الحذفُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أن يجوز تكسير طير وركب وبابه كما جاز تكسير ضأن إذ هو مثله؟ قيل له: ليس ضئين عندنا جمع ضأن، إنما هو جمع ضائن، وليس ضائن بجمع، إنما هو واحد، ألا تراهم قالوا: ضائنة، فأنثوا، وقالوا: ضوائن، فكسروا، ولو كان جمعاً لم يكسر كما لا يكسر ركب وجامل ونحوه، هذا كلام أبي علي وقول الشاعر " وفاضح مفتضح - إلخ " الفضيحة: العيب، وفَضَحه فَضْحاً من باب نفع، كشف عيبه، فتقديره: وكاشف عيب رهطه ومُنْكَشِفٍ عيبُه في رَهْطِهِ وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا عَلَى تتمته، والله أعلم وأنشد بعده (من السريع): فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا وَكُلِّ لَيلاَهْ وتقدم شرحه في الشاهد الثامن والأربعين وأنشد بعده، وهو الشاهد الحادي والثمانون (من الرجز): 81 بِأَعْيُنَاتٍ لَمْ يُخَالِطْهَا الْقَذَى على أنه يجوز في الشعر أن يجمع الجمع كما هنا، فإنَّ أعْيُناً جمع عَيْن، وقد جمع بالألف والتاء والقذى: ما يسقط في العين أو في الشراب، وَقَذِيَتْ عينه تَقْذَى قَذًى، إذا سقطت في عينه قَذَاه، وقَذَتْ عينه تَقذِي قَذْياً: أخرجت القذى، وَأَقْذَيْت عينه: رميت فيها القذى، وقذيتها تقذية: إذا أخرجت منها القذى
التقاء الساكنين أنشد فيه، وهو الشاهد الثاني والثمانون (من الرجز): 82 - أقْبَلْتُ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ كَالْخَرِفْ تَخُطُّ رِجْلاَيَ بخط مختلف تكثبان في الطريق لام الف على أن الشاعر نقل فتحة همزة ألف إلى ميم لام وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن مقصوده اللام والهمزة، لا صورة " لا "، فيكون معناه أنه تارة يمشى مستقيما فتخط رجلاه خطا شبيها بالالف، وتارة يمشى معوجا فتخط رجلاه خطا شبيها باللام وقد تقدم الكلام عليه هناك في شرح الشاهد السابع من أوله بمالا مزيد عليه وهذه الابيات الثلاثة لابي النجم، وهو راجز إسلامى، قال الصولى: كان لابي النجم العجلى صديق يسقيه الشراب فينصرف من عنده ثملا، وأنشد له هذه الابيات.
والخرف - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء - صفة مشبهة من خرف الرجل خرفا من باب تعب، إذ افسد عقله لكبره، وخط على الارض خطا: أعلم علامة، و " كتب " بالتخفيف والتثقيل، وتثقيله هنا لتكثير الفعل.
وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والثمانون (من المتقارب): 83 - لها متنتان خطاتا كَمَا أكَبَّ عَلَى سَاعِدَيْهِ النَّمِرْ على أن بعضهم جوز رَدَّ الالف مستشهدا بخظاتا، فإنه يقال: خظا يخظو، إذا تحرك، وكان من حقه أن يقول: خضتا، كما يقال: غزتا، تثنية غزت، إلا أنه رد الالف التى كانت سقطت لاجتماع الساكنين في الواحد، ولما تحركت
تاء التأنيث لاجل ألف التثنية رجعت الالف المحذوفة للساكنين، وهذا قول الكسائي.
وقال الفراء: أراد " خضاتان "، فهو مثنى حذفت نونه للضرورة، كما قال أبو داود (من الهزج): ومتناه خطاتان كز حلوف من الهضب قال ابن قتيبة في أبيات المعاني: يقال: لحمه خظا بظا، إذا كان كثير اللحم صلبه، والزحلوف: الحجر الاملس، وقال امرؤ القيس: لها متنتان خظاتا - إلخ ويقال: هو خاظى البضيع، إذا كان كثير اللحم مكتنزه، وقوله " خظاتا " فيه قولان: أحدهما أنه أراد خظاتان كما قال أبو دواد، فحذفت نون الاثنين، يقال: متن خظاة ومتنه خظاة، والاخر أنه أراد خظتا: أي ارتفعتا، فاضطر فزاد ألفا، والقول الاول أجود، وقوله " كَمَا أكَبَّ عَلَى سَاعِدَيْهِ النَّمِرْ " أراد كان فوق متنها نمرا باركا لكثرة لحم المتن " انتهى كلام ابن قتيبة.
وأيد ابن جنى قول الكسائي، قال في سر الصناعة: وأما قول امرئ القيس: لها متنتان خظاتا... البيت فإن الكسائي قال: أراد خظتا، فلما حرك التاء رد الالف التى هي بدل من لام الفعل، لانها إنما كانت حذفت لسكونها وسكون التاء، فلما حركت التاء ردها، فقال: خظاتا، ويلزمه على هذا أن يقول في قضتا وغزتا: قضاتا وغزاتا، إلا أن له أن يقول: إن الشاعر لما اضطر أجرى الحركة العارضة مجرى الحركة اللازمة في نحو قولا وبيعا وخافا، وذهب الفراء إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون، كما قال أبو داود الايادي
ومتنان خظاتان كزحلوف من الهضب
وأنشد الفراء أيضا: (من الرجز) يا حبذا عينا سليمى والفما قال: أراد والفمان، يعنى الفم والانف، فثناهما بلفظ الفم للتجاور الذى بينهما، وأجاز الفراء أيضا أن تنصبه على أنه مفعول معه، كأنه قال: مع الفم، ومذهب الكسائي في " خظاتا " أقيس عندي من قول الفراء، لان حذف نون التثنية شئ غير معروف، فأما " والفما " فقد يجوز أن ينصب بفعل مضمر، كأنه قال: وأحب الفم، ويجوز أن يكون الفم في موضع رفع إلا أنه اسم مقصور بمنزلة عصا، وعليه جاء بيت الفرزدق: هُمَا نَفَثَا فِي مِنْ فَمَوَيْهِمَا فاعرفه، ومما يؤيد عندي مذهب الكسائي أنه أراد خظتا فلما حرك التاء وإن كانت الحركة عارضة غير لازمة رد الالف التى هي بدل من الواو التى هي لام الفعل، كقولهم " الحمر " في الاحمر، و " لبيض " في الابيض، ألا ترى أنهم اعتدوا بحركة الهمزة المحذوفة لما ألقوها على اللام المعرفة، فأجروا ما ليس بلازم مجرى اللازم؟ ونحو من ذلك قراءتهم (لكنا هو الله ربى) وأصلها لكن أنا، فلما حذفت الهمزة للتخفيف وألقيت فتحتها على نون لكن صار التقدير لكننا فلما اجتمع حرفان مثلان متحركان كره ذلك كما كره شدد وجلل، فأسكنوا النون الاولى، وأدغموها في الثانية فصار لكنا، كما أسكنوا الحرف الاول من شدد وجلل، وأدغموه في الثاني فقالوا: شد وجل، أفلا ترى أنهم أجروا المنفصل وهو لكن أنا مجرى المتصل في شد وجل، ولم يقرأ أحد لكننا مظهرا، فهل ذلك إلا لاعتدادهم بالحركة وإن كانت غير لازمة؟ وعلى هذا قالوا (سل بنى إسرائيل) وأصله اسال، فلما خففت الهمزة فحذفت وألقيت حركتها على السين قبلها اعتد بها فحذفت همزة الوصل لتحرك الحرف بعدها، ونظائر هذا كثير، ومنها قولهم في تخفيف
رؤيا: ريا، وأصلها رويا، إلا أنهم أجروا الواو في رويا وإن كانت بدلا من الهمزة مجرى الواو اللازمة فأبدلوها ياء وأدغموها في الياء بعدها، فقالوا: ريا، كما قالوا: طويت طيا وشويت شيا، وأصلهما طويا وشويا، ثم أبدلوا الواو ياء وأدغموها في الياء فعلى هذا قالوا: ريا، ومن اعتد بالهمزة المنوية وراعى حكمها - وهو الاكثر والاقيس - لم يدغم فقال: رويا، فهذا كله وغيره مما يطول ذكره، يشهد باجرائهم غير اللازم مجرى اللازم ويقوى مذهب الكسائي، إلا أن للفراء أن يحتج لقوله ببيت أبى داود ومتنان خظاتان فهذا يقوى أن خظاتا تقديره خظاتان وأنشدوا بيتا آخر، وهو قوله: (من الطويل) لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها لاولادها ثنتا وما بيننا عنز تقديره ثنتان، فحذف النون " وهذا آخر كلام ابن جنى 1 وبقى في البيت قول ثالث، وهو أن خظاتا مثنى حذفت نونه للاضافة إلى قوله " كما أكب " وهو قول أبى العباس المبرد، نقل عنه ياقوت الحموى في معجم الادباء في ترجمة أبى العباس أحمد الشهير بثعلب رحمه الرب، ونقله عنه أيضا علم الدين السخاوى في سفر السعادة، وعبارتهما واحدة، قالا: قال أحمد بن يحيى ثعلب: دخلت على محمد بن عبد الله فإذا عنده أبو العباس المبرد وجماعة من أصحابه وكتابه، فلما قعدت قال لى محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرئ القيس لها متنتان خظاتا... البيت قال: فقلت: أما الغريب فانه يقال: لحم خظا بظا، إذا كان صلبا مكتنزا، ووصفه بقوله " كما أكب على ساعديه " أي في صلابة النمر إذا اعتمد على يديه، والمتن: الطريقة من عن يمين الصلب وشماله، وأما الاعراب فإنه خظتا، فلما
