضارعه مكسور العين كما ذكرنا في أول الكتاب، من أن مضارع فعل مفتوح العين إذا كان مثالاً واوياً يفعِل بالكسر لا غير، فكان يجب إذن حذف الواو والإدغام، فكان يجتمع إعلالان في كلمة واحدة.
وقولهم لا يجمع بين إعلالين في كلمة واحدة فيه نظر، لأنهم يجمعون بين أكثر من إعلالين في كلمة، وذلك نحو قولهم من أوَيتُ مثل إجرد 1 إيٌّ (2)، وذلك ثلاث إعلالات، كما يتبين في مسائل التمرين، وكذا في قولهم إيَّاه (3) - مثل إوَزّة - من أويت، وفي قولهم: إيئاة (4) - مثل إوَزَّة - من وأيت جمع بين إعلالين، وكذا قولهم: حَيَّى على (5) فَيْعَل من حويت، وغير ذلك مما يكثر

تعداده، ولعلهم قالوا ذلك في الثلاثي من الاسم والفعل، لأنه لخفته لا يحتمل إعلالاً كثيراً، على أنهم أعلوا نحو ماءٍ 1 وشاءٍ بإعلالين، لكنه قليل، واضطرب في هذا المقام كلامهم، فقال السيرافي: الإعلال الذي منعنا من جمعه في العين واللام هو أن يسكن العين واللام جميعاً من جهة الإعلال، وقال أبو علي: المكروه منه أن يكون الإعلالان على التوالي، أما إذا لم يكن كذلك كما تقول في أيمن الله: مُنُ الله، بحذف الفاء، ثم تقول بعد استعمالك مُنُ الله كثيراً: مُ الله، فليس ذلك بمكروه.
ومثل ما منع المصنف من الإعلالين في يَدُّ لا يتجنبون منه، ألا ترى أنك تقول في أفْعَل منك مِن الأَم: هو أوام أو أَيَمُّ، على المذهبين 2 تقلب الفاء وتدغم العين وهما إعلالان، وكذا في أيمة قلبوا وأدغموا، وأما نحو قِهْ وشِهْ فليس فيهما إلا إعلال واحد، لأنه مأخوذ من تقي وتشي، فحذفت اللام للوقف قوله " ولذلك حمل " يعني لأن الواو تحذف بين الياء والكسرة قوله " بخلاف الياء نحو يَيْسِر " أي: بخلاف الياء الواقعة بين الياء المفتوحة والكسرة الأصلية أو الفتحة قوله " وقد جاء يئس " أي: بحذف الياء بين الياء المفتوحة والكسرة ما قبلها، وقلبت الواو ياء لاجتماعها مع الياء وسبق إحداهما بالسكون، وأدغمت الياء في الياء فصار " حيى " (1) انظر (ح 1 ص 213) و (ح 2 ص 56 وما بعدها) (2) أصل " أوم " أو " أيم " أأمم - كأحمد - نقلت حركة أول المثلين إلى الساكن قبلهما، ثم أدغم المثلان فصار أأم، فاجتمع همزتان متحركتان ثانيتهما مفتوحة، فسيبويه والجمهور يقلبون الثانية واوا اعتبارا بنحو أوادم، والمازني يقلب الثانية ياء نظرا إلى أن الياء أخف من الواو، وليس له من مستند من مستعمل كلام العرب، وهذان هما المذهبان اللذان يعنيهما المؤلف

