الحذفُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الأستراباذي، الرضي
- الكتاب
- شرح شافية ابن الحاجب مع شرح شواهده للعالم الجليل عبد القادر البغدادي صاحب خزانة الأدب المتوفي عام 1093 من الهجرة
- المؤلف
- محمد بن الحسن الرضي الإستراباذي، نجم الدين (المتوفى: 686هـ) حققهما، وضبط غريبهما، وشرح مبهمهما، الأساتذة: محمد نور الحسن - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية محمد الزفزاف - المدرس في كلية اللغة العربية محمد محيى الدين عبد الحميد - المدرس في تخصص كلية اللغة العربية
- الناشر
- دار الكتب العلمية بيروت - لبنانعام النشر: 1395 هـ - 1975 م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأنشد الشارح - وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المائتين -: (من الكامل) 227 - فَتَرَكْنَ نَهْداً عُيّلاً أبْنَاؤُهَا وَبَنِي كِنَانَة كَاللُّصُوتِ الْمُرَّدِ على أن أصله كاللصوص، فأبدلت الصاد تاء قال ابن السكيت في كتاب الإبدال: " قال الفراء: وطيّئ يسمون اللُّصُوصَ اللصوت، ويسمون اللص لِصْتاًَ، وهم الذين يقولون للطَّسِّ طَسْت، وأنشد لرجل من طي: فَتَرَكْنَ نَهْداً البيت " وقال أيضاً في كتاب المذكر والمؤنث: " وبعض أهل اليمن يقول: الطِّسْتُ، كما قالوا في اللص: لِصْتُ " ونسب الصاغاني في العباب هذا البيت إلى عبد الأسود بن عامر بن جُوَيْن الطائي قال ابن الحاجب في أماليه على المفصل: " معناه أن هؤلاء تركوا هذه القبيلة أبناؤها فُقَرَاء، لأنهم قتلوا آباءهم، وبنى كنانة كذلك، وانضم إلى ذلك أنهم بَقُوا من شدة الفقر لصوصا مردة " انتهى.
ونَهْدٌ: أبو قبيلة: من اليمن، وهو نهد بن زيد بن لَيْث بن سود بن قضاعة، ووقع في موضعين من جمهرة بن دريد " فتركن جَرْماً " بفتح الجيم، وَجَرْمٌ
بطنان في العرب: أحدهما في قضاعة، وهو جَرْمُ بن زَبَّان، والآخر في طي، وعُيَّل: جمع عائل، كرُكَّع جمع راكع، من عَالَ يَعِيلُ عِيْلَةً، إذا افتقر فهو عائل، وأبناؤها: فاعل عُيَّل، ومُرَّد: جمع مارد، من مَرَدَ يَمْرُد - من باب قتل - إذا عتا وخبث، ورواه ابن جني في سر الصناعة " فتركْتُ " بضمير المتكلم وعامر بن جُوَيْن: شاعر فارس جاهلي، وابنه مثله جاهلي1
وأنشد بعده - وهو الشاهد الثامن والعشرون بعد المائتين -: (من الطويل) 228 - فَهِيَّاكَ وَالأَمْرَ الَّذِي إنْ تَوَسَّعَتْ مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الْمَصَادِر على أن أصله " إياك " فأبدلت الهمزة هاء وهذا الفصل كله من سر صناعة الإعراب لابن جني، وأطال الكلام في أمثلته إن شئت راجع باب الهاء منه والبيت أنشده أبو تمام في باب الأدب من الحماسة بحذف الفاء على أنه مخروم مع بيت ثان، وهو: فَمَا حَسَنٌ أنْ يَعْذِرَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ عَاذِرُ ونسبهما إلى مُضَرِّس بن رَبْعِي الفَقْعَسي، وإياك: منصوب على التحذير، والأمرَ: معطوف عليه، وعاملهما محذوف، تقديره: إياك باعد من الأمر، والامرَ منك، والمَوْرِد: المدخل، والْمَصْدَر: المصرف، وعَذَرْتُه فيما صنع عذراً - من باب ضرب -: رفعت عنه اللوم، والاسم الْعُذْر - بالضم - وجملة " وليس له " حال من المرء ومُضَرِّس: شاعر جاهليّ قد ترجمناه في الشاهد الرابع والثلاثين بعد الثلاثمائة من شواهد شرح الكافية وأورده أبو تمام في كتاب مختار أشعار القبائل لطُفَيْل الْغَنَوِيّ الجاهلي من جملة أبيات كذا: " فما لى كِرَامَ الْقَوْمِ وَانْمِ إلَى الْعُلَى وَدَعْ مَنْ غَوَى لاَ يُجْدِيَنْ لَكَ طَائِرُهْ وَلاَ تَكُ مِنْ أخْدَانِ كُلِّ يَرَاعَةٍ خَرِيعٍ كَسَقْبِ الباز جُوفٍ مَكَاسِرُهْ
وَإيَّاكَ وَالأَمْرُ الَّذِي إنْ تَرَاحَبَتْ مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ مَصَادِرُهْ وَلاَ تَمْنَعَنَّ الدَّهْرَ مَاءً عَمَرْتَهُ وَإنْ كَانَ أوْلَى النَّاسِ بِالْمَاءِ عَامِرُهْ وَإنْ قِيلَ قَوْلٌ سَيِّئٌ فِي مَقَامَةٍ فَلاَ تَكُ مَوْلَى قَوْلِ سُوءٍ تُبَادِرُهْ " انتهى.
وأنشد بعده - وهو الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين -: (من الكامل) 229 - وَأَتَتْ صَوَاحِبُهَا فَقُلْنَ هَذَا الَّذِي مَنَحَ الْمَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا على أن أصله أذَا الذي، فأبدلت همزة الاستفهام هاء قال ابن جني في المحتسَب: " لا يريد هذا الذي، بل يريد أذا الذى، تم أبدل همزة الاستفهام هاء، وقد يجوز مع هذا أن يكون أراد هذا الذي مخبراً، ثم حذف الالف " انتهى.
فيكون حذفت الألف من هاء التنبيه المركبة مع ذا الإشارية، ويكون الكلام خبراً لا إنشاء والبيت مشهور: أنشده الجوهري في آخر الصحاح، وأنشده ابن جني في سر
الصناعة عن الأخفش، والزمخشري في المفصل، وغيرهم، وقائله مجهول، ويشبه أن يكن من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فإن في غالب شعره أن النساء يتعشقنه، وروي " وأتى صواحبها " فاعل جمع صاحبة، وزعم الجاربردي أنه مفعول، والفاعل ضمير، ويرده رواية " وأتت صَوَاحِبُهَا " وروي الأزهري في التهذيب عجزه كذا: رامَ القَطِيعَةَ بَعْدَنَا وجفانا والقطيعة: الهجر، ومنح: بمعنى أعطى، والله سبحانه أعلم بقائله:
وأنشد الجاربردي - وهو الشاهد الثلاثون بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 230 - بحَيَّهَلاَ يُزْجُونَ كُلَّ مَطِيَّةٍ أمَامَ الْمَطَايَا سَيْرُهَا المُتَقَاذِفُ على أن حَيَّهَلاَ جاء بالألف كما في البيت، وهو مركب من حَيَّ ومن هَلا، كتركيب خمسة عشرَ، وهو محكيّ أريد لفظه بدون تنوين قال الأعلم في شرح أبيات سيبويه: " الشاهد في قوله " بحَيَّهَلاَ " فتركه على لفظه محكيّاً، يقول: لعجلتهم يسوقون المطايا بقولهم: حَيَّهَلاَ، ومعناه الأمر بالعجلة، على أنها متقدمة في السير متقاذفة عليه: أي مترامية، وجعل التقاذف للسير اتساعاً ومجازاً " انتهى.
والإزجاء - بالزاي والجيم -: السوق، والمطية: الدابة، وأمامَ - بالفتح - قال ابن الحاجب في أماليه: " يريد أنهم مسرعون في السير يسوقون بهذا الصوت لتسرع في سيرها، وقال: أمام المطايا، لأنه إذا سبقت الأولى تبعها ما بعدها، بخلاف سَوْق الأواخر، وقال: سيرها المتقاذف، يعني أنهم يسوقونها مع كون سيرها متقاذفاً، والتقاذف: الترامي في السير، وإذا سيق المتقاذف كان سيره
أبلغ مما كان عليه، وأمام المطايا: في موضع وصف لمطية، وسيرها المتقاذف: جملة ابتدائية صفة لمطية، والجار والمجرور متعلق بِيُزْجُونَ " انتهى.
والأجود أن يكون سَيْرُهَا فاعل الظرف، لاعتماده على الموصوف، والمتقاذف صفة لسيرها، ويجوز ما قاله الجاربردي 1 وقد شرحناه بأكثر من هذا في الشاهد الثالث والستين بعد الأربعمائة من شواهد شرح الكافية وأما " حيهلا " في الحديث فقد قال ابن الأثير في النهاية: " من حديث ابن
مسعود (إذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّهَلاَ بِعُمَرَ) أي: أقبل به وأسرع، وهي كلمتان جعلتا كلمة واحدة، فَحَيّ: بمعنى أقبل، وهَلاَ: بمعنى أسرع، وقيل: بمعنى اسكن عند ذكره حتى تنقضي فضائله " انتهى.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والثلاثون بعد المائتين -: (من مشطور الرجز) 231 - قَدْ وَرَدَتْ مِنْ أمْكِنَهْ من ها هنا وَمِنْ هُنَهْ إنْ لَمْ أُرَوِّهَا فَمَهْ على أن الأولى أن تكون الهاء في مَهْ بدلاً من الألف، وأن تكون دِعَامَةً لما الاستفهامية بعد حذف ألفها بدون جارّ على قلة، وهذا الوجه الثاني لم أره لأحد غيره، ولم يقل أحد إن " ما " الاستفهامية تحذف ألفها بلا جار، نعم قالوا: إن ألفها تثبت مع الجار، وخرّجوا على هذا آيات، وأما الوجه الأول فهو المعروف، وذكره ابن جني في شرح تصريف المازني وفي المحتسَب، وفي سر الصناعة، قال في المحتسب بعد إنشاد الأبيات: " يريد إن لم أرَوِّهَا فما أصنع؟ أو فما مغناي؟ أو فما مقداري؟ فحذف الألف وألحق الهاء لبيان الحركة " انتهى.