تحركت التاء أعاد الالف من أجل الحركة والفتحة، فأقبل بوجهه على المبرد، فقال: أعز الله الامير، إنما أراد في " خظاتا " الاضافة، أضاف خظاتا إلى كما، قال ثعلب فقلت له: ما قال هذا أحد! ! فقال: بلى سيبويه يقوله، فقلت لمحمد بن عبد الله: ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فليحضر، ثم قلت: وما حاجتنا إلى الكتاب؟ أيقال: مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيضاف نعت الشئ إلى غيره؟ فقال محمد لصحة طبعه -: والله ما يقال هذا، ونظر إلى محمد بن يزيد، فأمسك ولم يقل شيئا، ونهض المجلس، وزاد ياقوت في آخر هذه الحكاية " لا أدرى لم لا يجوز هذا، وما أظن أحد ينكرا قول القائل: رأيت الفرسين مركوبي زيد، ولا الغلامين عبدى عمرو، ولا الثوبين دراعتي 1 زيد، ومثله مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيكون مضافا إلى عمرو وهو صفة زيد، وهذا ظاهر لكل متأمل " هذا كلامه وأقول: هذه الامثلة كلها أبدال لا نعوت، لعدم الربط وهذا البيت من جملة أبيات في وصف فرس من قصيدة لامرئ القيس قد شرحناها في الشاهد العشرين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع والثمانون: (من المنسرح) 84 - لا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ على أن أصله " لا تهينن الفقير " فحذفت نون التوكيد الخفيفة لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة دليلا عليها وهذا آخر أبيات للاضبط بين قريع السعدى، وقبله: قد يجمع المال غير آكله ويأكل المال غير من جمعه
فاقبل من الدهر ما أتاك به من قر عينا بعيشه نفعه وصل حبال البعيد إن وصل الحبل وأقص القريب إن قطعه وهى أكثر من هذا، وقد شرحناها في الشاهد الرابع والخمسين بعد التسعمائة من آخر شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده، وهو الشاهد الخامس والثمانون، وهو من شواهد سيبويه (من الرجز): 85 - يستوعب البوعين من جريره مِنْ لَدُ لَحْيَيْهِ إِلَى مَنْحُورِهِ على أن أصله " من لدن " فحذفت النون قال سيبويه: " فأما لدن فالموضع الذى هو أول الغاية، وهو اسم يكون ظرفا، يدلك على أنه اسم قولهم: من لدن، وقد يحذف بعض العرب النون حتى يصير على حرفين، قال الراجز غيلان يستوعب البوعين... إلى آخر البيتين " قال الاعلم: " أراد أن لد محذوفة من لدن منوية النون فلذلك بقيت على حركتها، ولو كانت مما بنى على حرفين للزمها السكون كعن ونحوها، وصف بعيرا أو فرسا بطول العنق، فجعله يستوعب من حبله الذى يوثق به، مقدار باعين، فيما بين لحييه ونحره، والمنحور والنحر: الصدر، واللحى: العظم الاسفل من الشدق، وسمى بذلك لقلة لحمه، كأن اللحم لحى عنه: أي قشر، والبوع: مصدر بعت الشئ بوعا إذا ذرعته بباعك، والجرير: الحبل " انتهى كلامه وقبلهما: يتبعن شهما لان من ضريره من المهارى رد في حجوره قوله يتبعن إلخ " أي: يتبع الابل جملا " شهما ": أي حديد النفس ذكى
القلب، والضرير - بالضاد المعجمة -: النفس وشدتها، يقال: ناقة ذات ضرير، إذا كانت شديدة النفس بطيئة اللغوب، والضرير من الدواب: الصبور على كل شئ، كذا في العباب: يريد أنه لان شئ من شدة نفسه وامتناعه، ولو كانت نفسه على ما كانت عليه من الصعوبة لشق عليها، وقوله " من المهاوى " أي: من الابل المهارى نسبة إلى مهرة.
قال صاحب العباب: ومهرة بن حيدان أبو قبيلة من اليمن تنسب إليه الابل المهرية، والجمع المهارى، وإن شئت خففت الياء فقلت المهارى كالصحارى والصحارى وقوله " رد في حجوره " أي: في كرم أمهاته، يريد أنه من نسل إبل كرام.
وقوله " يستوعب البوعين الخ " بفتح المواحدة، قال صاحب العباب: قال الليث البوع والباع لغتان.
فلا حاجة إلى ما تكلفه الاعلم، والجرير - بفتح الجيم -: الحبل، يريد أن طويل الحبل الذى هو مقوده من لحيبه إلى موضع نحره مقدار باعين، يريد طول عنقه وقوله " من لد لحييه " مثل لحى - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة - وهو العظم الذى ينبت عليه الاسنان، والمنحور: بضم الميم وبعد النون حاء مهملة، كذا في العباب، وهو لغة في النحر لمنحر، ومعناه أعلى الصدر، وهو الموضع الذى تقع عليه القلادة والموضع الذى ينحر فيه الهدى وغيره، وصحفه الجوهرى فرواه بالخاء المعجمة، وقال: المنخور لغة في المنخر، وأنشده، وكذا رواه أيضا في مادة
لدن، ونبه ابن بري في أمالية عليه، قال: " وصواب إنشاده كما أنشده سيبويه " إلى منحوره " بالحاء، والمنحور النحر، وهو المنحر، وصف هذا الشاعر فرسا بطول العنق فجعله يستوعب من حبله مقدار باعين من لحييه إلى نحره " انتهى.
وكذا قال في مادة (ل د ن)، وصوابه يصف كما ذكرنا، وتبعه الصفدى في حاشيته على
الصحاح، وقال: هذا الذى عليه العلماء، ولا معنى فيه لما قاله الجوهرى، ورواه الصاغانى في العباب بالوجهين: بالحاء المهملة، والمعجمة، في المادتين، قال: ويروى منخوره بالخاء المعجمة أيضا، ويروى حنجوره، فزاد رواية ثالثة، وهى بضم الحاء المهملة وبعد النون جيم، لغة في الحنجرة كحيدرة، وهى الحلقوم ونسب ابن برى أيضا هذا الرجز إلى غيلان بن حريث الربعي، وتقدم في الشاهد الثالث والسبعين بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية أنى لم أقف على ترجمة، والله أعلم به وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والثمانون: (من الرجز) 86 - وحاتم الطائى وهاب المئى على أنه حذف التنوين من حاتم لضرورة الشعر، وقبله حيدة خالي ولقيط وعلى والبيتان من رجز لامرأة تفتخر بأخوالها من اليمن، وأورده الشارح المحقق في شرح الكافية على أن المئى أصله عند الاخفش المئين، حذفت النون الجمع للضرورة.
وقد شرحناه مفصلا بما لا مزيد عليه مع بقية في الشاهد الرابع والأربعين بعد الخمسمائة هناك فارجع إليه وأنشد بعده: (من الطويل) عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ ابٌ وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ
وتقدم الكلام عليه في الشاهد العاشر من هذا الكتاب وأنشد بعده، وهو الشاهد السابع والثمانون، وهو من شواهد سيبويه: (من الوافر) 87 - فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ فَلاَ كَعْباً بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا
على أن يونس سمعهم ينشدونه بفتح الضاد من قوله: فغض، قال سيبويه: " ومنهم من يدعه إذا جاء بالالف واللام على حاله مفتوحا، يجعله في جميع الاشياء كإن، وزعم يونس أنه سمعهم يقولون: فغض الطرف... البيت " انتهى ونسب الزمخشري في المفصل الفتح الى بنى اسد، قال: " ومنهم من فتح وهم بنو أسد، قال: فغض الطرف، ونمير بالتصغير: أبو قبيلة، وهو نمير بن عامر ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة ابن قيس بن عيلان بن مضر، وكعب وكلاب أخوان، وهما ابنا ربيعة بن عامر ابن صعصعة، فنمير وربيعة أخوان وأمهما رقية بنت جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن، قال ابن الكلبى في الجمهرة: ولد ربيعة بن عامر كلابا وإليه البيت، وكعبا وإليه العقد، كان إذا كان في ولد ربيعة جوار تولوا هم ذلك دون ولد أبيه، ومن أولاد ربيعة كليب بالتصغير وعامر والحرث، فهؤلاء الخمسة أولاد ربيعة لا غير و " غض " فعل أمر من غض طرفه وصوته، ومن طرفه وصوته، غضا، من باب قتل، إذا خفضهما، وغض الطرف: إرخاء الجفون، والطرف: نظر العين، يقول: لا تفتح عينيك بتحديق كنظر العزيز، بل انظر الذليل بغض وتغميض: فإن قبيلتك بنى نمير لم يشرفوا كشرف بنى أخى نمير، وأنت خامل،
ولبنى عمك النباهة والذكر، فلا نلت رتبة كعب في السيادة ولا بلغت منزلة كلاب في العز، والتفضيل بين الاقارب عند العرب ممض مؤلم تأثيره أشد من الهجاء المقذع.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الراعى النميري مطلعها: أقلى اللوام عاذل والعتابا وقوله إن أصبت لقد أصابا
وسبب هجوه أن الراعي كان شاعر مضر وذا سنِّها، ولما قدم البصرة دخل بين جرير والفرزدق، فقال: (من الكامل) يَا صَاحِبَيَّ دَنَا الأَصِيلُ فَسِيرَا غَلَبَ الْفَرَزْدَقُ فِي الْهِجَاءِ جَرِيرَا فلقيه جرير، فقال له: إني وابن عمي الفرزدق نستب صباحاً ومساءً، وما عليك من غلبة الغالب والمغلوب، فإما أن تكف عنا، وإما أن تُغَلِّبَنِي، فقال له الراعي: صدقت، لا أبعدك (الله) من خير، فبينما هما في القول إذ رآهما جندل بن الراعي فأقبل على فرس له فضرب بغلة أبيه وقال له: مالك يراك الناس واقفاً على كلب بني كليب، فصرفه عنه، فقال جرير: أما والله لأثقلن رواحلك، ثم أقبل إلى منزله وقال لروايته: زد في دهن سراجك الليلة وأعدد لَوْحاً ودواة، ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل يمل حتى ورد عليه قوله: فغض الطرف إنك من نمير... البيت فقال: حسبك أطفئ سراجك ونم، فرغت منه ثم إن جريراً أتم القصيدة بعد وسماها الدامغة حتى إذا أصبح ورأى الراعي في سوق الإبل أنشده إياها حتى وصل إلى قوله أجَنْدَلُ، مَا تَقُولُ بَنُو نُمَيْرٍ إذَا مَا الأَيْرُ في اسْتِ أبِيكَ غَابَا؟ فقال الراعي: شراً والله تقول، إلى أن قال: إذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيمٍ رَأَيْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا فغُضَّ الطَّرف إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ... البيت قال ابن رشيق في العمدة: " وممن وضعه ما قيل فيه من الشعر حتى أنكر نسبه وسقط على رتبته وعيب بفضيلته: بنو نمير، كانوا جمرة 1 من جمرات العرب إذا سئل أحدهم: ممن الرجل؟ فخَّمَ لفظه ومدَّ صوته وقال: من بني نمير، إلى أن صنع جرير قصيدته التي هجا بها الراعي فسهر لها فطالت ليلته إلى أن قال:
فغض الطرف إنك من نمير البيت فأطفأ سراجه ونام، وقال: والله قد أخزيتهم آخر الدهر، فلم يرفعوا رأساً بعدها إلا نكس بهذا البيت، حتى إن مولى لبني باهلة كان يرد سوق البصرة ممتاراً، فيصيح به بنو نمير: يَا جُوَاذِبَ 1 باهلة، فَقصَّ الخبر على مَوَاليه، وقد ضجر من ذلك، فقالوا له: إذا نبزوك فقل لهم فغض الطرف إنك من نمير ومر بهم بعد ذلك فنبزوه، وأراد البيت فنسيه، فقال: غض وإلا جاءك ما تكره، فكفوا عنه ولم يعرضوا له بعدها، ومرت امراة ببعض مجالس بني نمير، فأداموا النظر إليها فقالت: قبحكم الله يا بني نمير، ما قبلتم قول الله عزّ وجلّ (قل للمؤمنين يغضو من أبصاهم) ولا قول الشاعر: فَغُضَّ الطَّرْفِ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ... البيت وهذه القصيدة تسميها العرب الفاضحة، وقيل: سماها جرير الدامغة، تركت بني نمير بالبصرة ينتسبون إلى عامر بن صعصعة ويتجاوزون أباهم نميراً إلى أبيه هرباً من ذكر نمير وفراراً مما وسم به من الفضيحة وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في الشاهد الرابع من أول شرح شواهد شرح الكافية وقد خبط خبط عشواء في هذا البيت بعض فضلاء العجم في شرح أبيات المفصَّل، قال: " البيت لجرير يهجو به الفرزدق، لأن نميراً أبو قبيلة من قيس وهو نمير بن عامر بن صعصعة، بن مجاشع من أجداد الفرزدق، وكعب وكلاب في قريش " هذا كلامه، وفيه خلل من وجوه: الأول أن المهجو نميري والفرزدق تميمي، الثاني أن صعصعة والدَ عامر ليس جد الفرزدق، الثالث أن صعصعة جد الفرزدق ليس ابنَ مجاشع، وإنما هو صعصعة بن ناجية بن عقال ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارِم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد
مناة بن تميم، أن صعصعة هذا ليس من أجداد الفرزدق، وإنما هو جده الأقرب، لأن الفرزدق ابنُ غالب بن صعصعة، الخامس أن كعباً وكلاباً في البيت ليسا من قريش، وإنما هما ابنا ربيعة أخي نمير، والله أعلم وأنشد الجار بردى هنا، وهو الشاهد الثامن والثمانون (من الكامل): 88 - ذُمَّ الْمَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى وَالْعَيْشَ بَعْدَ أُوْلَئِكَ الأَيَّامِ على أنه روى ذُمَّ بفتح الميم وكسرها وهو من قصيدة لجرير، مطلعها: سَرَتِ الْهُمُومُ فَبِتْنَ غَيْرَ نِيَامِ وَأَخُو الْهُمُومِ يَرَومُ كُلَّ مَرَامِ وأورده في المفصل في باب الإشارة أيضاً، على أن " أولئك " يستعمل في العقلاء وغير العقلاء، كقوله تعالى: (إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كان عنه مسئولا) وأورده البيضاوي - بَيَّض الله وجهه يوم تبيض وجوه - أيضاً عند الآية، قال العيني: ويروى " الأقوام " بدل " الأيام " وحينئذٍ لا شاهد فيه، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصواب، وأن الطبري غلط إذ أنشد " الأيام " وأن الزجاج اتبعه في هذا الغلط، انتهى و " ذُمَّ " فعل أمرٍ، و " العيش " معطوف على المنازل، والمعنى أنه تأسف على منزله باللِّوى وأيام مضت له فيه، وأنه لم يتهنَّ بعيش بعد تلك الأيام، ولا راق له منزل وأنشد بعده، وهو الشاهد التاسع والثمانون (من الرجز): 89 - يا عجبا لقد رأيت عجبا حمار قبان يسوق أرنبا خاطمها زأمها أن تذهبا فقلت: أرْدِفْنِي، فَقَالَ: مَرْحَبَا على أن أبا زيد حكى عن أيوب السختياني دأبَّة وشَأَبَّة وأنشد هذا الشعر
أقول: لم ينشد أبو زيد هذا الرجز، لا في نوادره، ولا في كتاب الهمز، ولا نقل عن أيوب، وإنما قال في آخر كتاب الهمز: وسمعت رجلاً من بني كلاب يكنى أبا الأصنع يقول: هذه دأبَّة، وهذه شأبة، وهي امرأة مَأدَّة، وهذا شأبّ، ومأدّ، فيهمز الألف في كل هذه الحروف، وذلك أنه ثقل عليه إسكان حرفين مَعاً وإن كان الأصل الآخر منهما التحريك، كما استثقل بعض العرب في الوقف إسكان الحرفين في قولهم: اضْرِبُهْ، أكْرِمُهْ، أحْبِسُهْ، قال: (من الرجز) قَدْ قُلْتُ لِلسَّائِلِ قَدْهُ أعْجِلُهُ انتهى.
وهذا آخر كتاب الهمز، ويشهد لما قلنا كلام ابن جني في أكثر تآليفه، قال في شرح تصريف المازني ومنه أخذ الشارح هذا الفصل: إن
الألف إذا حركت صارت همزة، كقراءة أيوب السختياني (وَلاَ الضَّألِّين) لما حرَّك الألف لسكونها وسكون اللام الأولى بعدها انقلبت همزة، وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد أنه قال: سمعت عمرو بن عبيد يهمز (فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلاَ جَأنٌّ) فظننته قد لحن إلى أن سمعت العرب يقولون 1 شأبَّة ودأبَّة، قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس هذا؟ قال: لا ولا أقبله، وقال الراجز: خاطِمَها زَأمَّها أنْ تّذْهَبَا وجاء في شعر كثيّر " احْمَأَرَّتِ (2) " يريد احْمَارَّتِ، كما أراد الأول
زَامَّها، فهذه الهمزات في هذا الموضع إنما وجبت عن تحريك الألف لسكونها وسكون ما بعدها، انتهى وقال في سر الصناعة: " فأما إبدال الهمزة من الألف فنحو ما حكى عن أيوب السختياني أنه قرأ (ولا الضَّألِّين) فهمز الألف، وذلك أنه كره اجتماع الساكنين الالف واللام الأولى، فحرك الألف لاجتماعهما، فانقلب همزة، لأن الألف حرف ضعيف واسع المخرج لا يحمل الحركة، فإذا اضطروا إلى تحريكه قلبوه إلى أقرب الحروف منه وهو الهمزة، وعلى ذلك ما حكاه أبو زيد فيما قرأته على أبي علي في كتاب الهمز عنه من قولهم: دأبَّة وشأبَّة ومأدة، وأنشدت الكافة: يَا عَجَبَا لقد رأيت عجبا
إلى آخر الأبيات يريد زامّها.
وحكى أبو العباس، عن أبي عثمان، عن أبي زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ (إنْسٌ وَلا جأن) فظننته قد لحن، حتى سمعت العرب تقول: دأبّة، وشأبة، قال أبو العباس: فقلت لأبي عثمان: أتقيس ذلك؟ قال: لا ولا أقبلها.
وقال آخر (من الطويل) وَبَعْدَ انْتِهَاض الشَّيْبِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَلَى لِمَّتِي حَتَّى اشْعَألَ بَهِيمُهَا1
يريد اشعال، من قوله تعالى (واشتعل الرأس شيبا) فهذا لا همز فيه، وقال دُكَيْنٌ (من الرجز) رَاكِدةٌ مِخْلاتُهُ وَمَحْلَبُه وَجُلُّهُ حَتَّى ابْيَأَضَّ مَلْبَبُهُ يريد ابْيَاضَّ، فهمز، وقرأت على أن أبي الفرج علي بن الحسين لكُثَيِّر من الطويل) ولِلأَرْضِ أمَّا سُودُهَا فَتَجَلَّلَتْ بَيَاضاً وَأمَّا بِيضُها فَادْهَأمَّتِ يريد ادْهَامَّتْ، وقد كاد يتسع هذا عنهم، وحكى عنهم في الوقف هذه حُبلأ يريد حُبْلى، ورأيت رَجُلاً، يريد رجلاً، فالهمزة في رجلأ إنما هي بدل من الألف التي هي عوض من التنوين في الوقف، ولا ينبغي أن يحمل على أنها بدل
من النون، لقرب ما بين الهمزة والألف وبعد ما بينها وبين النون، ولأن حبلى لا تنوين لها، وحكى أيضاً هو يَضْرِبُهأ، وهذا كله في الوقف، فإذا وصلت قلت: هو يضربها يا هذا، ورأيت حبلى أمس " انتهى كلامه.
وقال في الخصائص في باب شواذ الهمز: وإذا تحركت الألف انقلبت همزة، من ذلك قراءة أيوب السختياني (ولا الضَّألِّين) وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد، قال: سمعت عمرو بن عبيد - إلى آخر الحكاية، وأنشدوا قوله: يَا عَجَبَا لَقَد رَأَيْتُ عَجَبَا إلى آخر الأبيات.
وقال أيضاً في المحتَسب: " ومن ذلك قراءة أيوب السختياني (وَلاَ الضِّألِّين) ذكر بعض أصحابنا أن أيوب سئل عن هذه الهمزة، فقال: هي بدل من المدة لالتقاء الساكنين.