قال: " الْعَيْنُ تُقْلَبَانِ ألِفاً إذَا تَحَرَّكَتَا مَفُتْوحاً مَا قَبْلَهُمَا أَوْ فِي حٌكْمِهِ، فِي اسْم ثُلاثِيِّ، أَوْ فِعْلٍ ثُلاَثِيٍّ، أوْ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ، أوِ اسْم مَحْمُولٍ عَلَيْهِمَا، نَحْوُ بَابٍ وَنَابٍ وَقَامَ وَبَاعَ وَأَقَامَ وَأَبَاعَ وَاسْتَقَامَ، وَاسْتَبَانَ، وَاسْتَكَانَ مِنْهُ، خِلافَاً لِلأْكَثَرِ، لِبُعْدِ الزِّيَادَةِ وَلِقَوْلِهِمْ اسْتِكَانَةٌ، وَنَحْوُ الإِقَامَةِ وَالاسْتِقَامَةِ، ومقام وَمَقَامٍ، بِخِلاَفِ قَوْلٍ وَبَيْعٍ، وَطَائِيٌّ وَيَاجَلُ شَاذّ، وَبِخِلاَفِ قَاوَلَ وَبَايَعَ وَقَوَّمَ وبيع وتقوم وتبيع وتقاول وَتَبَايَعَ، وَنَحْوُ الْقَوَدِ وَالصَّيَدِ وَأَخْيَلَتْ وَأغَيْلَتْ وَأَغْيَمَتْ شَاذّ " أقول: اعلم أن علة قلب الواو والياء المتحركتين المفتوح ما قبلهما ألفاً ليست في غاية المتانة، لأنهما قلبتا ألفاً للاستثقال، على ما يجئ، والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما خفَّ ثقلهما، وإن كانتا أيضاً متحركتين، والفتحة لا تقتضي مجئ الألف بعدها اقتضاء الضمة للواو والكسرة للياء، ألا ترى إلى كثرة نحو قَوْل وَبَيْع، وعدم نحو قُيْل وبُيْع، بضم الفاء، وقِوْل وبِوْع بكسرها، لكنهما قلبتا ألفاً - مع هذا - لأنهما وإن كانتا أخف من سائر الحروف الصحيحة لكنَّ كثرة دوران حروف العلة، وهما أثقلها، جوزت قلبهما إلى ما هو أخف منهما من حروف العلة: أي الألف، ولا سيما مع تثاقلهما بالحركة وتهيؤ سبب تخفيفهما بقلبهما ألفاً، وذلك بانفتاح ما قبلهما، لكون الفتحة مناسبة للألف، ولِوَهْنِ هذه العلة لم تقلبا ألفاً إلا إذا كانا في الطرف: أي لامين، أو قريبين منه: أي عينين، ولم يقلبا فاءين نحو أوَدُّ وأَيَلّ، وإن كانت الحركة لازمة بعد العروض، لأن التخفيف بالاخر أولى، ولو هنها تقف عن التأثير لأدنى عارض، كما يكون هناك حرف آخر هو أولى بالقلب، لكن لم يقلب لاختلال بعض شروط إعلاله، فلا يقلب إذن الحرف الذي ثبت علة قلبه لعدم قلب ما هو أولى منه بالقلب لولا اختلال شرطه، وذلك نحو طَوِيَ

وَحيِيَ، كان اللام أولى بالقلب لو انفتح ما قبلها كما في رَوَى ونَوَى، فلما انكسر ما قبلها لم تعل، فلم تقلب العين ألفاً أيضاً، وإن اجتمع شرائط قلبها.
فإذا تقرر ضعف هذه العلة قلنا: الأصل في تأثير هذه العلة أن يكون في الفعل، لما ذكرنا من ثقله، فتليق به الخفة أكثر، أو يكون في آخر الكلمة: إما لفظاً كرِباً، أو تقديراً كغُزَاة، وذلك بأن يكون بعد الأخير حرف أصله عدم اللزوم: اسماً كانت الكلمة، أولاً، لأن الكلمة تتثاقل إذا انتهت إلى الأخير، فتليق به الخفة، وإن كانت علتها ضعيفة.
فنقول: الفعل في هذا الإعلال على ضربين: أصل، ومحمول عليه، والأصل ما يتحرك واوه أو ياؤه وينفتح ما قبلهما، نحو قَوَلَ وبَيَعَ وغَزَوَ ورَمَىَ والمحمول عليه ما ينفتح الواو والياء فيه بعد حرف كان مفتوحاً في الماضي الثلاثي، وذلك: إما في المضارع، المبني للفاعل كيَخَافُ ويَهَاب، أو المبني للمفعول كيُخَاف ويُهَاب ويُقَال ويُبَاع، أو الماضي مما بني من ذي الزيادة: أفْعَل نحو أقَام وأبَان، واستفعل نحو استقام واستبان، أو ما بني للمفعول من مضارعهما، نحو يقام ويستبان، وشذ أعْوَلَ (1) وأَغْيَلَتِ المرأة واسْتَحْوَذَ (2) وأجود 3