وقال في سر الصناعة: " أخبرنا بهذه الابيات بعض أصحبانا يرفعه بإسناده إلى قُطْرُب، ويريد بقوله: من هنه، من هنا، فأبدل الالف في الوقف هاء، فأما قوله: فمه، فالهاء فيه يحتمل تأولين: أحدهما أنه أراد فما: أي إن لم أرَوِّ هذه الإبل الواردة من هنا ومن هنا، فما أصنع؟ منكراً على نفسه أن لا يرويها، فحذف الفعل الناصب لما التي في معنى الاستفهام، والوجه الآخر أن يكون أراد إن لم أُرَوِّها فمه: أي فاكفف عنى فلست بشئ ينتفع به، وكأن التفسير الأول أقوى في نفسي " انتهى.
وقوله " قد وردت " أي: الابل، والورد: الوصول إلى الماء من غير دخول
فيه، وقد يكون دخولاً، وأمْكِنَه: جمع مكان، ومن ها هنا - إلى إلى آخره: بدل من امكنه، وروي " إن لم تُرَوِّها بالخطاب " وأنشد بعده: (من الرجز) لَمَّا رأى أن لا دعه ولا شبع مال إلى أرطاة حقف فالْطَجَعْ على أن أصله اضطجع، فأبدلت الضاد لاما، قال ابن جني في المحتسب: " إن قيل: قد أحطنا علماً بأن أصل هذا الحرف اضتجع، افتعل من الضَّجْعَة، فلما جاءت الضاد قبل تاء افتعل أبدلت لها التاء طاء فهلا لما زالت الضاد فصارت بإبدالها إلى اللام رُدَّت التاء فقيل: التجع كما تقول: التجم والتجأ، قلنا: هذا إبدال عرض للضاد في بعض اللغات، فلما كان أمراً عارضاً أقَرُّوا الطاء بحالها إيذاناً بقلة الْحَفْل بما عرض من البدل، ودلالةً على الأصل المعتمد، وله غير نظير، ألا ترى إلى قوله وكَحَّل الْعَيْنَيْنِ بالعواور وكيف صحح الواو الثانية وإن كان قبلها الواو الأولى وبينهما ألف، وقد جاورت الثانية الطرف، ولم يقلبها كما قلبها في أوائل، وأصلها أواول، لما ذكرنا؟ إذ كان الأصل العواوير، وإنما حذفت الياء تخفيفاً وهي مرادة، فجعل تصحيح الواو دليلاً على إرادة الياء، وقد حكي إدغام الضاد في الطاء في قولهم في اضطجع: اطَّجَعَ، ومنه قراءة ابن مُحَيْصن (ثُمَّ أطَّرُّه) هذه لغة مَرْذُولة، لما فيها من الامتداد والفُشُو، وأنها من الحروف الخمسة التي يدغم فيها ما يجاورها، ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي: الشين، والضاد، والراء، والفاء، والميم، ويجمعها قولهم: ضُمَّ شَفْر، ويروى " فاضْطَجَعَ " وهو الأكثر والأقيس وقد تقدم شرح هذا الرجز في الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائة من هذا الكتاب وأنشد الجاربردى - وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين -: (من البسيط)
232 - وقفت فيها أصيلا لا أُسَائِلُهَا أعْيَتْ جَوَاباً وَمَا بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ على أن أصله أصيلان، فأبدلت النون لاماً، وأصيلان: مصغرُ جمعِ أصيل والبيت من قصيدة للنابغة الذبيانى، وقبله وهو مطلع القصيدة: يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبَدِ والمطلع شرحناه في الشاهد التاسع والثمانين بعد الثمانمائة، وشرحنا الثاني في الشاهد الثاني والسبعين بعد المائتين، وقد ذكرنا سبب القصيدة مع شرح أبيات من أولها في الشاهد السابع والأربعين بعد المائتين من شواهد شرح الكافية، وقد شرحت هذه القصيدة جميعها في مواضع متعددة هناك وأنشد بعده - وهو الشاهد الثالث بعد المائتين -: (من الوافر) 233 - فَقُلْتُ لِصَاحِبي لا تَحْبِسَانَا بِنَزْعِ أصُولِهِ وَاجْدَزَّ شِيحَا على أن أصله اجْتَزَّ، فقلبت تاء الافتعال دالاً والبيت من أبيات للمُضرِّس بن رِبْعِيّ الفقعسيّ الأسديّ، وهي وَضَيْفٍ جَاءَنَا وَاللَّيْلُ دَاج وَرِيحُ القُرِّ تَحْفِزُ مِنْهُ رُوحَا فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي فِي يَعْمَلاَتٍ خِفَافِ الْوَطْءِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا فَعَضَّ بِسَاقِ دَوْسَرَة عَلَيْهَا عتِيقُ النَّيِّ لَمْ تَحْفِزُ لَقُوحَا وَقُلْتُ لِصَاحِبِي لاَ تَحْبِسَنِّي بِنَزْعِ أصْولِهِ وَاجْدَزَّ شِيحَا فَلَمَّا أنْ تَعَجَّلْنَا شَوَاءً قَلِيلَ النُّضْجِ لَكِنْ قَدْ أُلِيحَا خَلَطْتُ لَهُمْ مُدَامَةَ أذْرِعَاتٍ بِمَاءِ سَحَابَةٍ خَضِلاً نَضُوحَا
وفتيان شويت لهم شواء سريع الشَّيِّ كُنْتُ بِهِ نَجِيحَا قوله " وضيف - الخ " الواو واورب، وجملة " جاءنا " صفةُ مجرورِها، وجملة " والليل داج " أي: مظلم، حال، وكذلك جملة " وريح القر - إلخ " والقر - بالضم -: الْبَرْد، وتحفز - بالحاء المهملة والفاء والزاي -: تدفع، كأنه لضعفه تدفع رُوحَه ريحُ الْقُر وتنازعها، وجواب رُبَّ محذوف: أي تَلَقَّيْته بإكرام، وجملة " فَطِرْت " أي أسرعت، معطوفة على الجواب المحذوف، والْمنْصُل - بضم الميم والصاد المهملة -: السيف، وَالْيَعْمَلَة: الناقة القوية على العمل، وخِفَاف: جمع خفيفة، وأنشد سيبويه هذا البيت في موضعين من كتابه كذا: دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا على أن الشاعر حذف الياء من الأيْدِي لضرورة الشعر، والسريح: سيور نعال الإبل، ويخبطن السريح: يطأن بأخفافهن الأرض، وفي الأخفاف السريح، والدوامي: التي قد دميت من شدة السير ووطئها على الحجارة، وقيل: السريح خِرَقٌ تُلَفُّ بها أيدي الجمال إذا دَمِيت وأصابها وجع، وقوله " بمُنْصُلي " في موضع الحال من التاء: أي أسرعت ومعي سيفي، وأقبلت على اليَعْمَلات فعرقبت ناقة منها وأطعمت لحمها لضيفي، يريد أنها نحر لضيفه راحلةً من رواحله وهو مسافر، وقوله " فَعَضَّ " فاعله ضمير المنصل، والد وسرة: الناقة الضخمة، والجمل دَوْسر، وجملة " عليها عتيق النَّيِّ " صفة لدَوْسَرة، والنى - بفتح النون -: الشحم، والعتيق: القديم، يريد أنها سمينة، وفاعل تحفز ضمير الدَّوْسَرة، ولَقُوحاً: حال، واللَّقُوح: الْحَلُوب: أي لم تكن الدوسرة قريبة العهد بالنِّتَاج فتكون ضعيفة، وقوله " وقلت لصاحبي " أراد بالصاحب من يَحْتَطِب له، بدليل رواية " وقلت لحاطبي " وقوله " لا تحبسانا " يأتي توجيهه، وروي " لا تحبسني " هذا ظاهر، وقوله " بنزع أصوله " الباء سببية، وروي بدل الباء باللام التعليلية، والضمير في
" أصوله " راجع إلى الحطب المفهوم من حاطبي، والجز: القطع، وأصله في الصوف، يقول: لا تقلع أصول الحطب وعروقه واكْتَفِ بقطع الشيخ فهو أسل وأسرع، وأليج: من قولهم: ألحت الشئ بالنار - ولوحته: أي أحميته بها، والمدامة: الخمر، وأجودها عندهم خمر أذْرِعَات، وهي قرية بالشام، والخضل: الشئ الرَّطْب، وأراد مَزْجَها بالماء، والنَّضْح: الشرب دون الري، والنضوح من قولهم: نَضَحَ عَطَشَه ينضَحه: أي أزاله، وضمير " كنت به " للشئ: أي كنت بشيئ لهم، ويجوز أن يريد كنت بعملي، لأن الذي ذكره عمل، والنجيح: الْمٌنْجح.
وما ذكرناه من الشعر وقائله روايةُ الخالدَّيْين، ونسب الجوهري البيت الشاهد ليزيد بن الطثرية، ورواه كذا عن الكسائي في مادة (ج ز ز): فقُلْتُ لِصَاحِبِي لا تَحْبِسَانَا بِنَزْعِ أصُولِهِ وَاجْتَزَّ شِيحَا قال: ويروى " وأجد شيحاً " وقوله " لا تحبسانا " فإن العرب ربما خاطبت الواحد بلفظ الاثنين، كما قال الراجز: (من الطويل) فإن تزجراني يا ابن عَفَّانَ أنْزَجِرْ وَإنْ تَدَعَانِي أحْم عِرْصاً مُمَنَّعَا " انتهى.