واعلم أن أصل هذا ونحوه الضالين، وهو الفاعلون من ضَلَّ يضلُّ، فكره اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد على غير الصور المحتملة في ذلك، فأسكنت اللام الأولى، وأدغمت في الآخرة، فالتقى
ساكنان: الألف، واللام الأولى المدغمة، فزيد في مدة الألف، واعتمدت وطأة المد، فكان ذلك نحواً من تحريك الألف، وذلك أن الحرف يزيد صوتاً بحركاته، كما يزيد صوت الألف بإشباع مدته، وحكى أبو العباس عن أبي عثمان عن أبي زيد قال: سمعت عمر بن عبيد - إلى آخر الحكاية، ثم أورد أمثلة كثيرة، ونظائر عديدة، وقال: وفيه أكثر من هذا، ولولا كراهية الإملال لأتينا به، على أنه مثبت في أماكن من تآليفنا، وقد ذكرنا من هذا الضرب في كتابنا الموسوم بالخصائص ما فيه كافٍ من غيره " وقال صاحب الصحاح: " وحمَار قَبَّان دويبة، وهو فَعْلاَن، من قبّ لأن العرب لا تصرفه، وهو معرفة عندهم، ولو كان فَعَّالاً لصرفته، تقول: رأيت قطيعاً من حمر قبان، وقال: يَا عَجَباً وَقَد رَأَيْتُ عَجَباً حِمَارَ قَبَّانَ يَسُوقُ أرْنَبَا " انتهى ولم يكتب عليه ابن بري شيئاً في أماليه، ولا الصفدي في حاشيته وقال السيوطي في ديوان الحيوان وهو مختصر حياة الحيوان: " حمار قَبَّان: دويبة مستديرة تتولد من الأماكن النَّدِيَّة، على ظهرها مثل المِجَنِّ مرتفعة الظهر، كأن ظهرها قبة، إذا مشت لا يرى منها سوى أطراف رجليها، وهي أقل سواداً من الخنفساء، وأصغر منها، على قدر الدينار، ولها ستة أرجل، تألف أماكن السباخ وذكر الحاحظ في التبيان أن رأسها لا يرى عند المشي، ولا ترى إلا أن تنقلب على وجهها، لأن أمام وجهها حاجزاً مستديراً، وأكثر ما تظهر بالليل، قال: ومن حمار قبان نوع ضامر البطن غير مستدير، والناس يسمونه أبا شحيمة، والظاهر أنه صغار حمار قبان، وأنه بعدُ يأخذ في الكبر، قال:
وأهل اليمن يطلقون حمار قبان على دويبة فوق الجرادة من نوع الفراش وفي مفردات ابن البيطار: حمار قبان يسمى حمار البيت أيضاً، ومن أمثالهم " هو أذَلُّ من حمار قَبَّان " انتهى كلام السيوطي وقال الجوهري في مادة (زم): تقول زَمَمْتُ النعل وزممت البعير، خطمته وأنشد هذا الرجز ثانياً والخطام: هو الزمام، وخاطِمَها بالنصب: حال من حمار قبان، والإضافة لفظية، والتقدير خاطماً إيَّاهَا، ويجوز رفعه أنه خبر مبتدأ محذوف: أي
هو خاطمها، وزامها مثل خاطمها، لان تأكيد له، وقوله " أن تذهبا " بتقدير اللام: أي لتذهب معه، أو بتقدير مضاف وهو صلة لخاطمها: أي خوف أن تذهب وتفر منه، وقوله " فقلت أردفني " أي: فقلت لحمار قبان: اجعلني رِدْفاً لك أركب على الأرنب خلفك، فقال: اركب مرحباً بك، وقوله " يا عجبا " يا للتنبيه، وعجباً منصوب على المصدرية: أي أعجب عجبا، فهو منون، ويجوز أن يكون يا للنداء، وعجباً منادى، والأصل يا عجبي، فقلبت ياء المتكلم ألفاً، وعلى هذا هو غير منون، وهذا يشبه أن يكون من خرافات العرب، ولم أقف على شرح له.
وقد رأيت البيت الشاهد في رجز آخر، قال السيوطي رحمه الله في ديوان الحيوان في الكلام على الضب: " قال أبو عمر الْجَرْمي: سألت أبا عبيد عن قول الراجز: أَهَدَمُوا بَيْتَكَ لاَ أبَالَكَا وَأنا أمْشِي الدَّألَى حَوَالَكَا فقلت: لمن هذا الشعر؟ قال: تقول العرب: هذا يقوله الضب لولده الْحِسْل أيامَ كانت الأشياء تتكلم، والعرب تقول: لما كان كل شئ يتكلم خَاطَرَ الضب الضِّفْدَعَ أيهما أصبر على الظمأ، وكان للضفدع حينئذٍ الذنب، وكان الضب ممسوح
الذنب، قالوا: فصبر الضفدع يوماً، ثم نادت: يا ضب ورداً ورداً.
فقال الضب: أصْبَحَ قلب صَرِدا لا يشتهي أن يَرِدا إلاَّ عَرَاداً عَرِدَا وَصِلِّيَاناً بَرِدَا وعَنْكَثَا مُلْتَبِدا.
فلما كان اليوم الثالث قالت الضفدع: يا ضب ورداً ورداً، فلم يجبها، فلما لم يجبها بادرت إلى الماء، وتبعها الضب، فأخذ ذنبها، وأنشد:
خَاطِمَهَا زَأمَّهَا أنْ تَذَهَبَا وَجربَ الضَّبُّ فَقَالَ جَرِّبَا ألا أرى لِي ذَنَباً مُرَكَّبَا " انتهى كلامه.
والدِّأَلى بفتحات، قال صاحب العباب: " دأل يَدْألُ دَأْلاً وَدَأَلاَناً ودَأَلَى: أي ختل، قال: وأنا أمشي الدألى حوالكا وقال أبو زيد: هي مشية شبيهة بالختل ومشي المثقل، وذكر الأصمعي في صفة مشي الختل الدألاَنُ: مشي يقارب فيه الخطو ويُبْغى فيه، كأنه مثقل من حمل " انتهى وقوله " صَرِداً " بفتح الصاد المهملة وكسر الراء، قال الجوهري: صَرِد الرجل بالكسر يَصْرَد صَرَداً فهو صرِد ومِصْرَاد، يجد البر سريعاً، قال: أصْبَحَ قَلْبِي صَرِدا لا يَشْتَهي أنْ يَرِدَا.
انتهى وقوله " إلا عَراداً عِرَدَا " العراد بفتح العين المهملة وآخره دال: اسم نبت كذا في الصحاح، وأنشد البيت، والْعِرَد: وصف له من لفظه للتوكيد، والمبالغة في كلامهم كقولهم: شعر شاعر: وَلَيْلَة ليلاء.
وقال خضر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين: الْعَرِد: الصلب من كل شئ، وقيل: هو الجراد، وهذا
كلامه، وقوله " وصليانا بردا " بكسر الصاد وللام المشددة بعدها مثناة تحتية، قال السخاوي في سفر السعادة: (و) صِلِّيَانٌ فعْلِيان، والواحدة صليانة، وهي بقلة، وهو مأخوذ من الضمة، والصلة: واحدة الصلال، وهى القطع من الأمطار المتفرقة التي يقع منها الشئ بعد الشئ، وقيل للعشب الصِّلِّيان من ذلك، سمي باسم المطر، وقال الجرمي: الصليان: نبات، ويقولون لمن يسرع في اليمين ولا
يتوقف " لقد جَذَّهَا جذَّ الصّلِّيَانة "، لأن العير إذا ارتعى جذ الصِّلِّيانة واقتلعها من أصلها، وجَذَّ: مصدر مضاف إلى المفعول، ويقولون: الصِّليان خبز الإبل، انتهى.
" وبرد " بمعنى بارد وهذا البيت أورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى (وملح أجاج) على قراءة من قرأ (مَلِحٌ) بفتح الميم وكسر اللام، على أنه تخفيف مالح كبَرِد في البيت من بارد وقوله " عَنكثاً مُلْتَبِدا " العنكث: بفتح العين المهملة وسكون النون وبعد الكاف ثاء مثلثة، قال صاحب الصحاح: هو اسم نبت، وأنشد البيت، والملتبد: المجتمع بعضه فوق بعض، يقال: التبد الشجر.
إذا كثر ورقه، وفي كل بيت أنشده الجوهري من هذه الأبيات يقول: قال الساجع، بناء على أن الرجز عنده سجع وليس بشعر، وهو مذهب بعض العروضيين، وأورد ابن بري الأبيات الخمسة في مادة عنكث، وقال: هذا مما تحكيه العرب على ألسنة البهائم، زعموا أنه اختصم الضب والضفدع، فقالت الضفدع: أنا أصْبُر منك عن الماء، وقال الضب: أنا أصبر منك، فقال الضفدع: تعالى حتى نرعى فيعلم أينا أصبر، فَرَعَيَا يومهما، فاشتد عطش الضفدع، فجعلت تقول: وِرْداً يا ضب، فقال الضب: أصْبَحَ قَلْبِي صَرِدا إلى آخر الأبيات، فبادرت الضفدع إلى الماء، إلى آخر الحكاية
وأنشد بعده، وهو الشاهد التسعون (من الرجز) 90 - يَا دَارَ مَيَّ بد كاديك الْبُرَقْ صَبْراً فَقَدْ هَيَّجْتِ شَوْقَ الْمُشْتَئِقْ على أن أصله المشتاق فقلب الألف همزة وحركها بالكسر لان الالف بد من واو مكسورة، قال ابن جني في سر الصناعة: " أنشد الفراء: يا دارمي بد كاديك إلخ والقول فيه عندي أنه اضطر إلى حكرة الألف التي قبل القاف من المشتاق، لأنها تقابل لام مستفعلن، فَلمَّا حركها انقلبت همزة، إلا أنه حركها بالكسر لأنه أراد الكسرة التي كانت في الواو المنقلبة الألف عنها، وذلك أنه مُفْتَعِلٌ من الشوق، وأصله مُشْتَوِق ثم قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما احتاج إلى حركة الألف حركها بمثل الكسرة التي كانت في الواو التي هي أصل للألف، ونحو هذا ما حكاه الفراء أيضاً عنهم من قولهم: رجل مَئِل، إذا كان كثير المال، وأصلها مَوِلٌ كحَذِرٌ، يقال: مال الرجل يمَال، إذا كثر ماله، وأصلها مَوِلَ يَمْوَل مثل خاف يخاف، من الواو، وقالوا: رجل خاف كقولهم رجل مالٌ وأصلهما خَوِفٌ ومَوِلٌ، انقلبت الواو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار خافٌ ومالٌ، ثم إنهم أتوا بالكسرة التي كانت في واو مَوِلٍ فحركوا بها الألف في مال فانقلبت همزة فقالوا مثل " انتهى كلامه و " مي " اسم امرأة، ودكاديك: جمع دكداك، وهو الرمل المتلبد في الأرض ولم يرتفع، والبُرَق: جمع برقة بالضم وهى غلظ حجارة ورمل، ورواه الجوهري " بالدَّكاديك البُرَق " بالوصف لا بالإضافة، وقوله " صبرا " مفعول مطلق: أي اصبري صبرا، أو مفعول به لفعل محذوف: أي أعطيني صبرا، وروى بدله
" سَقْيا ": أي سقاكِ الله سقياً، دعاء لها بالسقي، على عادة العرب في طلب السقي لمنازل أحبابهم.