وأطْوَلَ 1 واسْتَرْوَحَ: أي شم الريح، وأطْيَبَ (2) وأخْيَلَتِ السماء وأغْيَمَتْ 2، وأبو زيد جَوَّز تصحيح باب الإفعال والاستفعال مطلقاً قياساً، إذا لم يكن لهما فعل ثلاثي، قال سيبويه: سمعنا جميع الشواذ جميع الشواذ المذكورة مُعَلَّة أيضاً على القياس، إلا استحوذ واستروح الريح وأغيلت، قال: ولا منع من من إعلالها، وإن لم يسمع، لأن الإعلال هو الكثير المطرد، وإنما لم تعل هذه الأفعال دلالة على أن الإعلال في مثلها غير أصل، بل هو للحمل على ما أعل، وإنما لم يحمل باب فعل التعجب على الثلاثي، نحو ما أقْوَمَه ومَا أبْيَعَه، لكونه بعدم التصرف لاحقاً بأفْعَلَ الأسمى كأبْيَضَ وأسْوَد، أو لجرْيِهِ مَجْرَى أفعل التفضيل لمشابهته له مَعْنًى، وإنما لم يحمل باب قَاوَلَ وتَقَاوَلَ وبَايَع وتَبَايَع وقَوَّم وتَقَوَّم وبَيَّن وتَبَيَّن على الثلاثي كما حمل أقْوَمَ وأبْيَنَ واسْتَقْوَمَ واسْتَبْيَنَ عليه لأنا شرطنا كون الساكن الذي قبل الواو والياء المتحركتين منفتحاً في الماضي الثلاثي فإن قلت: أليس قد أعللت اسم الفاعل في قائل وبائع بقلب الواو والياء ألفاً، مع أن ما قبل الواو والياء ألف، ومع أنه في الاسم الذي إعلاله على خلاف الأصل، والأول في الفعل

قلت: هو كذلك، إلا أن قائلاً وبائعاً بمعنى الثلاثي، ويعمل عمله، وهو من بابه، بخلاف قاوَلَ وبايَعَ.
فإن قلت: فأقوم واستقوم من باب آخر غير الثلاثي قلت: بلى، إلا أن ما قبل حرف العلة هو الذي كان مفتوحاً في الثلاثي، فالمقصود أن الفرع إذا كان من غير باب الأصل يحتاج في الإعلال إلى كون الساكن قبل حرف العلة هو الحرف المفتوح في الأصل قبلها، وإن كان الفرع من باب الأصل أُعِلَّ، وإن لم يكن الساكن ذاك المفتوح، بشرط أن يكون الساكن ألفا لفرط خفته وأما إعلال قوَّم وَبَيَّن وَتَقَوَّمَ وَتَبَيَّنَ فأبعد من إعلال تَقَاوَل وَتَبَايَع وَقَاوَلَ وَبَايَعَ، لأن إدغام العين في البابين واجب وإنما لم يعمل نحو عَوِرَ وحَوِلَ لأن الأصل في الألوان والعيوب الظاهرة باب افْعَلَّ وافْعالّ، كما ذكرنا في صدر الكتاب، فالثلاثي - وإن كان أصلاً لذوات الزيادة في اللفظ - لكن لما كان هذا البابان أصلين في المعنى عُكس الأمر، فأجرى الثلاثي مجرى ذي الزيادة في التصحيح تنبيهاً على أصالته في المعنى المذكور.
ولم يعل 1 في اسْوَدَّ وَاعْوَرَّ وَاصْيَدَّ 2 لأن إعلال نحو أقْوَمَ وَاسْتَقْوَمَ