قال ياقوت فيما كتبه على الصحاح: " هذا البيت الذي عزاه إلى يزيد ابن الطثرية وجدته لمُضَرِّس بن رِبْعِيّ الفقعسي، وعِوَض صاحبي " فقلت لحاطبي " قرأت بخط الخلال أبي الغنائم، وذكر أنه نقله من خط اليزيدي " انتهى.
قلت: ولا ينبغي أن يقول: قال الراجز: بل يقول: قال الشاعر، لأن البيت الثاني ليس من الرجز.
وقال ابن بري في أمالية على الصحاح: البيت إنما هو لمضرس ابن رِبْعي الأسدي، وليس هو ليزيد كما ذكره عن الكسائي، وقبله: وفتيان شويت لهم شواءا سَرِيعَ الشَّيِّ كُنْتُ بِهِ نَجِيحَا
فَطِرْتُ بِمُنْصَلِي في يَعْمَلاَتٍ دَوَامِي الأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا وَقُلْتُ لِصَاحِبِي لا تحسبنا كذا في شعره، يقول: لا تحبسنا عن شى اللحم بأن تقلع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من قضبانه وعيدانه وأسرع لنا في الشئ، وقوله " وإن تزجراني... البيت " هو لسُوَيْد بن كُرَاع الْعُكْلي، وكان سُوَيْد قد هجا به عبد الله بن دارم فاسْتَعْدَوا عليه سعيد بن عثمان فأراد ضربه، فقال سويد قصيدة أولها: تَقُولُ ابْنَةُ الْعُوفِيِّ في لَيْلَى ألاَ تَرَى إلى ابْنِ كُراعٍ لاَ يزال مقزعا مَخَافَةَ هَذَيْنِ الأَمِيرَيْنِ سَهَّدَتْ رُقَادِي وغشتني بيضا مُفَرَّعَا وهذا يدل على أنه خاطب اثنين سعيد بن عثمان ومن ينوب عنه أو من يحضر معه، ثم قال بعد أبيات: فإن أنتما أحكمتنمانى فَازْجُرَا أرَاهِطَ تُؤْذِينِي مِنَ النَّاسِ رُضِّعَا وَإنْ تزجراني يا ابن عَفَّانَ أنْزَجِرْ... البيت فقوله " فإن أنتما أحكمتانى " دليل على أنه يخاطب اثنين، وقوله " أحكمتماني " أي منعتماني من هجائه، وأصله من أحْكَمْتُ الدابة، إذا جعلت في فيها حَكَمَةَ اللجام، وقوله " وإن تَدَعَانِي " أي: إن تركتماني حميت عرضي ممن يؤذيني، وإن زجرتماني انزجرت وصبرت، وَالرُّضْع: جمع راضع، وهو اللئيم، هذا آخر كلام ابن بري: وأنشد بعده: (من الرجز) لاَ هُمَّ إنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتجْ وتقدم شرحه في الشاهد السادس بعد المائة
وأنشد بعده - وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائتين -: (من الرجز) 234 - كَأنَّ في أذْنَابِهِنَّ الشُّوَّلِ مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الأَجَّلِ على أن أصله الأيَّل فأبدلت الياء المشددة جيماً للوقف، كما في المفصل قال ابن السكيت في كتاب الإبدال: " بعض العرب إذا شَدَّد الياء جعلها جيما، وأنشد عن ابن الأعرابي كَأَنَّ فِي أذْنَابِهِنَّ إلخ " انتهى.
ونقله ابن جني في سر الصناعة، ولم يقيداه بالوقف والبيتان من أرجوزة طويلة لأبي النجم العِجْلي وصف فيها الابل لهشام ابن عبد الملك، أولها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَهُوبِ الْمُجْزِلِ والضمير في " أذنابهن " للإبل، والشُّوّل: جمع شائل بلا هاء، وهي الناقة التي تشول بذنبها للقاح، ولا لبن بها أصلاً، وأما الشائلة فجمعها شَوْلٌ - بفتح فسكون - وهي النوق التي جَفَّتْ ألبانها وارتفع ضرعها وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، والْعَبَس - بفتحتين -: ما يتعلق في أذناب الإبل من أبعارها وأبوالها
فيجف عليها، يقال منه: أعْبَسَت وعَبِسَ الوسخ في يد فلان: أي يَبِسَ، وخص العبس بالصيف لانه يكون أقوى وأصلب، فشبهه بقرون الإيَّل لأنها أصلب من قرون غيرها، والأُيَّل - بضم الهمزة وكسرها -: الذكر من الاوعال، وأنشد أبو عبيد البكري في شرح أمالي القالي قبلهما: حَتَّى إذَا مَا بُلْنَ مِثْلَ الْخَرْدَلِ وأنشد بعدهما: ظَلَّتْ بِنِيْرَانِ الْحُرُوبِ تَصْطَلِي وقال: إذا كلت اليبس خثرت أبو الهن فتراها تتلزق بأسوقهن كالخْطَمِي
والخردل، فإذا ضرَبْنَ بأذنابها على أعجازها وهي رطبة من أموالها ثم بركت اجتمع الشَّعَر وتلصَّق وقام قياماً كأنه قرون الأُيَّل.
قال ابن المستوفي: إنما اختص إبدال الجيم من الياء المشددة في الوقف، لأن الياء تزداد خَفَاء في الوقف لسكونها، فأبدلوا منها حرفاً أظهر منها، وهو الجيم، لقربهما في المخرَج، واجتماعهما في الجهر، ومتى خرج هذا الإبدال عن هذين الشرطين، وهما الياء المشددة والوقف، عدوه شاذاً.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين -: (من الرجز) 235 - حتى إذا ما أمسجت وأمسحا على أن أصله أمْسَيَتْ وأمْسَى، فأبدلت الياء فيهما جيماً.
قال ابن جني في سر الصناعة: " هذا من أحد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رَمَتْ رَمَيَت، ألا ترى انه لما أبدل الياء من أمْسَيَتْ جيماً، والجيم حرف صحيح يحتمل الحركات ولا يلحقه الانقلاب الذي يلحق الياء والواو، صحَّحَها كما يجب في الجيم، فبهذا ونحوه استدل أهل التصريف على أصول
الأشياء المغيَّرة، كما استدلوا بقوله عزّ اسمه: (استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان) أن أصل اسْتَقَامَ اسْتَقْوَمَ، ولولا ما ظهر من هذا ونحوه لما أقدموا على القضاء بأصول هذه الأشياء، أو لما جاز ادعاؤهم إياها " انتهى.
وقال ابن المستوفي: " وأورد الزمخشري الأُجَّل، لأن الإبدال فيه وقع حَشْواً في كلمة وهو أشد شذوذاً من الأول، وأشد منه بعدا إبدال الجيم من الياء في أمْسَجَتْ وأمْسَجَا: أبدلها حَشْواً وأجرى الوصل مجرى الوقف متوهِّماً أنها ملفوظ بها ياء، لأن أصل الألف فيها الياء " انتهى.
وقال أحد شراح أبيات الإيضاح للفارسي: قيل: " إن هذا الشطر للعجاج،
يريد أمْسَتْ الأُتُن وأمْسَى الْعَيْرُ، وقيل: أراد أمْسَتِ النعامة وأمْسَى الظلِيم، ولم أعرف له صلة فأتبين الصحيح من ذلك " انتهى.
ولم أقف أنا أيضاً على تتمة هذا الرجز وقائله بشئ، والله تعالى أعلم: باب الإدغام أنشد الجاربردي في أوله - وهو الشاهد السادس والثلاثون بعد المائتين -: (من الرجز) 236 - وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ على أن هذا البيت لثقله بقرب مخارج حروفه لا يكاد يقوله أحد ثلاثَ مرات.
قال الزمخشري في ربيع الأبرار: " يزعمون أن علقمة بن صفوان وحرب بن أمية من فتلى الجن، قالوا: وقالت الجن: وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ إلخ قالوا: ومن الدليل على أن هذا من شعر الجن أن أحداً لا يقدر أن ينشد ثلاث مرات متصلة من غير تَتَعْتُع ويقدر على تكرار أشق بيت من أبيات
الأنس عشر مرات من غير تتعتع، والله أعلم " انتهى.
وكذا قال الجاحظ في كتاب البيان، وفي شرح تلخيص المفتاح للقُونَويّ: " وفي البيت الأقواء، وهو من عيوب الشعر، وإنما قلنا فيه الإقواء، لأن البيت مصرع، وكل واحد من المصراعيين فيه كبيت كامل " هذا كلامه.
وقال بعضهم: قَفْر: مرفوع على تقدير: هو قفر، ويكون من القطع في النكرة بقلة، والقفر: المفازة وأرض لا نبات فيها ولا ماء، وحرب: هو جد معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه.
وأنشد بعده أيضا - وهو الشاهد السابع والثلاثون بعد المائتين -: (من الطويل)
237 - يُذَكِّرُنِيكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ والَّذِي أخَافُ وأرْجُو والَّذي أتَوَقَّعْ على أن هذا البيت خفيفٌ على اللسان لبعد مخارج حروفه.