قال ابن المستوفي هذان البيتان أنشدهما الفراء لرؤبة، ومثله (من الرجز): سُقِيتِ مِنْ وَدْقِ 1 السَّحَابِ الْمُنْبَعِقْ (2)
يَكَادُ قَلْبِي مِنْ هَوَاكِ يَحْتَرِقْ كَذَا دُعَاءُ كُلِّ صِبٍّ مُشْتَئِقْ الابتداء أنشد فيه، وهو الشاهد الحادي والتسعون (من الرجز): 91 - بِاسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ على أنه يقال: سِمٌ بدون همزة وصل قال ابن جني في شرح تصريف المازني: " روى بكسر السين وضمها، والباء من " باسم " متعلق بأرسل في بيت قبله، وهو: أرْسَلَ فِيهَا بَازِلاً يُقَرِّمُهْ فَهْوَ بِهَا يَنْحُو طَرِيقاً يَعْلَمُهْ باسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ وهذه الأبيات الثلاثة أوردها أبو زيد في نوادره (3).
وقال: " هي لرجل زعموا أنه من كلب " والضمير المستتر " في أرسل " للراعي، والبارز من " فيها " للإبل، و " البازل ": البعير الذي انشق نابه، وهو في السنة التاسعة، و " يقرمه " يتركه عن الاستعمال
ليتقوى لِلفِحْلة، والمعنى أرسل هذا الراعي باسم الذي في كل سورة يذكر اسمه هذا الفحلَ في هذه الإبل فهو أي البازل ينحو بها أي يقصد بالإبل المذكورة، طريقاً يلعمه لاعتياده بتلك الفعلة وقال خضر الموصلي شارح شواهد التفسيرين: البيت من رجز لرؤبة بن
العجاج، أوله قُلْتُ لِزيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ انتهى.
أقول: قد فتشت 1 هذه الأرجوزة مراراً فلم أجد فيها البيت الشاهد، وقد تبعه شيخنا الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي، ونقل ما سطره من غير مراجعة، وأورد أبو زيد بعد تلك الأبيات ما نصه، وأنشدني أعرابي (من البسيط) أنَا الْحُبَابُ الَّذِي يَكْفِي سِمُي نَسَبي إذَا الْقَمِيصُ تعَدَّى وَسْمَهُ النَّسَبُ الأصمعي: الوسم: تغير النجار، وقال: فَدَعْ عَنْكَ ذِكْرَ اللَّهْوِ وَاعْمِدْ لِمِدْحَةٍ لِخَيْر يَمَانٍ كُلِّها حَيْثُ إنْتَمَى لأوْضَحِهَا وَجْهاًَ وَأَكْرَمِهَا أباً وَأَسْمَحِهَا كَفّاً وَأَعْلَنِهَا سُمَا انتهى.
وسُمِي - بضم السين وكسرها، والياء ضمير المتكلم - والنجار بكسر لنون بعدها جيم: الأصل، وسُمَا في اليبت الثاني - بضم السين والقصر - لغة في الاسم، وهو أعدل شاهد في هذه اللغة، وأنشده ابن جني في شرح تصريف المازني، وقال: ويروى " سِماً " فمن كسر السين فالألف عنده للوصل بمنزلة الألف في قول الاخر (من البسيط)
يَا دَارَ عَمْرَةَ مِنْ مُحْتَلِّهَا الْجَرَعَا 1 ولا يجوز أن تكون لام الفعل، لأنا لا نعلمهم قالوا: هذا سِمىً بوزن رِضاً، وأما من ضم السين فعندي يحتمل أمرين: أحدهما ما عليه الناس، وهو
أن تكون ألف الوصل، بمنزلتها في قول من يكسر السين، والوجه الآخر: أن تكون لام الفعل، بمنزلة الألف في القافية التي قبلها وهي " انتمى "، ويكون هذا التأويل على قول من قال: هذا سُمىً، بوزن هدى، إلا أنه حذف اللام لالتقاء الساكنين، يريد أنه منصوب منون حذفت ألفه لالتقاء الساكنين، انتهى.
وأقول: يرد على الوجه الأول أنه يبقي الشعر بلا رَوي، وهو فاسد، وأما قوله في الوجه الثاني " إلا أنه حذف لالتقاء الساكنين وهذه الألف هي المبدلة من التنوين للوقف " فهذا فاسد أيضاً، للزومه (2) عدم الروي، وقد حقق الشارح المحقق فيما يأتي في الشاهد الثالث بعد المائة عن السيرافي أنه استدل على أن الألف لام الكلمة لمجيئها رَويا في النصب وأنشد بعده، وهو الشاهد الثاني والتسعون (من الطويل) 92 - وَقَالَ اضرِبِ السَّاقَيْنِ إمُّكَ هَابِلُ على أنه روي بكسر همزة " إمك " إتباعاً لكسرة نون الساقين والذي رواه ابن جني في أول المحتسب على غير (3) هذا، قال عند قراءة
من قرأ (الحمْدِ لله) بكسر الدال إتباعاً لكسرة اللام: ومثل هذا في إتباع الإعراب البناءَ ما حكاه صاحب الكتاب في قولهم بعضهم وَقَالَ اضْرِبِ السَّاقَيْنِ إمِّكَ هَابِلُ كسر الميم لكسرة الهمزة، انتهى كلامه و " هابل " من هَبِلَتْهُ أمه: أي ثكلته وعدمته، وفعله كفرح يفرح، وهابل هنا على النسبة: أي ذات هَبَل، كحائض وطالق، و " اضرب " فعل أمر، و " الساقين " مفعوله، وجملة " إمك هابل " دعائية وهذا المصراع لم أقف على تتمته، ولا على قائله وأنشد الجاربردى، وهو الشاهد الثالث والتسعون (من الكامل): 93 - وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْقَهُوا وَاللَّحْنُ يَفْهَمُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ على أن صاحب الكشاف قال: اللحن أن تَلْحَنَ بكلامك: أي تميله إلى نحو من الأنحاء، ليفطن له صاحبك، وَأنشد البيت، وأورده عند تفسير قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول) وكذا أورده الجوهري، قال: " واللَّحَن بالتحريك: الفطنة، وقد لَحِن بالكسر، وفي الحديث " وَلَعَلَّ أحدكم أَلْحَنُ بحجته " أي أفطن لها من الآخر، أبو زيد: لَحَنْتُ بالفتح لَحْناً، إذا قلت له قولاً يفهمه عنك، ويخفى على غيره، ولَحِنه هو عني بالكسر يَلْحَنه لَحْناً: أي فهمه، وألحنته أنا إياه، ولاحنت الناس: فاطنتهم، قال الفزاري (من الخفيف) وَحَدِيثٍ ألَذهُ وَهْوَ مِمَّا يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أحْيَا نَاً وخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا يريد أنها تتكلم وهي تريد غيره، وَتُعَرِّض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها، كما قال تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لحن القول) أي: في فَحْوَاه
ومعناه، وقال القَتَّال الكلابي (من الكامل): وَلَقَدْ وَحَيْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا وَلَحَنْتُ لَحْناً لَيسَ بِالْمُرْتَابِ وكأن اللحن في العربية راجع إلى هذا، لأنه من العدول عن الصواب " انتهى كلامه والوحي: الإشارة والكتابة والرسالة والكلام الخفي، ولم يعرف خضر الموصلي شارح أبيات التفسيرين تتمة البيت ومنشأه، ولم يزد على نفس كلام الجوهرى سوى ترجمة قائله وهو من قصيدة أوردها السكري في كتاب اللصوص قال: " كان عمرو ابن سلمة بن سكن بن قريط بن عبد بن أبي بكر بن كلاب قد أسلم رضي الله عنه، ووفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقطعه حمىً بين الشقراء والسعدية، وهما ماءان تسعة أميال في ستة أميال، فأقطعها إياه فأحماها إياه زماناً، ثم هلك عمرو بن سلمة وقام بعده حُجْر بن عمرو 1 فأحماها، ثم إن نفراً من بنى جعفر ابن كلاب فيهم أجدُر بن بشر بن عامر بن مالك بن جعفر استرعوه خيلهم، فأرعاهم، فأرسلوا نعمهم مع خيلهم بغير إذنه، فغضب حُجْر وأراد إخراجهم فقاتلوه بالعصي والحجارة، وظهر عليهم حُجْر، ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح على أن يدع كل قوم ما فيهم من الجراحات، فتواعدوا الصلح بالغداة وكان أخ لحُجْر يدعى سعيد بن عمرو متنحيا عن الحمى عند امرأة من بني بكر تداويه من سِلْعة (2) كانت بحلقه، فبلغه الخبر وأقبل يريد أخاه حتى إذا كان في المنتصف