مع كونه خلاف الأصل إنما كان حملاً على الثلاثي المعل، ولا ثلاثى معلا ههنا، كما بينا، ومثله في إتباع لفظ لفظاً آخر في التصحيح تنبيهاً على كونه تابعاً له في معناه قولهم: اجْتَوَرُوا واعْتَوَرُوا 1 واعْتَوَنُوا، بمعنى تجاوروا وتعاوروا وتعاونوا، وإن لم يقصد في افْتَعَلَ معنى تَفَاعَلَ أعللته، نحو ارْتَادَ 2 واختان 3 ولما لم يُعَلَّ عَوِر وحَوِل لما ذكرنا لم يعل فرعاه أيضاً نحو أَعْوَرَ واسْتَعْوَرَ، وقد يعل باب فَعِلَ من العيوب نحو قوله: - 138 - أَعَارَتْ عَيْنُهُ أَمْ لَمْ تَعَارَا 4 قولهم: اصيد البعير، إذا أصابه داء في رأسه فيخرج من أنفه مثل الزبد فيرفع رأسه عند ذلك.

فيعل فرعاه أيضاً، نحو أعَارَ واستعار وإنما حمل على الماضي الثلاثي في هذا القلب ما انفتح واوه وياؤه ولم يحمل عليه ما انضما فيه أو انكسرا كَيَقُومُ ويَبيع ويُقِيم، لأن الحامل على النقل في جميع ذلك مفتوحاً كان العين أو مضموماً أو مكسوراً إتباع الفرع للأصل في تسكين العين مع الدلالة على البنية، كما مر في أول الكتاب 1، ولا يمكن ذلك بقلب الجميع ألفاً.
وأما إذا كانت الواو والياء المتحركتان المفتوح ما قبلهما في آخر الكلمة فإنهما تقلبان ألفاً، وإن كان ذلك في اسم لا يشابه بوجه، نحو (2) ربا وربا فانهما لا يوازنان الفعل، فإن وزانه كفَتًى وعَصاً فإنهما كضَرَب، وكمِرْدًى 2 ومِبْرًى (4) فإنهما كَاعْلَم، فلا كلام في القلب وإنما لم يعل نحو النزوان والغليان للزوم اللالف والنون، فأخرجت وذلك لان عارت أصله عورت فقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، والاكثر في هذا الباب والقياس المطرد هو التصحيح، ويروى في مكان هذه الكلمة " أغارت " وعليها لا شاهد فيه، وقوله " لم تعارا " هو مضارع عار الذى أعل، والالف في آخره منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة في الوقف.

اللام من التطرف، فصارت الواو والياء كما في الْجَوَلان والطيران فإن قيل: هلا منع التاء اللازم في نحو غُزَاة وتُقَاة من إعلال اللام (ومن التطرف) 1 كما منعت التاء اللازمة في (نحو) عَنْصُوَة (2) وقَمَحْدُوة 2 من قلب الواو ياء.
قلت: لأن الواو المضموم ما قبلها لم تقلب ياء في موضع إلا متطرفة، بخلاف قلب الواو والياء ألفاً فإنه ثبت في المتوسطة أيضاً كثيراً، كَقال ومَقَال، فلم يعتد بالتاء التى أصلها عدم اللزوم، بخلاف الألف والنون فإنهما على اللزوم هذا، ولمناسبة القلب آخر الكلمة أعل الواو والياء أخيراً هذا الإعلال، وإن كان قبلهما ألف، بشرط كون الالف زائدة، لانهما إذن في حكم العدم، وذلك نحو كساء ورداء، وأما إذا كانت أصلاً كراي وآي فلا تعلان لكون الفاصل قوياً بالأصالة، وقد تقلب الواو والياء أيضاً قريبين من الطرف وقبلهما ألف زائدة ألفاً، بشرط أن ينضم إلى العلة المقتضية للانقلاب مقتض آخر، وذلك لضعف العلة إذن بسبب فصل الألف بين الواو والياء وبين الفتحة، وبعدم كونهما في الطرف، وذلك المقتضي: إما مشابهة الفعل المعل كما يجئ وأداؤه معناه وعمله عمله كما في قائم وبائع، وإما اكتناف حرف العلة لألف الجمع الأقصى فيستثقل لاجل حرفي العلة وكون الجمع أقصى الجموع، وذلك كما في بَوائع وأَوَائل وعَيَائل، في جمع بائعة وأوَّل وعيل (4) وإما كون الواو