والبيت أورده أبو تمام في الحماسة مع بيت قبله في باب النسيب، وهو: رَعَاكِ ضَمَانُ الله يَا أمَّ مَالِكٍ وَلِلَّهُ أنْ يُشْفِيكِ أغْنَى وأوْسَعُ ووقع مثله في شعر مسلم بن الوليد، قال: وإنِّي وإسْمَاعِيلَ يَوْمَ وَدَاعِهِ لَكَالْغِمْدِ يَوْمَ الرَّوْعِ فَارَقَهُ النَّصْلُ أمَا وَالْخَيَالاَتِ المُمِرَّاتِ بَيْنَنَا وَسَائِلَ أدَّتْهَا الْمَوَدَّةُ وَالْوَصْلُ لَمَا خُنْتُ عَهْداً مِنْ إخَاءٍ ولا نَأَى بذِكْرِكِ نَأْيٌ عَنْ ضَمِيرِي ولا شُغْلُ وإنِّيَ فِي مَالِي وأهْلِي كَأَنَّنِي لِنَأْيِكِ لاَ مَالٌ لَدَيَّ ولاَ أهْلُ يُذَكرُنِيكَ الدِّينُ والْفَضْلُ والْحِجَى وقِيلُ الْخَنَى والْعِلْمُ والْحِلْمُ والْجَهْلُ فَأَلْقَاكَ فِي مَذْمُومِهَا مُتَنَزِّهاً وأَلْقَاكَ فِي مَحْمُودِهَا وَلَكَ الْفَضْلُ وأحْمَدُ مِنْ أخْلاَقِكَ الْبُخْلَ إنَّهُ بِعِرْضِكَ لاَ بِالْمَالِ حَاشَا لَكَ الْبُخْلُ
ثَنَاءٌ كَعَرْف الطَّيبِ يُهْدَى لأَهْلِهِ ولَيْسَ لَهُ إلاَّ بَنِي خَالدٍ أهْلُ فَإنْ أغْشَ قَوْماً بَعْدَهُمْ أوْ أزُورَهُمْ فَكَالْوَحْشِ يَسْتَدْنِيهِ لِلْقَنْصِ الْمَحْلُ وأنشد بعده أيضاً - وهو الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائتين، وهو من شوهد سيبويه -: (من البسيط) 238 - لاَ دَرَّ دَرِّي إن أطعمت نازلهم قرف الحثى وعِنْدِي الْبُرُّ مَكْنُوزُ
لَوْ أَنَّهُ جَاءَنِي جَوْعَانُ مُهْتَلِكٍ مِنْ بُؤْسِ النَّاسِ عَنْهُ الْخَيْرُ مَحْجُوزُ على أن بُؤساً فيه الإدغام للهمزتين، وهو جمع بائس، وهو الفقير، والرواية إنما هي " من جُوَّعِ الناس عنه الخير محجوز ". والبيتان أول قصيدة لأبي ذؤيب الهذلى، والاولى من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد رفع مكنوز خبراً عن البُر، على إلغاء الظرف، ولو نصب على الحال لكان حسناً، قال السُّكَّرِيّ في أشعاره: قال أبو نصر: ويقال إنها للمتنخل الهذلي، وجواب لو بعد أبيات أربعة، وهو: لَبَاتَ أسْوة حَجَّاج وإخوَتِهِ فِي جَهْدِنَا أوْلَه شِفٌّ وتَمْزِيزٌ قال شارح أشعار الهذليين: كان نزل بقوم فجُفِي، وكان قراه عندهم الْحَتِيُّ وهو سويق الْمُقْل، والحتي - بالحاء المهملة بعدها المثناة الفوقية على وزن فعيل - والمقل - بالضم -: ثمر الدَّوْم، والْقِرف - بكسر القاف وسكون الراء بعدها فاء -: القشر، يقول: إن أطعمت نازلهم مثل ما أطعموني فلا درَّ دَرِّي، وقوله " لو أنه جاءني جوعان - إلخ " ضمير أنه للشأن وجَوْعان - بفتح الجيم - بمعنى الجائع فاعل جاءني، وروي " جَوْعَانَ مهتلكاً " بنصبهما على الحالية، فتكون الهاء في " أنه " ضمير نازلهم، والمحجوز: المحروم والممنوع، ومن: بيانية، وعن: متعلقة بمحجوز، وحجاج: ابن الشاعر، والجهد - بفتح الجيم وضمها -: القوت، وأصل معناه الطاقة، وقيل: الضر الذي قد أصابه، وأصل معناه المشقة، والشفِّ - بالكسر -: الفضل، وتمزيز: تفضيل من المِز - بالكسر - أي: يكون له مزَّ على أولادي، يقال: هذا أمَزُّ من هذا: أي أفضل، وكذلك أشَفَّ، يقول: لو نزل بي مثل هذا ما قَصَّرت به ولا أطعمته قشر المُقْل، بل بات عندنا أسوة أولادي، بل كان متميزاً عنهم بزيادة الإكرام.
وأنشد الشارح - وهو الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 239 - مَهْلاً أعاذل قد جربت من خلقي أني أجُودُ لأَقْوَامٍ وإنْ ضَنِنُوا على أن " ضننوا " شاذ للضرورة، والقياس ضَنُّوا بالإدغام، وأنشده سيبويه في موضعين من كتابه: الأول في باب ما يحتمل الشعر من أول كتابه، والثاني في باب اختلاف العرب في تحريك الآخر من أواخر كتابه، قال فيه: " واعلم أن الشعراء إذا اضطروا إلى ما يجتمع أهل الحجاز وغيرهم على إدغامه أجْرَوْه على الأصل، قال قَعْنَب ابن أم صاحب: مَهْلاَ أعَاذِلُ... البيت " وقال آخر: يَشْكُو الْوَجَا مِنْ أظْلَلٍ وَأظْلَلِ " انتهى.
قال ابن خلف: مَهْلاً منصوب بإضمار فعل، كأنه قال أمهلي يا عاذلتي ولا تبادري باللوم، ومهلاً: في موضع إمهالاً، وعاذل: منادى مرخم عاذلة، أراد يا عاذلة قد جربت من خلقي أني أجود على من بخل عليّ وأعطي من لا ألتمس
منه المكافأة، وإن ضنوا شرط محذوف الجواب، كأنه قال: وإن ضنوا لم أضن، وصف أنه جَوَاد لا يصرفه الْعَذْل عن الجود.
وقَعْنَب بفتح القاف وسكون العين المهملة وفتح النون، ومعناه في اللغة الشديد الصلب من كل شئ، وهو غطفاني.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الأربعون بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الرجز)
240 - تَشْكُو الْوَجَى مِنْ أظْلل وأظْلَلِ على أنه شاذ ضرورة، والقياس أظلّ بالإدغام قال الأعلم: " الشاهد فيه إظهار التضعيف في الأظلّ ضرورة، وهو باطن خف البعير، والوجى: الْحَفَى، يعني أنه حمل عليه في السير حتى اشتكى خفيه " انتهى وبعده: مِنْ طُولِ إمْلاَلٍ وظَهْرِ ملل وتشكو بالمثناة الفوقية، وفاعله ضمير الإبل، والوجى بالجيم، قال الزجاج: مَلَّ عليه السفر وأمَلَّ، إذا طال عليه، والمراد بالإملال السفر، أو أنه من أمَلَّه وأملَّ عليه: أي أسامه، ومُمَلَل: شاذ أيضاً، والقياس مُمَلٌّ، بالإدغام والبيتان من رجز طويل لأبي النجم العِجْليّ وصف فيه الإبل لهشام بن عبد الملك وأوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الأَجْلَلِ وهذا أيضاً ضرورة، والقياس الأجل.
وأنشد بعده - وهو الشاهد الواحد والأربعون بعد المائتين -: (من الطويل)
241 - لَهَا بَشَرٌ مِثْلُ الْحَرِيرِ وَمَنْطِقٌ رخيم الحواشي لا هراء ولا نَزْرُ على أن الرَّخيم الصوتُ اللَّيِّن، والترخيم: تَلْيِينُ الصَّوْت والبيت من قصيدة لذي الرُّمَّة نَسَب فيها بِمَيَّة محبوبته وَبَشَرَةُ الإنسان - بالتحريك -: ظَاهِرُ بدنه، والجمع بَشَر، ويقال: فلان رقيق البشرة والبشر، بمعنى واحد، والمنطق: اسم مصدر بمعنى النطق، والرخيم:
الناعم اللين، والهراء - بالضم والمد - قال أبو عبيد في الغريب المصنف: هو المنطق الفاسد، ويقال: الكثير، وأنشد البيت، والنَّزْر: القليل، قال ابن جني في المحتسب: " وما أظرف قوله: رخيم الحواشي: أي لا ينتشر حواشيه فَتَهْرَأُ فيه، ولا يضيق عما يحتاج من مثلها إليه للسماع والْفُكاهة، لكنه على اعتدال " انتهى.
ومثله للسيد المرتضى في أماليه قال: الهراء الكثير، فكأنه قال إن حديثها لا يقلّ عن الحاجة ولا يزيد عليها " انتهى.