ما بين رحلهم والحي غَدَر الجعفريون فاحتملوا عند المساء فمضوا وخلفوا ثلاثة فوارس: أحدهم قراد بن الأجدر بن بشر، فلقوا سعيد بن عمرو، فحمل قراد بن الأجدر عليه بالرمح فقتله، فبلغ الخبر حُجْراً وأوقد نار الحرب واجتمع إليه جمع من بني بكر، فخرج يطلب جعفراً حتى لحقهم، فقال بنو جعفر: ثأركم قراد ابن الأجدر، وقد هرب، وهذا أخوه جُنادة بن الأجدر، قال: إنا لحاملون عليكم أو تعطونا وفاء حتى نرى رأينا، فلما عرفوا منهم الجد اتقوهم بجُنادة وأمه ميسون بنت سهيل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، فدفعوه إلى حجر، فسار بجُنادة قليلاً فضرب عنقه بأخيه، وكان القتَّال أرسل إلى بني جعفر أن لا تعطوهم رهينة فإنهم يقتلونه، فلم يطيعوه، فقال القتال في ذلك قصيدة، وهذه أبيات منها بعد ثمانية عشر بيتاً: وَلَقَد لَحَنْتُ لَكُمْ لِكَيْمَا تَفْهَمُوا وَوَحَيْتُ وَحْياً لَيْسَ بِالْمُرْتَابِ وَلَقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمُ بصَحِيْفَةٍ عَرَبِيَّةٍ مِنِّي مَعَ ابْنِ عُقَابِ وَمَعَ ابْنِ قَارِبَةَ السَّفِيرِ كَأَنَّمَا وَثِقُوا بِرَأْي عُتَيْبَةَ بْنِ شِهَابِ أمَّا ابْنُ مَيْسُونَ الْمُقَادُ فِإنَّهُ رَدَّ الرِّجَالَ بِهِ عَلَى الأَعْقَابِ هَلَكَ الَّذِينَ تمالئوا في قَتْلِهِ وَنَجَوْتُ مِنْهُ طَاهِرَ الأَثْوَابِ يُسْقَوْنَ مَاءَ الْمُهْلِ كُلَّ عَشِيَّةٍ يُجْزَوْنَ مَا كَسَبُوا مَعَ الكُتَّابِ هَلاَّ قَتَلْتُمْ قَاتِلاً بِقَتِيْلِهِ فَيَكُونَ عِنْدَ الله أوْفَقَ بَابِ بَعْدَ الَّذِي مَا حَلْتُمُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَتَلْتُمُوهُ غَيْرَ ذِي أسْبَابِ وَيَكُونُ أبْرَأَ لِلصُّدُورِ مِنَ الْجَوَى وَأَقَلَّ تَخْزَاءً غداة عِتَابِ لَنْ تُفْلِحُوا أبَداً وَلَوْ أسْمَنْتُمْ وَرَعَيْتُمُ القفرات في الاعشاب وهذا آخر القصيدة قال السكري: ابن عُقاب - بالضم -: رجل من بني جعفر بن كلاب، وعُقَابُ
أمه سوداء نوبية، وابن قاربة: مولى لقريش كان وجَّه به، وعتيبة بن الحرث ابن شهاب اليربوعي كان فارس تميم كلها، وكان ذا رأي في الحرب وشجاعة ويُمْن نقيبة 1، وابن ميسون هو جُنادة بن أجدر، وتمالئوا: اتفقوا، والتخزاء - بالفتح - مصدر كالخزي بمعنى الفضيحة والقتال هو أحد بني بكر بن كلاب شاعر إسلامي في الدولة المروانية، وقد ترجمناه في الشاهد الخامس بعد السبعمائة من شرح شواهد شرح الكافية والبيتان اللذان أوردهما الجوهري هما لمالك ابن أسماء بن خارجة بن حصين ابن حذيفة بن بدر الفزاري، كان الحجاج تزوج أخته هنداً وولاه أصفهان، ولهما خبر أورده الأصبهاني في الأغاني قال " أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال: حدثني أبي قال: قلت للجاحظ: إني قرأت في فصل من كتابك البيان والتبيين أن مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام فاستشهدت ببيتي مالك بن أسماء، قال: هو كذلك، فقلت: أما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجاج حين لحنت كلامها، فعاب ذلك عليها، فاحتجت ببيتي أخيها، فقال لها: إن أخاك أراد أن المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام غير الظاهر المعنى تستر معناه وتُوَرِّي عنه وتفهمه من أراد تعريفه بالتعريض، كما قال تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) ولم يرد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد، فوجم الجاحظ ساعة ثم قال: لو وقع لي هذا الخبر لما قلت ما تقدم، فقلت له: فاصلحه، فقال: الآن وقد صار الكتاب في الآفاق؟ " انتهى.
وقال العسكري في كتاب التصحيف: " أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثنى يحيى بن المنجم قال: حدثني أبي قال: قلت للجاحظ: مثلك في علمك
ومقدارك من الأدب تقول: يستظرف من الجارية أن تكون غير فصيحة وأن يعتري منطقها اللحن، وتقول: قال مالك بن أسماء في بعض نسائه وكانت لا تصيب وربما لحنت وخير الكلام ما كان لحنا ؟ وتفسره على أنه أراد اللحن في الإعراب، وإنما وصفها بالظرف والفطنة وأنها تورى في لفظها عن أشياء قال: قد فطنت لذلك بعد، قلت: فغيره، قال: كيف لي بما سارت به الركبان " انتهى.
ونقل هذا الخبر عن العسكري السيد المرتضى في أول أماليه المسماة بغرر الفرائد ودرر القلائد وقال: " وقد تبع الجاحظ على هذا الغلط ابنُ قتيبة في كتابه المعروف بعيون الأخبار، وأورد أبيات الفزاري، واعتذر بها من لحن إن أصيب في كتابه " وكذا نقل السهيلي تَغليطَ الجاحظ وابن قتيبة في غزوة الخندق من كتابه الروض الأنف وأنشد بعده، وهو الشاهد الرابع والتسعون: (من الطويل) 94 - إذَا جَاوَزَ الإِثْنَيْنِ سِرٌّ فَإِنَّهُ بِنَثٍّ وَتَكْثِيرِ الْوُشَاةِ قَمينُ على أن قطع همزة الإثنين شاذ في ضرورة الشعر، قال ابن عصفور في كتاب الضرائر: ومنها قطع همزة الوصل في الدرج إجراء لها مجراها حال الابتداء بها، وأكثر ما يكون ذلك في أول النصف الثاني من البيت، لتعذر الوقف على الأنصاف التي هي الصدور، نحو قول حسان رضي الله عنه (من البسيط): لَتَسْمَعُنَّ وَشِيكاً فِي دِيَارِكُمُ الله أكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا وقال الآخر (من السريع) لاَ نَسَبَ الْيَوْمَ وَلاَ خلة إتسع الحرق عَلَى الرَّاقِعِ
وقد يقطع في حشو البيت، وذلك قليل، ومنه قول قيس بن الخطيم: إذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌّ فَإنَّهُ... البيت
وقول جميل: (من الطويل) ألاَ لاَ أرَى إثْنَيْنِ أحْسَنَ شِيْمَةً عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ وأنشد قدامه: (من الرجز) يَا نَفْسُ صَبْراً كُلُّ حَيٍ لاَقٍ وَكُلُّ إثْنَيْنِ إلى افْتِرَاقِ انتهى.
وقد أنشد أبو زيد 1 بيت جميل في نوادره، وكتب عليه أبو الحسن الأخفش: " أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد أنه لا اختلاف بين أصحابه أن الرواية ألا لا أرى خِلَّين وهذه هي الرواية والأولى 2 ليست بثَبَتٍ، وإنما رواها أبو زيد والاخفش (3) على الشذوذ فليسا يعتدان بها، وكذلك أخبرنا في البيت الذي يعزى إلى قيس بن الحطيم وهو: إذَا ضيَّعَ الإثْنَانِ سِرّاً فَإنَّهُ بِنَثٍ وَتَكْثَيرِ الْوُشَاةِ قَمِينُ قال: الرواية إذا جاوز الخلين سر قال: وهذه أشياء ربما يخطر ببال النحوي أنها تجوز على بعد في القياس، فربما غير الرواية " انتهى.
وهذا غير جيد، فإنه يقتضي عدم الوثوق برواية الثقات، وهم مأمونون فيما ينقلونه وقال ابن المستوفي: " وقال سيبويه في بيت قيس بن الحطيم: إنما هو إذا جاوز الخلين سر ولكنه صنع، والذي في شعره الإثنين، وهو أعم من الخلين وأتم في الدعوى " انتهى.