والياء في الجمع الأقصى الذي هما في واحدة مدتان زائدتان كعجائز وكبائر، وذلك لقصد الفرق بين المدتين الزائدتين وبين الواو والياء اللتين كان لهما في الواحد حركة، سواء كانتا أصليتين كمَقَاوِمَ ومَعَايش، في جمع مَقَامة (1) ومعيشة، أو زائدتين ملحقتين بالأصل كعَثَايرَ وجَدَاوِلَ في جمع عِثْير 1 وجَدْوَل، فإن ماله حركة أصلية أجلد وأقوى، فلا ينقلب فإذا بعدت الواو والياء من الطرف نحو طَوِاوِيسَ (3) لم ينقلبا ألفاً، كما يجئ فعلى هذا تبين كذلك أن الهمزة في نحو رِدَاء وكساء وقائل وبائع وأوائل وبوائع وعجائز وكبائر أصلها الألف المنقلبة عن الواو والياء، فلما احتيج إلى تحريك الألف وامتنع قلبها إلى الواو والياء لأنه إنما فر منهما قلبت إلى حرف يكون أنسب بها بعد الواو والياء، وهو الهمزة، لانهما حلقيتان، وإنما لم تحذف الألف الأولى للساكنين، كما هو الواجب في مثله، لكون ألف نحو قائل علامة الفاعل وألف نحو أوائل وعجائز علامة الجمع، ولو حذفت في نحو رداء لا لتبس بالمقصور، وأما الهمزة في نحو رسائل فبدل من الألف التي في الواحد لا من الألف المنقلبة عن الواو والياء.
فيعل من عال يعول، إذا جار ومال، وهو واحد العيال، وهم الذين يعولهم الانسان، سموا بذلك لانهم يدعونه بالانفاق عليهم إلى الجور والميل (1) مقامة: هي في الاصل اسم مكان من قام يقوم، ثم سمى به مجلس القوم لانهم يقومون فيه، ثم سمى به القوم

هذا، وإن لم يكن الواو والياء في الفعل ولا في آخر الكلمة، وذلك إذا كانتا في الأسماء في غير الطرف، فههنا نقول: لا يعل من الاسماء هذا الإعلال إلا أربعة أنواع: نوعان منها مشابهان للفعل، وإنما اعتبر ذلك لما ذكرنا من أن الأصل في الإعلال الفعل، وأن هذه العلة ليست بقوية، فهي بالفعل أولى.
أحد النوعين: ما وازن الفعل نحو باب وناب، والأصل بَوَب وَنَيَب، ورجل ومال وَنَالٌ، والأصل مَوِل 1 وَنَوِل، بكسر العين، وكذا كبش (2) صَافٌ، وقولهم الروح (3) والغيب (4) والخول (5) والقود شاذ، وكذا رجل حَوِل: أي كثير الحيلة، ورَوع: أي خائف، ولم يجئ فَعُلٌ بضم العين أجوف في الاسم لثقل الضمة، ونريد بموازنة الفعل ههنا مساواته له في عدد الحروف والحركات المعينة، وإن باينه في تعيين الزيادات وأمكنتها، فمَفْعَل على وزن يَفْعَل، وإن كانت زيادته غير زيادته، وفَاعِل موازن لِيَفْعل وزيادته غير زيادته ومكانها غير مكانها، فالاسم الثلاثي: إما أن يكون مجرداً (كما ذكرنا)، أو مزيداً فيه، وأما الرباعي والخماسي فإنه لا يوازن الفعل منهما إلا باب جعفر