وقال ابن السيرافي " وصفها باعتدال الخِلْقَة والأخلاق " وأنشد بعده - وهو الشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين -: (من البسيط) 242 - واذْكُرْ غُدَانَةَ عِدَّاناً مُزَنَّمَةً مِنَ الْحَبَلَّقِ تُبْنَى حَوْلَهَا الصِّيَرُ على أن عدانا عِتْدَان، فأبدلت التاء دَالاً فأدغم وهو جمع عَتُود، وهو الْجَذَعُ من الْمِعْزَى، وهو ما رعيَ وقوِي وأتى عليه حَوْل، وَالْحَبَلَّق - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة واللام المشددة -: أولاد المعز الصغار الأجسام القصار، وغُدَانة - بضم الغين المعجمة -: أبو قبيلة من تميم، وهو غُدانة بن يربوع، يريد واذكر لغدانة: أي لهذه القبيلة أولادَ المعز، فإنها رعاة ليس
لها ذِكْر ولا شرف، والْمُزَنَّمة: التي لها زَنَمَة، والزَّنَمَة - بالتحريك -: شئ يقطع من أذن البعير والمعز فيترك مُعَلَّقاً، والضأن لا زنمة لها، وضمير " حولها " للعِدّان، وتبنى - بالبناء للمفعول -: من البناء: والصير - بكسر ففتح -: جمع صيرة، قال الجوهرى: الصيرة حضيرة الغنم، وجمعها صير مثل سيرة، وأنشد هذا البيت وهو من قصيدة طويلة للأخطل النصراني مدح بها عبد الملك بن مروان وذكر فيها قتل عُمَيْر بن الْحُبَاب، وكان قد خرج على عبد الملك، ويغريه بقتل زُفُر بن الحارث الكلابي ثم تدرج لهجو قبائل قيس عَيْلاَن لكونهم كانوا مع
ابن الْحُبَاب وزُفَرَ بن الحارث، وهذه أبيات منها: أَمَّا كُلَيْبُ بْن يَرْبُوعٍ فَلَيْسَ لَهُمْ عِنْدَ الْمَكَارِمِ لا وِرْدٌ وَلاَ صَدَرُ مُخَلَّفُون وَيَقْضِي النَّاسُ أمْرَهُمُ وهُمْ بِغَيْبٍ وفِي عَمْيَاءَ مَا شَعَرُوا مُلَطَّمُونَ بِأَعْقَارِ الْحِيَاضِ فَمَا يَنْفَكُّ مِنْ دَارِمَيٍّ فِيهِمُ أثَرُ الآكِلُونَ خَبيثَ الزَّادِ وَحْدَهُمُ وَالسَّائِلُونَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مَا الْخَبَرُ واذْكُرْ غُدَانَةَ عدانا مزنمة من الحبلق تبنى حولها الصير وما غدانة في شئ مَكَانَهُمْ الْحَابِسُو الشَّاءِ حَتَّى تَفْضُلَ السُّؤَرُ جمع سُؤْر، وهو الْفَضْلة قَدْ أقْسَمَ الْمَجْدُ حَقّاً لاَ يحالفهم حَتَّى يُحَالِفَ بَطْنَ الرَّاحَةِ الشَّعَرُ وأنشد بعده، وهو الشاهد الثالث والأربعون بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من البسيط) 243 - هُوَ الْجَوَادُ الَّذِي يُعْطِيكَ نَائِلَهُ عَفْواً وَيُظْلَمُ أحْيَاناً فَيَظْطَلِمُ على أنه جاء بالأوجه الثلاثة، وهو ترك الإدغام والإدغام على الوجهين بالظاء
والطاء.
وقال ابن جني في سر الصناعة: " روي على أربعة أوجه هذه الثلاثة، والرابعة فينظلم، وهذه ينفعل " وأورد سيبويه على الإدغام بالوجهين، قال الأعلم: " الشاهد فيه قلب الطاء من يظطلم ظاء معجمة، لما أرادوا إدغام الطاء فيها، والظاء أصلية، والطاء مبدلة من تاء الافتعال الزائدة، فلما أرادوا الإدغام قلبوا الأصلي ليدغم فيه
الزائد، والأقيس الأكثر فيَطَّلِمُ - بطاء غير معجمة - لأن حكم الإدغام أن يدغم الأول في الثاني، ولا يراعى فيه أصل ولا زيادة، والبيت يقوله لهَرِم بن سنان المري، ومعنى يُظْلم يُسْأل في حال عسرته ويكلف ما ليس في وسعه أي: فيَظَّلِم: أي يتحمل ذلك ويتكلفه "، انتهى.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، مدح بها هر ما المذكور، وأولها: قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُها الْقِدَمُ بَلَى وَغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ والنائل: الإحسان، والعفو: ما كان سهلاً من غير مَطْلٍ، ومعنى " ويُظْلَم أحياناً - إلخ " أنه يُطلب منه في غير وقت الطلب ولا موضعه فَيُعْطى، جعل السؤال منه في وقت السؤال ظلماً، وجعل إعطاءَهُ ما سئل على تلك الحال وتكلًُّفَه لذلك أظَّلاماً وأنشد الجاربردي - وهو الشاهد الرابع والأربعون بعد المائتين، وهو من شواهد سيبويه -: (من الطويل) 244 - وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطَّ بِنِعْمَةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ على أن أصله خَبَطْتٍّ، فَقَلب وأدغم
قال سيبويه: " وسمعناهم ينشدون هذا البيت لعلمقة بن عَبَدَة وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطَّ - إلخ وأعْرَفُ اللغتين وأجودهما أن لا تقلبها طاء، لأن هذه التاء علامة الإضمار، وإنما تجئ لمعنى، وليست تلزم هذه التاء الفعل، ألا ترى أنك إذا أضمرت غائبا قلت فعلت؟ فلم تكن فيه تاء... إلى آخر ما ذكره "
قال الأعلم: " الشاهد فيه إبدال التاء من خبطت طاء لمجاورتها الطاء ومناسبتها في الجهر والإطباق، فأراد أن يكون العمل من وجه واحد، وأن يكون الحرفان في الطبع وجهارة الصوت كحرف واحد، وهَذا البدل يطرد في تاء مُفْتَعِل إذا وقعت بعد الطاء، كقولك مُطَّلب في مفتعل من الطَّلَب، ولا يطرد في مثل خَبَطْتَ، لأن الفعل يكون لغير المخاطب والمتكلم، فلا تقع من التاء في آخره، فلم تلزمه لزوم التاء الطاء في مُفْتَعِل، يقول: هذا للحارث بن أبي شِمْر الغسّاني، وكان قد أوقع ببني تميم وأسر منهم تسعين رجلاً فيهم شأس بن عَبَدَة أخو عَلقَمَة بن عَبَدَةَ فوفد عليه علقمةُ مادحاً له وراغباً في أخيه فلما أنشده القصيدة وانتهى منها إلى هذا البيت قال له الحارث: نعم، وإذْنِبَةٌ، والذَّنوب: الدَّلْو مَلأَى، فضربت مثلا في القسمة والحظ ومعنى خَبَطْت أسْدَيْت وأنعمت، وأصل الخبط ضرب الشجر بالعصا ليتحات ورقها فتعلفه الابل، فجعل ذلك مثل في العطاء، وجعل كل طالبٍ معروفاً مختبطاً، وكل مُعْطٍ خابطاً.
وبعد البيت: فَلاَ تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ والجبابة: الغُربة، فحيره الحارث بين الحباء الجزل وإطلاق أسْرَى بني تميم، فقال له علقمة: عرضتني لالسن بني تميم، دعني يومي هذا حتى أنظر في أمري،
فأتاهم في السجن، فعرفهم تخيير الحارث له، فقالوا له: وَيْلَكَ! أتدعنا وتنصرف؟ قال: فإن الملك سيكسوكم ويحملكم ويزودكم، فإذا بلغتم الحي فلي الكسوة والحملان وبقية الزاد إن اخترت إطلاقكم؟ قالوا: نعم، فدخل من غده على الحارث وعرفه أنه قد اختار إطلاقهم على الحباء، فأطلقهم وكساهم وحملهم، فلما انتهوا إلى الحي وَفَوْا لعلقمة بما جعلوا له، وهذا البيت آخر أبيات كتاب سيبويه "، انتهى كلام الأعلم.
أقول: القصيدة التي منها البيت الشاهد مذكورة في المفضليات، وذكر ابن الأنباري في شرحها ما ذكره الأعلم، والبيت الذي أورده الأعلم ليس بعده، وإنما هو قبله بأبيات كثيرة، ومطلع القصيدة: طحابك قلب فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ بُعَيْدَ الشَّبَابِ عصر خان مَشِيبُ ويعجبني منها قوله: فإنْ تَسْأَلُوني بِالنِّسَاءِ فَإنِّنِي بَصيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ إذا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أوْ قَلَّ مَالُهُ فَلَيْسَ لَهْ مِنْ وَدِّهِنَّ نَصِيبُ يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ وعلقمة بن عَبَدَة - بفتح العين والموحدة -: شاعر جاهلي من الفحول، وكان صديقاً لامرئ القيس، وقد ترجمناه في الشاهد الثاني عشر بعد المائتين من شرح أبيات شرح الكافية.
الحذف أنشد المصنف في المتن - وهو الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين -: (من الطويل) 245 - تَقِ الله فِينَا وَالْكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو
على أن " تق أمر من يتقى بفتح المخففة، وماضيه تَقَى، وأصلهما اتَّقَى يَتَّقِي بالتشديد على افتعل يفتعل من الوقاية، والأصل اوتقى يوتقي، فقلبت الواو في الأولى ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت تاء وأدغمت وأبدلت في الثانية تاء، وأدغمت، ولم تحذف لعدم انكسار ما بعدها، فلما كثر الاستعمال
كذا حذفوا التاء الساكنة منهما، وهي فاء الفعل، فصارا: تَقَى يَتَقِي بتخفيف التاء المفتوحة، وحذفت الهمزة من الماضي لعدم الحاجة إليها فصار تَقَى، ووزنه تَعَلَ محذوفَ الفاء، فأخذ الأمر وهو تَقِ من يَتَقِ، بدون همزة وصل، لأن ما بعد حرف المضارعة مُحَرَّك.
وقول الجاربردي: قالوا تَقَى يَتَقِي كَرَمَى يَرْمِي يلزمه أن يقال في أمره: اتقِ، وفي اسم فاعله تَاقٍ، وغير ذلك، ولم يسمع شئ منها.
وقد بينا فيما كتبناه على البيت الأول من شرح بانت سعاد لابن هشام منشأ قوله هذا، وبسطنا الكلام عليه.