ولا يخفى أن سيبويه لم يورد هذا البيت في كتابه البتة، وليس من دأبه
الطعن في الرواية كالمبرد، وقدسها قلمه، فنسب إلى سيبويه كلام المبرد ومثله 1 قول الصّلتان العبدي: (من المتقارب) وسرك مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ وَسِرُّ الثَّلاَثَةِ غَيْرُ الْخَفِيّ ومثله قول الآخر: (من الطويل) فَلاَ تَجْعَلَنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ثَالِثاً وَكُلُّ حَدِيثٍ جَاوَزَ اثنين شائع أقول: قد بالغ في كتم السر، فقال: المراد من الاثنين الشفتان لا شخصان، وقوله " فإنه بنث " - بفتح النون وتشديد المثلثة - مصدر مؤنث الحديث ينثه نثا إذا أفشاه وروى " ببث " - بموحدتين - وعليها اقتصر الجاربردي فقال: يقال بث الخبر: أي نشره، وروي أيضاً " فإنه بنشر " وضمير فإنه للسر، والباء متعلقة بقمين بمعنى جدير وخليق وحَرِيّ ولائق، وكلها ألفاظ مترادفة وقوله " وتكثير " بالجر معطوف على نث، وهو مصدر مضاف إلى المفعول: أي السر المجاوز اثنين يكثر الأعداء والوشاة، وهو جمع واش، وهو النمام الذي يزوق الكلام ويحسنه عند نقله على جهة الإفساد، وقال بعض أفاضل العجم في شرح أبيات المفصل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل، ومفعوله محذوف: أي وتكثيرِ الوشاة ذلك السر والبيت من أبيات لقيس بن الخطيم رواها له القالي في أماليه، وهي: أجود بمضمون التِّلاَدِ وَإنَّنِي بِسِرِّكِ عَمَّنْ سَالَنِي لَضَنِينُ (2) إذَا جَاوَزَ الإثْنَيْنِ سِرٌ فإنه بنث وتكثير الوشاة قمين
وَإنْ ضَيَّعَ الإخْوَانُ سِرّاً فَإنَّنِي كَتُومٌ لأَسْرَارِ الْعَشِيرِ أمِينُ يَكُونُ لَهُ عِنْدِي إذَا مَا ضَمِنْتُهُ مَكَانٌ بِسَوْدَاء الْفُؤَادِ كَنِينُ ويروى:... إذَا مَا ائْتُمِنْتُهُ مَقَرٌّ بِسَوْدَاء الْفُؤَادِ كَنِينُ سَلِي مَنْ جَلِيسِي في النَّدِيِّ وَمَأْلَفِي وَمن هو لِي عِنْدَ الصَّفَاءِ خَدِينُ وَأيَّ أخِي حَرْبٍ إذَا هِيَ شَمَّرَتْ وَمِدْرَهِ خَصْمٍ يَا نَوَارُ أكُونُ وَهَلْ يَحْذَرُ الْجَارُ الْغَرِيبُ فجِيْعَتِي وَخَوْني، وبعض المقرفين خئون وَمَا لَمَعَتْ عَيْنِي لِغِرَّةِ جَارَتِي وَلاَ وَدَّعَتْ بِالذَّمِّ حِينَ تَبِينِ (أبَا الذَّمَّ آبَاءٌ نَمَتْنِي جُدُودُهُمْ وَفِعْلِي بِفِعْلِ الصَّالِحِينَ مُعينُ فَهَذَا كما قد تَعْلَمِينَ وإنَّنِي لَجَلْدٌ عَلَى رَيْبِ الخُطُوبِ مَتِينُ) 1 وإنِّي لأَعْتَامُ الرِّجَالِ بخُلَّتِي إلَى (2) الرَّأْيِ فِي الأَحْدَاثِ حِينَ تَحِينُ فَأُبْرِي لَهُمْ صَبْرِي وأُصْفِي مَوَدَّتِي وَسِرُّكِ عِنْدِي بَعْدَ ذَاكِ مَصُونُ أُمِرُّ عَلَى الْبَاغِي وَيَغْلُظُ جَانِبي وَذُو الْوُدِّ أحلو لى لَهُ وَأَلِينُ هذا ما أورده القالي، وهذا المقدار هو الموجود في ديوانه، والتلاد: كل مال قديم، والمضنون: اسم مفعول من ضن بالشئ يضن من باب تعِب ضنا وضِنّة - بالكسر - إذا بخل به فهو ضنين، وأراد بالتلاد المضنون به، وقوله " سالني " بالألف وأصلها الهمزة، والعشير: المعاشر، وكنين: مكنون، أي مستور محفوظ،
والندي: المجلس، والخدين: الصديق، والمدره - بكسر الميم وآخره هاء - من دَرَه عن القوم يدرَه - بالفتح - إذا تكلم عنهم ودفع فهو مدره، ونَوَار: اسم امرأة، والفجيعة: المكروه، والخون: الخيانة، والمقرفُ - بضم الميم وكسر الراء -: من أبوه غير أصيل، ولمعت: نظرت، والغرة - بالكسر -: الغفلة، ونمتني: رفعتني، و " جدودهم " فاعله، وأعتام: أقصد، وهو من العيمة، وأصله شدة شهوة اللبن، والخُلَّة: - بالضم - الصداقة، و " إلى " بمعنى مع، وأبْري: مضارع أبرأ إبراء بمعنى شفاه، وقلب الهمزة ياء لانكسار ما قبلها، و " أصْفِي مَوَدَّتِي " أجعلها صافية، وأمِرُّ من أمَرَّ الشئ: أي صار مرا، وأحلو لى: أصير حلواً وقيس بن الخطيم: شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شرح شواهد شرح الكافية وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والتسعون، وهو من شواهد سيبويه (من الكامل): وَلاَ تُبَادِرُ فِي الشِّتَاءِ وَلِيدَنَا ألقِدْرَ تُنْزِلُهَا بِغَيْرِ جِعَالِ على أن قطع ألف " ألقدر " لضرورة الشعر قال سيبويه: وتذهب ألف الوصل إذا كان قبلها كلام، إلا أن تقطع كلامك، وتستأنف به، كما قالت الشعراء في الأنصاف، لأنها مواضع فصول، فإنما ابتدأوا بعد قطع، قال الشاعر: وَلاَ تُبَادِر فِي الشِّتَاءِ البيت وقبل البيت: يَا كَنَّةً مَا، كُنْتِ غَيْرَ لَئِيمَةٍ للضَّيْفِ مِثْلَ الرَّوْضَةِ الْمِحْلاَلِ مَا إنْ تُبَيِّتُنَا بِصَوْت صلب فيبيت منه القوم في بلبال وَلا تُبَادِرِ فِي الشِّتَاءِ وَلِيدَنَا البيت
والكنة - بفتح الكاف وتشديد النون - امرأة الابن، وما: زائدة أو إبهامية، قال الزمخشري في تفسير (مَثَلاً مَا بَعُوضَةً): ما إبهامية، وهي التي إذا اقترنت بنكرة زاد إبهامها وشياعها، كقولك: أعْطِني كتاباً مَا، تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد، كالتي في قوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِم) انتهى.
والإبهامية تؤكد ما أفاده تنكير الاسم قبلها: إما فخامة: أيْ كنة أيَّ كنة، أو حقارة نحو أعطه شيئاً ما، أو نوعية نحو اضربه مَّا، ويجوز أن تكون استفهامية خبراً لكُنْت: أي أي شئ كُنْتِ، ويكون " غَيْرَ لئيمة " صفة لكنَّة، والروضة المحلال: التي تحمل المارَّ بها على الحلول حولها للنظر إلى حسنها وبهجتها، والصوت الصُّلَّب: الشديد، بضم الصاد وتشديد اللام، والْبَلْبَال: الغم والحزن، وتبادر: من " بَادَرَه " أي سبقه، وفاعله ضمير الكنة، و " وليدنا " مفعوله، والمراد بالشتاء زمن القحط، فإن الشتاء زمن الشدة عند العرب لعدم نبات الأرض، والوليد: الصبي الصغير، والخادم أيضاً، والجِعَال - بكسر الجيم - الخرقة ينزل بها القدر، يريد أنها لا شَرَهَ لها للطعام، وهذا أمر ممدوح، ويجوز في القدر رفعها ونصبها ونسب ابن عصفور البيت إلى لبيد العامري الصحابي رضي الله تعالى عنه
وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس والتسعون (من الوافر): 96 - أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أنَا أبْتَغِيهِ أمِ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي على أن همزة الوصل في الخير بين، وقبله: وَمَا أدْرِي إذَا يَمَّمْتُ وَجْهاً أريدُ الْخَيْرَ أيُّهُمَا يَلِينِي قال الفراء عند تفسير قوله تعالى (أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ من ربه) قال: أيُّهما 1 وأما ذكر الخير وحده فلأنَّ المعنى يُعَرَّف أن المبتغي للخير مُتَّقٍ للشر، انتهى
وشوائع 1 والملهاة وأصلها الْمَاهَةُ (2)، وَأَمْهَيْتُ الحديد (3) في أَمَهْتُهُ، ونحو جَاءٍ عند الخليل، وقد يُقدَّمُ متلوُّ الآخر على العين نحو طَأمَنَ وأصله طَمْأنَ (4) لأنه من الطُّمَأْنِينَة، ومنه اطْمَأَنَّ يطمئنُّ اطمئناناً، وقد تُقَدَّمُ العين على الفاء كما في أَيِسَ وَجَاهٍ وأيْنُقٍ والآراء والآبار والآدُرِ (5)، وتقدم اللا على الفاء كما في أشياء على الأصح، وقد تؤخر الفاء عن اللام كما في الحادي وأصله الواحد الثلاثة فيما ورد مجرورا بالكسرة، فأما المرفوع والمنصوب بالفتحة على الحرف الصحيح فلا يجئ الا أحد الوجهين، وإن كان على غير ذلك فهو على ما ذكر آخرا ليس غير (1) شوائع: جمع شائعة، تقول: أخبار شائعة وشوائع إذا كانت منتشرة، وكذا تقول شاعية وشواع بالقلب، وتقول: جاءت الخيل شوائع وشواعي: أي متفرقة (2) الماهة: واحدة الماء، وهو الماء، قاله في اللسان، والمهاة - بفتح الميم - الحجارة البيض التى تبرق، وهى البلورة التى تبص لشدة بياضها، وهى الدرة أيضا، والمهاة - بضم الميم - ماء الفحل، وإذا استقرأت أمثلة القلب المكانى علمت أنه لابد بين معنى اللفظ المقلوب والمقلوب عنه من المناسبة لكن لا يلزم أن يكون هو نفسه، بل يجوز أن يكون مما شبه بمعنى المقلوب عنه أو من بعض أفراده، قال ابن منظور: " المهو من السيوف: الرقيق، وقيل: هو الكثير الفرند، وزنه فلع، مقلوب من لفظ ماه، قال ابن جنى: وذلك لانه أدق حتى صار كالماء " اه (3) تقول: أمهيت الحديدة إذا سقيتها الماء وأحددتها ورققتها وتقول: اماه الرجل السكين وغيرها إذا سقاها الماء وذلك حين حين تسنها به، ومثل ذلك قولهم في حفر البئر أمهى وأماه إذا انتهى إلى الماء (4) طأمن الرجل الرجل: إذا سكنه، والطمأنينة: السكون، والذى ذهب إليه المؤلف من أن طأمن مقلوب عن طمأن هو ما ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء وسيبويه ذهب إلى أن طمأن مقلوب عن طأمن، انظر اللسان فان فيه حجة الامامين وتفصيل المذهبين (5) الجاه: المنزلة والقدر عند السطان: وأصله وجه قدمت العين فيه على الفاء ثم حركت الواو، لان الكلمة لما لحقها القلب ضعفت فغبروها بتحريك ما كان ساكنا
قال ابن رشيق في العمدة: ومن مليح ما رويته في الموازنة والتعديل قول ذي الرمة: أستحدث الركب من أشياعهم خبرا أم راجع القلب من أطرابه طرب (لأن قوله " أستحدث الركب ") (1) موازن لقوله " أم راجع القلب " وقوله " عن أشياعهم خبرا " موازن لقوله، " من أطرابه طرب " وذو الرمة: شاعر في الدولة الأموية، عصريُّ الفرزدق وجرير وتقدمت ترجمته في الشاهد الثامن من أول شرح شواهد الكافية وأنشد بعده (من الرجز) فَبَاتَ مُنْتَصْباً وما تكردسا وتقدم شرحه في الشاهد التاسع من هذا الكتاب وأنشد هنا الجاربردي، وهو الشاهد الثامن والتسعون (من البسيط) 98 - وَقُمْتُ لِلزَّورِ مُرْتَاعاً وَأَرَّقَنِي فَقُلْتُ أهْيَ سَرَتْ أمْ عَادَنِي حُلُمُ على أن سكون الهاء من " أهْيَ " عارض، ولهذا لم يؤت بألف الوصل،
والإسكان مع همزة الاستفهام قليل، وقيل: ضعيف.