نحو جَهْوَرٍ 1، والواو والياء لا يكونان فيه إلا للإلحاق، لما تبين أن الواو والياء مع ثلاثة أصول لا يكونان إلا مزيدتين، فلا تعل إذن، محافظة على بناء الإلحاق، فالثلاثي المزيد فيه يشترط فيه أن يكون مع موازنته للفعل مبايناً له بوجه، وذلك كالحرف الزائد الذي لا يُزاد في الفعل كميم مَقَام ومُقَام وَمُسْتَقَام، فإنها في الأصل كيَحْمد ويُحْمَد ويُسْتَخْرَج، لكن الميم لا تزاد في أول الفعل، أو كالحروف التي تزاد في الفعل لكن تكون متحركة بحركة لا تحرك في الفعل بمثلها نحو تِبَاع على وزن تِفْعَل بكسر التاء وفتح العين، فإنه يوازن أعْلَم، لكنه ليس في الفعل تاء مزيدة في الأول مكسورة، وأما نحو تِعْلَم فهي لغة قوم، ومع ذلك فليست بأصل، بل للدلالة على كسر العين في الماضي كما تقدم (2)، وقد يعل لمباينة غير المذكورتين، نحو قائم وبائع، فإنه يوازن يَفْعِل، لكن ليس الزائد في مكان الزائد، ولا هو إياه، وكان القياس أن يعل نحو مِقْوَل (3) وَمِخْيَط إذ هما بوزن اعْلَم، لكن الخليل قال: لم يعلا لكونهما مقصوري مِفْعَال، وهو غير موازن للفعل، والدليل على أن مِفْعَالاً أصل مِفْعَل اشتراكهما في كثير نحو مِخْيَط وَمِخْيَاط ومِنْحَت وَمِنْحَات.
وقد شذ مما وجب إعلاله قياساً الْمَشْورة والْمَصْيَدَة بفتح الميم، وقولهم:

الفكاهة مَقْوَدة إلى الأذى، وَأَمَا مَرْيَم وَمَدْيَن 1 فإن جعلتهما فَعْيَلاً فلا شذوذ، إذ الياء للإلحاق، وإن جعلتهما مَفْعَلاً فشاذان، وَمَكوَزَةٌ شاذ في الأعلام.
وقال المبرد: المزيد فيه الموازن للفعل إنما يعل إذا أفاد معنى الفعل كالْمَقَام، فإنه موضع يقام فيه، وكذا الْمُقَامُ، بضم الميم، موضع يفعل فيه الإقامة، فعلى ما ذهب إليه مريم ومدين ليسا بشساذين، وإن كانا مَفعَلا، لعريهما عن معنى الفعل، وكذا نحو تفعل من البيع بكسر التاء ينبغي أن لا يعل، بل يقال: تَبِيْع.
وإنما لم يشترط التباين في الثلاثي واشترط في ذي الزيادة لأن ذلك في المزيد فيه لئلا يشتبه بالفعل لو سُمي به مُعَلاًّ، فإنه لو أعل لكان يلتبس بعد التسمية به بالفعل، بسبب سقوط الكسر والتنوين، وأما الثلاثي فكسره وتنوينه وإن كان عَلَماً يفصله عن الفعل.
وإن لم يكن ذو الزيادة الاسمي مبايناً للفعل بوجه نحو أبيض وأسود وأدون منك وأَبْيَع، ونحو إبْيَع على وزن إصْبَع من البيع ونحو تُبْيَع على وزن تُرْتَب منه، فلا يعل شئ منها ليكون فرقاً بين الأسماء والأفعال، والأفعال بالإعلال أولى، لأصالتها فيه، وأما إعلال نحو أبَانَ على قول من لم يصرفه فلكونه منقولاً عن فعل مُعَلٍّ إلى الاسم، ومن صرفه فهو فَعَال، وليس مما نحن فيه.
وإن لم يوازن الاسم الثلاثي المزيد فيه الفعل لم يعل هذا الإعلال، فعند سيبويه لم يعل هذا الإعلال نحو الطَّوَفَان وَالْحَيَدَان والنَّزَوَان والغليان وحمار حَيَدَى (2) والصَّوَرَى (3) لخروج الاسم بهذه الزيادة اللازمة للكلمة عن وزن

جارٍ التحميل