وهذا المصراع عجز وصدره: زِيَادَتَنَا نُعْمَانُ لاَ تَنْسَيَنَّهَا وهو من قصيدة لعبد الله بن همام السلولى خاطب بها النعمان بن بَشير الأنصاري، وكان أميراً على الكوفة في مدة معاوية رضي الله عنه، وكان معاوية قد زاد ناساً في عَطَائهم عَشَرَةً، فأنفذها النعمان، وترك بعضهم، لانهم جاءوا بكتب بعد ما فرغ من الجملة، وكان ابن همام ممن تخلف، فكلمه، فأبى عليه، فقال ابن همام هذه القصيدة يُرَقَّقه عليه، ويتشفع بالأنصار، ويمدح معاوية رضي الله عنه، وقد أوردنا أبياتاً منها هناك وشرحناها.
وقوله " زيادتنا " منصوب بفعل محذوف يفسره الفعل المؤكد بالنون، قال
الرضى: إن الفعل المؤكد بالنون لا يعمل فيما قبله، وروي " لا تحرمَنَّنا " بدل لا تنسينها، ونُعْمان: منادى، وهو النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بثماني سنين، وحدث حديثين أو ثلاثة، وكان أميراً على الكوفة لمعاوية تسعة أشهر تم صار أميراً على حِمْص له، ثم ليزيد، فلما مات يزيد صار النعمان زُبَيْريا، فخالفه أهل حمص، فأخرحوه وقتلوه، كذا في الاستيعاب
وأنشد الجاربردي - وهو الشاهد السادس والأربعون بعد المائتين - (من الطويل) 246 - غَدَاةَ طَفَتْ عَلْماءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ وَعَاجَتْ صُدُورُ الْخَيْلِ شَطْرَ تمِيمِ على أن أصله " على الماء " كما بَيَّنه.
قال المبرد في الكامل: يريد على الماء، والعرب إذا التقت في مثل هذا اللامان استجازوا حذف إحداهما استثقالاً للتضعيف، لأن ما بقي دليل على ما حذف، يقولون: عَلْمَاءِ بنو فلان، وكذلك كل اسم من أسماء القبائل تظهر منه اللام المعرفة، فإنهم يجيزون معه حذف النون التي في قولك: بنو، لقرب النون من اللام، وذلك قولك: فلان من بَلْحَارِث، وبَلْعَنْبَر، وبَلْهُجَيْم والبيت من قصيدة عدتها اثنا عشر بيتاً لأحد الخوارج قالها في وقعة دُولاب 1 وهزموا أهل البصرة حتى غرق أكثرهم وعطفوا على بني تميم فأصابوا وقوله " غَدَاةَ " بدل من يوم في قوله " وَلَوْ شَهِدْتَنِي يَوْمَ دُولاب " في البيت قبله، وقوله " طَفَتْ عَلْمَاء " أي: علت على الماء جثث الذين غرقوا في الماء من بكر لما فَرُّوا من الخوارج، وعاجت: عطفت ومالت، وصدور: فاعل، واللام في " الخيل " عوض من ضمير المتكلم: أي صدور خيلنا، وشطر: ظرف بمعنى
جهة متعلق بعاجت، ويأتي عاج متعدياً أيضاً، وهو الأكثر، يقال: عُجْتُ البعير أعوجه عَوْجاً وَمَعَاجاً، إذا عطفت رأسه بالزمام، وبه روي أيضا، " وعجنا صُدُورَ الْخَيْلِ شَطْرَ تَمِيم " وكأنَّ الجار بردى لم يقف على منشأ الشعر حتى قال: " يعني قُتِل هؤلاء وقُصد هؤلاء، وقيل: طَفْت علماء يذكر في موضع المدح، والمعنى أنهم عَلُوا في المنزلة والعزِّ بحيث لا يعلوهم أحد، كما أن الميتة تطفو على الماء، وتعلو عليه " هذا كلامه، وكذا لم يفهم معناه خَضِر الموصلي في شرح أبيات التفسيرين، قال: " المعنى أن هذه القبيلة زمان علوا في المنزلة والغلبة على العدو حتى كأنهم طَفَوا وعَدُوُّهم رسب، وأقبلت صدور خيلهم وعطفتها نحو القبيلة المسماة بتميم، والبيت لم أطلع على قائله " انتهى كلامه أقول: البيت من قصيدة أوردها المبرد في قصص الخوارج من الكامل، ونسبها لِقَطريّ بن الفجاءة المازني، وهي: لَعَمْرُكَ إنِّي فِي الْحَيَاةِ لَزَاهِدٌ وَفِي الْعَيْشِ مَا لَمْ ألْقَ أمَّ حكيم من الحفرات الْبِيضِ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا شِفَاءً لِذِي بَثٍّ وَلاَ لِسَقِيمِ لَعَمْرُكَ إنِّي يَوْمَ ألْطِمُ وَجْهها عَلَى نَائِبَاتِ الدَّهْرِ جِدُّ لَئِيمِ وَلَوْ شَهِدْتَنِي يَوْمَ دَولاَبَ أبْصَرَتْ طِعَانَ فَتىً فِي الْحَرْبِ غَيْرِ ذَمِيمِ غَدَاةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ وَعُجْنَا صُدُورَ الْخَيْلِ نَحْوَ تَمِيمِ وَكَان لِعَبْدِ الْقَيْسِ أوَّلُ جَدِّهَا وَأحْلاَفِهَا مِنْ يَحْصَبٍ وَسَلِيمِ وَظَلَّتْ شُيُوخُ الأَزْدِ فِي حوْمَةِ الْوَغَا تَعُومٌ وَظَلْنَا في الْجِلاَدِ نَعُومُ فَلَمْ أرَ يَوْماً كَانَ أكْثَرَ مُقْعَصاً يَمُجُّ دَماً مِنْ فَائِظٍ وَكَلِيمِ
وَضَارِبَةً خَدّاً كَرِيماً عَلَى فَتًى أغرَّ نَجِيبِ الأمَُّهاتِ كَرِيمِ أُصِيبَ بدُولاَبٍ وَلَمْ تَكُ مَوْطِناً لَهُ أرْضُ دُوْلاب وَدَيْرُ حَمِيمِ فَلَوْ شَهِدَتْنَا يَوْمَ ذَاكَ وَخَيْلُنَا تُبِيحُ مِنَ الكُفَّارِ كلَّ حَرِيمِ رَأَتْ فِتْيَةٌ بَاعُوا الإلهَ نُفُوسَهُمْ بِجَنَّاتِ عَدْنِ عِنْدَهُ ونَعِيمِ وقال الأصبهاني في الأغاني: " ذكر المبرد أن الشعر بن الْفُجَاءة، وذكر الهيثم بن عدى وخالد بن خِداش أنه لعمرو الْقَنَا، وذكر وَهْب بن جرير أنه لحبيب ابن سهم التميمي، وذكر أبو مخنف أنه لعبيد بن هلال اليشكري، وقال المديني: هو لصالح بن عبد الله الْعَبْشَمِي " والله تعالى أعلم وقوله " ما لم ألق أم حكيم " بفتح الحاء وكسر الكاف، قال صاحب الأغاني: " أخبرني أحمد بن جعفر جَحَظَة، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: حُدِّثت أن امرأة من الخوارج كانت مع قَطَرِيّ بن الْفُجَاءَة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجْهاً وأحسنهم بدينهم تَمَسُّكاً، وخطبها جماعة منهم فردتهم، ولم تجب إلى ذلك، فأخبر من شهدها أنها كانت تحمل على الناس، وترتجز: (من الرجز) أَحْمِلُ رَأْساً قَدْ سَئِمْتُ حَمْلَهُ وَقَدْ مَلِلْتُ دَهْنَهُ وَغسْلَهُ ألاَ فَتَىً يَحْمِلُ عَنِّي ثِقْلَهُ قال: وهم يُفَدُّونها بالآباء والأمهات، فما رأيت قبلها ولا بعدها مثلها " وقوله " جِدُّ لئيم " بكسر الجيم، خَبَرُ إني، يريد أني لئيم جداً، ودُولاب - بالضم -: قرية من عمل الأهواز بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ، وكانت بها الحرب بين الأزارقة من الخوارج وبين مسلم بن عبيس 1 بن كريز خليفة عبد الله
ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكان ذلك في أيام ابن الزبير سنة خمس وستين.