والبيت من قصيدة لِلْمَرَّار العدوي، وقبله: زَارَتْ رُوَيْقَةُ شُعْثاً بَعْدَ مَا هَجَعُوا لَدَى نَوَاحِلَ فِي أرْسَاغِها الْخَدَمُ يقول: زار خيالُ رويقة قوماً شُعْثاً غُبْراً بعد ما ناموا عند إبل ضوامر شدت في أرساغها سيور القد لشدة سيرها وتأثير الكَلال فيها.
والزَّوْر: مصدر من الزائر المراد به طيفها، يريد أني قمت لاجل الطيف
منتبهاً مذعوراً للقائه، وأرقني لما لم يَحْصَل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع: هل كان على التحقيق أو كان ذلك في المنام؟ ويجوز أن يريد فقمت للطيف وأنا في النوم إجلالاً في حال كوني مذعوراً لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئاً محققاً، ثم من فرط صبابته شك أهي في التحقيق سرت أم كان ذلك حلماً، على عادتهم في مبالغاتهم.
وقد تكلمنا عليه وعلى غالب القصيدة وترجمة قائلها في شرح الشاهد التاسع والسبعين بعد الثلثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
الوقف أنشد فيه، وهو الشاهد التاسع والتسعون (من المتقارب) 99 - وَآخُذُ مِنْ كُل حَيّ عُصُمْ على أن أصله عُصُماً، ووقف عليه في لغة ربيعة بالسكون، فإنهم يجيزون تسكين المنصوب المنون في الوقف.
وهذا المصراع من قصيدة للأعشى ميمون مدح بها قيس بن معدي كرب،
وقبله: - وَيَهْمَاءَ تَعْزِفُ جِنَّانُها مَنَاهِلُهَا آجِنَاتٌ سُدُمْ قَطَعْتُ بِرَسَّامَةٍ جَسْرَةٍ عذافرة كالفنيق القطم إلَى الْمَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى وَآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍ عُصُمْ قوله " ويهماء " الواو واو رب -، واليهماء - بفتح المثناة التحتية -: الفلاة التي لا يُهْتَدى فيها، وتعزف - بالعين المهملة والزاي المعجمة - أي: تصوتُ، والجنان - بكسر الجيم - جمع جانّ، والمنهل: المورد، والآجن: الماء التغير المطعم واللون، والسدُم - بضم السين والدال المهملتين - وهي البئر المدفونة، وقوله " قطعت " جواب رب المقدرة، وهو العامل في محل يهماء النصب، والرسَّامة:
الناقة التي تؤثر في الأرض من شدة الوطء، والجَسْرَة - بفتح الجيم - الناقة القوية، ومثلها الْعُذافرة، والفنيق - بفتح الفاء وكسر النون - الفحل العظيم الخلق، والقطم - بفتح القاف وكسر الطاء - وصف من قطم الفحل بالكسر: أي هاج للضِّراب، وهو في هذه الحالة أقوى ما يكون، وقوله " إلى المرء " أراد المرء المستغرق لخصائص أفراد الرجال، وقيس: بدل منه أو عطف بيان، والسري: السير، وهذه طريقة المتقدمين في التخلص إلى المديح، وهو أنهم يصفون الْفَيَافِي وقطعها بسير الإبل وذكر ما يقاسون من الشدائد في الوصول إلى الممدوح ليوجبوا عليه ذمَّة ويُجْزِل لهم الصلة والإكرام، و " آخذ " معطوف على أطيل، والحي: القبيلة، والْعُصُم: مفعول آخذ، قال ابن جني: هو بضمتين جمع عِصَام، وعصام القربة، وكاؤها وعروتها أيضاً، يعني عَهْداً يبلغ به وقال ابن هشام صاحب السيرة النبوية: هو بكسر ففتح جمع عِصْمة، وهي الحبل والسبب، وإنما كان يأخذ من كل قبيلة إلى أخرى عهداً لأن له في كل قبيلة
أعداء ممن هجاهم أو ممن يكره ممدوحه فيخشى القتل أو غيره فيأخذ عهداً ليصل بالسلامة إلى ممدوحه.
وقد تكلمنا عليه بأبسط من هذا في شرح الشاهد الرابع والعشرين بعد الثلاثمائة من شرح شواهد شرح الكافية.
وأنشد هنا قول الشاطبي رحمه الله، وبه تُوفَّى المائة.
100 - وَفِي هَاءِ تَأْنِيثٍ وَميم الجميع قل وَعَارِض شكل لم يكونا ليدخلا وفي الهاء للإضمار قوم أبوهما ومن قبله ضم أو الكسر مثلا أو اماهما واو وياء، وبعضهم يُرَى لَهُمَا فِي كُلِّ حَالٍ مُحَلِّلاَ على أن ابن الحاجب ظن أن الشاطبي أراد بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال
محللاً " كلَّ حال من أحوال هاء التأنيث وميم الجمع وعارض الشكل وهاء المذكر، كما وهم بعض شراح كلامه أيضاً، فأجاز ابن الحاجب بناءً على هذا الوهم الرَّوْمَ والإشمام في الاربعة، وإنما معنى قول " الشَاطبي في كل حال " من أحوال هاء الضمير فقط.
أقول: شرح الجعبرى كما ذكره الشارح، ثم نقل أن بعضهم جعله عاما في هذه الثلاثة وغيرها، قال: وتوهم بعضهم في كل حال من أحوال الحرف الموقوف عليه، ومنها النصب، وهذا صرف للكلام إلى غير ما فرض، وغلط في النقل، انتهى وكذا شرح أبو شامة، على ما ذكره الشارح المحقق، وكذا شرح السمين، لكنه عمم في آخر كلامه، وهذه عبارته: قوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " إشارة إلى أن بعض أهل الاراء حلل الروم والاشمام: أي جوزهما: في هاء الاضمار في كل حال، حتى في الحال التى منع فيها، وهى ما إذا كانت الهاء مضمومة بعد ضمة أو واو مكسورة بعد كسرة أو ياء، فيروم ويشم ونحو (يعلمه) و (بمزحزحه) و (عقلوه)
و (لابيه)، وممن ذهب إلى جواز الروم والاشمام مطلقا أبو جعفر النحاس، وليس هو مذهب القراء.
وقد تحصل مما تقدم أن الامر دائر في الروم والاشمام بين ثلاثة أشياء: استثناء هَاء التَّأْنِيثِ ومِيمِ الْجَمْعِ وَالْحَرَكَةِ العارضة، وهذا أشهر المذاهب، الثاني استثناء هذه الثلاثة مع هاء الكناية بالشرط المتقدم عند بعض أهل الاراء، الثالث عدم استثناء شئ من ذلك، وهو الذى عبر عنه بقوله " وبعضهم يرى لهما في كل حال محللا " انتهى كلامه.
فقوله " وهذا أشهر المذاهب " يؤكد 1 ما حكاه ابن الحاجب من جوازهما في الثلاثة أيضا، وقول الشارح المحقق " لم أر أحداً من القراء ولا من النحاة ذكر أنهما يجوزان في أحد الثلاثة " وهم، فإن بعض القراء صرح بجوازهما في ميم
الجمع، قال أبو شامة والسمين: وما ذكره الناظم من منع الروم والاشمام في ميم الجمع هو المشهور، وهو اختيار أبى عمرو الدانى وغيره، وخالف في ذلك مكى فجوزهما فيها، قال (مكى): ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذى يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والاشمام، لانهم يقولون: لا فرق بين حركة الاعراب وحركة البناء في جواز الروم والاشمام، فالذي يشم ويروم حركة النص غير مفارق له، والذى لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية، اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والاشمام، فهى مثل الهاء لانها توصل بحرف بعدها حركة، كما توصل الهاء، وتحذف ذلك الحرف في الوقف كما تحذف مع الهاء، فهى مثلها في هذا، غير أن
الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء من الروم والاشمام إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم، لانها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الإشمام في يقوم ويحكم، وليس في جوازه اختلاف، وليس قول من يمنع ذلك لأن الميم من الشفتين بشئ، لاجماع الجميع على الروم والإشمام في الميم التي في أواخر الأفعال والأسماء التي ليست للجمع، ولو تم له منع الإشمام فيها لم يتم له منع الروم، إلى آخر ما فصله.
قال السمين: فمكي جوز ذلك فيها لثلاثة أوجه: أحدها الدخول في عموم نص القراء على جوازهما في المتحرك، ولم يستثنوا من ذلك ميم الجمع، فالمتمسك بذلك فيها غير خارج عن النص ولا مفارق له، الثاني القياس على هاء الإضمار، بل جعل الميم أولى بذلك لعدم خفائها، الثالث إفساد علة من عَلَّلَ منعهما فيها بأنها من حروف الشفتين، وقد أغلظ الداني في الرد على مكي، وفرق بين ميم