وقوله " غداة طفت علماء - البيت " هكذا رأيته في نسختين قديمتين صحيحتين جداً من نسخ الكامل، وكذلك هو المشهور أيضاً، ورأيت صاحب الأغاني أدرج بينهما بيتاً، ورواه هكذا غداةَ طَفَتْ عَلْمَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ وَأُلاَّفُها من حمير وسليم ومال الححازيون دون بلادهم وَعُجْنَا صُدُورَ الْخَيْلِ نَحْوَ تَمِيمِ وقوله " وكان لعبد القيس - إلخ " هو قبيلة، وأحلافِها - بالجر - معطوف عليه، جمع حِلْف - بالكسر - وهو المحالف والمعاهد، ويَحْصِبُ وسليم: قبيلتان، بيان لأحلافها، وأولُ جدها - بالرفع -: اسم كان، وخبرها المجرور قبله، والجد - بفتح الجيم -: الاجتهاد، والمعنى كقول الشاعر: إذَا لمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ الله لِلْفَتَى فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وقوله " وظلت شيوخ الأزد - إلخ " أي: شجعانها تعوم في دمائها، والجلاد
- بكسر الجيم -: المجالدة والمضاربة بالسيف، والمقعص: اسم مفعول: الذي قتل في مكانه فلم يبرح، والفائظ: الذي فاظت نفسه: أي خرجت روحه، والكليم: المجروح، وقوله " رأت فتية باعوا الإله نفوسهم " بزعمهم هذا سَمَّوْا أنفسهم شُرَاة، وهو جمع، شار، قال الجوهرى: والشراء الخوارج، الواحد شارٍ، سموا بذلك لقولهم: إنا شَرَيْنَا أنفسنا في طاعة الله تعالى: أي بعناها بالجنة حين فارقنا الائمة الجائزة، يقال منه: تشرى الرجل وهذا خبر وقعة دولاب، روى صاحب الأغاني 1 بسنده إلى خالد بن خِداش قال: " إن نافع بن الأزرق لما تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم في أصول مقالتهم أقام بسوق الأهواز وأعمالها لا يعترض الناس وقد كان متشككاً في ذلك، فقالت له امرأته
إن كنت قد كفرت بعد إيمانكم وشككت فدع نحْلتك ودَعوتك، وإن كنت قد خرجت من الكفر إلى الإسلام فاقتل الكفار حيث لقيتهم وأنخن في النساء والصبيان، كما قال نوح عليه السلام (لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً) فقبل قولها بسط سيفه فقتل الرجال والنساء والولدان، وجعل يقول: إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم، فإذا وطئ بلداً فَعَلَ هذا به إلى أن يجيبه أهله، ويدخلوا في ملته فيرفع السيف ويضع الجبابة، فعظم أمره واشتدت شوكته وفشا عماله في السواد، فارتاع لذلك أهل البصرة ومشوا إلى الأحنف بن قيس وشكوا إليه أمرهم، قالوا: ليس ببننا وبين القوم إلا ليلتان وسيرتهم ما عَلِمْتَ، فقال لهم الأحنف: إن سيرتهم في مصركم إذا ظفروا به مثل سيرتهم في سوادكم، فخذوا في جهاد عدوكم، وحرضهم فاجتمع إليه عشرة آلاف رجل بالسلاح فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل وسأله أن يؤمر عليهم أميراً، فاختار لهم مسلم بن عُبَيْس بن كُرَيْز بن ربيعة وكان فارساً شجاعاً ديِّناً، فأمَّره عليهم فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس وقال: إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا فضة، وإنى لا حارب قوما إذا ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم، فمن كان من شأنه الجهاد فلينهض، ومن أحب الحياة فليرجع، فرجع نفر يسير، فلما صاروا بدُوْلاب خرج إليهم نافع واقتتلوا قتالاً شديداً حتى تكسرت الرماح، وعُقِرت الخيل، وكثرت الجراح والقتْلى، وتضاربوا بالسيوف والعَمَد فقتل في المعركة ابن عُبَيس وذلك في جمادى الآخرة سنة خمسة وستين، وقتل نافع بن الأزرق، والشُّراة يومئذٍ ستمائة رجل، وكانت الحدَّة وبأس الشُّراة واقعاً ببني تميم وبنى سدوس، واسخلف ابن عُبَيْس وهو يجود بنفسه الربيعَ بن عمرو الغُدَانِيَّ وكان يقال له: الأجذم، وكانت يده أصيبت بكابل مع عبد الرحمن بن سَمُرة، واستخلف نافعُ بن الأزرق عُبَيْد الله بن بشير أحد بنى سليط ابن يربوع، ولم يزل الربيع يقاتل الشُّراة نيفاً وعشرين يوماً، ثم أصبح ذات يوم فقال لأصحابه: إني مقتول لا محالة، إني رأيت البارحة كان يدي التي أصيبت بكابل
انحطت من السماء فجذبتني، فلما كان من الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم فقتل يومئذٍ، فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب، إذ لم يكن لهم رئيس، ثم أجمعوا على الحَجَّاج بن باب الحِمْيَرِيِّ، وقد اقتتل الناس يومئذٍ وقبله يومين قتالاً شديداً لم يقتتلوا مثله: تطاعنوا بالرماح حتى تقصَّفتْ، ثم تضاربوا بالسيف والعَمَد حتى لم يبق لأحد منهم قوة، حتى كان الرجل يضرب الرجل فلا يغني شيئاً من الإعياء، وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون بالافواه، فلما تدافع القوم الراية اتفقوا على الحجاج وامتنع من أخذها، فقال له كُرَيب بن عبد الرحمن: خذها ولا تخف، فإنها مَكْرُمة، فقال إنها لراية مشئومة ما أخذها أحد إلا قتل، فقال له كريب: يا أعور تقارعت العرب (على أمرها) ثم صيروها إليك فتأبى خوف القتل؟ خذ اللواء، فإن حضر أجلك قتلت: كانت معك أو لم تكن، فأخذ اللواء وناهضهم واقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس 1، والخوارج أقوى عُدَّة بالدروع والجواشِن 2، فجعل الحجاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب في الشُّراة ويَطْعُن فيهم، ويقتل حتى يظن أنه قد قتل، ثم يرفع رأسه وسيفه يقطر دماً، ويفتح عينيه فيرى الناس كراديس يُقاتل كلُّ قوم في ناحية، ثم التقى الحجاج وعِمْرَان بن الحارث الراسبيُّ فاختلفا ضربتين: كل منهما قتل صاحبه، ثم تحاجزوا فأصبح أهل البصرة وقد هرب عامتهم وولوا حارثة بن بدر الغُدَانِيَّ أمرهم، فلما تسلم الراية نادى فيهم أن يثبتوا فإذا فتح الله عليهم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة، وندب الناس فالتقوا وليس بأحد منهم قوة وقد فشت فيهم الجراحات، وما تطأ الخيل إلا على القتلى، فبينا هم كذلك إذا أقبل من اليمامة جمع من الشُّرَاة يقول المُكَثِّر إنهم مائتان، والمقلل: إنهم أربعون، فاجتمعوا وهم مريحون مع أصحابهم فصاروا كوكبة واحدة، فحملوا على الناس فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم وقال:
كرنبوا ودلبوا وحَيْثُ شِئْتُمْ فاذْهَبُوا وقال: أيْرُ الْحِمَارِ فَرْيَضَة لِعَبِيدَكُمْ والْخُصْيَتَانِ فَرِيضَةُ الأَعْرَابِ فتتابع الناس على أثره منهزمين، وتبعهم الخوارج فألقوا أنفسهم في دجيل 1 فغرق منهم خلق كثير، وسلمت بقيتهم، وكان ممن غرق دَغْفَل بن حنظلة أحد بني عمرو بن شيبان، ولحقت قطعة من الشُّراة خيل عبد القيس فأكبوا عليهم
فعطفت عليهم خيل بني تميم فعاونوهم وقاتلوا الشُّراة حتى كشفوهم، فانصرفوا إلى أصحابهم وعبرت بقية الناس، فصار حارثة ومن معه بنهرِ تِيْرى والشُّراة بالأهواز، فأقاموا ثلاثة أيام، وكان على الأزد يومئذٍ قَبِيصة بن أبي صُفْرة أخو الْمُهَلَّب، وغرق من الأزد يومئذٍ عدد كثير، فقال شاعر الأزارقة: (من الوافر) يَرَى مَنْ جَاءَ يَنْظُرُ في دُجَيْلٍ شُيُوخَ الأَزْدِ طَافِيَةً لِحَاهَا " وأنشد أيضاً: (من الرجز) يَا قاتل الله بني السعلاة عمرو بْنِ يَرْبُوعٍ شِرَارِ النَّاتِ وتقدم شرحه مفصلا في الشاهد الثالث والعشرين بعد المائتين.
مسائل التمرين أنشد فيها: (من الرجز) لا تَقْلُوَاهَا وادْلُوَاهَا دلوا إن مع اليوم أخاه غدوا وتقدم شرحه في الشاهد السادس عشر بعد المائتين.
وأنشد بعده - وهو الشاهد السابع والأربعون بعد المائتين -: (من الوافر)
مَتَى مَا تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ رَوَانِفُ ألْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا على أن قوله " وتسطارا " من استطاره: أي طيره.
" ومتى " اسم شرط، و " تلقني " شرطه و " ترجف " جزاؤه، وروي بدله " تُرْعَدْ " بالبناء للمفعول، و " روانف " فاعل ترجف، و " فردين " حال من الفاعل والمفعول.
قال أبو على: " تستطارا، جزم عطف على تُرْعد، حملته على الأليتين أو على معنى الروانف، لأنهما اثنان في الحقيقة، وهذا أحسن من أن تحمله على أن
في (تستطارا) ضمير الروانف، وتجعل الألف بدلاً من النون الخفيفة، لأن الجزاء واجب " انتهى.
والروانف: جمع رانفة، بالراء المهملة والنون والفاء، وهي طرف الألية الذي يلي الأرض إذا كان الإنسان قائماً، و " تستطارا " بمعنى تطلب منك أن تطير خوفاً وجبناً، والعرب تقول: لمن اشتد به الخوف: طارت نفسه خوفاً.
وقد شرحنا هذا البيت على وجوه شتى من الإعراب، ونقلنا ما للناس فيه في الشاهد التاسع والستين بعد الخمسمائة من شواهد شرح الكافية.
وهو من أبيات ثلاثة عَشَر لعنترة العبسى الجاهلي خاطب بها عُمارة بن زياد العبسي، وقد شرحناها هناك على وجه لا مزيد عليه بعون الله وفضله.
وأنشد بعده: (من الرجز) مَا بال عيني كالشعيب الْعَيَّنِ وتقدم الكلام عليه في الشاهد الخامس والعشرين من أوائل هذا الكتاب مقدمة علم الخط أنشد فيها: (من الطويل) قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
وتقدم الكلام عليه أيضاً في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة من هذا الكتاب.
وأنشد بعده: (من الرجز) بل جوز تيهاء كظهر الْحَجَفَتْ وهذا أيضاً قد تقدم شرحه في الشاهد الواحد بعد المائة من هذا الكتاب.
وأنشد الْجَارَبَرَدِيُّ فيها - وهو الشاهد الثامن والأربعون بعد المائتين -: (من الرجز)
248 - بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِ مِنْ أسِيرِهَا حُرَّاسُ أبْوَابٍ عَلَى قُصُورِهَا على أن عمرا إذا دخله اللام لضرورة الشعر لا تلحقه الواو المميزة بينه وبين عمر وحُرَّاس: جمع حارس، فاعل باعد: أي جعلوه بعيداً لا يقدر على القرب من بابها، وأم العمر: مفعول باعد، والْقُصُور: جمع قصر وهو بيت على بيت، و " على " بمعنى اللام وهذا البيت أنشده ابن جني في سر الصناعة عن الأصمعي لزيادة اللام في العلم ضرورة، وتبعه ابن هشام في بحث " أل " من المغني، وهو لأبي النجم العِجْلِيِّ، وبعده: وغَيْرَةٌ شَنْعَاءَ مِنْ غَيُورِهَا فَالسِّحْرُ لاَ يُفْضِي إلَى مَسْحُورِهَا وغيره: معطوف على حُرَّاس، وأراد بالغَيُور زوجها، وأراد بالسِّحْر كلامها اللذيذ الذي يستميل القلوب كما تستمال بالسحر، والإفضاء: الوصول، وأراد بالمسحور نفْسَه.
وأبو النجم من بني " عِجْل "، واسمه الفضل بن قدام، وهو أحد رجاز الإسلام المتقدمين في الطبقة الأولى، قال أبو عمرو بن العلاء: هو أبلغ من العجاج في النعت، وله مع هشام بن عبد الملك نوادر وحكايات مضحكات أوردها
الأصبهاني في كتاب الأغاني: وأنشد بعده أيضاً - وهو الشاهد التاسع والأربعون بعد المائتين -: (من الرجز) 249 - هُمُ الأُلَى إنْ فَاخَرُوا قَالَ الْعُلَى بفى امرئ فاخر كم عَفْرُ الْبَرَى على أن الألى المقصور لا يكتب بعد ألفه واو، لأن الألف واللام قبله
اشتباهه بإلى الجارة.
والبيت من مقصورة ابن دريد اللُّغَوِيِّ، وقبله: بَلْ قَسَماً بِالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ هَلْ لِمُقْسمٍ مِنْ دُونِ هَذَا مُنْتَهَى كان أقسم أولاً بابل الْحَجَّاج على طريقة العرب، ثم أضرب فأقسم بالشُّمِّ من يَعْرُبَ، والشم: السادات والأشراف، جمع أشم، وهو المرتفع الأنف، وهو من صفات الشريف، و " من يعرب " في موضع الحال للشُّم، أو صفة له، لأن لامه للجنس، ويعرب: أبو قبيلة من عرب اليمن، وهو يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام، وإنما أقسم به لأنه أبو الأزد، وابن دريد أزدي، فيكون أقسم بآبائه وأجداده العظماء، و " هل " للاستفهام التقريري، وهو حمل المخاطب على الإقرار و " مُقْسِم " اسم فَاعل من أقسم، و " دون " بمعنى غير، اسم الإشارة ليعرب، و " منتهى " غاية ينتهي إليها، وهو فاعل الظرف، والجملة اعتراض بين القسم وبين جوابه الآتي بعد أربعة أبيات.
وقوله " هم الألى إلخ " استئناف بياني في جواب لِمَ لا يكون دون يعرب مُنْتَهَى لِلْمُقْسِم، و " الالى " بمعنى الذين، واحده الذي من غير لفظه و " فاخروا " عارضوا بالفخر، والفخر: التمدح بالخصال المحمودة، والعلى: الرفعة.
وقوله " بفِي امْرِئٍ " خبر مقدم، وجملة " فاخركم " صفة امرئٍ و " عَفْرُ الْبَرَى " مبتدأ مؤخر
والجملة دعائية مقول القول، والعفو - بفتح العين المهملة وسكون الفاء -: التراب المنبث في الهواء، والبَرَى - بفتح الموحدة -: التراب، و " هم " مبتدأ و " الأُلى " خبره، والجملة الشرطية مع جوابها صلة الالى، وجواب القسم بعد أبيات ثلاثة على هذا النمط، وهو: أزَالُ حَشْوَ نَثْرَةٍ مَوْضُونَةٍ حَتَّى أُوَارَى بَيْنَ أثْنَاءِ الْجُثَى
أي: لا أزال، فحذفت لا النافية، كقوله تعالى: (تفتؤ تذكر يوسف) وحَشْو: بمعنى لابس، لأن حشو الشئ يلبس الشئ، والنثرة: الدرع السابغة، والموضونة: المحكمة، وَأُوَارَى: بالبناء للمفعول بمعنى أغَطَّى، والأثناء: جمع ثِنْي - بكسر فسكون - وهو تراكب الشئ بعضه على بعض، والْجُثَى - بضم الجيم -: جمع جَثْوَة بفتحها، وهو التراب المجموع ويعني به تراب القبر.
وابن دريد هو أبو بكر محمد بن الحسن الأزْدِي، ولد بالبصرة ونشأ بها، أخذ العلم عن جم غفير من المشاهير، كأبي حاتم، والرياشى، والأُشْنَانَدَانِيِّ، وابنْ أخي الأصمعي، ثم خرج إلى نواحى فارس، وصحب جماعة من ملوكها وصحب ابْنَ مِيَكَال الشاه، وأخاه، وكانا يومئذٍ على عمالة فارس، فعمل لهما كتاب الجمهرة في اللغة، وقلداه ديوان فارس، ثم مدحهما بهذه القصيدة المقصورة وهي تشتمل على نحو الثلث من المقصور، وفيها كل مثل سائر، وخبر نادر، والمواعظُ الحسنة، والحكمُ البالغةُ، وقد شرحتها قديماً شرحاً مختصراً فيه حَلُّ ألفاظها وبيان معانيها وعاش رحمه الله ثلاثاً وتسعين سنة، ومات في سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، وقد استوفينا الكلام على ترجمته وسرد مؤلفاته وأحواله في شرح المقصورة ولنختم الكلام بحمد الله ذي الإنعام، والصلاة والسلام على أفضل رسله الكرام محمد وعلى آله وصبحه العظام
(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين، وبعد فهذا فهرس تراجم الشعراء الذين ترجمتهم في شرح شواهد شرحي الشافية لنجم الائمة الرضى، والفاضل الجاربردى، ولم تذكر في شرح شواهد الكافية حرف الالف أبو الاخزر الحمانى: في الشاهد الثلاثين والازرق العنبري: في الخامس والستين وأعشى همدان: في الواحد والاربعين بعد المائة وإسماعيل بن يسار النساء: في السابع والخمسين بعد المائة والاعلم بن جرادة: في الستين بعد المائة وأنيف بن زبان: في الثمانين بعد المائة حرف الجيم جامع بن عمرو الكلابي: في الشاهد التاسع والستين بعد المائة وجندل بن المثنى الطهوى: في السادس والسبعين بعد المائة حرف الحاء حيى بن وائل: في الشاهد التاسع والاربعين وأبو حزابة التميمي: في الثالث والسبعين بعد المائة وحجر والد امرئ القيس: في الثالث والثمانين بعد المائة وحصين بن قعقاع: في الثامن والتسعين بعد المائة حرف الخاء خلف الاحمر: في الشاهد الثاني بعد المائتين.
حرف الدال دكين الراجز: في الشاهد الخامس والاربعين.
حرف الراء المهملة رهيم بن حزن: في الشاهد الواحد والخمسين.
حرف السين سؤر الذئب: في الشاهد الواحد بعد المائة وسكين بن نضرة: في الثاني عشر بعد المائة.
حرف الشين الشاطبي المقرئ: في الشاهد المائة حرف الصاد الصمة الجشمى: في الشاهد الثالث والاربعين حرف الطاء طريف بن تميم: في الشاهد الخامس والسبعين بعد المائة حرف العين أبو عمرو بن العلاء: في الشاهد السادس عشر وعياض بن درة: في الثاني والاربعين وعذافر الكندى: في الثاني عشر بعد المائة.
وعمرو بن المسبح الطائى: في الثاني والعشرين بعد المائتين.
وعبد الله خازن كتب الصاحب بن عَبَّاد: في السادس والاربعين بعد المائة.
حرف الفاء الفضل بن العباس: في الشاهد السادس والعشرين
حرف القاف قصى بن كلاب: في التاسع والاربعين بعد المائة.
وقعنب ابن أم صاحب: في الثامن والثلاثين بعد المائتين.
حرف الكاف
الفضل بن العباس: في الشاهد السادس والعشرين
حرف القاف قصى بن كلاب: في التاسع والاربعين بعد المائة.
وقعنب ابن أم صاحب: في الثامن والثلاثين بعد المائتين.
حرف الكاف أبو كاهل اليشكرى: في الشاهد الثالث عشر بعد المائتين.
حرف اللام لقيم بن أوس: في الشاهد الثاني والثلاثين بعد المائة.
حرف الميم مرة بن محكان: في الشاهد الرابع والثلاثين بعد المائة.
ومضاض بن عمرو الجرهمى: في السابع والخمسين بعد المائة.
حرف النون أبو النجم العجلى: في الشاهد الثامن والأربعين بعد المائتين.
حرف الواو الوليد بن عقبة بن أبي معيط: في الشاهد الثامن والثلاثين بعد المائة وعدة الجميع أربعة وثلاثون
وكان الفراغ من تسويد هذه الاوراق بعد المغرب من ليلة الجمعة الثالثة عشر من صفر الخير عام ثمانين وألف بعد الهجرة النبوية قال ذلك وكتبه مؤلفه الفقير إلى رحمة ربه وغفرانه عبد القادر بن عمر البغدادي، لطف الله به وبآبائه وبجميع المسلمين آمين.
انتهى من خط المؤلف